← История

История · id 8528

حياة الصحابة

محمد يوسف الكاندهلوي

Полный текст (1 779 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الله ﷺ فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس، فكنب ممن حزن عليه، فبينا أنا جالس في أُطم من آطام المدينة - وقد بويع أبو بكر - إذ مرّ بي عمر فلم أشعر به لِمَا بي من الحزن، فانطلق عمر حتى دخل على أبي بكر فقال: يا خليفة رسول الله، ألا أعجِّبك مررت على عثمان فسلمتُ عليه فلم يرد عليَّ السلام - فذكر الحديث بطوله كما سيأتي في السلام. حزن علي ﵁ وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع ﵁ قال: جاء علي بن أبي طالب ﵁ يوماً متقنعاً متحازناً، فقال أبو بكر ﵁: أراك متحازناً، فقال علي: إنه عَنَاني ما لم يُعِنْك قال أبو بكر: اسمعوا ما يقول أنشدكم الله أترَوْن أحداً كان أحزن على رسول الله ﷺ مني؟ بكاء أم سلمة ﵂ وأخرج الواقدي عن أم سَلَمة ﵂ قالت: بينا نحن مجتمعون نبكي لم ننم، ورسول الله ﷺ في بيوتنا ونحن نتسلَّى برؤيته على السرير؛ إذ سمعنا صوت الكرارين في السَّحر؛ قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد، فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذَّن بلال بالفجر، فلما ذكر

стр. 1087

النبيَّ ﷺ بكى وانتحب، فزادنا حزناً، وعالج الناس الدخول إلى قبره فغُلِّق دونهم، فيا لها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به ﷺ كذا في البداية، ورواه ابن سعد مختصراً. ضجيج أهل المدينة بالبكاء وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أبي ذؤيب الهذلي قال: قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلُّوا جميعاً بالإِحرام فقلت: مَهْ؟ فقالوا: قُبض رسول الله ﷺ كذا في الكنزل. وأخرجه ابن إسحاق بطوله، كما سنذكر فيما قالت الصحابة على وفاته ﷺ حال الصحابة بمكة لما بلغهم الخبر وأخرج سيف وابن عساكر عن عبيد الله بن عمير ﵁ قال: مات رسول الله ﷺ وعلى مكة وعملها عَتَّاب بن أسيد ﵁، فلما بلغهم موت النبي ﷺ ضجَّ أهل المسجد، فخرج عتَّاب حتى دخل شعباً من شعاب مكة. فأتاه سهيل بن عمرو ﵁ فقال: قم في الناس فتكلَّم، فقال: لا أطيق الكلام بعد موت رسول الله ﷺ قال: فاخرج معي فأنا أكفيكَه. فخرجا حتى أتيا المسجد الحرام، فقام سهيل خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وخطب بمثل خطبة أبي بكر ﵁ لم يخرِم عنها شيئاً. وقد كان رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب ﵁ وسهيل بن عمرو رضي الله عنه

стр. 1088

في الأسرى يوم بدر -: «ما يدعوك إلى أن تنزع ثناياه؟ دَعْه، فعسى الله أن يقيمة مقاماً يسرك» فكان ذلك المقام الذي قال النبي ﷺ وضُبط عمل عَتَّاب وما حوله. كذا في الكنز. حال فاطمة ﵂ وأخرج ابن سعد عن أبي جعفر ﵁ قال: ما رأيت فاطمة ﵂ ضاحكة بعد رسول الله ﷺ إلا أنها قد تُمودي في طرف فيها. ما قالت الصحابة على وفاته ﵌ قول أبي بكر: اليوم فقدنا الوحي أخرج أبو إسماعيل الهروي في دلائل التوحيد عن محمد بن إسحاق عن أبيه أن أبا بكر الصديق ﵁ قال عند وفات النبي ﷺ اليوم فقدنا الوحي ومِنْ عند الله الكلام. كذا في الكنزل. قول أم أيمن في فقدان الوحي وأخرج أحمد عن أنس أنَّ أم أيمن ﵂ -بكت لما قُبض رسول الله ﷺ فقيل لها: ما يبكيك على النبي ﷺ فقالت: إني قد علمتُ أنَّ رسول الله سيموت، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا. وعند البيهقي من حديثه قال أبو بكر ﵂ بكت لما قُبض رسول الله ﷺ فقيل لها: ما يبكيك على النبي ﷺ فقالت: إني قد علمتُ أنَّ رسول الله ﷺ سيموت، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا. وعند البيهقي من حديثه قال أبو بكر ﵁ بعد وفات النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1089

لعمر ﵁: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها. فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء، فيهَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان. كذا في ابداية. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ومسلم وأبو يعلى وأبو عوانة عن أنس مثله، كما في الكنز، وابن سعد عن أنس نحون. وعند ابن أبي شيبة عن طارق ﵁ قال: لما قُبض النبي ﷺ جعلت أم أيمن ﵂ تبكي، فقيل لها: لم تبكين يا أم أيمن؟ قالت: أبكي على خبر السماء انقطع عنا. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً ابن سعد بسند صحيح عن طارق نحو. وعند موسى بن عقبة قالت: إنما أبكي على خبر السماء كأن يأتينا غضاً جديداً كل يوم وليلة فقد انقطع ورفع، فعليه أبكي. فعجب الناس من قولها. كذا في البداية. قول معن بن عدي وأخرج مالك عن ابن عمر ﵄ قال: بكى الناس على رسول الله ﷺ حين مات، وقالوا: والله وددنا أنا متنا قبله ونخشى أن نفتتن بعده. فقال

стр. 1090

معن بن عديّ: لكني - والله - ما أحب أن أموت قبله لأصدِّقه ميتاً كما صدَّقته حياً. كذا في البداية. وأخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب من طريق مالك نحوه. قال في الإِصابة: وسعيد بن هاشم - أي راوي الحديث عن مالك - ضعيف، والمحفوظ مرسل عروة. انتهى. وقد أخره ابن سعد عن عروة نحوه. قول فاطمة ابنته ﵇ وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشَّاه الكرب، فقالت فاطمة ﵂: واكَرْب أبتاه فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» ، فلما مات قالت: وا أبتاه، أجاب ربا دعاه. يا أبتاه، من جنةُ الفردوس مأواهُ. يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. فلما دُفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ وعند أحمد قالت فاطمة ﵂: يا أنس، أطابت أنفسكم أن دفنتم رسول الله ﷺ في التراب ورجعتم؟ قال حماد: فكان ثابت إذ حدَّث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه. كذا في البداية. وأخرج أيضاً ابن عساكر وأبو يعلى عن أنس نحو حديث البخاري كما في الكنز. وأخرجه

стр. 1091

ابن سعد عنه نحوه. أشعار صفية عمته ﵇ وأخرج الطبراني عن عروة قال: قالت صفية بنت عبد المطلب ﵂ ترثي رسول الله ﷺ لهف نفسي وبتُّ كالمسلوبِ ... أرقب الليل فَعْلة المحروب من هموم وحسرة أرقتني ... ليت أنِّي سقيتها بشَعوب حين قالوا إنَّ الرسول قد أمسى ... وافقته منية المكتوب حين جئنا لآل بيت محمد ... فأشاب القَذال أيّ مشيب حين رَيْنا بيوته موحشات ... ليس فيهن بعد عيش غريب فعراني لذاك حزن طويل ... خالط القلب فهو كالمرعوب وقالت أيضاً: ألا يا رسول الله كنت رخاءنا ... وكنت بنا براً ولم تَكُ جافياً

