Полный текст (1 779 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقِّي وزادني عشرين صاعاً من تمر. فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رُعتك. قال: قلت: وتعرفني يا عمر؟ قال: لا. قلت: أنا زيد بن سُعْنة. قال: الحَبْرُ؟ قلت: الحَبْرُ. قال: فما دعاك إلى أن فعلتَ برسول الله ما فعلت، وقلت له ما قلت؟ قلت: يا عمر، لم يكن من علامات النبوّة شيء إِلا وقد عرفت في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إِليه إِلا اثنتين، لم أخبُرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إِلا حلماً. وقد اختبرتهما، فأشهدك - يا عمر - أنِّي قد رضيتُ بالله رباً، وبالإِسلام ديناً وبمحمد نبياً، وأشهدك أنَّ شطر مالي - فإني أكثرها مالاً - صدقةٌ على أُمة محمد ﷺ قال عمر: أو على بعضهم فإنَّك لا تسعهم، قلت: أو على بعضهم. فرجع عمر، وزيد إلى رسول الله ﷺ فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وآمن به وصدَّقه وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة؛ ثم توفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر. رحم الله زيداً. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات؛ وروى ابن ماجه منه طرفاً: انتهى.
وأخرجه أيضاً ابن حِبَّان، والحاكم، وأبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ وغيرهم كما في الإِصابة وقال: ورجال الإِسناد مُوثّقون، وقد صرّح
стр. 142
الوليد فيه بالتحديث، ومداره على محمد بن أبي السَرِي الراوي له عن الوليد. وثَّقه ابن مَعِين، وليَّنه أبو حاتم. وقال ابن عدي: محمد كثير الغلط. والله أعلم. ووجدت لقصَّته شاهداً من وجه آخر لكن لم يُسمَّ فيه، قال ابن سعد: حدثنا يزيد، حدثنا جرير بن حازم، حدثني من سمع الزهري يحدث أن يهودياً قال: ما كان بقي شيء من نَعْت محمد ﷺ في التوراة إلا رأيته؛ إِلا الحلم ... فذكر القصة. انتهى. وأخرجه أبو نُعَيم في الدلائل (ص ٢٣) .
قصة صلح الحديبية ذكر ما كان من قرش وصدهم رسول الله ﷺ عن زيارة البيت
أخرج البخاري عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحُدَيْبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ «إنَّ خالد بن الوليد بالغَمِيم في خيل لقريش طَليعة، فخذوا ذات اليمين» . فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بفترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثَنِيَّة التي هبط عليهم منها بركت به راحلته. فقال
стр. 143
الناس: حَلَّ، حلّ، فألَّحت. فقالوا: خلأت القصْواء خلأت القَصْواء، فقال رسول الله ﷺ «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل» . ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّة يعظِّمون فيها حُرُماتِ الله إلا أعطيتهم إِياها» ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَد قليل الماء ... يتبرضه تبرضاً؛ فلم يُلْبِثْه الناس حتى نزحوه. وشُكيَ إلى رسول الله ﷺ العطش فانتزع سَهْماً من كِنَانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله، ما زال يجيش لهم بالريّ حتى صَدَروا عنه.
خبر بُدَيْل معه ﵇
فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورْقاء الخُزاعي في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عَيْبة نُصْح رسول الله ﷺ من أهل تِهامة - فقال: إِني تركت كعب بن لؤي، عامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال النبي ﷺ «إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين؛ وإنَّ قريشاً قد نَهَكتهم الحرب وأضرَّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلُّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإِلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبَوا فوالذي
стр. 144
نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذنَّ أمر الله» . قال بُدَيل: سأبلغهم ما تقول: فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إِنَّا قد جئناك من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هاتِ ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدَّثهم بما قال رسول الله ﷺ
خبر عروة بن مسعود معه ﵇
فقام عُروة بن مسعود فقال: أيْ قوم، ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عُكَاظ، فلما بلَّحوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى. قال: فإنَّ هذا عرض لكم خُطَّة رشدٍ إقبلوها ودعوني آتيه. فقالوا ائته. فأتاه، فجعل يكلِّم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ نحواً من قوله لبُدَيل. فقال عُروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيت إن استأصلتَ أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني - والله - لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا وَيَدعُوك. فقال له أبو بكر ﵁: إمصَصْ بَظْر اللات، أنحنُ نفرُّ عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يَدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلِّم النبي ﷺ فكلَّما تكلم أخذ بلحيته - والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر - فكلَّما أهوى عُروة بيده إلى لحية رسول الله ﷺ ضرب يده بنعل السيف وقال له: أخِّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عُروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة فقال: أيْ غُدَر ألست أسعى في غِدْرتك؟ - كان
стр. 145
المغيرة بن شعبة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ «أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء» - ثم إِنَّ عروة جعل يَرْمُق أصحاب رسول الله ﷺ بعينيه. قال - فوالله - ما تنخَّم رسول الله ﷺ نخامة إِلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإِذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون
إليه
النظر تعظيماً له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلِكاً قط يعظِّمه أصحابه ما يعظِّم أصحاب محمد محمداً. والله إنْ تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذ تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّثون النظر إليه تعظيماً له؛ وإنه قد عرض عليكم خُطة رشد فاقبلوها.
خبر رجل من بني كِنانة معه ﵇
فقال رجل من بني كِنانة دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ «هذا فلان وهو من قوم يعظِّمون البُدْن فابعثوها له» فبُعثت له واستقبله الناس يُلَبُّون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلِّدَت وأشْعِرَت، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت. فقام رجل منهم - يقال له مِكْرَز بن حفص - فقال: دعوني آتيه. قالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال رسول الله ﷺ «هذا مِكْرَز وهو رجل فاجر» ، فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إِذ جاء سهيل بن عمرو.
стр. 146
خبر سُهيل بن عمرو معه ﵇ وشروط صلح الحديبية
قال مَعْمر: فأخبرني أيوب عن عِكرمة: أنه لما جاء سُهَيل بن عمرو قال رسول الله ﷺ «لقد سُهّل لكم من أمركم» . قال معمر: قال الزُّهْري في حديثه: فجاء سهيل فقال: هاتِ فاكتب بيننا وبينكم كتاباً. فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ أكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» .
فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟ ولكن أكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ أكتب: «باسمك اللَّهم» ، ثم قال: «هذا ما قاضَى عليه محمد رسول الله» . فقال سهيل: والله لو كنَّا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن أكتب: محمد بن عبد الله. فقال رسول الله ﷺ «والله إنِّي لرسول الله وإن كذبتموني، أكتب: محمد بن عبد الله» . - قال الزُهري: وذلك لقوله لا يسألوني خطَّة يعظِّمون فيه حرمت الله إلا أعطيتهم إياها -. فقال له النبي ﷺ «على أن تُخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به» . قال سهيل: والله لا تتحدَّث العرب أنا أُخِذنا ضَغْطة، لكنَّ ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منَّا رجل وإن كان على دينك إلاَّ رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟.
قصة أبي جَنْدل ﵁
فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جَنْدل بن سهيل بن عمرو ﵁ يرسُف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد - أول من أُقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النبي ﷺ إنَّا لم نَقْصِ الكتاب بَعْدُ» . قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً. قال النبي ﷺ فأجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مِكْرَز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أردُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا تَروْن ما قد لقيت - وكان قد عُذِّب عذاباً شديداً في الله - فقال عمر: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله
стр. 147
حقاً قال: بلى. قلت: ألسنا على الحقِّ وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلِم نُعطي الدَّنِيّة في ديننا إذن؟ قال: «إنّي رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري» . قلت: أولستَ كنت تحدِّثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومُطَّوَّفٌ به» . قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحقِّ وعدونا على الباطل؟ قال: بلى قال قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إِذن؟ قال: أيُّها الرجل، إِنَّه لرسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره فاستمسك بغَرْزه، فالله إنَّه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ فقلت: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَّوَّفٌ به. قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالاً. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» . قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلمَّا لم يقم منهم أحد دخل على أمِّ سَلَمة ﵂، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أمُّ سلمة: يا نبي الله،
أتحبُّ
ذلك؟ أخرج، ثم لا تكلِّم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلِّم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنه، ودعا حالقه فحلقه. فلمَّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كان بعضهم يقتل بعضاً غمَّاً. ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا جَآءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْئَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٠) فطلَّق عمر يومئذٍ إمرأتين كانتا له في الشرك، فتزوّج
стр. 148
إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية.
