← История

История · id 8528

حياة الصحابة

محمد يوسف الكاندهلوي

Полный текст (1 779 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كتاب خالد بن الوليد إلى أهل فارس أخرج الطبراني عن أبي وائل ﵁ قال: كتب خالد بن الوليد ﵁ إِلى أهل فارس يدعوهم إِلى الإِسلام: «بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إِلى رستم ومهران وملأ فارس، سلام على من اتَّبع الهدى. أما بعد: فإنَّا ندعوكم إِلى الإِسلام، فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فإن أبيتم فإن معي قوماً يحبُّون القتل في سبيل الله كما تحب فارس الخمر. والسلام على من اتبع الهدى» . قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن أو صحيح. انتهى. كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن وأخرجه الحكم أيضاً في المستدرك عن أبي وائل بنحوه؛ وأخرج ابن جرير عن مجالد عن الشعبي قال: أقرأني بنو بُقَيلة كتاب خالد بن الوليد إِلى أهل المدائن: «من خالد بن الوليد إِلى مرازبة أهل فارس. سلام على من اتَّبع الهدى. أما بعد: فالحمد لله الذي فَضَّ خَدَمتكم، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم، وإنه من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا. أما بعد: فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إِليّ بالرُّهُن، واعتقدوا مني الذمَّة، وإلا فوالذي لا إِله غيره لأبعثن إِليكم قوماً يحبون الموت كما

стр. 212

تحبون الحياة» . فلما قرأوا الكتاب أخذوا يتعجبون وذلك سنة إثنتي عشرة. كتاب خالد بن الوليد إِلى هُرْمز وأخرج ابن جرير في تاريخه أيضاً عن المجالد عن الشعْبي قال: كتب خالد ﵁ إلى هُرْمز قبل روجه مع أزاذِبَة أبي الزياذبة الذين باليمامة، وهرمز صاحب الثغر يومئذٍ: «أما بعد: فأسلم تسلم، أو أعتقد لنفسك وقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومنَّ إِلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة» . وذكر ابن جرير أيضاً بإسناده أنَّ خالداً لما غلب على أحد جانبي السَّواد دعا من أهل الحيرة برجل، وكتب معه إلى أهل فارس وهم بالمدائن مختلفون متساندون لموت أردشير؛ إلا أنَّهم قد أنزلوا بَهْمَن جاذَوَيه ببَهُرسِير وكأنه على المقدمة، ومع بَهْمن جاذويه الأزاذبة في أشباه له، ودعا صلوباً برجل وكتب معهما بكتابين: فأما أحدهما فإلى الخاصة، وأما الآخر فإلى العامة، أحدهما حِيرِي والآخر نَبَطي. ولما قال خالد لرسول أهل الحيرة: ما اسمك؟ قال: مُرَّة. قال خذ الكتاب فأتِ به أهل فارس لعل الله أن يُمرَّ عليهم عيشهم أو يسلموا أو يُنيبوا. وقال لرسول أهل الحيرة: ما اسمك؟ قال: مخرَّة. قال خذ الكتاب فأتِ به أهل فارس لعل الله أن يُمرَّ عليهم عيشهم أو يسلموا أو يُنيبوا. وقال لرسول صلوبا: ما اسمك؟ قال: هِزْقيل. قال: فخذ الكتاب، وقال: اللَّهمَّ أزهق نفوسهم. قال ابن جرير: والكتابان. «بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إِلى ملوك فارس. أما بعد: فالحمد لله الذي حلَّ نظامكم، ووهَّن كيدكم، وفرَّق كلمتكم، ولو لم

стр. 213

يفعل ذلك بكم كان شرّاً لكم، فادخلوا في أمرنا نَدَعْكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على غَلَب، على أيدي قوم يحبّون الموت كما تحبون الحياة» . «بسم الله الرحمن الرحيم. من خالد بن الوليد إِلى مرازبة فارس. أما بعد: فأسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا مني الذمّة، وأدُّوا الجزية، وإِلا فقد جئتكم بقوم يحبُّون الموت كما تحبُّون شرب الخمر. انتهى» . دعوة الصحابة ﵃ في القتال في عهد النبي ﷺ دعوة الحارث بن مسلم التميمي أخرج الحسن بن سفيان وأبو نُعَيم عن عبد الرحمن بن حسان الكِتَاني: حدثني مسلم بن الحارث بن مسلم التميمي، أنَّ أباه حدَّثه: أنَّ رسول الله ﷺ أرسلهم في سريَّة. قال: فلما بلغنا المُغار استحثثتُ فرسي، وتبعت أصحابي، واستقبلنا الحيَّ بالرنين. فقلت لهم: وقولوا: لا إله إلا الله تُحرِزُوا، فقالوها: وجاء أصحابي فلاموني وقالوا: حرمتنا الغنية بعد أن بردت في أيدينا فلما قفلنا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فدعاني فحسَّن ما صنعت، وقال: «أما إنَّ الله قد كتب لك من كل إنسان منهم كذا وكذا» . قال عبد الرحمن: فأنا سبب ذلك، قال: ثم قال رسول الله ﷺ «أما إنِّي سأكتب لك كتاباً وأوصي بك من يكون بعدي من أئمة المسلمين» ففعل وختم عليه ودفعه إِليَّ وقال لي: «إذ صلَّيت الغَداة فقل قبل أن تكلِّم أحداً: اللَّهمَّ أجرني من النار سبع

стр. 214

مرات، فإنك إن متَّ من يومك ذلك كتب الله لك جواراً من النَّار» . فلما قبض الله رسوله ﷺ أتيت أبا بكر ﵁ ففضَّه فقرأه وأمر لي وختم عليه. ثم أتيت به عمر ﵁ ففعل مثل ذلك. ثم أتيت عثمان ﵁ ففعل مثل ذلك. قال مسلم بن الحارث فتوفي الحارث في خلافة عثمان ﵁، فكان الكتاب عندنا حتى ولي عمر بن عبد العزيز ﵁، فكتب إلى عامل قِبَلنا أنْ أشْحِص لي مسلم بن الحارث بن مسلم التميمي بكتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لأبيه. فشخصت به إليه فقرأه وأمر لي وختم عليه؛ كذا في كنز العمال؛ والمنتخب. دعوة كعب بن عمير الغفاري وأخرج الواقدي عن محمد بن عبد الله الزُّهْري قال: بعث رسول الله ﷺ كعب بن عُمير الغِفاري ﵁ في خمسةَ عشرَ رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أطْلاح من الشام، فوجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً، فدَعوهم إلى الإِسلام لم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل. فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشدَّ القتال حتى قُتلوا، فارْتُثَّ منهم رجل جريج في القتلى، فلما أن بَرَد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ فهمَّ بالبَعْثة إِليهم، فبلغه أنَّهم ساروا إلى موضع آخر. كذا في البداية وأخرجه ابن سعد في الطبقات عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن

стр. 215

الزهري بمثله، وهكذا ذكره ابن إسحاق عن عبدا لله بن أبي بكر وأن كعب بن عمير قتل يومئذٍ، وذكره أيضاً موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود عن عروة؛ كما في الإِصابة وقال ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة أنَّ قصته كانت في ربيع الأول سنة ثمان. دعوة ابن أبي العوجاء وأخرج البيهقي من طريق الواقدي عن محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزُّهري قال: لمَّا رجع رسول الله ﷺ من عمرة القضيَّة رجع في ذي الحِجَّة من سنة سبع، فبعث ابن أبي العَوْجاء السُّلمي ﵁ في خمسين فارساً، فخرج العين إلى قومه فحذَّرهم وأخبرهم، فجمعوا جمعاً كثيراً، وجاءهم ابن أبي العَوْجاء والقوم مُعِدُّون. فلما أن رأوهم أصحاب رسول الله ﷺ ورأوا جمعهم دعَوْهم إلى الإِسلام، فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم، وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه فرمَوهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل جانب؛ فقاتل القوم قتالاً شديداً حتى قُتل عامتهم، وأصيب بن أبي العَوْجاء بجراحات كثيرة، فتحامل حتى رجع إِلى

