← История

История · id 8528

حياة الصحابة

محمد يوسف الكاندهلوي

Полный текст (1 779 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

صبر معاذ وأهله على الطاعون وأخرجه ابن خزيمة وابن عساكر عن عبد الرحمن بن غنم قال: وقع الطاعون بالشام فقال عمرو بن العاص ﵁: إن هذا الطاعون رجس ففروا منه في الأودية والشِّعاب، فبلغ ذلك شُرَحبيل بنحسنة ﵁، فغضب وقال: كذب عمرو بن العاص، لقد صحبت رسول الله ﷺ وعمرو أضلُّ من جمل أهله، إنَّ هذا الطاعون دعوة نبيكم، ورحمة ربكم، ووفاة الصالحين قبلكم. فبلغ ذلك معاذاً ﵁ فقال: اللهمّ اجعل نصيب آل معاذ الأوفر، فماتت ابنتاه، وطُعن ابنه عبد الرحمن، فقال: الحقُّ من ربك فلا تكوننّ من الممترين، فقال: ستجدني إن شاء الله من الصابرين. وطُعن معاذٌ في ظهر كفه، فجعل يقول: هي أحبُّ إليّ من حمر النَّعم، ورأى رجلاً يبكي عنده فقال: ما يبكيك؟ قال: على العلم الذي كنت أصيبه منك، قال: فلا تبكِ فإن إبراهيم كان في الأرض وليس بها عالم، فآتاه الله علماً، فإذا مت فاطلب العلم عند أربعة: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وسلم ان، وأبي الدرداء ﵃. كذا في الكنز، وأخرجه أحمد عن عبد الرحمن بن غنم مختصراً والبزّار عنه مطوِّلاً، كما ذكر الهيثمي وقال: أسانيد أحمد حسان صحاح. اهـ. وأخرجه الحاكم وأبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن مختصراً ولفظ

стр. 1402

أبي نعيم: قال طُعن معاذ وأبو عبيدة وشرحبيل ابن حسنة وأبو مالك الأشعري ﵃ في يوم واحد فقال معاذ: إنَّه رحمة ربكم ، ودعوة نبيكم ﷺ وقبض الصالحين قبلكم، اللهمَّ آتِ آلَ معاذ النصيب الأوفر من هذه الرحمة، فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بِكره الذي كان يكنى به وأحب الخلق إليه، فرجع من المسجد فوجده مكروباً، فقال: يا عبد الرحمن كيف أنت؟ فاستجاب له، فقال: يا أبتِ الحقُّ من ربِّك فلا تكوننَّ من الممترين، فقال معاذ: وأنا إن شاء الله ستجدني من الصابرين، فأمسكه ليله، ثم دفنه من الغد، فطُعن معاذ فقال حين اشتد به النَّزع: نزع الموت، فنزع نزعاً لم يُنزعه أحد، وكان كلما أفاق من غمرة فتح طرفه ثم قال: ربِّ اخنقني خنقتك، فوعزَّتك إنك لتعلم أنَّ قلبي يحبك وأخرجه أحمد عن أبي منيب مختصراً ورجاله ثقات وسنده متصل، كما قال الهيثمي. صبر أبي عبيدة والمسلمين على الطاعون وأخرجه ابن إسحاق عن شَهْر بن حَوْشَب عن رابة - رجل من قومه - قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة ﵁ في الناس خطيباً فقال: أيها الناس، إنَّ هذا الوجع رحمةٌ بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة حظَّه.p فطُعن فمات، واستخلف على الناس معاذ بن جبل ﵁، فقام خطيباً بعده فقال: أيّها الناس، وإنَّ هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإنَّ معاذاً يسأل الله تعالى أن يقسم لآل معاذ حظَّهم، فطُعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم

стр. 1403

قام فدعا لنفسه فطُعن في راحته، فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلِّب ظهر كفه، ثم يقول: ما أحبُّ أنَّ لي بما فيك شيئاً من الدنيا؛ فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص ﵁، فقام فيهم خطيباً فقال أيها الناس إنَّ هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتحصنوا منه في الجبال، فقال أبو واثلة الهذلي ﵁: كذبت، والله لقد صحبت رسول الله ﷺ وأنت شر من حماري هذا فقال: والله ما أردُّ عليك ما تقول، وايم الله لا نقيم عليه قال: ثم خرج وخرج الناس فترقوا ودفعه الله عنهم، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ من رأى عمرو بن العاص، فوالله ما كرهه. كذا في البداية. قول معاذ في طاعون عمواس وأخرج أحمد عن أبي قلابة أنا لطاعون وقع بالشام فقال عمرو بنالعاص ﵁: إنَّ هذا الرجز قد وقع فتفرقوا عنه في الشِّعاب والأودية، فبلغ ذلك معاذاً ﵁ فلم يصدقه بالذي قال، قال فقال: بل هو شهادة ورحمة، ودعوة نبيكم ﷺ اللهمَّ إعطِ معاذاً وأهله نصيبهم من رحمتك، قال أبو قلابة: فعرفت الشهادة، وعرفت الرحمة، ولم أدر ما دعوة نبيكم حتى أُنبئت أن رسول الله ﷺ بينا هو ذات ليلة يصلِّي إذ قال في دعائه: «فحمَّى إذاً أو طاعوناً» - ثلاث مرات -، فلما أصبح قال له إنسان من أهله: يا رسول الله لقد سمعتك الليلة تدعو بدعاء، قال: «وسمعته» ؟ قال: نعم، قال: «إنِّي سألت

стр. 1404

ربي أن لا يهلك أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلِّط عليهم عدواً يبيدهم، وسألته أن لا يُلبِسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فأبى عليَّ - أو قال: فمُنعت - فقلت: حمى إذاً أو طاعوناً» - يعني ثلاث مرات، قال الهيثمي. رواه أحمد. وأبو قلابة لم يدرك معاذ بنجبل. انتهى. فرح أبي عبيدة بالطاعون وأخرج ابن عساكر عن عروة بن الزبير ﵁ أن وجع عمواس كان معافًى منه أبو عبيدة بن الجراح ﵁ ثم أهله، فقال: اللهمَّ نصيبك في آل (أبي) عبيدة، فخرجت بأبي عبيدة في خنصره بثرة، فجعل ينظر إليها فقيل إنها ليست بشيء، فقال: إني أرجو أن يبارك الله فيها، فإنه إذا بارك في القليل كان كثيراً. وعنده أيضاً عن الحارث ابن عميرة الحارثي أن معاذ بن جبل ﵁ أرسله إلى أبي عبيدة ابن الجراح يسأله كيف هو؟ - وقد طُعن - فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت في كفِّه، فتكاثر شأنها في نفس الحارث، وفرق منها حين رآها، فأقسم أبو عبيدة بالله ما يحب أن له مكانها حُمْر النَّعم. كذا في المنتخب. الصبر على ذهاب البصر صبر أصحاب النبي ﷺ على ذهاب بصرهم صبر زيد بن أرقم ﵁ على فقد بصره أخرج البخاري في الأدب (ص٧٨) عن زيد بن أرقم ﵁ يقول: رمدت