خبر أبي بصير مع الرجلين اللذين أرسلا في طلبه
ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير ﵁ رجل من قريش وهو مسلم - فأرسلوا في طلبه رجلَين، فقالوا: العَهْدَ الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحُليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إنِّي لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً فاستلّه الآخر فقال: أجل - والله - إنه لجيدٌ، لقد جرّبت به ثم جرّبت. فقال أبو بصير: أرني أنظرْ إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَد، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعْراً» . فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: «قُتل - والله - صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد - والله - أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ «ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَر حرب لو كان له أحد» . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيف البحر.
لحوق أبي جندل بأبي بصير واعتراضهما لعير قريش
قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو ﵁ فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعِير خرجت؛ لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده بالله والرّحِمِ لمَّا أرسل إِليهم فمن أتاه فهو آمن. فأرسل النبي ﷺ إليم فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ
стр. 149
أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لّيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآء لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيماً﴾ (الفتح: ٢٤ - ٢٦) وكانت حمّيتهم أنَّهم لم يقروا أنَّه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. قال ابن كثير في البداية: هذا سياق فيه زيادات وفوائد حسنة ليست في رواية ابن إسحاق عن الزهري. انتهى. وأخرجه البيهقي أيضاً بطوله.
إرساله ﷺ عثمان إلى مكة بعد النزول بالحديبية
وأخرج ابن عساكر، وابن أبي شَيْبة عن عُروة ﵁ في نزول النبي ﷺ بالحديبية قال: وفزعت قريش لنزوله عليهم، وأحب رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إليه. فقال: يا رسول الله، إنِّي لألعنهم وليس أحد بمكة من بني كعب يغضب لي إِن أُوذيت، فأرسِلْ عثمان فإنَّ عشيرته بها وإِنهُ يُبَلِّغ لك ما أردت. فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش، وقال: «أخبرهم أنَّا لم نأتِ لقتال وإنما جئنا عُمَّاراً وأدعهم إلى الإِسلام» . وأمره أن يأتي رجالاً بمكة من المؤمنين وسناءً مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشِّرهم بالفتح، ويخبرهم أنَّ الله جلَّ ثناؤه يوكش أنْ يُظْهر دنيه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإِيمان تثبيتاً يُثبِّته. قال: فانطلق عثمان فمرّ على قريش ببلدح. فقالت قريش: أين؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إِليكم لأدعوَكم إلى الله وإلى الإِسلام، ونخبرك أنَّا لم نأتِ لقتال أحد وإنما جئنا عُمَّاراً. فدعاهم عثمان كما أمره ﷺ فقالوا: قد سمعنا ما تقول فانفُذْ لحاجتك. وقام إليه أبَانُ بن سعيد بن العاص فرحب به وسْرَج فرسه، فحمل عثمانَ على الفرس فأجاره، وردفه أبَانُ حتى جاء مكة.
стр. 150
ثم إنَّ قريشاً بعثوا بُدَيل بن ورقاء الخزاعي وأخا بني كنانة ثم جاء عروة بن مسعود الثقفي - فذكر الحديث؛ كما في كنز العمال. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة من وجه آخر بطوله - عن عروة، كما في كنز العمال أيضاً. وأخرجه البيهقي عن موسى بن عقبة بنحوه.
قول عمر في صلح الحديبية
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد صالح رسول الله ﷺ أهل مكة على صلح وأعطاهم شيئاً، لو أنَّ نبي الله ﷺ أمَّر عليَّ أميراً فصنع الذي صنع نبيُّ الله ما سمعت ولا أطعت، وكان الذي جعل لهم أنَّ من لحق من الكفَّار بالمسلمين ردُّوه، ومن لحق بالكفَّار لم يردُّوه. كذا في كنز العمال وقال: سنده صحيح.
قول أبي بكر في صلح الحديبية
وأخرج ابن عساكر عن الواقدي قال: كان أبو بكر الصديق ﵁ يقول: ما كان فَتْح أعظم في الإِسلام من فتح الحديبية، ولكن الناس يومئذٍ قَصُرَ رأيهم عمَّا كان بين محمد وربه، والعباد يَعْجَلون والله لا يعجل كعجلة العباد حتى يُبلِغ الأمور ما أراد. لقد نظرتُ إلى سُهيل بن عمرو في حِجّة الوداع قائماً عند المنحر يقرِّب إلى رسول الله ﷺ بُدْنة ورسول الله ﷺ نحرا بيده، ودعا الحلاق فحلق رأسه؛ وأنظر إلى سهيل يلتقط من شَعَره وأراه يضعه على عينيه، وأذكر إِباءه أن يُقرَّ يوم الحديبية بأن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم يأبى أن يكتب: محمد رسول الله ﷺ فحمدت الله الذي هداه للإِسلام. كذا
стр. 151
في كنز العمال.
قصة إسلام عمرو بن العاص ﵁
أخرج ابن إسحاق عن عمرو بن العاص ﵁ قال: لم انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون - والله - إِنِّي أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّاً منكراً، وإنِّي لقد رأيت أمراً فما تَرَون فيه؟ قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن نَلحَق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنَّا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد؛ وإِن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إِنَّ هذا لرأي. قلت: فاجمعوا لنا ما نهدي له، فكان أحبَّ ما يُهدى إليه من أرضنا الأَدَمُ، فجمعنا له أدَماً كثيراً ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنَّا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضَّمْري وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إِليه في شأن جعفر وأصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشي فسألته إِياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلتُ رأتْ قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلتُ رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع. فقال: مرحباً بصديقي هل أهديت لي من بلادك شيئاً قال: قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت لك أدَماً كثيراً. قال ثم قرّبته إليه فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له: أيها الملك، إنِّي قد رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسول رجل عدوَ لنا؛ فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره؛ فلو انشقَّت الأرض لدخلت فيها فَرَقاً. ثم قلت: أيها الملك، والله لو ظننت
стр. 152
أنك تكره هذا ما سألتُكَه. قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى فتقتله؟ قال قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعني واتَّبعه فإنه - والله - لَعَلى الحقِّ، وليظهرنَّ على من خالفه كما ظهر موسى بن عمران على
فرعون وجنوده. قال: قلت: أفتبايعني له على الإِسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإِسلام. ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي إِسلامي. ثم خرجت عامداً إلى رسول الله ﷺ لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد ذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة. فقلت: أين يا أبا سليمان؟ فقال: والله، لقد استقام المِيسَم، وإنَّ الرجل لنبي، إذهب - والله - أسلم فحتى متى؟ قال: قلت: والله جئت إلا وسلم. قال: فقدمنا المدينة على النبي ﷺ فتقدّم، خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إنِّي أبايعك على أن تغفر لي ما تقدَّم من ذنبي ولا أذكر ما تأخَّر. قال: فقال رسول الله ﷺ «يا عمرو، بايع فإنَّ الإِسلام يجبُّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبُّ ما كان قبله» . قال: فبايعته ثم انصرفت. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً أحمد، والطبراني عن عمرو نحوه - مطوّلاً. قال الهيثمي: ورجالها ثقات. انتهى.
وأخرج البيهقي من طريق الواقدي بأبسط منه وأحسن، وفي حديثه: ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلاً،
стр. 153
وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الرحلتين. قال: فنظرت فإذا خالد بن الوليد. قال قلت: أين تريد؟ قال: محمداً، دخل الناس في الإِسلام فلم يبقَ أحد به طعم، والله، لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضُّبُع في مغارتها. قلت: وأنا - والله - قد أردت محمداً وأردت الإِسلام. فخرج عثمان بن طلحة فرحَّب بي، فنزلنا جميعاً في المنزل ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة، فما أنسَى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح، يا رباح، يا رباح فتفاءلنا بقوله وسرَّنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقادة بعد هذين، وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولَّى مدبراً إلى المسجد سريعاً. فظننت أنه بشَّر رسول الله ﷺ بقدومنا، فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرَّة فلبسنا من صالح ثيابنا، ثم نُوديَ بالعصر فانطلقنا حتى اطَّلعنا عليه وإِن لوجهه تهللاً والمسلمون حوله قد سُرُّوا بإسلامنا، فتقدَّم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدَّم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدَّمت، فوالله، ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طَرْفي حياءً منه. قال: فبايعته على أن يغفر لي ما تقدَّم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر. فقال: «إن الإِسلام يجبُّ ما كن قبله، والهجرة تجبّ ما كان قبلها» . قال: فوالله، ما عَدَلَ بي رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد أحداً من أصحابه في أمر حَزَبه منذ أسلمنا. كذا في البداية.