стр. 216

المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من شهر صفر سنة ثمان. كذا في البداية؛ وذكره ابن سعد في الطبقات بمثله بلا إِسناد. دعوة الصحابة إلى الله ورسوله في القتال في عهد أبي بكر، ووصية أبي بكر الأمراء بذلك أمر أبي بكر أمراءه بالدعوة حين بعث الجنود نحو الشام أخرج البيهقي وابن عساكر عن سعيد بن المسيِّب: أنَّ أبا بكر ﵁ لما بعث الجنود نحو الشام أمَّر يزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ولما ركبوا مشى أبو بكر مع أمراء جنوده يودِّعهم حتى بلغ ثَنِيَّة الوداع، فقالوا: يا خليفة رسول الله، تمشي ونحن ركبان؟ فقال: إِني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله. ثم جعل يوصيهم فقال: «أوصيكم بتقوى الله، أغزُوا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، فإنَّ الله ناصرٌ دينَه، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدِروا، ولا تجبنوا، ولا تُفسدوا في الأرض، ولا تعصوا ما تؤمرون. فإذا لقيتم العدو من المشركين - إن شاء الله - فادعوهم إلى ثلاث؛ فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفُّوا عنهم: أدعوهم إلى الإِسلام، فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفُّوا عنهم: أدعوهم إلى الإِسلام، فإن هم أجابوكم فاقبلوا منهم وكفُّوا عنهم. ثم أدعوهم إلى التحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن هم فعلوا فأخبروهم أن لهم مثل ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، وإن هم دخلوا في الإِسلام واختاروا دارهم على دار المهاجرين، فأخبروهم أنَّهم كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي فرض على المؤمنين، وليس لهم في الفيء والغنائم شيء حتى يجاهدوا مع

стр. 217

المسلمين. فإن هم أبَوا أن يدخلوا في الإِسلام فادعوهم إلى الجزية، فإن هم فعلوا فاقبلوا منهم وكفُّوا عنهم، وإن هم أبَوا فاستعينوا بالله عليهم فقاتلوهم إن شاء الله. ولا تُعرقُنَّ نخلاً، ولا تحرقُنَّها، ولا تعقروا البهيمة ولا شجرة ثمر، لا تهدموا بِيْعة، ولا تقتلوا الولدان ولا الشيوخ ولا النساء. وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له، وستجدون آخرين اتخذوا للشيطان في أوساط رؤوسهم أفحاصاً، فإذا وجدتم أولئك فاضربوا أعناقهم إن شاء الله» . كذا في كنز العمال. وأخرجه مالك وعبد الرزاق والبيهقي وابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، والبيهقي عن صالح بن كيسان، وابن زَنْجويه عن ابن عمر ﵄ مختصراً. كما في الكنز (٢٢٩٥ و ٢٩٦) .

стр. 218

أمر أبي بكر خالداً حين بعثه إِلى المرتدين وأخرج البيهقي عن عروة أنَّ أبا بكر الصدِّيق ﵁ أمر خالد بن الوليد ﵁ حين بعثه إلى من ارتدَّ من العرب أن يدعوهم بدعاية الإِسلام، ويبينهم بالذي لهم فيه وعليهم ويحرص على هُداهم، فمن أجابه من النَّاس كلِّهم أحمرهم وأسودهم كان يقبل ذلك منه، بأنه إنما يقاتل من كفر بالله على الإِيمان بالله، فإذا أَجاب المدعو إلى الإِسلام وصدق إيمانه لم يكن عليه سبيل وكان الله هو حسيبه، ومن لم يجبه إلى ما دعاه إِليه من الإِسلام ممَّن يرجع عنه أن يقتله. كذا في الكنز. دعوة خالد بن الوليد لأهل الحيرة وأخرج ابن جرير الطبري عن ابن حُمَيد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان: أنَّ خالداً نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع قبيصة بن إياس بن حيَّة الطائي - وكان أمَّره عليه كسرى بعد النعمان بن المنذر - فقال له خالد ولأصحابه: أدعوكم إِلى الله وإلى الإِسلام، فإن أجبتم إِليه فأنتم من المسلمين لكم ما لهم وعليكم ما عليهم، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فالجزية فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة؛ جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم. فقال له قبيصة: ما لنا بحربك من حاجة، بل نقيم على ديننا ونعطيكم الجزية. فصالحهم على تسعين ألف درهم.

стр. 219

وأخرجه البيهقي من طريق يونس بن بُكَير عن ابن إسحاق وفيه: فقال خالد: أدعوكم إلى الإِسلام، وإلى أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده وأن محمداً عبده ورسوله، وتُقيموا الصلاة، وتُؤتوا الزكاة، وتقرُّوا بأحكام المسلمين، على أنَّ لكم مثلَ ما لهم وعليكم مثل ما عليهم. فقال هانىء: وإن لم أشأ ذلك فَمَه؟ قال: فإن أبيتم ذلك أديتم الجزية عن يدٍ. قال: فإن أبينا ذلك؟ قال: فإن أبيتم ذلك وطئتكم بقوم الموت أحب إليهم من الحياة إليكم. فقال هانىء: أجِّلنا ليلتنا هذه فننظر في أمرنا، قال: قد فعلت. فلما أصبح القوم غدا هانىء فقال: إنه قد أجمع أمرنا على أن نؤدِّي الجزية، فهلمَّ فلأصالحك - فذكر القصة. وقال في البداية أيضاً: لمَّا تقارب الناس يوم اليرموك تقدّم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام وأبو جندل بن سهيل ونادوا: إنَّما نريد أميركم لنجتمع به، فأُذن لهم للدخول على تذارق، وإِذا هو جالس في خيمة من حرير، فقال الصحابة: لا نستحلُّ دخولها. فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا: ولا نجلس على هذه، فجلس معهم حيث أحبُّوا، وتراضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعدما دعوهم إلى الله فلم يتمَّ ذلك. دعوة خالد للأمير الرومي جَرجَة يوم اليرموك وقصة إسلامه وذكر في البداية عن الواقدي وغيره قالوا: خرج جَرَجَة - أحد الأمراء

