وكلام طائفة من الأصحاب يشعر ببناء هذه المسألة على هذه القاعدة.
والفرق بين هذه المسألة والتى قبلها أن تحريم الزنى ثابت في جميع الشرائع فلذلك حددناه وأما الخمر فإنه لا يعتقد تحريمه فلذلك حددناه وأما الخمر فإنه لا يعتقد تحريمه فلذلك لا يحد.
وقيل إنما يعتقد حل اليسير فلذلك حددناه إذا سكر على اختيار المحدود وظاهر ما ثبت في السنة من قصة حمزة لما شرب الخمر قبل نزول التحريم وزال عقله وجب الأسنمة١ ولم ينقل أن النبي ﷺ عنفه على ذلك يدل على أن الخمرة كانت مباحة ولو كثرت.
وبناء هاتين المسألتين ومسألة الظهار على القاعدة ليس ببناء جيد لان فرض ذلك فيما إذا كان ذميا والتزم أحكام المسلمين فلذلك أجريت عليه أحكامنا إلا أن يعتقد إباحته كالخمر.
أما لو كان حربيا فظاهر كلام الأصحاب أنه لاحد عليه ولا كفارة والقول بالتكليف عام في الحربى والذمى والله أعلم.
ومنها: إذا نذر الكافر عبادة نص الإمام أحمد على صحة نذره وهذا يحسن بناؤه على القاعدة.
ولنا قول بأنه لا يصح مأخذه أن نذره للعبادة كالعبادة وليس من أهلها.
ومنها: إذا قلنا باشتراط التسمية على الصيد أو الذبيحة محل هذا في المسلم وأما الكافر فهل يشترط في حقه كما يشترط في حق المسلم في المسألة روايتان ويحسن بناؤهما على هذه القاعدة.
ومنها: إذا قلنا باشتراط التسمية في طهارة الحدث فمحل هذا في المسلم وحكى صاحب الإرشاد٢ وجهين في اعتبار التسمية لغسل الذمية من الحيض ويحسن بناؤهما على هذه القاعدة لكن ينبغى أن يتعدى إلى غسل الجنابة إذا قلنا للزوج إجبارها عليه.
стр. 72
ومنها: أن الذمية لا يفتقر غسل حيضها إلى نية وقال ابن تميم واعتبر الدينورى في تكفير الكافر بالعتق والإطعام النية فكذا هنا وهذا يحسن بناؤه على القاعدة.
стр. 73
القاعدة ٨
يشترط لصحة التكليف أن يكون المكلف عالما بما. كلف به ويعبر عنه تكليف الغافل.
فيه خلاف مبنى على التكليف بالمحال فإن منعنا ذاك منعنا هذا بطريق الأولى وان جوزناه فللأشعري١ هنا قولان نقلهما ابن التلمسانى٢ وغيره.
قالوا: والفرق أن التكليف هناك فيه فائدة وهى ابتلاء الشخص واختباره.
وفرقوا بين التكليف بالمحال وتكليف المحال أى بإسقاط البناء.
فقالوا: الأول ضابطه أن يكون الخلل راجعا إلى المأمور به والثانى ضابطه رجوع الخلل إلى المأمور نفسه كتكليف الغافل.
إذا تقرر هذا فههنا مسائل تتعلق بجاهل الحكم هل هو معذور أم لا؟
ترتبت على هذه القاعدة فإذا قلنا يعذر فإنما محله إذا لم يقصر ويفرط في تعلم الحكم أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزما.
فمن المسائل: إذا تكلم في الصلاة جاهلا بتحريم الكلام أو الإبطال به.
стр. 74
قال بعض أصحابنا الحديث العهد بالإسلام فقال القاضى في الجامع لا أعرف فيها رواية عن أحمد وأبدى احتمالا بعدم البطلان وذكره ابن تميم وجها وذكر أبو محمد فيه روايتين كالناسى وفرق القاضى بينهما بأن الجاهل بتحريم الكلام تكلم بإباحة لان الكلام كان مباحا في صدر الإسلام وليس كذلك الناسى لانه تكلم بعد نسخ الكلام والعلم١.
ولا يلزم الجاهل الأكل في الصوم مع جهله بالتحريم أنه يبطل صومه لانه لم يسبق بالشرع إباحة الأكل في الصوم والله أعلم.
ومنها: إذا أكل في الصلاة أو شرب يسيرا جاهلا بتحريم ذلك فهل تبطل صلاته في المسألة روايتان وان كثر بطل رواية واحدة ذكره ابن تميم وغيره.
وظاهر المستوعب والتلخيص لا فرق بين القليل والكثير وإذا قلنا بالبطلان فلا فرق بين النفل والفرض على الصحيح.
ومنها: إذا أوجبنا الكفارة على أظهر الروايتين في وطء الحائض على العالم فهل تجب على الجاهل في المسألة روايتان وقيل وجهان.
ومنها: إذا أوجبنا الموالاة والترتيب في الوضوء على الصحيح من الروايتين فهل يسقطان بالجهل ذكرنا في الناسى خلافا فالجاهل مثله.
ومنها: إذا قلنا على الصحيح من الروايتين أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء فإن كان جاهلا بالحدث فروايتان اختار الخلال وغيره عدم النقض قال الخلال واستقر عليه قوله لخفاء الدليل.
ومنها: إذا قلنا لا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وعطن الإبل على الصحيح من الروايتين فان كان جاهلا بالنهى فروايتان والمذهب عند الأصحاب عدم الصحة.
ومنها: إذا قلنا على الصحيح من الروايتين لا تصح صلاة الرجل فذا
стр. 75
خلف الصف فلو كان غير عالم بالحديث فهل تصح صلاته في المسألة روايتان.
ومنها: إذا قلنا لا تصح الصلاة في الكعبة الفرض على الصحيح والنفل في رواية ضعيفة فان كان غير عالم بالنهى فهل تصح في المسألة روايتان.
ومنها: إذا أكل الصائم أو شرب أو احتجم وكان جاهلا بتحريمه فسد صومه نص عليه الإمام أحمد في الحجامة.
وذكر في المغنى والمنتخب أن جاهل التسمية في الذبيحة لا يعذر وقاسه على الصوم وجزم به فيخرج فيها من الخلاف مثل ما في تلك ويتعدى إلى كل موضع أو جنبا فيه التسمية من وضوء أو غسل أو تيمم أو أكل على خلاف في ذلك.
وفي الهداية والتبصرة لا يفسد وعن أحمد في الحجامة إن علم الحاجم والمحجوم الحديث أفطر وإلا فلا.
ومنها: إذا جامع في إحرامه جاهلا بتحريم ذلك فحكمه حكم العالم هذا المذهب الذي نقله الجماعة عن أحمد.
ومنها: لو لبس أو تطيب أو غطى رأسه جاهلا تحريم ذلك قال بعض المتأخرين يتوجه أن يكون كالصوم وقال القاضى لخصمه يجب أن يقول ذلك.
وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض مسائل تتعلق بذلك في قاعدة إذا لم يبادر المكلف وبان خطأ ظنه.
ومنها: إذا أثبتنا خيار المعتقة فوطئها وكانت غير عالمة بثبوت الخيار فهل يسقط خيارها أم لا؟
حكى طائفة من الأصحاب روايتين ولم يفرقوا بين جهل الحكم وجهل العتق الذي يحتمل خفاؤه وظاهر كلام صاحب المستوعب أن محل الخلاف في جهل الحكم أما جهل العتق الذي يخفي فلا يسقط جزما.
стр. 76
ومنها: لو ولد على فراشه ولد واخر نفيه من غير عذر وقال لم أعلم أن لي نفيه أو لم أعلم أن النفي على الفور وكان قريب عهد بالإسلام قبل منه وإلا فلا تقبل دعواه سواء كان ممن تربى بين أهل العلم أو من العوام المسافرين في الآفاق وأرباب الصنائع الذين لا يخالطون العلماء ذكره القاضى في المجرد.
وقال أبو محمد إن كان من عامة الناس قبل منه لان هذا مما يخفي عليهم فعذره بالجهل وان كان فقيها فلا يقبل منه على الصحيح لان ظاهر حاله يخالف دعواه وليس الفقيه من القاعدة.
ومنها: إذا أوجبنا الدم على من قدم الحلق على الرمى في رواية فإن كان جاهلا فلا شىء عليه.
