Полный текст (1 779 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
متوسدُ الحقيبة، فقال له عمر: ألا اتَّخذت ما اتخذ أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا يبلَّغني المَقيل. وقال مَعْمَر في حديثه: لما قدم عمر الشام تلقَّاه الناس وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: مَنْ؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: الآن يأتيك. فلما أتاه نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته فلم يرَ في بيته إلا سيفه وترسه ورَحْله - ثم ذكر نحوه. وأخرجه الإِمام أحمد أيضاً نحو حديث مَعْمَر، كما في صفة الصفوة، وابن المبارك في الزهد من طريق مَعْمَر نحوه، كما في الإِصابة.
زهد مصعب بن عمير ﵁ حديث علي في زهده ﵁ وقوله ﵇ فيه
أخرج الترمذي - وحسَّنه - وأبو يعلى، وابن راهويْه عن علي ﵁ قال: خرجت في غداة شاتية من بيتي جائعاً حرصاً قد أذلقني البرد، فأخذت إهاباً معطوناً كان عندنا، فجببته ثم أدخلته في عنقي ثم حزمته على صدري أستدفىء به، فوالله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي ﷺ بلغني. فخرجت في بعض نواحي المدينة فاطَّلعت إلى يهودي في
стр. 1017
حائط من ثغرة جداره فقال: ما لك يا أعرابي، هل لك في كل دلو بتمرة؟ فقلت: نعم، فافتح الحائط، ففتح لي فدخلت، فجعلت أنزع دلواً ويعطيني تمرة حتى امتلأت كفي قلت: حسبي منك الآن. فأكلتهن ثم كرعت الماء، ثم جئت إلى النبي ﷺ فجلست إليه في المسجد وهو في عصابه من أصحابه، فاطَّلع علينا مُصْعَب بن عمير ﵁ في بردة له مرقوعة؛ فلما رآه رسول الله ﷺ ذكر ما كان فيه من النعيم ورأى حاله الذي هو عليها إنذرفت عيناه فبكى، ثم قال: «كيف أنتم إذا غدا أحدكم في حلّة وراح في أخرى، وسُترت بيوتكم كما تُستر الكعبة؟» قلنا: نحن يومئذٍ خير نُكفى المؤنة ونتفرغ للعبادة؛ قال: «بل أنتم اليوم خير منكم يومئذٍ» . كذا في الكنز. وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه راوٍ لم يُسمَّ، وبقية رجاله ثقات. اهـ.
ما أصاب مصعباً من البلاء بعد الإِسلام
وعند الطبراني، والبيهقي عن عمر ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى مصعب بن عمير ﵁ مقبلاً، عليه إهاب كبش قد تنطَّق به، فقال النبي ﷺ «أنظروا إلى هذا الذي نوَّر الله قلبه لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلّة شراها - أو شُريت - بمائتي درهم، فدعاه حبُّ الله وحب رسوله إلى ما ترون» . كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً الحسن بن سفيان، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي، والحاكم، كما في الكنز، وأبو نعيم في الحلية عن عمر نحوه.
стр. 1018
وعند الحاكم عن الزبير ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ جالساً بقُباء ومعه نفر، فقام مصعب بن عمير ﵁ عليه بردة ما تكاد تواريه، ونكَّس القوم، فجاء فسلم فردوا عليه، فقال فيه النبي ﷺ خيراً وأثنى عليه، ثم قال: «لقد رأيت هذا عند أبويه بمكة يكرمانه وينعمانه، وما فتى من فتيان قريش مثله؛ ثم خرج من ذلك إبتغاءَ مرضاة الله ونصرة رسوله، أما إنه لا يأتي عليكم إلا كذا وكذا حتى يفتح (الله) عليكم فرس، والروم، فيغدوا أحدكم في حلة ويروح في حلة، ويُغدى عليكم بقصعة ويُراح عليكم بقصعة» . قالوا: يا رسول الله، نحن اليوم خير أو ذلك اليوم؟ قال: «بل أنتم اليوم خير منكم ذلك اليوم. أما لو تعلمون من الدنيا ما أعلم لاستراحت أنفسكم منها» . وقال في الإِصابة: وفي الصحيح عن خبّاب أن مصعباً لم يترك إلا ثوباً فكان إِذا غطَّوا رأسه خرجت رجلاه، وإذ غطَّوا رجليه خرج رأسه؛ فقال رسول الله ﷺ «إجعلوا على رجليه شيئاً من الإدخر» . انتهى.
زهد عثمان بن مظعون ﵁ لباسه ﵁
أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شهاب أن عثمان بن مظعون ﵁ دخل يوماً المسجد وعليه نَمِرة قد تخلَّلت فرقعها بقطعة من فروة، فرَّق رسول الله ﷺ عليه ورقَّ أصحابه لرقته، فقال: «كيف أنتم يوم يغدو أحدكم
стр. 1019
في حلَّة ويَرُوح في أخرى، وتوضع بين يديه قصعة وتُرفع أخرى، وسترتم البيوت كما تستر الكعبة؟» قالوا: وددنا أن ذلك قد كان يا رسول الله، فأصبنا الرخاء والعيش؛ قال: «فإن ذلك لكائن، وأنتم اليوم خير من أولئك» .
قصة وفاته ﵁
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون ﵁ يوم مات فأحنى عليه كأنَّه يوصيه، ثم رفع رأسه فرأوا في عينيه أثر البكاء، ثم أحنى عليه الثانية ثم رفع رأسه فرأوه يبكي، ثم أحنى عليه الثالثة ثم رفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه قد مات؛ فبكى القوم، فقال النبي ﷺ «مَهْ، إنما هذا من الشيطان، فاستغفروا الله» ثم قال: «إذهب عنك أبا السائب، فلقد خرجت ولم تتلبَّس منها بشيء» . قال الهيثمي: رواه الطبراني عن عمر بن عبد العزيز بن مقلاص عن أبيه ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن عبد البرّ في الإستيعاب عن بن عباس من غير طريق عمر بن عبد العزيز عن أبيه نحوه. وأخرجه أبو نُعيم أيضاً عن عبد ربه بن سعيد المدني مختصراً، وفي حديثه: فقال: «رحمك الله يا عثمان، ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك» .
стр. 1020
زهد سلمان الفارسي ﵁ قوله ﵁ حينما أكره على الطعام
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عطية بن عمر قال: رأيت سلمان الفارسي ﵁ أُكره على طعام يأكله؛ فقال: حسبي، حسبي فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وأخرجه العسكري في الأمثال نحوه، كما في الكنز.
زهد سلمان وهو في الإِمارة
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: كان عطاء سلمان ﵁ خمسة آلاف درهم، وكان أميراً على زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين، وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه، ويأكل من سفيف يده. وأخرجه ابن سعد عن الحسن بنحوه.