стр. 220

الكبار - من الصفِّ - أي يوم اليرموك - واستدعَى خالد بن الوليد، فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جَرَجَة: يا خالد، أخبرني فاصدقني ولا تَكذبني، فإن الحرّ لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله: هل أنزل الله على نبيِّكم سيفاً من السماء فأعطاكَه فلا تسلَّه على أحد إلا هزمتهم؟ قال: لا، قال فبِمَ سُمِّيت سيف الله؟ قال: إنَّ الله بعث فينا نبيَّه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعاً، ثم إنَّ بعضنا صدَّقه وتابعه وبعضنا كذَّبه وباعده، فكنت فيمن كذَّبه وباعده. ثم إنَّ الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه. فقال لي: «أنت سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين» ودعا لي بالنَّصر، فسُمِّيتُ سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين. فقال جَرَجَة: يا خالد إِلامَ تدعون؟ قال: إلى شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والإِقرار بما جاء به من عند الله . قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية ونمنعهم. قال: فإن لم يعطِها قال: نُؤذِنُه بالحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا قال جَرَجَة: فلِمَنْ دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذُّخر؟ قال: نعم وأفضل. قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ فقال خالد: إِنَّا قبلنا هذا الأمر عَنْوة وبايعنا نبينا وهو حيٌّ بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء يخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات؛ وحقٌّ لمن رأى ما رينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع؛ وإنَّكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج؛ فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونيّة كان أفضل منّا. فقال جَرَجَة: بالله لقد صدقتني ولم تخادعني؟ قال: تالله لقد صدقتك، وإنَّ الله وليّ ما سألت عنه. فعند ذلك قَلَبَ جَرَجَة الترس ومال مع خالد وقال: علّمني الإِسلام. فمال به خالد إلى فسطاطه فشنّ عليه قِربةً من ماء ثم صلَّى به ركعتين. وحملت الروم مع إنقلابه إلى خالد وهم يَرَون أنَّها منه حملة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إِلا المُحامية عليهم عِكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام.

стр. 221

فركب خالد وجَرَجَة معه والروم خلال المسلمين، فتنادَى الناس وثابوا، وتراجعت الروم إلى مواقفهم، وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف، فضرب فيهم خالد وجَرَجَة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، وصلَّى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر إيماءً، وأصيب جَرَجَة ﵀ ولم يصلِّ لله إلا تلك الركعتين مع خالد ﵄. وقال الحافظ في الإِصابة: ذكره ابن يونس الأزدي في فتوح الشام، ومن طريق أبي نُعَيم في الدلائل وقال: جرجير، وقال سَيْف بن عمر في الفتوح: جَرَجَة، وذكر أنه أسلم على يدي خالد بن الوليد واستشهد باليرموك؛ وذكر قصته أبو حذيفة إسحاق بن بشر في الفتوح أيضاً لكن لم يسمِّه. انتهى. وذكر في البداية عن خالد ﵁ أنَّه قام في الناس خطيباً، فرغَّبهم في بلاد الأعاجم، وزهدهم في بلاد العرب، وقال: ألا تَرون ما ها هنا من الأطعمات، وبالله لو لم يلزمْنا الجهاد في سبيل الله والدعاء إِلى الإِسلام ولم يكن إلا المعاش - لكان رأيٌ أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونُولي الجوع والإِقلال من تولاه ممن أثَّاقل عما أنتم عليه - انتهى. وأسنده ابن جرير في تاريخه من طريق سَيْف عن محمد بن أبي عثمان بنحوه. دعوة الصحابة إلى الله ورسوله في القتال في عهد عمر ﵁ ووصيته الأمراء بذلك كتاب عمر إلى سعد لدعوة الناس إلى الإِسلام ثلاثة أيام أخرج أبو عُبَيْد عن يزيدَ بن أبي حبيب قال: كتب عمر بن الخطاب

стр. 222

إلى سعد بن أبي وقاص ﵄: أني قد كنت كتبت إليك أن تدعو الناس إلى الإِسلام ثلاثة أيام، فمن استجاب لك قبل القتال فهو رجل من المسلمين، له ما للمسلمين وله سهم في الإسلام، ومن استجاب لك بعد القتال أو بعد الهزيمة فمالُه فيء للمسلمين لأنَّهم كانوا قد أحرزوه قبل إسلامه. فهذا أمري وكتابي إليك؛ كذا في الكنز. دعوة سلمان الفارسي يوم القصر الأبيض ثلاثة أيام وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي البَختري: أنَّ جيشاً من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي ﵁، فحاصروا قصراً من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا نَنْهد إليهم؟ قال: دعوني أدعوهم كما سمعت رسول الله ﷺ يدعوهم، فقال لهم: أنا رجل منكم فارسي أَتَرَون العرب تطيعني، فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينَكم تركناكم عليه وأعطيتمونا الجزية عن يَدٍ وأنتم صاغرون - قال ورطَنَ إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين - وإن أبيتم نابذناكم على سواء. فقالوا: ما نحن بالذي نؤمن، وما نحن بالذي نعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم. قالوا: يا أبا عبد الله، ألا ننهد إليهم؟ قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا. ثم قال: انهدوا إليهم فنهدوا إليهم. قال ففتحوا ذلك الحصن. وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك كما في نَصْب الراية بمعناه وفيه: فلما كان في اليوم الرابع أمر الناس فغدَوا إليها ففتحوها.

стр. 223

وأخرجه ابن أبي شيبة كما في الكنز. وأخرجه أيضاً ابن جرير عن أبي البَختري قال: كان رائدَ المسلمين سلمانُ الفارسي، وكان المسلمون قد جعلوه داعيةَ أهل فارس. قال عطية: وقد كانوا أمروه بدعاء أهل بَهُرَسير، وأمَّروه يوم القصر الأبيض، فدعاهم ثلاثاً - فذكر الحديث في دعوة سلمان ﵁ بمعناه. دعوة النعمان بن مقرِّن وأصحابه لرستم يوم القادسية وذكر ابن كثير في البداية أن سعد بن أبي وقاص ﵁ بعث جماعة من السادات منهم: النُّعمان بن مُقرِّن، وفُرَات بن حيَّان، وحنظلة بن الربيع التميمي، وعُطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة. وعمرو بن معدِ يكَرِب، ﵃، يدعون رُستم إلى الله . فقال لهم رُستم: ما أقدمكم؟ فقالوا: جئنا لموعود الله إيانا أخذ بلادكم، وسبي نسائكم وأبنائكم، وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك. وقد رأى رُستم في منامه كأن مَلَكاً نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كلِّه، ودفعه إلى رسول الله ﷺ فدفعه رسول الله ﷺ إلى عمر ﵁. دعوة المغيرة بن شعبة لرستم وقال سيف عن شيوخه: ولمَّا تواجه الجيشان بعث رُستم إلى سعد ﵁ عنه أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه، فبعث إليه المغيرةَ بن شعبة. فلما قدم إليه جعل رُستم يقول له: إنكم جيرانُنا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إِلى بلادكم لا نمنع تجارتكم من الدخول إلى

стр. 224

بلادنا. فقال له المغيرة: إنا ليس طلبنا الدنيا وإِنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً، قال له: إنِّي قد سلطت هذه الطائفة على من لم يَدنِ بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مُقرِّين به، وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذلّ، ولا يعتصم به إلا عزّ. فقال له رُستم: فما هو؟ فقال: أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإِقرار بما جاء من عند الله. فقال: ما أحسن هذا وأي شيء أيضاً؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله، قال: وحَسَنٌ أيضاً. وأي شيء أيضاً؟ قال: والناس بنو آدم فهم أخوة لأب وأم. قال: وحسن أيضاً. قال: ولما خرج المغيرة من عنده ذكرَ رستم رؤساء قومه في الإِسلام، فأنفوا ذلك وأبَوا أن يدخلوا فيه، قبَّحهم الله وأخزاهم وقد فعل. دعوة رِبْعي بن عامر لرستم قالوا: ثم بعث إليه سعد ﵁ رسولاً آخر بطلبه وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زيَّنوا مجلسه بالنَّمارق المذهَّبة، والزَّرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبَها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحُه ودرعه وبيضتُه على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك فقال: إني لم آتِكم وإِنّم جئتكم حين دعوتموني، فإنما تركتموني هكذا وإِلا رجعت. فقال رستم: إئذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النَّمارق فخرَّق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى

стр. 225

سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضيَ إلى موعود الله، قالوا: وما موعودُ الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي. فقال رستم: لقد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم، كم أحبُّ إليكم؟ يوماً أو يومين، قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال: ما سنَّ لنا رسول الله ﷺ أن نؤخِّر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل. فقال: أسيِّدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعزَّ وأرجح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن تميل إِلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه؟ فقال: ويلَكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفُّون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب. دعوة حذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة لرستم في اليوم الثاني والثالث ثم بعثوا في اليوم الثاني رجلاً، فبعث إليهم حذيفة بن محصَنَ فتكلم نحو ما قال رِبعي، وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة ﵁ فتكلم بكلام حسن طويل، قال فيه رُستم للمغيرة: إنَّما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل، فقال: من يوصلني إِليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلا يجده، وجعل يقول من يخلِّصني وله أربعة دراهم؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جُحْراً في كرم، فلما رآه صاحب الكرم ضعيفاً رحمه فتركه، فلما سمِن أفسد شيئاً كثيراً، فجاء بخشبة واستعان عليه بغلمانه، فذهب ليخرج فلم يستطع لِسَمْنه فضربه حتى

стр. 226

قلته، فهكذا تخرجون من بلادنا. ثم استشاط غضباً، وأقسم بالشمس لأقتلَّنكم غداً. فقال المغيرة: ستعلم. ثم قال رستم للمغيرة: قد أمرت لكم بكسوة ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا. فقال المغيرة أبعدَ أن أوهنَّا مُلْككم وضعَّفنا عزَّكم؟ ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون وستصيرون لنا عبيداً علىء رَغْمِكم. فلما قال ذلك استشاط غضباً - انتهى في البداية. وأخرجه الطبري عن ابن الرُّفَيْل عن أبيه وعن أبي عثمان النَّهدي وغيرهما - فذكر دعوة زُهْرة والمغيرة ورِبْعي وحذيفة ﵃ بطوله بمعنى ما تقدم. بعث سعد طائفة من أصحابه إلى كسرى للدعوة قبل الوقعة وأخرج ابن جرير عن حسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو وائل: جاء سعد ﵁ حتى نزل القادسية ومعه الناس قال: لا أدري لعلَّنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمانية آلاف والمشركون ثلاثون ألفاً - كذا في هذه الرواية؛ وذكر في البداية عن سَيْف وغيره أنهم كانوا ثمانين ألفاً. وفي رواية: كان رُستم في مائة ألف وعشرين ألف يتبعها ثمانون ألفاً، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلاً منها فيل أبيض كان لسابور فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه. انتهى؛ ونحو ذلك. فقالوا: لا يَدَ لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم؟ إرجعوا. قال قلنا:

стр. 227

ما نحن براجعين. فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون: «دُوك دُوك» ويشبهونها بالمغازل. فلمَّا أبينا عليهم أن نرجع قالوا: إبعثوا إلينا رجلاً من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم؟ فقال المغيرة بن شعبة: أن، فعبر إليهم فقعد مع رُستم على السرير، فنخروا وصاحوا. فقال: إِنَّ هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم. فقال رستم: صدقتَ، ما جاء بكم؟ فقال: إنا كنا قوماً في شر وضلالة فبعث الله إلينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبّةٌ تنبت في هذا البلد، فلما يكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا: لا صبر لنا عنها، أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبّة. فقال رستم: إذاً نقتلكم. قال: إن قتلتمونا دخلنا الجنة وإن قتلناكم دخلتم النار وأدَّيتم الجزية. قال: فلما قال وأدّيتم الجزية نخروا وصاحوا، وقالوا: لا صلح بيننا وبينكم. فقال المغيرة؛ تعبرون إلينا أو نعبر إليكم؟ فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم؛ كذا في البداية. وأخرجه الحاكم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن أبي وائل قال: شهدت القادسية فانطلق المغيرة بن شعبة ﵁ فذكره مختصراً. وأخرج الحاكم أيضاً عن معاوية بن قُرَّة ﵁ قال: لما كان يوم القادسية بُعث بالمغيرة بن شعبة ﵁ إلى صاحب فارس. فقال: إبعثوا معي عشرة. فبعثوا فشدَّ عليه ثيابه ثم أخذ حَجَفة ثم انطلق حتى أتَوه، فقال: ألقوا لي ترساً فجلس عليه، فقال العِلْج: إنكم - معاشر العرب - قد

стр. 228

عرفت الذي حملكم على المجيء إلينا، أنتم قوم لا تجدون في بلادكم من الطعام ما تشبعون منه، فخذوا نعطيكم من الطعام حاجتكم، فإنَّا قوم مجوس وإِنَّا نكره قتلكم، إنكم تنجِّسون علينا أرضنا. فقال المغيرة: والله ما ذاك جاء بنا، ولكنّا كنا قوماً نعبد الحجارة والأوثان، فإذا رأينا حجراً أحسن من حجر ألقيناه وأخذنا غيره، ولا نعرف ربّاً حتى بعث الله إلينا رسولاً من أنفسنا فدعانا إلى الإِسلام، فاتَّبعناه ولم نجيء للطعام، إنَّا أُمرنا بقتال عدوّنا ممَّن ترك الإِسلام، ولم نجيء للطعام لكنا جئنا لنقتل مقاتلتكم ونسبي ذراريكم. وأما ما ذكرت من الطعام فإنا لعمري ما نجد من الطعام ما نشبع منه، وربما لم نجد ريّاً من الماء أحياناً، فجئنا إلى أرضكم هذه فوجدنا فيها طعاماً كثيراً وماءً كثيراً، فوالله لا نبرحها حتى تكون لنا أو لكم؛ فقال العِلْج بالفارسية: صدق. قال وأنت تُفقأ عينك غداً ففقئت عينه من الغد، أصابته نُشَّابة - غريب. قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه، وقال الذهبي: صحيح، وأخرجه الطبراني عن معاوية ﵁ مثله. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. وذكر في البداية عن سَيْف أنَّ سعداً ﵁ كان قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتُهم على عواتقهم، وسياطهم بأيديهم، والنِّعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطِها الأرض بأرجلها؛ وجعلوا يتعجَّبون منها غاية العجب؛ كيف مثل هؤلاء يقهَرون جيوشهم مع كثرة عَدَدها وعُدَدها. ولما استأذنوا على الملك يَزْدَجِرد أذن لهم وأجلسهم بين يديه - وكان مكبِّرا قليل الأدب - ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها، عن الأردية والنِّعال والسِّياط. ثم كلَّما قالوا له شيئاً من ذلك تفاءل،

стр. 229

فرد الله فأله عى رأسه. ثم قال لهم: ما الذي أقدمكم هذه البلاد؟ أظننتم أنّا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا فقال له النعمان بن مقرن ﵁: إِن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرِّفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة. فلم يَدْعُ إلى ذلك قبيلة إلا وصاروا فرقتين: فرقة تقاربه، وفرقة تباعده؛ ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث. ثم أُمر أن ينهد إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم، ففعل فدخلوا معه جميعاً على وجهين: مكروه عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد؛ فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإِنصاف، فنحن ندعوكم إِلى ديننا، وهو دين الإِسلام، حسَّن الحَسَن وقبَّح القبيح كله. فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة. وإِن أجبتم إِلى ديننا، خلَّفنا فيكم كتاب الله، وأَقمناكم عليه على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتمونا بالجِزَى قبلنا ومنعناكم، وإِلا قاتلناكم. قال: فتكلم يزدجرد، فقال: إنِّي لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بَيْن منكم؛ وقد كنَّا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرَّنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم؛ فرضنا لكم قوتاً إلى خِصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملَّكنا عليكم ملكاً يرفق بكم. فأسكت القوم، فقام المغيرة بن شعبة ﵁ فقال: أيها الملك؛ إنَّ هؤلاء رؤوس