وأما الحدود فإنها لا تجب إلا على عالم بالتحريم وأما من جهل وجوب الحد فإنه يسقط عنه بجهله ذكره غير واحد من الأصحاب.
ومنها: إذا أوجبنا الترتيب في قضاء الفوائت على الصحيح من الروايتين فلا يعذر بالجهل بوجوبه هذا المذهب جزم به غير واحد ولنا قول يعذر على الصحيح من الروايتين.
ومنها: إذا قلنا المذهب الصحيح لا تصح الصلاة في ثوب حرير أو مغصوب فإذا كان جاهلا بالنهى فهل تصح صلاته في المسألة روايتان.
ومنها: إذا عتقت الأمة في الصلاة ولم تكن مستترة بسترة حرة وجهلت وجوب السترة فإنه يلزمها إعادة الصلاة ذكره القاضى وغيره وقاسوا ذلك على المعتقة فيخرج فيها مثلها الخلاف.
ومنها: إذا صلى وعليه نجاسة وجهل حكمها جعلها في الرعاية كجهل عينها في الروايتان.
ومنها: إذا فعل فعلا مستكثرا من غير جنس الصلاة وكان جاهلا بتحريمه هل تبطل صلاته أم لا قال ابن تميم قال بعض أصحابنا لا تبطل قال والأولى جعله كالناسى.
стр. 77
قلت: فيكون فيه الطريقتان وقد تقدمتا في مسائل النسيان.
ومنها: واجبات الصلاة التى تسقط بالسهو وتبطل الصلاة بتركها عمدا ذكر صاحب الرعاية إذا تركها جهلا بوجوبها أن حكمه حكم السهو وعزاه إلى نص أحمد.
ومنها: لو قام الإمام إلى ركعة زائدة وسبح به اثنان لزمه الرجوع مالم يتيقن صواب نفسه فان لم يرجع بطلت صلاته وتبطل صلاة متابعه عالما لا جاهلا على الأصح فيهما.
ومنها: لو فرق الإمام المأمومين في صلاة الخوف أربع فرق وصلى بكل فريق ركعة في الرباعية وقلنا ببطلان صلاة طائفة مع الإمام فمن جهل المفسد صحت صلاته إن جهله الإمام كحدثه وقيل لا تصح مطلقا.
стр. 78
القاعدة ٩
الترك هل هو من قسم الأفعال أم لا؟
فيه مذهبان أصحهما عند الآمدي وابن الحاجب وغيرهما الأول ولهذا قالوا في حد الأمر اقتضاء فعل غير كف.
وقال طائفة من أصحابنا لا تكليف إلا بفعل ومتعلقة في النهى كف النفس إذا تقرر هذا فههنا مسائل تتعلق بذلك.
منها: إذا ألقى إنسان إنسانا في نار أو ماء لا يمكنه التخلص منه فمات به فعلى الملقى القصاص وان أمكنه التخلص أو لا يقتل غالبا فلم يفعل حتى هلك فلا قصاص لاجل الشبهة وهل تجب الدية؟
في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يضمن الدية لكن يضمن ما أصابت النار منه.
والثانى: يضمن الدية ويدل لها ما أشرنا إليه.
والثالث: يضمنه في الإلقاء في النار دون الماء اليسير لان الماء يدخله الناس للغسل والسباحة والنار سعيرها مهلك بنفسه.
ومنها: لو جرحه إنسان فترك مداواة جرحه أو فصده فترك شد محل فصاده فإنه لا يسقط الضمان ذكره في المغنى محل وفاق.
وذكر بعض المتأخرين لا ضمان في ترك شد محل الفصاد ذكره محل وفاق وذكر في ترك مداواة الجراح من قادر على التداوى وجهين وصحح الضمان.
стр. 79
وذكر لو حبس إنسانا ومنعه الطعام والشراب وهو يقدر على أخذه من غيره فتركه حتى مات لا ضمان فيه.
ومنها: لو أمكنه أنجاء إنسان من هلكة فلم ينجه حتى تلف فهل يضمن.
في المسألة وجهان: وقيل هما في وجوبه هكذا ذكر من وقفت على كلامه وخص الحكم بالإنسان فيحتمل أن يتعدى إلى كل مضمون إذا أمكنه تخليصه فلم يفعل حتى تلف هل يضمه يخرج في المسألة وجهان وصرح بذلك ابن الحاجب في فروعه في الصيد في الاحبولة ولكن بناه على القاعدة.
ويحتمل أن يختص الخلاف في الإنسان دون غيره لانه أعظم حرمة من غيره.
ويحتمل أن يتعدى إلى كل ذي روح كما اتفق الأصحاب على بذل فاضل الماء للبهائم وحكوا في الزرع روايتين.
وذكر الشيخ أبو محمد إذا اضطرت بهيمة الأجنبي إلى طعامه ولا ضرر يلحقه ببذله حتى ماتت فإنه يضمنها وجعلها كالآدمي.
ومحل الضمان وعدمه إذا كان المتلف لا يحال الضمان عليه أما إن كان يحال الضمان عليه فإنه لاضمان على المشاهد ويضمن المباشر لقوة المباشرة.
стр. 80
القاعدة ١٠
الفرض والواجب مترادفان شرعا في أصح الروايتين عن أحمد.
اختارها جماعة منهم ابن عقيل وقاله الشافعية.
وعن الإمام أحمد الفرض آكد اختارها جماعة منهم ابن إسحاق بن شاقلا١ والحلوانى٢ وذكره ابن عقيل عن أصحابنا وقاله الحنفية وابن الباقلانى واختلف اختيار القاضى.
فعلى هذه الرواية الفرض ما ثبت بدليل مقطوع به وذكره ابن عقيل عن أحمد وقيل ما لا يسقط في عمد ولا سهو وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية أن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما كان بالسنة.
وعلى الثانى يجوز أن يقال بعض الواجبات أوجب من بعض.
ذكر القاضى وغيره أن فائدته أنه يثاب على أحدهما أكثر وأن طريق أحدهما مقطوع به وطريق الآخر مظنون وذكرهما ابن عقيل على الأول.
стр. 81
قال غير واحد والنزاع في المسألة لفظى.
فإن أريد أن المأمور به ينقسم إلى مقطوع به ومظنون فلا نزاع في ذلك وان أريد أنه لا تختلف أحكامها فهذا محل نظر فإن الحنفية ذكروا مسائل فرقوا فيها بين الفرض والواجب.
منها: الصلاة فإنها مشتملة على فروض وواجبات والمراد بالفرض الأركان وأن الفرض لا يتسامح في تركه سهوا والواجب لا يتسامح في تركه عمدا.
ومنها: الحج فإنه مشتمل على فروض وواجبات وأن الفرض لا يتم النسك إلا به والواجب يجبر بدم.
ومنها: المضمضة والاستنشاق واختلف قول أحمد فيهما هل يسميان فرضا أم لا فنقل أبو داود وابن إبراهيم١ لا يسميان فرضا وانما يسميان سنة مؤكدة أو واجبا لان حد الفرض ما ثبت من طريق مقطوع به بنص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع وليس طريق ثبوتهما كذلك وانما ثبتا بأخبار الآحاد.
ونقل أبو بكر بن محمد إن تركهما يعيد كما أمر الله وهذا يدل على تسميتها فرضا لانه جعل الدلالة القرآن وهو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وهذا عام.
واختار ابن عقيل في الفصول أنهما واجبان لا فرضان.
واختلف أصحابنا هل لهذا الخلاف فائدة فلا يصح الوضوء بتركهما عمدا ولا سهوا وان قلنا انهما سنة فلا يصح الوضوء بتركهما عمدا ويصح سهوا.
стр. 82
القاعدة ١١
الوجوب قد يتعلق بمعنى كالصلاة والحج وغيرهما ويسمى واجبا معينا وقد يتعلق بأحد أمور معينة كخصال كفارة اليمين وكفارة الأذى وكفارة الصيد على الصحيح فيهما.
وقاله جماعة الفقهاء والاشعرية نقله الآمدي عنهم واختاره ابن الحاجب والبيضاوى١ وغيرهما وقاله بعض الأصوليين.
وقال المعتزلة الجميع واجب بصفة التخيير وقال ابن برهان والجوينى إن وجوب الجميع قول المعتزلة وهو أبو هاشم٢.
قلت: وأطلق الوجوب من المعتزلة الجبائى٣ والد أبى هاشم والقاضى عبد الجبار٤ وجماهير مشاهير المعتزلة وكان الكرخى الحنفي ينصر هذا مرة
стр. 83
ومرة لا ينصره كقولنا.
