Полный текст (1 779 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الجَعرَّانة. فبينا رسول الله ﷺ يسير في الغنائم ينظر إليها - ومعه صفوان بن أمية - فجعل صفوان بن أمية - فجعل صفوان بن أمية ينظر إلى شِعْب ملاء نَعَماً وشاءً ورِعاء، فأدام النظر إِليه ورسول الله ﷺ يرمقه فقال: «أبا وَهْب، يعجبك هذه الشِّعْب؟» قال: نعم. قال: «هُو لك وما فيه» . فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفسُ أحد بمثل هذا إلا نفس نبي؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. وأسلم مكانه. كذا في الكنز. وأخرجه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة ﵂ مختصراً؛ كما في البداية.
وأخرج الإِمام أحد عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه: أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعاً، فقال: أغَصْباً يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» قال: فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله ﷺ أنْ يضمنها له. قال: أنا اليوم - يا رسول الله - في الإِسلام أَرْغَبُ. انتهى.
قصة إسلام حُوَيطب بن عبد العزى ﵁ دعوة أبي ذر لحويطب ودخوله في الإِسلام
أخرج الحاكم عن المنذر بن جَهْم قال: قال حوَيطب بن عبد العُزَّى: لمَّا دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح خفت خوفاً شديداً، فخرجت من بيتي
стр. 177
وفرَّقت عيالي في مواضع يأمنون فيها، فانتهيت إلى حائط عوف فكنت فيه، فإذنا أنا بأبي ذرَ الغفاري وكانت بيني وبينه خُلَّة - والخُلة أبداً مانعةٌ - فلما رأيت هربت منه. فقال: أبا محمد، فقلت: لبيك، قال: ما لك؟ قلت: الخوف، قال: لا خوف عليك، أنت آمن بأمان الله . فرجعت إليه فسلَّمت عليه، فقال: إذهب إلى منزلك، قلت: هل لي سبيل إلى منزلي؟ والله ما أُراني أصل إلى بيتي حيّاً حتى أُلفى فأقتلع أو يُدخل عليَّ منزلي فأُقتل، وإنَّ عيالي لفي مواضع شتى. قال: فاجمع عيالك في موضع وأنا أبلغ مك إلى منزلك، فبلغ معي وحعل ينادي عليَّ: إنَّ حويطباً آمن فلا يُهج. ثم انصرف أبو ذرَ ﵁ إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: أَوليس قد أمن الناسُ كلهم إلا من أمرت بقتلهم؟ قال: فاطمأننتُ ورددتُ عيالي إلى منازلهم وعاد إليَّ أبو ذرَ، فقال لي: يا أبا محمد، حتى متى؟ وإلى متى؟ قد سُبقت في المواطن كلِّها، وفاتك خير كثير وبقي خير كثير، فأْتِ رسول الله ﷺ فأسلم تسلم، ورسول الله ﷺ أبرُّ الناس، وأوصل الناس، وأحلم الناس، شرفه شرفك، وعزُّه عزك. قال قلت: فأن أخرج معك فآتيه، فخرجت معه حتى أتيت رسول الله ﷺ بالبطحاء وعنده أبو بكر، وعمر، فوقفت على رأسه وسألت أبا ذر: كيف يقال إِذا سُلِّم عليه؟ قال: قل: السلام عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، فقلتها، فقال: «وعليك السلام حُوَيطب» . فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله، فقال رسول الله ﷺ «الحمد لله الذي هداك» . قال: وسُرّ رسول الله ﷺ بإسلامي، واستقرضني مالاً فأقرضته أربعين ألف درهم، وشهدت معه حُنَيناً
والطائف
وأعطاني من غنائم حُنَين مائة بعير.
وأخرجه أيضاً بن سعد في الطبقات من طريق المنذر بن جَهْم وغيره عن حويطب نحوه؛ كما في الإِصابة. وأخرج الحاكم أيضاً عن إبراهيم بن جعفر
стр. 178
بن محمود بن محمد بن سلمة الأشهلي عن أبيه - فذكر الحديث، وفيه: ثم قال حويطب: ما كان في قريش أحد من كبرائها الذين بَقُوا على دين قومهم إلى أن فُتحت مكة أكرهَ لما فتحت عليه مني، ولكنَّ المقادير.. ولقد شهدت بدراً مع المشركين فرأيت عِبَراً، فرأيت الملائكة تقتل وتأسر بين السماء والأرض، فقلت: هذا رجل ممنوع، ولم أذكر ما رأيت لأحدٍ، فانهزمنا راجعين إلى مكة، فأقمنا بمكَّة وقريش تُسلم رجلاً رجلاً. فلمَّا كان يوم الحديبية حضرت وشهدت الصلح ومشيت فيه حتى تمَّ، وكل ذلك يزيد الإِسلامَ ويأبى الله إلا ما يريد. فلما كتبنا صلح الحديبية كنت آخر شهوده، وقلت: لا ترى قريش من محمد إلا ما يسؤوها، قد رضيت إن دافعته بالرماح. ولمَّا قدم رسول الله ﷺ لعمرة القضاء وخرجت قريش من مكة، كنت فيمن تخلَّف بمكة أنا وسهيل بن عمرو لأن نُخرج رسول الله ﷺ إذ مضى الوقت، فلما انقضت الثلاث أقبلتُ أنا وسُهيل بن عمرو فقلنا: قد مضى شرطُك فأخرج من بلدنا، فصاح: «يا بلال لا تَغِبِ الشمس وواحدٌ من المسلمين بمكة ممَّن قد معنا» .
قصة إسلام الحارث بن هشام ﵁
أخرج الحاكم عن عبد الله بن عكرمة قال: لما كان يوم الفتح دخل الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة على أمِّ هانىء بنت أبي طالب ﵂ فاستجارا بها، فقالا: نحن في جوارك، فأجارتهما. فدخل عليهما علي بن أبي طالب فنظر إليها، فشهر عليها السيف، فتفلَّت عليهما، واعتنقتْه وقالت: تصنع بي هذا من بين الناس؟ لَتَبدأنَّ بي قبلها. فقال: تُجيرين المشركين، فخرج. قالت أمُّ هانىء فأتيت رسول الله ﷺ فقلت؛ يا رسول الله، ما لقيت من ابن أمي عليَ؟ ما كدت أفلت منه أجرت حَمَوَين لي من المشركين فانفلت عليهما ليقتلهما. فقال رسول الله ﷺ «ما كان ذلك له، قد
стр. 179
أجرنا من أجرتِ، وآمنَّا من آمنتِ» . فرجعت إليهما فأخبرتهما فانصرفا إلى منازلهما. فقيل لرسول الله ﷺ الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة جالسان في ناديهما متنضِّلين في المِلاء المزعفرة. فقال رسول الله ﷺ «لا سبيل إليهما قد أمنَّاهما» . قال الحارث بن هشام: وجعلت أستحيي أن يراني رسول الله ﷺ وأذكر رؤيته إياي في كل موطن من المشركين، ثم أذكر برَّه ورحمته فألقاه وهو داخل المسجد فتلقَّاني بالبشر، ووقف حتى جئته فسلَّمت عليه وشهدت شهادة الحق. فقال: «الحمد لله الذي هداك، ما كان مثلك يجهل الإِسلام» . قال الحارث: فوالله ما رأيت مثل الإِسلام جُهِلَ.
قصة إسلام النضير بن الحارث العبدري ﵁
أخرج الواقدي عن إبراهيم بن محمد بن شُرحبيل العبدري عن أبيه قال: كان النُضير بن الحارث من أعلم الناس، وكان يقول: الحمد لله الذي أكرمنا بالإِسلام، ومنَّ علينا بمحمد ﷺ لم نَمُتْ على ما مات عليه الآباء، لقد كنت أوضعُ مع قريش في كل وجهة، حتى كان عام الفتح وخرج إلى حنين، فخرجنا معه ونحن نريد إِن كانت دَبْرة على محمد أن نُعين عليه فلم يمكنّا ذلك. فلما صار بالجِعرَّانة فوالله إني لعلَى ما أنا عليه إنْ شعرتُ إلا برسول الله ﷺ تلقَّاني بفرحة، فقال: «النضير؟» قلت: لبيك. قال: «هذا خيرٌ ممَّا أردت يوم حنين» قال: فأقبلت إليه سريعاً فقال: «قد آن لك أن تبصر ما أنت فيه» . فقلت: قد أرى فقال: «اللهم زده ثباتاً» قال: فوالذي بعثه بالحق لكان قلبي حجراً ثباتاً في الدين ونصرة في الحق. ثم رجعت إلى منزلي فلم أشعر إِلا برجل من بني الدُّؤَل يقول: يا أبا الحارث قد أمر لك رسول الله ﷺ بمائة بعير، فأجِزْ لي منها فإنَّ عليَّ ديناً قال: فأردت أن لا آخذها وقلت: ما هذا منه إِلا تألُّف، ما أُريد أن أرتشي على الإِسلام، ثم قلت: والله ما طلبتها ولا سألتها،
стр. 180
فقبضتها وأعطيت الدُّؤَلي منها عشراً. كذا في الإِصابة.
