← История

История · id 8528

حياة الصحابة

محمد يوسف الكاندهلوي

Полный текст (1 779 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الهيثمي وفيه: بشير بن شريح وهو ضعيف - اهـ. وأخرجه ابن عساكر أيضاً بطوله مثله كما في كنز العمال. وأخرجه أبو يعلى مختصراً وزاد في آخره: ثم قال لهم رجل منهم: أتاكم رجل من سَرَاة قومكم فلم تتحفوه؟ فأتَوني بلبن. فقلت: لا حاجة لي به، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم. ورواه البيهقي في الدلائل وزاد فيه: أنه أرسله إلى قومه باهلة، كذا في الإِصابة. وأخرجه الطبراني بإسنادين؛ وإسناد الأولى حسن، فيها: أبو غالب وقد وُثِّق - انتهى. وأخرجه الحاكم في المستدرك. وقال الذهبي: وصدقة ضعِّفه ابن مَعِين. بعثه ﵇ رجلاً إلى بني سعد وأخرج ابن أبي عاصم عن الأحنف بن قيس ﵁ قال: بينما أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان ﵁ إِذ أخذ رجل من بني ليث بيدي، فقال: أَلا أُبشِّرك؟ قلت: بلى. قال: أتذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك

стр. 107

فجعلت أعرض عليهم الإِسلام وأدعوهم إليه فقلتَ أنت: إنك لتدعونا إلى خير وتأمر به، وإنه ليدعو إِلى الخير؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «اللهم إغفر للأحنف» . فكان الأحنف يقول: فما شيء من عملي أرْجَى عندي من ذلك - يعني دعوة النبي ﷺ تفرَّد به علي بن زيد وفيه ضعف، كذا في الإِصابة. وأخرجه الحاكم في المستدرك بنحوه. وأخرجه أيضاً أحمد والطبراني وفي حديثهما: إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك من بني سعد أدعوهم إلى الإِسلام فقلتَ: والله، ما قال إلا خيراً. - أو لا أسمع إلا حسناً - فإني رجعت وأخبرت النبي ﷺ مقالتك، فقال: «اللَّهم أغفر للأحنف. قال: فما أنا لشيء أرْجَى مني لها. قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو حسن الحديث. بعثه ﵇ رجلاً إلى رجل من عظاء الجاهلية وأخرج أبو يَعْلَى عن أنس ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله ﵎، فقال: إيش ربُّك الذي تدعوني؟ من حديد هو؟ من نحاس هو؟ من فضّة هو؟ من ذهب هو؟ فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأرسله إليه الثالثة، فقال مثل ذلك.

стр. 108

فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ ﴿إن الله ﵎ قد أنزل على صاحبك صاعقة فأحرقته﴾ فنزلت هذه الآية: ﴿وَيُسَبّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلْائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِى اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (الرعد: ١٣) . قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزَّار بنحوه إلا أنه قال: إلى رجل من فراعنه العرب، وقال الصحابي فيه: يا رسول الله، إِنَّه أعتَى من ذلك. وقال: فرجع إليه الثالث. قال: فأعاد عليه ذلك الكلام. فبينا هو يكلمه إذ بعث الله سحابةً حِيَالَ رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة فذهبت بقِحف رأسه. وبنحو هذا رواه الطبراني في الأوسط، وقال: فرعدت وأبرقت. ورجال البزَّار رجال الصحيح، غير ديلم بن غزوان وهو ثقة. وفي رجال أبي يَعْلَى والطبراني: علي بن أبي شارة، وهو ضعيف - انتهى. وقد تقدّم حديث خالد بن سعيد ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال: من لقيت من العرب فسمعت فيهم الأذان فلا تعرِض لهم، ومن لم تسمع فيهم الأذان فادعهُم إلى الإِسلام -. في الدعوة إلى الله تعالى في القتال (ص ١١٥) ، وسيأتي بَعْثُه ﷺ عمرو بن مرّة الجُهَني إلى قومه.

стр. 109

إرساله ﷺ السرايا للدعوة إلى الله تعالى بعثه ﵇ عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل للدعوة أخرج الدارقطني عن ابن عمر ﵄ قال: دعا النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف ﵁، فقال: «تجهَّز فإنِّي باعثك في سريّة» - فذكر الحديث، وفيه: فخرج عبد الرحمن حتى لحق بأصحابه فسار حتى قدم دومة الجندل. فلما دخلها دعاهم إلى الإِسلام ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصْبَغ بن عمرو الكلبي ﵁ وكان نصرانياً وكان رأسَهم. فكتب عبد الرحمن - مع رجل من جهينة، يقال له: رافع بن مَكِيث - إلى النبي ﷺ يخبره، فكتب إليه النبي ﷺ أن تزوَّج ابنة الأصبغ، فتزوَّجها؛ وهي تُماضِر التي ولدت له بعد ذلك أبا سَلمَة بن عبد الرحمن. كذا في الإِصابة. بعثه ﵇ عمرو بن العاص إلى بَلِيّ يستنفرهم إلى الإِسلام وأخرج ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن التميمي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الإِسلام، وذلك أن أُم العاص بن وائل كانت من بني بَلِيَّ، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يتألّفهم بذلك، حتى إِذا كان على ماء بأرض جُذام يقال له السلاسل - وبه سُمِّيت تلك الغزوة ذات السلاسل - قال: فلمَّا كان عليه وخاف؛ بعث إلى رسول الله ﷺ يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر، وعمر ﵄ فذكر الحديث كما سيأتي في باب الإِمارة. كذا في البداية.

стр. 110

بعثه ﵇ خالد بن الوليد إلى اليمن وأخرج البيهقي عن البَرَاء ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإِسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالدِ بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإِسلام فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله ﷺ بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالداً إِلا رجلاً كان ممَّن مع خالد فأحب أن يَعِقِب مع علي فليَعقبْ معه. قال البراء: فكنت فيمن عَقَب مع علي. فلما دَنوْنا من القوم خرجوا إِلينا، ثم تقدَّم فصلَّى بنا علي، ثم صفَّنا صفاً واحداً ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همْدان جميعاً، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم. فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرّ ساجداً ثم رفع رأسه فقال: «السلام على هَمْدان. السلام على هَمْدان» . ورواه البخاري مختصراً. كذا في البداية. بعثه ﵇ خالد بن الوليد إلى نجران وذكر ابن إسحاق: أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوَهم إلى الإِسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً، فإن استجابوا فأقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج خالدٌ حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإِسلام ويقولون: «أيها الناس، أسلموا تسلموا» فأسلم الناس؛ ودخلوا فيما دُعُوا إِليه. فأقام فيهم خالد يعلمهم الإِسلام كتابَ الله وسنّة نبيه ﷺ كما أمره رسول الله ﷺ إن هم أسلموا ولم يقاتلوا. ثم كتب خالد بن الوليد ﵁ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 111

