Полный текст (1 779 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
رواية أبي سنان الدؤلي في بكائه على بسط الدنيا
وأخرج أحمد بإسناد حسن، والبزار، وأبو يَعْلى عن أبي سِنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب ﵁ وعنده نفر من المهاجرين الأولين، فأرسل عمر إلى سَفَط - هو شيء كالقُفَّة أو كالحُوالق - أُتي به من قلعة العراق، فكان فيه خاتم، فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه فانتزعه عمر منه، ثم بكى عمر ﵁، فقال له من عنده: لم تبكي وقد فتح الله عليك وأظهرك على عدوك وأقر عينك؟ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا تُفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأنا أُشفق من ذلك» . كذا في الترغيب.
رواية بن عباس في بكائه على بسط الدنيا
وأخرج الحُميدي وابن سعد والبزَّار، وسعيد بن منصور، والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس ﵂ قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلَّى صلاة جلس للناس، فمن كان له حاجة كلَّمه، وإن لم يكن لأحد حاجة قام، فصلَّى صلوات للناس لا يجلس فيهن، فقلت: يا يرفأ أبأمير
стр. 982
المؤمنين شَكاة؟ فقال: ما بأمير المؤمنين شكو، فجلست فجاء عثمان بن عفان ﵁ فجلس، فخرج يَرْفأ فقال: قم يا ابن عفان، قم يا ابن عباس. فدخلنا على عمر فإذا بين يديه صُبَرٌ من مال على كل صُبْرة منها كتف، فقال: إِني نظرت إِلى أهل المدينة فوجدتكما من أكثر أهلها عشيرة، فخذا هذا المال فاقتسماه، فما كان من فَضْل فردّا. فأمّا عثمان فجثا، وأما أنا فجثوت لركبتي وقلت: وإن كان نقصاناً رددت علينا؟ فقال عمر: شِنْشِنَةٌ من أخشن - (قال سفيان) : يعني حجراً من جبل - أما كان هذا عند الله إذ محمد ﷺ وأصحابه يأكلون القِد: فقلت؛ بلى، والله لقد كان هذا عند الله ومحمد حيّ، ولو عليه فُتِح لصنع فيه غير الذي تصنع؛ فغضب عمر وقال: إذن صنع ماذا؟ قلت: إذاً لأكل وأطعمنا. فنشج عمر حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: وددتُ أني خرجت منها كفافاً لا لي ولا عليّ. كذا في الكنز؛ وقال الهيثمي: رواه البزّار وإسناده جيد. اهـ.
وأخرج أبو عبيد، وابن سعد وابن راهَوَيه، والشاشي - وحسن - عن ابن عباس ﵂ قال: دعاني عمر بن الخطاب ﵁ فأتيته، فإذا بين يديه نِطَعٌ فيه الذهب منثور. قال: هلمَّ فاقسم هذا بين قومك، فالله أعلم حيث زوى هذا عن نبيه ﷺ وعن أبي بكر فأُعطيته، لخير أعطيته أم
стр. 983
لشر؟ ثم بكى وقال: كلا والذي نفسي بيده، ما حبسه عن نبيه وعن أبي بكر إِرادة الشرِّ لهما وأعطاه عمر إرادة الخير له. كذا في الكنز.
قصته مع عبد الرحمن بن عوف وبكاؤه على بسط الدنيا
وأخرج أبو عُبَيد العدني عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: بعث إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ فأتيته، فلما بلغت الباب سمعت نحيبه، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون أعتُري - والله - أمير المؤمنين، فدخلت فأخذت بمنكبه وقلت: لا بأس لا بأس يا أمير المؤمنين. قال: بل أشد البأس، فأخذ بيدي فأدخلني الباب، فإذا حقائق بعضها فوق بعض فقال: الآن هان آل الخطاب على الله، إنَّ الله لو شاء لجعل هذا إلى صاحبيَّ - يعني النبي ﷺ وأبا بكر - فسنَّا لي فيه سُنّة أقتدي بها، قلت: إجلس بنا نفكر، فجعلنا لأمهات المؤمنين أربعة آلاف أربعة آلاف، وجعلنا للمهاجرين أربعة آلاف أربعة آلاف، ولسائر الناس ألفين ألفين، حتى وزعنا ذلك المال. كذا في الكنز.
خوف عبد الرحمن بن عوف ﵁ وبكاؤه على بسط الدنيا قصة بكائه وهو يأكل الطعام
أخرج البخاري (ص ٥٧٩) عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أُتي بطعام وكان صائماً، فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كُفِّن في بردة إن غُطِّي رأسه بدت رجلاه، وإن غُطي رجلاه بدا رأسه - وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط - أو قال:
стр. 984
أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عُجِّلت لنا. ثم جعل يبكى حتى ترك الطعام. وأخرجه أبو نُعيم في الحلية نحوه.
قصة أخرى له في هذا الشأن
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن نوفل بن إِياس الهُذَلي قال: كان عبد الرحمن ﵁ لنا جليساً - وكان نعم الجليس -، وإنه انقلب بنا يوماً حتى دخلنا بيته، ودخل فاغتسل ثم خرج فجلس معنا، وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وُضعت بكى عبد الرحمن بن عوف، فقلنا له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ قال: هلك رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير؛ ولا أُرانا أُخِّرنا لها لما هو خير منها. وأخرجه الترمذي والسّراج عن نوفل نحوه، كما في الإِصابة.
سؤاله لأم سَلَمة على بسط المال وجوابها له
وأخرج البزار عن أم سَلَمة ﵂ أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ دخل عليها فقال: يا أمّه، قد خفت أن يهلكني مالي، أنا أكثر قريش مالاً؛ قالت: يا بني فأنفق؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفرقه» ، فخرج عبد الرحمن بن عوف فلقي عمر ﵁ فأخبره بالذي قالت أم سَلَمة، فدخل عليها عمر فقال: بالله منهم أنا؟ فقالت: لا، ولا أُبرِّىء أحداً بعدك. قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
стр. 985
خوف خبّاب بن الأرت ﵁ وبكاؤه على بسط الدنيا قصة خوفه وقد عاده بعض الصحابة
أخرج أبو يَعْلى، والطبراني بإسناد جيد عن يحيى بن جَعْدة قال: عاد خبّاباً ﵁ ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله، ترد على محمد ﷺ الحوض، فقال: كيف بهذا؟ وأشار إلى أعلى البيت وأسفله وقد قال رسول الله ﷺ «إنَّما يكفي أحدكم كزاد الراكب» ، كذا في الترغيب.
قصته ﵁ في ذلك عند وفاته
وعند أبي نُعيم في الحلية عن طارق بن شهاب قال: عاد خبّاباً نفرٌ من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله، إخوانك تَقْدَم عليهم غداً، قال: فبكى وقال: أمَا إنَّه ليس بي جزع، ولكنكم ذكَّرتموني أقواماً وسميتم لي إِخواناً، وإن أولئك قد مَضَوا بأجورهم كلهم، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم. وأخرجه ابن سعد عن طارق بنحوه.
وعند أبي نعيم في الحلية عن حارثة بن مُضَرِّب قال: دخلنا على خبّاب وقد اكتوى في بطنه سبع كيات، فقال: لولا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنينَّ أحدكم الموت» لتمنيتُه، فقال بعضهم: أذكر صحبة النبي ﷺ والقدوم عليه، فقال: قد خشيت أن يبقى ما عندي القدوم عليه. هذه أربعون ألفاً
стр. 986
دراهم في البيت.