стр. 230

العرب ووجوههم، وهم أشرافٌ يستحيُون من الأشراف، وإنما يكرم الأشرافَ الأشرافُ، ويعظِّم حقوق الأشرافِ الأشرافُ، وليس كل ما أُرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلَّمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك فجاوبني، فأكون أنا الذي أبلِّغك ويشهدون على ذلك. إنَّك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً. فأمَّا ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع. كنا نأكل الخنافس والجِعلان، والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا. وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإِبل وأشعار الغنم؛ ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإِنْ كان أحدنا ليدفن إبنته وهي حيّة كراهية أن تأكل من طعامه. وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك. فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرَنا في الحال التي كان فيها أصدَقَنا وأحلَمنا. فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول من تِرْبٍ كان له وكان الخليفة من بعده. فقال وقلنا، وصدَّق وكذَّبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له وأتباعه؛ فصار فيما بيننا وبين رب العالمين. فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله. فقال لنا إنَّ ربَّكم يقول: أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء وكلُّ شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كلَّ شيء، وإِليَّ يصير كلُّ شيء، وإنَّ رحمتي أدركتكم. فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلَّكم على السبيل التي أُنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام. فنشهد عليه أنَّه جاء بالحق من عند الحق. وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبَى فأعرضوا عليه الجِزْية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه؛ فأنا الحكم بينكم، فمن قَتل منكم أدخلته جنتي، من بقي منكم أعقبته النصر

стр. 231

على من ناوأه؛ فاختر إن شئت الجِزْية وأنت صاغر، وإِن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك. فقال يزدجرد: أتستقبلني بمثل هذا؟ فقال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كملني غيرك لم أستقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكم لا شيء لكم عندي، وقال: إئتوني بوِقْر من تراب فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن. إرجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنِّي مرسل إِليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية وينِّكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشدّ مما نالكم من سابور. ثم قال: ن أشرفكم؟ فسكت القوم، فقال: عاصم بن عمرو ﵁: وافتات ليأخذ التراب، أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحمِّلْنيه. فقال: أكذلك؟ قالوا: نعم. فحمله على عنقه فخرج به من الإِيوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، ثم انجذب في السير ليأتوا به سعداً وسبقهم عاصم فمرَّ بباب قُدَيْس فطواه، وقال: بشِّروا الأمر بالظَّفَر، ظفرنا إن شاء الله تعالى. ثم مضى حتى جعل التراب في الحَجَر، ثم رجع فدخل على سعد ﵁ فأخبره الخبر. فقال: أبشروا فقد - والله - أعطانا الله أقاليد مُلْكِهم؛ وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم. انتهى. وأخرجه ابن جرير، الطبري عن شيب عن سيف عن عمرو عن الشَّعْبي بمثله. دعوة عبد الله بن المُعْتَم لبني تغلب وغيرهم يوم تكريت وأخرج ابن جرير أيضاً من طريق سَيْف عن محمد، وطلحة وغيرهما

стр. 232

قالوا: لمَّا رأت الروم - أي يوم وقعة تكريت - أنهم لا يخرجون خرجة إلا كانت عليهم ويُهزَمون في كل ما زاحفوهم؛ تركوا أمراءهم، ونقلوا متاعهم إلى السفن، وأقبلت العيون من تغلب وإياد والنَّمِر إلى عبد الله بن المُعْتَم بالخبر، وسألوه للعرب السِلم، وأخبروه قد استجابوا له، فأرسل إليهم إن كنتم صادقين بذلك فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقروا بما جاء من عند الله، ثم أعلمونا رأيكم، فرجعوا إليهم بذلك، فردوهم إليه بالإِسلام. فذكر القصة. دعوة عمرو بن العاص في وقعة مصر وأخرج ابن جرير من طريق سيف عن أبي عثمان عن خالد وعبادةَ ﵄، قالا: خرج عمرو بن العاص ﵁ إلى مصر بعدما رجع عمر إلى المدينة، حتى انتهى إلى باب ألْيُون وأتبعه الزبير فاجتمعا ﵄، فلقيهم هنالك أبو مريم - جاثِليق مصر - ومعه الأسقُف في أهل النيّات، بعثه المَقوقِس لمنع بلادهم. فلمّا نزل بهم عمرو ﵁ قاتلوه، فأرسل إليهم: لا تعجلون لنعذِر إليكم وتَرْون رأيكم بعد؛ فكَفُّوا أصحابهم لأرسل إليهم عمرو: إنِّي بارز فليبرز إليّ أبو مريم وأبو مريام، فأجابوه إلى ذلك، وامن بعضهم بعضاً. فقال لهما عمرو: أنتما راهبا هذه البلدة فاسمعا: إنَّ الله بعث محمداً ﷺ بالحق وأمره به، وأمرنا به محمد ﷺ وأدّى إلينا كل الذي أُمر به. ثم مضى - صلوات الله عليه ورحمته - وقد قضى الذي عليه وتركنا على الواضحة. وكان مما أمرنا به الإِعذارُ إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإِسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية، وبذلنا له

стр. 233

المَنعَة، وقد أعلمنا أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظاً لرَحِمنا فيكم، لأإن لكم إِن أجبتمونا بذلك ذِمةً إلى ذمة. ومما عهد إلينا أميرنا: إستوصوا بالقبطيين خيراً، فإن رسول الله ﷺ أوصنا بالقطيين خيراً، لأن لهم رَحِماً وذمة. فقالوا: قرابة بعيدة لا يَصِلُ مثلَها إلا الأنبياء، معروفة شريفة كانت إبنةَ ملكنا وكانت من أهل مَنْف والملك فيهم؛ فأُديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوا ملكهم واغتربوا؛ فلذلك صارت إلى إبراهيم ﵇، مرحباً به وأهلاً، آمِنَّا حتى نرجع إليك. فقال عمرو: إنَّ مثلي لا يُخدع ولكني أؤجلكما ثلاثاً لتنظرا ولتُناظِرا قومكما، وإلا ناجزتكم. قالا: زِدْنا. فزادهم يوماً. فقالا: زِدْنا فزادهم يوماً. فرجعا إلى المقوقِس فهمَّ، فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أمَّ نحن فسنجهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليه، وقد بقيت أربعة أيام فلا تصابون فيها بشيء إلا رجَونا أن يكون له أمان. فلم يفجأ عَمْراً والزبير إلا البياتُ من فَرقَبْ، وعمرو على عُدَّة، فلقوه فقتل ومن معه ثم ركبوا أكساءهم، وقصد عمرو، والزبير ﵄ لعين شمس. وأخرج الطبري أيضاً عن أبي حارثة، وأبي عثمان قالا: لمَّا نزل عمرو ﵁ على القوم بعين شمس قال أهل مصر لملكهم: ما تريد إلى قوم فَلُّوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم؟ صالحِ القوم واعتقد منهم، ولا تعرض لهم ولا تعرِّضنا لهم، وذلك في اليوم الرابع، فأبى وناهدوهم، فقاتلوهم وارتقى الزبير سورها، فلما أحسُّوه فتحوا الباب لعمرو ﵁ وخرجوا إليه مصالحين. فقبل منهم ونزل عليهم الزبير ﵁ عَنْوة.

