← История

История · id 8528

حياة الصحابة

محمد يوسف الكاندهلوي

Полный текст (1 779 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وعند الطبراني عن ابن سيرين قال: لما قيل لسعد بن أبي وقاص ﵁: ألا تقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف المؤمن من الكافر، فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح - اهـ. وأخرجه أبو نُعيم في الحلية عن ابن سيرين مثله، وابن سعد عن ابن سيرين بمعناه. ما وقع بين أسامة وسعد وبين رجل في الامتناع عن القتال وأخرج ابن سعد عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال ذو البطن أسامة بن زيد ﵁: لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً، فقال سعد بن مالك ﵁: وأنا - والله - لا أقاتل رجلاً يقول لا إله إلا الله أبداً. فقال لهما رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ﴾ (سورة الأنفال، الآية: ٣٩) . فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله. وأخرجه ابن مَردَوَيه عن إبراهيم التيمي عن أبيه نحوه، كما في التفسير لابن كثير. ما قاله ابن عمر في الامتناع عن التقال في فتنة ابن الزبير وأخرج البخاري (ص٦٤٨) عن نفاع عن ابن عمر ﵄ أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير ﵄ فقالا: إن الناس ضُيِّعوا وأنت ابن عرم وصاحب النبي ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أنَّ الله حرّم دم أخي.

стр. 1157

قالا: ألم يقل الله: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة» ؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. وزاد عثمان بن صالح من طريق بُكير بن عبد الله عن نافع أن رجلاً أتى ابن عمر ﵄ فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عاماً وتعتمر عاماً وتترك الجهاد في سبيل الله وقد علمت ما رغَّب الله فيه؟ قال: يا ابن أخي بُني الإِسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ وكان الإسلام قليلاً، فكان الرجل يُفتن في دينه إمّا قتلوه وإما يعذبوه، حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وخَتَنه، وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون. وأخجره البيهقي من طريق نافع بنحوه. وهكذا أخرجه أبو نعيم في الحلية عن نافع، وعند البخاري أيضاً من طريق نافع عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً جاءه فقال: يا أبا عبد الرحنم ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ﴾ (سورة الحجرات، الآية: ٩) - الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟

стр. 1158

فقال: يا ابن أخي أُعيَّر بهذه الآية ولا أقاتل أحب إليَّ مِنْ أن أعيَّر بهذه الآية التي يقول الله : ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً﴾ (سورة النساء، الآية: ٩٣) - إلى آخر الآية، قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عمر قد فعلنا - فذكر نحو ما تقدم. وعنده أيضاً من طريق سعيد بن جبير فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد ﷺ يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنةً، وليس كقتالكم على الملك، كما في التفسير لابن كثير. ما قاله ابن عمر لابن الزبير وابن صفوان في امتناعه عن مبايعة ابن الزبير وعند البيهقي عن أبي العالية البراء أن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن صفوان ﵄ كانا ذات يوم قاعدين في الحِجْر، فمرَّ بهما ابن عمر ﵄ وهو يطوف بالبيت. فقال أحدهما لصاحبه: أتراه بقي أحد خيراً من هذا؟ ثم قال لرجل: ادعه لنا إذا قضى طوافه، فلما قضى طوافه وصلَّى ركعتين أتاه رسولهما فقال: هذا عبد الله بن الزبير وعبد الله بن صفوان يدعوانك. فجاء إليهما، فقال عبد الله بن صفوان: يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تبايع أمير المؤمين؟ - يعني ابن الزبير - فقد بايع هل أهل العروض وأهل العراق وعامة أهل الشام. فقال: والله لا أبايعكم وأنتم واضعوا سيوفكم على عواتقكم تَصَبَّبَ أيديكم من دماء المسلمين.

стр. 1159

امتناع ابن عمر عن الخروج ليبايعه الناس وعند أبي نُعيم في الحلية عن الحسن ﵁ قال: لما كان من أمر الناس ما كان من أمر الفتنة أتوا عبد الله بن عمر ﵄ فقالوا: أنت سيد الناس وابن سيدهم والناس بك راضون اخرج نبايعك، فقال: لا والله، لا يهراق فيَّ مِحْجَمة من دم ولا في سببي ما كان فيَّ الروح. قال: ثم أُتي فخُوِّف فقيل له: لتخرجن أو لتُقتلن على فراشك فقال مثل قوله الأول. قال الحسن: فوالله ما استقلُّوا نمه شيئاً حتى لحق بالله تعالى. وأخرجه ابن عسد عن الحسن بنحوه. ما قاله ابن عمر في الافتراق والاجتماع وعند ابن سعد أيضاً عن خالد بن سُمَير قال: قيل لا بن عر ﵄: لو أقمت للناس أمرهم، فإن الناس قد رَضوا بك كلهم، فقال لهم: أرأيتم إن خالف رجل بالمشرق؟ قالوا: إن خالف رجل قتل، وما قتل رجل في صلاح الأمة؟ فقال: والله ما أحب لو أن أمة محمد ﷺ أخذت بقائمة رمح وأخذت بزجه فقُتل رجل من المسلمين ولي الدنيا وما فيها وعند ابن سعد أيضاً عن قَطَن قال: أتى رجل ابن عمر ﵄ فقال ما أحد شراً لأمة محمد منك فقال: لم؟ فوالله ما سفكت دماءهم، ولا

стр. 1160

فرقت جماعتهم، ولا شققت عصاهم. قال: إنك لو شئت ما ختلف فيك اثنان، قال: ما أحب أنها أتتني ورجل يقول لا وآخر يقول بلى. وعند أبي نعيم في الحلية عن القاسم بن عبد الرحمن أنهم قالوا لابن عمر ﵄ في الفتنة الأولى: ألا تخرج فتقاتل؟ فقال: قد قاتلت والأنصاب بين الركن واباب حتى نفاها الله من أرض العرب، فأنا أكره أن أقاتل من يقول لا إله إلا الله قالوا: والله ما رأيك ذلك، ولكنك أردت أن يُفني أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم بعضاً؛ حتى إذا لم يبقَ غيرك قيل: بايعوا لعبد الله بن عمر بإمارة المؤمنني. قال: والله ما ذلك فيَّ، ولكن إذا قلتم حيَّ على الصلاة أجبتكم، حيَّ على الفلاح أجبتكم، وإذا افترقتم لم أجامعكم، وإذا اجتمعتم لم أفارقكم. وعن نافع قال: قيل لابن عمر ﵄ زمن ابن الزبير ﵄ والخوارج والخَشَبِيَّة: أتصلِّي مع هؤلاء ومع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضاً؟ فقال: من قال حيَّ على الصلاة أجبته، ومن قال: حي على الفلاح أجبته، ومن قال: حيَّ على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا، وأخرجه ابن سعد عن نافع مثله. كراهية الحسن بن علي قتل المؤمنين في طلب الملك ومصالحته لمعاوية وأخرج الحاكم عن أبي الغريف قال: كنا في مقدِّمة الحسن بن علي ﵄ اثني عشر ألفاً تقطر أسيافنا من الحِدَّة على قتال أهل الشام وعلينا أبو العمرطة. فلما أتاها صلح الحسن بن علي ومعاوية ﵃ كأنما كُسرت ظهورنا من الحَرْد والغيظ. فلما قدم الحسن بن علي الكوفة قام إليه رجل منا يُكنى أبا عامر سفيان بن الليل، فقال: السلام عليك يا مذلَّ المؤمنين، فقال الحسن: لا تقل ذاك يا أبا عامر، لم أُذل المؤمين ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك. وأرجه بن عبد البرفي الاستعياب نحوه، والخطيب والبغدادي كذلك، كما في البداية. وأخرج ابن عبد البرفي الاستيعاب عن الشَّعبي قال: لما جرى الصلح بين الحسن بن علي

стр. 1161

ومعاوية ﵃ قال له معاوية: قم فاخطب الناس واذكر ما كنت فيه، فقام الحسن فخطب فقال: الحمد لله الذي هدى بنا أوِّلكم، وحقن بنا دماء آخركم، ألا إن أكيس الكَيْس التقى، وأعجز العَجْز الفجور؛ وإنَّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما أن يكون كان أحقَّ به مني وإما أن يكون حقي، فتركناه لله ولصلاح أمة محمد ﷺ وحقن دمائهم» قال: ثم التفت إلى معاوية فقال: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (سورة الأنبياء، الآية: ١١١) ، ثم نزل، فقال عمرو لمعاوية: ما أردتُ إلاَّ هذا وأخرجه أيضاً الحاكم، والبيهقي عن الشعبي بنحوه.