كتاب خالد إلى رسول الله ﷺ «بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد النبي رسول الله من خالد بن الوليد: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إِليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: يا رسول الله - صلى الله عليك - فإنك بعثتني إِلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أُقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعهم إِلى الإِسلام، فإن أسلموا قبلتُ منهم، وعلمتهم معالم الإِسلام وكتاب الله وسنّة نبيه، وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإِني قدمتُ عليهم فدعوتهم إلى الإِسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركباناً: يا بني الحارث، أسلموا تسلموا. فأسلموا ولم يقاتلوا، وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به، وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، وأعلمهم معالم الإِسلام وسنّة النبي ﷺ حتى يكتب إِليّ رسول الله ﷺ والسلام عليك - يا رسول الله - ورحمة الله وبركاته» . كتاب الرسول ﵇ إلى خالد فكتب إليه رسول الله ﷺ «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسول الله إِلى خالد بن الوليد: سلام عليك، فإني أحمد إِليك الله لله الذي لا إله إِلا هو. أما بعد: فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أنَّ بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إِليه من الإِسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرِّهم وأنذرهم وأَقْبِلْ، وليُقْبِلْ معك وفدهم. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» . رجوع خالد إلى النبي ﵇ مع وفد بني الحارث فأقبل خالد إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ورآهم قال: «من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند؟» قيل: يا رسول الله، هؤلاء بنو الحارث بن كعب. فلما وقفوا على رسول الله ﷺ سلَّموا عليه. وقالوا: نشهد أنَّك رسول الله وأنه لا إله إلا الله. فقال

стр. 112

رسول الله ﷺ «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله» . ثم قال: «أنتم الذين إذا زُجروا استقدَموا» . فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثانية ثم الثالثة، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة. قال يزيد بن عبد المَدَان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إِذا زُجِروا استَقْدَموا - قالها أربع مرات - فقال رسول الله ﷺ «لو أنَّ خالداً لم يكتب إليّ أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم» . فقال يزيد بن عبد المَدَان: أما - والله - ما حمِدناك ولا حمِدنا خالداً. قال: «فمن حمِدتم؟» قالوا: حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ «صدقتم» . ثم قال: «بِمَ كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟» قالوا: لم نك نغلب أحداً. قال: «بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم» . قالوا: كنا نغلب من قاتلنا - يا رسول الله - أنَّا كنَّا نجتمع ولا نتفرَّق، ولا نبدأ أحداً بظلم، قال: «صدقتم» . ثم أمرَّ عليهم قيس بن الحصين. كذا في البداية. وقد أسندها الواقدي من طريق عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث كما في الإِصابة. الدعوة إلى الفرائض دعوته ﵇ جريراً إلى الشهادتين والإِيمان والفرائض أخرج البيهقي عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بعث إليّ رسول الله ﷺ فقال: «يا جرير، لأيِّ شيء جئت؟» قلت: أسلم على يديك يا رسول الله. قال: فألقى عليَّ كساءً ثم أقبل على أصحابه فقال: إِذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . ثم قال: «يا جرير، أدعوك إلى شهادة أن لا إله إِلا الله وأنِّي رسول الله، وأن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وتصلِّي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة» ، ففعلت ذلك. فكان بعد ذلك لا يراني إلا

стр. 113

تبسَّم في وجهي. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الطبراني وأبو نُعيم عن جرير بنحوه كما في كنز العمال. تعليمه ﵇ معاذاً كيف يدعو إلى فرائض الإِسلام في اليمن وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن - «إنَّك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنَّ الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتَّق دعوة المظلوم فإِنه ليس بينها وبين الله حجاب» . وقد أخرجه بقية الجماعة. كذا في البداية. دعوته ﵇ حَوْشَب ذي ظُلَيم إلى فرائض الإِسلام وأخرج أبو نعيم عن حَوْشب ذي ظُلَيْم قال: لما أن أظهر الله محمداً ﷺ انتدَبتُ إليه من الناس في أربعين فارساً مع عبد شر. فقدموا عليه المدينة بكتابي فقال (عبد شر) : أيُّكم محمد؟ قالوا: هذا. قال: ما الذي جئتنا به؟ فإن يك حقاً اتَّبعناك. قال: «تقيموا الصلاة، وتعطوا الزكاة، وتحقنوا الدماء، وتأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر. فقال عبد شر: إنَّ هذا لحسن مدّ يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ «ما اسمك؟» قال: عبد شر، قال: «لا، بل أنت عبد

стр. 114

خير» . (فبايعه على الإِسلام) وكتب معه الجواب (إلى) حَوْشَب ذي ظُلَيم فآمن كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً ابن منده وابن عساكر كما في الكنز أيضاً. وأخرجه أيضاً ابن السَّكَن بنحوه كما في الإِصابة. دعوته ﵇ وفد عبد القيس إلى فرائض الإِسلام وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى. فقالوا: يا رسول الله، إنّ بيننا وبينك المشركين من مُضَر، وإِنَّا لا نصل إليك إِلا في الشهر الحرام، فحدِّثنا بجميل من الأمر إن عملنا به دخلنا الجنة وندعو (إليه) مَنْ وراءنا. قال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإِيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله، وإِقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من الغنائم الخُمس. وأنهاكم عن أربع: ما يُنتبذ في الدُّبَّاء والنَّثر، والحنتَم، والمزفّت. وعند الطيالسي بنحوه بزيادات منها في آخره: فاحفظوهنَّ وادعوا إليهنَّ مَنْ وراءكم. كذا في البداية.

стр. 115

حديث علقمة في حقيقة الإِيمان والدعوة إلى الإِيمان والفرائض وأخرج الحاكم عن علقمة بن الحارث ﵁ يقول: قدمت على رسول الله ﷺ وأنا سابع من قومي - فسلَّمنا على رسول الله ﷺ فردَّ علينا؛ فكلَّمناه فأعجبه كلامنا. وقال: «ما أنتم؟» قلنا؛ مؤمنون. قال «لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانكم؟» قلنا: خمس عشرة خصلة: خمس أمرتَنا بها، وخمس أمرَتْنا بها رسلك، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية ونحن عليها إلى الآن إلا أن تنهانا يا رسول الله. قال: «وما الخمس التي أمرتكم بها؟» قلنا: أمرتَنا أن نؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره. قال: «وما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟» قلنا: أمرتنا رسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، ونقيم الصلاة المكتوبة، نؤدي الزكاة المفروضة، ونصوم شهر رمضان، ونحجّ البيت إن استطعنا إليه السبيل. قال: «وما الخصال التي تخلَّقتم بها في الجاهلية؟» قلنا: الشكر عند الرَّخاء، والصبر عند البلاء، والصدق في مواطن اللقاء، والرضا بمرّ القضاء، وترك الشماتة بالمصيبة إذا حلَّت بالأعداء. فقال رسول الله ﷺ «فقهاء أُدباء، كادوا أن يكونو اأنبياء من خصال ما أشرفها» وتبسَّم إِلينا. ثم قال: «أنا أوصيكم بخمس خصال ليكمل الله لكم خصال الخير: لا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافَسُوا فيما غدا عنه تزولون، واتقوا الله الذي إليه تحشرون وعليه تقدَمون، وارغبوا فيما إليه تصيرون وفيه تخلدون» كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً أبو سعيد النَّيسابوري في شرف المصطفى عن علقمة بن الحارث ﵁. وأخرجه العسكري والرشاطي وابن عساكر عن سويد بن الحارث - فذكر الحديث بطوله؛ وهذا أشهر كما في الإِصابة. وأخرجه أبو