стр. 1092

وكان بنا براً رحيماً نبينا ... ليَبْك عليك اليوم من كان باكيا لمري ما أبكي النبي لموته ... ولكن لهرج كان بعدك آتيا كأن على قلبي لفقد محمد ... ومن حبه من بعد ذاك المكاويا أفاطمَ صلَّى الله ربُّ محمد ... على جَدَث أمسى بيثرب ثاويا أري حَسَنا أيتمتَه وتركته ... يبكِّي ويدعو جدَّه اليوم نائبا فدىً لرسول الله أمي وخالتي ... وعمي ونفسي قصره وعياليا صبرت وبلَّغت الرسالة صادقاً ... ومتَّ صليب الدين أبلج صافيا فلو أنَّ رب العرش أبقاك بيننا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السلام تحيةً ... وأدخلت جنات من العَدن راضيا لغاية ص ٤٥ تابع قال الهيثيم: رواه الطبراني وإسناده حسن. انتهى. وعند الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين قال: لما قُبض رسول الله ﷺ خرجت صفية ﵂ تلمع بردائها وهي تقول: قد كان بعدك أنباء وهنَبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح إلا أن محمد لم يدرك صفية. انتهى.

стр. 1093

وأخرج البخاري والبغَوي عن غُنيم بن قيس قال: سمعت من أبي كلمات قالهن لما مات النبي ﷺ وهي: لا لي الويلُ على محمد ... قد كنت في حياته بمقَعدْ أبيت ليلي آمناً إلى الغدْ كذا في الإِصابة. وأخرجه البزَّار نحون. قال الهيثيم: رجاله رجال الصحيح غير بشر بن آدم وهو ثقة، وأخرجه ابن سعد بمعناه. بكاء الصحابة على ذكره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما وقع بين عمرو عجوز في ذلك أخرج ابن المبارك وابن عساكر عن زيد بن أسلم قال: خرج عمر بن الخطاب ﵁ ليلة يحرس، فرأى مصباحاً في بيت، فدنا فإذا عجوز تطرق شعراً لها لتغزله - أن تنفشه بقدح - وهي تقول: على محمد صلاة الأبرارْ ... صلى عليك المصطفون الأخيارْ قد كنت قوّاماً بَكِيَّ الأسحارْ ... يا ليت شعري والمنايا أطوارْ هل تجمعني وحبيب الدارْ

стр. 1094

- تعني النبي ﷺ . فجلس عمر يبكي، فما زال يبكي حتى قرع الباب عليها، فقالت: من هذا؟ قال: عمر بن الخطاب، قالت: ومنا لي ولعمر؟ وما يأتي بعمر هذه الساعة؟ قال: افتحي رحمك الله فلا بأس عليك، ففتحت له فدخل، فقال: ردِّي عليَّ الكلمات التي قلت آنفاً، فردَّته عليه. فلما بلغت آخره قال: أسألك أن تدخليني معكما، قالت: وعمر، فاغفر له يا غفار، فرضي ورجع. كذا في منتخب الكنز. كيفية ابن عمر وأنس على ذكره ﵇ وأخرج ابن سعد عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: ما سمعت ابن عمر ﵄ ذاكراً رسول الله ﷺ إلا ابتدرت عيناه تبكيان. وأخرج ابن سعد عن المثنَّى بن سعيد الذارع قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيب ثم يبكي. ضرب الصحابة شاتمه صل الله عليه وعلى آله وسلم ما وقع بين غَرَفة الكندي وعمرو بن العاص في ذلك أخرج ابن المبارك عن حرملة بن عمران عن كعب بن علقمة أن غرفة بن الحارث الكندي ﵁ وكانت له صحبة من النبي ﷺ سمع نصرانياً يشتم النبي ﷺ فضربه ودقَّ أنفه، فرُفع إلى عمرو بن العاص رضي

стр. 1095

الله عنه فقال له: إنا قد أعطيناهم العهد، فقال له غرفة: معاذ الله أن نعطيهم العهد على أن يظهروا شتم النبي ﷺ وإنما أعطيناهم العهد على أن نخلِّي بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم، وأن لا نحمِّلهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدو قاتلنا دونهم، وعلى أن نخلِّي بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا، فنحكم فيهم بحك مالله وحكم رسوله ﷺ وإن اعتنوا عنَّا لم نعرض لهم. فقال عمرو: صدقت. كذا في الاستيعاب. وأخرجه البخاري في تاريخه عن نُعيم بن حمّاد عن عبد الله بن المبارك عن حرملة بإسناده نحوه، وإسناده صحيح، كما في الإِصابة. وأخرجه الطبراني عن غرفة بن الحارث ﵁ وكانت له صحبة وقاتل مع عكرمة بن أبي جهل ﵁ باليمن في الردّة - أنه مرَّ بنصراني من أهل مصر يقال له المندقون، فدعاه إلى الإِسلام، فذكر النصراني النبي ﷺ فتناوله، فرفع ذلك إلى عمرو بن العاص ﵁، فأرسل إليه فقال: قد أعطيناهم العهد - فذكر نحوه. قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال: عبد الملك بن سعيد الليث ثقة مأمون وضعَّفه جماعة وبقية رجاله ثقات اهـ. وأخرجه البيهقي نحوه.

стр. 1096

وعند ابن عساكر عن كعب بن علقمة أنَّ غرفة بن الحارث الكندي ﵁ وكانت له صحبة من النبي ﷺ مرَّ على رجل كان له عهد، فدعاه غرفة إلى الإِسلام، فسبَّ النبي ﷺ فقتله غرفةُ. فقال له عمرو بن العاص ﵁: إنَّما يطمئنون إلينا للعهد؛ قال: وما عاهدناهم على أن يؤذونا في الله ورسوله - فذكر الحديث. امتثال أمره ﵌ امتثال أمره في سرية نخلة أخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رُومان عن عروة بن الزبير ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش ﵁ إلى نخلة، فقال له: «كُنْ بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش» ولم يأمره بقتال، وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتاباً قبل أن يعلمه أين يسير، فقال: «اخرج أنت وأصحابك، حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر فيه، فما أمرتك فيه فامض له، ولا تَستكرهَنَّ أحداً من أصحابك على الذهاب معك» . فلَّما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه أن «امضِ حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش بما يصل إليك منهم» ، فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعٌ وطاعةٌ، من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فإني ماضٍ لأمر رسول الله ﷺ ومن كره ذلك منكم فليرجع فإنَّ رسول الله ﷺ قد نهاني أن أستكره منكم أحداً. فمضى معه القوم حتى إذا كان ببُحران أضلَّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان ﵁ عنهما بعيراً لهما كانا يتعقبانه، فتخلَّفاً عليه يطلبانه، ومضى القوم حتى نزلوا نخله، فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان والمغيرة ابنا عبد الله معهم تجارة قدموا بها من الطائف أدَمٌ وزبيب، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله ﵁ وكان قد حلق رأسه، فلما