стр. 1162

ما قاله الحسن لجبير بن نفير في شأن الخلافة وعند الحاكم أيضاً عن جبير بن نفير ﵁ قال: قلت للحسن بن علي ﵄: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة، فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون مَنْ حاربت ويسالمون من سالمت، تركتها ابتغاءَ وجه الله تعالى وحقن دماء أمة محمد ﷺ ثم أبتزها باتئاس أهل الحجاز؟ قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه، ووافقه الذهبي. امتناع أيمن الأسديّ عن التقال مع مروان وما جرى بينهما وأخرج أبو يَعْلى عن عامر الشَّعْبي قال: لما قاتل مروانُ الضحاكَ بن قيس أرسل إلى أيمن بن خُرَيم الأسدي ﵁ فقال: إنا نحب أن تقاتل معناه. فقال: إن أبي وعمي شهدا بدراً فعهدا إليَّ أن لا أقاتل أحداً يشهد أن لا إله إلا الله، فإن جئتني ببراءة من النار قاتلت معك. فقال: اذهب، ووقع فيه وسبَّه، فأنشأ أين يقول: ولستُ مقاتلاً رجلاً يصلِّي على سلطان آخر من قريش أقاتل مسلماً في في غير شيء فليس بنافعي ما عشت عيشي لخ سلطانه وعليَّ إثمي مَعاذ الله من جهل وطيشِ قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه إلا أنه قال: ولست

стр. 1163

أقاتل رجلاً يصلِّي، وقال: معاذ الله من فشل وطيش، وقال: أأقتل مسلماً في غير جُرْم. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير زكريا بن يحيى رَححمَويه وهو ثقة. انتهى. وأخرجه البيهقي عن قيس بن أبي حازم والشَّعبي بنحوه. ما قاله الحكم بن عمرو لعلي وأخرج الطبراني عن ابن الحكم بن عمرو والغِفاري قال: حدثني جدي قال: كنت عند الحكم بن عمرو ﵁ جالساً حين جاءه رسول علي بن أبي طالب ﵁، فقال: إنك أحق من أعاننا على هذا الأمر، فقال: سمعت خليلي ابن عمك ﷺ يقول: «إذا كان هكذا أو مثل هذا أن اتخذ سيفاً من خشب» فقد اتخذت سيفاً من خشب. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه. امتناع عبد الله بن أبي أوفى عن التقال مع يزيد h وأخرج البزار عن أبي الأشعث الصنعاني قال: بعثني يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن أبي أوفى ﵁ ومعي ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فقلت: ما تأمرون به الناس؟ فقال: أوصاني القاسم ﷺ إن أنا أدركت شيئاً من هذه أن أعمد إلى أُحُد وأكسر سيفي وأقعد في بيتي، فإن دُهل عليَّ بيتي قال: «اقعد في مخدعك، فإن دُخل عليك فاجث على ركبتيك، وتقول: بُؤْبإثمي وءثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين» . فقد كسرت سيفي فإذا دُهل عليَّ بيتي دخلت مخدعي، فإذا دخخل عليَّ مخدعي جَثَوتُ على ركبتيَّ، فقلت: ما قال رسول الله ﷺ أن أقول. قال الهيثمي: رواه

стр. 1164

البزّار، وفيه من لم أعرفهم. انتهى. عمل محمد بن مسلمة بوصيته ﵇ في شأن الاقتتال على الدنيا وأخرج الطبراني عن محمد بن مسلمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا رأيت الناس يقتتلون على الدنيا فاعمد بسيفك على أعظم صخرة في الحرّة فاضربه بها حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية» ، ففعلت ما أمري به رسول الله ﷺ قال الهيثمي رجاله ثقات. وعند ابن سعد عن محمد بن مسلمة ﵁ قال: أعطاني رسول الله ﷺ سيفاً فقال: «يا محمد بن مسلمة جاهد بهذا السيف في سبيل الله، حتى إذا رأيت من المسلمين فئتين تقتتلان فاضرب به الحجر حتى تكسره، ثم كف لسانك ويدك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة» . فلما قتل عثمان ﵁ وكان من أمر الناس ما كان؛ خرج إلى صخرة في فنائه فضرب الصخرة بسيفه حتى كسره. قول حذيفة في الاقتتال وأخرج أحمد عن ربعي قال: سمعت رجلاً في جنازة حذيفة. ﵁ يقول: صاحب هذا السرير يقول: ما بي بأس ما سمعت من رسول

стр. 1165

الله ﷺ ولئن اقتتلتم لأدخلنَّ بيتي، فلئن دُخل عليَّ فلأقولنَّ: ها، بُؤْبإثمي وإثمك. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير الرجل المبهم. ما جرى بين معاوية ووائل بن حجر في هذا الشأن وأخرج الطبراني عن وائل بن حُجر ﵁ قال: لما بلغنا ظهورُ رسول الله ﷺ خرجتُ وافداًعن قومي. حتى قدمت المدينة، فلقيت أصحابه قبل لقائه فقالوا: بَشَّرَنا بك رسول الله ﷺ من قبل أن تقدَم علينا بثلاثة أيام فقال: «قد جاءكم وائل بن حُجْر» . ثم لقيني ﵇ فرحب بي، وأدنى مجلسي، وبسط لي رداءه فأجلسني عليه ثم دعا في الناس فاجتمعوا إليه، ثم اطَّلع المنبر وأطلعني معه وأنا دونه، ثم حمد الله وقال: «يا أيها الناس: هذا وائل بن حُجحر أتاكم من بلاد بعيدة؛ من بلاد حضرموت، طائعاً غير مكره، بقيةُ أبناء الملوك، بارك الله فيك يا حُجر وفي ولدك» . ثم نزل وأنزلني منزلاً شاسعاً عن المدينة، وأمر معاوية بن أبي سفيان أن يبوؤني إياه. فخرجت وخرج معي، حتى إذا كنا ببعض الطريق قال: يا وائل إن الرمضاء قد أصابت بطن قدمي فأردفني خلفك، فقلت: ما أضن عليك بهذه الناقة ولكن لستَ من أبناء الملوك وأكره أن أعيَّر بك. قال: فالقِ إليَّ حذاءك أتوقَّى به من حر الشمس. قلت: ما أضن عليك بهاتين الجلدتين