وأخرج من طريق آخر عن حارثة نحوه مختصراً وزاد: ولقد رأيتني مع رسول الله ﷺ ما أملك درهماً وإنَّ في جانب بيتي لأربعين ألف درهم قال: ثم أُتي بكفنه فلما رآه بكى فقال: لكنَّ حمزةَ لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء، إذ جُعلت على رأسه قَلَصَت عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مُدَّت على رأسه وجعل على قدميه الإِذخر؛ وأخرجه ابن سعد عن حارثة بنحوه. وعند أبي نعيم في الحلية عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: دخلنا على خباب بن الأرت في مرضه فقال: إن في هذا التابوت ثمانين ألف درهم، والله، ما شددت لها من خيط لا منعتها من سائل، ثم بكى فقلنا: ما يبكيك؟ قال: أبكى أنَّ أصحابي مَضَوا ولم تَنقصهم الدنيا شيئاً، وإِنا بقينا بعدهم حتى لم نجد لها موضعاً إلا التراب. قال أبو نُعيم: رواه أبو أسامة عن إدريس قال: ولوددتُ أنه كذا وكذا كما قال بَعْراً أو غيره. وعند أبي نعيم أيضاً من حديث قيس ثم قال: إنّه قد مضى قبلنا أقوام لم ينالوا من الدنيا شيئاً، وإنا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لا يدري أحدنا في أيِّ شيء يضعه إلا في التراب، وإنَّ المسلم يُؤجر في كل شيء أنفقه إلا فيما أنفق في التراب.
حديث البخاري في خوف خباب
وعند البخاري عن خباب قال: هاجرنا مع النبي ﷺ نبتغي وجه الله،
стр. 987
فوجب أجرنا على الله؛ فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئاً، كان منهم مصعب بن عمير قُتل يوم أُحد لم يترك إِلا نَمرة، كنا إذا غطَّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غُطِّي بها رجلاه خرج رأسه، فقال لنا النبي ﷺ «غطّوا بها رأسه واجعلوا على رجله الإِذْخِر» . ومنا من ينعت له ثمرته فهو يَهدبُها. وأخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة بمثله كما في الكنز.
خوف سلمان الفارسي ﵁ وبكاؤه على بسط الدنيا قصته مع رجل من بني عبس في ذلك
أخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي البَخْتري عن رجل من بني عبس قال: صحبت سلمان ﵁ فذكر ما فتح الله تعالى على المسلمين من كنوز كسرى، فقال: إنَّ الذي أعطاكموه وفتحه لكم وخوَّلكم لممسك خزائنه ومحمد ﷺ حيّ، ولقد كانوا يصبحون وما عندهم دينار ولا درهم ولا مدٌّ من طعام، ثم ذاك يا أخا بني عبس. ثم مررنا ببيادر تُذرى فقال: إنَّ الذي أعطاكموه وخوَّلكم وفتحه لكم لممسك خزائنه ومحمد ﷺ حيٌّ، لقد كانوا يصبحون وما عندهم دينار ولا درهم ولا مد من طعام، ثم ذاك يا أخا بني عبس.
وعند الطبراني عن رجل من بني عبس قال: كنت أسير مع سلمان
стр. 988
رضي الله عنه على شط دجلة، فقال: يا أخا بني عبس إنزل فاشرب، فشربت فقال: ما نقص شرابك من دجلة؟ قلت: ما عسى أن ينقص، قال: فإنَّ العلم كذلك يؤخذ منه ولا ينقص، ثم قال: إركب، فمررنا بأكداس من حنطة وشعير، فقال: أفترى هذا فُتح لنا وقتر على أصحاب محمد ﷺ لخير لنا وشر لهم؟ قلت: لا أدري، (قال) ولكني أدري شر لنا وخير لهم. قال: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام متوالية حتى لحق بالله . قال الهيثمي: وفيه راوٍ لم يُسمَّ وبقية رجاله وُثِّقوا.
عيادة سعد بن أبي وقاص لسلمان وما وقع بينهما
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي سفيان عن أشياخه أنَّ سعد بن أبي وقاص ﵁ دخل على سلمان ﵁ يعوده، فبكى سلمان، فقال له سعد: ما يبكيك؟ تلقى أصحابك، وترد على رسول الله ﷺ الحوض، وتُوفي رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ فقال: ما أبكى جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا؛ ولكنَّ رسول الله ﷺ عهد إلينا فقال: «ليكن بُلْغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب» ، وهذه الأساود حولي - وإنما حوله مِطْهرة أو إِنجانة ونحوها - فقال له سعد: أعهد إلينا عهداً نأخذ به بعدك، فقال له: أذكر ربَّك عند همَّك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت؛ وأخرجه الحاكم وصحَّحه كما في الترغيب وابن سعد عن أبي سفيان عن
стр. 989
أشياخه نحوه، وفي رواية الحاكم: وإنما حوله إجَّانة وجَفْنة ومِطْهَرة. وأخرجه ابن الأعرابي عن أبي سفيان عن أشياخه مختصراً، كما في الكنز.
وعند ابن ماجه ورواته ثقات عن أنس قال: إشتكى سلمان ﵁ فعاده سعد ﵁، فرآه يبكي فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله ﷺ أليس؟ قال سلمان: ما أبكي وحدة من إثنين، ما أبكي ضناً على الدنيا، ولا كراهية الآخرة؛ ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهداً ما أُراني إلا قد تعدَّيت، قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إلينا أنه يكفي أحدكم مثل زاد الركب، ولا أُراني إِلا قد تعدَّيت، وأما أنت يا سعد، فاتَّق الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت، وعند همِّك إِذا هممت. قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إِلا بضعة وعشرين درهماً مع نُفَيقة كانت عنده. كذا في الترغيب.
سبب جزع سلمان ﵁ عند الموت
وعند ابن حِبَّان في صحيحه عن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير ﵁ حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزعِ، فقالوا: ما يجزعك يا أبا عبد الله؟ وقد كانت لك سابقة في الخير، شهدت مع رسول الله ﷺ مغازي حسنة وفتوحاً عظاماً، قال: يجزعني أنَّ حبيبنا ﷺ حين فارقنا عهد إِلينا قال: «ليَكْفِ المرءَ منكم كزادِ الراكب، فهذا الذي أجزعني» . فجُمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر درهماً. كذا في الترغيب. وأخرجه ابن عساكر عن
стр. 990
عمر مثله، كما في الكنز إِلا أنه وقع عنده: خمسة عشر ديناراً، وهكذا ذُكر في الكنز عن ابن حِبَّان. وهكذا رواه أبو نُعَيم في الحلية عن عمر بن عبد الله في هذا الحديث، ثم قال: كذا قال عامر بن عبد الله: ديناراً، واتفق الباقون على بضعة عشر درهماً، ثم أخرج عن علي بن بذيمة قال: بيع متاع سلمان فبلغ أربعة عشر درهماً. وهكذا أخرجه الطبراني عن علي، قال في الترغيب: وإسناده جيد إِلا أنَّ علياً لم يدرك سلمان.