стр. 116

نعيم في الحلية عن سويد بن الحارث ﵁ قال: وفدتُ على رسول الله ﷺ سابع سبعة من قومي، فلما دخلنا عليه وكلمناه فأعجبه ما رأى من سمْتِنا وزيِّنا. فقال: «ما أنتم؟» قلنا: مؤمنين. فتبسَّم رسول الله ﷺ وقال: «إنَّ لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟» قال سويد: فقلنا خمس عشرة خصلة: خمس منها أمَرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس منها أمَرَتْنا رسلك أن نعمل بها، وخمس منها تخلَّقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئاً - فذكره بمعناه إلا أنه ذكر: والبعث بعد الموت - بدل: القدر خيره وشره. وذكر: الصبر عند شماتة الأعداء - بدل: وترك الشماتة. وقد تقدم حديث رجل من بَلْعَدَوِيَّة عن جده - فذكر الحديث، وفيه: قال: ما تدعو إليه؟ قال: «أدعو عباد الله إلى الله» . قال قلت: ما تقول؟ قال: «أشهد أن لا إِله إلا الله وأنِّي محمد رسول الله، وتؤمن بما أنزله عليّ، وتكفر باللات والعزَّى، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة» .. - في دعوته ﷺ لرجل لم يسمَّ (ص ٨١ - ٨٢) . إرساله ﷺ الكتب مع أصحابه إلى ملوك الآفاق وغيرهم يدعوهم إلى الله وإلى الدخول في الإِسلام تحريضه ﷺ أصحابه على أداء دعوته، وعدم الإختلاف في ذلك، وبعثهم إلى الآفاق أخرج الطبراني عن المِسْوَر بن مَخْرمة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقال: «إِنَّ الله بعثني رحمة للناس كافة، فأدُّوا عني

стр. 117

- رحمكم الله - ولا تختلفوا كما اختلف الحواريّون على عيسى ﵇، فإنه دعاهم إلى مثل ما أدعوكم إليه. فأما من بَعُدَ مكانة فكرهه، فشكا عيسى بن مريم ذلك إلى الله ، فأصبحوا كلُّ رجل منهم يتكلم بكلام القوم الذي وُجِّه إليهم. فقال لهم عيسى: هذا أمر قد عزم الله لكم عليه فافعلوا» . فقال أصحاب رسول الله ﷺ نحن - يا رسول الله - نؤدي إليك فابعثنا حيث شئت. فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حُذَافة ﵁ إلى كسرى، وبعث سَلِيط بن عمرو ﵁ إلى هَوْذَة بن علي صاحب اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي ﵁ إلى المنذر بن ساوَى صاحب هَجَر، وبعث عمرو بن العاص ﵁ إله جَيْفَر عبَّاد ابني الجُلَنْدي مَلِكي عُمَان، وبعث دِحْيَة الكلبي ﵁ إِلى قيصر، وبعث شُجاع بن وَهْب الأسديّ ﵁ إلى المُنذر بن الحارث بن أبي شِمْر الغسَّاني، وبعث عمرو بن أُمية الضَّمْري ﵁ إلى النجاشي. فرجعوا جميعاً قبل وفاة رسول الله ﷺ غير العلاء بن الحضرمي، فإنّ رسول الله ﷺ توفي وهو بالبحرين. قال الهيثمي وفيه: محمد بن إسماعيل بن عيّاش وهو ضعيف. كذا في المجمع. قال الحافظ في الفتح - وزاد صحاب السِّيَر: أنه بعث المهاجر بن أبي أُمية إلى الحارث بن عبد الكُلال، وجريراً ﵄ إلى ذي الكَلاع، والسائب ﵁ إلى مُسَيْلَمة، وحاطب بن أبي بَلْتعة ﵁ إلى المُقَوقس - اهـ. وأخرج مسلم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كتب قبل موته إلى كسرى، وقيصر، وإِلى النَّجاشي، وإِلى كلِّ جبَّار عنيد يدعوهم إلى الله ، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه. كذا في البداية.

стр. 118

وأخرجه أحمد، والطبراني عن جابر ﵁ قال: كتب رسول الله ﷺ قبل أن يموت إلى كسرى وقيصر وإِلى كلِّ جبار. قال الهيثمي وفيه: ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح. كتابه ﷺ إلى النجاشي ملك الحبشة أخرج البيهقي عن بن إسحاق قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضَّمْري ﵁ إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه ﵃، وكتب معه كتاباً. «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إِلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدّوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيِّبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه، وإِني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والوالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني، فإنِّي رسول الله. وقد بعثت إِليك ابن عمي جعفراً ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقرَّهم ودَعِ التجبُّر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله ؛ وقد بلَّغتُ ونَصحتُ فاقبلوا نصيحتي. والسلام على من اتبع الهدى» . كتاب النجاشي إلى النبي ﷺ فكتب النجاشي إلى رسول الله ﷺ «بسم الله الرحمن الرحيم، إِلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحَم

стр. 119

بن أبجر: سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إِله إِلا هو الذي هداني إِلى الإِسلام. فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فوربِّ السماء والأرض إِنَّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت. وقد عرفنا ما بَعثت به إِلينا؛ وقَرَبنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صدقاً ومصدِّقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين. وقد بعثت إِليك - يا نبي الله - بأريحاً بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إِلا نفسي، وإِن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق» . كذا في البداية. كتابه ﷺ إلى قيصر ملك الروم أخرج البزّار عن دِحْيَة الكلبي ﵁ أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ بكتاب إلى قيصر، فقدمت عليه فأعطيته الكتاب وعنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس. فلما قرأ الكتاب كان فيه. من محمد رسول الله إِلى هرقل صاحب الروم قال: فنخر ابن أخيه نخرة وقال: لا يُقرأ هذا اليوم. فقال له قيصر: لِمَ؟ قال: إنّه بدأ بنفسه وكتب «صاحب الروم» ولم يكتب «ملك الروم» . فقال قيصر: لتقرأنَّه. فلما قرأ الكتاب وخرجوا من عنده أدخلني عليه وأرسل إلى الأسقُف - وهو صاحب أمرهم - فأخبروه وأخبره وأقرأه الكتاب. فقال له الأسقف: هو الذي كنا ننتظر وبشَّرنا به عيسى ﵇. قال له قيصر: كيف تأمرني؟ قال له الأسقف: أمَّا أنا فمصدّقة ومتبعة. فقال له قيصر: أمّا أنا إن