стр. 1166

ولكن لست ممن يلبس لباس الملوك وأكره أن أعيَّر بك - فذكر الحديث. وفيه: فلما ملك معاوية بعث رجلاً من قريش يقال له بُسْر بن أبي أرطأة فقال له: قد ضممت الناحية فاخرج بجيشك، فإذا خلَّفت أفواه الشام فضع سيفك فاقتل من أبي بيعتي حتى تصير إلى المدينة، ثم أدخل المدينة فاقتل من أبي بيعتي، وإن أصبت وائل بن حُجر حياً فأتني به. ففعل، وأصاب وائلاً حياً فجاء به إليه، فأمر معاوية أن يُتلقَّى، وأذن له فأجلسه معه على سريره. فقال له معاوية: أسريري هذا خير أم ظهر ناقتك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين كنتُ حديث عهد بجاهلية وكفر وكانت تلك سيرة الجاهلية، فقد أتانا الله بالإِسلام فستر الإِسلام ما فعلتُ. قال: فما منعك من نصرنا وقد، أعدَّك عثمان ثقة وصْهراً؟ قلت: إنك قاتلت رجلاً هو أحف بعثمان منك قال: وكيف يكون أحق بعثمان نمي وأنا أقرب إلى عثمان في النسب؟ قلت: إن النبي ﷺ كان آخى بين علي وعثمان فالآخ أولى من ابن العم، ولست أقاتل المهاجيرن. قال: أَوَلَسْنا مهاجرين؟ قلت: أَوَلَيْسنا قد اعتزلناكما جميعاً؟ وحجة أخرى: حضرتُ رسول الله ﷺ وقد رفع رأسه نحو المشرق وقد حضره جمع كثير، ثم ردَّ إليه بصره فقال: أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم، فشدَّد أمرَها وعجَّله وقبَّحه. قلت له من بين القوم: يا رسول الله وما الفتن؟ قال: يا وائل إذا تختلف سيفان في الإِسلام فاعتزلهما. فقال: أصبحت شيعياً؟ فقلت: لا، ولكن أصبحت ناصحاً للمسلمين. فقال معاوية: لو سمعتُ ذا وعلمته ما أقدمتُك قلت: أو ليس قد رأيتَ ما صنع محمد بن مسلمة عند مقتل عثمان؟ انتهى بسيفه إلى صخرة فضربه حتى انكسر. فقال: أولئك قوم يُحملون. قلت: فكيف نصنع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1167

«من أحب الأنصار فبحبي أحبهم ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم» . فقال: اختر أيَّ البلاد شئت فإنك لست براجع إلى حضرموت. فقلت: عشيرتي بالشام وأهل بيتي بالكوفة. فقال: رجل إلى أهل بيتك خبير من عشرة من عشيرتك. فقلت: ما رجعت إلى حضرموت سروراً بها وما ينبغي للمهاجر أن يرجع إلى الموضع الذي هاجر منه إلا من علّة. قال: وما علتك؟ قلت: قول رسول الله ﷺ في الفتن، فحيث اختلفتم اعتزلناكم وحيث اجتمعتم جئناكم، فهذه العلة. فقال: إني قد وليتك الكوفة فسر إليها. فقلت: ما إلى بعد النبي ﷺ لأحد؛ أما رأيت أبا بكر ﵁ أرادني فأبيت، وأرادني عمر ﵁ فأبيت، وأرادني عثمان ﵁ فأبيت ولم أترك بيعته. جاءني كتاب أبي بكر حيث ارتد أهل ناحيتنا فقمت فيهم حتى ردَّهم الله إلى الإسلام بغير ولاية، فدعا عبد الرحمن بن أم الحكم فقال: سر فقد وليتك الكوفة وسر بوائل فأكرمه واقضِ حوائجه. فقال: يا أمير المؤمنين أسأت بي الظن تأمرني بإكرام مَنْ قد رأيت رسول الله ﷺ أكرمه، وأبا بكر وعمر وعثمان وأنت. فسرَّ معاوية بذلك منه. فقدمت معه الكوفة فلم يلبث أن مات. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير والكبير وفيه محمد بن حُجر وهو ضعيف. انتهى. قول أبي برزة الأسلمي في قتال مروان وابن الزبير والقرَّاء وأخرج البيهقي عن أبي المنهال قال: لما كان زمن أُخرج ابن زياد وثبت مروان بالشام حيث وثب، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب الذين كانوا يُدعون القُرَّاء بالبصرة. قال: غُمَّ أبي غماً شديداً، فقال: انطلق - لا أبالك - إلى هذا الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أبي بَرْزَة الأسلمي ﵁. قال: فانطلقت معه حتى دخلنا عليه في داره، فإذا هو قاعد في ظل عُلْوٍ له من قصب في يوم حار شديد الحر. فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه، قال:

стр. 1168

يا أبا برزة ألا ترى؟ ألا ترى؟ قال: فكان أول شيء تكلم به أن قال: إني أتسب عند الله أني أصبحت ساخطاً على أحياء قريش، إنكم معشر العُرَيب كنتم على الحال الذي قد علمتم في جاهليتكم من القلَّة والذلّة والضلالة وإن الله نعشكم بالإِسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون، وإن هذه الدنيا التي أفسدت بينكم. إن ذاك الذي بالشام - يعني مروان - والله ما يقاتل إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة - والله - إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن الذين حولكم الذين تدعونهم قراءكم - والله - إن يقاتلون إلا على الدنيا؛ قال: فلما لم يدع أحداً قال له أبي: فما تأمرنا إذاً؟ قال: إني لا أرى خير الناس اليوم إلا عصابة مُلْبِدة - وقال بيده - خماصَ البطون من أموال الناس، خفافَ الظهور من دمائهم. وأخرجه البخاري، والإِسماعيلي، ويعقوب بن سفيان في تاريخه عن أبي المنهال بنحوه كما في فتح الباري. قول حذيفة في القتل وأخرج أبو نعيم في الحلية عن شِمْر بن عطية قال: قال حذيفة ﵁ لرجل: أيسرك أنك قتلت أفجر الناس؟ قال: نعم، قال: إذاً تكون أفجر منه. الاحتراز عن تضييع الرجل المسلم أخرج اليبهقي عن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ سأله إذا حاصرتم المدينة كيف تصنعون؟ قال: نبعث الرجل إلى المدينة وننصع له هَنَةً من جلود. قال: أرأيت إن رُميَ بحجر؟ قال: إذا يُقتل.

стр. 1169

قال: فلا تفعلوا، فوالذي نفسي بيده ما يسرني أن تفتتحوا مدينة فيها أربعة آلاف مقاتل بتضييع رجل مسلم. وأخرجه الشافعي مثله كما في الكنز إلا أن عنده: هبيئاً من جلود. استنقاذ المسلم من أيدي الكفار أخرج ابن أبي شيبة عن عمر ﵁ قال: لأن استنقذ رجلاً من السملمين من أيدي الكفار أحب إليَّ من جزيرة العرب. كذا في كنزل العمال. ترويع المسلم حديث أبي الحسن في نهي النبي ﵇ عن ترويع المسلم أخرج الطبراني عن أبي الحسن ﵁ وكان عَقَبياً بَدْرياً - قال: كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ فقام رجل ونسي نعليه، فأخذهما رجل فوضعهما تحته. فرجع الرجل فقال: نعليَّ، فقال القوم: ما رأيناهما. فقال: هوذَهْ، فقال: «فكيف بروعة المؤمن؟» - مرتين أو ثلاثاً -. كذا في الترغيب. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله الهاشمي وهو ضعيف انتهى. وأخرجه أيضاً ابن السَّكَن مثله كما في الإِصابة. وعند البزَّار والطبراني وأبي الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ عن عامر بن ربيعة رضي