خوف أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة القرشي رضي الله عنه قصته مع معاوية ﵄ عند الموت
أخرج الترمذي، والنِّسائي عن أبي وائل قال: جاء معاوية ﵁ إلى أبي هاشم بن عتبة ﵁ وهو مريض يعوده، فوجده يبكي، فقال: يا خال ما يبكيك؟ أوجع يُشْئِزُك أم حرص على الدنيا؟ قال: كلا، ولكنَّ رسول الله ﷺ عهد إلينا عهداً لم نأخذ به، قال: وما ذاك؟ قال: سمعته يقول: «إنما يكفي من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله» ، وأجدني اليوم قد جمعت. وقد رواه ابن ماجه عن أبي وائل عن سَمُرة بن سَهْم عن رجل من قومه لم يسمِّه قال: نزلت على أبي هاشم بن عتبة فجاءه معاوية - فذكر الحديث بنحوه، ورواه ابن حِبَّان في صحيحه عن سَمُرة بن سَهْم قال: نزلت
стр. 991
على أبي هاشم بن عتبة وهو مطعون، فأتاه معاوية - فذكر الحديث. وذكره رَزِين فزاد فيه فلما مات حُصِر ما خلَّف فبلغ ثلاثين درهماً، وحُسبت فيه القصعة التي كان يعجن فيها وفيها يأكل، كذا في الترغيب. وأخرجه البغوي وابن السَّكَن عن أبي وائل عن سَمُرة بن سَهْم عن رجل من قومه، كما في الإِصابة وقال: وروى الترمذي وغيره بسند صحيح عن أبي وائل قال: جاء معاوية إلى أبي هاشم، فذكره - اهـ. وأخرج الحديث أيضاً الحاكم عن أبي وائل وابن عساكر منط ريق سمرة، كما في الكنز.
خوف أبي عبيدة بن الجراح ﵁ وبكاؤه على بسط الدنيا
أخرج أحمد عن أبي حَسَنة مسلمِ بن أكْيَس مولى عبد الله بن عامر عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: ذَكَر من دخل عليه فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا عبيدة؟ قال: نبكي أنَّ رسول الله ﷺ ذكر يوماً ما يفتح الله على المسلمين ويفيء عليهم حتى ذكر الشام، فقال: «إن يُنسأ في أجلك يا أبا عبيدة فحسبك من الخدم ثلاثة: خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك ويرد عليه. وحسبك من الدواب ثلاثة: دابة لرَحْلك، ودابة لنقلك، ودابة لغلامك» ؛ ثم هذا أنا أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقاً، وانظر
стр. 992
إلى مربطي قد امتلأ رقيقاً، وانظر إلى مربطي قد امتلأ دوابَّ وخيلاً، فكيف ألقى رسول الله ﷺ بعد هذا؟ وقد أوصانا رسول الله ﷺ «إنَّ أحبكم إليَّ وأقربكم مني من لقيني على مثل الحال الذي فارقني عليها» . قال الهيثمي رواه أحمد وفيه راوٍ لم يُسمَّ وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرجه ابن عساكر نحوه، كما في المنتخب.
زهد النبي ﷺ وأصحابه عن الدنيا والخروج عنها بدون تلبس به زهد النبي ﷺ
حديث عمر في تأثير الحصير في جنبه ﵇
أخرج ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: حدَّثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير. قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثَّر في جنبه. وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقَرَظ في ناحية في الغرفة، وإذا إِهاب معلَّق، فابتدرتْ عيناي، فقال: «ما يبكيك يا ابن الخطاب؟» فقال: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك قال: «يا ابن الخطاب، أما ترضَى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟» وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط
стр. 993
مسلم. ولفظُه: قال عمر ﵁: إستأذنت على رسول الله ﷺ فدخلت عليه في مَشْرَبة وإنه لمضطجع على خَصَفة إِنَّ بعضه لعلى التراب، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفاً، وإنَّ فوق رأسه لإِهاباً غَطِناً، وفي ناحية المشربة قَرَظ؛ سلمت عليه فجلست فقلت: أنت نبي الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير؟ فقال: «أولئك عُجِّلت لهم طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنَّا قوم أُخِّرت لنا طيباتنا في آخرتنا» ، ورواه ابن حِبّان في صحيحه عن أنس أن عمر ﵄ دخل على النبي ﷺ فذكر نحوه، كذا في الترغيب. وأخرج حديث أنس أيضاً أحمد، وأبو يَعْلى بنحوه، قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير مبارك بن فَضالة وقد وثَّقه جماعة وضعفه جماعة. انتهى.
وأخرجه أحمد، وابن حِبَّان في صحيحه والبيهقي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ دخل عليه عمر ﵁ وهو على حصير قد أثَّر في جنب، فقال: يا رسول الله، لو اتخذتَ فراشاً أوثَر من هذا، فقال: «ما لي وللدنيا؟ ما مَثَلي ومَثَل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها» ، كذا في الترغيب. وأخرجه
стр. 994
الترمذي - وصحَّحه - وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ نحوه، والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود نحو حديث عمر، كما في الترغيب، وابن حِبَّان، والطبراني عن عائشة ﵂، كما في الترغيب والمجمع.
فراشه ﵇
وأخرج البيهقي عن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليَّ إمرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله ﷺ قطيفة مثنية، فبعثت إليَّ بفراش حشوه الصوف، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: قلت: يا رسول الله، فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك، فذهبت فبعثت إليَّ بهذا، فقال: «ردِّيه يا عائشة، فوالله لو شئتُ لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة» . وأخرجه أبو الشيخ أطول منه، كما في الترغيب.
طعامه ولباسه ﵇
وأخرج ابن ماجه، والحاكم عن أنس ﵁ قال: ليس
стр. 995
رسول الله ﷺ الصوف، واحتذى المخصوف. وقال: أكل رسول الله ﷺ بَشِعاً، ولبس حِلْساً خشناً، قيل للحسن: ما البشع؟ قال: غليظ الشعير، ما كان النبي ﷺ يسيغه إلا بجرعة من ماء. وفيه يوسف بن أبي كثير وهو مجهول عن نوح بن ذكوان وهو واهٍ، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد، (وعنده: خشناً موضع بشعاً: كذا في الترغيب.
ما وقع بين رسول الله ﷺ وأم أيمن في صنع الرغيف
وأخرج ابن ماجه، وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيرهما عن أم أيمن ﵂ أنها غربلت دقيقاً، فصنعته للنبي ﷺ رغيفاً، فقال: «ما هذا؟» قالت: طعام نصنعه بأرضنا فأحببت أن أصنع لك منه رغيفاً، فقال: «ردِّيه (فيه) ثم اعجنيه) . كذا في الترغيب.
حديث سلمى إمرأة أبي رافع في أكله ﵇
وأخرج الطبراني عن سَلمى إمرأة أبي رافع ﵄ قالت: دخل عليَّ الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس ﵃ فقالوا: إصنعي لنا طعاماً ممَّا كان يُعجب النبي ﷺ أكله، قالت يا بَنيَّ إذاً لا تشتهونه اليوم، فقمت فأخذت شعيراً فطحنته ونسفته وجعلت منه خبزة، وكان أُدْمُه الزيت، ونثرت عليه الفلفل فقربته إليه، وقلت: كان النبي ﷺ يحب هذا. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير فائد مولى ابن أبي رافع
стр. 996
وهو ثقة. وقال في الترغيب: رواه الطبراني وإسناده جيد.
حديث ابن عمر في زهده ﵇
وأخرج أبو الشيخ ابن حِبَّان في كتاب الثواب عن ابن عمر ﵄ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان الأنصار، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: «يا ابن عمر، ما لك لا تأكل؟» قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: «ولكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً، ولو شئت لدعوتُ ربِّي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبِّئون رزق سنتهم ويضعف اليقين؟» فولله ما برحنا حتى نزلت: ﴿وَكَأَيّن مّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (العنكبوت: ٦٠) فقال رسول الله ﷺ «إنَّ الله لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتِّباع الشهوات، فمن كنز دنيا يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله ، ألا وإنِّي لا أكنز ديناراً ولا درهماً ولا أخْبَأُ رزقاً لغد» . كذا في الترغيب. وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عمر مثله، وفيه أبو العطوف الجزري وهو ضعيف؛ كما في التفسير لابن كثير.