وقال بعض المعتزلة الواجب مبهم عندنا معين عند الله تعالى إما بعد اختياره واما قبله بأن يلهمه الله تعالى إلى اختياره وهذا القول يسمى قول التزاحم لأن الأشاعرة قال بعضهم الواجب واحد معين عند الله تعالى غير معين عندنا ولكن المكلف قد لا يفعله بل يفعل غيره ويقع نفلا بسقط به الفرض.
إذا تقرر هذا فهل النزاع بين الفقهاء ومن وافقهم من الاشاعرة وبين من قال من المعتزلة الجميع واجب هو في اللفظ أم في المعنى؟
فالذي قاله أبو الحسن البصرى١ وغيره الخلاف بين الفقهاء والمعتزلة في اللفظ دون المعنى قائلا أى هم يعنون بوجوب الجميع على التخيير أنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان بجميعها وللمكلف اختيار أي واحد كان وهو بعينه مذهب الفقهاء في خلاف في المعنى.
وأما في اللفظ فالخلاف أن المعتزلة يقولون وجوب الجميع على التخيير والفقهاء بوجوب واحد من حيث هو أحدها.
وأيضا فإن المعتزلة يطلقون الواجب على كل فرد بالحقيقة وعلى المشترك بالمجاز والفقهاء يعكسون فيهما.
وقال القطب تقرير قول أبى الحسين في شرح المختصر وفي كون هذه العناية رافعة للخلاف المعنوى نظر لان من ذهب من المعتزلة إلى أنه يثاب ويعاقب على كل واحد ولو أتى بواحد يسقط عنه الباقى بناء على أن الواجب قد يسقط بدون الأداء يقول بأنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان به مع أن الخلاف بينه وبين الفقهاء قائم في المعنى لان عند الفقهاء لا يثاب ولا يعاقب إلا على فعل واجب واحد أو ترك واجب واحد.
وكأن هذا مذهب من لم يعبأ به منهم إذ المعتبرون منهم كأبى هاشم
стр. 84
وغيره لم يذهب إلى أنه يثاب ويعاقب على الجميع على ما قال الإمام١ في البرهان٢ أن أبا هاشم اعترف بأن تارك الحلال لا يأثم إثم من ترك واجبات ومن أتى بها جميعها لم يثب ثواب واجبات لوقوع الامتثال بواحد.
وذكر صاحب تنقيح الأدلة فيه أن أبا على وأبا هاشم ومتابعيهما يعنون بوجوب الكل على التخيير أن الله أرادها جميعها لما فيها من المصلحة وكره ترك جميعها ولم يكره ترك واحدة إلى الأخرى.
وهو صريح في أنه لا يعاقب على ترك الجميع لقوله ولم يكره ترك واحدة إلى الأخرى وكذا قول عبد الجبار في عمد الأدلة.
وها هنا بحث محقق نافع ذكره ابن الحاجب وغيره في رد مذهب القائلين بأن الجميع واجب فقالوا: أحد الأشياء قدر مشترك بين الخصال كلها لصدقه على كل واحد منها وهو واحد لا تعدد فيه وانما التعدد في محله لان المتواطىء موضوع لمعنى واحد صادق على أفراد كالإنسان وليس موضوعا لمعان متعددة وإذا كان واحدا استحال فيه التخيير وانما التخيير في الخصوصيات وهى خصوص الإعتاق مثلا أو الكسوة أو الإطعام فالذي هو متعلق الوجوب لا تخيير فيه والذي هو متعلق التخيير لا وجوب فيه.
وإذا قلنا بالقول الصحيح الذي عليه الفقهاء والاشاعرة إذا أتى المكفر بالخصال معا فانه يثاب على كل واحد منها لكن ثواب الواجب أكثر من ثواب التطوع ولا يحصل إلا على واحد فقط وهو أعلاما إن تفاوتت لانه لو أقتصر عليه لحصل له ذلك فإضافة غيره إليه لا تنقصه وان تساوت قبل أحدها وان ترك الجميع عوقب على أقلها.
لأنه لو اقتصر عليه لاجزأه وذكر ذلك ابن التلمسانى في شرح المعالم وابن برهان.
وقال القاضى وغيره يأثم بقدر عقاب أدناها لا أنه يفسر عقاب أدناها.
стр. 85
وفي التمهيد وغيره ومعناه في الواضح يثاب على واحد ويأثم بواحد ولكن قال الشيخ مجد الدين١ في تقرير إخراج الجميع دفعة نظر.
قلت: وقد يتصور بأن يوكل شخصا في الاعتاق ويتلفظ هو والوكيل معا بالعتق وبتمليك الفقراء الطعام والكسوة والله أعلم.
ومما ينبنى على القاعدة إذا أوصى في الكفارة المخيرة بخصلة معينة وكانت قيمتها تزيد على قيمة الخصلتين الباقيتين فهل يعتبر الجميع من رأس المال أم الزائد من الثلث فهذه المسألة لم أرها منقولة فيما وقفت عليه من كتب أصحابنا.
وحاصلها يرجع إلى أن الواجب المخير كالواجب المعين أم لا والذي يظهر فيها أن الجميع معتبر من رأس المال وأخذته من مسألتين ذكرهما الأصحاب.
إحداهما إذا جنى العبد المرهون جناية موجبة للمال فيخير سيده بين ثلاثة أشياء فديته بأقل الأمرين أو بيعه في الجناية أو تسليمه إلى ولى الجناية فيملكه هذا هو الصحيح عن الإمام أحمد.
وعنه رواية أخرى يخير بين شيئين فقط وعلى هذه الرواية هل الشيئان فداؤه وبيعه في الجناية أو فداؤه ودفعه في الجناية في المسألة روايتان فإذا فداه المرتهن بغير إذن الراهن فهل يرجع إليه أم لا في المسألة طريقان للأصحاب.
إحداهما وهى طريقة الشيخ أبى محمد أنها تخرج على مسألة من أدى عن غيره واجبا بغير إذنه وكذلك قال صاحب المستوعب والترغيب.
والطريق الثانية وهى التى جزم بها في المحرر عدم الرجوع.
وجه قول أبى محمد ومن قال بقوله أنه أدى واجبا عن غيره في الجملة فقياسه في هذه المسألة أنه يعتبر الجميع من رأس المال وهو موافق للقاعدة من كون الواجب أحدها.
стр. 86
ووجه قول أبى البركات أنه أدى عنه شيئا غير محتم عليه عينا.
والمسألة الثانية: إذا وجب سبع بدنه كاملة فهل الجميع واجب لا يجوز له أكل شيء منه أم السبع واجب والباقى يجوز له الأكل منه في المسألة وجهان ذكرهما بعض الأصحاب.
قال ابن عقيل في تعليل أن الجميع واجب كما لو اختار الأعلى من خصال الكفارة فجعل خصال الكفارة أصلا وأنه اختار الأعلى يكون واجبا والقاعدة في الواجبات أنها تخرج من رأس المال وصرح بذلك غالب الأصحاب ولم يفرقوا بين واجب مخير وواجب معين والله أعلم.
وبعد أن كتبت هذا وجدت القاضى قال في المجرد من كتاب الأيمان إذا مات من عليه كفارة يمين بالمال وأوصى بالعتق فيها تكون الوصية من ثلثه فإن خرجت من الثلث أعتق عنه وإن كان الثلث لا يفي سقطت الوصية وأطعم عنه قال أبو البركات ابن تيمية وعندى أن المعتبر من الثلث ما يزيد بالعتق على الإطعام أو على قيمة الكسوة أو كان لغلائه فأما قدر قيمة الأدنى فيعتبر من رأس المال.
قال وهذا يعين تأويل كلام القاضى عليه إذ لا يسوغ عندنا سواه.
وقال الخطيب فخر الدين بن تيمية١ في الترغيب ولو أوصى بالعتق في كفارة مخيرة لزمه وكان من رأس المال ولو عينه من الثلث جعلها كما لو قال أخرجوا الواجب من ثلثى.
стр. 87
القاعدة ١٢
يجوز تحريم واحد لا بعينه كقوله لا تكلم زيدا أو بكرا فهو منع من أحدهما لا بعينه عند أصحابنا والشافعية وهو ظاهر كلام الإمام أحمد قاله أبو البركات والقاضى.