قصة إسلام خالد بن الوليد ﵁
أخرج الواقدي عن خالد ﵁ قال: لمّا أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإِسلام وحضرني رُشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلَّها على محمد ﷺ فليس في موطن أشهده إلا أنصرفُ وأنا أرى في نفسي أني مُوضِعٌ في غير شيء وأنَّ محمداً سيظهره. فلم اخرج رسول
стр. 154
الله ﷺ إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله ﷺ في أصحابه بعُسْفان، فقمت بإزائه وتعرَّضت له. فصلّى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نُغير عليهم ثم لم يُعم لنا - وكانت فيه خِيرة، فاطَّلع على ما في أنفسنا من الهمِّ به. فصلَّى بأصحابه صلاة العصر: صلاة الخوف. فوقع ذلك منَّا موقعاً، وقلت: الرجل ممنوع، فاعتزَلَنا وعَدَل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين. فلما صالح قريشاً بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي: أيُّ شيء بقي؟ أين أذهب؟: إلى الن جاشي؛ فقد اتبع محمداً وأصحابه عنده آمنون فأخرج إِلى هرقل، فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية، فأقيمُ في عجم، أفأقيم في داري بمن بقي؟. فأنا في ذلك إذ دخلت مكّة في عمرة القضيّة، فغيَّبت ولم أشهد دخوله، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي ﷺ في عمرة القضيّة، فطلبني فلم يجدني، فكتب إِليَّ كتاباً فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد: فإني لم أرَ أَجب من ذهاب رأيك عن الإِسلام، وعقلك عقلك ومثل الإِسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله ﷺ عنك، وقال: أين خالد؟ فقلت: يأتي الله به. فقال: «مثله جهل الإِسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجِدِّه مع المسلمين كان خيراً له، ولقدّمناه على غيره» فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة» .
قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإِسلام، وسرني سؤال رسول الله ﷺ عني، وأرى في النوم كأنِّي في بلاد ضيِّقة مجدبة، فخرجت في بلاد خضراء واسعة، فقلت: إِنَّ هذه لرؤيا. فلما أن قدمت المدينة قلت: وذكرنّها لأبي بكر فقال: مَخْرجُك الذي هداك الله للإِسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك.
стр. 155
قال: فلما أجمعت الخروج إِلى رسول الله ﷺ قلت: من أصاحب إلى رسول الله ﷺ فلقيت صفوان بن أُمية، فقلت: يا أبا وَهْب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم. فلو قدمنا على محمد واتبعناه فإنَّ شرف محمد لنا شرف. فأبى أشدَّ الإِباء، فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبداً، فافترقنا. وقلت: هذا رجل قُتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيت عِكْرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أُمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أُمية. قلت: فاكتم عليَّ. قال: لا أذكره، فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتين فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة. فقلت؛ إنَّ هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو. ثم ذكرت من قُتل من آبائه فكرهت أن أذكِّره. ثم قلت: وما عليَّ؟ وأنا راحل من ساعتي. فذكرت له ما صار الأمرُ إليه، فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صُبَّ فيه ذَنُوبٌ من ماء لخرج، وقلت له نحواً ممّا قلت لصاحبيَّ، فأسرع الإِجابة. وقلت له: إني غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو وهذه راحلتي بفجِّ مَنَاخة. قال: فاتعدت أنا وهو يأجُجَ إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه. قال: فأدلجنا سَحَراً فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج. فغدونا حتى انتهينا إلى الهدّة، فنجد عمرو بن العاص بها. قال: مرحباً بالقوم، فقلنا: وبك. فقال إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإِسلام واتباع محمد ﷺ قال: وذاك الذي أقدمني. فاصطحبنا جميعاً
حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرَّة ركابنا. فأُخبر بنا رسول الله ﷺ فسُرَّ بنا. فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيني أخي فقال: أسرع فإنَّ رسول الله ﷺ قد أُخبر بك
стр. 156
فسُرَّ بقدومك وهو ينتظركم. فأسرعنا المشي فاطَّلعت عليه فما زال يتبسَّم إليّ حتى وقفت عليه، فسلمت عليه بالنبوة فرد عليّ السلام بوجه طَلْق. فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: «تعال» ثم قال ﷺ «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يُسلمك إلا إلى خير» . قلت: يا رسول الله، إنِّي قد رأيتُ ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معانداً للحق، فدعُ الله أن يغفرها لي. فقال رسول الله ﷺ «الإِسلام يجبّ ما كان قبله» . قلت: يا رسول الله على ذلك. قال: «اللهم إغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صدَ عن سبيل الله» . قال خالد: وتقدم عثمان، وعمرو فبايعا رسول الله ﷺ قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان؛ قال: والله ما كان رسول الله ﷺ يَعْدِل بي أحداً من أصحابه فيما خَزَبه. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً ابن عساكر نحوه - مطولاً، كما في كنز العمال.
قصة فتح مكة زادها الله تشريفاً خروجه ﵇ لفتح مكة ونزوله بمرِّ الظهران
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: ثم مضى رسول الله ﷺ واستعمل على المدينة أبا رُهْم كلثوم بنَ الحُصين الغِفاري، وخرج لعشر مَضَين من رمضان، فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكُدَيْد - ماء بين عُسْفان وأَمج - أفطر، ثم مضى حتى نزل مَرّ الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، لأألف من مُزينة وسُلَيم، وفي كل القبائل عدد
стр. 157
وسلاح، وأوعبَ مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار لم يتخلف منهم أحد.
تجسس رؤساء قريش الأخبار
فلمّا نزل رسول الله ﷺ مرَّ الظهران - وقد عُمِّيتالأخبار على قريش، فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبر ولم يدروا ما هو فاعل -. خرج في تلك الليلة: أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حِزام، وبُدَيل بن وَرْقاء يتجسَّسُون، وينظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به؟ وقد كان العباس بن عبد المطلب ﵁ تَلقَّى رسول الله ﷺ في بعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بنُ الحارث بن عبد المطَّلب وعبد الله بنُ أبي أُمية بنِ المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين المدينة، ومكة والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سَلَمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصِهرك.
قال: «لا حاجة لي بهما. أما ابن عمي فهتك عرضي بمكة، وأما ابن عمتي وصِهْري فهو الذي قال لي بمكة ما قال» . فلما خرج إليهما بذلك - ومع أبي سفيان بُنَيٌّ له - فقال: والله لتأذننَّ لي أو لآخذنَّ بيدي بُنَيِّي هذا ثم لنذهبنَّ بالأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقَّ لهما ثم أذن لها فدخلا فأسلما.
ترغيب العباس قريشاً أن يستأمنوه ﷺ فلما نزل رسول الله ﷺ بمَرِّ الظهران قال العباس: واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكَّة غَنْوَةً قبل أن يستأمنوه إِنَّه لهلاك قريش آخر
стр. 158
الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاءِ فخرجت عليها حتى جئت الأرَاك، فقلت لعلِّي ألقَى بعض الحطَّابة أو صاحب لَبَن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمك ن رسول الله ﷺ فيستأمنوه قبل أن يدخلها عَنْوَة.