стр. 1170

الله عنه أن رجلاً أخذ نعل رجل فغيَّبها وهو يمزح، فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ «لا تروِّعوا المسلم فإنَّ روعة المسلم ظلم عظيم» . كذا في الترغيب. قال الهيثمي: وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف. أحاديث بعض الصحابة في هذا الشأن أيضا وأخرج الطبراني في الكبير - ورواته ثقات - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير فخفق رجل على راحلته، فأخذ رجل سهماً من كنانته فانتبه الرجل ففزع، فقال رسول الله ﷺ «لا يحل لرجل أن يروِّع مسلماً» . وعند أبي داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله ﷺ «لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلماً» . كذا في الترغيب. وأخرج الطبراني عن سليمان بن صُرَد ﵁ أن أعرابياً صلَّى مع ﵁ ومعه قَرَن فأخذها بعض القوم؛ فلما سلَّم النبي ﷺ قال الأعرابي: القَرَن، فكأن بعض القوم ضحك. فقال النبي ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يروِّعنَّ مسلماً» . قال الهيثمي: رواه الطبراني من رواية

стр. 1171

ابن عيينة عن إسماعيل بن مسلم، فإن كان هو العبدي فهو من رجال الصحيح، وإن كان هو المكِّي فهو ضعيف وبقية رجاله ثقات. انتهى. لغاية ص ١٠٥ تابع الاستخفاف بالمسلم واحتقاره حديث عائشة وعطاء وعروة في أسامة بن زيد أخرج ابن سعد عن عائشة ﵂ قالت: عَثَر أسامة ﵁ على عتبة الباب أبو أُسْكُفَّة الباب، فشجَّ جبهته، فقال: «يا عائشة أميطي عنه الدم» فتقذرتُه. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يَمَصُّ شَجته ويمجه ويقول: «لو كان أسامة جارية لكسوته وحَلَّيته حتى أُنفِقَه» . وأخرج ابن أبي شيبة نحوه كما في المنتخب. وعند الواقدي وابن عساكر عن عطاء بن يسار ﵁ قال: كان أسامة بن زيد ﵄ قد أصابه الجُدَي أول ما قدم المدينة، وهو غلام مُخاطه يسيل على فيه فتقَذَّرتْه عائشة ﵂، فدخل رسول الله ﷺ فطفق يغسل وجهه ويقبله. فقالت عائشة: أما - والله - بعد هذا فلا أُقصيه أبداً. كذا في المنتخب. وأخرج ابن سعد أيضاً عن عروة ﵁ أن رسول الله ﷺ أخَّر الإِفاضة من عَرفَة من أجل أسامة بن زيد ﵄ ينتظره، فجاء غلام أفطس أسود، فقال

стр. 1172

أهل اليمن: إنما حبسنا من أجل هذا؟ قال: فلذلك كفر أهل اليمن من أجل ذا، قال ابن سعد: قلت ليزيد بن هارون: ما يعني بقوله كفر أهل اليمن من أجل هذا؟ فقال: ردَّتُهم حين ارتدوا في زمن أبي بكر ﵁ إنما كانت لاستخفافهم بأمر النبي ﷺ وأخرجه ابن عساكر عن عروة نحوه وفيه قال عروة: إنما كفرت اليمن بعد وفاة النبي ﷺ من أجل أسامة. كذا في المنتخب. قول عمر ﵁ في هذا الشأن وأخرج أبو عبيد عن الحسن أن قوماً قدموا على أبي موسى ﵁، فأعطى العرب وترك الموالي. فكتب إليه عمر ﵁: ألا سويتَ بينهم؟ بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كذا في الكنز. وعند أحمد في الزهد عن عمر ﵁ قال: بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كذا في الكنزل. إغضاب المسلم ما وقع بين أبي بكر وبين سلمان وصهيب وبلال في أمر أبي سفيان أخرج مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ﵃ في نفر، فقالوا: ما أخذتْ سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. قل: فقال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك» فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا:

стр. 1173

لا. يغفر الله لك يا أخي. ويخرجه أبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في الاستيعاب عن عائذ بن عمرو نحوه. وأخرج ابن عساكر عن صهيب أن أبا بكر ﵁ مر بأسير له يستأمن له من رسول الله ﷺ وصهيب جالس في المسجد، فقال لأبي بكر: من هذا الذي معك؟ قال: أسير لي من المشركين أستأمن له من رسول الله ﷺ فقال صهيب: لقد كان في عنق هذا موضع للسيف، فغضب أبو بكر. فرآه النبي ﷺ فقال: «مالي أراك غضبان؟» قال: مررت بأسيري هذا على صهيب فقال: لقد كان في رقبة هذا موضع للسيف، فقال النبي ﷺ «فلعلك آذتيه» : فقال: لا والله، فقال: «لو آذيته لآذيت الله ورسوله» . كذا في كنز العمال. لعن المسلم حديث عمر في نهي النبي ﵇ عن لعن شارب الخمر أخرج البخاري وابن جرير والبيهقي عن عمر ﵁ أن رجلاً كان على عهد رسول الله ﷺ اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ قد جلده في الشراب. فأُتي به يوماً فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهمَّ العنه فما أكثر ما يُؤتى به، فقال النبي ﷺ «لا تلعنوه فوالله - ما علمت -إنه يحب الله ورسوله» . وعند أبي يعلى

стр. 1174

وسعيد بن منصور وغيرهما عنه أن رجلاً كان يُقلب حماراً وكان يهدي إلى النبي ﷺ العُكَّة من السمن والعُكَّة من العسل. فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أعطِ ثمن متاعه. فما يزيد النبي ﷺ أن يتبسم فيأمر به فيُعطى. فجيء به يوماً إلى رسول الله ﷺ وقد شرب الخمر فقال رجل - فذكر بنحوه. كذا في الكنز. أحاديث زيد بن أسلم وأبي هريرة وسلم ة بن الأكوع في هذا الشأن وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال: أُتي بابن النعمان ﵁ إلى النبي ﷺ فجلده، ثم أُتي به فجلده مراراً، أربعاً أو خسماً. فقال رجل: اللهمَّ العنه، ما أكثر ما يشرب وما أكثر ما يجلد فقال النبي ﷺ «لا تلعنه فإنَّه يحب الله ورسوله» . كذا في الكنز. وعند ابن سعد عن زيد بن أسلم قال: أُتي بالنعيمان أو ابن النعيمان إلى النبي ﷺ فذكر نحوه. وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أُتي بشارب فأمر النبي ﷺ أصحابه فضربوه؛ فمنهم من ضربه بنعله، ومنهم من ضربه بيده، ومنهم بثوبه. ثم قال: ارفعوا، ثم أمرهم فبكَّتوه. فقالوا: ألا تستحيي من رسول الله ﷺ تصنع هذا؟ ثم أرسله. فلما أدبر وقع القوم يدعون عليه ويسبُّونه، يقول القائل: اللهمّ اخزه، اللهم العنه. فقال رسول الله ﷺ «لا تقولوا هكذا ولا تكونوا للشيطان على أخيكم، ولكن قولوا: اللهمّ اغفر له، اللهمَّ اهده» وفي لفظ: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا الشيطان، ولكن قولوا: رحمك الله» كذا في

стр. 1175

كنزل العمال. وأخرج الطبراني بإسناد جيد عن سلَلَمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أنْ قد أتى باباً من أبواب الكبائر. كذا في الترغيب. شتم المسلم حديث عائشة في شأن الرجل الذي كان يشتم عبيده أخرج أحمد والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله ﷺ فقال: إن لي مملوكِين يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ «إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك، وعصَوك، وكذَّبوك، وعقابك إياهم (فإن كان عقابك إياهم) بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتُص لهم منك الفَضْل» . فتنحَّى الرجل وجعل يهتف ويبكي. فقال له رسول الله ﷺ (أما تقرأ قول الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ) (سورة الأنبياء، الآية: ٧) فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء خيراً من مفارقتهم، أشهد أنهم كلَّهم أحرار. كذا في الترغيب، وقال: إسناد أحمد والترمذي متصلان ورواتهما