стр. 1097

رأوه حليقاً قالوا: عُمَّار ليس عليكم منهم بأس، وائتمر القوم بهم - يعني أصحاب رسول الله ﷺ في آخر يوم من رجب. فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلنَّ في هذه الليلة الحرم فليمتنعنَّ منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي. بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وهرب المغيرة وأعجزهم، واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله ﷺ فقال لهم: «والله ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام» فأوقف رسول الله ﷺ الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئاً. فلما قال لهم رسول الله ﷺ ما قال أسقط في أيديهم وظنوا أن قد هلكوا، وعنَّفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم في الشهرا الحرام، وأخذ فيه المال، وأسر فيه الرجال، واستحل الشهر الحرام فأنزل الله في ذلك: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ ﴿أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (سورة البقرة، الآية: ٢١٧) يقول: الكفر بالله أكبر من القتل. فلما نزلت ذلك أخذ رسول الله ﷺ العير وفدَى الأسيرين، فقال المسلمون: أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ -إلى قوله: ﴿أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ (سورة البقرة، الآية: ٢١٨) - إلى آخر الآية، وكانوا ثمانية وأميرهم التاسع عبد الله بن جحش رضي الله عن. وأخرج أبو نُعيم

стр. 1098

هذه القصة من طريق أبي سعيد البقّال عن عكرمة عن ابن عباس مطوَّلة. وكذا أخرجها الطبري من طريق أسباط ابن نصر عن السدِّي، كما في الإِصابة. وأخرج البيهقي أيضاً عن جُندب بن عبد الله ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ رَهْطاً واستعمل عليهم عُبيدة بن الحارث ﵁. قال: فلما انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فبعث مكانه رجلاً يقال له عبد الله بن جحش ﵁، وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأه إلا لمكان كذا وكذا/ «لا تكرهنَّ أحداً من أصحابك على المسير معك» . فلما صار إلى ذلك الموضع قرأ الكتاب واسترجع، وقال: سمعاً وطاعة لله ورسوله. قال: فرجع رجلان من أصحابه، ومضى بقيتهم معه فلقُوا ابن الحضرمي فقتلوه، فلم يُدْر ذلك من رجب أو من جمادي الآخرة. فقال المشركون: قتلهم في الشهر الحرام، فنزلت: «يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير» - إلى قوله: «والفتنة أكبر من التقل» . قال: فقال بعض المسلمين: لئن كانوا أصابوا خيراً ما لهم أجر، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ ﴿وجاهدوا في سبيل ايرجون رحمة اوا غفور رحيم﴾ وأخرجه ابن أبي حاتم عن جنب ابن عبد الله نحوه، كما في البداية. امتثال أمره ﵇ في الخروج إلى بني قريظة وأخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله

стр. 1099

صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: «لا يصلينَّ أحد العصر إلاَّ في بني قُريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلِّي العصر حتى نأتيها. وقال بعضهم: بلى نصلِّي لم يرد منا ذلك. فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنِّف واحداً منهم. وهكذا رواه مسلم. وأخرج الطبراني عن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب رجع فلبس لأمته واستجمر. زاد دُحَيم في حديثه: قال رسول الله ﷺ «فنزل جبريل ﵇ فقال: عذيرَك من مُحارب ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد» فوثب رسول الله ﷺ فزعاً فعزم على الناس أن لا يصلُّوا العصر إلاَّ في بني قريظة، فلبسوا السلاح وخرجوا، فلم يأتوا بني قُريظة حتى غربت الشمس. واختصم الناس في صلاة العصر، فقال بعضهم: صلُّوا فإن رسول الله ﷺ لم يرد أن تتركوا الصة. وقال بعضهم: عز علينا أن لا نصلِّي حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ فليس علينا إثم. فصلَّت طائفة العصر إيماناً واحتساباً. وطائفة لم يصلوا حتى نزلوا بني قريظة بعدما غربت الشمس فصلَّوها إيماناً واحتساباً. فلم يعنِّف رسول الله ﷺ واحدة من الطائفتني. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل وهو ثقة اهـ. وأخرجه البيهقي نحوه عن

стр. 1100

عبيد الله بن كعب بن مالك ومن حديث عائشة ﵂ أطول منه، كما في البداية. امتثال أمره ﵇ يوم حنين وأخرج البيهقي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى: «يا عباس، ناد: يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة» فأجابوه: لبيك، لبيك. فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك، فيقذل درعه في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا. وكانت الدعوة أول ما كانت للأنصار، ثم جُعلت آخراً للخزرج، وكانوا صُبراً عند الحرب، وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه فنظر إلى مُجْتَلَد القوم، فقال: الآن حمي الوطيس. قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله ﷺ مكتَّفون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم، وأفاء الله على رسوله ﷺ أموالهم وأبناءهم كذا في البداية. وعند ابن وَهْب من حديث العباس ﵁ فذكره وفيه: وقال رسول الله ﷺ «أي عباس، نادِ أصحاب السَّمُرة» قال: فواا لكأنَّما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقرة على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه، يا لبيكاه ورواه مسلم عن

стр. 1101

ابن وهب. كذا في البداية وقد أخرج ابن سعد حديث العباس بطوله - فذكر نحوه. ما وقع بين الصحابة وبين أبي سفيان في نقض صلح الحديبية وأخرج ابن أبي شَيْبة عن عكرمة ﵁ قال: لما وادع رسول الله ﷺ أهل مكة، وكانت خُزاعة حِلْف رسول الله ﷺ في الجاهلية وكانت بنو بكر حلف قريش، فدخلت خزاعة في صلح رسول الله ﷺ ودخلت بنو بكر في صلح قريش، وكان بين خزاعة وبين بني بكر قتال: فأمدتهم قريش بسلاح وطعام وطلعوا عليهم، فظهرت بنو بكر على خزاعة وقتلوا منهم، فخافت قريش أن يكونوا قد نقضوا، فقالوا لأبي سفيان: اذهب إلى محمد فأجِزِ الحلف، وأصلح بين الناس. فانطلق أبو سفيان حتى قدم المدينة، فقال رسول الله ﷺ «قد جاءكم أبو سفيان وسيرجع راضياً بغير حاجة» . فأتى أبا بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر، أجزِ الحلف وأصلح بين الناس، قال: ليس الأمر إليَّ، الأمر إلى الله وإلى رسوله. وأتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له نحواً مما قال لأبي بكر، فقال له عمر: أَنَقْضُهم، فما كان منهذ جديداً فأبلاه الله وما كان منه شديداً - أو قال: ثبتاً - فَقَطعه الله. فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة. ثم أتى فاطمة ﵂ فقال: يا فاطمة هل لك في أمر تسودين فيه نساء قومك؟ ثم ذكر لها نحواً مما ذكر لأبي بكر، فقالت: لي الأمر إليَّ، الأمر إلى الله وإلى رسوله. ثم أتى علياً ﵁ فقال له نحواً مما قال لأبي بكر،

стр. 1102

فقال له علي: ما رأيت كاليوم رجلاً أضلَّ، أنت سيد الناس فأجِزِ الحلف وأصلح بين الناس، فضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: قد أجرت الناس بعضهم من بعض. ثم ذهب حتى قدم على أهل مكة فأخبرهم بما صنع فقالوا: والله ما رأينا كاليوم وافد قوم، والله ما أتيتنا بحرب فنحذر، ولا أتيتنا بصلح فنأمن. فذكر الحديث في فتح مكة، كما في منتخب كنز العمال. عمل الصحابة بأسارى بدر وأخرج الطبراني في الكبير والصغير عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير ﵄ قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ «استوصوا بالأسَارى خيراً» . وكنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني البر لوصية رسول الله ﷺ قال الهيثمي: إسناده حسن. قصة ابن رواحة في سرعة امتثال أمره ﵇ وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عبد الله بن رواحة ﵁ أتى النبي ﷺ ذات يوم وهو يخطب، فسمعه وهو يقول: «اجلسوا» فجلس مكانه خارجاً عن المسجد حتى فرغ النبي ﷺ من خطبته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال له: «زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله» . كذا في الكنز. وأخرجه البيهقي أيضاً نحوه عن عبد الرحمن بسند