стр. 120

فعلت ذلك ذهب ملكي. ثم خرجنا من عنده، فأرسل قيصر إِلى أبي سفيان وهو يومئذٍ عنده قال: حدثني عن هذا الذي خرج بأرضكم ما هو؟ قال: شاب. قال: فكيف حَسَبُه فيكم؟ قال: هو في حسب منا لا يفضل عليه أحد. قال: هذه آية النبوة. قال: كيف صدقه؟ قال: ما كذب قط. قال: هذه آية النبوة. قال: أرأيت من خرح من أصحابكم إليه هل يرجع إليكم؟ قال: قد قاتله قوم فهزمهم وهزموه. قال: هذه آية النبوة. قال ثم دعاني فقال: أبلغ صاحبك أني أعلم أنه نبي ولكن لا أترك ملكي. قال: وأما الأسقُف فإنَّه كانوا يجتمعون إِليه في كل أحد، يخرج إليهم ويحدِّثهم ويذكِّرهم، فلما كان يوم الأحد لم يخرج إليهم وقعد إلى يوم الأحد الآخر، فكنت أدخل إليه فيكلمني ويسألني. فلما جاء الأحد الآخر إنتظروه ليخرح إليه، فلم يخرج إِليهم واعتلَّ عليهم بالمرض وفعل ذلك مراراً. وبعثوا إليه لتخرجنَّ إلينا أو لندخلنَّ عليك فنقتلك، فإنا قد أنكرناك منذ قدم هذا العربي. فقال الأسقف: خذ هذا الكتاب واذهب إلى صاحبك فاقرأ ﵇، وأخبره أنِّي أشهد أن لا إله إِلا الله وأن محمداً رسول الله، وأني قد آمنت به، وصدَّقته، واتبعته، وأنهم قد أنكروا عليّ ذلك، فبلِّغه ما ترى. ثم خرج إليهم فقتلوه - فذكر الحديث. قال الهيثمي (٨٢٣٦ - ٢٣٧) وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى وهو ضعيف. انتهى. وأخرجه أيضاً الطبراني من حديث دِخْية ﵁ مختصراً، وفيه: يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني وهو ضعيف كما قال الهيمثي: وهكذا أخرجه أبو نعيم في الدلائل (ص ١٢١) بمعناه مختصراً. وأخرجه أيضاً عبدان بن محمد

стр. 121

المِرْوَزي عن عبد الله بن شدّاد نحوه وأتم منه. وأخرج عبدان عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال لدحية ﵁: ويحك إنِّي - والله - لأعلم أن صاحبك نبيٌّ مرسل وأنه للذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتَّبعته؛ فاذهب إِلى ضغاطر الأسقُف فاذكر له أمر صاحبكم فهو أعظم في الروم مني وأجوز قولاً. فجاءه دِحْية فأخبره. فقال له: صاحبك - والله - نبي مرسل، نعرفه بصفته واسمه. ثم دخل فألقى ثيابه وليس ثياباً بيضاء، وخرج على الروح فشهد شهادة الحق فوثبوا عليه فقتلوه. وهكذا ذكره يحيى بن سعيد الأموي في المغازي والطبري عن ابن إِسحاق؛ كذا في الإِصابة. وأخرج عبد الله بن أحمد وأبو يَعْلَى عن سعيد بنت أبي راشد قال: رأيت التنوخي - رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص وكان جاراً لي شيخاً كبيراً قد بلغ الفناء - أو قَرُب - فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله ﷺ ورسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل؟ قال: بلى. وقدم رسول الله ﷺ تبوك وبعث دِحْية الكِلبي إلى هرقل، فلمّا أن جاء كتاب رسول الله ﷺ دعا قسيسي الروم وبطارقتها ثم غلَق عليه وعليهم الدار. قال: نزل هذا الرجل حيث رأيتم وقد أرسل إليّ يدعوني إلى ثلاث خصال: يدعوني أن أتبعه على دينه، أو أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب. والله لقد عرفتم فيما تقرؤون من الكتب لتؤخذنَّ ما تحت قدميّ فهلمَّ نتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا. فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم وقالوا: تدعونا إلى أن نذر النصرانية أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز؟ فلمَّا ظنَّ أنَّهم إن خرجوا أفسدوا عليه رفاقهم وملكه، قال: إنما قلت ذلك لكم لأعلم صلابتكم على أمركم.

стр. 122

ثم دعا رجلاً من عرب «تُجيب» كان على نصارى العرب قال: أُدُع لي رجلاً حافظاً للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه. فجاءني فدفع إليّ هرقل كتاباً باني فقال: إذهب بكتابي إلى هذا الرجل، فما صَغِيتَ من حديثه فاحفظ منه ثلاث خصال: أنظر هل يذكر صحيفته التي كتب إليّ بشيء؟ وانظر إذا قرأ كتابي هل يذكر الليل؟ وانظر في ظهره هل به من شيء يريبك؟ فانطلقتُ بكتابه حتى جئت تبوك فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟ قي: ها هوذا. فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه. فناولته كتابي فوضعه في حِجْره ثم قال: «ممَّن أنت؟» قلت: أنا أحد تنوخ. فقال: «هل لك في الحنيفية ملّة أبيكم إبراهيم؟» قلت: إني رسول قوم وعلى دين قوم، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم. قال: «إنَّك لا تهدي من أحببت ولكنَّ الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين. يا أخا تنوخ إني كتبت بكتابي إلى النجاشي فخرقها والله مُخرِّقهُ ومُخَرِّقُ ملكه. وكتب إلى صاحبكم بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خير» . قلت: هذه إحدى الثلاثة التي أوصاني بها، وأخذت سهماً من جعبتي فكتبتها في جلد سيفي. ثم إنَّه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره فقلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية. فإذا في كتاب صاحبي: يدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين. فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ «سبحان الله فأين الليل إِذا جاء النهار؟» فأخذت سهماً من جعبتي فكتبته في جلد سيفي. فلما فرغ من قراءة كتابي قال: «إنَّ لك حقاً وإنك

стр. 123

لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوَّزناك بها، إنا سَفْر مُرْمِلون» . قال: فناداه رجل من طائفة الناس أن أجوزه، ففتح رَحْله، فإذا هو يأتي بحلَّة؟ قيل: عثمان. ثم قال رسول الله ﷺ «من ينزل هذا الرجل؟» فقال فتى من الأنصار: أنا. فقام الأنصاري وقمت معه. فلما خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله ﷺ فقال: «يا أخا تنوخ» ، فأقبلت أهوي حتى كنت قائماً في مجلسي الذي كنت فيه بين يديه، فحلَّ حبوته عن ظهره فقال: «ها هنا أمضِ لما أُمرت به» ، فجُلْتُ في ظهره، فإذ أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل الحجمة، قال الهيثمي (٨٢٣٥ - ٢٣٦) رجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك. انتهى. وأخرجه أيضاً الإِمام أحمد كما في البداية، وقال: هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به، تفرّد به الإِمام أحمد. انتهى. وأخرجه أيضاً يعقوب بن سفيان، ما في البداية أيضاً. خبر أبي سفيان مع هرقل ملك الروم وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ أن أبا سفيان أخبره: أنَّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش - وكانوا تجّاراً بالشام - في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتَوه وهم بإيلياء.