رواية أم المؤمنين عائشة في هذا الأمر
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة ﵂ قالت: أُتي رسول الله ﷺ بقَدَح فيه لبن وعسل فقال: «شَربتين في شَرْبة وأُدْمَين في قدح؟
стр. 997
لا حاجة لي به. أمَا إنِّي لا أزعم أنه حرام، ولكن أكره أن يسألني الله عن فُضول الدنيا يوم القيامة، أو تواضع لله، فمن تواضع لله رفعه الله، ومن تكبَّر وضعه الله، ومن اقتصد أغناه الله، ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله» . كذا في الترغيب. قال الهيثمي: وفيه نُعَيم بن مُوَرِّع العنبري وقد وثَّقه ابن حِبَّان وضعَّفه غير واحد، وبقية رجاله ثقات.
زهد أبي بكر الصديق ﵁ حديث زيد بن أرقم في هذا الأمر
أخرج البزَّار عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنَّا مع أبي بكر ﵁ فاستسقى، فأُتي بماء وعسل، فلما وضعه على يده بكى وانتحب حتى ظننا أن به شيئاً ولا نسأله عن شيء، فلما فرغ قلنا: يا خليفة رسول الله ﷺ ما حملك على هذا البكاء؟ قال: بينما أنا مع رسول الله ﷺ إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئاً ولا أرى شيئاً، فقلت: يا رسول الله ما الذي أراك تدفع ولا أرى شيئاً؟ قال «الدنيا تطوَّلت لي فقلت: إليك عني، فقالت: أمَا إنَّك لست بمدركي» ؛ قال أبو بكر: فشق عليَّ، وخشيت أن أكون قد خالفت أمر رسول الله ﷺ ولحقتني الدنيا.h قال الهيثمي: رواه البزار وفيه عبد الواحد بن زيد الزاهد وهو ضعيف عند الجمهور، وذكره ابن حبان في
стр. 998
الثقات، وقال: يعتبر حديثه إِذا كان فوقه ثقة ودونه ثقة، وبقية رجاله ثقات. انتهى. وقال في الترغيب: رواه ابن أبي الدنيا والبزَّار ورواته ثقات إلا عبد الواحد بن زيد، وقد قال ابن حِبّان: يعتبر حديثه إذا كان فوقه ثقة ودونه ثقة وهو هنا كذلك. انتهى.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن زيد بن أرقم أن أبا بكر إستسقى فأُتي بإناء فيه ماء وعسل، فلما أدناه من فيه بكى وأبكى من حوله، سكت وما سكتوا، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أن لا يقدروا على مساءلته، ثم مسح وجهه وأفاق فقالوا: ما هاجك على هذا البكاء؟ فذكر نحوه وزاد: «فتنحَّت وقالت: أمَا - والله - لئن انفلتَّ مني لا ينفلت مني مَنْ بعدك» . وهكذا أخرجه الحاكم، والبيهقي، كما في الكنز.
حديث عائشة في أن أبا بكر لم يترك شيئا
وأخرج أحمد في الزهد عن عائشة ﵁ قالت: مات أبو بكر ﵁ فما ترك ديناراً ولا درهاً، وكان قد أخذ قبل ذلك ماله فألقاه في بيت المال. وعنده أيضاً فيه عن عروة أن أبا بكر لما استُخلف ألقى كل درهم له ودينار في بيت مال المسلمين وقال: كنت أتَّجر فيه وألتمس به، فلما وليتهم
стр. 999
شغلوني عن التجارة والطلب فيه. كذا في الكنز.
ما وقع بينه وبين عمر يوم ولي الخلافة
وعند ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: لما بويع أبو بكر ﵁ أصبح وعلى ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق، فقال عمر ﵁: أين تريد؟ قال: السوق، قال: تصنع ماذا وقد وُلِّيت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ فقال عمر: إنطلق يفرض لك أبو عبيدة، فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا بأوكسهم، وكسوة الشتاء والصيف، إذا أخلقتَ شيئاً رددته وأخذت غيره ففرضا له كل يوم نصف شاة، وما كساه في الرأس والبطن. كذا في الكنز.
رواية حميد بن هلال لما وقع بين أبي بكر وعمر
وعنده أيضاً عن حُمَيْد بن هلال قال: لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله ﷺ أفرضوا لخليفة رسول الله ﷺ ما يغنيه، قالوا: نعم، برداه إن أخْلَقهما وضعهما وأخذ مثلهما، وظَهْره إِذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يُستخلف، قال أبو بكر: رضيت. كذا في الكنز.
стр. 1000
زهد عمر بن الخطاب ﵁ رغبة بعض الصحابة بزيادة رزق عمر ورفضه ذلك
وأخرج الطبري عن سالم بن عبد الله قال: لما ولي عمر ﵁ قعد على رزق أبي بكر ﵁ الذي كانوا فرضوا له، فكان بذلك فاشتدت حاجته، فاجتمع نفر من المهاجرين منهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير ﵃. فقال الزبير؛ لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه، فقال علي؛ وددنا قَبل ذلك، فانطلقوا بنا، فقال عثمان: إنّه عمر فهلُّموا فلنستبرىء ما عنده من وراء، نأتي حفصة فنسأله ونستكتمها. فدخلوا عليها وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر ولا تسمِّي له أحداً إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها.
فلقيت عمر في ذلك فعرفت الغضب في وجهه، وقال: من هؤلاء؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيك، فقال: لو علمت من هم لسؤت وجوههم، أنت بيني وبينهم، أنشدك بالله: ما أفضل ما أقتنى رسول الله ﷺ في بيتك من الملبس؟ قالت؛ ثوبين مُمَشَّقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجمع. قال: فأيُّ الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: خبزنا خبزة شعير فصببنا عليها وهي حارة أسفل عُكَّة لنا، فجعلناها هشَّة دسمة، فأكل منها وتطعَّم منها إستطابة لها. قال: فأيُّ مبسط كان يبسطه عندك كان أوطأ؟ قالت: كساء لنا ثخين كنا نربِّعه في الصيف فنجعله تحتنا، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثَّرنا بنصفه. قال: يا حفصة، فأبلغيهم عني أن رسول الله قَدَّر فوضع الفُضول مواضعها وتبلغ بالتزجية، وإني قدرت فوالله وضعنَّ الفُضول مواضعها لأتبلغنَّ بالتزجية، وإنما مثلي ومثل صاحبيَّ كثلاثة سلكوا طريقاً، فمضى الأول وقد تزود زاداً فبلغ ثم اتَّبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم اتَّبعه الثالث فإن لزم
стр. 1001
طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما وكان معهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما. وأخرجه أيضاً ابن عساكر عن سالم بن عبد الله فذكر نحوه، كما في منتخب الكنز.