ما وقع بينه وبين حذيفة في بناء البيت
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الأعمش قال: سمعتهم يذكرون أن حذيفة ﵁ قال لسلمان ﵁: يا أبا عبد الله ألا أبني لك بيتاً؟ قال: فكره ذلك، قال: رويدك حتى أخبرك: إني أبني لك بيتاً إِذا
стр. 1021
أضجعت فيه رأسك من هذا الجانب ورجلاك من الجانب الآخر، وإذا قمت أصاب رأسك. قال سلمان: كأنك في نفسي.
قصة له أخرى في هذا الأمر
قصة له أخرى في هذا الأمر
وعند ابن سعد معن عن مالك بن أنس أن سلمان الفارسي ﵁ كان يستظل بالفيء حيث ما دار ولم يكن له بيت. فقال له رجل: ألا أبني لك (بيتاً) تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد؟ فقال له سلمان ﵁: نعم، فلما أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ فقال: أبنيه إن قمت فيه أصاب رأسك، وإن اضطجعت فيه أصاب رجلك. فقال سلمان: نعم.
زهد أبي ذر الغفاري ﵁ زهده وهو بالربذة
أخرج أحمد عن أبي أسماء أنه دخل على أبي ذر ﵁ وهو بالرَّبَذة وعنده إمرأة سوداء مُشَنَّعة ليس عليها أثر المُجاسد ولا الخَلوق. فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني (به) هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا عليَّ بدنياهم، وإِن خليلي ﷺ عهد إليَّ أنَّ دون جسر جهنم طريقاً ذا دَحْض ومَزَلَّة، وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار واضطمار أحرى
стр. 1022
أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير. قال في الترغيب: رواه أحمد ورواته رواة الصحيح. اهـ وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن أبي أسماء، وابن سعد نحوه.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد اا بن خِراش قال: رأيت أبا ذر ﵁ بالرَّبَذَة في ظُلَّة له سوداء وتحته إمرأة له سحماء، وهو جالس على قطعة جُوالق، فقيل له: إنك أمرؤ ما يبقى لك ولد، فقال: الحمد لله الذي يأخذهم في دار الفناء ويدخرهم في دار البقاء. قالوا: يا أبا ذر لو اتخذت إمرأة غير هذه؟ قال: لأن أتزوج إمرأة تضعني أحبّ إليَّ من إمرأة ترفعني، فقالوا له: لو اتخذت بساطاً ألينَ من هذا؟ قال: اللهم غَفْراً خذ ممّا خُوِّلت ما بدا لك. وأخرجه الطبراني عن عبد الله بن خراش نحوه. قال الهيثمي: وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. اهـ.
قوته ﵁
وأخرج أبو نعيم عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر ﵁ قال: قيل له: ألا تتخذ ضَيْعة كما اتخذ فلان وفلان؟ قال: وما أصنع
стр. 1023
بأن أكون أميراً؛ وإنما يكفيني كل يوم شَرْبة ماء - أو لبن -، وفي الجمعة قَفيز من قمح وعنده أيضاً عن أبي ذر قال: كان قوتي على عهد رسول الله ﷺ صاعاً فلا أزيد عليه حتى ألقى الله .
زهد أبي الدرداء ﵁ حديثه ﵁ في تركه التجارة والإقبال على العبادة
أخرج الطبراني عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنت تاجراً قبل أن يُبعث النبي ﷺ فلما بُعث النبي ﷺ أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة فلم يستقم، فتركت التجارة فتركت التجارة وأقبلت على العبادة. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. اهـ.
سبب زهده ﵁
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أي الدرداء ﵁ نحوه، زاد: والذي نفس أبي الدرداء بيده، ما أحب أن لي اليوم حانوتاً على باب المسجد لا يخطئني فيه صلاة، أربح فيه كل يوم أربعين ديناراً وأتصدَّق بها كلِّها في سبيل الله. قيل له: يا أبا الدرداء، وما تكره من ذلك؟ قال: شدّة الحساب. وهكذا أخرجه ابن عساكر، كما في الكنز.
وعند أبي نعيم أيضاً من طريق آخر عنه قال: ما يسرني أن أقوم على
стр. 1024
الدرج من باب المسجد فأبيع وأشتري فأصيبَ كل يوم ثلاث مائة دينار أشهد الصلاة كلها في المسجد، ما أقول: إن الله لم يحل البيع يحرم الربا، ولن أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن خالد بن حُدَير الأسلمي أنه دخل على أبي الدرداء ﵁ وتحته فراش من جلد أو صوف، وعليه كساء صوف وسِبتية صوف وهو وَجِع وقد عرق، فقال: لو شئتَ كسيت فراشك بوَرِق وكساء مِرعِزِّيّ مما يبعث به أمير المؤمنين؟ قال: إن لنا داراً، وإِنا لنظعن إليها ولها نعمل. عن حسَّان بن عطية أن أصحاباً لأبي الدرداء ﵁ تضيَّفوه فضيّفهم، فمنهم من بات على لِبدة، ومنهم من بات على ثيابه ما هو فلما أصبح غدا عليهم فعرف ذلك منهم فقال: إن لنا داراً لها نجمع وإليها نرجع.
وعند أحمد عن محمد بن كعب أن ناساً نزلوا على أبي الدرداء ﵁ ليلة قَرَّة، فأرسل إليهم بطعام سخن ولم يرسل إليهم بلُحُف. فقال بعضهم: لقد أرسل إلينا بالطعام فما هنأنا مع القرّ، لا أنتهي أو أبيِّن له، قال الآخر: دعه، فأبى فجاء حتى وقف على الباب رآه جالساً وامرأته ليس عليها من الثياب إلا ما لا يذكر؛ فرجع الرجل وقال: ما أراك بتّ رلا بنحو ما بتنا به. قال: إن لنا داراً ننتقل إليها قدَّمنا فرشنا ولحفنا إليها، ولو ألفيتَ عندنا منه شيئاً لأرسلنا إِليك به، وإِن بين أيدينا عقبة كئوداً المُخِفُّ فيه خير من المُثْقِل. أفهمت ما أقول لك؟ قال: نعم. كذا في صفة الصفوة.
ما وقع بينه وبين عمر ﵄
وقد تقدَّم في الإِنكار على ترفع الأمير أن عمر ﵁ دخل عليه
стр. 1025
فدفع الباب فإذا ليس له غَلَق، فدخل في بيت مظلم فجعل يلمسه حتى وقع عليه فجسَّ وساده فإذا برذعة، وجسَّ فراشه فإذا بطحاء، وجسَّ دثاره فإذا كساء رقيق. قال عمر: رحمك الله، ألم أوسِّع عليك؟ ألم أفعل بك؟ فقال له أبو الدرداء: أتذكر حديثاً حدَّثناه رسول الله ﷺ قال: أي حديث؟ قال: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب. قال: نعم قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ قال: فما زالا يتجاوبان بالبكاء حتى أصبحا.