стр. 124

فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيُّكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال: أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً، قال: أدنُوه مني وقرِّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذِّبوه، فوالله لولا أن يؤثروا عني كذباً لكذبتُ عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من مَلِكٍ؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتَّبعوه أم

стр. 125

ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سَخْطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها - قال: ولم يُمكنِّي كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة - قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سِجَال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصِّلَة. فقال الترجمان: قل له سألتك عن نسبه فزعمتَ أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل فتبعث في نسب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلتُ رجل يتأسَّى بقول قيل قبله وسألتم: هل كان من آبائه من مَلِك، فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه نمَلِك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، قد أعرف أنه لم يكن ليذَر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أنَّ ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنَّهم يزيدون، وكذلك أمر الإِيمان حتى يتمّ. وسألتك: أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشتُه القلوبَ. وسألتك: هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بمَ يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقّاً فسيملك موضع قدميَّ هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أني أخلص إليه لتجشَّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به مع دِحْية ﵁ إلى عظيم بصرى. فدفعه إلى هرقل فإذا فيه. «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتّبَع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلم تسلم يؤتكَ الله أجرك مرتين. فإن تولَّيت فإنّ عليك إِثم الأريسيِّين. و ﴿قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤) » . قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصَّخَب، وارتفعت الأصوات وأُخرجنا فقلت لأصحابي - حين خرجنا -: لقد أمِرَ أمر ابن أبي كبشة، إنه يخاف مَلِكُ بني الأصفر. فما زلت موقناً أنه

стр. 126

سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإِسلام. قال: وكان ابن الناطور صاحبَ إيلياء وهرقَل أُسْقُفَ على نصارى الشام يحدِّث أنّ هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزّاء ينظر في النجوم. فقال لهم حين سألوه: إني رأيت حين نظرت في النجوم مَلِكَ الخِتان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمم؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود ولا يهمنَّك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم أُتِيَ هرقل برجل أرسل به ملك غسّان فخبَّرهم عن خبر رسول الله ﷺ فلما استخبره هرقل قال: إذهبا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدَّثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال هم يختتنون. فقال هرقل: هذا مَلِك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب إلى صاحب له برومية - وكان نظيره في العلم - وسار هرقل إلى حمص فلم يَرِم بحمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي ﷺ وهو نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دَسْكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطَّلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبَّت لكم ملككم، فتتابعوا لهذا النبي؟ فحاصوا حَيْصة حُمُرِ الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غُلِّقت. فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإِيمان قال: ردُّوهم عليَّ. وقال: إنِّي إنَّما قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدَّتكم على دينكم؛ فقد رأيت، فسجدوا له ورَضُوا عنه. فكان ذلك آخر شأن هرقل. وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ

стр. 127

يطول استقصاؤها؛ وأخرجه بقية الجماعة إِلا ابن ماجه من طرق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ﵄. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً ابن إِسحاق عن الزُّهري بطوله كما ذكر في البداية. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١١٩) من طريق الزُّهْري بنحوه مطولاً، والبيهقي بهذا الإِسناد بنحوه مطوّلاً. كتابه ﷺ إلى كسرى ملك فارس أخرج البخاري من حديث اللَّيث عن يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه مع رجل إلى كسرى وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزّقه، قال: فحسبت أنَّ ابن المسيِّب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يُمزقوا كلَّ مُمزَّق. وقال عبد الله بن وَهْب عن يونس عن الزُّهْري: حدثني عبد الرحمن بن عبد القاري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قام ذات يوم على المنبر خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وتشهد، ثم قال: أما بعد: فإنِّي أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم فلا تختلفوا عليَّ كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى بن مريم. فقال المهاجرون: يا رسول الله، إِنّا لا نختلف عليك في شيء أبداً، فمُرنا وابعثنا. فبعث شجاع بن وَهْب إلى كسرى. فأمر كسرى بإيوانه أن يُزيَّن،

стр. 128

ثم أذن لعظماء فارس، ثم أذن لشجاع بن وَهْب. فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله ﷺ أن يُقبض منه. فقال شجاع بن وهب: لا، حتى أدفعه أنا إليك كما أمر رسول الله ﷺ فقال كسرى: ادّنه، فدنا فناوله الكتاب، ثم دعا كاتباً له من أهل الحيرة فقرأه فإذا فيه: من محمد بن عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس قال: فأغضبه حين بدا رسول الله ﷺ بنفسه وصاح وغضب ومزَّق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بشجاع بن وَهْب فأُخرج. فلمّا رأى ذلك قعد على راحلته ثم سار ثم قال: والله، ما أبالي على أي الطريقين أكون إِذْ أدّيت كتاب رسول الله ﷺ قال: ولما ذهب عن كسرى سَوْرَة غضبه بعث إلى شجاع ليدخل عليه، فالتُمس فلم يوجد، فطُلب إِلى الحيرة فَسَبَق. فلما قدم شجاع على النبي ﷺ أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه لكتاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «مزّق كسرى ملكه» . كذا في البداية. وأخرج أبو سعيد النَّيْسابوري في كتاب شَرَف المصطفى من طريق ابن إِسحاق عن الزهري عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن ﵁ قال: لمَّا قُدِّم كتاب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقرأه ومزَّقه كتب إلى باذان - وهو عامله باليمن - أن أبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلَين جَلْدين من عندك فلْيأتياني به. فبعث باذان قهرمانه - وهو أبانوه وكان كاتباً حاسباً بكتاب فارس - وبعث معه رجلاً من الفرس يقال له: «جد جميرة» وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يأمره أن يتوجَّه معهما إلى كسرى، وقال لقهرانه: أنظر إلى الرجل وما هو وكلِّمه وائتني بخبره. فخرجا حتى قدما الطائف، فوجدا رجالاً

стр. 129

من قريش تجّاراً فسألاهم عنه. فقالوا: هو بيثرب واستبشروا. فقالوا: قد نَصب له كسرى. كُفيتم الرجل فخرجا حتى قدما المدينة، فكلّمه أبانوه، فقال: إنَّ كسرى كتب إلى باذان أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني لتنطلق معي. فقال: «إرجعا حتى تأتياني غداً» ، فلما غدَوا عليه أخبرهما رسول الله ﷺ بأن الله قتل كسرى وسلّط عليه ابنه «شيرَوَيْه» في ليلة كذا من شهر كذا. فقالا: أتدري ما تقول؟ أنكتب بهذا إلى باذان؟ قال: «نعم» . وقولا له: «إن أسلمتَ أعطيتُك ما تحت يديك» ثم أعطى «جد جميرة» مِنْطَقة كانت أُهديت له فيها ذهب وفضة. فقدما على باذان فأخبراه. فقال: ما هذا بكلام ملك ولننظرن ما قال. فلم يلبث أن قدم عليه كتاب (شيرَوَيْه) : أما بعد: فإنِّي قتلت كسرى غضباً لفارس لما كان يستحلُّ من قتل أشرافها؛ فخُذْ لي الطاعة ممن قِبَلك ولا تُهَجِّنِ الرجل الذي كتب لك كسرى بسببه بشيء، فلما قرأه قال: إن هذا الرجل لنبي مرسل، فأسلم وأسلمت الأبناء من آل فارس من كان منهم باليمن جميعاً. وهكذا حكاه أبو نعيم الأصبهاني في الدلائل عن ابن إِسحاق بلا إسناد، لكن سماه خرخسرة ووافق على تسمية رفيقه أبانوه. كذا في الإِصابة. وأخرجه أيضاً ابن أبي الدنيا في دلائل النبوة عن ابن إسحاق قال: بعث النبي ﷺ عبد الله بن حُذافة ﵁ إلى كسرى بكتابه يدعوه إلى الإِسلام. فلما قرأه شقَّق كتابه ثم كتب إلى عامله على اليمن باذان - فذكر بمعناه - وفيه: ثم قدما المدينة فكلَّمه بابويه: إن شاهنشاه كسرى كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليه من يأتيه بك. فإن أجبتَ كتبتُ معك ما ينفعك عنده، وإِن أبيتَ فإنه مهلكك ومهلك قومك ومخرِّب بلادك. فقال لهما: إرجعا