стр. 234

دعوة الصحابة في إمارة سَلَمة بن قيس الأشجعي في القتال وأخرج الطبري أيضاً عن سليمان بن بُرَيدة أن أمير المؤمنين عمر ﵁ كان إذ اجتمع إليه جيش من أهل الإِيمان أمَّر عليهم رجلاً من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش، فبعث عليهم سَلَمة بن قيس الأشجعي ﵁، فقال سِرْ باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله. فإذا لقيتم عدوَّكم، من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: أدعوهم إلى الإِسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة وليس لهم في فيء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم. فإن أبَو فادعوهم إلى الخراج، فإن أقرّوا بالخراج فقاتلوا عدوهم من ورائهم، وفرِّغوهم لخراجهم ولا تكلفوهم فوق طاقتهم. فإن أبَوا فقاتلوهم فإنَّ الله ناصرُكم عليهم، فإن تحصَّنوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإِن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله وذمة رسوله (فلا تعطوهم ذمّة الله وذمة رسوله) وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليداً. قال سلمة: فسرنا حتى لقينا عدوَّنا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين، فأبَوا أن يسلموا، فدعوناهم إلى الخراج فأبَوا أن يقرّوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، وجمعنا الرِّثَّة - فذكر الحديث بطوله جداً.

стр. 235

دعوة أبي موسى الأشعري لأهل أصبهان قبل القتال وأخرج ابن سعد عن بشير بن أبي أمية عن أبيه أن الأشعري نزل بأصبهان فعرض عليهم الإِسلام فأبَوا؛ فعرض عليهم الجزية، فصالحوه على ذلك فباتوا على صلح، حتى إذا أصبحوا أصبحوا على غدر، فبادرهم القتال فلم يكن أسرع من أن أظهره الله عليهم. قصص الصحابة في الأعمال والأخلاق المفضية إلى هداية الناس قصة إسلام عمرو بن الجموح وما فعل إبنه ومعاذ بن جبل لإِسلامه أخرج أبو نعيم في الدلائل (ص ١٠٩) عن ابن إسحاق قال: لمّا قدم الأنصار المدينة بعدما بايعوا رسول الله ﷺ ظهر الإِسلام بها، وفي قومهم بقايا عل دينهم من أهل الشرك منهم عمرو بن الجَموح، وكان إبنه معاذ قد شهد العَقَبة وبايع رسول الله ﷺ بها. وكان عمرو بن الجموح سيداً من سادات بني سَلِمة وشريفاً من أشرافهم، وكان قد اتخذ في داره صنماً من خشب يقال له «مَنَاة» كما كانت الأشراف يصنعون، يتخذه إلهاً ويطهِّره. فلما أسلم فتيان بني سَلِمة؛ معاذ بن جبل، وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح، في فتيان منهم ممّن أسلم وشهد العقبة - كانوا يُدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حُفَر بني سَلِمة وفيها عِذَرُ الناس منكَّساً على رأسه. فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عَدَا على إلهنا في هذه الليلة؟ قال: ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهَّره وطيَّبه، ثم قال: وايْمُ لله، لو أني أعلم من صنع بك هذا لأخزيَّنه. فإذا أمسى عمرو ونام عَدَوا عليه ففعلوا به مثل ذلك. فلما أكثروا عليه إستخرجه من حيث ألقَوه يوماً، فغسله وطهَّره وطيَّبه، ثم

стр. 236

جاء بسيفه فعلَّقه عليه ثم قال: إنِّي والله ما أعلم من يفعل بك ما ترى فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عدَوا عليه فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلباً ميتاً فقرنوه معه بحبل، ثم ألقَوه في بئر من أبيار بني سَلِمة فيها عَذِرَة من عِذَر الناس. وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده مكانه الذي كان فيه، فخرج في طلبه حتى وجده في تلك البئر منكَّساً مقروناً بكلب ميت. فلما رآه وأبصر شأنه وكلَّمه مَنْ أسلم من قومه، أسلم - يرحمه الله - وحسن إسلامه. وزاد منجاب عن زياد في حديثه عن ابن إسحاق قال: وحدثني إِسحاق بن يَسَار عن رجل من بني سَلِمة قال: لما أسلم فتيان بني سَلِمة أسلمت إمرأة عمرو بن الجموح وولده، قال لامرأته: لا تدَعي أحداً من عيالك في أهلك حتى ننظر ما يصنع هؤلاء، قالت: أفعل، ولكن هل لك أن تسمع من إبنك فلان ما روى عنه؟ قال: فلعله صبأ. قالت: لا، ولكن كان مع القوم فأرسل إليه فقال: أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل فقرأ عليه: «الحمد لله رب العالمين - إلى قوله تعالى - الصراط المستقيم» . فقال: ما أحسن هذا وأجمله، كل كلامه مثل هذا؟ فقال: يا أبتاه، وأحسن من هذا. قال: فهل لك أن تبايعه؟ قد صنع ذلك عامة قومك قال: لست فعلاً حتى أوامر مَنَاة، فأنظر ما يقول. قال: وكانوا إِذا أرادوا كلام مَنَاة جاءت عجوز فقامت خلفه فأجابت عنه. قال: فأتاه وغُيِّبت العجوز وأقام عنده فتشكَّر له. وقال: يا مناة، تشعر أنه قد سئل بك وأنت غافل جاء رجل ينهانا عن عبادتك ويأمرنا بتعطيلك، فكرهت أن أبايعه حتى أوامرك. وخاطبه طويلاً فلم يردّ عليه. فقال: أظنك قد غضبت ولم أصنع بعد شيئاً، فقام إليه فكسره. وزاد إبراهيم بن سلمة في حديثه عن ابن إسحاق: قال عمرو بن الجموح حين أسلم وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه وما أبصر من أمره، ويتشكَّر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:

стр. 237

أتوبُ إِلى الله ممَّا مضى وأستنقذ الله من ناره وأُثني عليه بنعمائه إلهِ الحرام وأستاره فسبحانه عدد الخاطئين وقطر السماء ومدراره هداني وقد كنت في ظلمة حليفَ مَنَاة وأحجاره وأنقذني بعد شيب القَذَالمن شين ذاك ومن عاره فقد كدت أهلِك في ظلمة تدارك ذاك بمقداره فحمداً وشكراً له ما بقيت إله الأنام وجبَّاره أريد بذلك إذ قلته مجاورة الله في داره وقال أيضاً يذم صنمه: تالله لو كنت إلهاً لم تكن أنت وكَلْبٌ وسْطَ بئر في قَرَن أفَ لملقاك إلهاً مُستدن الآن فتَّشناك عن سوء الغبن الحمد لله العليّ ذي المنن الواهب الرزّاق ديّان الدِّيَن هو الذي أنقذني من قبل أن أكون في ظلمة قبر مرتهن قصة إسلام أبي الدرداء وما فعله ابن رواحة لإِسلامه وأخرج الحاكم في المستدرك عن الواقدي قال: كان أبو الدرداء ﵁ فيما ذُكر - آخر داره سلاماً، لم يزل متعلَّقاً بصنم له وقد وضع عليه منديلاً، وكان عبد الله بن رواحة ﵁ يدعوه إلى الإِسلام فيأبى؛ فيجيئه عبد الله بن رواحة وكان له أخاً في الجاهلية قبل الإِسلام. فلما رآه قد خرج من بيته خالفه فدخل بيته، وأعجل إمرأته وإِنها لتمشط رأسها. فقال: أين أبو الدرداء؟ فقالت: خرج أخوك آنفاً. فدخل بيته الذي كان فيه الصنم ومعه