خبر أبي سفيان مع العباس، وعمر ﵃
قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إِذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا عسكر قال يقول بديل: هذه والله - نيران خُزاعة حَمَشَتها الحرب. قال يقول أبو سفيان: خزاعة - والله - أذلّ وألأم من أن تكون هذه نيرانَها وعسكرَها. قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم. فقال: مالك - فداك أبي وأمي - فقلت: ويحكم يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة - فداك أبي وأمي - قال قلت: لئن ظفر بك ليضرِبَن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتيَ بك رسول الله ﷺ فاستأمنَه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه وحَرَّكْتُ به. فكلَّما مررتُ بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ قالوا: عمُّ رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمرَ بنِ الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إِليَّ. فلما رأى أبا سفيان على عَجُز البغلة قال: أبو سفيان، عدو الله الحمد لله الذي أمكن الله منك بغير عَقْد ولا عَهْد. ثم خرج يشتدُّ نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء، فاقتحمتُ عن البغلة. فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عمر فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدَعْني فلأضربْ عنقه. فقلت: يا رسول الله، إِني أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فقلت: لا والله، لا يناجيه الليلة رجل دوني، قال:
стр. 159
فلمَّا أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً يا عمر، أمَا - والله - إن لو كان من رجال بني عديَ بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنَّه من رجال بني عبد مناف. فقال: مهلاً يا عباس والله، لإِسلامك يوم أسلمتَ أحبُّ إليَّ من إسلام
أبي
لو أسلم، وما بي إِلا أني قد عرفت أنَّ إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطّاب. فقال رسول الله ﷺ «إذهب به إلى رَحْلك يا عبَّاس، فإذا أصبحت فائتني به» ، فذهبت به إلى رَحْلي فبات عندي. فلما أصبح غدوت به على رسول الله ﷺ
شهادة أبي سفيان بكمال خلقه ﵇ ودخوله في الإِسلام
فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأنِ لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: بأبي أنت وأمي، ما أكرمك وأحلمك وأوصلك لقد ظننتُ أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً. قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنِّي رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك هذه - والله - كان في لنفس منها شيء حتى الآن. قال العباس: ويحكم يا أبا سفيان، أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن يُضرب عُنُقك. قال: فشهد شهادة الحق وأسلم.
الذين جعلهم رسول الله ﷺ آمنين يوم الفتح
قلت: يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان يحب هذا الفخر فاجعل له شيئاً، قال: «نعم. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» . فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ «يا عبَّاس، إحبسه بالوادي عند خَطْم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها» . قال فخرجت به حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه. قال: ومرَّت به القبائل على راياتها فكلَّما مرّت قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس فيقول بنو سُلَيم. فيقول: ما لي ولسُلَيم؟ قال: ثم تمر القبيلة فيقول: من
стр. 160
هؤلاء؟ فقول: مُزَيْنة. فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل - يعني جاوزت - لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: ما لي ولبني فلان؟ حتى مرَّ رسول الله ﷺ في الخضراء فيها المهاجرون والأنصار لا يُرى منهم سوى الحَدَق قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقةٌ، - والله - يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابنِ أخيك الغداة عظيماً. قلت: يا أبا سفيان، إنّها النبوّة. قال: فنعم إِذاً. قلت: إلتجىء إلى قومك. قال: فخرج حتى جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه إمرأته هند بنت عتبة فأخذت بشاربه فقالت: أقتلوا الدَّسِم الأحمش فبئس طليعة قوم. قال: ويحكم، لا تغرَّنَّكُم هذه من أنفسكم فإنه قد جاء بما لا قِبَل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: ويحك وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق بابه فهو آمن. ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. انتهى.
صفة دخوله ﵇ مكة
وأخرجه أيضا
البيهقي بطوله كما في البداية، وأخرجه ابن عساكر أيضاً
стр. 161
من طريق الواقدي عن ابن عباس ﵄ كما في كنز العمال - فذكر نحو ما تقدَّم من رواية الطبراني، وفي سياقه: ثم قال رسول الله ﷺ للعباس بعدما خرج: «إحبسه بمضيق الوادي إِلى خَطْم الجبل حتى تمرَّ به جنود الله فيراها» قال العباس: فعدلت به في مضيق الوادي إلى خَطْم الجبل، فلمّا حبست أبا سفيان قال: غَدْراً يا بني هاشم؟ فقال العباس: إنَّ أهل النبوّة لا يغدرون، ولكن لي إِليك حاجة. فقال أبو سفيان: فهلا بدأت بها أولاً فقلت: إنَّ لي إليك حاجة فكان أفرغ لروعي. قال العباس: لم أكن أراك تذهب هذا المذهب. وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه، ومرَّت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها. فكان أول من قدَّم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في بني سُلَيم وهم ألف، فيهم لواء يحمله عباس بن مِرداس، ولواء يحمله خُفَاف بن نُدبة، وراية يحملها الحجّاج بن عِلاط. قال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال العباس: خالد بن الوليد. قال: الغلام، قال: نعم. فلما حاذى خالد بالعباس وإلى جنبه أبو سفيان كبَّرا ثلاثاً ثم مَضَوا، ثم مرَّ على إِثره الزبير بن العوّام في خمس مائة منهم مهاجرون وأفناء الناس ومعه راية سوداء. فلما حاذى أبا سفيان كبَّر ثلاثاً كبَّر أصحابه، فقال: من هذا؟ قال: الزبير بن العوام. قال: ابن أختك، قال: نعم. ومرَّت نفر من غِفار في ثلاث مائة يحمل رايتهم أبو ذرٍ الغفاري ويقال إيماء بن رَحْضَة: فلما حَاذَوه كبَّروا ثلاثاً. قال: يا أبا الفضل، من هؤلاء؟ قال: بنو غِفار. قال: وما لي ولبني غفار. ثم مضت أسْلَم في أربع مائة فيها لواءان: يحمل أحدها بُرَيدة بن الحُصَيب، والآخر ناجِية بن الأعجم: فلما حاذَوْه كبَّرا ثلاثاً. فقال: من هؤلاء؟ قال: أسلم. قال: يا أبا
стр. 162
الفضل: ما لي ولأسْلَم. ما كان بيننا وبينها تِرَة قط. قال العباس هم قوم
مسلمون دخلوا في الإِسلام. ثم مرَّت بنو كعب بن عمرو في خمس مائة يحمل رايتهم بِشر بن شيبان. قال: من هؤلاء؟ قال: هم كعب بن عمرو. قال: نعم، هؤلاء حلفاء محمد؛ فلما حاذَوْه كبَّروا ثلاثاً. ثم مرّت مُزَينة في ألف فيها ثلاثة ألوية وفيها مائة فرس، يحمل ألويتها: النعمان بن مقرِّن، وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو؛ فلما حاذَوه كبَّروا. فقال: من هؤلاء؟ قال: مُزَينة. قال يا أبا الفضل، ما لي ولمُزينة قد جاءتني تقعقع من شواهقها. ثم مرت جُهَينة في ثمان مائة مع قادتها فيها أربعة ألوية: لواء مع أبي زُرعة معْبد بن خالد، ولواء مع سُويد بن صخر، ولواء مع رافع بن مكيث، ولواء مع عبد الله بن بدر؛ فلما حاذَوّه كبَّروا ثلاثاً. ثم مرَّت كِنَانة: بنو ليث، وضمرة، وسعد بن كبر، في مائتين يحمل لواءهم أبو واقد الليثي؛ فلما حاذَوْه كبّروا ثلاثاً. فقال: من هؤلاء؟ قال: بنو بكر. قال: نعم، أهل شؤم والله، هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم، أما - والله - ما شُوِورتُ فيه ولا علمته، ولقد كنت له كارهاً حيث
стр. 163
بلغني، لكنه أمر حُمَّ. قال العباس: قد خارَ الله لك في غزوة محمد ﷺ لكم ودخلتم في الإِسلام كافة.