стр. 1103

الصحيح، كما في الإصابة. وأخرجه ابن عساكر أيضاً عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر يوم الجمعة، فقال: «اجلسوا» فسمع عبد الله بن رواحة ﵁ قول النبي ﷺ «اجلسوا» فجلس في بني غَنْم، فقيل: يا رسول الله، ذاك ابن رواحة سمعتك وأنت تقول لناس اجلسوا فجلس في مكانه. كذا في الكنز. وهكذا أخرجه الطبراني في الأوسط، والبيهقي من حديث عائشة. قال الهيثمي: وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن مُجمِّع وهو ضعيف، وقال في الابصابة: والمرسل أصح. امتثال عبد الله بن مسعود لأمره ﵇ وأخرج ابن أبي شيْبَة عن عطاء ﵁ قال: كان النبي ﷺ يخطب فقال للناس: «اجلسوا» ، فسمعه عبد الله بن مسعود ﵁ وهو على الباب فجلس؛ فقال: «يا عبد الله ادخل» كذا في الكنزل. وأخرجه ابن عساكر عن جابر ﵁ قال: لما استوى رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة قال: «اجلسوا فسمع ذلك ابن مسعود ﵁ فجلس عند باب المسجد فرآه النبي ﷺ فقال: «تعال يا عبد الله بن مسعود. كذا في الكنز. هدم القبة العالية لكراهيته ﵇ لها وأخرج أبو داود عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج يوماً

стр. 1104

ونحن معه، فرأى قبة مشرفة فقال: ما هذه؟ قال له أصحابه: هذه لفلان - رجل من الأنصار - قال: فسكت وحملها في نفسه، حتى إذا جاء صاحبها رسول الله ﷺ يسلِّم عليه فيا لناس فأعرض عنه، فعل ذلك مراراً حتى عرف الرجل الغضب فيه والإِعراض عنه، فشكا ذلك إلى أصحابه، فقال: والله إني لأنكر رسول الله ﷺ قالوا: خرج فرأى قبتك. قال: فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سواها بالأرض؛ فخرج رسول الله ﷺ ذات يوم فلم يرها قال: «ما فعلت القبّة؟» قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها، فقال: «أما إنَّ كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا» - يعني ما لا بد منه - وأخرجه ابن ماجه مختصراً وفي روايته: فمر النبي ﷺ بعد فلم يرها، فسأل عنها فأخبر أنه وضعها لما بلغه، فقال: «يرحمه الله، يرحمه الله» . إحراق الريطة المضرجة لكراهيته ﵇ لها وأخرج الدولابي في الكُنى عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: انطلقت مع رسول الله ﷺ عقبة أذاخر وعليَّ ريْطة مُضَرَّجة. فالتفت إليَّ رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا الثوب؟» فعرفت كراهيته، فأتيت رَحْلي وهم يسجُرون التنور فألقيتها فيه، ثم أتيته فقال: «ما فعلت الرَيْطة؟» فقلت: ألقيتها في التنور. قال: «أفلا أعطيتها بعض أهلك؟» . قصة قطع خُرَيم جُمّتَهُ ورفعه أزاره وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ وابن عساكر عن سهل بن

стр. 1105

الحنظلية العَبْشَمي ﵁ قال: قال لي العَبْشَمي ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ «نعم الرجل خريم الأسديّ لولا طول جُمَّته وإسبالُ إزاره» فبلغ ذلك خُرَيماً فأخذ شفرة فقطع جُمّته إلى أنصاف أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه.h كذا في الكنز. نزول الكناني عن كرسي الذهب امتثالاً لأمره ﵇ وأخرج أبو نُعيم عن الكناني رسول عمر ﵄ إلى هرقل، وكان يقال له جثُّامة بن مُساحِق بن الربيع بن قيس الكناني. قال: جلست فلم أدرِ ما تحتي، فإذا تحتي كرسي من ذهب فلما رأيته نزلن عنه فضحك. فقال لي: لم نزلت عن هذا الذي أكرمناك به؟ فقلت: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا. كذا في الكنزل. وأخرجه ابن مَنْده نحوه كما في الإِصابة. حديث رافع بن خَدِيج في الامتثال وأخرج عبد الرزاق عن رافع بن خَدِيج ﵁ قال: دخل عليَّ خالي يوماً فقال: نهانا رسول الله ﷺ اليوم عن أمر كان لكم نافعاً، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا وأنفع لكم - فذكر الحديث في كراء الأرض كما في كنز العمال. قصة محمد بن أسلم في الامتثال وأخرج الحسن بن سفيان وأبو نعيم في المعرفة عن عبد الله بن أبي بكر

стр. 1106

بن محمد بن عمرو بن حزم عن محمد بن أسلم بن بجرة أخي بلحارث بن الخزرج ﵁ وكان يخاً كبيراً. قد حدَّث نفسُه قال: إنْ كان ليدخل المدينة فيقضي حاجته بالسوق ثم يرجع إلى أهله، فإذا وضع رداءه ذكر أنه لم يصلِّ في مسجد رسول الله ﷺ فيقول: والله ما صلَّيت في مسجد رسول الله ﷺ ركعتين، فإنه قد قال لنا: «من هبط منكم هذه القرية فلا يرجعنَّ إلى أهله حتى يركع في هذا المسجد ركعتين» . كذا في الكنز. وأخرج ابن مَنْده وقال: غريب؛ والطبراني إلا أنه سماه مسلم بن أسلم، كما في الإِصابة. قصة فتاة أنصارية في الامتثال وأخرج سعيد بن منصور وابن النجار عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: خطبت جارية من الأنصار فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال لي: «رأيتها؟» فقلت: لا، قال: «فانظر إليها فإنه أحرَى أن يُؤدَم بينكما» . فأتيتها فذكرت ذلك لوالديها، فنظر أحدهما إلى صاحبه. فقمت فخرجت، فقالت الجارية: عليَّ الرجل، فوقفتْ ناحية خِدْرها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر إليَّ فانظر، وإلاّ فإني أحرِّج عليك أنت نظر. فنظرت إليها فتزوجتها فما تزوجت امرأة قط كانت أحب إليَّ منها ولا أكرم عليَّ منها، وقد تزوجت سبعين امرأة كذا في الكنز.