قصة إسلام ثقيف أهل الطائف إنصرافه ﷺ عن ثقيف وإسلام عروة بن مسعود
ذكر ابن إسحق أنَّ رسول الله ﷺ لما انصرف عن ثقيف اتَّبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإِسلام. فقال له رسول الله ﷺ «إنَّهم قاتلوك» - وعرف رسول الله ﷺ أنَّ فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم - فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم كذلك محبَّباً مطاعاً.
دعوة عروة لقومه إلى الإِسلام واستشهاده في الله
فخرج يدعو قومه إلى الإِسلام رجاء أن لا يخالفوه بمنزلته فيهم، فلما أشرف على عُلِّيَّة له - وقد دعاهم إلى الإِسلام وأظهر لهم دينه - رمَوْه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله. فقيل لعروة ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ. فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: «إن مَثَلَهُ في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه» .
إرسال ثقيف عبد يا ليل بن عمرو وفداً إليه ﵇ وخبرهم معه
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عرة أشهراً، ثم إنَّهم ائتمروا بينهم ورأوا أنه
стр. 181
لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا، ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلاً منهم، فأرسلوا عبد يا ليل بن عمرو ومعه إثنان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك. فلما دنَوا من المدينة ونزلوا قناة ألفَوا المغيرة بن شعبة يرعى في نَوْبته ركاب أصحاب رسول الله ﷺ فلمَّا رآهم ذهب يشتدُّ ليبشِّر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر الصدّيق ﵁، فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البَيْعة والإِسلام إن شرط لهم رسول الله شروطاً، ويكتبوا كتاباً إلى قومهم. فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمتُ عليك لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ حتى أكون أنا أحدّثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر فأخبر رسول الله ﷺ بقدومه. ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروَّح الظَّهر معه، وعلمهم كيف يُحيُّون رسول الله ﷺ فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. ولمَّا قدموا على رسول الله ﷺ ضربت عليه قُبة في المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ فكان إِذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خالد بن سعيد قبلهم، وهو الذي كتب لهم كتابه. قال: وكان ممّا اشترطوا على رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين. فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليه، حتى سألوه شهراً واحداً بعد مقدمهم ليتألَّفوا سفهاءه، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمَّى؛ إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليهدماها، وسأله مع ذلك أن لا يصلُّوا وأن لا يكسروا أصنامهم بأيديهم. فقال: «أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنُعفيكم، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» . فقالوا: سنؤتيكها وإن كانت دناءة.
وقد أخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على
стр. 182
رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا على رسول الله ﷺ أن لا يحشروا ولا يعشّروا، ولا يُجبَوا، ولا يستعمل عليهم غيرهم. فقال رسول الله ﷺ «لكم أنْ لا تُحشروا، ولا تجبوا، ولا يستعمل عليكم غيركم، ولا خير في دين لا ركوع فيه» . وقال عثمان بن أبي العاص: يا رسول الله، علِّمني القرآن واجعلني إمام قومي. وقد رواه أبو داود أيضاً.
وأخرج أبو داود أيضاً عن وَهْب سألت جابراً ﵁ عن شأن ثقيف إذ بايعتْ، قال: اشترطتْ على رسول الله ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع رسول الله ﷺ يقول بعد ذلك: «سيتصدَّقون ويجاهدون إذا أسلموا» - انتهى من البداية مختصراً.
وأخرج أحمد وأبو داود، وابن ماجه عن أوس بن حذيفة ﵁ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلاف على المغير بن شعبة ﵁، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة له، كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدِّثنا قائماً على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام. فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ثم يقول: «لا آسى، وكنَّا مستضعفين مستذلِّين بمكة. فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم نُدال عليهم ويُدالون علينا» فلما كا نت ليلة أبطأ عنا الوقت
стр. 183
الذي كان يأتينا فيه فقلنا: لقد أبطأت علينا الليلة؟ فقال: «إنه طرأ على جزئي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أُتِمَّه» كذا في البداية، وأخرجه ابن سعد عن أوس ﵁ بنحوه.
دعوة الصحابة ﵃ للأفراد والأشخاص دعوة أبي بكر الصديق ﵁
قال ابن إِسحاق: فلمَّا أسلم أبو بكر ﵁ وأظهر إِسلامه دعا إلى الله ، وكان أبو بكر رجلاً مأْلَفاً لقومه ومحبَّباً سَهْلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر. وكان رجلاً تاجراً ذا خُلُق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعله، وتجارته، وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الله وإلى الإِسلام من وثق به من قومه ممَّن يَغْشاه ويجلس إِليه. فأسلم على يديه فيما بلغني: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، ﵃، فانطلقوا إلى رسول الله ﷺ ومعهم أبو بكر فعرض عليهم الإِسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحقِّ الإِسلام فآمنوا، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإِسلام صدّقوا رسول الله ﷺ وآمنوا بما جاء من عند الله، كذا في البداية.
стр. 184
دعوة عمر بن الخطاب ﵁
أخرج ابن سعد عن أستق قال: كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب ﵁ وأنا نصراني. فكان يعرض عليَّ الإِسلام ويقول: إِنَّك إن أسلمت إستعنت بك على أمانتي، فإنه لا يحلُّ لي أن أستعين بك على أمانة المسلمين ولست على دينهم، فأبيت عليه، فقال: لا إِكراه في الدين. فلما حضرته الوفاة، أعتقني وأنا نصراني، وقال: إذهب حيث شئت. وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بنحوه مختصراً. كذا في الكنز وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن وسق الرومي مثله، إلا أنّ في روايته: على أمانة المسلمين فإنه لا ينبغي لي أن أستعين على أمانتهم بمن ليس منهم.
وأخرج الدارقطني، وابن عساكر عن أسلم قال: لمَّا كنَّا بالشام أتيت عمر بن الخطاب ﵁ بماء توضأ منه. فقال: من أين جئت بهذا الماء؟ فما رأيت ماء عذباً ولا ماء السماء أطيب منه. قلت: جئت به من بيت هذه العجوز النصرانية. فلما توضأ أتاها فقال: أيتها العجوز، أسلمي، بعث الله تعالى محمداً ﷺ بالحق، فكشفت عن رأسها فإذا مثل الثغامة، فقالت: عجوز كبيرة وإنما أموت الآن. فقال عمر: اللَّهم أشهد. كذا في الكنز.
стр. 185
دعوة مصعب بن عمير ﵁ دعوة مصعب لأسيد بن حُضَير وإسلامه
أخرج ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره أن أسعد بن زُرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني ظَفَر - وكان سعد بن معاذ ابنَ خالة أسعد بن زرارة - فدخل به حائطاً من حوائط بني ظَفَر على بئر يقال له بئر مَرَق. فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممَّن أسلم - وسعد بن معاذ وأُسَيد بن حُضَير يومئذٍ سيِّدا قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه - فلمَّا سمعا به قال سعد لأُسَيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللَّذين قد أتيا دارَيْنا ليسفِّها ضعفاءنا فازجرهما وانهَهُما أن يأتيا دارَيْنا، فإنَّه لولا أسعد بنت زرارة مني حيث قد علمت كفيتُك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدَّماً. قال: فأخذ أسيد بن حُضَير حربته ثم أقبل إليهما. فلمَّا رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيِّد قومه وقد جاءك فأصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال فوقف عليهما مُتَشَتِّماً فقال: ما جاء بكما إلينا تسفِّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أوَ تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهتَه كُفّ عنك ما تكره. قال: أنصفتَ، قل ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلَّمه مصعب بالإِسلام، وقرأ عليه القرآن. فقالا فيما يُذكر عنهما: والله لَعَرفنا في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلَّم في إشراقه وتسهُّل، ثم قال؛ ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطَّهَّر وتُطهِّر ثوبَيْك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلِّي. فقام فاغتسل وطهَّر ثوبيه وتشهَّد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما: إنَّ
стр. 186
ورائي رجلاً إن اتَّبَعكما لم يتخلَّف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن: سعدَ بن معاذ.