قال الواقدي: حدثني عبد الله بن عامر عن أبي عمرو بن حماس قال: مرت بنو ليث وحدها وهم مائتان وخمسون يحمل لواءها الصَّعْب بن جُثامة؛ فلما مرَّ كبَّروا ثلاثاً. فقال: من هؤلاء؟ قال: بنو ليث. ثم مرت أشجع وهم آخر من مرَّ وهم في ثلاث مائة معه لواء يحمله مَعْقِل بن سنان، ولواء مع نُعَيم بن مسعود. فقال أبو سفيان: هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد ﷺ فقال العباس: أدخل الله الإِسلامَ قلوبَهم، فهذا من فضل الله. فسكت؛ ثم قال: ما مضى بعد محمد؟ قال العباس: لك يمضِ بعد. لو رأيت الكتيبة التي فيها محمد ﷺ رأيت الحديد، والخيل، والرجال وما ليس لأحد به طاقة قال: أظن - والله - يا أبا الفضل ومن له بهؤلاء طاقة؟ فلما طلعت كتيبة رسول الله ﷺ الخضراء طلع سواد وغبرة من سنابك الخيل وجعل الناس يمرُّون كل ذلك يقول: ما مرَّ محمد؟ فيقول العباس: لا، حتى مرَّ يسير على ناقته القصواء بين أبي بكر وأُسَيد بن خُضَير وهو يحدّثهما. فقال العباس: هذا رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، فيها الرايات والألوية، مع كل بطل من الأنصار راية ولواء في الحديد لا يُرى فيه إلا الحَدَق، ولعمر بن الخطاب فيها زَجَل، عليه الحديد بصوت عالٍ وهو يزَعها، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل، من هذا المتكلم؟ قال: عمر ابن
стр. 164
الخطاب، قال: لقد أمِرَ أمْرُ بني عدي بعد - والله - قلّة وذلّة. فقال العباس يا أبا سفيان، إن الله يرفع ما يشاء بما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الإِسلام. وقال: في الكتيبة ألفا درع. وأعطى رسول الله ﷺ رايته سعد بن عبادة فهو أمام الكتيبة. فلمَّا مرَّ سعد براية النبي ﷺ نادى أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلُّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشاً. فأقبل رسول الله ﷺ حتى إذا حاذى بأبي سفيان ناداه:
يا
رسول الله، أمرتَ بقتل قومك؟ زعم سعد ومن معه حين مرَّ بنا، فقال: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلُّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشاً، وإني أنْشدُكَ الله في قومك، فأنت أبرُّ الناس. قال عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان: يا رسول الله، ما نأمن سعداً أن يكون منه في قريش صَوْلة، فقال رسول الله ﷺ «يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزَّ الله فيه قريشاً» . قال: وأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فعزله وجعل اللواء إلى قيس. ورأى رسول الله ﷺ أنّ اللواء لم يخرج من سعد حين صار لابنه، فأبى سعد أن يسلِّم اللواء إلا بالأمارة من النبي ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إليه بعمامته فعرفها سعد، فدفع اللواء إلى ابنه قيس.
وأخرجه الطبراني عن أبي ليلى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فقال: إن أبا سفيان في الأرَاك فدخلنا فأخذناه، فجعل المسلمون يَحْوُونه بجفون سيوفهم حتى جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ فقال له: «ويحك يا أبا سفيان قد جئتكم بالدنيا والآخرة، فأسلموا تسلموا» ، وكان العباس له صديقاً، فقال له العباس ﵁: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحب الصوت.
стр. 165
فبعث رسول الله ﷺ منادياً ينادي بمكة «من أغلق بابه فهو آمن، من ألقى سلاحه فهو آمن. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» . ثم بعث معه العباس حتى جلسا على عقبة الثنيّة. فأَقبلت بنو سليم فقال: يا عباس، من هؤلاء؟ قال: هذه بنو سُلَيم. فقال: وما أنا وسُلَيم. ثم أقبل علي بن أبي طالب ﵁ في المهاجرين. ثم أقبل رسول الله ﷺ في الأنصار فقال: يا عباس، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الموت الأحمر هذا رسول الله ﷺ في الأنصار. فقال أبو سفيان: لقد رأيت ملك كسرى، وقيصر فما رأيت مثل ملك ابن أخيك فقال العباس: إنما هي النبوة. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه: حر بن الحسن الطّحان وهو ضعيف وقد وُثِّق. انتهى.
وأخرج الطبراني عن عروة ﵁ مرسلاً قال: ثم خرج رسول الله ﷺ في إثني عشر ألفاً: من المهاجرين، والأنصار، وأسْلَم، وغِفار، وجُهينة، وبني سُلَيم، وقادوا الخيول حتى نزلوا بمرِّ الظهران ولم تعلم بهم قريش، وبعثوا بحكيم بن حِزام وأبي سفيان إِلى رسول الله ﷺ وقالوا: خذ لنا منه جواراً أو آذنوه بالحرب. فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام فلقيا بُدَيل بن ورقاء فاسْتَصْحَبَاه، حتى إذا كانا بالأراك من مكة - وذلك عشاء - رأوا الفساطيط والعسكر، وسمعوا صهيل الخيل، فراعهم وفزعوا منه وقالوا: هؤلاء بنو كعب حاشتها الحرب. فقال بُديل: هؤلاء أكبر من بني كعب ما بلغ تأليبها هذا، أفتنتجع هوازن أرضنا؟ والله ما نعرف هذا أيضاً، إنَّ هذا لمثل حاج الناس. وكان رسول الله ﷺ قد بعث بين يديه خيلاً تقبض العيون، وخزاعة على الطريق لا يتركون أحداً يمضي. فلما دخل أبو سفيان وأصحابه عسكر المسلمين أخذهم الخيل تحت
стр. 166
الليل وأتَوا بهم خائفين القتل. فقام عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي سفيان فوجأ في عنقه، والتزمه القوم وخرجوا به ليدخلوه على رسول الله ﷺ فخاف القتل - وكان العباس بن عبد المطَّلب ﵁ خالصة له في الجاهلية - فصاح بأعلى صوته: ألا تأمروا لي إلى عباس؟ فأتاه عباس فدفع عنه، وسأل
رسول الله ﷺ أن يقبضه إليه ومشى في القوم مكانه. فركب به عباس تحت الليل فسار به في عسكر القوم حتى أبصروه أجمع، وقد كان عمر قد قال لأبي سفيان حين وجأ عنقه: والله لا تدنو من رسول الله ﷺ حتى تموت. فاستغاث بعباس فقال: إني مقتول، فمنعه من الناس أن ينتهبوه. فلما رأى كثرة الناس وطاعتهم قال: لم أرَ كالليلة جمعاً لقوم. فخلَّصه العباس من أيديهم وقال: إِنك مقتول إِن لم تسلم وتشهد أن محمداً رسول الله. فجعل يريد يقول الذي يأمره العباس فلا ينطلق لسانه فبات مع عباس. وأما حَكيم بن حِزَام وبُدَيل بن ورقاء فدخلا على رسول الله ﷺ فأسلما وجعل يستخبرهما عن أهل مكة. فلما نُودي بالصلاة صلاة الصبح تحيَّن القوم، ففزع أبو سفيان فقال: يا عباس، ماذا تريدون؟ قال: هم المسلمون يتيسرون بحضور رسول الله ﷺ فخرج بن عباس. فلما أبصرهم أبو سفيان قال: يا عباس، أما يأمرهم بشيء إلا فعلوه؟ فقال عباس: لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه. قال عباس: فكلِّمه في قومك هل عنده من عفو عنه. فأتى العباس بأبي سفيان حتى أدخله على النبي ﷺ فقال عباس: يا رسول الله، هذا أبو سفيان، فقال أبو سفيان: يا محمد، إني قد استنصرت إلهي واستنصرت إلهك، فوالله ما رأيتك إلا قد ظهرت عليّ فلو كان إلهي محقّاً وإِلهك مبطلاً لظهرتُ عليك فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقال عباس:
стр. 167
يا رسول الله، إني أحب أن تأذن لي آتي قومك فأنذرهم ما نزل وأدعوهم إلى الله ورسوله. فأذن له، فقال عباس: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ بيِّن لي من ذلك أماناً يطمئنون إليه، قال رسول الله ﷺ تقول لهم: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله فهو آمن. ومن جلس عند الكعبة فوضع سلاحه فهو آمن. ومن أغلق عليه بابه فهو آمن: فقال عباس: يا رسول الله، أبو سفيان
ابن