زهد معاذ بن عفراء ﵁ قصته مع عمر ﵄ في شأن الحلَّة
أخرج عمر بن شَبَّة عن أفلح مولى أبي أيوب ﵁ قال: كان عمر ﵁ يأمر بحلل تنسج لأهل بدر يتنوَّق فيها، فبعث إِلى معاذ بن عفراء ﵁ حلَّة. فقال لي معاذ: يا أفلح بعْ هذه الحلة، فبعتها له بألف وخمس مائة درهم، ثم قال: إذهب فابتع لي بها رِقاباً، فاشتريت له خمس رقاب، ثم قال: والله إن أمرأ أختار قشرين يلبسهما على خمس رقاب يعتقها لغبين الرأي، إذهبوا فأنتم أحرار، فبلغ عمر أنه لا يلبس ما يبعث به إليه. فاتخذ له حلَّة غليظة أنفق عليها مائة درهم، فلما أتاه بها الرسول قال: ما أره بعثك بها إليَّ قال: بلى - والله - فأخذ الحلّة فأتى بها عمر، فقال: يا أمير المؤمنين بعثت إليَّ بهذه الحلَّة؟ قال: نعم إنْ كنا لنبعث إليك بحلَّة مما نتخذ لك ولإِخوانك فبلغني أنك لا تلبسها. فقال: يا أمير المؤمنين إِني وإِن كنت لا ألبسها فإني أحب أن يأتين من صالح عندك، فأعاد له حلَّته. كذا في صفوة الصفوة.
стр. 1026
زهد اللجلاج الغطفاني ﵁ إمتناعه عن الشبع منذ أسلم ﵁
أخرج الطبراني بإِسناد لا بأس به عن اللَجْلاج ﵁ قال: ما ملأت بطني طعاماً منذ أسلمت مع رسول الله ﷺ آكل حسبي وأشرب حسبي - يعني قوتي - وزاد البيهقي: وكان قد عاش مائة وعشرين سنة: خمسين في الجاهلية، وسبعين في الإِسلام. كذا في الترغيب. وأخرجه أبو العباس السراج في تاريخه والخطيب في المتفق، كما في الإِصابة، وابن عساكر كما في الكنز.
زهد عبد الله بن عمر ﵁ عيشه ﵁
أخرج أبو نعيم في الحلية عن حمزة بن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لو أن طعاماً كثيراً كان عند عبد الله بن عمر ما شبع منه بعد أن يجد له آكلاً، فدخل عليه ابن نُطِيع يعوده، فرآه، قد نحل جسمه، فتصنعي له طعاماً؟ قالت: إِنا لنفعل ذلك ولكنه لا يدع أحداً من أهله لا من يحضره إلا دعاه عليه؛ فكلِّمْه أنت في ذلك، فقال ابن مطيع: يا أبا عبد الرحمن لو اتخذت طعاماً فرجع إليك جسمك؛ فقال: إِنه ليأتي عليَّ ثماني سنين ما أشبع فيها شَبْعة واحدة - أو قال: لا أشبع فيها إلا شبعة واحدة - فالآن تريد أن أشبع حين لم يبق من
стр. 1027
عمري إلا ظِمء حمار.
وعنده عن عمر بن حمزة بن عبد الله قال: كنت جالساً مع أبي فمر رجل فقال: أخبرني ما قلت لعبد الله بن عمر ﵄ يوم رأيتك تكلمه بالجُرف؟ قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن، رقَّت مضغتك وكبر سنك، وجلساؤك لا يعرفون حقك ولا شرفك؛ فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئاً يُلْطفونك إِذا رجعت إليهم. قال: ويحكم الله ما شبعت منذ إحدى عشرة سنة ولا ثنتي عشرة سنة ولا ثلاث عشرة سنة ولا أربع عشرة سنة، ولا مرة واحدة؛ فكيف بي؟ وإنما بقي مني كظِمء الحمار.
قوله لما أُهدي إليه الجوارش
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن عبيد الله بن عدي - وكان مولى لعبد الله بن عمر ﵄ قدم من العراق فجاءه يسلِّم عليه، فقال: أهديت إليك هدية، قال: وما هي؟ قال: جَوارش، قال: وما جَوارش؟ قال: تهضم الطعام؛ فقال: فما ملأت بطني طعاماً منذ أربعين سنة فما أصنع به؟.
وعنده أيضاً عن ابن سيرين أنَّ رجلاً قال لابن عمر ﵄: أجعل لك جوارش؟ قال: شيء إِذا كظَّك الطعام فأصبت منه سهل عليك.٤ قال: فقال ابن عمر: ما شبعت من الطعام منذ أربعة أشهر، وما ذاك أن لا أكون له وجداً؟ ولكني عهدت قوماً يشبعون مرة
стр. 1028
ويجوعون مرة. وأخرجه ابن سعد عن ابن سيرين مختصراً، وكذلك عن نافع مختصراً.
زهده بعد وفاة النبي ﵇
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن ابن عمر ﵄ قال: ما وضعت لبنة على لبنة، ولا غرست نخلة منذ قُبض النبي ﷺ وأخرجه ابن سعد مثله.
حديث جابر والسُّدِّي في ذلك
وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي بسند صحيح عن جابر ﵁ قال: ما منَّا من أحد أدرك الدنيا إِلا مالت به ومال بها غير عبد الله بن عمر ﵄. وفي تاريخ أبي العباس السّراج بسند حسن عن السُّدِّي قال: رأيت نفراً من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم على الحالة التي فارق عليها النبي ﷺ إلا ابن عمر. كذا في الإِصابة.
زهد حذيفة بن اليمان ﵁
أخرج أبو نُعيم في الحلية عن ساعدة بن سعد بن حذيفة أنَّ حذيفة ﵁ كان يقول: ما من يوم أقرَّ لعيني ولا أحب لنفسي من يوم آتي
стр. 1029
أهلي فلا أجد عندهم طعاماً، ويقولون ما نقدر على قليل ولا كثير وذلك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله أشد حِمْية للمؤمن من الدنيا من المريض أهله الطعام. والله تعالى أشد تعاهداً للمؤمن بالبلاء من الوالد لولده بالخير» . وأخرجه الطبراني عن ساعدة مثله. قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم.
الإِنكار على من لم يزهد في الدنيا وتلذذ بها والوصية بالتحفظ عنها إنكاره ﷺ على عائشة أن أكلت مرتين في اليوم
أخرج البيهقي عن عائشة ﵂ قالت: رآني رسول الله ﷺ وقد أكلت في اليوم مرتين فقال: «يا عائشة، أما تحبين أن يكون أن يكون لك شغل إلا جوفك؟ الأكل في اليوم مرتين من الإِسراف، والله لا يحب المسرفين» . وفي رواية فقال: «يا عائشة، إتخذت الدنيا بطنك؟ أكثر من أكله كل يوم سَرَف، والله لا يحب المسرفين» . كذا في الترغيب.