دعوة مصعب لسعد بن معاذ وإسلامه
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً قال: أحلف بالله لقد جاءكم أُسَيْد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلَّمت الرجلين، فوالله مارأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدِّثت أنَّ بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنَّه ابن خالتك ليَحْقِروك. قال: فقام سعد بن معاذُ مُغْضَباً مبادراً تَخوُّفاً للذي ذُكر له من بني حارثة، وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً. ثم خرج إليهما سعد فلما رآها مطمئنين عرف أن أسَيْداً إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف مُتَشَمِّتاً، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أُمامة أمَا والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رُمْتَ هذا منِّي، أتَغْشانا في دارنا بما نكره؟ قال: وقد قال أسعد لمصعب: أيْ مصعب جاءك - والله - سيِّدُ مَنْ وراءَه من قومه، إِن يتبعك لا يتخلَّف عنك منهم إثنان - قال فقال له مصعب: أوَ تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قَبلْتَه، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإِسلام، وقرأ عليه القرآن - وذكر موسى بن عقبة أنَّه قرأ عليه أول الزخرف -، قالا: فعرفنا - والله - في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلَّم في إشراقه وتسهُّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطَّهَّر، وتُطَهِّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلِّي ركعتين. قال: فقام فاغتسل وطهَّر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائداً إلى نادي قومه ومعهم أُسَيْد بن حضير.
стр. 187
دعوة سعد بن معاذ لبني عبد الأشهل وخبر إسلامهم
فلمَّا رآه قومه مقبلاً قالوا؛ نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلمَّا وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل: كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة. قال: فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا إمرأة إلا مسلماً أو مسلمة. ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زُرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون؛ إلا ما كان من دار بني أُمية بن زيد، وخَطْمة؛ ووائل، وواقف، وتلك أوس. كذا في البداية.
وأخرجه الطبراني أيضاً وأبو نُعَيم في دلائل النبوة عن عروة مطوَّلاً - فذكر عرضه ﷺ الدعوة على الأنصار وإِيمانهم بذلك ما سيأتي في ابتداء أمر الأنصار؛ ثم ذكر دعوتهم قومهم سراً وطلبهم من رسول الله ﷺ بعث مَن يدعو الناس؛ فبعث إليهم مُصعَباً كما تقدم في: - إِرساله ﷺ الأفراد للدعوة إلى الله وإلى رسوله (ص ١١٦) - ثم قال: ثم إِنَّ سعد بن زُرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر مَرَق أو قريباً منها. فجلسوا هنالك وبعثوا إلى رَهْط من أهل الأرض فأتَوهم مستخفين، فبينما مصعب بن عمير يحدِّثهم ويقصُّ عليهم القرآن أُخبر بهم سعدُ بن معاذ، فأتاهم في لأمته ومعه الرمح حتى وقف عليه. فقال: علامَ يأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب، يسفّه ضعفاءنا بالباطل
стр. 188
ويدعوهم، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا. فرجعوا، ثم إِنهم عادوا الثانية ببئر مَرَق أو قريباً منها، فأُخبر بهم سعدُ بن معاذ الثانية؛ فواعدهم بوعيد دون الوعيد الأول. فلما رأى أسعد منه ليناً قال: يا ابن خالة أسمع من قوله، فإن سمعت منه منكراً فاردده يا هذا منه، وإن سمعت خيراً فأجب الله. فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليهم مصعب بن عمير: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الزخرف: ١ - ٣) . فقال سعد: وما أسمع إلا ما أعرف. فرجع وقد هداه الله تعالى ولم يُظهر أمر الإِسلام حتى رجع. فرجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإِسلام وأظهر إسلامه. وقال فيه: من شَكَّ من صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى فليأتنا بأهدى منه نأخذ به. فالله لقد جاء أمر لتُحزَّنَّ فيه الرقاب. فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد ودعائه إلا من لا يُذكر. فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرْها - فذكر الحديث كما تقدم في إرساله ﷺ الأفراد للدعوة إلى
الله
وإلى رسوله (ص ١١٦) وفي آخره؛ ورجع مصعب بن عمير ﵁ إلى رسول الله ﷺ أي إلى مكة.
دعوة طليب بن عمير ﵁ دعوة طليب لأمه أروى بنت عبد المطلب
أخرج الواقدي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمي قال: لمَّا أسلم طُليب بن عمير ﵁ ودخل على أمِّه أَرْوى بنت عبد المطلب قال لها: قد أسلمت وتبعت محمداً ﷺ وذكر الخبر وفيه أنَّه قال لها: ما يمنعك أن تُسلمي وتتَّبعيه؟ فقد أسلم أخوك حمزة، فقالت: أنتظِرُ ما تصنع
стр. 189
أخواتي؟ ثم أكون إحداهنَّ. قال فقلت فإني أسألك بالله إلا أتيته وسلَّمتِ عليه، وصدَّقته، وشهدت أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله. ثم كانت بعد تعضد النبي ﷺ بلسانها تحضَّ ابنها على نصرته والقيام بأمره. كذا في الإستيعاب. وأخرجه العُقَيلي من طريق الواقدي بمثله كما في الإِصابة. وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمي عن أبيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أسلم طُليب بن عمير ﵁ في دار الأرقم، ثم خرج فدخل على أمه وهي أرْوى بنت عبد المطلب. فقال: تبعتُ محمداً وأسلمت لله ربِّ العالمين جلَّ ذكره. فقالت أمه: إنَّ أحقَّ من وازرت ومن عاضدت ابنُ خالك. والله لو كنَّا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لتبعناه ولذَبَبْنا عنه. قال فقلت: يا أُماه وما يمنعك؟ فذكر مثلما تقدَّم.
وأخرجه ابن سعد في الطبقات عن محمد بن إبراهيم التَّيْمي عن أبيه بمثله. قال الحاكم: صحيح غريب على شرط البخاري ولم يخرِّجاه وتعقبه الحافظ في الإِصابة فقال: وليس كما قال، فإن موسى ضعيف، ورواية أبي سَلَمة عنه مرسلة وهي قوله: قال: فقلت يا أماه - إلى آخره. انتهى.
стр. 190
دعوة عُمَير بن وهب الجمحي وقصة إسلامه خبر عُمَير بن وَهْب مع صفوان بن أمية
أخرج ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير ﵄ قال: جلس عُمير بن وَهْب الجُمْحي مع صَفوان بن أمية في الحِجْر بعد مصاب أهل بدر بيَسير - وكان عمير بن وَهب شيطاناً من شياطين قريش، وممَّن كان يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه ويلقَون منه عناءً وهو بمكة وكان ابنه وَهْب بن عُمير في أسارى بدر - فذكر أصحاب القَليب ومُصابهم. فقال صَفوان: والله ما إنْ في العيش بعدهم خير. قال له عمير: صدقتَ، أما - والله - لولا دَيْنٌ عليَّ ليس عندي قضاؤه وعيالٌ أخشَى عليهم الضَّيْعة بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله، فإنَّ لي فيهم عِلَّة ابني أسيرٌ في أيديهم. قال: فاغتنمها صفوان بن أمية: فقال: عليَّ دَيْنك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقُوا لا يَسَعني شيء ويعجز عنه. فقال له عمير: فاكتم عليَّ شأني وشأنك. قال: سأفعل. قال: ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذ له وسُمَّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة. فبينما عمر بن الخطاب ﵁ في نفر من المسلمين يتحدّثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم في عدوِّهم؛ إذ نظر عمر إلى عمير بن وَهْب وقد أناخ على باب المسجد متوشِّحاً السيف. فقال: هذا الكلب عدوُّ الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرَّش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر.