стр. 1176

ثقات. ما وقع بينه ﵇ وبين أبي بكر لمَّا شتمه رجل وأخرج أحمد والطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً شتم أبا بكر ﵁ والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يُعجبه ويتبسم. فملا أكثر ردَّ عليه بعض قوله. فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس علما رددتُ عليه بعض قوله غضبت وقمت؟ قال: «إنه كان معك مَلَك يردُّ عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان» ، ثم قال: «يا أبا بكر ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظُلم يمَظْلِمة فيفضي عنها لله إلا أعز الله بها نَصْره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده بها كثرة، وما فتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلّة» : قال الهيثمي: رجال أحمد الصحيح، ورواه أبو داود إلا أنه لم يذكر: ثم قال يا أبا بكر. نذر عمر قطع لسان ابنه لشتمه المقداد أخرج أحمد، واللألكائي في السنة، وأبو القاسم بن بُشران في أماليه، وابن عساكر عن البهي أن عبد الله بن عمر ﵄ شتم المقدار ﵁، فقال عمر: عليَّ نذر إن لم أقطع لسانك فكلَّموه وطلبوا إليه. فقال عمر: دعوني حتى أقطع لسانه حتى لا يشتم بعدُ أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1177

وعند ابن عساكر عن البهي قال: كان بين عبد الله بن عمرو بين المقداد ﵃ -شيء، فنال منه عبد الله، فشكاه المقداد إلى أبيه، فنذر عمر ليقطعنَّ لسانه. فلَّما خاف ذلك من أبيه تحمل على أبيه بالرجال، فقال: دعوني فأقطعَ لسانه فتكون سنةً يُعمل بها من بعدي، لا يوجد رجل شتم رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ إلاَّ قُطع لسانه. كذا في منتخب كنز العمال. الوقوع في المسلم إنكاره ﵇ على رجل في ذلك أخرج أبو نعيم عن أنس بن مالك ﵁ قال: وقع رجل عند النبي ﷺ في رجل، فقال له النبي ﷺ «قُمْ، لا شهادة لك» قال: يا رسول الله فلست أعود. قال: «أصبحت تهزأ بالقرآن؟ ما آمن بالقرآن من استحل محارمه» . كذا في الكنز. ما وقع بين خالد وسعد في ذلك وأخرج أبو نعيم في الحلية عن طارق بن شهاب قال: كان بين خالد وسعد ﵄ كلام. فذهب رجل يقع في خالد عنه سعد، فقال: مَهْ، إنَّ ما بيننا لم يبلغ دِيَننا. وأخرجه الطبراني عن طارق مثله. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. انتهى.

стр. 1178

غيبة المسلم إنكاره ﵇ على من اغتاب رجلاً أُقيم عليه حد الرجم أخرج عبد الرزاق وأبو ادود عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الأسلمي نبيَّ الله فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراماً أربع مرات. كلُّ ذلك يعرض عنه - فذكر الحديث. وفيه قال: فأمر به فرجم. فسمع النبي ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعْه نفسه حتى رُجم رجم الكلب، فسكت النبي ﷺ عنهما ثم سار ساعة حتى مرَّ بجيفة حمار شائل برجله.k فقال: «أين فلان وفلان» ؟ قالا: نحن ذان يا رسول الله، قال: «انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار» فقالا: يا نبي الله - غفر الله لك - من يأكل من هذا؟ قال: «فما نلتما من عرض أخيكما آنفاً أشد من أكل الميتة، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها» . كذا في الكنزل، وأخرجه ابن حبَّان في صحيه عن أبي هريرة نحون. كما في الترغيب وأخرجه البخاري في الأدب نحوه مختصراً، وصحَّحه ابن حبان كما قاله الحافظ في الفتح.

стр. 1179

وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر أن النبي ﷺ رجم امرأة فقال بعض المسلمين: حبط عمل هذه، فقال النبي ﷺ «بل هذه كفَّارة لما عملت وتحاسب أنت بما عملت» . كذا في الكنزل. حديث عائشة وزيد بن أسلم في صفية وفي امرأة أخرى وأخرج أبو داود والترمذي والبيهقي عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ حَسْبك من صفية كذا وكذا - قال بعض الرواة: تعني قصيرة - فقال: «لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته -» قالت: وحكيتُ له إنساناً، فقال: «ما أحب أن حكيت لي إنساناً وإن لي كذا وكذا» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعند أبي داود أيضاً عنها أنه اعتلَّ بعير لصفية بنت حُيَي وعند زينب فَضْل ظَهْر ﵄، فقال النبي ﷺ لزينب: «أعطيها بعيراً» ، فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟ فغضب رسول الله ﷺ فهجر ذا الحجة والمحرَّم وبعض صفر. كذا في الترغيب. وأخرجه ابن سعد نحوه، وفي حديثه: فتركها رسول الله ﷺ ذا الحجة والمحرَّم شهرين أو ثلاثة لا يأتيها. قالت زينب: حتى يئستُ منه. وعند ابن أبي الدنيا عنها قالت: قلت لامرأة مرة وأنا عند النبي ﷺ إن

стр. 1180

هذه لطويلة الذيل، فقال: «الفظي، الفظي» فلفظتُ بَضْعة من لم. كذا في الترغيب. وأخرج ابن سعد عن زيد بن أسلَم أن نبي الله ﷺ في الوجع الذي توفي فيه اجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: أما والله يا نبي الله لوددتُ أنَّ الذي بك بي، فغمزنَها أزواج النبي ﷺ وأبصرهنَّ رسول الله ﷺ فقال: «مَضْمِضْن» فيقلن: من أيِّ شيء يا نبي الله، قال: «من تغامزكن بصاحبتكم، والله إنَّها لصادقة» وسنده حسن كما في الإِصابة. وأخرجه ابن سعد أيضاً من طريق عطاء بن يسار بمعناه. إنكاره ﵇ على بعض أصحابه قولهم الغيبة وأخرج أبو يَعْلى والطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فقام رجل، فقالوا يا رسول الله ما أعجزه أو قالوا: ما أضعف فلاناً فقال النبي ﷺ «اغتبتم صاحبكم وأكلتم لحمه» . ولفظ الطبراني: أن رجلاً قام من عند النبي ﷺ فرأوا في قيامه عَجْزاً، فقالوا: ما أَعجز فلانً فقال رسول الله ﷺ «أكلتم أخاكم واغتبتموه» . كذا في الترغيب قال الهيثمي: وفي إسنادهما محمد بن أبي حُمَيد ويقال له حَمَّاد وهو ضعيف جداً - انتهى.