وصيته ﵇ لأم المؤمنين عائشة
وعند ابن الأعرابي عن عائشة ﵂ قالت: جلست أبكي عند رسول الله ﷺ فقال: «ما يبكيك؟ إِن كنت تريدين اللحوق بي فليكفك من الدنيا مثل زاد الراكب، ولا تخالطين الأغنياء» . كذا في الكنز. وأخرجه
стр. 1030
الترمذي، والحاكم، البيهقي نحوه وزادوا: «ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعيه» . وذكره رَزِين فزاد فيه: قال عروة: فما كانت عائشة تستجدُّ ثوباً حتى ترقع ثوبها وتنكِّسه، لقد جاءها يوماً من عند معاوية ﵁ ثمانون ألفاً فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلا اشتريت لنا منه لحماً بدرهم؟ قالت: لو ذكَّرتني لفعلت. كذا في الترغيب.
وصيته ﵇ لأبي جحيفة
وأخرج الطبراني عن أبي جحيفة ﵁ قال: أكلت ثريدة بلحم سمين، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أتجشَّأ، فقال: «أكفف عنا جُشاءك أبا جحيفة، فإنَّ أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة» . فما أكل أبو جحيفة ملءَ بطنه حتى فارق الدنيا، كان إذا تغدَّى لا يتعشَّى، وإذا تعشَّى لا يتغدَّى. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بأسانيد، وفي أحد أسانيد الكبير محمد بن خالد الكوفي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرجه ابن عبد البر في الإستيعاب نحوه. وأخرج البزار بإسنادين نحوه مختصراً.، ورجال أحدهما ثقات. كما قال الهيثمي وأخرجه أبو نُعيم في الحلية عن أبي جحيفة بمعناه ولم يذكر قوله: فما أكل إلى آخره.
стр. 1031
ما وقع بينه وبين رجل عظيم البطن
وأخرج الطبراني عن جَعْدة ﵁ أنَّ النبي ﷺ رأى رجلاً عظيم البطن، فقال بأصبعه في بطنه: لو كان هذا في غير هذا لكان خيراً لك» .
وفي رواية أن النبي ﷺ رأى له رجل رؤيا، فبعث إليه فجاء فقصَّها عليه - وكان عظيم البطن - فقال بأصبعه في بطنه: «لو كان هذا في غير هذا المكان لكان خيراً لك» . قال الهيثمي: رواه كله الطبراني، ورواه أحمد إلا أنه جعل: أن النبي ﷺ هو الذي رأى الرؤيا للرجل. ورجال الجميع رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجُشَمي وهو ثقة. انتهى.
إِنكار عمر على جابر لشرائه اللحم لأهله
وأخرج مالك عن يحيى بن سعيد أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أدرك جابر بن عبد الله ﵁ ومعه حامل لحم، فقال عمر: أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره ابن عمه، فأين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (الأحقاف: ٢٠) ؟ كذا في الترغيب.
стр. 1032
وعند البيهقي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: لقيني عمر بن الخطاب ﵁ وقد ابتعت لحماً بدرهم، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: قَرِم أهلي فابتعت لهم لحماً بدرهم؛ فجعل عمر يردَّد: قَرِم أهلي، حتى تمنيت أن الدرهم سقط مني ولم ألقَ عمر. كذا في الترغيب (٣٤٢٤. وأخرجه ابن جرير عن جابر أطول منه، كما في منتخب الكنز. وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حُميد، وابن المنذر، الحاكم، والبيهقي عن ابن عمر ﵄ أنَّ عمر رأى في يد جابر بن عبد الله ﵁ درهماً، فقال: ما هذا الدرهم؟ قال: أريد أن أشتري لأهلي به لحماً قَرِموا إليه. فقال: أكلما إشتهيتم شيئاً إشتريتموه؟ أين تذهب عنكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ﴾ ؟ فذكره. كذا في المنتخب.
إنكار عمر على ابنه عبد الله حين رأى عنده اللحم
وأخرج عبد الرزاق، وأحمد في الزهد، والعسكري في المواعظ، وابن عساكر عن الحسن قال: دخل عمر على ابنه عبد الله ﵃ وإنَّ عنده لحماً، فقال: ما هذا اللحم؟ قال: إشتهيت، قال: وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟ كفى بالماء سَرَفاً أن يأكل كل ما اشتهاه. كذا في منتخب الكنز.
وصية عمر ليزيد بن أبي سفيان
وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير قال: بلغ عمر بن الخطاب أن
стр. 1033
يزيد بن أبي سفيان ﵄ يأكل ألوان الطعام، فقال لمولى له يقال له يَرْفَأ: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني، فلما حضر عشاؤه أعلمه أتى عمر فسلَّم واستأذن فأذن له فدخل، فقُرِّب عشاؤه، فجاء بثريد ولحم فأكل عمر معه، ثم قُرِّب شواء فبسط يزيد يده وكف عمر، ثم قال عمر: الله يا يزيد بن أبي سفيان أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنّتهم ليخالَفَنَّ بكم عن طريقهم. كذا في منتخب كنز العمال.
ذم عمر الدنيا أمام أصحابه
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: مرّ عمر ﵁ على مَزبلة فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذِّوا بها. فقال: هذه دنياكم التي تحرصون عليها - أو تتكلون عليها -.
كتاب عمر إلى أبي الدرداء لما ابتنى بدمشق قنطرة
وأخرج ابن عساكر عن سَلَمة بن كلثوم أن أبا الدرداء ﵁ إبتنى بدمشق قنطرة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ وهو بالمدينة، فكتب إليه: يا عُويمر بن أم عويمر، أما كان لك في بنيان فارس، والروم ما يكفيك حتى تبني البنيانات؟ وإِنما أنتم يا أصحاب محمد قدوة.
وعنده أيضاً وهَنَّاد والبيهقي عن راشد بن سعد قال: بلغ عمر أنَّ أبا الدرداء ﵁ ابتنى كنيفاً بحمص، فكتب إليه: أما بعد: يا عُويمر، أما كنت لك كفاية فيما بَنَت الروم عن تزيين الدنيا وقد أمر الله بخرابها كذا
стр. 1034
في كنز العمال. وأخرجه أبو نُعيم في الحلية عن راشد بن سعد مثله، وزاد بعد قوله تزيين الدنيا: وتجديدها وقد آذن الله بخرابها، إذا أتاك كتابي هذا فانتقل من حمص إلى دمشق. قال سفيان: عاقبه بهذا.