خبر عمير مع النبي ﷺ ثم دخل على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله، هذا عدوُّ الله عُمَير بن وَهْب قد جاء متوشِّحاً سيفه. قال: «فأدْخله عليَّ» . قال: فأقبل عمر حتى أخذ
стр. 191
بحِمالة سيفه في عنقه فلبَّبه بها، وقال لمن كان معه من الأنصار: أدخلوا على رسول الله ﷺ فأجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث فإنه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله ﷺ فلمَّا رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحِمالة سيفه في عنقه. قال: «أرسله يا عمر. إدنُ يا عمير فدنا ثم قال: أَنْعِم صباحاً - وكانت تحيَّة أهل الجاهلية بينهم - فقال رسول الله ﷺ «قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيَّتك يا عمير، بالسلام تحيَّةُ أهل الجنة» . قال: أما - والله - يا محمد إنْ كنتُ بها لحديث عهد. قال: «فما جاء بك يا عمير؟» قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه. قال: «فما بال السيف في عُنقك؟» قال: قبَّحها الله من سيوف وهل أغنت عنَّا شيئاً؟ قال: «أصدقني ما الذي جئت له؟» قال: ما جئت إلا لذلك. قال: «بل قعدت أنت وصفوان بن أُمية في الحِجْر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلتَ: لولا دَيْن عليّ وعيالٌ عندي لخرجتُ حتى أقتل محمداً؛ فتحمَّل لك صفوان بن أُمية بدَيْنك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك» .
إسلام عمير ودعوته لأهل مكة
فقال عمير: أشهد أنَّك رسول الله، قد كنَّا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان؛ فوالله إنِّي لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإِسلام وساقني هذا المَساق، ثم شهد شهادة الحق. فقال رسول الله ﷺ «فقِّهوا أخاكم في دينه، وعلِّموه القرآن، وأطلقوا أسيره» ففعلوا. ثم قال: يا رسول الله، إِني كنت جاهداً على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدَمَ مكة أدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام، لعلَّ الله يهديهم، وإِلا آذيته في دينهم كما كنت أُوذي أصحابك في دينهم، فأذن له رسول الله ﷺ قلحق بمكة. وكان صفوان حين خرج عمير بن وَهْب يقول: أبشروا بوَقْعة تأتيكم الآن في أيام تُنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الرُّكبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف أنْ لا
стр. 192
يكلِّمه أبداً ولا ينفعه بنفع أبداً. كذا في البداية.
إسلام أناس كثير على يد عمر
هكذا أخرجه ابن جرير عن عُروة ﵁ بطوله، كما في كنز العمال، وزاد: فلما قدم عمير ﵁ مكة أقام بها يدعو إلى الإِسلام ويُؤذي من خالفه أذى شديداً، فأسلم على يديه ناس كثير. وهكذا أخرجه الطبراني عن محمد بن جعفر بن الزبير ﵃ نحوه. قال الهيثمي: وإسناده جيِّد.
قول عمر في عمير بن وَهْب بعد أن أسلم
وروي عن عروة بن الزبير نحوه مرسلاً، وقال فيه: ففرح المسلمون حين هداه الله، وقال عمر بن الخطاب ﵁: لخنزيرٌ كن أحبّ إليّ منه حين اطَّلع، وهو اليوم أحبُّ إليَّ من بعض بنيّ؛ وإِسناده حسن. انتهى. وأخرجه الطبراني أيضاً عن أنس ﵁ موصولاً عن
стр. 193
أنس ﵁ وقال: غريب، لا نعرفه عن أبي عمران إِلا من هذا الوجه، كما في الإِصابة.
وأخرج الواقدي عن عبد الله بن عمرو بن أمية عن أبيه قال: لما قدم عمير بن وَهْب ﵁ مكة بعد أن أسلم نزل بأهله، ولم يتفق بصفوان بن أميَّة، فأظهر الإِسلام ودعا إليه، فبلغ ذلك صفوان فقال: قد عرفت حين لم يبدأ بي قبل منزله أنَّه قد ارتكس وصبا، فلا أكلِّمه أبداً ولا أنفعه ولا عياله بنافعة، فوقف ليه عمير وهو في الحِجْر وناداه، فأعرض عنه، فقال له عمير: أنت سيد من ساداتنا، أرأيتَ الذي كنا عليه من عبادة حجر وذبح له، أهذا دين؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فلم يجبه صفوان بكلمة. كذا في الإستيعاب٢٤٨٦) . وقد تقدَّم سَعْيُ عمير في إسلام صفوان بن أُمية (ص ١٧٨) .
دعوة أبي هريرة ﵁ لأمه وإسلامها
أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: أدعو أُمي إلى الإِسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره. فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإِسلام فتأبى عليَّ، وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فدعُ الله أن يهديَ أُمَّ أبي هريرة: فقال: «اللَّهم أهدِ أُمَّ أبي هريرة» .
стр. 194
فخرجت مستبشراً بدعوة رسول الله ﷺ فلما جئت قصدت إلى الباب فإذا هو مُجاف، فسمعت أُمِّي حسَّ قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة. وسمعتُ حَصْحَصَة الماء، قال: ولبست دِرْعها، وأعجَلَت عن خمارها، ففتحتْ الباب وقالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا آله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فحمد الله وقال: خيراً. وأخرجه أحمد أيضاً بنحوه. كذا في الإِصابة.
وأخرجه ابن سعد عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: والله لا يسمع بي مؤمن ولا مؤمنة إلا أحبَّني. قال قلت: وما يُعلمك ذاك؟ قال: فقال: إني كنت أدعو أُمِّي - فذكر نحوه. وزاد في آخره: فجئت أسعى إلى رسول الله ﷺ أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن، فقلت: أبشر يا رسول الله فقد أجاب الله دعوتك، قد هدى الله أُمَّ أبي هريرة إلى الإِسلام. ثم قلت: يا رسول الله، أدعُ الله أن يحببني وأُمي إلى المؤمنين والمؤمنات وإلى كل مؤمن ومؤمنة. فقال: «اللهمَّ حبب عُبَيْدك هذا وأُمَّه إلى كل مؤمن ومؤمنة» فليس يسمع بي مؤمن ولا مؤمنة إلا أحبَّني.
стр. 195
دعوة أم سليم ﵂ دعوة أم سليم لأبي طلحة إلى الإِسلام حين خطبها ودخوله في الإِسلام
أخرج أحمد عن أنس ﵁ أنَّ أبا طلحة خطب أُمَّ سُلَيم - يعني قبل أن يُسلم - فقالت: يا أبا طلحة، ألستَ تعلم أنَّ إلهك الذي تعبد نَبَت من الأرض؟ قال: بلى قالت: أفلا تستحي تعبد شجرة؟ إن أسلمتَ فإنِّي لا أُريد منك صَداقاً غيره. قال: حتى أنظر في أمري. فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله. فقالت: يا أنس زوِّجْ أبا طلحة، فزوَّجها. وأخرجه أيضاً ابن سعد بمعناه. كذا في الإِصابة.
دعوة الصحابة في القبائل وأقوام العرب دعوة ضِمام بن ثعلبة في بني سعد بن بكر وفود ضمام على النبي ﷺ وخبره معه ودخوله في الإِسلام
أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄ قال: بعث بنو سعد بن بكر ضِمامَ بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله ﷺ فقدم إليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه؛ وكان ضِمام رجلاً جَلْداً أشعرَ ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه. فقال: أيُّكُم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ «أنا ابن عبد المطلب» . فقال: أمحمد؟ قال: «نعم» . قال: يا ابن عبد المطلب، إنِّي سائلك ومُغَلِّظ عليك في المسألة فلا تَجدنَّ في نفسك. قال: لا أجد في
стр. 196
نفسي فسَلْ عمَّا بدا لك» فقال: أنشدك الله الهك وإلَه من كان قبلك واله من هو كائن بعدك: آلله بعثك إلينا رسولاً؟ قال: «اللَّهمَّ نعم» قال: فأنشدك الله الهك واله من كان قبلك واله من هو كائن بعدك؛ آلله آمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئاً، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟ قال: «اللَّهمَّ نعم» . قال: فأنشدك الله الهكَ واله من كان قبلك واله من هو كائن بعدك: آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: «اللهم نعم» قال: ثم جعل يذكر فرائض الإِسلام فريضة فريضة: الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإِسلام كلّها، ينشده عند كل فريضة منها كم ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإنِّي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص؛ ثم انصرف إلى بعيره راجعاً. قال فقال رسول الله ﷺ «إنْ صدق ذو العقيصتين دخل الجنة» .