حديث الحسن البصري في ذكر زهد عمر في جامع البصرة
وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري قال: أتيت مجلساً في جامع البصرة، فإذا أنا بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون زهد أبي بكر، وعمر ﵄ وما فتح الله عليهما من الإِسلام وحسن سيرتهما، فدنَوت من القوم، فإذا فيهم الأحنف بن قيس التميمي ﵁ (جالس) معهم، فسمعته يقول: أخرَجنا عمر بن الخطاب في سرية إلى العراق ففتح الله علينا العراق وبلد فارس، فأصبنا فيها من بياض فارس، وخراسان، فجعلناه معنا واكتسينا منها. فلما قدمنا على عمر أعرض عنا بوجهه وجعل لا يكلمنا، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتينا إبنه عبد الله بن عمر ﵄ وهو جالس في المسجد، فشكونا إليه ما نزل بنا من الجفاء من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فقال عبد الله: إن أمير المؤمنين رأى عليكم لباساً لم يرَ رسول الله ﷺ يلبسه ولا الخليفة من بعده أبو بكر الصديق ﵁، فأتينا منازلنا فنزعنا ما كان علينا وأتيناه في البِزة التي كان يعهدنا فيها، فقام يسلم علينا على رجل رجل، ويعانق منَّا رجلاً رجلاً؛ حتى كأنه لم يرنا قبل ذلك، فقدَّمنا إليه الغنائم فقسمها بيننا بالسوية، فعُرض عليه في الغنائم سلال من أنواع الخبيص من أصفر وأحمر، فذاقه عمر فوجده طيبَ الطعم طيبَ الريح، فأقبل علينا بوجهه وقال: والله يا معشر المهاجرين والأنصار ليقتلن منكم الابن أباه والأخ أخاه على هذا الطعام ثم أمر به فحُمل إلى أولاد من قُتلوا بين يديّ رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار.
стр. 1002
ثم إنَّ عمر قام منصرفاً فمشى وراءه أصحاب رسول الله ﷺ في أثره، فقالوا: ما ترون يا معشر المهاجرين والأنصار إلى زهد هذا الرجل وإلى حِلْيته؟ لقد تقاصرت إِلينا أنفسنا مذ فتح الله على يديه ديار كسرى وقيصر، وطرفي المشرق والمغرب، ووفود العرب والعجم يأتونه فيَرون عليه هذه الجبَّة وقد رقعها إثنتي عشرة رقعة، فلو سأَلتم معاشر أصحاب محمد ﷺ وأنتم الكبراء من أهل المواقف والمشاهد مع رسول الله ﷺ والسابقين من المهاجرين والأنصار - يغير هذه الجبة بثوب ليِّن يُهاب فيه منظره، ويُغدَى عليه بجفنة من الطعام، ويُراح عليه بجفنة يأكله ومن حضره من المهاجرين والأنصار. فقال القوم بأجمعهم: ليس لهذا القول إلا علي بن أبي طالب فإنه أجرأ الناس عليه وصهره على إبنته، أو إبنته حفصة فإنها زوجة رسول الله ﷺ وهو مُوجب لها لموضعها من رسول الله ﷺ فكلموا علياً، فقال عليٌّ: لست بفاعل ذلك، ولكن عليكم بأزواج النبي ﷺ فإنهن أمهات المؤمنين يجترئن عليه.
قال الأحنف بن قيس: فسألوا عائشة وحفصة ﵄ وكانتا مجتمعتين. فقالت عائشة: إني سائلة أمير المؤمنين ذلك، وقالت حفصة: ما أراه يفعل وسيبِينُ لك ذلك. فدخلتا على أمير المؤمنين فقرَّبهما وأدناهما، فقالت عائشة: يا أمير المؤمنين، أتأذن أكلمك؟ قال: تكلَّمي يا أمَّ المؤمنين. قالت: إنَّ رسول الله ﷺ مضى لسبيله إلى جنته ورضوانه لم يُرد الدنيا ولم تُرده، وكذلك مضى أبو بكر ﵁ على إثره لسبيله بعد إحياء سنن رسول الله ﷺ وقَتَل المكذبين، وأدحض حجة المبطلين بعد عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وإِرضاء رب البرية، فقبضه الله إلى رحمته ورضوانه وألحقه بنبيه ﷺ بالرفيع الأعلى لم يرد الدنيا ولم ترده. وقد فتح الله على يديك كنز كسرى وقيصر وديارهما، وحُمل إليك أموالهما ودانت لك أطراف
стр. 1003
المشرق والمغرب ونرجو من الله المزيد وفي الإِسلام التأييد، ورسل العجم يأتونك ووفود العرب يردون عليك وعليك هذه الجبة قد رقعتها إثنتي عشرة رقعة فلو غيَّرتها بثوب لين يُهاب فيه منظرك، ويُغدى عليك بجفنة من الطعام ويُراح عليك بجفنة تأكل أنت ومن حضرك من المهاجرين والأنصار.
فبكى عمر عند ذلك بكاءً شديداً، ثم قال: سألتك بالله هل تعلمين أنَّ رسول الله ﷺ شبع من خبز برَ عشر أيام أو خمسة أو ثلاثة، أو جمع بين عشاء وغداء حتى لحق بالله؟ فقالت: لا، فأقبل على عائشة فقال: هل تعلمين أن رسول الله ﷺ قُرِّب إليه طعام على مائدة في ارتفاع شبر من الأرض، كان يأمر بالطعام فيوضع على الأرض ويأمر بالمائدة فتُرفع؟ قالتا: اللهمَّ نعم. فقال لهما: أنتما زوجتا رسول الله ﷺ وأمهات المؤمنين ولكما على المؤمنين حق وعليَّ خاصة؛ ولكن أتيتما ترغِّباني في الدنيا وإِنِّي لأعلم أن رسول الله ﷺ لبس جبة من الصوف فربما حك جلده من خشونتها، أتعلمان ذلك؟ قالتا اللهمَّ نعم، فقال: هل تعلمين أنَّ رسول الله ﷺ كان يرقد على عباءة على طاقة واحدة وكان مِسْحاً في بيتك يا عائشة، تكون بالنهار بساطاً وبالليل فراشاً، فندخل عليه فنرى أثر الحصير على جنبه؟ ألا يا حفصة أنت حدثتيني أنك ثنيت له ذا ليلة فوجد لينها فرقد فلم يستيقظ إلا بأذان بلال، فقال لك: «يا حفصة ماذا صنعت؟ أَثَنيت المهاد ليلتي حتى ذهب بي النوم إلى الصباح؟ ما لي وللدنيا وما لي شغلتموني بلين الفراش» يا حفصة أما تعلمين أنَّ رسول الله ﷺ كان مغفوراً له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، أمسى جائعاً، ورقد ساجداً، ولم يزل راكعاً وساجداً وباكياً ومتضرعاً في آناء الليل والنهار إِلى أن قبضه الله برحمته ورضوانه لا أكل عمر طيباً، ولبس ليِّناً، فله أُسوة بصاحبيه، ولا جمع بين أُدْمين إلا الملح والزيت، ولا أكل لحماً إلا في كل
стр. 1004
شهر ينقضي ما انقضى من القوم. فخرجتا فخبَّرتا بذلك أصحاب رسول الله ﷺ فلم يزل كذلك حتى لحق بالله . كذا في منتخب كنز العمال.
زهده ﵁ في الأكل
وأخرج عبد الرزاق، وابن عساكر عن عكرمة بن خالد أنَّ حفصة، وابن مطيع، وعبد الله بن عمر ﵃ كلَّموا عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: لو أكلت طعاماً طيِّباً كان أقوى لك على الحق، فقال: قد علمت أنه ليس منكم إلا ناصح، ولكني تركت صاحبيَّ - يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ على جادّة فإنْ تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل. كذا في منتخب الكنز.
وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف ﵄ قال: مكث عمر ﵁ زماناً طويلاً لا يأكل من المال شيئاً حتى دخلت عليه في ذلك خَصاصة، وأرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فاستشارهم، فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه. فقال عثمان بن عفان ﵁: كل وأطعم. وقال ذلك سعيد بن (زيد بن) عمرو بن نفيل ﵁، وقال: لعلي ﵁: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء. فأخذ بذلك عمر. كذا في منتخب الكنز.
