Полный текст (1 779 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
عنه، قال: أتيت رسول الله ﷺ لأبايعه، فقلت: علامَ تبايعني يا رسول الله؟ فمدَّ رسول الله ﷺ يده قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وتصلي الصلوات الخمس لوقتها، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتجاهد في سبيل الله» . قلت: يا رسول الله، كُلا نطيق إلا اثنتين فلا أطيقهما: الزكاة، والله ما لي إلا عشر ذَوْد هُنّ رِسْل أهلي وحَمولتهن. وأما الجهاد فإني رجل جبان، ويزعمون أنَّه من ولَّى فقد باء بغضب من الله، وأخاف إن حضر القتال أن أخشع بنفسي فأفرَّ فأبوء بغضب من الله. فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حرَّكها، ثم قال: «يا بشير، لا صدقة ولا جاد فَبِمَ إذن تدخل الجنة؟» قلت: يا رسول الله، أبسط يدك أُبايعك، فبسط يده فبايعته عليهن كلَّهن. كذا في كنز العمال. وأخرجه أخمد، ورجاله موثَّقون كما قال الهيثمي.
بيعة جرير بن عبد الله على أركان الإِسلام والنصيحة لكل مسلم
وأخرج أحمد عن جرير ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ على إِقام الصلاة، وإِيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. وأخرجه أيضاً ابن جرير مثله كما في كنز العمال، والشيخان والترمذي كما في الترغيب،
стр. 247
وأخرج أحمد أيضاً من وجه آخر عنه: قال قلت: يا رسول الله، إشترط عليَّ فأنت أعلم بالشرط. قال: «أبايعك على أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتنصح لكل مسلم، وتبرأ من الشرك» . ورواه النِّسائي كما في البداية؛ وأخرجه ابن جرير مثله إلا أنه قال: «وتنصح المسلمين وتفارق الشرك» ، كما في الكنز، وأخرج الطبراني عنه قال: أتى جرير ﵁ النبي ﷺ فقال: «مدَّ يدك يا جرير» ، فقال: على مَهْ؟» قال: «أن تسلم وجهك لله، والنصيحة لكل مسلم» ؛ فأذن لها - وكان رجلاً عاقلاً - فقال: يا رسول الله، فيما استطعت؟ فكانت رخصة للناس بعده. كذا في الكنز.
بيعة عوف بن مالك وأصحابه على أركان الإِسلام وعدم السؤال من الناس
وأخرج الرُياني، وابن جرير، وابن عساكر عن عوف بن مالك الأجشعي ﵁ قال: كنّا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله ﷺ » فردَّدها ثلاث مرات. فقدَّمنا أيدينا فبايعنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله قد بايعناك فعلى أي شيء نبايعك؟ فقال: «على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، - وسرَّ كلمة خفيّة -: أن لا تسألوا الناس شيئاً» . قال: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما
стр. 248
يقول لأحد يناوله إياه. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً مسلم، والترمذي، والنِّسائي كما في الترغيب.
بيعة ثوبان على أن لا يسأل أحداً شيئا
وأخرج الطبراني في الكبير عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ومن يبايع؟» فقال ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ بايعنا رسول الله، قال: «على أن لا تسأل أحداً شيئاً» . فقال ثوبان: فما له يا رسول الله؟ قال: «الجنة» . فبايعه ثوبان. قال أبو أمامة: فلقد رأيته بمكة في أجمع ما يكون من الناس يسقط سوطه وهو راكب، فربما وقع على عاتق رجل، فيأخذه الرجل فيناوله، فما يأخذه حتى يكون هو ينزل فيأخذه. كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي وغيرهما عن ثوبان مختصراً، وذكرا
стр. 249
قصة السَّوْط لأبي بكر ﵁، كما في الترغيب (٢٩٩/ ١٠١) .
بيعة أبي ذرٍ على أمور خمسة
وأخرج أحمد عن أبي ذرِ ﵁ قال: بايعني رسول الله خمساً، وأوثقني سبعاً، وأشهد الله عليَّ سبعاً: أن لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو المُثَنى: قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: «هل لك إلى البَيْعة ولك الجنة؟» قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله ﷺ وهو يشترط عليَّ - أن لا أسأل الناس شيئاً قلت: نعم. قال: «ولا سوطك إِن سقط منك حتى تنزل فتأخذه» . وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: «ستة أيام ثم أعقل يا أبا ذر ما يقال لك بعد» . فلما كان اليوم السابع قال: «أوصيك بتقوى الله في سرِّ أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن، ولا تسألنَّ أحداً شيئاً وإن سقط سوطك، ولا تقبضنَّ أمانة» . كذا في الترغيب.