عمنا وأحبَّ أن يرجع معي، فلو اختصصته بمعروف. فقال النبي ﷺ «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» . فجعل أبو سفيان يستفقه ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ومن دخل دار حكيم بن حزام وكف يده فهو آمن، ودار حكيم بأسفل مكة. وحمل النبي ﷺ عباساً على بغلته البيضاء التي كان أهداها إِليه دِحْية الكلبي ﵁. فانطلق عباس بأبي سفيان قد أردفه، فلما سار عباس بعث النبي ﷺ في إثره فقال: أدركوا عباساً فردوه عليّ، وحدَّثهم بالذي خاف عليه، فأدركه الرسول، فكره عباس الرجوع وقال: أيرهب رسول الله ﷺ أن يرجع أبو سفيان راغباً في قلّة الناس فيكفر بعد إِسلامه؟ فقال: إحبسه فحبسه. فقال أبو سفيان: أغدراً يا بني هاشم؟ فقال عباس: إنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك بعض الحاجة. قال: وما هي؟ أقضيها لك. قال: تُفادها حين يقدم عليك خالد بن الوليد، والزبير بن العوام. فوقف عباس بالمضيق دون الأراك من مرّ، وقد وعى أبو سفيان منه حديثه. ثم بعث رسول الله ﷺ الخيل بعضها على إثر بعض، وقسم رسول الله ﷺ الخيل شطرين: فبعث الزبير، وردفه خيل بالجيش من أسْلَم وغفار وقضاعة. فقال أبو سفيان: رسول الله ﷺ هذا يا عباس؟ قال: لا ولكن خالد بن الوليد. وبعث رسول الله ﷺ سعد بن عبادة ﵁ بين يديه في كتيبة الأنصار. فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلُّ الحرمة. ثم دخل رسول الله ﷺ في كتيبة الإِيمان: المهاجرين والأنصار. فلما رأى أبو سفيان وجوهاً كثيرة لا يعرفها فقال: يا رسول الله، أكثرت أو اخترت هذه الوجوه على قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 168
«أنت فعلتَ ذلك وقومُك، إنَّ هؤلاء صدّقوني إذ كذبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني» - ومع النبي ﷺ يومئذٍ الأقرع بن حابس، وعباس بن
مرداس، وعُيينة بن حصن
بن الفَزاري - فلما أبصرهم حول النبي ﷺ قال: من هؤلاء يا عباس؟ قال: هذه كتيبة النبي ﷺ ومع هذه الموت الأحمر هؤلاء المهاجرون والأنصار. قال: إمضِ يا عباس، فلم أرَ كاليوم جنوداً قطُّ ولا جماعة. فسار الزبير في الناس حتى وقف بالحَجُون، واندفع خالد حتى دخل من أسفل مكة فلقيه أوباش بني بكر فقاتلوهم، فهزمهم الله ، وقُتلوا بالحَزْوَرة حتى دخلوا الدور، وارتفع طائفة منهم على الخيل على الخَنْدَمة، واتبعه المسلمون، فدخل النبي ﷺ في أخريات الناس، ونادى منادٍ: من أغلق عليه داره وكف يده فإنه آمن، ونادى أبو سفيان بمكة: أسلموا تسلموا، وكفَّهم الله عن عباس: وأقبلت هند بنت عتبة فأخذت بحلية أبي سفيان ثم نادت: يا آل غالب اقتلوا هذا الشيخ الأحمق. قال: فأرسلي لحيتي، فأقسم بالله إن أنت لم تسلمي لتضربنَّ عنقك. ويلكِ جاء بالحق فادخلي أريكتك، - أحسَبُهُ قال -: واسكتي. قال الهيثمي: رواه الطبراني مرسلاً وفيه: ابن لِهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف. انتهى. وأخرجه أيضاً ابن عائذ في مغازي عروة بطوله كما في الفتح، وأخرجه البخاري عن عروة مختصراً؛ والبيهقي كذلك.
стр. 169
إسلام سهيل بن عمرو وشهادته بدماثة أخلاقه ﷺ وأخرج الواقدي، وابن عساكر، وابن سعد عن سهيل بن عمرو ﵁ قال: لمَّا دخل رسول الله ﷺ مكة وظهر اقتحمت بيتي، وأغلقت عليَّ بابي، وأرسلت ابني عبد الله بن سهيل أنِ أطلبْ لي جِواراً من محمد ﷺ فإني لا آمن أن أُقتل. فذهب عبد الله بن سهيل فقال: يا رسول الله، أبي تُؤمنه؟ قال: نعم، هو آمن بأمان الله فليظهرْ. ثم قال رسول الله ﷺ لمن حوله: «من لقي منكم سهيلاً له عقل، وشرف وما مثل سهيل جهل الإِسلام، والقدر أيّ ما كان يوضع فيه إنه لم يكن له بنافع» . فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله ﷺ فقال سهيل: كان - والله - براً صغيراً وكبيراً. فكان سهيل يقبل ويدبر، وخرج إلى حُنَين مع رسول الله ﷺ وهو على شركه حتى أسلم بالجِعْرانة، فأعطاه رسول الله ﷺ يومئذٍ من غنائم حُنَين مائة من الإِبل. كذا في كنز العمال؛ وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك مثله.
قوله ﵇ لأهل مكة يوم الفتح
وأخرج ابن عساكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لمَّا كان يوم الفتح ورسول الله ﷺ بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام - قال عمر: فقلت: قد أمكن الله منهم لأعرفنَّهم بما صنعوا - حتى قال رسول الله ﷺ «مَثَلي ومثلكم كما قال يوسف لإِخوته: لا تَثْريبَ عليكم اليومَ، يغفِرُ الله لكم، وهو أرحمُ الراحمينَ» . قال عمر:
стр. 170
فافتضحت حياءً من رسول الله ﷺ كراهية أن يكون بدر مني، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال: كذا في الكنز.
وعند ابن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن أبي حسين: قال: لمَّا فتح رسول الله ﷺ مكة دخل البيت ثم خرح فوضع يده على عضادتي الباب فقال: «ماذا تقولون؟» فقال سهيل بن عمرو: نقول ونظنُّ خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قَدْرتَ.
فقال: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تَثْريبَ عليكم اليومَ» . كذا في الإِصابة.
وأخرجه البيهقي من طريق القاسم بن سلام بن مسكين عن أبيه، عن ثابت البُنَاني عن عبد الله بن رَبَاح عن أبي هريرة ﵁ فذكر الحديث، وفيه: قال: ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تقولون؟ وما تظنون؟» قالوا نقول: ابن أخ، وابن عم حليم رحيم. قال: وقالوا ذلك ثلاثاً. فقال رسول الله ﷺ «أقول كما قال يوسف: لا تَثْريبَ عليكم اليومَ، يغفرُ الله لكم، وهو أرحمُ الراحمينَ» . قال: فخرجوا كأنما نُشِروا من القبور، فدخلوا في الإِسلام. قال البيهقي: وفيما حكى الشافعي عن أبي يوسف في هذه القصَّة: أنه قال لم حين اجتمعوا في المسجد: «ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم قال: «إذهبوا فأنتم الطلقاء» . انتهى.
قصة إسلام عِكْرمة بن أبي جهل ﵁ أمان عكرمة حين استأمنت له زوجته أم حكيم
أخرج الواقدي وابن عساكر عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال:
стр. 171
لمَّا كان يوم الفتح أسلمت أُم حكيم: يا رسول الله، قد هرب عِكْرمة منك إلى اليمن وخاف أن تقتله فآمنْه، فقال رسول الله ﷺ «هو آمن» . فخرجَتْ في طلبه ومعها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنِّيه حتى قدمت على حيّ من عَكّ، فاستعانتهم عليه فأوثقوه رباطاً، وأدركت عِكرمة وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر، فجعل نوتيُّ السفينة يقول له: يخلِص. قال: أي شيء أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله. قال عكرمة: ما هربت إلا من هذا، فجاءت أم حكيم على هذا من الأمر فجعلت تليح إليه وتقول: يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس، وأبرِّ الناس، وخير الناس؛ لا تُهلك نفسك. فوقف له حتى أدركته، فقال: إني قد استأمنت لك رسول الله ﷺ قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم. أنا كلمته فآمنك. فرجع معها، وقالت ما لقيتُ من غلامك الرومي؟ وخبَّرته خبره، فقتله عكرمة وهو يومئذٍ لم يسلم.
إسلام عكرمة وشهادته بكمال برِّه ﵇
فلما دنا من مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «يأتيكم عِكْرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً فلا تسبُّوا أباه، فإنَّ سبَّ الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت» . قال: وجعل عكرمة يطلب إمرأته يجامعها فتأبى عليه وتقول: إنك كفر أنا مسلمة. فيقول: إِنَّ أمراً منعك مني لأمرٌ كبير. فلم رأى النبي ﷺ عِكرمة وثب إليه وما على النبي ﷺ رداء فرحاً بعِكْرمة. ثم جلس رسول الله ﷺ فوقف بين يديه ومعه زوجتُه متَنَقِّبَة فقال: يا محمد، إنَّ هذه أخبرتني أنك آمنتني. فقال رسول الله ﷺ «صَدَقَتْ، فأنت آمن» ، قال عكرمة: فإلامَ تدعو يا محمد؟ قال: «أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتفعل وتفعل» حتى عدَّ خصال الإِسلام. فقال عكرمة: والله، ما
стр. 172
دعوت إلا إلى الحق وأمر حسن جميل، قد كنت - والله - فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثاً، وأبرُّنا براً. ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فسُرَّ بذلك رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله، علِّمني خيرَ شيء أقوله. فقال: تقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله» . فقال عكرمة: ثم ماذا؟ قال رسول الله ﷺ تقول «أشهد الله، وأشهد من حضر أني مسلم مجاهد مهاجر» . فقال عكرمة ذلك.