стр. 130

حتى تأتياني غداً - فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا عن سعيد المقبري مختصراً جداً. كذا في الإِصابة. وأخرجه ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن زيد بن أبي حبيب قال: وبعث عبد الله بن حذافة ﵁ إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه. «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله؛ وأدعوك بدعاء الله، فإنِّي أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين. فإن تُسْلِم تَسلَم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك» . قال: فلما قرأه شقَّه وقال: يكتب إليّ بهذا وهو عبدي. قال: ثم كتب كسرى إلى باذام - فذكر ما تقدَّم عن ابن إسحاق، وفيه: ودخلا على رسول الله ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما وقال: «ويلكما من أمركما بهذا؟» قالا: أمرنا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله ﷺ «ولكنَّ ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي» كذا في البداية. وأخرج الطبراني عن أبي بَكْرة ﵁ قال: لما بُعث رسول الله ﷺ بعث كسرى إلى عامله على أرض اليمن ومن يليه من العرب - وكان يقال له بادام - إِنه بلغني أنه خرج رجل قِبلك يزعم أنه نبي فقل له: فلْيكفَّ عن

стр. 131

ذلك أو لأبعثنَّ إليه من يقتله أو يقتل قومه. قال: فجاء رسول بادام إلى النبي ﷺ فقال له هذا. فقال رسول الله ﷺ «لو كان شيء فعلته من قبلي كففت ولكن الله بعثني» . فأقام الرسول عنده، فقال له رسول الله ﷺ إن ربي قتل كسرى ولا كسرى بعد اليوم؛ وقتل قيصر ولا قيصر بعد اليوم. قال فكتب قوله في الساعة التي حدَّثه واليوم الذي حدَّثه والشهر الذي حدَّثه فيه. ثم رجع إلى بادام فإذا كسرى قد مات، وإذا قيصر قد قتل. وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير كثير بن زياد وهو ثقة؛ وعند أحمد طرَقٌ منه، وكذلك البزار. انتهى. وأخرج البزّار عن دِحْية الكلبي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ بكتاب إلى قيصر - فذكر الحديث كما تقدّم في كتابه ﷺ إلى قيصر (ص ١٢٨) ؛ وفي آخره: ثم خرج دِحْية إلى النبي ﷺ وعنده رُسُلُ عمالِ كسرى على صنعاء، بعثهم إليه وكتب إلى صاحب صنعاء يتوعّده يقول: لتكفينِّي رجلا خرج من أرضك يدعوني إلى دينه، أو أؤدي الجزية، أو لأقتلنَّك، أو لأفعلنَّ بك. فبعث صاحب صنعاء إلى رسول الله ﷺ خمسة وعشرين رجلاً فوجدهم دحية عند رسول الله ﷺ فلما قرأ صاحبهم تركهم خمس عشرة ليلة، فلما مضت خمس عشرة ليلة تعرَّضوا له. فلما رآهم دعاهم فقال: «إذهبوا إلى صاحبكم فقولوا له: إِنَّ ربِّي قتل ربه الليلة» . فانطلقوا فأخبروه بالذي صنع. فقال: إحصُوا هذه الليلة. قال: أخبروني كيف رأيتموه؟ قالوا: ما رأينا ملكاً أهنأ منه يمشي فيهم لا يخاف شيئاً، مبتذلاً لا يُحرس، لا يرفعون أصوَاتهم عنده. قال دحية: ثم جاء الخبر أن كسرى قُتل تلك الليلة. قال الهيثمي فيه: إبراهيم بن إسماعيل عن أبيه وكلاهما ضعيف. انتهى.

стр. 132

كتابه ﷺ إلى المقوقس ملك الإِسكندرية أخرج البيهقي عن عبد الله بن عبد القارىء ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث حاطب بن أبي بَلْتَعة ﵁ إلى المُقَوْقِس صاحب الإِسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله ﷺ إليه. فقَبَّل الكتاب، وأكرم حاطباً وأحسن نُزُله، وسَرَّحه إلى النبي ﷺ وأهدى له مع حاطب كِسوة وبغلة بِسَرْجها وجاريتين: إحداهما أُمّ إبراهيم، وأما الأخرى فوهبها رسول الله ﷺ لمحمد بن قيس العبدي. وأخرج البيهقي أيضاً عن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى المقوقس ملك الإِسكندرية، قال: فجئته بكتاب رسول الله ﷺ فأنزلني في منزله وأقمت عنده، ثم بعث إليّ وقد جمع بطارِقَته وقال: إنِّي سائلك عن كلام فأحبُّ أن تفهم عني، قال قلت: هلُمَّ؛ قال: أخبرني عن صاحبك ألي هو نبي؟ قلت: بل هو رسول الله قال: فما له حيث كان هكذا لم يدعُ على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها؟ قال قلت: عيسى بن مريم أليس تشهد أنه رسول الله؟ قال: بلى. قلت: فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكه الله حيث رفعه الله إلى السماء الدنيا؟ فقال لي: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم. هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد، وأرسل معك ببَذْرَقة يبذرقونك إلى مأمنك. قال: فأِدى إلى رسول الله ﷺ ثلاث جوارٍ منهن أُم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ واحدةً وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت الأنصاري، وأرسل إليه بطُرَف من

стр. 133

طُرَفهم. كذا البداية. وأخرج حديث حاطب أيضاً ابن شاهين كما في الإِصابة. كتابه ﷺ إلى أهل نجران أخرج البيهقي عن يونس بن بُكَير عن سَلَمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جده - قال يونس: وكان نصراياً فأسلم - إنَّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجرن قبل أن ينزل عليه: طاسَ سليمان. «باسم إِله إبراهيم وإسحاق، ويعقوب. من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران: سَلْم أنتم، فإنِّي أحمد إليكم إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب. أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد؛ فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب. والسلام» . فلما أتى الأسقُفَ الكتابُ وقرأه فَظِعَ به وذعر به ذعراً شديداً، وبعث إِلى رجل من أهل نجران يقال له شُرحَبيل بن وَدَاعة - وكان من هَمْدان ولم يكن أحد يُدعى إِذا نزلت مُعْضلة قبله، لا الأيهم ولا السيد، ولا العاقب - فدفع الأسقفُّ كتابت إلى شرحبيل فقرأه. فقال الأسقف: يا أبا مريم، ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمتَ ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النّبوة، فما يُؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في أمر النبوة رأي، ولو كان في أمر من أمور الدنيا لأشرتُ عليك فيه برأي واجتهدت لك، فقال له الأسقف: تنحَّ

стр. 134

فاجلس، فتنحَّى شرحبيل فجلس ناحية. فبعث الأسقفُّ إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حِمْير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال مثل قول شرحبيل، فقال الأسقفُّ: تنحَّ فاجلس، فتنحَّى عبد الله فجلس ناحية. فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبَّار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقفُّ فتنحَّى فجلس ناحية. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعاً أمر الأسقف بالناقوس فضُرب به ورُفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإِذا كان فزعهم ليلاً ضربوا بالناقوس، ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمعوا حين ضرب بالناقوس ورُفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل. فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الرأي فيه. فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمْداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجَبَّار بن فيض الحارثي فيأتونهم بخبر رسول الله ﷺ فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حُلُلاً لهم يجرونها من حِبَرة وخواتيم الذهب. ثم انطلقوا حتى أتَوا رسول الله ﷺ فسلَّموا عليه فلم يردَّ عليهم، وتصدَّوا لكلامه نهاراً طويلاً فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب. فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانا معرفة لهم - فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا: يا عثمان، ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا كتاباً فأقبلنا مجيبين له،