стр. 1005
وأخرج عبد بن حُمَيد وابن جرير عن قتادة ﵁ قال: ذُكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً، وألينكم لباساً، لكن أستبقي طيباتي. وذُكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب لمَّا قدم الشام صُنع له طعام لم يَرَ قبله مثله، قال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال عمر بن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عَينا عمر وقال: لئن كان حظُّنا من هذا الحطام وذهبوا بالجنة لقد بانوا بَوْناً عظيماً. كذا في المنتخب.
قصته مع ابنه عبد الله وابنته حفصة في ذلك
وأخرج ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ أنه دخل عليه عمر وهو على مائدته، فأوسع له عن صدر المجلس، فقال: بسم الله ثم ضرب بيده، فلقم لقمة ثم ثنَّى بأخرى، ثم قال: إني لأحد طعمَ دسم ما هو بدَسم اللحم، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، إني خرجت إلى السوق أطلب السَّمين لأشتريه فوجدته غالياً، فاشتريت بدرهم من المهزول وجعلت عليه بدرهم سمناً، فأردت أن يتردد عيالي عظماً عظماً. ما اجتمعا عند رسول الله ﷺ قط إلا أكل أحدهما وتصدَّق بالآخر. فقال عبد الله: خذ يا أمير المؤمنين؛ فلن يجتمعا عندي إلا فعلت ذلك. قال: ما كنت لأفعل كذا في الكنز. وأخرج ابن سعد عن أبي حازم قال: دخل عمر بن الخطاب رضي
стр. 1006
الله عنه على حفصة ابنته ﵂ فقدَّمت إليه مرقاً بارداً وخبزاً، وصبت في المرق زيتاً، فقال: أُدْمان في إناء واحد لا أذوقه حتى ألقى الله.
ذكر طعامه ﵁ في رواية أنس والسائب بن يزيد
وأخرج ابن سعد عن أنس ﵁ قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يومئذٍ أمير المؤمنين يُطرح له صاع من تمر فيأكلها حتى يأكل حشفها. وعن السائب بن يزيد قال: ربما تعشَّيت عند عمر بن الخطاب فيأكل الخبز واللحم، ثم يمسح يده على قدمه، ثم يقول: هذا منديل عمر وآل عمر. وعند الدينوَرَي عن ثابت قال: أكل الجارود عند عمر بن الخطاب فلما فرغ قال: يا جارية هلمِّي الدستار - يعني المنديل يمسح يده - فقال عمر: إمسح يدك بإستِك.
قصصه في تذكيره الناس بآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قدم على عمر ﵁ ناس من أهل العراق فرأى كأنهم يأكلون تعذيزاً، فقال هذا يا أهل العراق، لو شئت أن يُدَهْمق لي كما يُدَهمق لكم؛ ولكنا نستبقي من دنيانا نجده في آخرتنا، أما سمعتم الله قال لقوم: ﴿أَذْهَبْتُمْ
стр. 1007
طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (الأحقاف: ٢٠) ؟.
وعنده أيضاً وهنَّاد عن حبيب بن أبي ثابت عن بعض أصحابه عن عمر ﵁ أنه قدم عليه ناس من أهل العراق فيهم جرير بن عبد الله ﵁ فأتاهم بجفنة قد صنعت بخبز وزيت، فقال لهم: خذوا، فأخذوا أخذاً ضعيفاً، فقال لهم عمر: قد أرى ما تفعلون، فأي شيء تريدون؟ أحلواً وحامضاً وحاراً وبارداً، ثم قَذْفاً في البطون كذا في منتخب الكنز.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حُمَيد عن حُمَيد بن هلال أنَّ حفص بن أبي العاص ﵁ كان يحضر طعام عمر ﵁ وكان لا يأكل، فقال له عمر: ما يمنعك من طعامنا؟ قال: إن طعامك خشن غليظ، وإني راجع إلى طعام ليِّن قد صنع لي فأصيب منه. قال: أتراني أعجز أن آمر بشاة فيُلقى عنها شعرها، وآمر بدقيق فينخل في خرقة، ثم آخر به فيخبز خبزاً رُقاقاً، وآمر بصاع من زبيب فيقذف في سُعْن، ثم يُصبُّ عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال؟ فقال حفص: إني لأراك عالماً بطيِّب العيش. فقال عمر: أجل، والذي نفسي بيده لولا كراهية أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في (ليِّن) عيشكم. كذا في منتخب الكنز.
وعند أبي نُعيم في الحلية عن سالم عبد الله أن عمر بن الخطاب
стр. 1008
رضي الله عنه كان يقول: والله ما نعبأ بلذت العيش، أن نأمر بصغار المِعزى فتُسمط لنا. ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينتبذ لنا في الأسعان، حيى إذا صار مثل عين اليعقوب أكلنا هذا، وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيّباتنا لأنا سمعنا الله تعالى يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ - الآية -.
قصته مع أبي موسى الأشعري ووفد البصرة في ذلك
وعند ابن المبارك، وابن سعد عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ مع وفد أهل البصرة قال: فكنا ندخل عليه وله كلَّ يوم خبز يلتُّ؛ وربما وافيناه مأدوماً بسمن أحياناً وأحياناً بزيت وأحياناً بلبن، وربما وافقنا القدائد اليابسة قد دُقَّت ثم أُغلي بماء، وربما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل؛ فقال لنا يوماً: إني - والله - لقد أرى تعذيزكم وكراهيتكم طعامي، وإني - والله - لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأرقَّكم عيشاً، أما - والله - ما أجهل عن كراكر وأسنمة وعن صِلاء وعن صلائق وصِناب. - قال جرير بن حازم: الصِّلاء المشوي، والصِّناب
стр. 1009
الخردل، والصَّلائق الخبز الرقاق -؛ ولكني سمعت الله عيَّر قوماً بأمر فعلوه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ . فقال أبو موسى: لو كلَّمتم أمير المؤمنين ففرض لكم من بيت المال طعاماً تأكَلونه، فكلَّموه، فقال: يا معشر الأمراء أما ترضون لأنفسكم ما أرضى لنفسي؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين إنَّ المدينة أرضُ العيشُ بها شديد، ولا نرى طعامك يُغشى ويؤكل، وإنا بأرض ذات ريف، وإِن أميرنا يُغشى وإن طعامه يؤكل: فنكَّس عمر ساعة ثم رفع رأسه فقال: قد فرضت لكم من بيت المال شاتين وجريبين، فإذا كان الغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين، فكل أنت وأصحابك، ثم أدع بشراب فاشرب - يعني الشراب الحلال - ثم إسق الذي عن يمينك، ثم الذي يليه، ثم قم لحاجتك؛ فإذا كان بالعشيّ فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر، فكل أنت وأصحابك. ألا وأشبعوا الناس في بيوتهم وأطعموا عيالهم، فإن تجفيتكم للناس لا يحسِّن أخلاقهم ولا يُشبع جائعهم، فوالله مع ذلك لا أظن رستاقاً يؤخذ منه كل يوم شاتان وجريبان إلا يسرع ذلك في خرابة. كذا في المنتخب.