دعاؤه ﷺ لعكرمة
فقال رسول الله: «لا تسألني اليوم شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيتُكَه» . قال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتُكَها، أو مسير أوْضَعْتُ فيه، أو مقام لقيتك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه، فقال رسول الله ﷺ «اللَّهمَّ إغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، واغفر له ما نال مني من عرض في وجهي أو أنا غائب عنه» . فقال عكرمة: رضيتُ يا رسول الله. ثم قال عكرمة: أما - والله - يا رسول الله لا أدُع نفقة كنت أنفقتها في صدَ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالاً كنت أقاتل في صدَ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. ثم اجتهد في القتال حتى قُتل شهيداً. فردَّ رسول الله ﷺ إمرأته بذلك النكاح الأول. قال الواقدي عن رجاله؛ وقال سهيل بن عمرو يوم حُنين: لا يختبرهما محمد وأصحابه. قال يقول له عكرمة: إن هذا ليس يقول إنما الأمر بيد الله وليس إلى محمد من الأمر شيء، إِنْ أُديل عليه اليوم فإنَّ له العاقبة غداً. قال يقول سهيل: والله إنَّ عهدك بخلافه لحديث، قال: يا أبا يزيد، إنَّا كنَّا - والله -
стр. 173
نوضع في غير شيء وعقولنا عقولنا، نعبد حجراً لا يضر ولا ينفع. كذا في كنز العمال.
وأخرجه أيضاً الحاكم من حديث عبد الله بن الزبير ﵄، ولكنه اقتصر فيه إلى قوله: فلمَّا بلغ باب رسول الله ﷺ استبشر، ووثب له رسول الله ﷺ قائماً على رجليه فرحاً بقدومه. ثم أخرج عن عروة بن الزبير ﵄ قال: قال عكرمة بن أبي جهل: لمَّا انتهيت إِلى رسول الله ﷺ قلت: يا محمد، إِنَّ هذه أخبرتني أنَّك آمنْتني. فقال رسول الله ﷺ «أنت آمن» . فقلت: أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبرُّ الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس. قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطىء رأسي إستحياءً منه، ثم قلت: يا رسول الله، إستغفر لي كل عداوة عاديتكَها، أو مَرْكب أوضعت فيه أُريد فيه إظهار الشرك. فقال رسول الله ﷺ «اللَّهمَّ إغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها، أو مَرْكب أوضع فيه ييد أن يصدَّ عن سبيلك» . قلت: يا رسول الله، مُرني بخير ما تعلم فأعلمهُ. قال: «قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتجاهد في سبيله» . ثم قال عكرمة: أما - والله - يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصدِّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالاً في الصدِّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله.
إجتهاد عكرمة في القتال واستشهاده ﵁
ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أُجْنَادين شهيداً في خلافة أبي بكر
стр. 174
رضي الله عنه. وقد كان رسول الله ﷺ استعمله عام حجته على هوازن يُصدِّقها؛ فتوفي رسول الله ﷺ وعكرمة يومئذٍ بتَبالة. وقد أخرج الطبراني أيضاً عن عروة ﵁ قصَّة إسلامه مختصراً كما في المجمع.
قصة إسلام صفوان بن أمية ﵁ أمان صفوان حين استأمن له عُمَير بن وَهْب
أخرج الواقدي وابن عساكر عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: لما كان يوم الفتح أسلمت إمرأة صفوان بن أُمية - البَغوم بنت المعدَّل من كِنَانة - وأما صفوان بن أُمية فهرب حتى أتى الشِّعْب وجعل يقول لغلامه يَسار - وليس معه غيره -: ويحك، أنظر من ترى؟ قال: هذا عمير بن وَهْب قال صفوان: ما أصنع بعمير؟ والله، ما جاء إلا يريد قتلي، قد ظاهر محمداً عليّ، فلحقه فقال: يا عمير، ما كفاك ما صنعت بي؟ حمَّلْتني دَيْنك، وعيالك، ثم جئت تريد قتلي قال: أبا وَهْب، جُعِلتُ فداك، جئتك من عند أبرِّ الناس وأوصل الناس، وقد كان عُمَير قال: لرسول الله ﷺ يا رسول الله، سيد قومي خرج هارباً ليقذف نفسه في البحر وخاف أن لا تؤمِّنه، فآمنْه فداك أبي وأمِّي. فقال رسول الله ﷺ «قد آمنته» فخرج في أثره فقال: إن رسول الله ﷺ قد آمنك.
стр. 175
إرساله ﷺ عمامته إلى صفوان علامة أمنه
فقال صفوان: لا والله لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها. فقال رسول الله ﷺ خُذْ عِمامتي» ، فرجع عمير إليه بها وهو البُرد الذي دخل فيه رسول الله ﷺ يومئذٍ معتجراً به بُرْد حِبرَة. فخرج عمير في طلبه الثانية حتى جاء بالبُرْد فقال: أبا وَهْب، جئتك من عند خير الناس، وأوصل الناس، وأبرِّ الناس، وأحلم الناس. مجده مجدك وعزُّه عزك، وملكه ملكك، ابن أمك وأبيك وأُذكِّرُكَ الله في نفسك. قال له: أخاف أنْ أُقتل. قال: قد دعاك إلى أن تدخل في الإِسلام، فإن يَسرُّكَ، وإلا سيَّرك شهرين، فهو أوفى الناس وأبرهم وقد بعث إليك ببُرْده الذي دخل به مُعتَجراً، فعرفه. قال: نعم. فأخرجه فقال: نعم، هو، هو. فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يصلِّي بالناس العصر في المسجد، فوقفا. فقال صفوان: كم يصلُّون في اليوم والليلة؟ قال: خمس صلوات. قال: يصلِّي بهم محمد؟ قال: نعم. فلما سلَّم صاح صفوان: يا محمد، إنَّ عُمَير بن وَهْب جاءني ببُرْدك وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيتُ أمراً وإلا سيَّرتني شهرين؟ قال: «إنزل أبا وَهْب» . قال: لا والله حتى تُبيِّن لي. قال: «بل لك تسيّر أربعة أشهر» ، فنزل صفوان.
خروج صفوان معه ﵇ إلى هوازن وإسلامه
وخرج رسول الله ﷺ قِبَل هوازن وخرج؛ معه صفوان وهو كافر، وأرسل إليه يستعيره سلاحَه فأعاره سلاحه مائة درع بأداتها. فقال صفوان طوْعاً أو كَرْهاً؟. فقال رسول الله ﷺ عارية رادَّة فأعاره، فأمره رسول الله ﷺ فحملها إلى حنين فشهد حنيناً والطائف، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى
стр. 176
الجَعرَّانة. فبينا رسول الله ﷺ يسير في الغنائم ينظر إليها - ومعه صفوان بن أمية - فجعل صفوان بن أمية - فجعل صفوان بن أمية ينظر إلى شِعْب ملاء نَعَماً وشاءً ورِعاء، فأدام النظر إِليه ورسول الله ﷺ يرمقه فقال: «أبا وَهْب، يعجبك هذه الشِّعْب؟» قال: نعم. قال: «هُو لك وما فيه» . فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفسُ أحد بمثل هذا إلا نفس نبي؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. وأسلم مكانه. كذا في الكنز. وأخرجه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة ﵂ مختصراً؛ كما في البداية.
وأخرج الإِمام أحد عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه: أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعاً، فقال: أغَصْباً يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله ﷺ أنْ يضمنها له. قال: أنا اليوم - يا رسول الله - في الإِسلام أَرْغَبُ. انتهى.