стр. 1405

عيني، فعادني النبي ﷺ ثم قال: «يا زيد، لو أن عنيك لِمَا بها كيف كنت تصنع» ؟ قال: كنت أصبر وأحتسب، قال: «لو أنَّ عينك لما بها ثم صبرت واحتسبت كان ثوابك الجنة» . وعند أحمد عن أنس ﵁ قال: دخلت مع النبي ﷺ نعود زيد بن أرقم وهو يشتكي عينيه، فقال له: «يا زيد لو كان بصرك لما به وصبرت واحتسبت لتلقينَّ الله ليس عليك ذنب» قال الهيثمي: وفيه الجُعفي وفيه كلام كثير وقد وثَّقه الثوري وشعبة - انتهى. وعند أبي يعلى وابن عساكر عن زيد بن أرقم ﵁ النبي ﷺ خل عليه يعوده من مرض كان به فقال: «ليس عليك من مرضك هذا بأس، ولكن كيف بك إذا عُمِّرت بعدي فعُميت؟» قال: إذاً أصبر واحتسب، قال: «إذاً تدخل الجنة بغير حساب» ، فعمي بعد ممات النبي ﷺ وأخرجه البيهقي عن زيد بمعناه، كما في الكنز، وأخرجه الطبراني في الكبير عن زيد نحوه وزاد: فعمي بعدما مات النبي ﷺ ثم ردَّ الله إليه بصره، ثم مات ﵀. قال الهيثمي ونباتة بنت برير بن حماد لم أجد من ذَكَرها.

стр. 1406

صبر أحد الأصحاب على فقد بصره وأخرج البخاري في الأدب (ص٧٨) عن القاسم بن محمد أن رجلاً من أصحاب محمد ﷺ ذهب بصره فعادوه فقال: كنت أريدهما لأنظر إلى النبي ﷺ فأما إذا قُبض النبي ﷺ فوالله ما يسرني أن ما بهما بظبي من ظِباء تَبالة. وأخرجه ابن سعد عن القاسم نحوه. الصبر على موت الأولاد والأقارب والأحباب صبر سيدنا محمد رسول الله ﷺ على موت ابنه إبراهيم أخرج ابن سعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت إبراهيم وهو يَكِيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنَّا بك لمحزونون» . وعنده أيضاً عن مكحول قال: دخل رسول الله ﷺ وهو معتمد على عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم يجود بنفسه، فلما مات دمعت عينا رسول الله ﷺ فقال له عبد الرحمن: أيْ رسول الله هذا الذي تنهي الناس عنه متى يرك المسلمون تبكي يبكوا قال: فلما شُريت عنه عبرته، قال: «إنَّما هذا رُحْم، وإن من لا يَرحم لا يُرحم، إنَّما ننهي الناس عن النياحة، وأن يُندب الرجل بما ليس فيه» ثم قال: «لولا أنه وعدٌ جامع، وسبيل مئتاء وأن آخرنا لاحق

стр. 1407

بأولنا، لوجدنا عليه وَجداً غير هذا، وإنا عليه لمحزنون، تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وفَضْل رضاعة في الجنة» . وأخرجه أيضاً عن عبد الرحمن بن عوف أطول منه بمعناه. صبره ﵇ على موت ابن بنت له وأخرجه الطيالسي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو عَوانة وابن حِبَّان عن أسامة بن زيد ﵁ قال: كان عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبياً لها في الموت، فقال للرسول: «ارجع إليها فأخبرها أنَّ الله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها فلتصبر ولتحتسب» فعاد الرسول فاقل: إنها قد أقسمت لتأتينَّها، فقام النبي ﷺ وقام معه سد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵃ ورجال، وانطلقت معهم، فرُفع إلى رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تَقَعْقَع كأنها في شَنْ، ففاضت عيناه فقال له سعد: ما هذا يا رسول

стр. 1408

الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» . كذا في الكنز. صبره ﵇ على موت عمه حمزة وأخرج البزار والطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب ﵁ حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه - أو أوجع لقلبه منه -، ونظر إليه وقد مُثِّل به، فقال: «رحمة الله عليك، إن كنتَ ما علمتُ لوصولاً للرحم، فعولاً للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها -. أما والله على ذلك لأمثلنَّ بسبعين كميتتك» فنزل جبريل ﵇ على محمد ﷺ بهذه السورة وقرأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (سورة النحل، الآية: ١٢٦) - إلى آخر الآية -، فكفَّر رسول الله ﷺ وأمسك عن ذلك. وفيه صالح بن بشير المرِّي وهو ضعيف، كما قال الهيثمي، وأخرجه الحاكم بهذا الإِسناد نحوه. وعند الطبراني عن ابنع باس ﵄ قال: لما وقف رسول الله ﷺ على حمزة ﵁ نظر إلى ما به فقال: «لولا أن يحزن نساؤنا ما غيبته، ولتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير يبعثه الله ممَّا

стр. 1409

هنالك» قال: وأحزنه ما رأس به فقال: «لئن ظفرت بهم لأمثلنَّ بثلاثين رجلاً منهم» فأنزل الله في ذلك ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّابِرينَ﴾ - إلى قوله ﴿يَمْكُرُونَ﴾ ، ثم أمر به فهيىء إلى القبلة، ثم كبَّر عليه تسعاً، ثم جمع إليه الشهداء كلما أتي بشهيد وضع إلى جنبه فصلَّى عليه وعلى الشهداء اثنتين وسبعين صلاة، ثم قام على أصحابه حتى وارهم؛ ولما نزل القرآن عفا رسول الله ﷺ وتجاوز وترك المُثَل. وفيه أحمد بن أيوب بن راشد وهو ضعيف. قاله الهيثمي. حزنه ﵇ على زيد بن حارثة وأخرج ابن أبي شيبة وابن مَنيع والبزار والباوَرْدي والدارقطني في الأفراد وسعيد بن منصور عن أسامة بن زيد ﵁ قال: لما قُتل أبي أتيت النبي ﷺ فلما رآني دمعت عيناه، فلما كان من الغد أتيته فقال: «ألاقي منك اليوم ما لاقيت منك أمس» . كذا في المنتخب؛ وعند ابن سعد عن خالد بن شُمَير قال: لما أصيب زيد بن حارثة ﵁ أتاهم النبي ﷺ قال: فجهَشتْ بنت زيد في وجه رسول الله ﷺ تحى انتحب، فقال له سعيد بن عبارة ﵁: يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا شوق الحبيب إلى حبيبه» . حزنه ﵇ على عثمان بن مظعون وأخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قبَّل النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1410

عثمان بن مظعون ﵁ وهوميت وهو يبكي وعيناه تذرفان. كذا في الإِصابة؛ وأخرجه ابن سعد عن عائشة نحوه، وفي روايته قال: فرأيت دموع النبي ﷺ تسيل على خدِّ عثمان بن مظعون. صبر أصحاب النبي ﷺ على الموت صبر أم حارثة على موت ابنها أخرج الشيخان عن أنس ﵁ أن حارثة بن سراقة ﵁ قتل يوم بدر وكان النظارة، أصابه سهم غَرب فقتله، فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإلاَّ فليَرَينَّ الله أصنع - يعني من النياح وكانت لم تحرم بعد - فقال لها رسول الله ﷺ «ويحك أهَبِلْتِ؟ إنها جنان ثمان، وإنَّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى» . كذا في البداية؛ وأخرجه البيهقي عن أنس نحوه وفي رواية: فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه البكاء، قال: يا أم حارثة إنَّها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» . وأخرجه ابن أبي شيبة، كما في الكنز، والحاكم وابن سعد عن أنس بمعناه