قصته مع عتبة بن فرقد في ذلك
وأخرج هَنَّاد عن عتبة بن فَرْقد قال: قدمت على عمر ﵁ بسِلال خَبِيص، فقال: ما هذا؟ قلت: طعام أتيتك به لأنك تقضي في حاجات الناس أول النهار، فأحببت إذا رجعت أن ترجع إلى طعام فتصيب منه فقوّاك، فكشف عن سلّة منها، فقال: عزمت عليك يا عتبة أرزقتَ كل رجل من المسلمين سلّة؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو أنفقت مال قيس كلها ما وسعتْ
стр. 1010
ذلك قال: فلا حاجة لي فيه، ثم دعا بقصعة ثريداً خبزاً خشناً ولحماً غليظاً وهو يأكل معي أكلاً شهياً، فجعلت أهوي إلى البَضْعة البيضاء أحسبها سنماً فإذا هي عصبة، والبَضْعَة من اللحم أمضغها فلا أُسيغها، فإذا غفل عني جعلتها بين الخِوان والقصعة، ثم دعا بعُس من نبيذ قد كاد أن يكون خلا فقال: إشرب، فأخذته وما أكاد أسيغه، ثم أخذ فشرب؛ ثم قال: إسمع يا عتبة: إنا ننحر كل يوم جزوراً، فأما وَدَكها وأطايبها فلمن حضرنا من آفاق المسلمين، وأما عنقها فلآل عمر، يأكل هذا اللحم الغليظ، ويشرب هذا النبيذ الشديد، يقطع في بطوننا أن يؤذينا. كذا في منتخب الكنز.
خوفه حين جيء بماء مخلوط بالعسل
وأخرج ابن سعد عن الحسن أن عمر ﵁ دخل على رجل فاستسقاه وهو عطشان فأتاه بعسل، فقال: ما هذا؟ قال: عسل، قال: والله لا يكون فيما أحاسب به يوم القيامة. وأخرجه ابن عساكر عن الحسن مثله، كما في المنتخب. وذكر رَزِين عن زيد بن أسلم قال: إستسقى عمر فجيء بماء قد شهيب بعسل، فقال: إنه لطِّيب، لكني أسمع الله نَعَى على قوم شهواتهم فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ فأخاف أن تكون حسنانتنا عُجِّلت لنا، فلم يشربه. كذا في الترغيب.
стр. 1011
لباسه ونفقته وبعض سيرته في ذلك ﵁
وأخرج الطبري عن عروة قال: لما قدم عمر بن الخطاب ﵁ عنه أيْلة ومعه المهاجرون والأنصار دفع قميصاً له من كرابيس قد انجاب مؤخره عن قعدته من طول السير إلى الأُسقُف، وقال: إغسل هذا وارقعه، فانطلق الأُسقُف بالقميص ورقعه وخاط له آخر مثله، فراح به إلى عمر فقال: ما هذا؟ قال الأُسقْف: أما هذا فقميصك قد غسلته ورقعته، وأما هذه فكسوة لك مني؛ فنظر إليه عمر ومسحه ثم لبس قميصه ورد عليه ذلك القميص، وقال: هذا أنشفهما للعرق. وأخرجه ابن المبارك عن عروة عن عامل لعمر ﵁ بنحوه؛ كما في المنتخب.
وأخرج الدينَوري وابن عساكر عن قتادة ﵁ قال: كنا عمر ﵁ وهو خليفة - يلبس جبة من صوف مرقوعة بعضها بأَدَم، ويطوف بالأسواق وعلى عاتقه الدِّرَّة يؤدب الناس ويمر بالنِكث والنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس لينتفعوا به.
وعند أحمد في الزهد وهَنَّاد، وابن جرير، وأبي نُعيم عن الحسن قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس - وهو خليفة - وعليه إزار فيه إثنا عشر رقعة.Y كذا في المنتخب.
стр. 1012
وعند مالك عن أنس ﵁ قال: رأيت عمر ﵁ وهو يومئذٍ أمير المؤمنين - وقد رقّع بين كتفيه برقاع ثلاث لبَّد بعضها على بعض. كذا في الترغيب.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر ﵄ قال: كان عمر يقوت نفسه أهله، ويكتسي الحلَّة في الصيف، ولربما خُرق الإِزار حتى يرقعه فما يبدل مكانه حتى يأتي الإِبّان، وما من عام يكثر فيه المال إلا كسوته فيما أرى أدنى من العام الماضي؛ فكلَّمَتْه في ذلك حفصة ﵂ فقال: إنما أكتسي من مال المسلمين وهذا يُبَلِّغني. كذا في المنتخب. وأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله. كذا في المنتخب.
زهد عثمان بن عفان ﵁ إزاره ونومه في المسجد على الحصير وطعامه
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن شداد قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ ثمنه أربعة دراهم أو خمسة دراهم، ورَيْطة كوفية مُمَشَّقة.
стр. 1013
وعن الحسن وسئل عن القائلين في المسجد فقال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ يقيل في المسجد وهو يومئذٍ خليفة، قال: ويقوم وأثر الحصى بجنبه. قال: فيقال: هذا أمير المؤمنين هذا أمير المؤمنين وأخرجه أحمد كما في صفة الصفوة مثله. وعن شرحبيل بن مسلم أن عثمان ﵁ كان يطعم الناس طعم الإِمارة ويدخل بيته فيأكل الخلَّ والزيت.
زهد علي بن أبي طالب ﵁ طعامه ﵁
أخرج أبو نعيم في الحلية عن رجل من ثقيف أن علياً إستعمله على عُكَبرا قال: ولم يكن السَّواد يسكنه المصلون، وقال لي: إذا كان عند الظهر فَرُح إليَّ، فرحت إليه فلم أجد عنده حاجباً يحبسني عنه دونه، فوجدته جالساً وعنده قدح وكوز من ماء، فدعا بطينة فقلت في نفسي: لقد أمِنَني حتى يخرج إليَّ جوهراً ولا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم فكسر الخاتم، فإذا فيها سَوِيق فأخرج منها فصبَّ في القدح فصب عليه ماء فشرب وسقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك؟ قال: أما والله ما أختم عليه بخلاً عليه، ولكني أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى فيصنع من غيره، وإنما حفظي لذلك، وأكره أن أدخل بطني إلا طيباً. وعن الأعمش قال: كان علي ﵁ يُغدِّي ويُعشِّي، ويأكل هو من شيء يجيئه من المدينة.
стр. 1014
قوله ﵁ لما أُتي بالفالوذج
وأخرج أيضاً عن عبد الله بن شريك عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أُتي بفالوذج فوضع قدامه بين يديه، فقال: إِنك طيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم؛ لكن أكره أن أعوّد نفسي ما لم تعتده. وأخرجه أيضاً عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده عن عبد الله بن شريك مثله، كما في المنتخب.
إِزار ﵁
وأخرج ابن المبارك عن زيد بن وهب قال: خرج علينا علي ﵁ وعليه رداء وإزار قد وثَّقه بخرقة فقيل له، فقال: إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزَّهْو، خيراً لي في صلاتي، وسنّة للمؤمن. كذا في المنتخب. وأخرج البيهقي عن رجل قال: رأيت على علي ﵁ إزارا غليظاً، قال: إشتريته بخمسة دراهم، فمن أربحني فيه درهاً بعته إِياه. كذا في منتخب الكنز.
بيعة سيفه لشراء الإِزار
وأخرج يعقوب بن سفيان عن مُجمِّع بن سمعان التيمي قال: خرج
стр. 1015
علي بن أبي طالب ﵁ بسيفه إلى السوق فقال: من يشتري مني سيفي هذا فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إِزاراً ما بعته. كذا في البداية. وأخرج أبو القاسم البغوي عن صالح بن أبي الأسود عمَّن حدثه أنه رأى علياً ﵁ قد ركب حماراً ودلَّى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الذي أهنتُ الدنيا. كذا في البداية.
حديثه فيما يحل للخليفة من مال الله
وأخرج أحمد عن عبد الله بن رزين قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ يوم الأضحى، فقرب إِلينا خزيرة، فقلنا: أصلحك الله لو أطعمتنا هذا البط - يعني الإِوز - فإن الله قد أكثر الخير، قال: يا ابن رزين، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو وأهله، وقصة يضعها بين يدي الناس» . كذا في البداية.