стр. 135

فأتيناه فسلَّمنا عليه فلم يردَّ سلامنا، وتصدينا لكلامه نهاراً طويلاً فأعيانا أن يكلمنا؟ فما الرأي منكما؟ أترون أن نرجع؟ فقالا لعلي بن أبي طالب - وهو في القوم - ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم هذه ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إِليه. ففعلوا فسلَّموا عليه فردَّ سلامهم، ثم قال: «والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإنَّ إِبليس لمعهم» . ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى؟ فإنَّا نرجع إِلى قومنا ونحن نصارى يسرُّنا - إن كنت نبياً - أن نسمع ما تقول فيه. فقال رسول الله ﷺ «ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي ربي في عيسى» . فأصبح الغد وقد أنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءنَا وَأَبْنَآءكُمْ وَنِسَآءنَا وَنِسَآءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران: ٥٩ - ٦١) . فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خَميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذٍ عدة نسوة. فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما أنَّ الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدوا ولم يصدُرُوا إلا عن رأيي، وإنِّي - والله - أرى أمراً ثقيلاً، والله لئن كن هذا الرجل مبعوثاً فكنَّا أول العرب طعناً في عينيه وردّاً عليه أمره لا يذهب لنا من صدوره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة؛ وإنا لأدنى العرب منهم جواراً. ولئن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعنّاه لا يبقى منا على وجه الأرض شَعَر ولا ظِفْر إلا هلك. فقال صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: أرى أن أكلِّمه، فإنِّي أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً. فقالا له: أنت وذاك. قال: فتلقَّى شرحبيلُ رسول الله ﷺ فقال له: إنِّي قد رأيت خيراً من ملاعنتك. فقال: وما هو؟ فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمتَ فينا فهو جائز. فقال رسول الله ﷺ «لعل وراءك أحداً يُثَرِّبُ

стр. 136

عليك» . فقال شرحبيل: سل صاحبيَّ، فسألها فقالا: ما يَرِدُ الوادي ولا يصدُر إِلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم، حتى إذا كان من الغد أَتوه: فكتب لهم هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب النبي محمد رسول الله لنجران: - إِن كان عليهم حكمه - في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم، وترك ذلك كله لهم على ألفي حلة: في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة» . وذكر تمام الشروط. كذا في التفسير لابن كثير. وزاد في البداية بعد قوله - وذكر تمام الشروط: إلى أن شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف من بني نصر، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة، وكتب. حتى إذا قبضوا كتابهم إنصرفوا إلى نجران ومع الأسقُفِّ أخ له من أُمِّه وهو ابن عمِّه من النسب يقال له بِشْر بن معاوية وكنيته أبو علقمة. فدفع الوفدُ كتابَ رسول الله ﷺ إلى الأسقُفِّ، فبينما هو يقرأه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كَبَت ببشر ناقتُه، فَتَعَّسَ بشر غير أنه لا يكني عن رسول الله ﷺ فقال له الأسقُف عند ذلك: قد - والله - تعَّسْتَ نبياً مرسلاً. فقال له بِشْر: لا جَرَم - والله - لا أحلُّ عنها عقداً حتى آتي رسول الله ﷺ فصرف وجه ناقته نحو المدينة وثَنى الأسقف ناقته عليه فقال له: أفهم عني إنَّما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يروا أنَّا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو بخعنا لهذا الرجل بما لم تبخع به العرب، ونحن أعزهم وأجمعهم داراً. فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبداً، فضرب بشر ناقته - وهو مولِّي الأسقف ظهره - وارتجز

стр. 137

يقول: إليكَ تغدو قَلِقاً وضينها معترضاً في بطنها جنينُها مخالفاً دين النصارى دينُها حتى أتى رسول الله ﷺ فأسلم، ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال: ودخل الوفد نجران. فأتى الراهبَ ابن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته. فقل له: إِنَّ نبياً بُعث بتهامة - فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله ﷺ وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبَوا، وأنَّ بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم - فقال الراهب: أنزلوني، وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة. قال: فأنزلوه، فأخذ معه هدية وذهب إلى رسول الله ﷺ منها هذا البُرْد الذي يلبسه الخلفاء، وقَعْبُ، وعصا. فأقام مدّة عند رسول الله ﷺ يسمع الوحي، ثم رجع إلى قومه ولم يُقدِّر له الإِسلام ووعد أنه سيعود فل يُقدَّر له حتى توفي رسول الله ﷺ وأن الأسقُف أبا الحارث أتى رسول الله ﷺ ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه، فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه، وكتب للأسقفِّ هذا الكتاب ولأساقفة نجران بعده. كتابه ﵇ إلى الأسقف أبي الحارث «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي للأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم، ورهبانهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل كثير: جوار الله ورسوله، لا يُغَيِر أسقفُّ من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته ولا يغيّر حق من حقوقهم، ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك. جوار الله ورسوله أبداً ما أصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين» .

стр. 138

وكتب المغيرة بن شعبة. انتهى ما في البداية. كتابه ﷺ إلى بكر بن وائل أخرج أحمد عن مَرْثَد بن ظبيان ﵁ قال: جاءنا كتاب من رسول الله ﷺ فما وجدنا له قارئاً يقرأ علينا حتى قرأه رجل من ضَبِيعة: «من رسول الله ﷺ إلى بكر بن وائل: أسلموا تسلموا» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح - انتهى. وأخرجه أيضاً البزَّار وأبو يَعْلَى والطبراني في الصغير عن أنس ﵁ بمعناه، قال الهيثمي: رجال الأوَّلين رجال الصحيح. كتابه ﷺ إلى بني جذامة أخرج الطبراني عن عُمير بن مقبل الجُذامي عن أبيه قال: وفد رِفاعة بن زيد الجُذامي على رسول الله ﷺ فكتب له كتاباً، وفيه: «من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد: إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل

стр. 139

فيهم، يدعوهم إِلى الله وإلى رسوله: فمن آمن ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين» . فلما قدم على قومه أجابوه - فذكر الحديث. قال الهيثمي: رواه الطبراني متصلاً هكذا، ومنقطعاً مختصراً عن ابن إسحاق، وفي المتصل جماعة لم أعرفهم، وإسنادهما إلى ابن إِسحاق جيد. انتهى. وأخرجه الأمويُّ في المغازي من طريق ابن إِسحاق من رواية عُمير بن معبد بن فلان الجذامي عن أبيه نحوه كما في الإِصابة. قصصه ﷺ في الأخلاق والأعمال المفضية إلى هداية الناس إسلام زيد بن سُعْنة الحبر الإِسرائيلي ﵁ أخرج الطبراني عن عبد الله بن سَلام ﵁ قال: إنَّ الله لمَّا أراد هُدى زيد بن سُعنَة قال زيد بن سُعْنَة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إِليه إلا اثنتين لم أخبُرهما منه: يسبق حلمُه جهلَه، ولا تزيد شدة الجهل عليه إلا حلماً. قال زيد بن سُعْنة: فخرج رسول الله ﷺ يوماً من الحُجْرات - ومعه علي بن أبي طالب - فأتاه رجل على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، لي نفر في قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإِسلام، وكنت حدَّثتهم إِن أسلموا أتاهم الرزق رَغَداً.