стр. 1411

والطبراني كما في الكنز عن حصن بن عوف الخثعمي ﵁ بمعناه وفي حديثه قال: «يا أم حارثة إنَّها ليست بجنة واحدة ولكنها جنان كثيرة وهو في الفردوس الأعلى» ، قالت: فسأصبر. وأخرجه ابن النجار عن أنس مطوَّلاً، كما في الكنز، وفي حديثه: فقالت: يا رسول الله إنّ يكن في الجنة لم أبكِ ولم أحزن، وإن يكن في النار بكيت ما عشت في الدنيا، فقال: «يا أم حارث - أو حارثة - إنها ليست بجنة ولكنها جنة في جنات، والحارث في الفردوس الأعلى» ، فرجعت وهي تضحك وتقول: بخٍ بخٍ يا حارث. صبر أُم خلاد على ابنها وأخرج ابن سعد عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس ﵁ قال: قتل يوم قريظة رجل من الأنصار يدعى خلاَّداً ﵁ قال؛ فأتيت أُمه فقيل لها: يا أُم خلاَّد قُتل خلاَّد، قال: فجاءت متنقِّبة فقيل لها: قُتل خلاَّد وأنت متنقِّبة قالت: إن كنت رُزئت خلاَّداً قلا أُرزأ حيائي، فأُخبر النبي ﷺ بذلك فقال: «أما إنَّ له أجر شهيدين» ، قال: قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ فقال: «لأن أهل الكتاب قتلوه» وأخرجه أبو نعيم عن عبد الخير بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده، كما في الكنز؛ وأخرجه أيضاً أبو يَعْلى من طريق عبد الخير ابن قيس بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جدِّه نحوه، كما في الإِصابة، وقال: قال ابن منده: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. اهـ.

стр. 1412

صبر أبي طلحة وأُم سليم على فَقْد ولدهما وأخرج البزار عن أنس ﵁ قال: جاءت أُم سُلَيم ﵂ إلى أبي أنس فقالت: جئت اليوم بما تكره، فقال: لا تزالين تجيئين بما أكره من عند هذا الأعرابي، قالت: كان أعرابياً اصطفاه الله واختاره وجعله نبياً، قال: ما الذي جئت به؟ قالت: حُرِّمت الخمر، قال: هذا فراق بيني وبينك، فمات مشركاً، وجاء أبو طلحة ﵁ إلى أُم سليم قالت: لم أكن أتزوج وأنت مشرك، قال: لا والله ما هذا دهرك، قالت: فما دهري؟ قال: دهرك في الصقراء والبيضاء، قالت: فإني أشهدك وأشهد نبيَّ الله ﷺ أنك إن أسلمت فقد رضي بالإِسلام منك، قال: فمن لي بهذا؟ قالت: يا أنس قم فانطلق مع عمك، فقام، فوضع يده على عاتقي فانطلقنا حتى إذا كنا قريباً من نبي الله ﷺ فسمع كلامنا، فقال: «هذا أبو طلحة بين عينيه عزَّة الإِسلام» فسلَّم على نبي الله ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فزوَّجه رسول الله ﷺ على الإِسلام، فولدت له غلاماً، ثم إن الغلام دَرَج وأعجب به أبوه، فقبضه الله ﵎، فجاء أبو طلحة فقال: ما فعل ابني يا أُم سُليم؟ قالت: خير ما كان، فقالت: ألا تتغدَّى قد أخَّرتُ غداك اليوم؟ قالت: فقدَّمت إليه غداءه فقلت: يا أبا طلحة عارية استعارها قوم وكانت العارية عندهم ما قضى الله، وإن أهل العارية أرسلوا إلى عاريتهم فقبضوها ألهم أن يجزعوا؟ قال: لا، قالت: فإن ابنك قد فارق الدنيا، قال: فأين هو؟ قالت: ما هو ذا في المخدع، فدخل فكشف عنه واسترجَع، فذهب إلى رسول الله ﷺ فحدصثه بقول أُم سُلَيم فقال: «والذي بعثني بالحق لقد قذف الله ﵎ في رحمها ذكراً لصبرها على ولدها» قال: فوضعته، فقال نبي الله ﷺ «اذهب

стр. 1413

يا أنس إلى أُمك فقل لها: إذا قطغتِ سَرَر ابنك فلا تذيقيه شيئاً حتى ترسلي به إليَّ» قال: فوضعته على ذراعي حتى أتيت به رسول الله ﷺ فوضعته بين يديه، فقال: «ائتني بثلاث تمرات عجوة» قال: فجئت بهن فقذف نواهن ثم قذفه في فيه فلاكه، ثم فتح فاه الغلام فجعله في فيه، فجعل يتلمظ فقال: «أنصاري يحب التمر» ، فقال: «ذاهب إلى أُمك فقل: بارك الله لك فيه وجعله بَرَّاً تقياً» قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن منصور الرمادي وهو ثقة، وفي رواية للبزار أيضاً قالت له: أتزوجك وأنت تعبد خشبة جرها عبدي فلان - فذكر الحديث ورجاله رجال الصحيح - انتهى، وأخرجه ابن سعد عن أنس بدون ذكر قصة إسلام أبي طلحة. وعند البخاري عن أنس ﵁ قال: كان ابن لأبي طلحة ﵁ يشتكي، فخرج أبو طلحة فقُبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أُم سُلَيم: هو أسكن ما كان، فقربت إليه العشاء فتعشَّى، ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح (أتى) أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: «أعرستم الليلة؟» قال: نعم، قال: «اللهمَّ بارك لهما» فولدت غلاماً، قال لي أبو طلحة: احفظه حتى تأتي به النبي ﷺ فأتى به النبي ﷺ وأرسلت معه بتمرات فأخذه النبي ﷺ فقال: «أمعه شيء؟» قالوا: نعم تمرات، فأخذها النبي ﷺ فمضغها، ثم أخذ مَن فيه فجعلها في في الصبي وحنَّكه به وسمَّاه عبد الله. وفي رواية أخرى عنده: فقَال

стр. 1414

رسول الله ﷺ «لعل الله أن يبارك لهما في ليلتهما» قال سيفيان: فقال رجل من الأنصار: فرأيت (لهما) تِسعة أولاد كلهم قد قرآ القرآن. صبر أبي بكر الصديق على موت ابنه عبد الله وأخرج الحاكم عن القاسم بن محمد قال: رُمي عبد الله بن أبي بكر ﵄ بسهم يوم الطائف، فانتقضت به بعد وفاة رسول الله ﷺ بأربعين ليلة فمات، فدخل أبو بكر على عائشة ﵂ فقال: أي بنية والله لكأنما أُخذ بأُذن شاة فأخرجت من دارنا. فقالت: الحمد لله الذي ربط على قلبك وعز لك على رشدك، فخرج ثم دخل فقال: أي بنية أتخافون أن تكونوا دفنتم عبد الله وهو حي؟ فقالت: وإنا لله وإنا إليه راجعون يا أبت، فقال: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أي بنية إنه ليس أحد إلا وله لمَتان: لمة من المَلَك، ولمة من الشيطان، قال: فقدم عليه وفد ثقيف ولم يزل ذلك السهم عنده، فأخرج إليهم فقال: هل يعرف هذا السهم منكم أحد؟ فقال سعد بن عبيد أخو بني العجلان: هذا سهم أنا بريته ورشته وعقبته وأنا رميت به، فقال أبو بكر: فإن هذا السهم الذي قتل عبد الله بن أبي بكر، فالحمد لله الذي أكرمه بيدك ولم يهنك بيده فإنه واسع الحمى، وأخرجه البيهقي نحوه وفي روايته: ولم يهنك بيده فإنه أوسع لكما. صبر عثمان وأبي ذر في هذا الأمر وأخرجه ابن سعد عن عمرو بن سعيد ﵁ قال: كان عثمان رضي الله عنه