стр. 1107

امتثال أبي ذر لأمره ﵇ في معاملة الخدم وأخرج أبو داود عن المعرور بن سُوَيد قال: رأيت أبا ذر ﵁ الرَّبَذة وعليه بُرْد غليظ وعلى غلامه مثله. قال: فقال القوم: يا أبا ذر، لو كنت أخذت الذي على غلامك فجعلته مع هذا فكانت حُلَّة وكسوت غلامك ثوباً غيره، قال: فقال أبو ذر: إني كنت ساببت رجلاً، وكانت أمه أعجمية فعيَّرته بأمه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية» فقال: «إنَّهم إخوانكم فضَّلكم الله عليهم، فمن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذِّبوا خلق الله» . وأخرجه الشيخان والترمذي وعندهم: «هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه ممايأكل، وليلبسه مما يلبَس، ولا يكلِّفه من العمل ما يغلبه؛ فإن كلَّفه ما يغلبه فلْيعنه عليه» . كذا في الترغيب. وأخرجه البيهقي عن المعرور نحوه، وابن سعد عن عَون بن عبد الله مختصراً. التشديد على من خالف أمره ﷺ ما وقع بين عمر وابن عوف في لبس الحرير أخرج ابن سعد وابن منيع عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن قال: شكا

стр. 1108

عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى رسول الله ﷺ كثرة القَمْل. وقال: يا رسول الله، تأذن لي أن ألبس قميصاً من حرير؟ قال: فأذن له. فلما توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، وقام عمر ﵁؛ أقبل بابنه أبي سلمة وعليه قميص من حرير. فقال عمر: ما هذا؟ ثم أدخل عمر يده في جعيْب القميص فشقَّه إلى سُفله، فقال له عبد الرحمن: أما علمتَ أن رسول الله ﷺ أحلَّه لي؟ فقال: إنما أحلَّه لك لأنك شكوت إليه القَمْل، فأما لغيرك فلا. وعند ابن عُيَيٌّة في جامعه ومسدَّد وابن جرير عن أبي سَلَمة قال: دخل عبد الرحمن بن عوف على عمر ﵁ ومعه محمد ابنه وعليه قميص من حرير، فقام عمر فأخذ بجَيْبه فشقَّه، فقال عبد الرحمن: غفر اللهلك فقد أفزعت الصبي فأَطَرت قلبه قال: تكسوهم الحيرر؟ قال: فإني ألبس الحرير. قال: فإنهم مثلك؟ كذا في الكنز. تمزيق قميص خالد بن الوليد وجبة خالد بن سعيد وأخرج ابن عساكر عن ابن سيرين أن خالد بن الوليد ﵁ دخل على عمر ﵁ وعلى خالد قميص حرير، فقال له عمر: ما هذا يا خالد؟ قال: وما بله يا أمير المؤمنين؟ أليس قد لبسه ابن عوف؟ قال: فأنت مثل ابن عوف ولك مثل ما لابن عوف؟ عزمتُ على من في البيت إلاَّ أخذ كل واحد منه طائفة مما يليه، فمزّقوه حتى لم يبقَ منه شيء. كذا في كنزل العمال. وقد تقدَّم في تقديم الصحابة أبا بكر ﵁ في الخلافة حديث صخر، وفيه: وقد - أي خالد بن سعيد - بعد وفاته ﷺ بشهر وعليه جبّة ديباج، فلقي عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ فصاح عمر بمن

стр. 1109

يليه: مزَّقوا عليه جبته؛ أيلبس الحرير وهو في رجالنا في السلم مهجور؟ فمزِّقوا جبته. أخرجه الطبري وسَيْف وابن عساكر. قطع عمر ما على الثوب من أزرار الديباج وأخرج ابن جرير عن عَبْد بن أبي لُبابة قال: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ مرَّ في المسجد ورجل قائم يصلِّي عليه طيْلَسان مزرَّر بالديباج. فقام إلى جنبه فقال: طوِّل ما شئت فما أنا ببارح حتى تنصرف. فلما رأى ذلك الرجل انصرف إليه، قال: أرني ثوبك، فأخذه فقطع ما عليه من أزرار الديباج وقال: دونك ثوبك. كذا في الكنز. مجاذبة علي قباء سعيد القارىء ليمزقه وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن سفيان القاري قال: توفي أخي وأوصى بمائة دينار في سبيل الله، فدخلت على عثمان بن عفان ﵁ وعنده رجل قاعد وعليَّ قَباءٌ جيبه وفَرّوجُه مكفوف بحرير، فلما رآني ذلك الرجل أقبل يجاذبني قَبائي ليخرقه. فلما رأى ذلك عثمان قال: دَعِ الرجل، فتركني، ثم قال: قد عجَّلتم فسألت عثمان فقلت: يا أمير المؤمنين، توفي أخي وأوصى بمائة دينار في سبيل الله فما تأمرني؟ قال: هل سألت أحداً قبلي؟ قلت: لا، قال: لئن استفتيت أحداً قبلي فأفتاك غير الذي أفتيتك به ضربتُ عنقك. إنَّ الله أمرنا بالإِسلام فأسلمنا كلنا فنحن المسلمون، وأمرنا بالهجرة فهاجرنا فنحن المسلمون، وأمرنا بالهجرة فهاجرنا فنحن المهاجرون أهل المدينة، ثم أمرنا بالجهاد فجاهدتم فأنتم المجاهدون أهل الشام، أنفقها على نفسك وعلى أهلك وعلى ذي الحاجة ممن حولك، فإنه لو خرجتَ بدرهم ثم اشتريت به لحماً فأكلته أنت وأهلك كُتبت لك بسبع مائة درهم؛ فخرجت من عنده. فسألت عن الرجل الذي يجاذبني فقيل: هو علي بن أبي طالب ﵁، فأتيته في منزله فقلت: ما رأيت مني؟ فقال:

стр. 1110

سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أوْشَك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير» ؛ وهذا أول حرير رأيته على أحد من المسلمين. فخرجت من عنده فبعته، كذا في الكنز. قصة جلد عمر عامله قدامة خال حفصة وأخرج عبد الرزاق عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر ﵁ استعمل قُدامة بن مظعون ﵁ على البحرين وهو خال حفصة وعبد الله بني عمر ﵃، فقدم الجارود ﵁ سيد عبد القيس على عمر من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة شرب فسكر، وإني رأيت حدّاً من حدود الله حقاً عليَّ أن أرفعه إليك. قال: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة، فدعا أبا هريرة فقال: بم تشهد؟ قال: لم أره شرب ولكني رأيته سكران يقيء. فقال: لقد تنطَّعت في الشهادة ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود: أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ فقال: شهيد، فقال: قد أدَّيت شهادتك. قال: فصمت الجارود ثم غدا على عمر فقال: أقم على هذا حد الله، فقال عمر: ما أراك إلاَّ خصماً وما شهد معك إلاَّ رجل واحد، فقال الجارود: أنشدك الله، فقال عمر: لتمسكنَّ لسانك أو لأسوأنَّك، فقال: يا عمر، ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوؤني؟ فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنه الوليد فاسألها وهي امرأة قُدامة. فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها. فقال عمر لقُدامة: إني حادُّك، فقال: لو شربت كما تقول ما كان لكم أن تحدُّوني، فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ (سورة المائدة، الآية: ٩٣) - الآية. فقال عمر:

стр. 1111

أخطأت التأويل إنك إذا اتَّقيت الله اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على الناس فقال: ما ترون في جلد قُدامة؟ فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً. فسكت على ذلك أياماً ثم أصبح وقد عزم على جلده، فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعاً. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السيا أحب إليَّ من أن ألقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوط تام، فأمر به فجُلد. فغاضب عمر قُدامة، وهجره، فحج عمر وحج قُدامة وهو مغاضِب له. فلما قفلا من حجهما ونزل عمر بالسُّقْيا نام. فلما استيقظ من نومه قال: عجِّلوا بقدامة، فوالله لقد أتاني آتٍ في منامي فقال لي: سالِمْ قدامة فإنه أخوك، فعجِّلوا عليَّ به، فلما أتَوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر أن يجروه إليه؛ فكلمه واستغفر له. وأخرجها أبو علي ابن السَّكَن. كذا في الإِصابة. إنكار ابن مسعود على من ضحك في جنازة وأخرج البيهقي عن يزيد بن عبيد الله عن بعض أصحابه قال: رأى عبد الله بن مسعود ﵁ رجلاً يضحك في جنازة فقال: أتضحك وأنت مع جنازة؟ والله لا أكلمك أبداً. كذا في الكنزل. خوف الصحابة عندما صدر عنهم خلاف أمره ﷺ خوف أبي حذيفة من كلمة قالها يوم بدر أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لإصحابه يومئذٍ - يوم بدر -: «إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أُخْرِجوا كَرْهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم

стр. 1112

فلا يقتله، ومن لقي أبا البَخْتري بن هاشم بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عمَّ رسول الله ﷺ فلا يقتله فإنه إنما خرج مُستكرَهاً» . فقال أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة ﵁: أنقتل آباءن وأبناءنا وإخواننا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لأَلحمنَّه بالسيف، فبلغتْ رسول الله ﷺ فاقل لعمر ﵁: «يا أبا حَفْص - قال عمر: والله إنَّه لأول يوم كَنَّاني فيه رسول الله ﷺ بأبي حَفْص - أيُضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟» فقال عمر: يا رسول الله دَعْني فَلأَضْرِب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق، فقال أبو حُذَيفة: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتُ يومئذٍ، ولا أزال منها خائفاً إلا أن تكفِّرها عني الشهادة، فقُتل يوم اليمامة شهيداً. كذا في البداية. وأخرجه ابن سعد والحاكم عن ابن عباس نحون. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه. خوف أبي لبابة من خيانته النبي ﵇ وقصة توبته وأرج ابن إسحاق عن أبيه عن معبد بن كعب قال: حاصرهم - أي بني قُرَيظة - خسماً وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار، وقذف (الله) في قلوبهم الرعب، فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا، أو يقتلوا نساءهم وأبناءهم ويخرجوا مستقتلين، أو يبيِّتوا المسلمين ليلة السبت. فقالوا: لا نؤمن، ولا نستحل ليلة السبت، وأيّ عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ فأرسلوا إلى أبي لُبابة بن عبد المنذر ﵁ وكانوا حلفاءه، فاستشاروه في النزول على حُكْم النبي ﷺ فأشار إلى حلقه - يعني الذبح -، ثم ندم فتوجه إلى مسجد النبي ﷺ فارتبط به حتى تاب الله عليه. كذا في فتح الباري. وذكر في البداية

стр. 1113

عن موسى بن عُقْبة وفي سياقه: قالوا: يا أبا لُبابة ماذا ترى؟ وماذا تأمرنا؟ فإنَّه لا طاقة لنا بالقتال، فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، وأمَرَّ عليه أصابعه يريهم إنما يُراد بهم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سُقِط في يده ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله ﷺ حتى أحدث الله توبة نصوحاً يعلمها الله من نفسي. فرجع إلى المدينة فربط يديه إلى جذع من جذوع المسجد. وزعموا أنه ارتبط قريباً من عشرين ليلة، فقال رسول الله ﷺ حين غاب عليه أبو لبابة: «أما فرغ أبو لببة من حلفائه» ، فذُكر له ما فعل. فقال: «لقد أصابته بعدي فتنة، ولو جاءني لاستغفرت له، وإذ قد فعل هذا فلن أُحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما يشاء» . قال ابن كثير: وهكذا رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، وكذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه. تخوف ثابت بن قيس وتبشيره ﵇ له وأخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بت قيس ﵁، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالساً في بيته منكِّساً رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرٌّ كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل (النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا. فقال موسى بن أنس: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكنَّك من أهل الجنة» . وعند الطبراني عن عطاء الخراساني عن ابنة ثابت بن قيس بن شماس ﵄ قالت: سمعت أبي يقول: لما أُنزل على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ

стр. 1114

اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (سورة لقمان، الآية: ١٨) اشتدَّ على ثابت، وأغلق ببه عليه وطفق يبكي. فأَخبر رسول الله ﷺ فأرسل إليه فسأله فأخبره بما كَبُر عليه منها، وقال: أنا رجل أحب الجمال وأن أسود قومي، فقال: «إنك لست منهم، بل تعيش بخير، وتموت بخير، ويدخلك الله الجنة» . قال: فلما أنزل الله على رسوله: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىّ﴾ ﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ (سورة الحجرات، الآية: ٢) فعل مثل ذلك. فأُخبر النبي ﷺ فأرسل إليه، فأخبره بما كبر عليه وأنه جهير الصوت، وأنه يتخوف أن يكون ممن حبط عمله، فقال النبي ﷺ «بل تعيش حميداً، وتُقتل شهيداً، ويدخلك الله الجنة» فذكر الحديث. قال الهيثمي: وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح. والظاهر أنَّ بنت ثابت بن قيس صحابية، فإنها قالت: سمعت أبي. انتهى. وأخرجه الحاكم عن عطاء عن ابنة ثابت بن قيس نحوه مختصراً. وعن محمد بن ثابت الأنصاري أن ثابت بن قيس ﵁ قال: يا رسول الله، لقد خشيت أن أكون قد هلكت، قال رسول الله ﷺ «ولم؟» قال: نهانا الله أن نحب أن نُحمد بما لم نفعل وأجدني أحب الحمد، ونهانا عن الخُيَلاء وأجدني أحب الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا جهير الصوت. فقال رسول الله ﷺ «يا ثابت، ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتُتقل شهيداً، وتدخل الجنة؟» قال: بلى با رسول الله، قال: فعاش حميداً، وقُتل شهيداً يوم مُسيلمة الكذاب. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخثين ولم يخرِّجاه بهذه السياقة ووافقه الذهبي.

стр. 1115

اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة الناس بصلاته ﵇ أخرج الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: كان لرسول الله ﷺ حصير، وكان يَحْجُره بالليل فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه. فجعل الناس يثوبون إلى النبي ﷺ فيصلُّون بصلاته حتى كثروا، فأقبل عليهم فقال: «يا أيها الناس خُذوا من الأعمال ما تُطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تملوا، وإن أحبَّ الأعمال إلى الله ما دام وإن قلّ» . وفي رواية: وكان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه. كذا في الترغيب. قصة طرح الناس خواتيمهم لطرحه ﵇ خاتمه وأخرج أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتماً من وَرِق يوماً واحداً، فصنع الناس فلبسوا، وطرح النبي ﷺ فطرح الناس. وأخرجه البخاري بنحوه، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يلبس خاتماً من ذهب فنبذه وقال: «لا ألبسه أبداً» فنبذ الناس خواتيمهم. كذا في البداية.