стр. 238

القَدُوم فأنزله وجعل يقدده فِلْذاً فِلْذاً وهو يترجز سرّاً من أسماء الشياطين كلها، ألا كل ما يُدعى مع الله باطل. ثم خرج وسمعت المرأة صوت القَدُوم وهو يضرب ذلك الصنم، فقالت: أهلكتني يا ابن رواحة فخرج على ذلك فلم يكن شيء حتى أقبل أبو الدرداء إلى منزله، فدخل فوجد المرأة قاعدة تبكي شفقاً منه. فقال: ما شأنك؟ قلت: أخوك عبد الله بن رواحة دخل عليّ فصنع ما ترى. فغضب غضباً شديداً، ثم فكَّر في نفسه فقال: لو كان عند هذا خير لدفع عن نفسه. فانطلق حتى أتى رسول الله ﷺ ومعه ابن رواحة فأسلم. كتاب عمر إلى عمرو بن العاص في أمر الجزية والسبايا وأخرج ابن جرير الطبري عن زياد بن جَزْء الزُّبيدي قل: إفتتحنا الإِسكندرية في خلافة عمر ﵁ فذكر الحديث، وفيه: ثم وقفنا بِبَلْهيب وأقمنا ننتظر كتاب عمر حتى جاءنا، فقرأه علينا عمرو ﵁ وفيه: أما بعد: فإِنَّه جاءني كتابك تذكر أن صاحب الإِسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أُصيب من سبايا أرضه، ولعمري، لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحبُّ إِليَّ من فيء يُقسَم ثم كأنه لم يكن، فأعرض على صاحب الإِسكندرية أن يعطيك الجزية؛ على أن تخيِّروا مَنْ في أيديكم من سبيهم بين الإِسلام وبين دين قومهم؛ فمن اختار منهم

стр. 239

الإِسلام فهو من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم؛ ومن اختار دين قومه وخضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه، فأمّا من تفرّق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة - والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردِّه، ولا نحب أن نصالحه على أمر لا نفي له به. ذكر ما وقع للصحابة في فتح الإِسكندرية قال: بعث عمرو إلى صاحب الإِسكندرية يُعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين. قال: فقال: قد فعلت. قال: فجمعنا ما في أيدينا من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا من السبايا، واجتمعت النصارى، فجعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا ثم نخيّره بين الإِسلام وبين النصرانية، فإذا اختار الإِسلام كبّرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية. قال: ثم نحوزه إِلينا. وإذا اختار النصرانية نَخَرت النصارى ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعاً شديداً حتى كأنه رجل خرج منا إليهم. قال: فكان ذلك الدأب حتى فرغنا منهم. وقد أُتي فيمن أتينا به بأبي مريم عبد الله بن عبد الرحمن. - قال القاسم: قد أدركته وهو عريف بني زُبيد - قال: فوقفناه فعرضنا عليه الإِسلام والنصرانية - وأبوه وأمه وإخوته في النّصارى - فاختار الإِسلام فحزْناه إلينا، ووثب عليه أبوه وأمه وإخوته يجاذبوننا حتى شقَّقوا عليه ثيابه، ثم هو اليوم عريفنا كما ترى - فذكر الحديث. قصة درع علي وما وقع له مع نصراني ودخوله في الإِسلام وأخرج الترمذي والحاكم عن الشَّعْبي قال: خرج علي بن أبي طالب

стр. 240

رضي الله عنه إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعاً، فعرف علي ﵁ الدرع، فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، - وكان قاضي المسلمين شُرَيحاً؛ وكان علي إستقضاه - فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس قضائه وأجلس علياً في مجلسه وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني. فقال علي: أمَا - يا شريح - لو كان خصمي مسلماً لقعدت معه، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصافحوهم، ولا تبدؤوهم بالسلام، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلُّوا عليهم، وألجئوهم إلى مضايق الطريق، وصغِّروهم كما صغَّرهم الله» ؛ إقضِ بيني وبينه يا شُرَيح. فقال شُرَيح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال علي: هذه درعي وقعت مني منذ زمان. فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ فقال النصراني: ما أكذِّب أمير المؤمنين الدرع درعي. فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده فهل من بيِّنة؟ فقال علي: صدق شريح. فقال النصراني: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، وأمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه، هي - والله يا أمير المؤمنين - درعك. إتَّبعتك وقد زالت عن جملك الأورق، فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال علي: أمَا إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس. وعند الحاكم على الشَّعْبي قال: ضاع درع لعلي ﵁ يوم الجمل، فأصابه رجل فباعها، فعُرفت عند رجل من اليهود، فخاصمه إلى شريح، فشهد لعلي الحسن ومولاه قَنْبر. فقال شريح: زدني شاهداً مكان الحسن، فقال: أترد شهادة الحسن؟ قال: لا، ولكن حفظت عنك أنه لا تجوز شهادة الولد لوالده. وأخرج الحكم في الكُنى وأبو نُعيم في الحلية من طريق إبراهيم بن

стр. 241

يزيد التيمي عن أبيه - مطوّلاً، وفي حديثه: فقال شريح: أمَّا شهادة مولاك فقد أجزناها وأمَّا شهادة إبنك لك فلا نجيزها. فقال علي ﵁: ثكلتك أمك أما سمعت عمر يقول: قال رسول الله ﷺ «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» . ثم قال لليهودي: خذ الدرع. فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى عليه ورضي؛ صدقت - والله يا أمير المؤمنين - إنَّها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فوهبها له عليّ وأجازه بسبع مائة، ولم يزل معه حتى قتل يوم صِفِّين. كذا في كنز العمال.

стр. 242

الباب الثاني باب البيعة كيف كانت الصحابة ﵃ يبايعون النبي ﷺ والخلفاءَ بعدَه ، وعلى أيِّ أمورٍ وقعت البَيْعةُ.

стр. 243

باب البيعة البيعة على الإِسلام حديث جرير في هذا الباب أخرج الطبراين عن جرير ﵁ قال: بايعنا النبي ﷺ على مثل ما بايع عليه النساء، من مات منا ولم يأت شيئاً منهن ضمن له الجنَّة، ومن مات منا وقد أتى شيئاً منهن وقد أُقيم عليه الحد فهو كفّارة، ومن مات منا وقد أتى شيئاً منهنَّ فستر عليه فعلى الله حسابه؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد وفيه؛ سيف بن هارون وثَّقه وأبو نُعيم وضعَّفه جماعة؛ وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى وأخرجه أيضاً ابن جرير كما في الكنز؛ وسيأتي الحديث في بَيْعة النساء. بيعة الكبار والصغار والرجال والنساء والشهادة يوم الفتح وأخرج أحمد عن عبد الله بن عثمان بن خَيْثم أنَّ محمد بن الأسود بن خلف

стр. 244

أخبره: أنَّ أباه الأسود ﵁ رأى رسول الله ﷺ يبايع الناس يوم الفتح. قال: جلس عند قَرْن مستقبله، فبايع الناس على الإِسلام والشهادة. قلت: وما الشهادة؟ قال: أخبرني محمد بن الأسود بن خَلَف أنه بايعهم على الإِيمان بالله وشهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. كذا في البداية؛ وقال تفرّد به أحمد. وقال الهيثمي: ورجاله ثقات: وعند البيهقي: فجاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإِسلام والشهادة. كذا في البداية. وبهذا السياق أخرجه الطبراني في الكبير والصغير كما في مجمع الزوائد؛ وكذا أخرجه البغوي وابن السَّكَن والحاكم وأبو نُعيم، كما في الكنز. بَيْعة مجاشع وأخيه على الإِسلام والجهاد وأخرج الشيخان عن مجاشع بن مسعود ﵁ قال: أتيت