والكلام فيه كالكلام في الواجب المخير قال الآمدي وتبعه ابن الحاجب وخالف في ذلك القرافي وقال يصح التخيير في المأمور به ولا يصح في المنهى عنه لان القاعدة تقتضى أن النهى متعلق بمشترك حرمت أفراده كلها لأنه لو دخل فرد إلى الوجود لدخل في ضمنه المشترك فيلزم المحظور ولا يلزم من إيجاب المشترك كل فرد منها حصلت في ضمنه واستغنى عن غيره.
إذا تقرر هذا فمن فروع القاعدة.
إذا كان له أمتان وهما أختان فهل يجوز له الجمع بينهما في الوطء مع الكراهة أم يحرم؟
في المسألة طريقان.
أحدهما يحرم جزما وهذا طريق القاضى في العمدة١ وأبى العباس.
والطريق الثانى في المسألة روايتان والمذهب التحريم وهذا طريق أبى الخطاب وأبى محمد وصاحب الترغيب وغيرهم.
стр. 88
فإذا قلنا بالتحريم فله وطء أيتهما شاء على الصحيح من المذهب ومنع منه أبو الخطاب حتى يحرم الأخرى بما يأتى ذكره فإذا وطىء إحدهما لم تبح له الاخرى حتى يحرم غير الموطوأة على نفسه بتزويجها أو إزالة ملكه عنها.
قال ابن عقيل ولا يكفي في إباحة الثانية مجرد إزالته حتى تمضى حيضة الاستبراء وتنقضى فتكون الحيضة كالعدة وتبعه على ذلك صاحب الترغيب والمحرر.
قال أبو العباس ليس هذا القيد في كلام أحمد وعامة الأصحاب.
وهل يكفي تحريمها بالكتابة والرهن والبيع بشرط الخيار على وجهين ولو زال ملكه عن بعضها قال أبو العباس كفاه وهو قياس قول أصحابنا.
وإذا حرمت الموطوأة ثم رجعت إليه بعد أن وطىء الباقية أقام على وطئها واجتنب الراجعة عند أبى البركات بناء على انقطاع الفراش بالإخراج والمنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه يجتنبها حتى يحرم إحداهما ولو رجعت قبل وطء الباقية وطىء أيتهما شاء عند أبى البركات بناء على انقطاع الفراش وظاهر كلام الخرقى تحريمها حتى يحرم إحداهما.
وقال صاحب المغنى فيه تباح الراجعة دون الباقية ولو خالف أولا فافترشهما واحدة بعد واحدة لزمه أن يمسك عنهما حتى يحرم إحداهما.
قال القاضى في المجرد المحرمة هى الثانية فله إذا استبرأها وطء الأولى.
وحيث أبحنا له إحداهما بتحريم الأخرى فهو جار على القاعدة إذ هو تحريم واحد لا بعينه.
ومنها: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة فأسلمن معه أو كن كتابيات أمسك منهن أربعا وفارق سائرهن وهو جار على القاعدة إذ هو تحريم بعض غير معين.
стр. 89
القاعدة ١٣
وقت الواجب إما بقدر فعله وهو الواجب المضيق أو أقل منه والتكليف به خارج عن تكليف المحال أو أكثر منه وهو الواجب الموسع.
والوجوب يتعلق بجميع الوقت وجوبا موسعا عند أصحابنا ومحمد بن شجاع١ وأبى على وأبى هاشم.
وقال القاضى أبو الطيب٢ هو مذهب الشافعى وأصحابه.
وهل يشترط لجواز التأخير عن أول الوقت العزم فيه وجهان اختاره أبو الخطاب في التمهيد ومال إليه القاضى في الكفاية٣ وأبو البركات لأنه لا يشترط. واختاره أبو على وأبو هاشم والرازى٤ وذكر أنه قول أبى الحسين البصرى.
وقالت الحنفية بل يتعلق بآخر الوقت واختلفوا فيما إذا فعله في أوله.
стр. 90
فقال بعضهم يقع نفلا يمنع لزوم الفرض واختلف النقل عن الكرخى منهم فنقل عنه أنه كان تارة يقول بتعين الواجب بالفعل في أى أجزاء الوقت كان وتارة يقول إن بقى الفاعل مكلفا إلى آخر الوقت كان ما فعله قبل ذلك واجبا وإلا فهو نفل ونقل عنه الوجوب يتعلق بآخر الوقت أو بالدخول في الصلاة قبله.
وقال بعض المتكلمين الوجوب متعلق بجزء من الوقت غير معين كما تعلق في الكفارة بواحد غير معين.
قال أبو البركات وهذا أصح عندى وأشبه بأصولنا في الكفارات فيجب أن يحمل مراد أصحابنا عليه ويكون الخلل في العبارة.
قلت: جعل ابن عقيل في الفصول مسألة الواجب الموسع كالواجب المخير وقاسها عليها فهو موافق لما اختاره أبو البركات وذكره في الواضح عن الكرخى واختاره أيضا في مسألة الواجب المخير لكن صرح القاضى وابن عقيل أيضا في موضع من كلامه وغيرهما بالفرق وقال في المحصول١ والمنتخب ومن أصحابنا من قال إن الوجوب يختص بأول الوقت فإن فعله في آخره كان قضاء قال طائفة من محققى الشافعية.
ولعل هذا القول التبس على صاحب المحصول بوجه الاصطخرى٢ حيث ذهب إلى أن وقت العصر والعشاء والصبح يخرج بخروج وقت الاختيار لكنه نقله الشافعى في الأم عن المتكلمين وهذا يحتمل أن يكون سببا لهذا الغلط أيضا.
стр. 91
القاعدة ١٤
يستقر الوجوب في العبادة الموسعة بمجرد دخول الوقت ولا يشترط إمكان الأداء على الصحيح من المذهب.
ونعنى بالاستقرار وجوب القضاء اذ الفعل إذا غير ممكن ولا مأثوم على تركه ذكره أبو البركات.
إذا تقررهذا فمن فروع القاعدة.
إذا دخل وقت الصلاة على المكلف بها ثم جن أو حاضت المرأة قبل أن يمضى زمن يسعها فإن القضاء يجب عندنا في أصح الروايتين.
والاخرى لا يجب اختارها أبو عبد الله ابن بطة وابن أبى موسى.
ومحل الخلاف على ظاهر ما ذكره القاضى في الجامع الكبير وابن أبى موسى والشيخ أبو البركات في شرح الهداية وغيرهم فيما إذا دخل الوقت ثم طرأ المانع.
وذكر أبو المعالى أنه لو زال المانع في آخر الوقت أنه على الخلاف في أوله.
ومنها: إذا أيسر من لم يحج ثم مات من تلك السنة قبل التمكن من الحج فهل يجب قضاء الحج عنه؟
في المسألة روايتان أظهرهما الوجوب.
ومنها: إذا أتلف النصاب قبل إمكان الأداء على الصحيح من الروايتين وجب عليه ضمان الزكاة وإن قلنا يعتبر فإنه لا يضمنها هكذا جزم به طائفة من الأصحاب وجزم في الكافي ونهاية أبى المعالى بالضمان واحتجا به
стр. 92
للمذهب لأنها لو لم تجب لم يضمنها وقاسه أبو المعالي على تفويته العبد الجاني.
وإن تلف النصاب بعد الحول قبل التمكن من الأداء فالمذهب المشهور أن الزكاة لا تسقط بذلك إلا زكاة الزرع والثمار إذا تلفت بجائحة قبل القطع فتسقط زكاتها اتفاقا لانتفاء التمكن من الانتفاع بها.
وخرج ابن عقيل وجها بوجوب زكاتها أيضا وهو ضعيف مخالف للإجماع الذي حكاه ابن المنذر١ وغيره وعن أحمد رواية ثانية بالسقوط.
فمن الأصحاب من قال هى عامة في جميع الأموال ومنهم من خصها بالمال الباطن دون الظاهر ومنهم من عكس ذلك ومنهم من خصها بالمواشى.
واختلف الأصحاب في مأخذ الخلاف على طريقتين:
أحدهما أنه على الخلاف في محل الزكاة فإن قيل هو الذمة لم تسقط. وإلا سقطت وهو طريق الحلوانى في التبصرة والسامرى وقيل إنه ظاهر كلام الخرقى قال شيخنا أبو الفرج وفي كلام أحمد إيماء إليه أيضا.