стр. 1415

إذا ولد له ولد دعا به وهو في خِرقة فشمَّه، فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال: إني أُحب إن أصابه شيء يكون قد وقع له فيقلبي شيء - يعني الحب -. كذا في الكنز، وأخرجه أبو نُعَيم عن أبي ذر ﵁ أنه قيل له: إنك امرؤ ما يبقى لك ولد، فقال: الحمد لله الذي يأخذهم في دار الفناء ويدَّخرهم في دار البقاء. كذا في الكنز. صبر عمر على موت أخيه زيد وأخرج الحاكم عن عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ﵁ قال: كان عمر يصاب بالمصيبة فيقول: أُصبت بزيد بن الخطاب فصبرت. وأبصر عمر ﵁ قاتل أخيه زيد فقال له: ويحك لقد قتلت لي أخاً ما هبَّت الصَّبا إلا ذكرته. وأخرجه البيهقي عن عبد الرحمن بن زيد مثله. صبر صفية على موت أخيها حمزة وأخرجه الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: لما قُتل حمزة ﵁ أقبلت صفية ﵂ تطلبه لا تدري ما صنع، فلقيت علياً والزبير ﵄ فقال علي للزبير: اذكر لأُمك، وقال الزبير لعلي: لا، اذكر أنت لعمتك. قالت: ما فعل حمزة؟ فأرياها أنهما لا يدريان، فجاءت النبي ﷺ فقال: «إني أخاف على عقلها» فوضع يده على صدرها ودعا، فاسترجعتْ وبكتْ، ثم جاء فقام عليه وقد مُثِّل به فقال: «لولا جزع النساء

стр. 1416

لتركته حتى يُحصَّل من حواصل الطير وبطون السباع» ، ثم أمر بالقتلى فجعل يصلِّي عليهم، فيضع تسعة وحمزة ﵃ فيكبر عليهم سبع تكبيرات، ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يؤتوا بتسعة فيكبر عليهم بسبع تكبيرات، ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يؤتوا بتسعة فيكبر عليهم سبع تكبيرات حتى فرغ منهم. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة والطبراني نحوه عن ابن عباس، كما في المنتخب، والبزَّار كما في المجتمع وقال: في إسناده البزار والطبراني يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. وعند البزار وأحمد وأبي يعلى عن الزبير بن العوام ﵁ أنه لما كان يوم أُحُد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي ﷺ أن تراهم، فقال: المرأة المرأة. وقال الزبير: فتوسَّمتُ أنها أُمي صفية، قال: فخرجت أسعى إليها، قال: فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلَدَمت في صدري - وكانت امرأة جَلْدة قالت: إليك عني لا أرض لك، فقالت: إن رسول الله ﷺ عزم عليك، قال: فوقفتْ وأخرجتْ ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقل بلغني مقتله فكفِّنوه فيهما، قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من

стр. 1417

الأنصار قتيل فُعل (به) كما فعل بحمزة، قال: فوجدنا غضاضة وحياء أن يكقِّن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقدَّرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما قكقَّنَّا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له. قال الهيثمي: وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف وقد وُثِّق. انتهى. وعند ابن إسحاق في السيرة عن الزّهْري وعاصم بن عمر بن قتادة ومحمد بن يحيى وغيرهم عن قتل حمزة ﵁ قال: فأقبلت صفية بنت عبد المطلب ﵂ لتنظر إلى أخيها، فلقيها الزبير ﵁ فقال: أيْ أُمه إنَّ رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، قالت: ولمَ وقد بلغني أنه مُثِّل بأخي؟ وذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك؟ لأصبرنَّ وأحتسبنَّ إن شاء الله، فجاء الزبير فأخبره فقال: «خلِّ سبيلها» قأتت إليه واستغفرت له ثم أمر به فدفن. كذا في الإِصابة. صبر أُم سلمة على وفاة زوجها وأخرج أحمد عن أُم سلمة ﵂ قالت: أتاني أبو سلمة ﵁ يوماً من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت (من) رسول الله ﷺ قولاً سُررت به، قال: «لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهمَّ آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا فُعل

стр. 1418

به» ، قالت أُم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللَّهمَّ آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.l ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عِدَّتي استأذن عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهاباً لي، فغسلت يديَّ من القَرِظ وأَذنت له، فوضعت له وسادة أَدَم حشوها ليف فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة؛ ولكني امرأة بي غَيْرة شديدة فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: «أما ما ذكرتِ من الغَيرة فسيُذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السنِّ فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي» ، فقالت: فقد سلَّمت لرسول الله، فقالت أُم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه رسول الله ﷺ ورواه النسائي وابن ماجه والترمذي وقال: حسن غريب. كذا في البداية، وأخرجه ابن سعد (٨٦٣/ ٦٤) . صبر أسيد بن حُضَير على موت زوجته وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والشاشي وابن عساكر عن عائشة رضي

стр. 1419

الله عنها قالت: قَدِمنا من حج أو عمرة فتُلقِّينا بذي الحُليفة، وكان غلمان الأنصار يتلقون أهليهم، فلقوا أُسيد بن حُضَير ﵁ فنَعَوا له امرأته، فتقنَّع وجعل يبكي، فقلت: غفر الله لك أنت صاحب رسول الله ولك من السابقة والقدم ما كل وما أنت تبكي على امرأة؟ قالت: فكشف رأسه، قال: صدقت لعمري ليحق أن لا أبكي على أحد بعد سعد بن معاذ وقد قال له رسول الله ﷺ ما قال قلت: وما قال له رسول الله ﷺ قال: قال: «لقد اهتزَّ العرش لوفاة سعد بن معاد» قلت: وهو يسير بيني وبين رسول الله ﷺ كذا في الكنز؛ وأخرجه ابن سعد والحاكم عن عائشة نحوه، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه، وقال الذهبي: صحيح؛ وأخرجه أبو نعيم أيضاً عن عائشة نحوه، كمافي الكنز إلا أنه وقع عنده: قال: أفيحق لي أن لا أبكي وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اهتزَّ العرش أعواده لموت سعد بن معاذ» . وعند الطبراني كما في المجمع فقال: وما لي لا أبكي وقد سمعت - فذكره، وقال: وأسانيدها كلها حسنة. صبر ابن مسعود على موت أخيه عتبة وأخرجه أبو نُعيم في الحلية عن عون قال: لما أتت عبد الله - يعني ابن مسعود ﵁ وفاة عتبة ﵁ يعني أخاه - بكى فقيل له: أتبكي؟ قال: كان أخي في انسب، وصاحبي مع رسول الله ﷺ وما أحب