قصة إسلام حُوَيطب بن عبد العزى ﵁ دعوة أبي ذر لحويطب ودخوله في الإِسلام
أخرج الحاكم عن المنذر بن جَهْم قال: قال حوَيطب بن عبد العُزَّى: لمَّا دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح خفت خوفاً شديداً، فخرجت من بيتي
стр. 177
وفرَّقت عيالي في مواضع يأمنون فيها، فانتهيت إلى حائط عوف فكنت فيه، فإذنا أنا بأبي ذرَ الغفاري وكانت بيني وبينه خُلَّة - والخُلة أبداً مانعةٌ - فلما رأيت هربت منه. فقال: أبا محمد، فقلت: لبيك، قال: ما لك؟ قلت: الخوف، قال: لا خوف عليك، أنت آمن بأمان الله . فرجعت إليه فسلَّمت عليه، فقال: إذهب إلى منزلك، قلت: هل لي سبيل إلى منزلي؟ والله ما أُراني أصل إلى بيتي حيّاً حتى أُلفى فأقتلع أو يُدخل عليَّ منزلي فأُقتل، وإنَّ عيالي لفي مواضع شتى. قال: فاجمع عيالك في موضع وأنا أبلغ مك إلى منزلك، فبلغ معي وحعل ينادي عليَّ: إنَّ حويطباً آمن فلا يُهج. ثم انصرف أبو ذرَ ﵁ إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: أَوليس قد أمن الناسُ كلهم إلا من أمرت بقتلهم؟ قال: فاطمأننتُ ورددتُ عيالي إلى منازلهم وعاد إليَّ أبو ذرَ، فقال لي: يا أبا محمد، حتى متى؟ وإلى متى؟ قد سُبقت في المواطن كلِّها، وفاتك خير كثير وبقي خير كثير، فأْتِ رسول الله ﷺ فأسلم تسلم، ورسول الله ﷺ أبرُّ الناس، وأوصل الناس، وأحلم الناس، شرفه شرفك، وعزُّه عزك. قال قلت: فأن أخرج معك فآتيه، فخرجت معه حتى أتيت رسول الله ﷺ بالبطحاء وعنده أبو بكر، وعمر، فوقفت على رأسه وسألت أبا ذر: كيف يقال إِذا سُلِّم عليه؟ قال: قل: السلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، فقلتها، فقال: «وعليك السلام حُوَيطب» . فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ «الحمد لله الذي هداك» . قال: وسُرّ رسول الله ﷺ بإسلامي، واستقرضني مالاً فأقرضته أربعين ألف درهم، وشهدت معه حُنَيناً
والطائف
وأعطاني من غنائم حُنَين مائة بعير.
وأخرجه أيضاً بن سعد في الطبقات من طريق المنذر بن جَهْم وغيره عن حويطب نحوه؛ كما في الإِصابة. وأخرج الحاكم أيضاً عن إبراهيم بن جعفر
стр. 178
بن محمود بن محمد بن سلمة الأشهلي عن أبيه - فذكر الحديث، وفيه: ثم قال حويطب: ما كان في قريش أحد من كبرائها الذين بَقُوا على دين قومهم إلى أن فُتحت مكة أكرهَ لما فتحت عليه مني، ولكنَّ المقادير.. ولقد شهدت بدراً مع المشركين فرأيت عِبَراً، فرأيت الملائكة تقتل وتأسر بين السماء والأرض، فقلت: هذا رجل ممنوع، ولم أذكر ما رأيت لأحدٍ، فانهزمنا راجعين إلى مكة، فأقمنا بمكَّة وقريش تُسلم رجلاً رجلاً. فلمَّا كان يوم الحديبية حضرت وشهدت الصلح ومشيت فيه حتى تمَّ، وكل ذلك يزيد الإِسلامَ ويأبى الله إلا ما يريد. فلما كتبنا صلح الحديبية كنت آخر شهوده، وقلت: لا ترى قريش من محمد إلا ما يسؤوها، قد رضيت إن دافعته بالرماح. ولمَّا قدم رسول الله ﷺ لعمرة القضاء وخرجت قريش من مكة، كنت فيمن تخلَّف بمكة أنا وسهيل بن عمرو لأن نُخرج رسول الله ﷺ إذ مضى الوقت، فلما انقضت الثلاث أقبلتُ أنا وسُهيل بن عمرو فقلنا: قد مضى شرطُك فأخرج من بلدنا، فصاح: «يا بلال لا تَغِبِ الشمس وواحدٌ من المسلمين بمكة ممَّن قد معنا» .
قصة إسلام الحارث بن هشام ﵁
أخرج الحاكم عن عبد الله بن عكرمة قال: لما كان يوم الفتح دخل الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة على أمِّ هانىء بنت أبي طالب ﵂ فاستجارا بها، فقالا: نحن في جوارك، فأجارتهما. فدخل عليهما علي بن أبي طالب فنظر إليها، فشهر عليها السيف، فتفلَّت عليهما، واعتنقتْه وقالت: تصنع بي هذا من بين الناس؟ لَتَبدأنَّ بي قبلها. فقال: تُجيرين المشركين، فخرج. قالت أمُّ هانىء فأتيت رسول الله ﷺ فقلت؛ يا رسول الله، ما لقيت من ابن أمي عليَ؟ ما كدت أفلت منه أجرت حَمَوَين لي من المشركين فانفلت عليهما ليقتلهما. فقال رسول الله ﷺ «ما كان ذلك له، قد
стр. 179
أجرنا من أجرتِ، وآمنَّا من آمنتِ» . فرجعت إليهما فأخبرتهما فانصرفا إلى منازلهما. فقيل لرسول الله ﷺ الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة جالسان في ناديهما متنضِّلين في المِلاء المزعفرة. فقال رسول الله ﷺ «لا سبيل إليهما قد أمنَّاهما» . قال الحارث بن هشام: وجعلت أستحيي أن يراني رسول الله ﷺ وأذكر رؤيته إياي في كل موطن من المشركين، ثم أذكر برَّه ورحمته فألقاه وهو داخل المسجد فتلقَّاني بالبشر، ووقف حتى جئته فسلَّمت عليه وشهدت شهادة الحق. فقال: «الحمد لله الذي هداك، ما كان مثلك يجهل الإِسلام» . قال الحارث: فوالله ما رأيت مثل الإِسلام جُهِلَ.
قصة إسلام النضير بن الحارث العبدري ﵁
أخرج الواقدي عن إبراهيم بن محمد بن شُرحبيل العبدري عن أبيه قال: كان النُضير بن الحارث من أعلم الناس، وكان يقول: الحمد لله الذي أكرمنا بالإِسلام، ومنَّ علينا بمحمد ﷺ لم نَمُتْ على ما مات عليه الآباء، لقد كنت أوضعُ مع قريش في كل وجهة، حتى كان عام الفتح وخرج إلى حنين، فخرجنا معه ونحن نريد إِن كانت دَبْرة على محمد أن نُعين عليه فلم يمكنّا ذلك. فلما صار بالجِعرَّانة فوالله إني لعلَى ما أنا عليه إنْ شعرتُ إلا برسول الله ﷺ تلقَّاني بفرحة، فقال: «النضير؟» قلت: لبيك. قال: «هذا خيرٌ ممَّا أردت يوم حنين» قال: فأقبلت إليه سريعاً فقال: «قد آن لك أن تبصر ما أنت فيه» . فقلت: قد أرى فقال: «اللهم زده ثباتاً» قال: فوالذي بعثه بالحق لكان قلبي حجراً ثباتاً في الدين ونصرة في الحق. ثم رجعت إلى منزلي فلم أشعر إِلا برجل من بني الدُّؤَل يقول: يا أبا الحارث قد أمر لك رسول الله ﷺ بمائة بعير، فأجِزْ لي منها فإنَّ عليَّ ديناً قال: فأردت أن لا آخذها وقلت: ما هذا منه إِلا تألُّف، ما أُريد أن أرتشي على الإِسلام، ثم قلت: والله ما طلبتها ولا سألتها،
стр. 180
فقبضتها وأعطيت الدُّؤَلي منها عشراً. كذا في الإِصابة.
قصة إسلام ثقيف أهل الطائف إنصرافه ﷺ عن ثقيف وإسلام عروة بن مسعود
ذكر ابن إسحق أنَّ رسول الله ﷺ لما انصرف عن ثقيف اتَّبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإِسلام. فقال له رسول الله ﷺ «إنَّهم قاتلوك» - وعرف رسول الله ﷺ أنَّ فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم - فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محبَّباً مطاعاً.
دعوة عروة لقومه إلى الإِسلام واستشهاده في الله
فخرج يدعو قومه إلى الإِسلام رجاء أن لا يخالفوه بمنزلته فيهم، فلما أشرف على عُلِّيَّة له - وقد دعاهم إلى الإِسلام وأظهر لهم دينه - رمَوْه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله. فقيل لعروة ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ. فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: «إن مَثَلَهُ في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه» .
إرسال ثقيف عبد يا ليل بن عمرو وفداً إليه ﵇ وخبرهم معه
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عرة أشهراً، ثم إنَّهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه
следующие страницы →