стр. 1116

اتباع عثمان له ﵇ في الإِسبال والطواف وأخرج ابن أبي شَيْبة عن إياس بن سَلَمة عن أبيه قال: بَعَثتْ قريش خارجة بن كُرْز يطَّلع لهم طليعة، فرجع حامداً يحسن الثناء، فقالوا: إنك أعرابي، فعققوا لك السلاح فطار فؤادك، فما دَرَيت ما قيل لك وما قلت. ثم أرسلوا عروة بن مسعود ﵁ فجاء فقال: يا محمد ما هذا الحديث؟ تدعو إلى ذات الله، ثم جئت قومك بأوباش الناس من تَعْرف ومن لا تَعْرف لتقطع أرحامهم، وتستحلَّ حرمهم ودماءهم وأموالهم؟ فقال: «إني لم آتِ قومي إلا لأصِل أرحامهم، يبدلهم الله بدين خير من دينهم، ومعاش خير من معاشهم» . فرجع حامداً يحسن الثناء. قال سَلَمة: فاشتد البلاء على من كان في يد المشركين من المسلمين، فدعا رسول الله ﷺ عمر ﵁ فقال: «يا عمر هل أنت مُبَلِّغ عني إخوانكم من أسارى المسلمين؟» قال: لا، يا رسول الله، والله مالي بمكة من عشيرة، غيري أكثر عشيرة مني. فدعا عثمان ﵁ فأرسله إليهم، فخرج عثمان على راحلته حتى جاء عسكر المشركين، فعبثوا به وأساؤوا له القول، ثم أجاره أبان بن سعيد بن العاص ابن عمه وحمله على السرج ورَدِفه. فلما قدم قال: يا ابن عم مالي أراك متخشِّعاً؟ أسبلْ - وكان إزاره إلى نصف ساقيه -، فقال له عثمان: هكذا إزْرة صاحبنا. فلم يدع بمكة أحداً من أسارى المسلمين إلا بلَّغهم ما قال رسول الله ﷺ قال سَلَمة: فبينا نحن قائِلون نادى منادي رسول الله ﷺ أيها الناس، البيعةَ البيعةَ، نزل روح القدس، فسرنا إلى رسول الله ﷺ وهو تحت شجرة سَمُرة، فبايعناه. وذلك قول الله: ﴿لقد ﵁ المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (سورة الفتح، الآية: ١٨) قال: فبايع لعثمان إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس:

стр. 1117

هنيئاً لأبي عبد الله يطوف بالبيت ونحن ها هنا فقال رسول الله ﷺ «لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف» . كذا في الكنز. وأخرج الرُوياني وأبو يَعْلى وابن عساكر عن إياس بن سَلَمة عن أبيه مختصراً، كما في الكنز. وأخرجه ابن سعد عن إياس بن سَلَمة عن أبيه مختصراً. وفي روايته: فقال: يا ابن عم، أراك متخشِّعاً أسبِلْ إزارك كما يسبل قومك، قال: هكذا يأتزر صاحبنا إلى أنصاف ساقيه. قال: يا ابن عمر طُفْ بالبيت، قال: إنا لا نصنع شيئاً حتى يصنع صاحبنا ونتبعَ أثرَه. ما وقع بين أبي بكر وعمر وزيد في جمع القرآن وأخرج الطيالسي وابن سعد وأحمد والبخاري والترمذي والنِّسائي وابن حِبَّان وغيرهم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليَّ أبو بكر ﵁ مقتلَ أهل اليمامة وإن عنده عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إنَّ هذا أتاني فأخبرني أنَّ القتل قد استحرَّ بقرَّاءِ القرآن في هذا الموطن - يعني يوم اليمامة -، وإنِّي أخاف أن يستحرَّ القتل بقرَّاء القرآن في سائر المواطن فيذهب القرآن، وقد رأيت أن تجمعه. فقلت له - يعني لعمر -: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ قال لي عمر: هو - والله -

стр. 1118

خير، فلم يزل بي عمر حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدره، ورأيت فيه مثل الذي رأى عمر. قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فأجمعه. قال زيد: فوالله لئن كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن، فقلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، ورأيت فيه الذي رأيا، فتتبَّعت القرآن أجعمه من الرِّقاع واللِّخَاف والأكتاف والعُسُب وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة براءة مع خُزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁ فلم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَآءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ (سورة التوبة، الآية: ١٢٨) حتى خاتِمةِ براءة.B فكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حياته حتى توفَّاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفَّاه، ثم عند حَفْصة بنت عمر ﵃. كذا في كنز العمال. توجيه أبي بكر جيش أسامة وقد تقدَّم قول أبي بكر ﵁: والذي نفسي بيده، لأن أقعَ من السماء أحب إليَّ من أن أترك شيئاً قتل عليه رسول الله ﷺ إلاَّ أُقاتل عليه، فقاتل العرب حتى رجعوا إلى الإِسلام. رواه العدني عن عمر ﵁. وعند الشيخين وأحمد عن أبي هريرة ﵁ فذكر الحديث وفيه:

стр. 1119

قال أبو بكر: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة فإنَّ الزكاة حق المال. والله لو منعوني عِقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. وتقدم قول أبي بكر: والذي لا إله غيره لو جرِّت الكلاب بأرجل أزواج النبي ﷺ ما رددتُ جيشاً وجهه رسول الله، ولا حللت لواءً عقده رسول الله؛ فوجه أسامة ﵁. أخرجه البيهقي عن أبي هريرة. وعند سَيْف عن عُروة قال أبو بكر ﵁: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننتُ أنَّ السباع تخطفني لأنفذتُ بَعْثَ أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته. وعند ابن عساكر عن عروة قال أبو بكر ﵁: أنا أحبس جيشاً بعثهم رسول الله ﷺ لقد اجترأت على أمر عظيم فوالذي نفسي بيده لأن تميل عليَّ العرب أحب إليَّ من أن أحبس جيشاً بعثهم رسول الله ﷺ امضِ يا أُسامة في جيشك للوجه الذي أُمرت به، ثم اغزُ حيث أمرك رسول الله ﷺ من ناحية فلسطين وعلى أهل مؤتة، فإن الله سيكفي ما تركت. وعند سَيْف عن الحسن أن أبا بكر ﵁ أخذ بلية عمر وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أُؤمِّر غير أمير رسول الله؟. وقد تقدمت تلك الروايات مطوَّلة. ما وقع بين عمر وابنته حفصة في أمر اللباس والطعام وأخرج أبو نُعَيم في الحِلْية عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قالت حفصة بنت عمر لعمر ﵄: يا أمير المؤمنين لو لبست ثوباً هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاماً هو أطيب من طعامك، فقد وسَّع الله من الرزق وأكثر من الخير فقال: إن سأخصمك إلى نفسك، أما

стр. 1120

تذكرين ما كان يلقَى رسول الله ﷺ من شدّة العيش، فما زال يذكِّرها حتى أبكاها، فقال لها: والله إن قلتِ ذلك أما والله لئن استطعت لأشاركنَّهما بمثل عيشهما الشديد، لعلي أدرك معهما عيشهما الرخّي. وأخرجه ابن سعد عن مصعب بن سعد بنحوه. وقد تقدَّمت الروايات المطوَّلة والمجملة في ذلك في زهد عمر ﵁. قصة عمر حينما أتى بقميص جديد وأخرج هنَّاد عن أبي أمامة ﵁ قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ في أصحابه إذا بقميص كرابيس، فلبسه فما جاوز تراقيه، حتى قال: الحمد الله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمَّل به في حياتي. ثم أقبل على القوم فقال: هل تدرون لم قلتُ هؤلاء الكلمات؟ قالوا: لا، إلا أن تخبرنا، قال: فإنِّي شهدت رسول الله ﷺ ذات يوم وأُتيَ بثياب له جدد فلبسها، ثم قال: «الحمد لله الذي كساني ما أمواي به عورتي وأتجمَّل به في حياتي» ثم قال: «والذي بعثني بالحق ما من عبد مسلم كساه الله ثياباً جدداً، فعمد إلى سَمَل من أخلاق ثيابه، فكساه عبداً مسلماً مسكيناً، لا يكسوه، إلا لله، كان في حِرز الله وفي جوار الله وفي ضمان الله ما كان عليه منها سِلْك حياً وميتاً» . قال: ثم مدَّ قميصه فأبصر فيه فضلاً عن أصابعه فقال لعبد الله: أي بني هاتِ الشفرة، فقام فجاء بها فمدَّ كُمَّ قميصه على يده فنظر ما فَضَل