стр. 1420

مع ذلك أن كنتب قبله. أن يموت فأحتسبه أحب إليَّ من أن أموت فيحتسبني. وعند ابن سعد عن خيثمة ﵁ قال: لما جاء عبدَ الله عنه قال: لما جاء عبد الله نعي أخيه عتبة دمعت عيناه فقال: إن هذه رحمة جعلها الله لا يملكها ابن آدم. صبر أبي أحمد بن جحش على وفاة أُخته زينب وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن أبي سَلِيط ﵁ قال: رأيت أبا أحمد بن جحش ﵁ يحمل سرير زينب بنت جحش وهو مكفوف وهو يبكي، فأسمع عمر ﵁ وهو يقول: يا أبا أحمد تنحَّ عن السرير لا يُعنّك الناس، وازدحموا على سريرها، فقال أبو أحمد: يا عمر هذه التي نلنا بها كل خير، وإِنَّ هذا يبرِّد حرِّ ما أجد، فقال عمر: الزم، الزم. صبر المسلمين على موت عمر بن الخطاب وأخرج ابن سعد وابن مَنِيع وابن عساكر عن الأحنف ابن قيس ﵁ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إن قريشاً رؤوس الناس لا يدخل أحد منهم في باب إلا دخل معه فيه طائفة من الناس. فلم أدرِ ما تأويل قوله في ذات حتى طُعن، فلما احتُضر أمر صهيباً ﵁ أن يصلي بالناس ثلاثة أيام، وأمر أن يُجعل للناس طعام فيطعموا حتى يستخلفوا إنساناً، فلما رجعوا من الجنازة جيء بالطعام، ووضعت الموائد، فأمسك الناس عنها للحزن الذي هم فيه، فقال العباس ابن عبد المطلب ﵁: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ قد مات فأكلنا بعده وشربنا، ومات أبو بكر ﵁ فأكلنا بعده وشربنا، وإنه لا بدَّ من الأكل فكلوا من هذا الطعام، ثم مص٦ العباس يده فأكل ومدَّ

стр. 1421

الناس أيديهم فأكلوا، فعرفت قول عمر إنهم رؤوس الناس. كذا في الكنز؛ وأخرجه الطبراني نحوه، قال الهيثمي: وفيه علي بن زيد وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح. أمر أبي بكر وعلي الناس بالصبر على فَقْد الأقارب وأخرج ابن أبي خيثمة والدينوري في المجالسة وابن عساكر عن أبي عُيينة ﵁ قال: كان أبو بكر الصدضيق ﵁ إذا عزَّى رجلاً قال: ليس مع العزاء مصيبة وليس مع الجزع فائدة. الموت أهون ما قبله وأشد ما بعده، اذكروا فَقْدَ رسول الله ﷺ تصغر مصيبتكم وأعظمَ الله أجركم. كذا في الكنز. وأخرج ابن عساكر عن سفيان قال: عزّى علي بن أبي طالب ﵁ الأشعث بن قيس ﵁ على ابنه فقال: إن تحزن فقد استحقت منكم الرَّحِم، وإن تصبر ففي الله خَلَف من ابنك، إنك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك وأنت مأثوم. كذا في الكنز. الصبر على البلايا مطلقا صبر امرأة أنصارية على داء الصرع أخرج البزار عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ بمكة

стр. 1422

فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال له: «إن تصبري على ما أنت عليه تجيئين يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب» ، قالت: والذي بعثك بالحق لأصبرنَّ حتى ألقى الله. قالت: إني أخاف الخبيث أن يجرِّدني، فدعا له، فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستارالكعبة فَتَعَلَّق بها وتقول له: اخسأ فيذهب عنها. وعند أحمد عن عطاء ﵁ قال: قال لي ابن عباس ﵄: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه السوداء، أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني أصرع وأنكشف فادع الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك» قالت: لا، بل أصبر فادع الله ألا أنكشف ولا ينكشف عني. قال: فدعا لها. وهكذا رواه الشيخان ثم قال البخاري عن عطاء: أنه رأى أم زُفَر ﵂ تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة. كذا في البداية. قصة رجل مع امرأة كانت بغياً في الجاهلية. وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ أن امرأة كانت بَغِياً في الجاهلية، فمر بها رجل أو مرت به، فبسط يده إليها فقالت: مَهْ، إنّ الله ذهب بالشرك وجاء بالإسلام، فتركها وولَّى، وجعل ينظر إليها حتى أصاب وجهه الحائط، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: «أنت عبد أراد الله بك خيراً، إن الله إذا أراد بعبد خيراً عجل له عقوبة ذنبه، وإذا أراد بعبد شراً أمسك عليه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة» . كذا في الكنز.

стр. 1423

قول عمر: كل شيء يصيب المؤمن يكرهه فهو مصيبة وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حُمَيد وابن المنذر والبيهقي عن عبد الله بن خليفة قال: كنت مع عمر ﵁ في جنازة فانقطع شِسْعه، فاسترجع، ثم قال: كلُّ ما ساءك فهو لك مصيبة. وعند المروزي عن سعيد بن المسيب قال: انقطع قِبال نعل عمر، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقالوا: يا أمير المؤمنين أتسترجع في قِبال نعلك؟ قال: إنَّ كل شيء يصيب المؤمن يكرهه فهو مصيبة. كذا في الكنز. أمر عمر أبا عبيدة بالصبر على العدو، وصبر عثمان حتى قتل مظلوما وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاك والبيهقي عن أسلم قال: كتب أبو عبيدة ﵁ إلى عمر بنا لخطاب ﵁ يذكر له جموعاً من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اصْبِرُواْ﴾ ﴿وَصَابِرُواْ﴾ ﴿وَرَابِطُواْ﴾ ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠) . كذا في الكنز. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن ابن مهدي يقول: كان

стр. 1424

لعثمان ﵁ شيئان ليس لأبي بكر ولا عمر ﵄ مثلهما: صبره على نفسه حتى قُتل مظلوماً، وجمعه الناس على المصحف. الشكر شكر سيدنا محمد رسول الله إطالته ﵇ السجود شكراً لله أخرج أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ فتوجه نحو مشربته، فدخل، فاستقبل القبلة فخر ساجداً فأطال السجود حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه (فجلست) ، فرفع رأسه قال: من هذا؟ قلت: عبد الرحمن، قال: «ما شأنك؟» قلت: يا رسول الله سجدت سجدة خشيت إن يكون الله قد قبض نفسك فيها، فقال: «إن جبريل ﷺ أتاني فبشرني فقال: إن الله يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات.