стр. 1181

وأخرجه الطبراني عن معاذ بن جبل ﵁ بمعنى السياق الأول وزاد فيه: قالوا: يا رسول الله قلنا ما فيه، قال: «إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه» . قال الهيثيم: وفيه علي بن عاصم وهو ضعيف. وأخرج الأصبهاني بإسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ رجلاً، فقالوا: لا يأكل حتى يُطعم، ولا يرحل حتى يُرحَّل له. فقال النبي ﷺ «اغتبتموه» فقالوا: يا رسول الله إنما حدثنا بما فيه، قال: «حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه» كذا في الترغيب. وأخرج ابن أبي شَيْبة والطبراني - واللفظ له - ورواته رواة الصحيح - عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فقام رجل، فوَقَع فيه رجل من بعده، فقال النبي ﷺ «تحلَّل» فقال: ومَّا أتحلَّل؟ قال: «إنك أكلت لحكم أخيك» كذا في الترغيب. وفيما نقل الهيثمي: «تخلَّل» ، فقال: ومما أتخلل يا رسول الله، (ما) أكلت لحماً؟

стр. 1182

قصة فتاتين صامتا عن الطعام وأفطرتا عن الغيبة وأخرج أبو داود والطيالسي وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والبيهقي عن أنس بن مالك ﵁ قال: أمر النبي ﷺ الناس يصوم يوم وقال: «لا يُفطرنَّ أحد منكم حتى آذن له» ، فصام الناس حتى إذا أمسَوا، فجعل الرجل يجيء فيقول: يا رسول الله إني ظللت صائماً فائذنْ لي فأفطر. فيأذن له، الرجل والرجل، حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله فتاتان من أهل ظلتا صائمتين وإنهما تستحييان أن تأتياك فأذن لهما فلتُفطرا. فأعرض عنه. ثم عاوده فأعرض عنه، ثم عاوده فأعرض عنه، ثم عاوده فأعرض عنه. فقال: «إنهما تصوما وكيف صام من ظل هذا اليوم يأكل لحوم الناس؟ اذهب فمُرهما إن كانتا صائمتين فلتستقيئا» فرجع إليهما فأخبرهما استقاءتا، فقاءت كل واحدة علقة من دم. فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: «والذي نفسي بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار» وأخرجه أحمد وابن أبي الدنيا أيضاً والبيهقي من رواية رجل لم يُسمَّ عن عُبَيد مولى رسول الله ﷺ بنحوه؛ إلا أن أحمد قال: فقال لإحداهما: «قيئي» ، فقاءت قيحاً ودماً وصديداً ولحماً حتى ملأت نصف القدح، ثم قال للأخرى: «قيئي» ، فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتى ملأت القدح. ثم قال: «إنَّ هاتين صامتا عما أحلَّ الله لهما وأفطرنا على ما حرّم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان من لحوم الناس» كذا في الترغيب. قصة أبي بكر وعمر مع رجل كان يخدمهما وأخرج الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المختارة عن أنس بن مالك

стр. 1183

رضي الله عنه قال: كانت العرب تخدم بعضهما بعضاً في الأسفار، كان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهمارجل يخدمهما، فناما فاستيقظا ولم يهيىء لهما طعاماً. فقالا: إن هذا لنؤوم فأيقظاه، فقالا له: ائت رسول الله ﷺ فقل له: إن أبا بكر وعمر يُقرئانك السلام ويستأدمانك. فقال ﷺ «إنهما قد ائتدما» ، فجاءا فقالا: يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا؟ فقال ﷺ «بلحم أخيكما والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما» فقالا ﵄: استغفر لنا يا رسول الله، فقال ﷺ «مُراه فليستغفر لكما» كذا في التفسير لابن كثير. التجسس على عورات المسلم انصراف عمر عن الشَّرْب وتركهم أخرج عبد الرزاق وعبد بن حُمَيد والخرائطي عن المِسْور بن مَخْرَمة عن عبد الرحمن بن عوف أنه حرس مع عمر بن الخطاب ﵄ ليلةً المدينة، فبينما هم يمشون شبَّ لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، فلما دنوا منه إذاباب مُجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولَغَط. فقال عمر -وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف -: أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خَلَف وهم الآن شَرْب فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ (سورة الحجرات: الآية: ١٢) فقد تجسسنا فانصرف عنهم عمر ﵁ وتركهم.

стр. 1184

قصة عمر مع رجل ومع جماعة في هذا الشأن وأخرج ابن المنذر وسعيد بن منصور عن الشَّعْبي أن عمر بن الخطاب ﵁ فقد رجلاً من أصحابه، فقال لابن عوف ﵁: انطلق بنا إلى منزل فلان فننظر، فأتيا منزله فوجدا بابه مفتوحاً وهو جالس وامرأته تصب له في الإناء فتناوله إياه، فقال عمر لابن عوف: هذا الذي شغله عنا. فقال ابن عوف لعمر: وما يُدريك ما في الإِناء؟ فقال عمر: أتخاف أن يكون هذا هو التجسس؟ قال: بل هو التجسس. قال: وما التوبة من هذا؟ قال: لا تُعلمه بما اطَّلعت عليه من أمره، ولا يكونَنَّ في نفسك إلاَّ خيراً، ثم انصرفا. كذا في الكنز. وأخرج عبد الرزاق عن طاووس أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج ليلة يحرس رُفقة نزلت بناحية المدينة، حتى إذا كان في بعض الليل مر ببيت فيه ناس يشربون، فناداهم أفسقاً؟ أفسقاً؟ فقال بعضهم: قد نهاك الله عن هذا فرجع عمر وتركهم. كذا في الكنز. تسوّر عمر على المغني بيته وأخرج الخرائطي عن ثَوحر الكندي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يَعُس بالمدينة من الليل، فسمع صوت رجل في بيت يتغنَّى، فتسوَّر عليه فقال: يا عدو الله، أظننت أن الله يسترك وأنت في معصية فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل عليَّ؛ إن أكن عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث

стр. 1185

قال: «ولا تجسسوا» وقد تجسست. وقال: ﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِهَا﴾ (سورة البقرة، الآية: ١٨٩) وقد تسوَّرت عليَّ، ودخلت عليَّ بغير إذن وقال الله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ (سورة النور، الآية: ٢٧) قال عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: نعم، فعفا عنه وخرج وتركه. كذا في الكنز. قصته مع شيخ كبير في هذا الشأن وأخرج أبو الشيخ عن السُّدِّي قال: خرج عمر بن الخطاب ﵁ فإذا هو بضوء نار ومعه عبد الله بن مسعود ﵁ فأتْبَع الضوء حتى دخل داراً فإذا بسراج في بيت، فدخل وذلك في جوف الليل، فإذا شيخ جالس وبين يديه شراب وقَيْنة تغنِّيه، فلم يشعر حتى هجم عليه عمر، فقال عمر: ما رأيت كالليلة منظراً أقبح من شيخ ينتظر أجله فرفع رأسه إليه، فقال: بلى، يا أمير المؤمنين ما صنعت أنت أٌبح أتجسست وقد نُهي عن التجسس، ودخلت بغير إذن؟ فقال عمر: صدقت. ثم خرج عاضاً على ثوبه يبكي وقال: ثكلت عمر أمه إن لم يغفر له ربه، يجد هذا كان يستخفي به من أهله فيقول الآن رآني عمر فيتتابع فيه. وهجر الشيخ مجلس عمر حيناً، فبينا عمر بعد ذلك جالس إذ به قد جاء شبه المستخفي حتى جلس في أخريات الناس، فرآه عمر فقال: عليَّ بهذا اشيخ، فأُتي فقيل له: أجب، فقام وهو يرى أن عمر سيسوءه بما رأى منه، فقال عمر: ادنُ مني، فما زال يدنيه حتى أجلسه بجنبه، فقال: إدنِ مني أذنك، فالتقم أذنه فقال: أما والذي بعث محمداً