стр. 1121

عن أصابعه فقدَّه. قلنا يا أمير المؤمنين، ألا نأتي بخيّاط فكيفّ هذه؟؟ قال: لا، قال أبو أمامة: ولقد رأيت عمر بعد ذلك وإن هُدْب ذلك القميص منتشرة على أصابعه ما يكفُّه. كذا في الكنز. وعند أبي نعيم في الحلية عن ابن عمر ﵄ قال: لبس عمر قميصاً جديداً، ثم دعاني بشفرة فقال: مدّ يا بني كُمَّ قميصي والزق يديك بأطراف أصابعي ثم اقطع ما فَضَل عنها، فقطعت من الكمين من جانبيه جميعاً، فصار فم الكم بعضه فوق بعض. فقلت له: يا أبته لو سويته بالمقص، فقال: دعه يا بني، هذكا رأيت رسول الله ﷺ يفعل فما زال عليه حتى تقَطَّع، وكان ربما رأيت الخيوط تَسَاقط على قدمه. أقوال الصحابة ﵃ في استلام الحجر والركنين الغربيين وأخرج البخاري عن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للركن: أمَا والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك، فاستلمه ثم قال: ومالنا والرَمَل إنما كنا راءينا به المشركين ولقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه رسول الله ﷺ فلا نحب أن نتركه. كذا في البداية. وأخرج ابن أبي شَيْبة والدارَقُطْني في العلل عن عيسى بن طلحة عن

стр. 1122

رجل رأى النبي ﷺ وقف عند الحَجَر فقال: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع» ثم قبَّله. ثم حج أبو بكر ﵁ فوقف عند الحجر ثم قال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.. كذا في كنز العمال. وأخرج أحمد عن يَعْلى بن أمية ﵁ فاستلمنا الركن، قال يعلى: فكنت مما يلي البيت. فلما بلغنا الركن الغربي الذي يلي الأسود جررت بيده ليستلم قال: ما شأنك؟ قلت: ألا تستلم؟ فقال: أَلَمْ تَطُف مع رسول الله ﷺ فقلت: بلى، قال: أرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين؟ قلت: لا، قال: أفليس لك فيه أسوة حسنة؟ قلت: بلى، قال: فانفذُ عنك. ما وقع بين ابن عباس وبين أعرابي في نبيذ السقاية وأخرج أحمد عن بكر بن عبد الله أن أعرابياً قال لابن عباس ﵄: ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل، وآل فلان يسقون اللبن، وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن بخل بكم أم حاجة، فقال ابن عباس: ما بنا بخل ولا حاجة ولكنَّ رسول الله ﷺ جاءنا ورديفه أسامة بن زيد، فاستسقى فسقيناه من هذا - يعني نبيذ السِّقاية - فشرب منه وقال: «أحسنتم هكذا فاصنعوا» . وعند ابن سعد عن جعفر بن تمَّام قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: أرأيت ما تسقون الناس من نبيذ هذا الزبيب؟ أَسُنة

стр. 1123

تتبعونها أم تجدون هذا أهون عليكم من اللبن والعسل؟ فقال ابن عباس: إنَّ رسول الله ﷺ أتى العباس وهو يسقي الناس فقال: «اسقني» فدعا العباس بعِساس من نبيذ فتناول رسول الله ﷺ عُسَّاً منها فشرب، ثم قال: «أحسنتم هكذا انصعوا» قال ابن عباس: فما يسرني أن سقايتها جرت عليَّ لبناً وعسلاً مكان قول رسول الله ﷺ «أحسنتم هكذا افعلوا» . قصص ابن عمر في تبعه آثاره ﵇ وأخرج أحمد عن ابن سيرين قال: كنت مع ابن عمر ﵄ بعرفات، فلما كان حين راح رحت معه حتى أتى الإمام فصلَّى معه الأولى والعصر، ثم وقف وأنا وأصحاب لي حتى أفاض الإِمام فأفضنا معه حتى انتهى إلى المضيق دون المأزمين، فأناخ وأنخنا ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي. فقال غلامه الذي يمسك راحلته: إنه ليس يريد الصلاة، ولكنه ذكر أن النبي ﷺ لما انتهى إلى هذا المكان قضى حاجته فهو يحب أن يقضي حاجته. قال في الترغيب: رواه أحمد، ورواته محتج بهم في الصحيح. وأخرج البزّار بإسند لا بأس به عن ابن عمر ﵄ أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها، ويخبر أنَّ رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. كذا في الترغيب. وقال الهيثمي: ورجاله موثَّقون.

стр. 1124

وأخرج ابن عساكر عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يتَّبع آثار رسول الله ﷺ كل مكان صلى فيه، حتى إنَّ النبي ﷺ نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس. كذا في كنز العمال. وأخرج أحمد والبزّار بإسناد جيد عن مجاهد قال: كنا مع ابن عمر ﵄ في سفر، فمر بمكان فحاد عنه، فسأل لم فعلت ذلك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا ففعلت. كذا في الترغيب. وعند أبي نعيم في الحلية عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان في طريق مكة يقول برأس راحلته، يثنيها ويقول: لعلَّ خفَّاً يقع على خف - يعني خف راحلة النبي ﷺ . وعند أبي نُعيم أيضاً عن نافع قال: لو نظرتَ إلى ابن عمر ﵄ إذا اتبع أثر النبي ﷺ لقلت: هذا مجنون وأخرجه الحاكم عن نافع نحوه. وعند ابن سعد عن عائشة ﵂ قالت: ما كان أحد يتبع آثار النبي ﷺ في منازله كما كان يتبعه ابن عمر. وعند أبي نُعيم عن عاصم الأحول عمَّن حدثه قال: كان ابن عمر ﵄ إذا رآه أحد ظنَّ أن به شيئاً من تتبُّعه آثار النبي ﷺ وعن أسلم

стр. 1125

قال: ما ناقة أضلَّت فَصِيلها في فلاة من الأرض بأطلبَ لأثره من ابن عمر لعمر بن الخطاب ﵄. وأخرج عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن أمية بن عبد الله أنه قال لابن عمر ﵄: نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة المسافر؟ فقال ابن عمر: بعث الله نبيه ونحن أجفَى الناس، فنصنع كما صنع رسول الله ﷺ وعند ابن جرير عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسِيد أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄: إنا نجد في كتاب الله قَصْر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة السفر؟ فقال عبد الله؛ إنا وجدن نبينا ﷺ يعمل عملاً عملنا به. وعنده أيضاً عن وارد بن أبي عاصم أنه لقي ابن عمر ﵄ بمنى فسأله عن الصلاة في السفر فقال: ركعتين، فقال: كيف ترى ونحن ها هنا بمنى؟ فأخذته عند ذلك ضَجْرة فقال: ويحك هل سمعت رسول الله ﷺ قلت: نعم وآمنت به قال: فإن رسول الله ﷺ كان إذا خرج صلَّى ركعتين، فصلِّ إن شئت أو دَعْ. وعنده أيضاً عن أبي مُنيب الجُرَشي قال: قيل لابن عمر ﵄ قول الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الاْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (سورة النساء، الآية: ١٠١) - الآية، فنحن آمنون لا نخاف فنقصُر الصلاة؟ فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة
следующие страницы →