زهد أبي عبيدة بن الجراح ﵁ حديث عروة في عيشه
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عروة قال: دل عمر بن الخطاب على أبي عبيدة بن الجراح ﵄ فإذا هو مضطجع على طُنفسة رَحْله،
стр. 1016
متوسدُ الحقيبة، فقال له عمر: ألا اتَّخذت ما اتخذ أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذا يبلَّغني المَقيل. وقال مَعْمَر في حديثه: لما قدم عمر الشام تلقَّاه الناس وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: مَنْ؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: الآن يأتيك. فلما أتاه نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته فلم يرَ في بيته إلا سيفه وترسه ورَحْله - ثم ذكر نحوه. وأخرجه الإِمام أحمد أيضاً نحو حديث مَعْمَر، كما في صفة الصفوة، وابن المبارك في الزهد من طريق مَعْمَر نحوه، كما في الإِصابة.
زهد مصعب بن عمير ﵁ حديث علي في زهده ﵁ وقوله ﵇ فيه
أخرج الترمذي - وحسَّنه - وأبو يعلى، وابن راهويْه عن علي ﵁ قال: خرجت في غداة شاتية من بيتي جائعاً حرصاً قد أذلقني البرد، فأخذت إهاباً معطوناً كان عندنا، فجببته ثم أدخلته في عنقي ثم حزمته على صدري أستدفىء به، فوالله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي ﷺ بلغني. فخرجت في بعض نواحي المدينة فاطَّلعت إلى يهودي في
стр. 1017
حائط من ثغرة جداره فقال: ما لك يا أعرابي، هل لك في كل دلو بتمرة؟ فقلت: نعم، فافتح الحائط، ففتح لي فدخلت، فجعلت أنزع دلواً ويعطيني تمرة حتى امتلأت كفي قلت: حسبي منك الآن. فأكلتهن ثم كرعت الماء، ثم جئت إلى النبي ﷺ فجلست إليه في المسجد وهو في عصابه من أصحابه، فاطَّلع علينا مُصْعَب بن عمير ﵁ في بردة له مرقوعة؛ فلما رآه رسول الله ﷺ ذكر ما كان فيه من النعيم ورأى حاله الذي هو عليها إنذرفت عيناه فبكى، ثم قال: «كيف أنتم إذا غدا أحدكم في حلّة وراح في أخرى، وسُترت بيوتكم كما تُستر الكعبة؟» قلنا: نحن يومئذٍ خير نُكفى المؤنة ونتفرغ للعبادة؛ قال: «بل أنتم اليوم خير منكم يومئذٍ» . كذا في الكنز. وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه راوٍ لم يُسمَّ، وبقية رجاله ثقات. اهـ.
ما أصاب مصعباً من البلاء بعد الإِسلام
وعند الطبراني، والبيهقي عن عمر ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى مصعب بن عمير ﵁ مقبلاً، عليه إهاب كبش قد تنطَّق به، فقال النبي ﷺ «أنظروا إلى هذا الذي نوَّر الله قلبه لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلّة شراها - أو شُريت - بمائتي درهم، فدعاه حبُّ الله وحب رسوله إلى ما ترون» . كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً الحسن بن سفيان، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي، والحاكم، كما في الكنز، وأبو نعيم في الحلية عن عمر نحوه.
стр. 1018
وعند الحاكم عن الزبير ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ جالساً بقُباء ومعه نفر، فقام مصعب بن عمير ﵁ عليه بردة ما تكاد تواريه، ونكَّس القوم، فجاء فسلم فردوا عليه، فقال فيه النبي ﷺ خيراً وأثنى عليه، ثم قال: «لقد رأيت هذا عند أبويه بمكة يكرمانه وينعمانه، وما فتى من فتيان قريش مثله؛ ثم خرج من ذلك إبتغاءَ مرضاة الله ونصرة رسوله، أما إنه لا يأتي عليكم إلا كذا وكذا حتى يفتح (الله) عليكم فرس، والروم، فيغدوا أحدكم في حلة ويروح في حلة، ويُغدى عليكم بقصعة ويُراح عليكم بقصعة» . قالوا: يا رسول الله، نحن اليوم خير أو ذلك اليوم؟ قال: «بل أنتم اليوم خير منكم ذلك اليوم. أما لو تعلمون من الدنيا ما أعلم لاستراحت أنفسكم منها» . وقال في الإِصابة: وفي الصحيح عن خبّاب أن مصعباً لم يترك إلا ثوباً فكان إِذا غطَّوا رأسه خرجت رجلاه، وإذ غطَّوا رجليه خرج رأسه؛ فقال رسول الله ﷺ «إجعلوا على رجليه شيئاً من الإدخر» . انتهى.
زهد عثمان بن مظعون ﵁ لباسه ﵁
أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شهاب أن عثمان بن مظعون ﵁ دخل يوماً المسجد وعليه نَمِرة قد تخلَّلت فرقعها بقطعة من فروة، فرَّق رسول الله ﷺ عليه ورقَّ أصحابه لرقته، فقال: «كيف أنتم يوم يغدو أحدكم
стр. 1019
في حلَّة ويَرُوح في أخرى، وتوضع بين يديه قصعة وتُرفع أخرى، وسترتم البيوت كما تستر الكعبة؟» قالوا: وددنا أن ذلك قد كان يا رسول الله، فأصبنا الرخاء والعيش؛ قال: «فإن ذلك لكائن، وأنتم اليوم خير من أولئك» .
قصة وفاته ﵁
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون ﵁ يوم مات فأحنى عليه كأنَّه يوصيه، ثم رفع رأسه فرأوا في عينيه أثر البكاء، ثم أحنى عليه الثانية ثم رفع رأسه فرأوه يبكي، ثم أحنى عليه الثالثة ثم رفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه قد مات؛ فبكى القوم، فقال النبي ﷺ «مَهْ، إنما هذا من الشيطان، فاستغفروا الله» ثم قال: «إذهب عنك أبا السائب، فلقد خرجت ولم تتلبَّس منها بشيء» . قال الهيثمي: رواه الطبراني عن عمر بن عبد العزيز بن مقلاص عن أبيه ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن عبد البرّ في الإستيعاب عن بن عباس من غير طريق عمر بن عبد العزيز عن أبيه نحوه. وأخرجه أبو نُعيم أيضاً عن عبد ربه بن سعيد المدني مختصراً، وفي حديثه: فقال: «رحمك الله يا عثمان، ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك» .
стр. 1020
زهد سلمان الفارسي ﵁ قوله ﵁ حينما أكره على الطعام
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عطية بن عمر قال: رأيت سلمان الفارسي ﵁ أُكره على طعام يأكله؛ فقال: حسبي، حسبي فإنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وأخرجه العسكري في الأمثال نحوه، كما في الكنز.
زهد سلمان وهو في الإِمارة
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: كان عطاء سلمان ﵁ خمسة آلاف درهم، وكان أميراً على زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين، وكان يخطب الناس في عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه، ويأكل من سفيف يده. وأخرجه ابن سعد عن الحسن بنحوه.
ما وقع بينه وبين حذيفة في بناء البيت
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الأعمش قال: سمعتهم يذكرون أن حذيفة ﵁ قال لسلمان ﵁: يا أبا عبد الله ألا أبني لك بيتاً؟ قال: فكره ذلك، قال: رويدك حتى أخبرك: إني أبني لك بيتاً إِذا
следующие страницы →