стр. 1186

بالحق رسولاً ما أخبرت أحداً من الناس بما رأيت منك ولا ابن مسعود فإنه كان معي، فقال: يا أمير المؤمنين أدنِ مني أذنك، فالتقم أذنه فقال: ولا أنا والذي بعث محمداً بالحق رسولاً ما عدت إليه حتى جلست مجلسي هذا، فرفع عمر صوته يكبِّر، فما يدري الناس من أي شيء يكبر. كذا في الكنز. قصته مع أبي محجن الثقفي وأخرج الطبراني عن أبي قِلابة أن عمر ﵁ حُدِّث أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر في بيته هو وأصحاب له، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إن هذا لا يحل لك قد نهاك الله عن التجسس؛ فقال عمر: ما يقول؟ فقال له زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن الأرقم ﵄: صدق يا أمير المؤمنين، هذا من التجسس، فخرج عمر وتركه. كذا في الكنزل. ستر المسلم ما أمر به عمر أهل فتاة في ذلك أخرج هَنَّاد والحارث عن الشَّعْبي أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إنَّ لي ابنة كنت وأدتها في الجاهلية فاستخرجنها قبل أن تموت، فأدركت معنا الإءْلام فأسلمت، فلما أسلمت أصابها حدٌّ من حدود الله تعالى، فأخذتِ الشفرة لتذبح نفسها فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها فداويناها حتى برئت، ثم أقبلت بعد بتوبة حسنة وهي تُخطب إلى قوم فأخبرتهم من شأنها بالذي كان، فقال عمر: أتعمِد إلى ما ستر الله فتبديه؟ والله لئن أخبرت بشأنها

стр. 1187

أحداً من الناس لأجعلنك نكالاً لأهل الأمصار، بل أنكْحْها نكاح العفيفة المسلمة. كذا في الكنز. وعند سعيد بن منصور والبيهقي عن الشَّعْبي أن جارية فَجَرت فأُقيم عليها الحد، ثم إنهم أقبلوا مهاجرين فتابت الجارية وحسنت توبتها، فكانت تُخطب إلى عمها فيكره أن يزوجها حتى يخبر بما كان من أمرها، وجعل يكره أن يُفشي ذلك عليها، فذكر أمرها لعمر بن الخطاب ﵁ فقال: زوِّجوها كما تزوِّجوا صالحي فتياتكم. كذا في الكنز. قصته والصبي الصغير والنسوة الأربع وأخرج البيهقي عن الشَّعبي قال: جاءت امرأة إلى عمر ﵁ فقالت: يا أمي المؤمنين إني وجدت صبياً ووجدت قُبْطية فيها مائة دينار، فأخذته واستأجرت له ظِئراً، وإن أربع نسوة يأتينه ويقبلنه لا أدري أيتهنَّ أمه؟ فقال لها: إذا هنَّ أتينك فأعلميني، ففعلت، فقال لامرأة منهن: أيتكن أم هذا الصبي؟ فقلت: والله ما أحسنت ولا أجملت يا عمر تعمد إلى امرأة ستر الله عليها فتريد أن تهتك سترها، قال: صدقت؛ ثم قال للمرأة: إذا أتينَك فلا تسأليهن عن شيء وأحسني إلى صبيهن، ثم انصرف. كذا في الكنز. أمر أنس بستر امرأة وأخرج عبد الرزاق عن صالح بن كرز أنه جاء بجارية له زنت إلى

стр. 1188

الحكم بن أيوب. قال: فبينا أنا جالس إذ جاء أنس بن مالك ﵁ فجلس، فقال: يا صالح ما هذه الجارية معك؟ قلت: جارية لي بغت فأردت أن أرفعها إلى الإِمام ليقيم عليها الحد، فقال: لا تفعل، ردَّ جاريتك واتَّقِ الله، واستر عليها، قلت: ما أنا بافعل؟ قال: لا تفعل وأطعني، فلم يزل يراجعني حتى رددتها. كذا في الكنز. قصة كاتب عقبة بن عامر مع جماعة كانوا يشربون الخمر وأخرج أبو داود والنِّسائي عن دُخَير أبي الهيثم كانت عُقبة بن عامر ﵁ قال: قلت لعقبة بن عامر إن لنا جيراناً يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط ليأخذوهم، قال: لا تفعل وعِظهم وهددهم، قال: إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داع لهم الشُرَط ليأخذوهم، فقال عقبة: ويحكم لا تفعل؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ستر عورة فكأنما استحيا مؤودة في قبرها» كذا في الترغيب وقال: رواه أبو داود والنِّسائي بذكر القصة وبدونها، وابن حبّان في صحيحه واللفظ له، والحاكم وقال: صحيح الإِسناد، قال المنذري: رجال أسانيدهم ثقات، ولكن اختلف فيه على إبراهيم بن نَشِيط اختلافاً كثيراً. ما وقع بين أبي الدرداء وابنه في أمر فسّاق دمشق . وأخرج البخاري في الأدب عن بلال بن سعد الأشعري أن معاوية -

стр. 1189

رضي الله عنه - كتب إلى أبي الدرداء ﵁: اكتب إليَّ فُساق دمشق، فقال: ما لي وفُسّاق دمشق ومن أين أعرفهم؟ فقال ابنه بلال: أنا أكتبهم، فكتبهم: قال: من أين علمت؟ ما عرفتَ أنهم فساق إلا وأنت منهم، ابدأ بنفسك، ولم يرسل بأسمائهم. ما وقع بين جرير وعمر في هذا الشأن وأخرج ابن سعد عن الشَّعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان في بيت ومعه جرير بن عبد الله ﵁، فوجد عمر ريحاً، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لمَّا قام فتوضأ، فقال جرير: يا أمير المؤمنين أو يتوضأ القوم جميعاً؟ فقال عمر: رحمك الله نعم السيد كنت في الجاهلية نعم السيد أنت في الإِسلام كذا في الكنز. الصفح والعفو عن المسلم قصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة أخرج البخاري عن علي ﵁ يقول: بعني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد ﵃ فاقل: «انطلقوا حتى تأتوا رَوضة خاخ فإنَّ بها ظَعينة معها كتاب فخذوه منها» ، فانطلقنا تَعادَى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا (لها) : أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي، فقلنا: لَتُخرِجِنَّ الكتاب أو لنُلقِينَّ الثياب؟ قال: فأخرجته من عِقاصها. فأتينا به

стр. 1190

رسول الله ﷺ فإذا فيه من حاطب بن أبي بَلتَعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال: «يا حاطب ما هذا؟» فقال: يا رسول الله لا تعجل عليَّ، إني كنت امرأ مُلصقاً في قريش - يقول: كنت حليفاً - ولم أكن من أنفُسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ «أما إنه قد صدقكم» ، فقال عمر: يا رسول الله دَعْني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلَّ الله قد اطَّلع على من شهد بدراً فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله سورة: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآء﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآء السَّبِيلِ﴾ (سورة الممتحنة، الآية:) . وأخرجه بقية الجماعة إلاَّ ابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. كذا في البداية. وعند أحمد من حديث جابر ﵁ فذكر الحديث وفيه قال: أما إني لم أفعله غشّاً لرسول الله ﷺ ولا نفاقاً، قد علمت أن الله مظهرٌ رسوله، ومتمٌّ له أمره، غير أني كنت غريباً بين ظهرانيهم، وكانت والدتي معهم، فأردت أن أتخذ يداً عندهم. فقال له عمر ﵁: ألا أضرب رأس هذا؟ فقال: «أتقتل رجلاً من أهل بدر؟ وما يدريك لعلَّ الله قد اطَّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم» تفرَّد بهذا الحديث من هذا الوجه الإِمام أحمد وإسناده على شرط مسلم. كذا في البداية، وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يَعْلَى ورجال