стр. 1425

وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أقبلت إلى رسول الله ﷺ فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي، فلم يزل قائماً حتى أصبح، فسجد سجدة ظننت أن نفسه قُبضت فيها، قال: «تدري لم ذاك؟» قلت: الله ورسوله أعلم، فأعادها عليَّ ثلاثاً أو أربعاً، فقال: «إنّي صلَّيت ما كتب لي ربي وأتاني ربي، فقال لي في آخرها: ما أفعل بأمتك؟ قلت: أي رب أنت أعلم، فأعادها عليَّ ثلاثاً أو أربعاً، فقال لي في آخرها: فسجدت لربي. وربي شاكر يحب الشاكرين» . قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير عن حجاج بن عثمان السَكْسَكِي عن معاذ، ولم يدرك معاذاً فقد ذكره ابن حِبَّان في أتباع التابعين وهو من طريق بَقِيَّة وقد عَنْعَنه. وأخرج الطبراني عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: جئت أزور رسول الله فإذا هو يوحى إليه، فلما سُرِّي عنه قال لعائشة ﵂: «ناوليني ردائي» فخرج فدخل المسجد فإذا فيه قوم ليس في المسجد غيرهم، فجلس في ناحية القوم حتى قضى المذكر تذكرته، قرأ تنزيل السجدة فأطال السجود حتى إذا جاء من كان على قدر ميلين وتسامع الناس سجوده، فعجز المسجد عن الناس، فأرسلت عائشة إلى أهلها أحضروا رسول الله ﷺ فلقد رأيت منه شيئاً لم أره، فرفع رأسه، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله ﷺ فلقد رأيت منه شيئاً لم أره، فرفع رأسه، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله ﷺ فلقد رأيت منه شيئاً لم أره، فرفع رأسه، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله أطلتَ السجود، فقال: «سجدت لربي شكراً. فيما أعطاني من أمتي.

стр. 1426

سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب» ، فقال أبو بكر: يا رسول الله أمتك أكثر وأطيب فاستكثرتهم، فقال مرتين أو ثلاثاً، فقال عمر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقد استوهبت أمتك. وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف، كما في المجمع. شكره ﵇ أن رأى رجلاً به زمانة وأخرج الطبراني عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ مرّ به رجل به زَمانة، فنزل وسجد، ومر به أبو بكر ﵁ فنزل وسجد، ومربه عمر فنزل فسجد. وفيه عبد العزيز بن عبيد الله وهو ضعيف، كما في المجمع. شكره ﵇ أن رد الله عليه أهله سالمين في سرية وأخرج البيهقي عن علي ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية من أهله فقال: «اللهمَّ إنَّ لك علي إن رددتم سالمين أن أشكرك حق شكرك» ، فما لبثوا أن جاؤوا سالمين، فقال رسول الله ﷺ «الحمد لله على سابغ نعم الله» فقلت: يا رسول الله، ألم تقل إن ردهم الله أن أشكره حق شكره؟ فقال: «أو لم أفعل؟» كذا في الكنز. شكر أصحاب النبي ﷺ شكر رجل أعطاه النبي ﵇ تمرة أخرج البيهقي عن أنس ﵁ قال: جاء سائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1427

فأمر له بتمرة، فوحَّش بها، وأتاه آخر فأمر له بتمرة فقال: سبحان الله تمرة من رسول الله ﷺ فقال للجارية: «اذهبي إلى أُم سلمة فمريها فتعطِه الأربعين درهماً التي عندها» . فأعطاه تمرة فقال الرجل: سبحان الله نبي من الأنبياء يتصدَّق بتمرة؟ فقال له النبي ﷺ «أَو علمت أَن فيها مثاقيل ذرَ كثير» فأتاه آخر فسأله فأعطاه تمرة فقال: تمرة من نبي من الأنبياء لا تفارقني هذه التمرة ما بقيت، ولا أَزال أَرجو بركتها أبداً. فأمر النبي ﷺ بمعروف وما لبث الرجل أَن استغنى. كذا في الكنزل. شكر عمر أن رفع الله منزلته وقوله في الشكر والصبر وأَخرج ابن سعد وابن عساكر عن سليمان بن يسار قال: مرَّ عمر ابن الخطاب ﵁ بضَجنانَ فقال: لقد رأَيتني وإني لأرعى على الخطاب في هذا المكان، وكان - والله - ما علمتُ فظاً عليظاً، ثم أصبحت إلى أمر أمة محمد ﷺ ثم قال متمثلاً: لا شيء فيما ترى إلاّ بشاشته يبقى الإِله ويُودي المالُ والولدُ ثم قال لبعيره حَوْب. كذا في منتخب الكنز. وأخرج ابن عساكر عن عمر ﵁ قال: لو أَتيت براحلتين: راحلة شكر، وراحلة صبر؛ لم أبالِ أيهما ركبت. كذا في المنتخب.

стр. 1428

قول عمر في رجل مبتلي وفي رجل آخر في هذا الأمر وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﵁ قال: مرّ عمر ابن الخطاب برجل مبتلى أعمى أصم وأبكم، فقال لمن معه: هل ترون في هذا من نعم الله شيئاً؟ قالوا: لا، قال: بلى ألا ترون يبول فلا يعتصر ولا يلتوي يخرج به بوله سهلاً، فهذه نعمة من الله. كذا في الكنز. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن إبراهيم قال: سمع عمر ﵁ رجلاً يقول: اللهمَّ إني أستنفق نفسي ومالي في سبيلك، فقال عمر: أو لا يسكت أحدكم فإن ابتلي صبر وإن عوفي شكر. كذا في الكنز. قول عمر لرجل سلّم عليه وكتابه لأبي موسى وقوله في أهل الشكر وأخرج مالك وابن المبارك والبيهقي عن أنس ﵁ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁، وسلّم عليه رجل فردّ ﵇ ثم سأله عمر: كيف أنت؟ فقال: أحمد إليك الله، فقال عمر: ذلك الذي أردتُ منك. كذا في الكنز. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄: اقنع برزقك من الدنيا فإنَّ الرحمن فضَّل بعض عباده على بعض في الرزق، بلاء يبتلي به كلاً، فيبتلي به من بسط له كيف شكره، وشكره، لله أداء للحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوَّله. كذا في الكنز؛

стр. 1429

وأخرج الدينوري عن عمر قال: أهل الشكر مع مزيد من الله فالتمسوا الزيادة، وقد قال الله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم: الآية: ٧) . كذا في الكنز. شكر عثمان أن لم يصادف قوماً كانوا على أمر قبيح وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن سليمان بن موسى أن عثمان بن عفان ﵁ دُعى إلى قوم كانوا على أمر قبيح، فخرج إليهم فوجدهم قد تفرقوا ورأى أثراً قبيحاً، فحمد الله إذ لم يصادفهم وأعتق رقبة. قول علي في النعمة والشكر وأخرج البيهقي عن علي ﵁ قال: إنَّ النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قَرَن، ولن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع من العبد. وعند ابن ماجه والعسكري عن محمد بن كعب القرظي قال: قال علي بن أبي طالب: ما كان الله ليفتح باب الشكر ويخزن باب المزيد، وما كان الله ليفتح باب الدعاء ويخزن باب الإِجابة، وما كان الله ليفتح باب التوبة ويخزن باب المغفرة. أتلو عليكم من كتاب الله. قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (سورة غافر، الآية: ٦٠) ، وقال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم، الآية: ٧) ، وقال: ﴿اذكروني أذكركم﴾ (سورة البقرة، الآية: ١٥٢) ، وقال: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله

стр. 1430

غفورًا رحيمًا﴾ (سورة النساء، الآية: ١١٠) . كذا في الكنز. قول أبي الدرداء وعائشة وأسماء في الشكر وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء ﵁ قال: ما أمسيت ليلة وأصبحت لم يرمني الناس فيها بداهية إلا رأيتها نعمة من الله عليَّ عظيمة. وعنده أيضاً عنه قال: من لم يرَ أن لله عليه نعمة إلا في الأكل والشرب فقد قلَّ فهمه وحَضَر عذابه. كذا في الكنز. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١٢٢٠ و٢١٠) عنه نحوه بالوجهين. وأخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: ما من عبد يشرب الماء القَرَاح فيدخل بغير أذى ويخرج بغير أذى إلا وجب عليه الشكر. كذا في الكنز. وأخرجه الطبراني في الكبير عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنه لما قتل ابن الزبير ﵄ كان عندها شيء أعطاها إياه النبي ﷺ في سفَط ففقدته، فأخذت تطلبه، فلما وجدته خرّت ساجدة. قال الهيثمي: إسناده حسن وفي بعض رجاله كلام.