كتاب عمر إِلى عمرو بن العاص في هدم غرفة خارجة بن حذافة
وأخرج ابن عبد الحكم عن يزيد بن أبي حبيب قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة ﵁، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إلى عمرو بن العاص ﵁:
سلام، أما بعد فإنه بلغني أن خارجة بن حذافة بني غرفة، ولقد أراد خارجة أن يطَّلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إِن شاء الله، والسلام» .
كذا في الكنز.
أم طلق ووصية عمر
وأخرج بن سعد، والبخاري في الأدب عن عبد الله الرومي قال: دخلتُ على أمِّ طَلْق بيتها، فإذا سقف بيتها قصير، فقلت: ما أقصر سقف بيتك يا أم طَلْق؟ قالت: يا بنيّ إن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إِلى ماله أن لا تطيلوا بناءكم؛ فإن شر أيامكم يوم تُطيلون بناءكم. كذا في الكنز.
стр. 1035
كتابه إِلى سعد حين استأذنه في بناء بيت
وأخرج بن أبي الدنيا، والدِينَوَري عن سفيان بن عُيَينة قال: كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ وهو على الكوفة يستأذنه في بناء بيت يسكنه، فوقَّع في كتابه: ابن ما يسترك من الشمس، ويكنّك من الغيث، فإن الدنيا دار بُلْغة. وكتب إلى عمر بن العاص ﵁ وهو على مصر: كان لرعيتك كما تحب أن يكون لك أميرك. كذا في منتخب الكنز.
إِنكار عمر على رجل بني بالآجر
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن سفيان قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً بنى بالآجر فقال: ما كنت أحسب أنَّ في هذه الأمة مثل فرعون قال: يريد قوله: «فأوقد لي يا هامانُ على الطين فاجعل لي صَرْحاً» .
إِنكار أبي أيوب على ابن عمر تزيين الجدران في عرس إبنه
وأخرج ابن عساكر عن سالم بن عبد الله قال: اعترست في عده أبي، فدعا أبي الناس، فكان فيمن دعا أبو أيوب وقد ستروا بيتي بجاديَ أخضر، فجاء أبو أيوب فطأطأ رأسه فنظر فإذا البيت ستر، فقال: يا عبد الله تسترون الجُدُر؟ فقال أبي - واستحيى -: غلبنا النساء يا أبا أيوب، فقال: من خشيتُ أن تغلبه النساء فلم أخش أن يغلبْنك لا أدخل لكم بيتاً ولا أطعم لكم
стр. 1036
طعاماً. كذا في كنز العمال.
وصية أبي بكر لسلمان عند الوفاة
وأخرج أحمد في الزهد وابن سعد وغيرهما عن سلمان ﵁ قال: أتيت أبا بكر ﵁ فقلت: أعهد لي، فقال: يا سلمان إتَّق الله واعلم أنْ سيكون فُتوح، فلا أعرفنَّ ما كان حظك منها ما جعلته في بطنك وألقيته على ظهرك، واعلم أنَّه من صلّى الصلوات الخمس فإنه يصبح في ذمَّة الله ويمسي في ذمَّة الله، فلا تقتلنَّ أحداً من أهل الله فتخفرَ الله في ذمته فيكبَّك الله في النار على وجهك. كذا في الكنز.
وعند الدِينَوَري عن الحسن أنَّ سلمان الفارسي أتى أبا بكر الصديق ﵁ في مرضه الذي مات فيه، فقال: أوصني يا خليفة رسول الله، فقال أبو بكر: إن الله فاتحٌ عليكم الدنيا فلا يأخذنَّ منها أحد إلا بلاغاً. كذا في الكنز.
قول أبي بكر لعبد الرحمن بن عوف عند وفاته
وعند أبي نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: دخلت على أبي بكر ﵁ في مرضه الذي توفي فيه، فسلَّمت عليه، فقال: رأيت الدنيا قد أقبلت ولَمَّا تقبل، وهي جائية، وستتخذون ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألمون ضجائع الصوف الأذري، كأن أحدكم
стр. 1037
على حسك السَّعدان، ووالله لأن يقدَّم أحدكم فيضرب عنقه - في غير حدَ - خير له من أن يسبح في غَمْرة الدنيا. وأخرجه الطبراني أيضاً عن عبد الرحمن نحوه، كما في المنتخب. وقال: وله حكم الرفع لأنه من الإِخبار عما يأتي - اهـ.
حديث عمرو بن العاص في زهده ﷺ وإنكارُ عمرو على أصحابه عدم زهدهم
وأخرج أحمد عن علي بن رباح قال: سمعت عمرو بن العاص ﵁ يقول: لقد أصبحتم وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله ﷺ يزهد فيه، أصبحتم ترغبون في الدنيا وكان رسول الله ﷺ يزهد فيها، والله ما أتت على رسول الله ﷺ ليلة من دهره إِلا كان الذي عليه أكثرَ من الذي له. قال: فقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ قد رأينا رسول الله ﷺ يستسلف. قال في الترغيب: رواه أحمد ورواته رواة الصحيح، والحاكم إلا أنه قال: ما مرَّ به ثلاث من دهره إلا والذي عليه أكثر من الذي له. ورواه ابن حِبَّان في صحيحه مختصراً. انتهى. وفي رواية عند أحمد عن عمرو أيضاً أنه قال: ما أبعد
стр. 1038
هديَكم من هَدْي نبيكم؟ أما هو فكان أزهد الناس في الدنيا، أما أنتم فأرغب الناس فيها. قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح. اهـ. وأخرجه ابن عساكر، وابن النجار نحوه، كما في الكنز.
قول عبد الله بن عمر لابنه حين استكساه إزارا
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن ميمون أن رجلاً من بني عبد الله بن عمر ﵄ إستكساه إِزاراً وقال: قد تخرَّق إزاري. فقال له: إقطع إزارك ثم اكتسه، فكره الفتى ذلك، فقال له عبد الله بن عمر: ويحك إتق الله، لا تكونن من القوم الذين يجعلون ما رزقهم الله تعالى في بطونهم وعلى ظهورهم.
ما وقع بين أبي ذر وأبي الدرداء في بناء بيت
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن ثابت أنَّ أبا ذر مرَّ بأبي الدرداء ﵄ وهو يبني بيتاً له، فقال: لقد حملت الصخر على عواتق الرجال فقال: إنما هو بيت أبنيه، فقال له أبو ذر: مثلَ ذلك، فقال: يا أخي لعلك وَجَدت عليَّ في نفسك من ذلك؟ قال: لو مررت بك وأنت في غَذِرَة أهلك كان أحب إليَّ مما ريتك فيه.