والطريق الثانى عدم البناء على ذلك وهو طريق القاضى والأكثرين فوجه الاستقرار مطلقا إن قلنا تتعلق الزكاة بالذمة فظاهر وإن قلنا بالعين فبناء على أنه لا يشترط في وجوبها إمكان الأداء لأن وجوبها كان شكرا للنعمة ثم سلبها وهو النصاب التالف وشرطها وهو الحول فاستقرار وجوبها بتمام الانتفاع بهذا المال حولا كاملا كالأجرة المعينة المستقرة بانقضاء مدة الإجارة.
وأيضا فمن الأصحاب من قال تلفها لا ينفي تعلقها بالذمة فهى كالدين والرهن.
وجه السقوط مطلقا أنا إن قلنا تعلقها بالعين فواضح كالإبانات والعبد الجانى وإن قلنا بالذمة فالوجوب إنما يستقر بالتمكن من الأداء في رواية.
واختار صاحب المغنى السقوط مطلقا.
стр. 93
ومن أمكنه الأداء ولكن خاف رجوع الساعى فكمن لم يمكنه أما لو أمكنه الأداء فلم يزك لم يسقط عنه كزكاة الفطر والحج.
ومنها: الصيام فإذا بلغ الصبى مفطرا أو أفاق مجنون في اثناء يوم من رمضان أو أسلم فيه كافر لزمهم القضاء في أصح الروايتين.
ومنها: إذا وصل عادم الماء إلى الماء وقد ضاق الوقت فعليه أن يتطهر ويصلى بعد الوقت ذكره صاحب المغنى وخالفه صاحب المحرر وقال يصلى بالتيمم وهو ظاهر كلام أحمد في رواية صالح.
أما قضاء العبادات فاعتبر الأصحاب له إمكان الأداء فقالوا: فيمن أخر قضاء رمضان لعذر ثم مات قبل زواله إنه لا يطعم عنه وإن مات بعد زواله والتمكن من القضاء أطعم عنه.
وأما المنذورات ففي اشتراط التمكن لها من الأداء وجهان كالروايتين في الصلاة والحج فلو نذر صياما أو حجا ثم مات قبل التمكن منه فهل يقضى. عنه على الوجهين وعلى القول بالقضاء فهل يقضى عنه الفائت بالمرض خاصة كما اختاره صاحب المحرر أم الفائت بالمرض وبالموت أيضا على وجهين.
وقريب من هذه القاعدة مسألتان والصحيح فيهما أنه يشترط إمكان الفعل.
إحداهما إذا أحرم الإنسان وفي يده صيد فإنه يجب عليه إرساله فإن مات الصيد قبل التمكن من إرساله جزم الشيخ أبو محمد بعدم الضمان وقد نبه عليه ابن عقيل في الفصول وقال بعض الأصحاب يضمن.
الثانية إذا نذر أضحية أو الصدقة بدراهم معينة فتلفت فهل يضمن أم لا في المسألة روايتان.
وقال جماعة منهم القاضى وأبو الخطاب ولو تمكن من الفعل نظرا إلى عدم تعيين مستحق كالزكاة وإلى تعلق الحق بعين معينة كالعبد الجانى.
وأما أبو المعالى بن منجا فقال إن تلفت قبل التمكن فلا ضمان وإلا
стр. 94
فوجهان إن قلنا يسلك بالنذر مسلك الواجب شرعا ضمن وإن قلنا مسلك التبرع لم يضمن.
وقريب من القاعدة أيضا إذا وجب عليه حق فلم يؤده حتى وجد مالو كان موجودا حالة الوجوب لمنع الوجوب هل يمنع الوجوب أم لا وذلك في مسائل.
منها: إذا جامع في رمضان ثم مرض لم تسقط عنه الكفارة نص عليه الإمام أحمد وكذلك إذا مات أو حاضت المرأة أو نفست وأبدى أبو الخطاب في الانتصار وجها أنها تسقط بالحيض والنفاس والموت وكذلك الجنون إن منع طوافه الصحة.
ومنها: إذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فهل يجوز له قصر الصلاة أم لا في المسألة روايتان ولنا وجه إن كان الوقت قد ضاق امتنع القصر وإلا فلا.
ومنها: لو سافر في اثناء يوم في رمضان هل له الفطر أم لا في المسألة روايتان.
ومنها: إذا قتل ذمى أو عبدا ذميا ثم أسلم القاتل أو عتق قبل استيفاء القصاص منه لم يسقط عنه القصاص في المنصوص عن الإمام أحمد وظاهر نقل بكر بن محمد عن أحمد رحمه الله تعالى عدم قتل من أسلم وهو احتمال لصاحب المغنى.
ومنها: لو قتل وهو بالغ عاقل فلم يستوف منه حتى جن فإنه يستوفي منه حال جنونه في الصحيح من المذهب.
ومنها: إذا زنى بامرأة ثم تزوجها أو ملكها قبل إقامة الحد لم يسقط عنه الحد.
ومنها: لو سرق نصابا فلم يقطع حتى نقصت قيمته لم يسقط عنه القطع وكذلك لو ملكه سارقه عند أبى بكر عبد العزيز وغيره وجزم به جماعة وسواء ملكه قبل الترافع أو بعده وذكره ابن هبيرة عن الإمام أحمد.
стр. 95
وقال ابن عقيل وصاحب المغنى والإيضاح١ يسقط قبل الترافع إلى الحاكم لحديث صفوان٢ قال الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادى٣ حديث صفوان صحيح وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجه من غير وجه عن صفوان.
стр. 96
القاعدة ١٥
الأمر الذي أريد به جواز التراخى بدليل أو بمقتضاه عند من يراه إذا مات المأمور به بعد تمكنه منه وقبل الفعل لم يمت عاصيا عند الأكثرين.
وقال قوم يموت عاصيا واختاره الجوينى في مسألة الفور والتراخى.
وحكى الأول مذهب الشافعى والمحققين من أصحابه.
وحاصل ذلك يرجع إلى من أبيح له فعل شيء أو تركه فإنه لا يترتب عليه شيء إذا تقرر هذا فمن فروعه القاعدة.
إذا مات من أبيح له التأخير في أثناء وقت الصلاة قبل الفعل وقبل ضيق الوقت وتمكن من الأداء فهل يموت عاصيا أم لا في المسألة وجهان للأصحاب أصحهما العصيان وأبداه أبو الخطاب في انتصاره قال لأنه إنما يجوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة.
ومنها: إذا ضرب المستأجر الدابة أو الرائض بقدر العادة أو شجها١ فتلفت لم يضمنها وكذلك المعلم إذا ضرب الصبى أو الزوج امرأته في النشوز لإباحة ذلك له ونص أحمد في الرجل يؤدب ولده أو السلطان رعيته بضرب العادة أو ق قطع ولى الصغير سلعة٢ لمصلحته إنه لا ضمان عليه كما لو مات المحدود في الحد.
ومنها: لو ذكرت امرأة عند السلطان بسوء فأرسل ليحضرها فماتت
стр. 97
فزعا فهل يضمنها أم لا؟
في المسألة وجهان ذكرها غير واحد من الأصحاب وكذلك الوجهان لو استعدى عليها رجل بالشرطى في دعوى له فماتت فزعا غهل يضمنها المستعدى أم لا وقال صاحب المغنى يضمنها إن كان ظالما لها وإن كانت هى الظالمة فلا يضمنها.
قلت: والذي قاله المغنى بأنه يضمنها إن كان ظالما لها فلا تردد فيه وإن لم يكن ظالما فهذا ينبغى أن يكون محل الخلاف والله أعلم.
وأما جنينها فمضمون نص عليه الإمام أحمد لأن موت الجنين بسبب المعتدى أو المرسل أشبه ما لو اقتص منها.
ولنا قول بعدم الضمان لأن المرسل غير متعد.
ومنها: لو وقفت دابة في طريق واسع فأتلفت شيئا فهل يضمن مالكها أم لا؟
في المسألة روايتان عدم الضمان لأنه غير متعد بالضمان لأن الوقوف مشروط بسلامة العاقبة.
قلت: هكذا وجه غير واحد من الأصحاب هذه الرواية وليس ذلك بجار على أصولنا والله أعلم.
قال الحارثى والأقوى نظرا عدم الضمان حالة القيام في الطريق كما أورد القاضى وغيره دون حالة الربط وإن كان صاحب التلخيص صرح بالخلاف في الربط فإن الربط عدوان محض لوقوعه في غير ملك ولأن القدر الذي يملكه هو المرور فالربط غير مستحق وأما القيام فليس عدوانا فلا يصير به ضامنا.