стр. 1431

الأجر أجر سيدنا محمد رسول الله ﷺ > أخرج أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير. كان أبو لبابة وعلي ﵄ زميلي رسول الله ﷺ قال: فكانت عُقبة رسول الله ﷺ فقالا: نحن نمشي عنك، فقال: «ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» ورواه النسائي. كذا في البداية؛ وأخرجه البزّار وقال: فإذا كانت عقبة رسول الله ﷺ قالا: اركب حتى نمشي عنك - والباقي بنحوه، كما في المجمع، وقال: وفيه عاصم بن بَهْدَلة وحديثه حسن وبقية رجال أحمد رجال الصحيح اهـ. أجر أصحاب النبي ﷺ تجشّم الصحابة القيام في الصلاة طلباً للثواب أخرج الطبراني في الكبير عن المطلب بن أبي وَداعة ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلِّي قاعداً، فقال رسول الله ﷺ «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» فتجشَّم الناس القيام. قال الهيثمي:

стр. 1432

وفيه صالح بن أبي الأخضر وقد ضعَّفه الجمهور، وقال أحمد: يُعتبر بحديثه. اهـ. وعند أحمد عن ابن شهاب عن أنس ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهي مَحَمّة، فَحُمَّ الناس فدخل النبي ﷺ المسجد والناس يصلُّون من قعود، فقال: «صلاة القاعد نصف صلاة القائم» ، ورجاله ثقات كما قال الحافظ في الفتح، وقال زياد عن ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمّى المدينة حتى جُهِدوا مرضاً، وصرف الله ذلك عن نبيه ﷺ حتى كانوا وما يصلُّون إلا وهم قعود، قال: فخرج رسول الله ﷺ وهم يصلّون كذلك، فقال لهم: «اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» ، فتجشَّم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسَّقَم التماس الفَضْل. كذا في البداية. قصة ربيعة بن كعب معه ﵇ في حرصه على الثواب وأخرج أحمد عن ربيعة بن كعب ﵁ قال: كنت أخدم رسول الله ﷺ نهاري أجمع حتى يصلِّي العشاء الآخرة، فأجلس بباباه إذا دخل بيته أقول: لعلَّها أن تحدث لرسول الله حاجة، فما أزال أسمع رسول الله ﷺ يقول: «سبحان الله وبحمده» حتى أمل فأرجع أو تغلبني عيناي فأرقد، فقال لي يوماً لما يرى من حقِّي له وخدمتي إياه: «يا ربيعة بن كعب سَلْني أعطِك» قال: فقلت: انظر في أمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك. قال: ففكرت في نفسي، فعرفت أنَّ النيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقاً يكفيني ويأتيني،

стр. 1433

قال: فقلت: أسأل رسول الله لآخرتي فإنَّه من الله بالمنزل الذي هو به، قال: فجئته، فقال: «ما فعلت يا ربيعة؟» قال فقلت: نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربك فيعتقني من النار، قال فقال: «من أمرك بهذا يا ربيعة» ؟ قال: فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكنك لما قلت: سلني أعطك وكنتَ من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري، فعرفت أنَّ الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي فيها رزقاً سيأتيني، فقلت: أسأل رسول الله لآخرتي، قال: فصمتَ رسول الله ﷺ طويلاً، ثم قال لي: «إنِّي فاعل، فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود» كذا في البداية؛ وأخرجه الطبراني في الكبير من رواية ابن إسحاق نحوه، وأخرجه مسلم وأبو داود مختصراً، ولفظ مسلم قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوَضوئه وحاجته فقال لي: «سلني» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أوَ غيرَ ذلك» ؟ قلت: هو ذاك، قال: «فأعنيِّي على نفسك بكثرة السجود» كذا في الترغيب.l طلب عبد الجبار بن الحارث الثواب في صحبته للنبي ﵇ وأخرج ابن منده وابن عساكر - وقال: حديث غريب - من عبد الجبار بن الحارث بن مالك الحرشي ثم المَناري ﵁ قال: وفدت على رسول الله ﷺ من أرض سَراة، فأتيت النبي ﷺ فحييته بتحية العرب فقلت:

стр. 1434

أنعم صباحاً، فقال: «إن الله قد حيَّا محمداً وأمته بغير هذه التحية بالتسليم بعضها على بعض» ، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال لي: «وعليك السلام» ثم قال: «ما اسمك؟» قلت: الجبار بن الحارث، فأسلمت وبايعت النبي ﷺ فلما بايعت قيل له: إن هذا المناري فارس من فرسان قومه. فحملني رسول الله ﷺ على فرس، فأقمت عند رسول الله ﷺ أقاتل معه، ففقد رسول الله ﷺ صهيل فرسي الذي حملني عليه، فقال: «ما لي لا أسمع صهيل فرس الحرشي» فقلت: يا رسول الله، بلغني أنك تأذيت منصهيله فأخصيته، فنهى رسول الله ﷺ عن إخصاء الخيل فقيل لي: «لو سألت النبي ﷺ كتاباً كما سأله ابن عمك تميم الداري ﵁» فقلت: أعاجلاً سأله أم آجلاً؟ فقالوا: بل عاجلاً سأله، فقلت: عن العاجل رغبت، ولكن أسأل رسول الله ﷺ أن يغيثني غداً بين يدي الله . كذا في المنتخب. قوله ﵇ في عمرو بن تغلب وقول عمرو في ذلك وأخرج البخاري عن عمرو بن تغلب ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ قوماً ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه، فقال: «إنِّي أعطي قوماً أخاف هلعهم وجزعهم، وأَكِل قوماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى. منهم عمرو بن تغلب» ، قال عمرو: فما أحب أنَّ لي بكلمة رسول الله ﷺ حُمْر النَّعَمْ. كذا في البداية، وأخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب من طرق عن عمرو بن تغلب نحوه.