إسلام بني سعد وقول ابن عباس في ضمام
قال: فأتى بعيره فأطلق عِقاله ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوَّل ما تكلم أنْ قال: بئست اللات والعزَّى. فقالوا: مَهْ يا ضمام، إتَّقِ البرص، إتَّقِ الجُذام، اتَّقِ الجنون فقال: ويلكم إنَّهما - والله - لا يضران ولا ينفعان. إنَّ الله قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتاباً إستنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ما نهاكم عن.
قال فوالله، ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً. قال يقول ابن عباس ﵄: فلما سمعنا بوافدِ قومٍ كان أفضل من ضِمام بن ثعلبة، وهكذا رواه
стр. 197
الإِمام أحمد من طريق ابن إسحاق وأبو داود نحوه من طريقه؛ وعند الواقدي: فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً، وبنَوا المساجد، وأذّنوا بالصلاة. كذا في البداية.
وأخرجه الحاكم أيضاً في المستدرك من طريق ابن إسحاق بنحوه ثم قال: قد اتفق الشيخان على إخراج ورود ضمام المدينة ولم يسق واحد منهما الحديث بطوله، وهذا صحيح. انتهى؛ ووافقه الذهبي فقال: صحيح.
دعوة عمرو بن مرة الجهني ﵁ في قومه رؤيا عمرو في أمر بعثته ﵇
أخرج الرُوياني وابن عساكر عن عمرو بن مُرَّة الجُهني ﵁ قال: خرجنا حجّاجاً في الجاهلية في جماعة من قومي، فرأيت في المنام وأنا بمكَّة نوراً ساطعاً من الكعبة حتى أضاء لي جبل يثرب وأشعر جهينة، وسمعت صوتاً في النور وهو يقول: إنقشعت الظلماء، وسطع الضِّياء، وبُعث خاتم الأنبياء. ثم أضاء لي إضاءة أُخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة، وأبيضِ المدائن، وسمعت صوتاً في النّور وهو يقول: ظهر الإِسلام، وكسرت الأصنام، ووُصلت
стр. 198
الأرحام. فانتبهت فزعاً فقلت لقومي: والله ليحدُثنَّ في هذا الحيِّ من قريش حَدَث، فأخبرتهم بما رأيت.
دخول عمرو على النبي ﷺ وقصة إسلامه
فلما انتهيت إلى بلادنا جاء الخبر أنَّ رجلاً يقال له أحمد قد بُعث، فخرجت حتى أتيته وأخبرته بما رأيت، فقال: «يا عمرو بن مرَّة، أنا النبيّ المرسل إلى العباد كافّة، أدعوهم إلى الإِسلام، وآمرهم بحقن الدماء، وصِلَة الأرحام، وعبادة الله وحده، ورفض الأصنام، وبحجِّ البيت، وصيام شهر رمضان - شهر من إثني عشر شهراً -، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النَّار، فآمن يا عمرو يؤمنك الله من هول جهنم» . فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله، آمنت بكل ما جئتَ به من حلال وحرام، وإنْ رَغِم ذلك كثير من الأقوام. ثم أنشدته أبياتاً قلتها حين سمعت به - وكان لنا صنم وكان أبي سادنَه، فقمت إليه فكسرته ثم لحقت بالنبي ﷺ وأنا أقول -:
شهدتُ بأن الله حق وإنني
لآلهة الأحجار أول تارك
وشمَّرت عن ساقي الإِزار مهاجراً
أجوب إليك الوَعْثَ بعد الدَّكادك
لأصحبَ خير النَّاس نفساً ووالداً
رسول مليك النَّاس فوق الحبائك
فقال النبي ﷺ «مرحباً بك يا عمرو» .
بعثه ﵇ عَمْراً للدعوة إلى قومه ووصيته له
فقلت: بأبي أنت وأمي أبعث بي إلى قومي لعلَّ الله أن يمنَّ بي عليهم كما منَّ بك عليَّ، فبعثني فقال: «عليك بالرِّفق والقول السديد، ولا تكنْ فظَّاً، ولا متكبِّراً، ولا حسوداً» . فأتيت قومي فقلت: يا بني رِفاعة، بل يا معشر جُهينة،
стр. 199
إنِّي رسولُ رسولِ الله إليكم، أدعوكم إلى الإِسلام، وآمركم بحقن الدماء، وصِلَة الأرحام، عبادة الله وحده، ورفض الأصنام، وبحجِّ البيت، وصيام شهر رمضان - شهر من إثني عشر شهراً - فمن أجاب فله الجنَّة، ومن عصى فله النَّار. يا معشر جُهينة، إنَّ الله جعلكم خيار من أنتم منه، وبغَّض إليكم في جاهليكم ما حبِّب إلى غيركم من العرب، فإنهم كانوا يجمعون بين الأختين والغزاة في الشهر الحرام، ويخلُف الرجل على إمرأة أبيه، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي بن غالب تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة. فما جاءني إلا رجل منهم فقال: يا عمرو بن مرَّة، أمرَّ الله عيشَك، أتأمرنا برفض آلهتنا، وأن نفرِّق جمعنا، وأن نخالف دين آبائنا الشيم العلى إلى ما يدعونا إليه هذا القرشي من أهل تِهامة؟ لا حبّاً ولا كرامة. ثم أنشأ الخبيث يقول:
إنَّ ابن مرَّة قد أتى بمقالة
ليست مقالة من يريد صلاحاً
إنِّي لأحسب قولَه وفِعالَه
يوماً وإن طال الزمان ذُباحا
ليسفِّه الأشياخ ممن قد مضى
مَنْ رامَ ذلك لا أصاب فلاحا
فقال عمرو: الكاذب مني ومنك أمرَّ الله عيشه، وأبكم لسانه، وأكمه إنسانه، قال فوالله ما مات حتى سقط فوه، وعمي، وخرف، وكان لا يجد طعم الطَّعام.
قدوم عمرو مع من أسلم من قومه إلى النبي ﷺ وكتابه لهم
فخرج عمرو بمن أسلم من قومه حتى أتَوا النبي ﷺ فحيَّاهم ورحبَّ بهم، وكتب لهم كتاباً هذه نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من الله العزيز، على لسان رسوله، بحقَ صادق وكتاب ناطق مع عمرو بن مرة لجهينة بن زيد: إن لكم بطون
стр. 200
الأرض وسهولها، وتِلاع الأودية وظهورها، على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدوا الخُمس، وتصلوا الخَمس، وفي الغنيمة والصريمة شاتان إِذا اجتمعتا فإن فرقتا فشاة شاة. ليس على أهل المثيرة صدقة، ولا على الواردة لبقة، والله شهيد على ما بيننا ومن حضر من المسلمين. كتاب قيس بن شمّاس» .
كذا في كنز العمال: وأخرجه أيضاً أبو نُعيم بطوله؛ كما في البداية والطبراني بطوله كما في المجمع.
دعوة عروة بن مسعود ﵁ في ثقيف إسلام عروة ودعوته لقومه إلى الإِسلام وقتلهم إياه شهيدا
أخرج الطبراني عن عروة بن الزبير ﵁ قال: لما أنشأ النَّاس الحج سنة تسعٍ قدم عروة بن مسعود ﵁ على رسول الله ﷺ مسلماً، فاستأذن رسول الله ﷺ أن يرجع إلى قومه، فقال رسول الله ﷺ «إني أخاف أن يقتلوك» ، قال لو وجدوني نائماً ما أيقظوني. فأذن له رسول الله ﷺ فرجع إلى قومه مسلماً، فرجع عشاء فجاء ثقيف يحيُّونه فدعاهم إلى الإِسلام، فاتَّهموه وأغضبه وأسمعوه فقتلوه. فقال رسول الله ﷺ «مَثَلُ عروة مَثَلُ صاحب ياسين
стр. 201
دعا قومه إلى الله فقتلوه» قال الهيثمي بمعناه.