هذا ما لم تكن الجناية خلقا للدابة فإن كانت خلقا لها فهى كالعقور.
قلت: قول الحارثى القدر الذي يملكه هو المرور فالربط غير مستحق يرد عليه في القيام فإن القيام ليس بمرور ويصير عدوانا فيضمن.
ومنها: لو حفر بئرا في طريق واسع لنفع المسلمين ففي المسألة طريقان.
стр. 98
أحدهما إن كان بإذن الإمام جاز وإن كان بدون إذنه فروايتان على الإطلاق قاله أبو الخطاب وصاحب المغنى إذ البئر مظنة العطب وحيث قلنا بالجواز فلا ضمان صرح به القائلون بالجواز.
ومنها: لو فعل بالمسجد ما تعم مصلحته كبسط حصير وتعليق قنديل أو نصب عمد أو باب فلا ضمان لما تلف به أذن الإمام أو متولى المسجد أو جيرانه أم لا هذا ما حكاه القاضى في الجامع الصغير١ وأبو الخطاب والشريفان أبو جعفر٢ وأبو القاسم٣ والسامرى في آخرين عن المذهب.
وأصله ما نص عليه الإمام أحمد من رواية ابن سنان في مسألة حفر البئر إلا أن يكون بئرا أحدثها لماء المطر فإن هذا منفعة للمسلمين فأرجوا أن لا يضمن وكذلك نصه في رواية إسحاق بن منصور كل من لم يكن له شيء يفعله في طريق المسلمين ففعله فأصاب شيئا فهو ضامن فإن المفهوم منه انتفاء الضمان بما ينشأ عن الفعل المباح وخرج أبو الخطاب وأبو الحسن بن بكروش رواية بالضمان بناء على الضمان في البئر.
قال الحارثى ولا يصح هذا التخريج لأن الحفر عدوان لإبطال حق المرور وليس كذلك ما نحن فيه.
قلت: وجه من قال بالضمان مطلقا في رواية البئر مظنة العطب.
وذكر القاضى في المجرد وكتاب الروايتين٤ إن أذن الإمام فلا
стр. 99
ضمان وإن لم يأذن فعلى وجهين بناء على الروايتين في البئر وتبعه ابن عقيل في الفصول على ذلك.
وقد مر الكلام في البئر مع أنهما قالا وقال أصحابنا في بوارى المسجد لا ضمان على فاعله وجها واحدا بأذن الإمام وغير إذنه لأن هذا من تمام مصلحته.
ومنها: لو جلس إنسان في المسجد أو طريق واسع وعثر به حيوان فمات فهل يضمنه أم لا؟
في المسألة وجهان أوردهما أبو الخطاب وتبعه أبو محمد المقدسي قال الحارثى ولم أر لأحد قبله هذا الخلاف.
وأصله ما مر من الروايتين في ربط الدابة بالطريق الواسع ومحله ما لم يكن الجلوس مباحا كالجلوس في المسجد مع الجنابة والحيض أو للبيع والشراء ونحو ذلك أما ما هو مطلوب كالاعتكاف والصلاة والجلوس لتعليم القرآن والسنة فلا يتأتى الخلاف فيه بوجه وكذلك ما هو مباح من الجلوس في جوانب الطرق الواسعة كبيع مأكول ونحوه لامتناع الخلاف في عدم جوازه لأنه جلس فيما يستحقه بالاختصاص فهو كالجلوس في ملكه من غير فرق وقد حكى القاضى الجزم في مسألة الطريق الواسع.
قال الحارثى وهذا التقييد حكاه بعض شيوخنا في كتبه عن بعض الأصحاب إذ لا بد منه لكنه يقتضى اختصاص الخلاف بالمسجد دون الطريق لأن الجلوس بالطريق الواسع إما مباح كما ذكرنا فلا ضمان وإما غير مباح كالجلوس وسط الحارة فالضمان واجب ولا بد.
وقد يقال هذا المعنى موجود بعينه في المسجد فالخلاف منتف أيضا.
فنقول الفرق بينهما أن المنع ثبت في الحارة لذات الجلوس فتمحض السبب بكليته عدوانا والمسجد المنع فيه لم يكن لذات المسجد بل المعنى قارنه وهو إما البيع أو الجنابة أو الحيض فلم يكن ذات السبب عدوانا وصار كمن جلس في ملكه بعد النداء للجمعة وعثر به حيوان فإنا لا نعلم قائلا بالضمان مع أن الجلوس ممنوع منه.
стр. 100
قلت: ويمكن أن يقال بالضمان ولو قلنا بإباحة ذلك له بناء على ما وجه به غير واحد من الأصحاب رواية الضمان إذا أوقف دابة في طريق واسع بأنه مشروط بسلامة العاقبة وهذا كذلك لكنه مخالف لأصولنا والله أعلم.
ومنها: إخراج الأجنحة والساباطات١ والخشب والحجارة من الجدر إلى الطريق إذا لم يضر به هل يجوز ذلك أم لا نص الإمام أحمد في رواية أبى طالب وابن منصور ومهنا٢ وغيرهم أنه لا يجوز ويضمن ولم يعتبر إذن الإمام في ذلك كذا ذكر القاضى في المجرد وصاحب المغنى.
وقال القاضى في خلافه الأكثرون يجوزون ذلك بإذن الإمام مع انتفاء الضرر وفي شرح الهداية لأبى البركات في كتاب الصلاة إن كان لا يضر بالمارة جاز وهل يفتقر إلى إذن الإمام على روايتين.
وأما الميازيب٣ ومسايل المياه فكذلك عند الأصحاب وفي المغنى احتمال بجوازه مطلقا مع انتفاء الضرر واختاره طائفة من المتأخرين.
وقال أبو العباس إخراج الميازيب إلى الدرب النافذ هو السنة.
وحيث قلنا بالجواز إما مطلقا أو بإذن الإمام فلا ضمان صرح به القائلون الجواز.
ومنها: أن سراية القود غير مضمونة فلو قطع اليد قصاصا فسرى إلى النفس فلا ضمان جزم به الأصحاب.
ومنها: لو أريدت نفسه أو ماله أو حرمته دفع عن ذلك بأسهل ما يعلم أنه يندفع به قاله أبو محمد المقدسي والسامرى.
стр. 101
وقال في الترغيب والمحرر يدفعه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به.
واختار أبو محمد المقدسي وغيره له دفعة بالأسهل إن خاف أن يبدره فإن قتل الدافع فهو شهيد وإن قتل المدفوع فلا ضمان فيه.
ولنا احتمال وجه قاله في الترغيب إن أمكن المدفوع الخلاص من الدافع بدخول حصن أو صعود قلعة أو جبل أو الاختفاء بزحمة وماشا كل ذلك لم يجز له دفعه بالقتل والضرب جزم به صاحب المستوعب.
وسواء كان الصائل١ آدميا أو بهيمة هكذا جزم الأصحاب به في باب الصائل فيما وقفت عليه من كتبهم وأنه حيث أبحنا له القتل فلا ضمان.
وقال أبو بكر عبد العزيز في تنبيهه إنه إذا قتل صيدا صائلا عليه الجزاء وذكر صاحب الترغيب فرعين.
أحدهما لو حال بين المضطر وبين الطعام بهيمة لا تندفع إلا بالقتل جاز له قتلها وهل يضمنها على وجهين.
الفرع الثانى لو تدحرج إناء من علو على رأسه فكسره دفعا عن نفسه بشيء تلقاه به فهل يضمنه على وجهين مع جواز دفعه.
وجزم صاحب الترغيب في باب الأطعمة أن المضطر إلى طعام الغير وصاحبه مستغن عنه إذا قتله المضطر فلا ضمان عليه إذا قلنا بجواز مقاتلته وحكى في جواز المقاتلة وجهين.
قلت: والمنع قول ابن أبى موسى والجواز قول أبى الخطاب والشيخ أبى محمد وغيرهما.
ونقل عبد الله عن أبيه أنه كره المقاتلة فهذا مشكل فإنه يلزمه على قول أبى بكر تخريج قول أنه إذا قتل إنسانا صائلا عليه أنه يضمنه كالصيد.
ثم وجدت الحارثى في كتاب الغصب خرج ضمان الصائل على قول أبى بكر في ضمان الصيد الصائل على المحرم.