стр. 1039
قول أبي بكر لعائشة حين لبست ثوباً جديدا
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن عائشة ﵂ قالت: لبست مرة دِرْعاً لي جديداً، فجعلت أنظر إليه وأُعجبت به، فقال أبو بكر ﵁: ما تنظرين؟ إن الله ليس بناظر إليك قلت: وممَّ ذاك؟ قال: أما علمت أنَّ العبد إذا دخله العُجْب بزينة الدنيا مَقَته ربه حتى يفارق تلك الزينة؟ قالت: فنزعته فتصدَّقت به. فقال أبو بكر: عسى ذلك أن يكفِّر عنك.
قصة أبي بكر مع ابن له حضرته الوفاة
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن حبيب بن ضَمْرة قال: حضرت الوفاةُ إبناً لأبي بكر الصديق ﵁، فجعل الفتى يلحظ إِلى وسادة. فلما توفي قالوا لأبي بكر: رأينا إبنك يلحظ إِلى الوسادة. قال: فرفعوه عن الوسادة فوجدوا تحتها خمسة دنانير - أو ستة -، فضرب أبو بكر بيده على الأخرى يرجِّع يقول: إنا لله وإِنا إليه راجعون ما أحسب جلدك يتسع لها.
قول عمار لابن مسعود حين دعاه لينظر داراً بناها
وأخرج أبو نُعَيم في الحلية عن عبد الله بن أبي لهذيل قال: لما بنى عبد الله بن مسعود ﵁ داره قال لعمار ﵁: هلمَّ أنظر إلى ما بنيت، فانطلق عمَّر فنظر إليه فقال: بنيتَ شديداً، وأمَّلْتَ بعيداً - أو تَأمُل بعيداً - وتموت قريباً.
стр. 1040
قول أبي سعيد الخدري حين دُعي إلى وليمة
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء قال: دُعي أبو سعيد الخدري ﵁ إلى وليمة وأن معه، فرأى صفرة وخضرة، فقال: أما تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا تغدَّى لم يتعشَّ وإذا تعشَّى لم يتغدَّ. قال أبو نُعيم: غريب من حديث عطاء، لا أعلم عنه راوياً إلا الوَضين بن عطاء.
تم بحمده تعالى
المجلد الثاني
ويليه المجلد الثالث
ويبدأ بالباب التاسع
وهو خروج الصحابة عن الشهوات النفسانية
انتهى
стр. 1041
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (سورة الأنفال، آية: ٧٤)
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
صدق الله العظيم
стр. 1042
الباب التاسع
باب خروج الصحابة عن الشهوات النفسانية
كيف خرج الصحابة عن الشهوات النفسانية من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشائر والأموال والتجارات والمساكن وتعلقوا بحبِّ الله وحبِّ رسوله وحبِّ من انتسب إليهما من المسلمين وأكرموا من النتسب إلى النسبة المحمدية.
стр. 1043
باب خروج الصحابة عن الشهوات النفسانية
قطع حبال الجاهلية لتشييد حبال الإسلام
قتل أبي عبيدة بن الجراح أباه يوم بدر
أخرج أبو نُعيم في الحلية عن ابن شَوْذَب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح يتصدّى لابنه أبي عبيدة ﵁ يوم بدر، فجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قَصَدَه أبو عبيدة فقتله. فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية حين قتل أباه:
﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ﴾ ﴿وروسوله ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾ (سورة المجادلة، الآية: ٢٢) - الآية -.
وأخرج البيهقي والحاكم عن عبد الله بن شوذب نحوه. قال البيهقي: هذا منقطع. وأخرجه الطبراني أيضاً بسند جيد عن ابن شَوْذَب نحوه، كما في الإِصابة.
стр. 1044
قصة رجلين من الصحابة مع أبويهما
وأخرج البيهقي عن مالك بن عمير ﵁ وكان قد أدرك الجاهلية - قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لقيت العدو ولقيت أبي فيهم، فسمعت لك منه مقالة قبيحة فلم أصبح حتى طعنته بالرمح - أو حتى قتلته -، فسكت عند النبي ﷺ ثم جاء آخر فقال: إني لقيت أبي فتركته وأحبب أن يليه غيري، فسكت عنه. قال البيهقي: وهذا مرسل جيد.
استئذان ابن عبد الله بن أبي في قتل أبيه
وأخرج البزّار عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بعبد الله بن أُبي وهو في ظل أُطُم فقال: غبَّر علينا ابن أبي كبشة. فقال ابنه عبد الله بن عبد الله ﵁: يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لأتيتك برأسه؟ فقال: «لا، ولكن بَرَّ أباك وأحسن صحبته١١» قال الهيثمي: رواه البزّار ورجاله ثقات. وعند الطبراني عن عبد الله بن عبد الله أنه استأذن النبي ﷺ أن يقتل أباه قال: «لا تقتل أباك» .
وعند ابن إساحق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أُبي بن سلول ﵁ أتى رسول الله ﷺ إنَّه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمر لي به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرَّ
стр. 1045
بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله؛ فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أُبي يمشي في الناس، فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» . كذا في البداية.
وأخرج الطبراني عن أسامة بن زيد ﵄ قال: لما رجع رسول الله ﷺ من بني المصطلق قام ابن عبد الله بن أبي ﵁ فسلّ على أبيه السيف، وقال لله عليَّ أن لا أغمده حتى تقول: محمد الأعزُّ وأنا الأذلُّ قال: ويلك محمد الأعزّ وأنا الأذلُّ، فبلغت رسول الله ﷺ فأعجبه وشكرها له. قال الهيثيم: وفيه محمد بن الحسن بن زَبالة وهو ضعيف.
وأخرج ابن شاهين بإسناده حسن عن عروة قال: استأذن حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ﵄ رسول الله ﷺ في قتل أبويهما، فنهماهما عن ذلك. كذا في الإِصابة.
ما وقع بين أبي بكر وبين ابنه عبد الرحمن يوم بدر
وأخرج ابن أبي شيبة عن أيوب قال: قال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أبي بكر: رأيتك يوم أحد فصدفت عنك. فقال أبو بكر: لكني لو رأيتك ما صدفت عنك. كذا في الكنز وأخرجه الحاكم عن أيوب نحوه. وأسند الحاكم عن الواقدي أن عبد الرحنم دعا إلى البراز يوم بدر، فقام
стр. 1046
إليه أبوه أبو بكر ﵁ ليبارزه. فذُكر أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: «متعنا بنفسك» . وهكذا ذكره البيهقي عن الواقدي.
ما وقع بين عمر وبين سعيد بن العاص في قتل أبيه
وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لسعيد بن العاص ﵁ ومر به -: إني أراك كأنَّ في نفسك شيئاً أراك تظنُّ أنِّي قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور برَوحقه، فحدت عنه وقصد له ابن عمه علي فقتله. كذا في البداية. وزاد في الاستيعاب والابصابة: فقال له سعيد بن العاص: لو قتلته لكنت على الحق وكان على الباطل؛ فأعجبه قوله.