стр. 140

وقد أصابتهم سَنَة وشدّة وقحط من الغيث، فأنا أخشى - يا رسول الله - أن يخرجوا من الإِسلام طمعاً كما دخلوا فيه طمعاً؛ فإن رأيتَ أن ترسل إليهم بشيء تغيثهم به فعلتَ. فنظر إلى رجل إِلى جانبه - أُراه علياً - فقال: يا رسول الله ما بقي منه شيء. قال زيد بن سُعْنة: فدنوت إليه فقلت: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً في حائط بني فلان إلى أجل معلوم، إلى أجل كذا وكذا. قال: «لا تُسمِّ حائط بني فلان» قلت: نعم، فبايَعَني، فأطلقت هِمْياني فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، فأعطاه الرجل وقال: «إعدل عليهم وأغثهم» . قال زيد بن سُعْنة: فلما كان قبل مَحِلِّ الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ في نفر من أصحابه، فلم صلّى على الجنازة ودنا إلى الجدار ليجلس إليه أتيته، فأخذته بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت له: يا محمد، ألا تقضيني حقِّي؟ فوالله، ما عُلِمْتُم بني عبد المطلب إلا مُطْلاً، ولقد كان بمخالطتكم علم. ونظرت إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه كالفِلك المستدير، ثم رماني ببصر فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع؟ وتصنع به ما أرى؟ فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فَوْته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إليَّ في سكون وتُؤدة. فقال: «يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن أتباعه. إذهب به يا عمر، فأعطه حقَّه وزِدْه عشرين صاعاً من تمر مكان ما رْعْته» .

стр. 141

قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقِّي وزادني عشرين صاعاً من تمر. فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رُعتك. قال: قلت: وتعرفني يا عمر؟ قال: لا. قلت: أنا زيد بن سُعْنة. قال: الحَبْرُ؟ قلت: الحَبْرُ. قال: فما دعاك إلى أن فعلتَ برسول الله ما فعلت، وقلت له ما قلت؟ قلت: يا عمر، لم يكن من علامات النبوّة شيء إِلا وقد عرفت في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إِليه إِلا اثنتين، لم أخبُرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إِلا حلماً. وقد اختبرتهما، فأشهدك - يا عمر - أنِّي قد رضيتُ بالله رباً، وبالإِسلام ديناً وبمحمد نبياً، وأشهدك أنَّ شطر مالي - فإني أكثرها مالاً - صدقةٌ على أُمة محمد ﷺ قال عمر: أو على بعضهم فإنَّك لا تسعهم، قلت: أو على بعضهم. فرجع عمر، وزيد إلى رسول الله ﷺ فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وآمن به وصدَّقه وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة؛ ثم توفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر. رحم الله زيداً. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات؛ وروى ابن ماجه منه طرفاً: انتهى. وأخرجه أيضاً ابن حِبَّان، والحاكم، وأبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ وغيرهم كما في الإِصابة وقال: ورجال الإِسناد مُوثّقون، وقد صرّح

стр. 142

الوليد فيه بالتحديث، ومداره على محمد بن أبي السَرِي الراوي له عن الوليد. وثَّقه ابن مَعِين، وليَّنه أبو حاتم. وقال ابن عدي: محمد كثير الغلط. والله أعلم. ووجدت لقصَّته شاهداً من وجه آخر لكن لم يُسمَّ فيه، قال ابن سعد: حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن حازم، حدثني من سمع الزهري يحدث أن يهودياً قال: ما كان بقي شيء من نَعْت محمد ﷺ في التوراة إلا رأيته؛ إِلا الحلم ... فذكر القصة. انتهى. وأخرجه أبو نُعَيم في الدلائل (ص ٢٣) . قصة صلح الحديبية ذكر ما كان من قرش وصدهم رسول الله ﷺ عن زيارة البيت أخرج البخاري عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحُدَيْبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ «إنَّ خالد بن الوليد بالغَمِيم في خيل لقريش طَليعة، فخذوا ذات اليمين» . فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بفترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثَنِيَّة التي هبط عليهم منها بركت به راحلته. فقال

стр. 143

الناس: حَلَّ، حلّ، فألَّحت. فقالوا: خلأت القصْواء خلأت القَصْواء، فقال رسول الله ﷺ «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل» . ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّة يعظِّمون فيها حُرُماتِ الله إلا أعطيتهم إِياها» ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَد قليل الماء ... يتبرضه تبرضاً؛ فلم يُلْبِثْه الناس حتى نزحوه. وشُكيَ إلى رسول الله ﷺ العطش فانتزع سَهْماً من كِنَانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله، ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صَدَروا عنه. خبر بُدَيْل معه ﵇ فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورْقاء الخُزاعي في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عَيْبة نُصْح رسول الله ﷺ من أهل تِهامة - فقال: إِني تركت كعب بن لؤي، عامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ «إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين؛ وإنَّ قريشاً قد نَهَكتهم الحرب وأضرَّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإِلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوا فوالذي

стр. 144

نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذنَّ أمر الله» . قال بُدَيل: سأبلغهم ما تقول: فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إِنَّا قد جئناك من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هاتِ ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال رسول الله ﷺ خبر عروة بن مسعود معه ﵇ فقام عُروة بن مسعود فقال: أيْ قوم، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عُكَاظ، فلما بلَّحوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى. قال: فإنَّ هذا عرض لكم خُطَّة رشدٍ إقبلوها ودعوني آتيه. فقالوا ائته. فأتاه، فجعل يكلِّم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحواً من قوله لبُدَيل. فقال عُروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيت إن استأصلتَ أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني - والله - لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا وَيَدعُوك. فقال له أبو بكر ﵁: إمصَصْ بَظْر اللات، أنحنُ نفرُّ عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يَدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلِّم النبي ﷺ فكلَّما تكلم أخذ بلحيته - والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر - فكلَّما أهوى عُروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عُروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة فقال: أيْ غُدَر ألست أسعى في غِدْرتك؟ - كان

стр. 145

المغيرة بن شعبة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ «أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء» - ثم إِنَّ عروة جعل يَرْمُق أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه. قال - فوالله - ما تنخَّم رسول الله ﷺ نخامة إِلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإِذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون إليه النظر تعظيماً له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلِكاً قط يعظِّمه أصحابه ما يعظِّم أصحاب محمد محمداً. والله إنْ تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذ تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّثون النظر إليه تعظيماً له؛ وإنه قد عرض عليكم خُطة رشد فاقبلوها. خبر رجل من بني كِنانة معه ﵇ فقال رجل من بني كِنانة دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ «هذا فلان وهو من قوم يعظِّمون البُدْن فابعثوها له» فبُعثت له واستقبله الناس يُلَبُّون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلِّدَت وأشْعِرَت، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت. فقام رجل منهم - يقال له مِكْرَز بن حفص - فقال: دعوني آتيه. قالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال رسول الله ﷺ «هذا مِكْرَز وهو رجل فاجر» ، فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إِذ جاء سهيل بن عمرو.
следующие страницы →