стр. 102
ويلزم على الفرعين اللذين ذكرهما صاحب الترغيب أنه يخرج لنا وجه أنه إذا قتل المضطر صاحب الطعام المستغنى عنه أنه يضمنه إلا أن يفرق بفرق مؤثر فيمتنع التخريج والله أعلم.
ومنها: لو عض إنسان أنسانا فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه ذهبت هدرا هذا هو المذهب وقال جماعة من الأصحاب يدفعه بالأسهل فالأسهل كالصائل.
ومنها: لو نظر إنسان في البيت إنسان فحذف عينه ففقأها فلا شيء عليه.
وقال بعض أصحابنا وسواء كان الباب مفتوحا أو نظر من خصاص١ الباب ونحوه وكان مغلوقا ظاهر كلام الإمام أحمد أنه يعتبر من هذا أنه لا يمكنه دفعه إلا بذلك وقال ابن حامد يدفعه بالأسهل فالأسهل كالصائل.
وقال بعض أصحابنا إذا كان في الدار نساء من محارمه ولم يكن متجردات ليس لصاحب الدار رميه وخالف صاحب المغنى في ذلك وقال ولو خلت من نساء فحذف٢ عينه ونحو ذلك فهدر.
ولو كان أعمى وتسمع لم يجز طعن أذنه وأجازه ابن عقيل وقال لا ضمان فيه هكذا ذكر الأصحاب الأعمى إذا تسمع وحكوا فيه القولين.
والذي يظهر أن المتسمع البصير يلحق بالناظر على قول ابن عقيل سواء كان أعمى أو بصيرا.
ومنها: لو وطىء زوجته الكبيرة المحتملة للوطء وفتقها فإنه لا يضمنها جزم به في الهداية والمغنى والترغيب والمستوعب وغيرهم.
وههنا مسألة مشكلة وهى أن قضاء رمضان على التراخى جزم به غير واحد من الأصحاب وعزاه في الخلاف إلى نص أحمد وذكره القاضى في الخلاف في الزكاة على الفور واحتج بنصه في الكفارة.
стр. 103
فعلى قول القاضى لا إشكال وعلى قول الجمهور القضاء على التراخى ومع هذا قالوا: إذا أمكنه القضاء فلم يقض فإنه يلزمه الإطعام لكل مسكين يوم.
ومقتضى ما تقرر من قاعدة المذهب أنه لا يلزمه شيء لكن روى الإطعام عن ابن عباس باسناد جيد ورواه البيهقى بإسناد صححه عن أبى هريرة رضى الله عنه ورواه مرفوعا بإسناد ضعيف وكذلك روى طائفة من الأصحاب.
стр. 104
القاعدة ١٦
...
مسألة ١٦
إذا ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر وقت العبادة الموسعة تضيقت العبادة عليه ولا يجوز تأخيرها عن الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يبقى بعده لأن الظن مناط التعبد.
وقد استفدنا من هذا التعليل أن ذكر الوقت وقع على سبيل المثال وأن الضابط في ذلك هو ظن الإخراج عن وقته بأى سبب كان.
إذا علمت فمن فروع المسألة:
أن تعتاد المستحاضة انقطاع دمها في وقت بعينه يتسع لفعل الصلاة فإن الفرض بتضيق عليها ذكره الأصحاب.
قلت: وقياسه أن تعتاد المرأة وجود الحيض في أثناء الوقت من يوم معين فإن الفرض يتضيق عليها.
ثم وجدت غير واحد من الأصحاب صرح بجواز تأخير الصلاة في الوقت الموسع ما لم يظن مانعا من الفعل كموت وقتل وحيض ونحوه وكذا من يقدر على شرطها في أول الوقت دون آخره ليس له تأخيرها عند وجود الشرط.
ونقل بعض أصحابنا الإجماع على إثم من أخر الواجب الموسع مع ظن مانع من موت أو غيره ونقل بعضهم يأثم مع عدم ظن البقاء إجماعا.
فإذا فعل المكلف العبادة مع ظن المانع فلا كلام وأما إذا لم يبادر وبان له خطأ ظنه بأن عاش ففعل بعد الوقت الذي ظنه فقال القاضيان أبو
стр. 105
بكر والحسين١ يكون ما فعله قضاء وقال أصحابنا وغيرهم إذا كان ظنه قد بان خطأ.
إذا علمت ذلك فمن فروع المسألة عدة.
إذا باع مال أبيه يظن حياته ثم بان ميتا فهل يصح البيع أم لا؟
في المسألة قولان وقيل روايتان مدركهما ما ذكرنا وكذلك إذا باع مال غيره يظن أنه لم يوكل فيه ثم بان أنه وكل فيه ففي صحة البيع وجهان.
ومنها: إذا طلق امرأته يظنها أجنبية فبانت زوجته هل تطلق أم لا في المسألة روايتان.
ومنها: لو لقى امرأة في الطريق فقال تنحى يا حرة فإذا هى أمته ففيها الخلاف أيضا ونص أحمد على ذلك وفي المغنى احتمال بالتفريق لأن هذا يقال كثيرا في الطريق.
ومنها: لو أمره غيره باعتاق عبد يظن أنه للآخر فتبين أنه عبده هل يعتق أم لا قال صاحب التلخيص يحتمل تخريجه على من أعتق عبدا في ظلمة ثم تبين أنه عبده لكن يرجع هنا على الآمر بالقيمة لتغريره له ويحتمل أن لا ينفذ لتغريره بخلاف ما إذا لم يغره أحد فإنه غير مغرور فينفذ عتقه لمصادفته ملكه إذ المخاطبة بالعتق لعبد الغير شبيهة بعتق الهازل والمتلاعب فينفذ وكذا في الطلاق.
قال شيخنا ونظير هذا في الطلاق أن يوكل شخصا في تطليق زوجته ويشير إلى امرأة معينة فيطلقها ظانا أنها امرأة الموكل ثم يتبين أبها امرأته.
ومنها: لو اشترى آبقا٢ يظن أنه لا يقدر على تخليصه فبان بخلاف
стр. 106
ذلك فهل يصح العقد أم لا في المسألة وجهان لاعتقاده فقد شرط الصحة وهو موجود في الباطن.
وفي المغنى احتمال ثالث بالفرق بين من يعلم أن البيع يفسد بالعجز عن تسليم المبيع فيفسد البيع في حقه لأنه متلاعب وبين من لا يعلم ذلك فيصح لأنه لم يقدم على ما يعتقده باطلا وقد تبين وجود شرط الصحة.
فبهذا تبين أن للمسألة التفاتا إلى مسألة بيع الهازل والمشهور بطلانه وهو قول القاضى وقال أبو الخطاب في انتصاره هو صحيح.
ومنها: لو وطىء زوجته ظانا أنها أجنبية فهل تحل لمن طلقها ثلاثا أم لا في المسألة قولان المذهب أنها تحل ويأثم على نيته.
ومنها: إذا صلى خلف شخص يظنه غير مبتدع وقلنا لا تصح إمامته فبان بعد الصلاة مبتدعا أعاد ذكره في الفصول لأن المبتدع لا يؤم بخلاف المحدث فإن المتيمم يؤم.
ومنها: لو ظن سجود سهو فسجد ثم تيقن أن لا سهو قال في التلخيص يسجد سجدتى السهو لزيادة السجدتين ولنا وجه لا سجود فيه.
ومنها: إذا حمل نجاسة ظانا أنها من الطاهرات ثم تبين له أنها نجاسة هل تلزمه إعادة أم لا في المسألة روايتان بناء على الروايتين فيمن صلى ثم وجد عليه نجاسة بعد الصلاة لم يكن علم بها.
ومنها: لو دعا امرأة محرمة عليه فأجابه غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد سواء كانت المدعوة ممن له فيها شبهة كالجارية المشتركة أو لم تكن جزم به صاحب المغنى لأنه لا يعذر بهذا قال كما لو قتل رجلا يظنه ابنه فبان أجنبيا.
ومنها: لو قتل من يظنه أو يعلمه ذميا أو عبدا فبان أنه قد عتق أو أسلم أو قتل رجلا يظنه قاتل أبيه فلم يكن فهل يجب القود أم لا؟ في المسألة قولان المذهب وجوبه.
стр. 107
فعلى المذهب لو ظنه أو علمه مرتدا فبان أنه قد أسلم ففي وجوب القود قولان.