стр. 245

النبي ﷺ أنا وأخي، فقلت: بايْعنا على الهجرة، فقال: «مَضَتِ الهجرة لأهلها» ، فقلت: علامَ تبايعنا؟ قال: «على الإِسلام والجهاد» . كذا في العيني. وأخرجه أيضاً ابن أبي شَيْبة وزاد: قال: فلقيت أخاه فسألته فقال: صدق مجاشع. كذا في كنز العمال (١٢٦/ ٨٣) . بَيْعة جرير بن عبد الله على الإِسلام وأخرج أبو عَوَانة في مسنده عن زياد بن عِلاقة قا: سمعت جرير بن عبد الله يحدِّث حين مات المغيرة بن شعبة ﵁، خطب الناس فقال: أُوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة، فإني بايعت رسول الله ﷺ بيدي هذه على الإِسلام واشترط عليَّ النُّصح لكل مسلم، فَوَرَبّ الكعبة، إنِّي لكم نصح أجمعين، واستغفر؛ ونزل. وأخرج البخاري أتم منه؛ وأخرج البيهقي وغيره عن زياد بن الحارث الصُّدائي ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته على الإِسلام - فذكر الحديث بطوله، كما تقدم في باب الدعوة (ص ٢٠٥) . البيعة على أعمال الإِسلام بيعة بشير بن الخصاصية على أركان الإِسلام وعلى الصدقة والجهاد أخرج الحسن بن سفيان، والطبراني في الأوسط، وأبو نُعيم، والحاكم، والبيهقي، وابن عساكر، عن بشير بن الخصاصِيَة رضي الله

стр. 246

عنه، قال: أتيت رسول الله ﷺ لأبايعه، فقلت: علامَ تبايعني يا رسول الله؟ فمدَّ رسول الله ﷺ يده قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وتصلي الصلوات الخمس لوقتها، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتجاهد في سبيل الله» . قلت: يا رسول الله، كُلا نطيق إلا اثنتين فلا أطيقهما: الزكاة، والله ما لي إلا عشر ذَوْد هُنّ رِسْل أهلي وحَمولتهن. وأما الجهاد فإني رجل جبان، ويزعمون أنَّه من ولَّى فقد باء بغضب من الله، وأخاف إن حضر القتال أن أخشع بنفسي فأفرَّ فأبوء بغضب من الله. فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حرَّكها، ثم قال: «يا بشير، لا صدقة ولا جاد فَبِمَ إذن تدخل الجنة؟» قلت: يا رسول الله، أبسط يدك أُبايعك، فبسط يده فبايعته عليهن كلَّهن. كذا في كنز العمال. وأخرجه أخمد، ورجاله موثَّقون كما قال الهيثمي. بيعة جرير بن عبد الله على أركان الإِسلام والنصيحة لكل مسلم وأخرج أحمد عن جرير ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إِقام الصلاة، وإِيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. وأخرجه أيضاً ابن جرير مثله كما في كنز العمال، والشيخان والترمذي كما في الترغيب،

стр. 247

وأخرج أحمد أيضاً من وجه آخر عنه: قال قلت: يا رسول الله، إشترط عليَّ فأنت أعلم بالشرط. قال: «أبايعك على أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتنصح لكل مسلم، وتبرأ من الشرك» . ورواه النِّسائي كما في البداية؛ وأخرجه ابن جرير مثله إلا أنه قال: «وتنصح المسلمين وتفارق الشرك» ، كما في الكنز، وأخرج الطبراني عنه قال: أتى جرير ﵁ النبي ﷺ فقال: «مدَّ يدك يا جرير» ، فقال: على مَهْ؟» قال: «أن تسلم وجهك لله، والنصيحة لكل مسلم» ؛ فأذن لها - وكان رجلاً عاقلاً - فقال: يا رسول الله، فيما استطعت؟ فكانت رخصة للناس بعده. كذا في الكنز. بيعة عوف بن مالك وأصحابه على أركان الإِسلام وعدم السؤال من الناس وأخرج الرُياني، وابن جرير، وابن عساكر عن عوف بن مالك الأجشعي ﵁ قال: كنّا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله ﷺ » فردَّدها ثلاث مرات. فقدَّمنا أيدينا فبايعنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله قد بايعناك فعلى أي شيء نبايعك؟ فقال: «على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، - وسرَّ كلمة خفيّة -: أن لا تسألوا الناس شيئاً» . قال: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما

стр. 248

يقول لأحد يناوله إياه. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً مسلم، والترمذي، والنِّسائي كما في الترغيب. بيعة ثوبان على أن لا يسأل أحداً شيئا وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ومن يبايع؟» فقال ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ بايعنا رسول الله، قال: «على أن لا تسأل أحداً شيئاً» . فقال ثوبان: فما له يا رسول الله؟ قال: «الجنة» . فبايعه ثوبان. قال أبو أمامة: فلقد رأيته بمكة في أجمع ما يكون من الناس يسقط سوطه وهو راكب، فربما وقع على عاتق رجل، فيأخذه الرجل فيناوله، فما يأخذه حتى يكون هو ينزل فيأخذه. كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي وغيرهما عن ثوبان مختصراً، وذكرا

стр. 249

قصة السَّوْط لأبي بكر ﵁، كما في الترغيب (٢٩٩/ ١٠١) . بيعة أبي ذرٍ على أمور خمسة وأخرج أحمد عن أبي ذرِ ﵁ قال: بايعني رسول الله خمساً، وأوثقني سبعاً، وأشهد الله عليَّ سبعاً: أن لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو المُثَنى: قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: «هل لك إلى البَيْعة ولك الجنة؟» قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله ﷺ وهو يشترط عليَّ - أن لا أسأل الناس شيئاً قلت: نعم. قال: «ولا سوطك إِن سقط منك حتى تنزل فتأخذه» . وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: «ستة أيام ثم أعقل يا أبا ذر ما يقال لك بعد» . فلما كان اليوم السابع قال: «أوصيك بتقوى الله في سرِّ أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألنَّ أحداً شيئاً وإن سقط سوطك، ولا تقبضنَّ أمانة» . كذا في الترغيب. بيعة سهل بن سعد وغيره على أعمال الإِسلام وأخرج الشاشي وابن عساكر عن سهل بن سعد ﵁ قال:

стр. 250

بايعت النبي ﷺ أن وأبو ذر وعبادة بن الصامت وأبو سعيد الخدري محمد بن مسلمة وسادس، على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم: وأما السادس فاستقاله فأقاله. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً الطبراني بنحوه. قال الهيثمي وفيه: عبد المهيمن بن عيَّاش وهو ضعيف. وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ وقال: بايَعنا على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، ولا ننهب، ولا نعصي، بالجنة؛ إن فعلنا ذلك؛ فإن غَشِينا من ذلك شيئاً كان قضاؤه إلى الله. وعند ابن جرير عنه ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا. فمن وفَى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله كان إِلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له» . كذا في الكنز. بيعة عبادة بن الصامت وغيره من الأصحاب في العقبة الأولى وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن عساكر عن عبادة بن الصامت
следующие страницы →