فرح عروة بقتله في سبيل الله ووصيته لقومه
أخرجه ابن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن يحيى عن غير واحد من أهل العلم، فذكره مطوَّلاً وفيه: فقدم الطائف عشاء، فدخل منزله، فأتته ثقيف تسلِّم عليه بتحية الجاهلية فأنكرها عليهم وقال: عليكم بتحية أهل الجنَّة: السلام، فآذَوه، ونالوا منه، فحلم عنهم وخرجوا من عنده، فجعلوا أتمرون به، وطلع الفجر فأوفَى على غرفة له، فأذَّن بالصلاة. فخرجت إليه ثقيف من كل ناحية، فرماه رجل من بني مالك يقال له: أوس بن عوف فأصاب أكحَلَه ولم يَرْقَ دمه. فقام غَيْلان بن سلمة، وكنانة بن عبد ياليل، والحكم بن عمرو ووجوه الأخلاف فلبسوا السلاح وحشدوا، وقالوا: نموت عن آخرنا أو نثأر به عشرة من رؤساء بني مالك. فلما رأى عروة بن مسعود ما يصنعون قال: لا تقتتلوا فيَّ قد تصدَّقت بدمي على صاحبه لأصلح بذلك بينكم، فهي كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله ﷺ لقد أخبرني بهذا أنَّكم تقتلوني ثم دعا رهطة فقال: إذا متُّ فادفنوني مع الشهداء الذين قَتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فمات فدفنوه معهم. وبلغ النبي ﷺ مقتله فقال: مثل عروة.. فذكره؛ وقد تقدَّمت قصة إسلام ثقيف في - قصصه ﷺ في الأخلاق والأعمال المفضية إلى هداية الناس (ص ١٨٣) .
стр. 202
دعوة الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ في قومه قدوم طفيل بن عمرو مكة وخبره مع قريش
أخرج أبو نُعيم في الدلائل (ص ٨،) عن محمد بن إسحاق قال: كان رسول الله ﷺ على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذِّرونه النَّاس ومن قدم عليهم من العرب، وكان طُفيل بن عمرو الدَّوْسي يحدِّث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش - وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً - فقالوا له: يا طُفيل، إنَّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، فرّق جماعتنا، وإنّما قوله كالسحر، يفرِّق بين المرء وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلِّمْه ولا تسمع منه. قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلِّمه، حتى حشوت أذنيَّ حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفاً فَرَقاً من أن يبلغني من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه.
إسلام طفيل بن عمرو
قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، قال: فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قال: فسمعت كلاماً حسناً، قال فقلت في نفسي: واثُكلَ أمِّي، إِني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته.
فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته، فاتَّبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إنَّ قومك قالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا لي -
стр. 203
فوالله ما بَرحوا يخوِّفونني أمرك حتى سددتُ أذنيَّ بكُرسُف لئلا أسمعَ قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قلاً حسناً، فاعرضْ عليَّ أمرك. فعرض عليَّ الإِسلام، وتلا عليّ القرآن. قال: فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن، ولا أمراً أعدل منه. قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله، إنِّي امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإِسلام، فادعُ الله لي أن يجعل لي آية تكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه. قال فقال: «اللهمَّ إجعل له آية» .
رجوع طفيل إلى قومه داعياً لهم إلى الإِسلام وتأييد الله له بآية
قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثَنِيَّة تُطلعني على الحاضر وقع نور بين عينيَّ مثل المصباح، قال: فقلت: اللَّهمَّ في غير وهي، فإني أخشى أن يظنُّوا أنَّها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراق دينهم. قال: فتحوَّل فوقع في رأس سَوْطي، فجعل الحاضر يتراؤون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلَّق وأنا هابط إليهم من الثَنِيَّة، حتى جئتهم فأصبحت فيهم.
دعوة طفيل لأيه وصاحبته وإسلامهما
فلما نزلت أتاني أبي - وكان شيخاً كبيراً - قال: فقلت: إليكَ عنِّي يا أبت، فلستَ منِّي ولستُ منك. قال: ولمَ أيْ بُني؟ قال قلت: أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ قال أبي: ديني دينك، فاغتسل وطهَّر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإِسلام فأسلم. قال ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني فلستُ منك ولستِ منِّي، قالت: لِمَ بأبي أنت وأُمي؟ قال قلت: فرَّق بيني وبينك الإِسلام، فأسلمتْ، ودعوت دَوْساً إِلى الإِسلام فأبطأوا عليَّ.
دعاؤه ﵇ لدَوْس وإسلامهم وقدومهم مع طفيل إلى النبي ﷺ ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة، فقلت: يا نبي الله، إنَّه قد غلبني دَوْسٌ فدع الله عليهم فقال: «اللَّهم اهدِ دَوْساً، أرجع إلى قومك فادعهم وارفق
стр. 204
بهم» . قال: فرجعت فلم أزل بأرض دَوْس أدعوهم إلى الإِسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وقضى بدراً وأُحداً والخندق. ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دَوْس. وذكره في البداية عن ابن إسحاق مع زيادة يسيرة.
قال في الإِصابة: ذكرها ابن إسحاق في سائر النسخ بلا إسناد؛ وروى في نسخة من المغازي من طريق صالح بن كَيْسانُ عن الطفيل بن عمرو في قصة إسلامه خبراً طويلاً. وأخرجه ابن سعد أيضاً مطوَّلاً من وجه آخر، وكذلك الأموي عن ابن الكلبي بإسناد آخر. انتهى مختصراً. وقد ساق ابن عبد البرِّ في الإستيعاب طريق الأموي عن ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن الطُفيل بن عمرو، فذكر قصّة إسلامه ودعوته لأبيه وزوجته وقومه وقدومه مكة بمعنى ما تقدّم، وزاد بعده: بعثه لتحريق صنم «ذي الكفَّين» ثم خروجه إلى اليمامة وما وقع له من الرؤيا في ذلك وقتله يوم اليمامة شهيداً. قال: في الإِصابة وذكر أبن الفرج الأصبهاني من طريق ابن الكلبي أيضاً أنَّ الطفيل لما قدم مكة ذكر له ناس من قريش أمر النبي ﷺ وسأله أن يختبر حاله، فأتاه فأنشده من شعره، فتلا النبي ﷺ الإِخلاص والمعوّذتين، فأسلم في الحال، وعاد إلى قومه، وذكر قصة سَوْطه ونُورِه. قال: فدعا أبويه إلى الإِسلام فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه فأجابه أبو هريرة ﵁ وحده. ثم أتى النبي ﷺ فقال: هل لك في حِصْن حصين وَمَنَعة؟ يعني أرض دَوْس. قال: ولما دعا النبي ﷺ لهم قال له الطفيل: ما كنت أحبُّ هذا، فقال: «إنَّ فيهم مثلك كثيراً» . قال وكان جندب بن عمرو بن حممة بن عوف الدَّوْسي
стр. 205
يقول في الجاهلية: إنَّ للخلق خالقاً لكني لا أدري من هو؟ فلما سمع بخبر النبي ﷺ خرج ومعه خمسة وسبعون رجلاً من قومه فأسلم وأسلموا. قال أبو هريرة: فكان جندب يقدِّمهم رجلاً رجلاً - إنتهى. وقد تقدَّمت دعوة علي ﵁ في قبيلة هَمْدان (ص ١٢١) ، ودعوة خالد بن الوليد ﵁ في بني الحارث بن كعب (ص ١٢١) ، ودعوة أبي أُمامة ﵁ في قومه (ص ١١٧) .
إرسال الصحابة الأفراد والجماعة للدعوة بعث هشام بن العاص وغيره إلى هرقل
أخرج البيهقي في الدلائل عن أبي أُمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي ﵄ قال: بُعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل - صاحب الروم - بدعوة إلى الإِسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة - يعني: دمشق - فنزلنا على جَبَلَة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له. فأرسل ألينا برسول نكلِّمه، فقلنا: والله لا نكلِّم رسولاً، وإنما بُعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلَّمناه، وإلا لم نكلِّم الرسول، فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك. قال: فأذن لنا فقال: تكلَّموا، فكلمه هشام بن العاص ودعاه إلى الإِسلام، فإذا عليه ثياب سود. فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال: لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. قلنا: ومجلسك هذا فوالله لنأخذنَّه منك ولنأخذنَّ ملك الملك الأعظم إن شاء الله أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ قال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل - فذكر الحديث بطوله كما سيأتي في باب التأييدات الغيبية. وأخرجه الحاكم أيضاً بطوله كما في التفسير لابن كثير بنحوه.