ومنها: لو رمى شيئا يظنه حجرا فإذا هو صيد فهل يحل أم لا المذهب أنه لا يحل وأبدى أبو الخطاب احتمالا بالحل واختاره الشيخ أبو محمد وقال ولو شك هل هو صيد أم لا أو غلب على ظنه أنه ليس بصيد لم يبح قال في الترغيب ولو سمع حسا يظنه آدميا فصادف صيدا فهو حرام.
قلت: ولم يذكر فيها احتمال أبى الخطاب فيما إذا ظنه حجرا فإذا هو صيد ويمكن الفرق بينهما بإباحة رمى الحجر إذا ظنه حجرا دون رمى الآدمى.
ومنها: إذا غلب على ظنه أن صلاته قد تمت فتكلم ثم تبين أنها لم تتم فثلاث روايات ثالثتها تبطل صلاة المأموم دون الإمام هذا أحد الطريقين للأصحاب.
ومنها: لو أكل يظن أو يعتقد أنه ليل فبان نهارا في أوله أو آخره فهل يجب القضاء أم لا المذهب وجوب القضاء.
وحكى صاحب الرعاية رواية لا قضاء على من جامع يعتقده ليلا فبان نهارا واختاره أبو العباس.
واختار صاحب الرعاية إن أكل يظن بقاء الليل فأخطأ لم يقض لجهله وإن ظن دخوله فأخطأ قضى.
ومنها: إذا بلع مال غيره وقلنا يشق جوفه مطلقا فظنه له فبان لغيره فهل يشق جوفه فيه وجهان.
ومنها: لو صلوا صلاة الخوف لشيء ظنوه عدوا فبان ليس بعدو هل تلزمهم الإعادة أم لا المذهب تلزمهم.
وقيل لا تلزمهم وحكاه ابن هبيرة رواية عن الإمام أحمد.
وإن بان بينهم وبينه مانع أعادوا على المذهب كما لو ترك غسل رجليه ومسح على خفيه ظنا منه أن ذلك يجزىء فبانا مخرقين وكما لو ظن المحدث أنه متطهر فصلى ثم بان محدثا وأبدى صاحب المغنى احتمالا بعدم الإعادة.
стр. 108
وإن بان ولكن يقصد غيرهم فلا إعادة في أصح القولين كما لا يعيد من خاف عدوا في تخلفه عن رفيقه فصلاها ثم بان أمن الطريق.
ومنها: لو رأى سوادا فظنه عدوا أو سبعا فتيمم وصلى ثم بان بخلافه فهل تلزمه الإعادة فيه وجهان ذكرهما أبو البركات وغيره وصحح عدم الإعادة لكثرة البلوى بذلك في الأسفار بخلاف صلاة الخوف فإنها نادرة في نفسها وهى كذلك أندر.
ومنها: لو حلف على شيء يظنه فبان بخلافه فهل يحنث أم لا؟
في المسألة روايتان قال جماعة من أصحابنا إن محل الروايتين في غير الطلاق والعتاق فيحنث فيهما جزما.
وقال أبو العباس الخلاف في مذهب أحمد جار في الجميع قال وكذلك لو خالع وفعل المحلوف عليه معتقدا أن الفعل بعد الخلع لم تتناوله يمينه أو فعل المحلوف عليه معتقدا زوال النكاح ولم يكن كذلك.
ومنها: لو أسلم كافر ولم يعلم بوجوب الصلاة والصيام عليه ثم علم بعد مدة فهل يجب عليه قضاء ما ترك من الصلاة والصيام قبل علمه أم لا في المسألة قولان المذهب لزوم الإعادة.
وذكر القاضى قولا آخر لا إعادة عليه واختاره أبو العباس قال والقولان في كل من ترك واجبا قبل بلوغ الشرع كمن لم يتيمم لعدم الماء لظنه عدم الصحة به أو لم يترك أو أكل حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود لظنه ذلك أو لم تصل مستحاضة ونحو ذلك الأصح لا قضاء ولا إثم اتفاقا إذا لم يقصر.
ومن أصحابنا من فصل بين الحربى وغيره فقال الحربى لا يلزمه إعادة ويلزم غيره.
وللمسألة التفات إلى أصل آخر وهى أن الشرائع هل تلزم قبل العلم أم لا في المسألة قولان لنا ذكرهما أبو العباس.
ومنها: لو نسى الماء وتيمم فإنه تلزمه الإعادة إذا بان له الخطأ على
стр. 109
أصح الروايتين وكما لو نسى الرقبة وكفر بالصوم وخرج فيها بعض المتأخرين رواية من مسألة الماء.
ومنها: لو صلى خلف من يظنه طاهرا من الأحداث فبان محدثا وجهل هو والمأموم حتى فرغت الصلاة فلا إعادة على المأموم في أصح الروايتين وعن الإمام أحمد رواية في لزوم الإعادة كالإمام اختارها أبو الخطاب في انتصاره.
ومنها: لو قال لزوجته إن خرجت بغير إذنى فأنت طالق ثم أذن لها فخرجت ظنا أنه لم يأذن فهل تطلق أم لا في المسألة وجهان المذهب المنصوص أنها تطلق لأن المحلوف عليه قد وجد وهو خروجها على وجه المشاقة والمخالفة فإنها أقدمت على ذلك.
ومنها: لو وكل شخصا في التصرف في شيء ثم عزله ولم يعلم الوكيل بالعزل أو مات الموكل ثم تصرف الوكيل بعد ذلك بناء على الوكالة المتقدمة هل يصح تصدقه أم لا في المسألة روايتان المذهب الذي أختاره الأكثر أنه لا يصح وذكر أبو العباس وجها بالفرق بين موت الموكل وعزله حينئذ فينعزل بالموت لا بالعزل.
قال القاضى أبو يعلى محل الروايتين فيما إذا عزله الموكل وفيما كان الموكل فيه باقيا في ملك الموكل أما إن أخرجه من ملكه بعتق أو بيع فتنفسخ الوكالة بذلك وجزم به.
وفرق القاضى بين موت الموكل أنه لا ينعزل الوكيل على رواية وبين إخراج الموكل فيه من ملك الموكل بعتق أو بيع أنه ينعزل جزما بأن حكم الملك في العتق والبيع قد زال وفي موت الموكل السلعة باقية على حكم ملكه.
قال أبو العباس في هذا نظر فإن الانتقال بالموت أقوى منه بالبيع والعتق فإن هذا يمكن الموكل الاحتراز منه فيكون بمنزلة عزله بالقول وذاك زال بفعل الله تعالى.
ومنها: إذا أذن المرتهن للراهن في التصرف ثم رجع قبل تصرف الراهن ولم يعلم بذلك حتى تصرف هل ينفذ أم لا فإنه يخرج على الروايتين
стр. 110
في مسألة الوكيل.
ومنها: لو لم يعلم وجود الأقرب في أولياء النكاح حتى زوج الأبعد فهل يصح النكاح أم لا؟
يقتضى كلام صاحب الكافي تخريج المسألة على الروايتين في انعزال الوكيل قبل علمه بالعزل.
ورجح أبو العباس وشيخنا الصحة هنا.
وقد يقال كلام صاحب الكافي ليس في هذه الصورة لأنه إنما ذكر الخلاف فيما إذا كان الأقرب فاسقا أو مجنونا وعادت ولايته بزوال المانع فزوج الأبعد من غير علم بعود ولاية الأقرب وإذا لم يعلم الولى بالأقرب بالكلية فلم يتعرض لها.
وقد يفرق بينهما بأن النسب الأقرب إذا لم يعلم ولم ينسب الأبعد إلى تفريط فهو غير مقدور على استئذانه فيسقط بعدم العلم كما يسقط بالأبعد لأنه حينئذ غير منسوب إلى تفريط بخلاف ما إذا كان الأقرب فيه مانع زوال فإن الأبعد ينسب إلى تفريط إذا كان يمكنه حالة العقد معرفة حال الأقرب والله أعلم.
ومنها: الحاكم هل ينعزل قبل علمه بالعزل أم لا قال القاضى وأبو الخطاب فيه الخلاف الذي في الوكيل وفي التلخيص لا ينعزل قبل العلم بغير خلاف ورجحه أبو العباس لأن ولايته حقا لله.
وإن قيل إنه وكيل فهو شبيه بنسخ الأحكام لا تثبت قبل بلوغ الناسخ على الصحيح بخلاف الوكالة المحضة.
ومنها: عقود المشاركات كالشركة١ والمضاربة٢ المشهور في