стр. 1191

أحمد رجال الصحيح. انتهى. وأخرجه الحاكم أيضاً كما في الكنز، وأخرجه أيضاً أبو يعلى والبزّار والطبراني عن عمر. قال الهيثمي: ورجالهم رجال الصحيح - اهـ. وأحمد وأبو يَعْلَى عن ابن عمر ﵄، ورجال أحمد رجال الصحيح، كما قال الهيثمي. قصة علي مع سارق وأخرج أبو يعلى عن أبي مطر: قال: رأيت علياً ﵁ أُتي برجل فقالوا: إنه قد سرق جملاً، فقال ما أراك سرقت؟ قال: بلى، قال: فلعله شُبِّه لك؟ قال: بلى قد سرقت، قال فاذهب به يا قَنْبر فشدَّ أصبعه وأوقد النار وادع الجزار ليقطع، ثم انتظر حتى أجيء. فلما جاء قال له: أسرقت؟ قال: لا، فتركه؛ قالوا: يا أمير المؤمنين لم تركته وقد أقرَّ لك؟ قال آخذه بقوله وأتركه بقوله، ثم قال علي ﵁: أُتي رسول الله ﷺ برجل قد سرق فأمر فقطع يده ثم بكى، فقلت: لم تبكي؟ قال: «كيف لا أبكي؟ وأمتي تقطع بين أظهركم» قالوا: يا رسول الله أفلا عفوت عنه؟ قال: «ذاك سلطان سوء الذي

стр. 1192

يفعو عن الحدود، ولكن تَعافَوا الحدود بينكم» . كذا في الكنز. ما أمر به ابن مسعود في سكران وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والطبراني والحاك والبيهقي عن أبي ماجد الحنفي أن ابن مسعود ﵁ أتاه رجل بابن أخيه وهو سكران فقال: إني وجدت هذا سكران، فقال: ترتروه، ومزمزوه، واستنهكوه، فترتروه ومزمزوه واستنهكوه، فوجدوا منه ريح شراب، فأمر به عبد الله إلى الجسن، ثم أخرجه من الغد، ثم أمر بسوط فدُقَّت ثمرته حتى آضَت له مخفقة - يعني صارت - ثم قال للجلاد: اضرب وأرجع يدك وأعط كل عضو حقه، فضربه عبد الله ضرباً غير مبرِّح وأرجعه. قيل يا أبا ماجد، ما المبرِّح؟ قال: ضرب الأمراء، قيل: فما قوله أرجع يدك؟ قال: لا يتمطَّى ولا يُرى إبطه، قال: فأقامه في قَباء وسراويل ثم قال: بئس لعمرو الله والي اليتيم هذا، ما أدبتَ فأحسنت الأدب، ولا سترت الخزية. ثم قال عبد الله: إن الله غفور يحب الغفور، وإنه لا ينبغي لوالٍ أني ؤتَي بحد إلا أقامه، ثم أنشأ عبد الله يحدِّث قال: أول رجل قُطع من المسلمين رجل من الأنصار أُتيَ به يا رسول الله، كأن هذا شق عليك؟ فقال النبي ﷺ «وما يمنعني وأنتم أعوان الشيطان على صاحبكم، إن الله غفور يحب العفو، وإنه لا ينبغي لوالٍ أن يُؤتى بحد إلا أقامه» . ثم قرأ: «وليعفوا وليصفحوا» . وعند عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب ﵁ قال: إن أول حد أقيم في الإسلام لرجل أتي به رسول الله ﷺ فشُهد عليه، فأمر به النبي ﷺ أن يقطع، فلما حُدَّ الرجل نُظر إلى وجه رسول الله ﷺ كأنام سخفي فيه الرماد، فقالوا:

стр. 1193

يا رسول الله كأنه اشتدَّ عليك قَطع هذا؟ قال: «وما يمنعني وأنتم أعوان الشيطان على أخيكم» ، قالوا: فأرسله، قال: فهلاَّ قبل أن تأتيني به، إن الإِمام إذا أتي له بحدَ لم ينبغ له أن يعطِّله» . كذا في الكنز (٣٨٣ و٨٩) . قصة أبي موسى في جلده شارب خمر وكتاب عمر إليه وأخرج البيهقي عن ابن عمر ﵄ قال: كنت مع عمر في حج أو عمرة، فإذا نحن براكب، فقال عمر: أرى هذا يطلبنا، فجاء الرجل فبكى، قال: ما شأنك؟ إن كنتَ غارماً أعنّاك، وإن كنت خائفاً آمنّاك؛ إلا أن تكون قتلت نفساً فتقتل بها، وإن كنت كرهت جوار قوم حوَّلناك عنهم. قال: إني شربت الخمر وأنا أحد بني تَيْم، وإنَّ أبا موى جلدني وحلقني سوَّد وجهي وطاف بي الناس، وقال: لا تجالسوه ولا تواكلوه، فحدَّثت نفسي بإحدى ثلاث: إما أن أتخذ سيفاً فأضرب به أبا موسى، وإما أن أتيك فتحوِّلني إلى الشام فإنهم لا يعرفونني، وإما أن ألحق بالعدو فآكل معهم وأشرب.j فبكى عمر وقال: ما يسرني أنك فعلت وإن لعمر كذا وكذا، وإني كنت لأشرَبُ الناس

стр. 1194

لها في الجاهلية، وإنها ليست كالزنى، وكتب إلى أبي موسى: سلام عليك. أما بعد: فإن فلان بن فلان التَيْمي أخبرني بكذا وكذا، وايْمُ الله إني إن أعدتَ لأسودنَّ وجهك ولأطوفنَّ بك في الناس، فإن أردت أن تعلم حقَّ ما أقول لك فعُد فأمر الناس أن يجالسوه ويواكلوه، فإن تاب فاقبلوا شهادته» . وحمله وأعطاه مائتي درهم. كذا في الكنز. تأويل فعل المسلم قصة خالد بن الوليد ومالك بن نويرة أخرج ابن سعد عن أبي عَون وغيره أن خالد بن الوليد ﵁ ادَّعى أن مالك بن نُوَيرة ارتد بكلام بلغه عنه، فأنكر مالك ذلك وقال: أنا على الإِسلام ما غيَّرت ولا بدّلت، وشهد له أبو قتادة وعبد الله بن عمر ﵃ فقدَّمه خالد وأمر ضرار بن الأزوَر الأسدي ﵁ فضرب عنقه، وقبض خالد امرأته أم مُتَمِّم فتزوجها. فبلغ عمر بن الخطاب قتلُه مالك بن نُوَيرة وتزويجه امرأته، فقال لأبي بكر ﵁: إنه قد زنى فارجمه، فقال أبو بكر ما كنت لأرجهم تأوَّل فأخطأ. قال: فإنه قد قتل مسلماً فاقتله، قال: ما كنت لأقتله تأوَّل فأخطأ. قال: فاعزله، قال: ما كنت لأشيم سيفاً سلَّه الله عليهم أبداً. كذا في الكنز.

стр. 1195

بغض الذنب لا المذنب نهي أبي الدرداء وابن مسعود عن سبَّ المذنب أخرج ابن عساكر عن أبي قلابة أن أبا الدرداء ﵁ مرّ على رجل قد أصاب ذنباً فكانوا يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا: أفلا تُبغضه؟ قال: إنما أُبغض عمله، فإذا تركه فهو أخيه. كذا في الكنزل، وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن أبي قلابة مثله، وأخرج أيضاً عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا رأيتم أخاكم قارف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه تقولوا: الهلمَّ اخزه، اللهم العنه، ولكن سَلُوا الله العافية، فإنا أصحابَ محمد ﷺ كنا لا نقول في أحد شيئاً حتى نعلم علامَ يموت، فإن خُتم له بخير علمنا أنه قد أصاب خيراً، وإن خُتم له بشر خفنا عليه. سلامة الصدر من الغش والحسد قصة عبد الله بن عمرو ورجل بشَّره ﵇ بالجنة أخرج أحمد بإسناده حسن والنِّسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنَّا جلوساً مع رسول الله ﷺ فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة» ، فطلع رجل من الأنصار تَنْطُف لحيته من وَضوئه، قد علَّق نعلَيه بيده
следующие страницы →