стр. 206
وأخرج أبو نعيم في الدلائل (ص ٩) عن موسى بن عُقبة القرشي) أن هشام بن العاص، ونُعيم بن عبد الله، ورجلاً آخر قد سماه، بُعثوا إلى ملك الروم زمن أبي بكر ﵁، قال: فدخلنا على جَبَلَة بن الأيهم وهو بالغوطة، فإذا عليه ثياب سود، وإذا كل شيء حوله أسود، فقال: يا هشام كلِّمْه، فكلَّمه ودعاه إلى الله تعالى - فذكر الحديث بطوله كما سيأتي.
إرسال الصحابة الكتب للدعوة إلى الله والدخول في الإِسلام كتاب زياد بن الحارث الصُّدَائي إلى قومه
أخرج البيهقي عن زياد بن الحارث الصُّدائي ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته على الإِسلام، فأُخبرت أنَّه قدْ بعث جيشاً إلى قومي، فقلت: يا رسول الله، أردُدِ الجيش وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم. فقال لي: «إذهب فردَّهم» فقلت: يا رسول الله، إنَّ راحلتي قد كلَّت، فبعث رسول الله ﷺ رجلاً فردَّهم. قال الصُّدائي: وكتبت إليهم كتاباً فقدم وفدهم بإسلامهم، فقال لي رسول الله ﷺ «يا أخا صُداء، إنَّك لمُطاع في قومك فقلت: بل الله هداهم للإِسلام. فقال: «أفَلا أُؤمرك عليهم؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: فكتب لي كتاباً أمَّرني. فقلت: يا رسول الله، مُرْ لي بشيء من صدقاتهم. قال: «نعم» فكتب لي كتاب آخر.
قال الصُّدائي - وكان ذلك في بعض أسفاره - فنزل رسول الله ﷺ منزلاً فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون: أَخَذَنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ «أوَ فعل ذلك؟» قالوا: نعم. فالتفت رسول الله ﷺ إِلى أصحابه وأنا فيهم فقال: «لا خير في الإِمارة لرجل مؤمن» .
стр. 207
قال الصُّدائي: فدخل قوله في نفسي. ثم أتاه آخر فقال يا رسول الله، أعطني. فقال رسول الله ﷺ «من سأل الناس عن ظهر غِنًى فصُداع في الرأس وداء في البطن» . فقال السائل: أعطني من الصدقة. فقال رسول الله ﷺ «إنَّ الله لم يرضَ في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها، فجزَّأها ثمانية أجزاء، فإِن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» . قال الصُّدائي فدخل ذلك في نفسي أنِّي غني وأني سألته من الصدقة - فذكر الحديث، وفيه: فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة أتيته بالكتابين فقلت: يا رسول الله أعفني من هذين، فقال: «ما بدا لك» ، فقلت: سمعتك يا رسول الله تقول: لا خير في الإِمارة لرجل مؤمن» وأنا أؤمن بالله وبرسوله: وسمعتك تقول للسائل: «من سأل الناس عن ظهر غنًى فهو صُداع في الرأس وداء في البطن» ؛ وسألتك وأنا غني فقال: «هو ذاك، فإن شئت فاقبل وإن شئت فدَعْ» . فقلت: أدَعُ. فقال لي رسول الله ﷺ «فدُلَّني على رجل أؤمره عليكم» ، فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمَّره عليه. كذا في البداية، وأخرجه أيضاً بطوله البغوي وابن عساكر؛ وقال: هذا حديث حسن؛ كما في الكنز.
وأخرجه أحمد أيضاً بطوله، كما في الإِصابة، وأخرجه الطبراني أيضاً بطوله. قال الهيثمي: وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنْعم وهو ضعيف،
стр. 208
وقد وثَّقه أحمد بن صالح ورد على من تكلَّم فيه وبقية رجاله ثقات.
كتاب بُجَير بن زهير بن أبي سُلمى ﵁ إلى أخيه كعب
أخرج الحاكم عن إبراهيم بن المنذر الحِزامي، عن الحجَّاج بن ذي الرُّقَيبة بن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى المُزَني، عن أبيه عن جدّه قال: خرج كعب وبُجَير إبنا زهير حتى أتيا أبرق العزّاف. فقال بجَير لكعب: أثبت في عجل هذا المكان حتى آتي هذا الرجل - يعني رسول الله ﷺ فأسمع ما يقول. فثبت كعب وخرج بُجَير فجاء رسول الله ﷺ فعرض عليه الإِسلام فأسلم، فبلغ ذلك كعباً فقال:
ألا أبلغا عني بُجيراً رسالةً
على أيِّ شيء وَيْب غيرك دلَّكا
على خُلُقٍ لم تُلفِ أماً ولا أباً
عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا
سقاك أبو بكر بكأس روية
وأنهلك المأمون منه وعلَّكا
فلما بلغت الأبيات رسول الله ﷺ أهدر دمه فقال: «من لقي كعباً فليقتلْه» . فكتب بذلك بُجَير إلى أخيه يذكر له أنْ رسول الله ﷺ قد أهدر دمه ويقول له: النجاءَ وما أراكَ تُفلت.
ثم كتب إِليه بعد ذلك: اعلم أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إِلا قبل ذلك. فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم
стр. 209
وأقْبِل. فأسلم كعب وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ﷺ ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله ﷺ ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ مع أصحابه مكان المائدة من القوم متحلِّقون معه حلقة دون حلقة، يلتفت إلى هؤلاء مرَّة فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم. قال كعب: فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله ﷺ بصفة، فتخطَّيت حتى جلست إِليه فأسلمت فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله، الأمانَ يا رسول الله. قال: «ومن أنت» قلت: أنا كعب بن زهير قال: «أنت الذي تقول» ثم التفت إلى أبي بكر، فقال: «كيف قال يا أبا بكر؟» فأنشده أبو بكر ﵁:
سقاك أبو بكر بكأس رويّة
وأنهلك المأمور منها وعلَّكا
قال: يا رسول الله، ما قلت هكذا. قال: «وكيف قلت؟» قال: إنما قلت:
سقاك أبو بكر بكأس روية
وأنهلك المأمون منها وعلَّكا
فقال رسول الله ﷺ «مأمون والله» ثم أنشده القصيدة كلَّها حتى أتى على آخرها - فذكر القصيدة.
وأخرج الحاكم أيضاً عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن موسى بن عقبة قال: أنشد النبي ﷺ كعبُ بن زهير «بانت سعاد» في مسجده بالمدينة فلما بلغ قوله:
إنَّ الرسول لَسَيْفٌ يُستضاء به
وصارم من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم
ببطن مكة لما أسلموا زُولوا
стр. 210
أشار رسول الله ﷺ بكمه إِلى أُخخيه كعب بن زهير بن أبي سلمى يخوِّفه ويدعوه إلى الإِسلام وقال فيها أبياتاً:
من مبلغٌ كعباً؟ فهل لك في التي
تلوم عليها باطلاً؟ وهي أحزم
إلى الله لا العزَّى ولا اللات وحدَه
فتنجو إذا كان النَّجاء وتسلم
لدى يومِ لا ينجو وليس بمفلتٍ
من النار إلا طاهرُ القلب مسلم
فدين زهيرٍ وهو لا شيء باطلٌ
ودين أبي سُلمى عليَّ محرّم
قال الحاكم هذا حديث له أسانيد قد جمعها إبراهيم بن المنذر الحزامي.
فأما حديث محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، وحديث الحجاج بن ذي الرقيبة فإنهما صحيحان، وقد ذكرهما محمد بن إسحاق القرشي في المغازي مختصراً - فذكره بإسناده إلى ابن إسحاق.