حال أبي حذيفة حين رأى أباه يسحب على القليب يوم بدر
وأخرج ابن جرير عن عائشة ﵂ قالت: أمر رسول الله ﷺ بقتلى بدر أن يُسحبوا إلى القَلِيب، فطرحوا فيه، ثم وقف وقال: «يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربِّي حقاً» . فقالوا: يا رسول الله تكلِّم قوماً موتي؟ قال: «لقد علموا أنَّ ما وعدهم ربهم حق» . فلما رأى أبو حذيفة بن عتبة رضي الله عنهأباه يسحب على القليب
стр. 1047
عرف رسول الله ﷺ الكراهية في وجهه قال: «يا أبا حذيفة، كأنك كاره لما رأيتَ» فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي كان رجلاً سيداً فرجوت أن يهديه ربُّه إلى الإِسلام، فلما وقع الموقع الذي وقع أحزنني ذلك؛ فدعا رسول الله ﷺ لأبي حذيفة بخير. كذا في الكنزر، وأخرجه الحاكم عن عائشة نحوه وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه، ووافقه الذهبي، وذكره ابن إسحاق نحوه بلا إسناد، كما في البداية. وذكر الحاكم عن أبي الزِّناد قال: شهد أبو حذيفة ﵁ بدراً ودعا أباه عتبة إلى البراز، وذكر ما قالت له أخته هند بنت عتبة ﵂ من الأشعار في ذلك. وهكذا أسنده البيهقي.
قصة مصعب بن عمير مع أخيه الذي أسر في بدر
وأخرج ابن إسحاق عن نبيه بن وَهْب أخي بني عبد الدار أن رسول الله ﷺ حين أقبل بالأسارى فرَّقهم بين أصحابه وقال: «استوصوا بهم خيراً» قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم - أخو مصعب بن عمير ﵁ لأبيه وأمه - في الأسارى. قال أبو عزيز: مرَّ بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني فقال: ضدَّ يديك به؛ فإنّ أمه ذات متاع لعلها تفديه منك قال أبو عزيز: فكنت في رَهْط ن الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم خصُّوني بالخبز وأكلموا التمر لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحي فأردها فيردها عليَّ ما يمسها. ولما قال أخوه مصعب لأبي اليَسَر - وهو الذي
стр. 1048
أسره - ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي، هذه وصاتك بي؟ فقال له مصعب: إنه أخي دونك، فسألت أمه عن أغلى ما فُديَ به قرشي فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف. كذا في نصب الراية للزَيْلعي.
ما وقع بين أبي سفيان وابنته أم حبيبة أم المؤمنين
وأخرج ابن سعد عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة، فكلَّمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يُقْبِل عليه رسول الله ﷺ فقام فدخل على ابنته أم ﵂. فلمّا ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ طوته دونه. فقال: يا بنية أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نَجِس مشرك. فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر. وذكره ابن إسحاق نحوه بلا إسناد، كما في البداية وزاد: فلم أحب أن تجلس على فراشه.
стр. 1049
قول ابن مسعود في خطَّاف وبنيه
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي الأحوص قال: دخلنا على ابن مسعود ﵁ وعنده بنون ثلاثة كأمثال الدنانير، فجعلنا ننظر إليهم ففطن بنا، فقال: كأنكم تغبطوني بهم؟ قلنا: وهل يُغبط الرجل إلا بمثل هؤلاء؟ فرفع رأسه إلى سقف بيت له قصير قد عشَّش فيه خُطَّاف، فقال: لأن أكون نفضت يديَّ من تراب قبورهم أحب إليَّ من أن يقع بيض هذا الخطاف فينكسر. وعن أبي عثمان عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يجالسه بالكوفة، فبينما هو يوم في صخفَّة له وتحته فلانة وفلانة - امرأتان ذواتا منصب وجمال - وله منهما ولد كأحسن الولد؛ إذ شقشق على رأسه عصور ثم قذف أذى بطنه، فنكته بيده قوال: لأن يموت آل عبد الله ثم أتبعهم أحب إليَّ من أن يموت هذا العصفور.
قول عمر في أسارى بدر
وقد تقدّم قول عمر ﵁ في مشاورة أهل الرأي: والله ما أرى ما رأى أبو بكر؛ ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين؛ وأيضاً تقدَّمت قصص الأنصار في قطعهم حبال الجاهلية.
محبة النبي ﷺ في أصحابه
محبة سعد بن معاذ للنبي ﵇
أسند ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن سعد بن معاذ رضي الله
стр. 1050
عنه قال: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشاً تكون فيه، ونعدُّ عندك ركائبك، ثم نلقي عدونا، فإن أعزَّنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلَّف عنك أقوام ما نحن بأشد حبّاً لك منهم، ولو ظنُّوا أنك تلقي حرباً ما تخلَّفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيراً ودعا له بخير، ثم بُني لرسول الله ﷺ عريش كان فيه. كذا في البداية.
قصة صحابي في محبته للنبي ﵇ ونزول آية في هذا الشأن
وأخرج الطبراني عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رُفعت مع النبيِّين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك؛ فلم يردّ عليه النبي ﷺ شيئاً حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ ﴿مّنَ النَّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشُّهَدَآء وَالصَّالِحِينَ﴾ (سورة النساء، الآية: ٦٩) . قال الهيثيم: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة. انتهى. وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن عائشة ﵂ بهذا السياق والإِسناد نحوه، وقال: هذا حديث غريب من حديث منصور
стр. 1051
وإبراهيم تفرد به فُضَيل، وعنه العابدي.
وعند الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأحبك حتى إني لأذكرك فلولا أنِّي أجيء فأنظر إليك ظننت أن نفسي تخرج، فأذكر أنِّي إن دخلت الجنة صرت دونك في المنزلة، فيشقُّ ذلك عليَّ وأحب أن أكون معك في الدرجة، فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ شيئاً، فأنزل الله عزل وجل: ﴿ومن يطع الله والسرول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ - الآية -. فدعاه رسول الله ﷺ فتلاها عليه. قال الهيثيم: رواه الطبراني، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. اهـ.
قصة الصحابي الذي أعد للساعة حب الله ورسوله
وأخرج الشيخان عن أنس ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟» قال: لا شيء إلا أني أُحب الله وروسله. قال: «أنت مع من أحببت» . قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ «أنت مع من أحبب» . قال أنس: فأنا أُحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن أكون معهم بحبِّي إياهم.
وفي رواية للبخاري أن رجلاً من أهل البداية أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ قال: «ويلك وما أعددت لها؟» قال: ما أعددت لها إلا أنِّي أُحب الله ورسوله. قال: «إنك مع من أحببت. قال: ونحن
стр. 1052
كذلك. قال: «نعم» ففرحنا يومئذ فرحاً شديداً. وعند الترمذي عنه قال: رأيت أصحاب رسول الله ﷺ فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشد منه. قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله. فقال رسول الله ﷺ «المرء مع من أحب» .