стр. 1435

قصة علي وعمر مع رجل طاف بأمه وأخرجه البيهقي عن عمرو بن حمَّاد قال: حدثنا رجل قال: خرج علي وعمر ﵄ من الطواف، فإذا هما بأعرابي معه أم له يحملها على ظهره وهو يرتجز ويقول: أنا مطيتُها لا أنفرْ وإذا الركاب ذُعرت لا أُذعرْ وما حَملَتْني وأرضعتني أكثرْ لبيك اللهم لبيك؛ فقال علي: يا أبا حفص ادخل بنا الطواف لعلَّ الرحمة تنزل فتعمنا، فدخل يطوف بها وهو يقول: أنا مطيتُها لا أنفِرْ وإذا الركاب ذُعرت لا أُذعر وما حَملَتْني وأرضعتني أكثرْ لبيك اللهم لبيك، وعلي يقول: إن تبرها فالله أَشْكَرْ يجزيك بالقليل الأكثرْ كذا في الكنز. احتساب ابن عمر إبلاً له وراعيها وزواجه من أجل الثواب وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عميمون بن مِهران قال: مرّ أصحاب نَجحدة الحروري على إبل لعبد الله بن عمر ﵄ فاستاقوها، فجاء راعيها فقال: يا أبا عبد الرحمن احتسب الإِبل، قال: وما لها؟ قال: قد كانوا ذهبوا بي معها ولكنِّي انفلتُّ منهم، قال: ما حملك على أن تركتهم وجئتني؟ قال: أنت أحب إليَّ منهم، قال: الله الذي لا إله إلا هو لأنا أحب إليك منهم؟ قال: فحلف له، قال: فإني أحتسبك معها، فأعتقه، فمكث ما مكث ثم أتاه آتٍ فقال: هل لك في ناقتك الفلانية؟ - سماها باسمها - ها هو ذا تباع

стр. 1436

في السوق، قال: أرني ردائي، فلما وضعه على منكبيه وقام جلس فوضع رداءه، ثم قال: لقد كنت احتسبتُها فلم أطلبها؟ قال في الإِصابة: أخرجه السراج في تاريخه وأبو نُعيم من طريقه بسند صحيح عن ميمون - فذكره. وأخرج ابن سعد عن عمرو بن دينار ﵁ قال: أراد ابن عمر ﵄ ألاَّ يتزوج، فقالت له حفصة ﵂: تزوجفإن ماتوا أُجرت فيهم وإن بقُوا دَوا الله لك. قول عمار وهو سائر إلى صفِّين وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبْزَى ﵁ عن عمار بن ياسر ﵄ أنه قال وهو يسير إلى صفضين على شط الفرات: اللمَّ إنَّه لو أعلم أنه أرضى لك عن أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردّى فأسقط فعلت، ولو أعلم أنه أرضى لك عني أن أوقد ناراً عظيمة فأقع فيها فعلت. اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أُلقي نفسي في الماء فأغرق نفسي فعلت، فإني لا أقاتل إلا أريد وجهك، وأنا أرجو أن لا تخيبني وأنا أريد وجهك. وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن عبد الرحمن بن أبزَى عن عمار بنحوه مختصراً. قول ابن عمرو في عمله بعد النبي ﵇ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لخير أعمله اليوم أحب إليَّ من مثليه مع رسول الله ﷺ لأنا كنّا

стр. 1437

مع رسول الله ﷺ تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيا، وإنا اليوم قد مالت بنا الدنيا. وأخرجه الطبراني عن عبد الله نحوه؛ قال الهيثيم: ورجاله رجال الصحيح. الاجتهاد في العبادة اجتهاد سيدنا محمد رسول الله ﷺ أخرج الشيخان عن علقمة قال: سألت عائشة ﵂: أكان رسول الله يخص شيئاً من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يُطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق كذا في صفة الصفوة (ص٧٤) . وأخرج الشيخان عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ قام حتى تفطَّرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» كذا في البداية؛ وأخرجه ابن سعد عن المغيرة نحوه وسيأتي مزيد ذلك في الصلاة. اجتهاد أصحاب النبي ﷺ اجتهاد عثمان وعبد الله بن الزبير في العبادة أخرج أبو نُعيم في احلية عن الزبير بن عبد الله عن جدة له يقال لها

стр. 1438

زهيمة قالت: كان عثمان ﵁ يصوم الدهر ويقوم اليل إلا هَجْعة من أوله، وأجرجه ابن أبي شيبة نحوه، كما في المنتخب. وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: بلغ ابن الزبير ﵄ من العادة ما لم يبلغ أحد، وجاء سيل فحال بين الناس وبين الطواف، فجاء ابن الزبير فطاف أسبوعاً سباحة. كذا في المنتخب. وأخرج ابن جرير عن قَطَن بن عبد الله قال: كان ابن الزبير ﵄ يواصل سبعة أيام حتى تيبس أمعاؤه، وعنده أيضاً عن هشام بن عروة قال: كان عبد الله بن الزبير يواصل سبعة أيام، فلما كَبِر جداً جعلها ثلاثة. كذا في المنتخب وستأتي قصتهما وقصة غيرهما من الصحابة في الصلاة. الشجاعة شجاعة سيدنا محمد رسول الله ﷺ وأصحابه قول أنس وعلي في شجاعته ﵇ أخرج الشيخان - واللفظ لمسلم - عن أنس ﵁ اقل: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قِبَل الصوت، فتلقّاهم رسول الله راجعاً وقد

стр. 1439

سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة ﵁ عُرْي في عنقه السيف وهو يقول: «لم تُراعوا، لم تُراعوا» ، قال: «وجدناه بحراً - أو إنه لبحر» ، قال: وكان فرساً يبطَأ. وعند مسلم عنه قال: كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله ﷺ فرساً لأبي طلحة يقال له مندوب، فركبه فقال: «ما رأينا من فزع وإنْ وجدناه لبحراً» ، قال: كنا إذا اشتد البأس اتَّقينا برسوف الله ﷺ وعند أحمد والبيهقي عن علي بن أي طالب ﵁ قال: لما كان يوم بدر اتَّقينا المشركين برسول الله ﷺ وكان أشد الناس بأساً. وكان في البداية. شجاعته ﵇ يوم حُنَين وقول البراء في هذا الأمر وأخرج البخاري عن أبي إسحاق سمع البراء بن عازب ﵄ وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفرّ. كانت هوازن رُماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان ﵁ آخذ بزمامها وهو يقول: «أنا النبي لا كذب» ، وفي

стр. 1440

رواية للبخاري وقال: «إن النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب» ؛ وفي رواية أخرى عنده: ثم نزل عن بغلته، ورواه مسلم والنسائي، وعند مسلم عن البراء قال: ثم نزل فاستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نزّل نصرك. قال البراء: ولقد كنّا إذا حمي البأس نتقي برسول الله ﷺ زإن الشجاع الذي يحاذِي به. كذا في البداية، وقد تقدّمت قصص شجاعة أبي بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وسعد وحمزة والعباس ومعاذ ابن عمرو ومعاذ بن عفراء وأبي دُجانة وقتادة وسلم ة بن الأكوع وأبي حدرد وخالد بن الوليد والبراء بن مالك وأبي محجن وعمار بن ياسر وعمرو ابن معدِيكرب وعبد الله بن الزبير ﵃ في شجاعة الصحابة في الجهاد. الورع ورع سيدنا محمد رسول الله ﷺ أخرج أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وجد تحت جنبه تمرة من الليل فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول الله أرقتَ الليلة، قال: «إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة، فخشيت أن تكون منه» . تفرد به أحمد وأسامة
следующие страницы →