وأخرجه الطبراني أيضاً عن ابن إسحاق، قال الهيثمي: ورجاله إِلى ابن إسحاق ثقات. انتهى. وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني عن يحيى بن عمرو بن جريج عن إبراهيم بن المنذر عن الحجَّاج - فذكره بمعنى ما تقدم - كما في الإِصابة. وأخرجه أيضاً البيهقي عن ابن المنذر بإسناده مثله؛ كما في البداية.
стр. 211
كتاب خالد بن الوليد إلى أهل فارس
أخرج الطبراني عن أبي وائل ﵁ قال: كتب خالد بن الوليد ﵁ إِلى أهل فارس يدعوهم إِلى الإِسلام:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إِلى رستم ومهران وملأ فارس، سلام على من اتَّبع الهدى. أما بعد: فإنَّا ندعوكم إِلى الإِسلام، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قوماً يحبُّون القتل في سبيل الله كما تحب فارس الخمر. والسلام على من اتبع الهدى» .
قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن أو صحيح. انتهى.
كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن
وأخرجه الحكم أيضاً في المستدرك عن أبي وائل بنحوه؛ وأخرج ابن جرير عن مجالد عن الشعبي قال: أقرأني بنو بُقَيلة كتاب خالد بن الوليد إِلى أهل المدائن:
«من خالد بن الوليد إِلى مرازبة أهل فارس. سلام على من اتَّبع الهدى. أما بعد: فالحمد لله الذي فَضَّ خَدَمتكم، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم، وإنه من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا. أما بعد: فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إِليّ بالرُّهُن، واعتقدوا مني الذمَّة، وإلا فوالذي لا إِله غيره لأبعثن إِليكم قوماً يحبون الموت كما
стр. 212
تحبون الحياة» .
فلما قرأوا الكتاب أخذوا يتعجبون وذلك سنة إثنتي عشرة.
كتاب خالد بن الوليد إِلى هُرْمز
وأخرج ابن جرير في تاريخه أيضاً عن المجالد عن الشعْبي قال: كتب خالد ﵁ إلى هُرْمز قبل روجه مع أزاذِبَة أبي الزياذبة الذين باليمامة، وهرمز صاحب الثغر يومئذٍ:
«أما بعد: فأسلم تسلم، أو أعتقد لنفسك وقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومنَّ إِلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة» .
وذكر ابن جرير أيضاً بإسناده أنَّ خالداً لما غلب على أحد جانبي السَّواد دعا من أهل الحيرة برجل، وكتب معه إلى أهل فارس وهم بالمدائن مختلفون متساندون لموت أردشير؛ إلا أنَّهم قد أنزلوا بَهْمَن جاذَوَيه ببَهُرسِير وكأنه على المقدمة، ومع بَهْمن جاذويه الأزاذبة في أشباه له، ودعا صلوباً برجل وكتب معهما بكتابين: فأما أحدهما فإلى الخاصة، وأما الآخر فإلى العامة، أحدهما حِيرِي والآخر نَبَطي. ولما قال خالد لرسول أهل الحيرة: ما اسمك؟ قال: مُرَّة. قال خذ الكتاب فأتِ به أهل فارس لعل الله أن يُمرَّ عليهم عيشهم أو يسلموا أو يُنيبوا. وقال لرسول أهل الحيرة: ما اسمك؟ قال: مخرَّة. قال خذ الكتاب فأتِ به أهل فارس لعل الله أن يُمرَّ عليهم عيشهم أو يسلموا أو يُنيبوا. وقال لرسول صلوبا: ما اسمك؟ قال: هِزْقيل. قال: فخذ الكتاب، وقال: اللَّهمَّ أزهق نفوسهم. قال ابن جرير: والكتابان.
«بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إِلى ملوك فارس. أما بعد: فالحمد لله الذي حلَّ نظامكم، ووهَّن كيدكم، وفرَّق كلمتكم، ولو لم
стр. 213
يفعل ذلك بكم كان شرّاً لكم، فادخلوا في أمرنا نَدَعْكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غَلَب، على أيدي قوم يحبّون الموت كما تحبون الحياة» .
«بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إِلى مرازبة فارس. أما بعد: فأسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا مني الذمّة، وأدُّوا الجزية، وإِلا فقد جئتكم بقوم يحبُّون الموت كما تحبُّون شرب الخمر. انتهى» .
دعوة الصحابة ﵃ في القتال في عهد النبي ﷺ دعوة الحارث بن مسلم التميمي
أخرج الحسن بن سفيان وأبو نُعَيم عن عبد الرحمن بن حسان الكِتَاني: حدثني مسلم بن الحارث بن مسلم التميمي، أنَّ أباه حدَّثه: أنَّ رسول الله ﷺ أرسلهم في سريَّة. قال: فلما بلغنا المُغار استحثثتُ فرسي، وتبعت أصحابي، واستقبلنا الحيَّ بالرنين. فقلت لهم: وقولوا: لا إله إلا الله تُحرِزُوا، فقالوها: وجاء أصحابي فلاموني وقالوا: حرمتنا الغنية بعد أن بردت في أيدينا فلما قفلنا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فدعاني فحسَّن ما صنعت، وقال: «أما إنَّ الله قد كتب لك من كل إنسان منهم كذا وكذا» . قال عبد الرحمن: فأنا سبب ذلك، قال: ثم قال رسول الله ﷺ «أما إنِّي سأكتب لك كتاباً وأوصي بك من يكون بعدي من أئمة المسلمين» ففعل وختم عليه ودفعه إِليَّ وقال لي: «إذ صلَّيت الغَداة فقل قبل أن تكلِّم أحداً: اللَّهمَّ أجرني من النار سبع
стр. 214
مرات، فإنك إن متَّ من يومك ذلك كتب الله لك جواراً من النَّار» .
فلما قبض الله رسوله ﷺ أتيت أبا بكر ﵁ ففضَّه فقرأه وأمر لي وختم عليه. ثم أتيت به عمر ﵁ ففعل مثل ذلك. ثم أتيت عثمان ﵁ ففعل مثل ذلك. قال مسلم بن الحارث فتوفي الحارث في خلافة عثمان ﵁، فكان الكتاب عندنا حتى ولي عمر بن عبد العزيز ﵁، فكتب إلى عامل قِبَلنا أنْ أشْحِص لي مسلم بن الحارث بن مسلم التميمي بكتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لأبيه. فشخصت به إليه فقرأه وأمر لي وختم عليه؛ كذا في كنز العمال؛ والمنتخب.
دعوة كعب بن عمير الغفاري
وأخرج الواقدي عن محمد بن عبد الله الزُّهْري قال: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عُمير الغِفاري ﵁ في خمسةَ عشرَ رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أطْلاح من الشام، فوجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً، فدَعوهم إلى الإِسلام لم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل. فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشدَّ القتال حتى قُتلوا، فارْتُثَّ منهم رجل جريج في القتلى، فلما أن بَرَد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ فهمَّ بالبَعْثة إِليهم، فبلغه أنَّهم ساروا إلى موضع آخر. كذا في البداية وأخرجه ابن سعد في الطبقات عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن
стр. 215
الزهري بمثله، وهكذا ذكره ابن إسحاق عن عبدا لله بن أبي بكر وأن كعب بن عمير قتل يومئذٍ، وذكره أيضاً موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود عن عروة؛ كما في الإِصابة وقال ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة أنَّ قصته كانت في ربيع الأول سنة ثمان.
دعوة ابن أبي العوجاء
وأخرج البيهقي من طريق الواقدي عن محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزُّهري قال: لمَّا رجع رسول الله ﷺ من عمرة القضيَّة رجع في ذي الحِجَّة من سنة سبع، فبعث ابن أبي العَوْجاء السُّلمي ﵁ في خمسين فارساً، فخرج العين إلى قومه فحذَّرهم وأخبرهم، فجمعوا جمعاً كثيراً، وجاءهم ابن أبي العَوْجاء والقوم مُعِدُّون. فلما أن رأوهم أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا جمعهم دعَوْهم إلى الإِسلام، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم، وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه فرمَوهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل جانب؛ فقاتل القوم قتالاً شديداً حتى قُتل عامتهم، وأصيب بن أبي العَوْجاء بجراحات كثيرة، فتحامل حتى رجع إِلى
следующие страницы →