قوله ﵇: أنت يا أبا ذر مع من أحببت
وعند أبي داود عن أبي ذر ﵁ قال: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟ قال: «أنت يا أبا ذرَ مع من أحببت. قال: فإني أحب الله ورسوله. قال: «فإنك مع من أحببت» قال: فأعادها أبو ذر فأعادها رسول الله ﷺ كذا في الترغيب (٤٤٢٩ - ٤٣١ - ٤٣٣) .
قصة علي معه ﵇ حين أصابته خَصاصة
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: أصابت نبي الله ﷺ خَصَاصة، فبلغ ذلك علياً ﵁، فخرج يلتمس عملاً يصيب فيه شيئاً لُيغيث به النبي ﷺ فأتى بستاناً لرجل من اليهود فاستسقى له سبعة عشر دلواً، على كل دول تمرة، فخيَّره اليهودي على تمرهِ فأخذ سبعة عشر عجوة، فجاء بها إلى النبي ﷺ فقال: «من أين لك هذا يا أبا الحسن؟» قال: بلغني ما بك من الخصاصة يا نبي الله، فخرجت ألتمس لك عملاً لأصيب لك طعاماً. قال: «حملك على هذا حبُّ الله ورسوله؟» قال: نعم يا نبي الله. قال النبي ﷺ «ما من عبد يحب الله ورسوله إلا الفقر أسرع إليه جرية السيل
стр. 1053
على وجهه، ومن أحب الله ورسوله فليعدَّ للبلاد تجفافاً» . كذا في كنز العمال وقال: وفيه حَنَش.
قصة كعب بن عجرة في هذا الأمر
وأخرج الطبراني عن كعب بن عُجرة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فرأيته متغيراً، فقلت: بأبي أنت مالي أراك متغيراً؟ قال: «ما دخل جوفي ما يدخل جوف ذات كبد منذ ثلاث» قال: فذهبت فإذا يهودي يسقي إبلاً له فسقيت له على كل دلو بتمرة، فجمعت تمراً، فأتيت به النبي ﷺ فقال: «من أين لك يا كعب؟» فأخبرته، فقال النبي ﷺ «أتحبني يا كعب؟» . قال: بأبي أنت، نعم، قال: «إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى معادنه، وإنه سيصيبك بلاء فأعدّ له تجفافاً» . قال: ففقده النبي ﷺ فقال: «ما فعل كعب؟» قالوا مريض، فخرج يمشي حتى دخل عليه، فقال: «أبشر يا كعب» ، فقالت أمه: هنيئاً لك الجنةُ يا كعب قال النبي ﷺ «من هذه المتألِّية على الله؟» قلت هي أمي يا رسول الله، قال: «ما يدريك يا أم كعب؟ لعل كعباً قال ما لا ينفعه ومنع ما لا يغنيه» قال الهيثيم: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد. اهـ، وكذا قال في الترغيب عن شيخه الحافظ أبي الحسن. وأخرجه ابن
стр. 1054
عساكر مثله، كما في الكنزل إلا أنَّ في روايته: «لعل كعباً قال ما لا يعنيه أو منع ما لا يغنيه» .
محبة طلحة بن البراء للنبي ﵇
وأخرج الطبراني عن حُصين بن وَحْوَح الأنصاري أن طلحة بن البراء ﵄ لما لقي النبي ﷺ فجعل يلصق برسول الله ﷺ يوقبِّل قدميه. قال: يا رسول الله، مرني بما أحببت ولا أعصي لك أمراً. فعجب لذلك النبي ﷺ وهو غلام، فقال له عند ذلك: «اذهب فاقتل أباك» فخرج مولياً ليفعل، فدعاه فقال له: «أقبل فإني لم أبعث بقطيعة رحم» .
فمرض طلحة بعد ذلك فأتاه النبي ﷺ يعوده في الشتاء في برد وغيم. فلما انصرف قال لأهله: «لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به حتى أشهده وأصلِّي عليه وعجِّلوه» . فلم يبلغ النبي ﷺ بني سالم بن عوف حتى توفي وجنَّ عليه الليل. فكان فيما قال طلحة: ادفنوني وألحقوني بربي ، ولا تدعو رسول الله ﷺ فإني أخاف عليه اليهود أن يصاب في سببي. فأخبر النبي ﷺ حين أصبح، فجاء حتى وقف على قبهر، فصفّ الناس معه ثم رفع يديه فقال: «اللهمَّ ألقَ طلحة تضحك إليه ويضحك إليك» كذا في الكنز وأخرجه البغوي وابن أبي خيثمة وابن أبي عاصم وابن شاهين وابن السَّكَن، كما في الإِصابة. قال الهيثيم وقد روى أبو داود بعض هذا
стр. 1055
الحديث وسكت عليه، فهو حسن إن شاء الله. انتهى.
وأخرجه الطبراني أيضاً عن طلحة بن مسكين عن طلحة بن البراء ﵁ أنه أتى النبي ﷺ قال: «ابسط - يعني يدك - أبايعك، قال: «وإن أمرتك بقطيعة والديك؟» قلت: لا، ثم عدت له فقلت: ابسط يدك أبايعك. قال: علام؟» قلت: على الإِسلام. قال: «وإن أمرتك بقطيعة والديك؟» قلت: لا، ثم عدت الثالثة، - وكانت له والدة وكان من أبرِّ النسا بها -، فقال له النبي ﷺ «يا طلحة، إنه ليس في ديننا قطيعة الرحم، ولكن أحببت أن لا يكون في دينك ريبة» . فأسلم فحسن إسلامه، ثم مرض فعاده النبي ﷺ فوجده مغمى عليه، فقال النبي ﷺ «ما أظن طلحة إلا مقبوضاً من ليلته فإن أفاق فأرسلو إليَّ» فأفاق طلحة في جوف الليل فقال: ما عادني النبي ﷺ قالوا: بلى، فأخبروه بما قال. فقال: لا ترسلوا إليه في هذه الساعة فتلسعه دابة أو يصيبه شيء، ولكن إذا فُقدت فأقرئوه منِّي السلام، وقولوا له: فليستغفر لي، فلما صلى النبي ﷺ الصبح سأل عنه، فأخبروه بموته وبما قال. قال: فرفع النبي ﷺ وقال: «اللهمَّ، الْقَهُ يضحك إليك وأنت تضحك إليه» . قال الهيثمي: رواه الطبراني مرسلاً، وعبد ربه بن صالح لم أعرفه، وبقية رجاله وُثِّقوا. انتهى. وأخرجه ابن السَّكَن نحوه كمافي الإصابة.
следующие страницы →