بيعة سهل بن سعد وغيره على أعمال الإِسلام
وأخرج الشاشي وابن عساكر عن سهل بن سعد ﵁ قال:
стр. 250
بايعت النبي ﷺ أن وأبو ذر وعبادة بن الصامت وأبو سعيد الخدري محمد بن مسلمة وسادس، على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم: وأما السادس فاستقاله فأقاله. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً الطبراني بنحوه. قال الهيثمي وفيه: عبد المهيمن بن عيَّاش وهو ضعيف. وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ وقال: بايَعنا على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، ولا ننهب، ولا نعصي، بالجنة؛ إن فعلنا ذلك؛ فإن غَشِينا من ذلك شيئاً كان قضاؤه إلى الله. وعند ابن جرير عنه ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا. فمن وفَى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله كان إِلى الله، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له» . كذا في الكنز.
بيعة عبادة بن الصامت وغيره من الأصحاب في العقبة الأولى
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن عساكر عن عبادة بن الصامت
стр. 251
رضي الله عنه قال: كنا أحد عشر رجلاً في العقبة الأولى، فبايعنا رسول الله ﷺ بيعة النساء قبل أن يفرض علينا الحرب، بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نقتل أولادنا، ولا نعصيه في معروف؛ فمن وفَى فله الجنة، ومن غَشيَ شيئاً فأمره إِلى الله، إن شاء الله عذَّبه وإن شاء غفر له. ثم انصرفوا العام المقبل عن بيعتهم، كذا في الكنز. وأخرجه الشيخان نحوه كما في البداية.
البيعة على الهجرة بيعة يَعْلى بن مُنْية عن أبيه
أخرج البيهقي عن يعلى بن مُنْيَة ﵁ قال: جئت رسول الله ﷺ ثاني يوم الفتح فقلت: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة؛ قال: «بل أبايعه على الجهاد، وقد انقطعت الهجرة يوم الفتح» . وقد تقدم حديث مجاشع ﵁ (ص ٢٤٠) : فقلت: يا رسول الله، بايعنا على الهجرة؛ قال: «مضت الهجرة لأهلها» . وحديث جرير (ص ٢٤١) : «وتفارق الشرك» . وعند البيهقي في حديث جرير ﵁: «وتناصح المؤمن وتفارق المشرك» .
стр. 252
بيعة الناس على الهجرة يوم الخندق
وأخرج أحمد، والبخاري في التاريخ، وابن أبي خَيْثَمة، وأبو عَوانة، والبَغَوي، وأبو نُعيم، والطبراني عن الحارث بن زياد الساعدي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ يوم الخندق وهو يبايع الناس على الهجرة، فظنَّنا أنهم يدعون إلى البيعة، فقلت: يا رسول الله، بايع هذا على الهجرة. فقل: «ومن هذا؟» فقلت: هذا ابن عمي حَوْط بن يزيد - أو يزيد بن حَوْط - فقال رسول الله ﷺ «لا أبايعكم، إنَّ الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إِليهم. والذي نفسي بيده، لا يحب الأنصارَ رجل حتى يلقى الله إلا لقي الله وهو يحبُّه، ولا يُبغض الأنصار رجل حتى يلقى الله إِلا لقي الله وهو يبغضه» . كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً أبو داود كما في الإِصابة؛ وقال الهيثمي: رواه أحمد، والطبراني بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح غير محمد بن عمرو، وهو حسن الحديث. انتهى.
وأخرج الطبراني عن أبي أُسيد الساعدي ﵁: أن الناس جاؤوا إلى النبي ﷺ لحفر الخندق يبايعونه على الهجرة. فلما فرغ قال: «يا معشر الأنصار، لا تبايعوا على الهجرة إِنما يهاجر الناس إِليكم، من لقي الله وهو يحبّ الأنصار لقي الله وهو يحبُّه، ومن لقي الله هو يُبغض الأنصار
стр. 253
لقي الله وهو يُبغضه. قال الهيثمي وفيه: عبد الحميد بن سهيل ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
البَيْعة على النصرة بَيْعة سبعين رجلاً من الأنصار عند شِعْب العقبة على النُّصْرة
أخرج أحمد عن جابر ﵁ قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتَّبع لنسا في منازلهم: عكاظ ومَجَنَّة، في المواسم يقول: «من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلِّغ رسالة ربي وله الجنة» ، فلا يجد أحداً يؤويه ولا ينصره، حتى إنَّ الرجل ليخرج من اليمن أو من مُضرَ فيأتيه قومه وذوو رحمة فيقولون: إحذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رحالهم هم يشيرون إليه بالأصابع. حتى بعثنا الله إليه من يَثْرب فآويناه وصدَّقنا، فيخرج الرجل منّا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام.
ثم ائتمروا جمياً، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوف ويُطَّرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شِعْب العَقَبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط
стр. 254
والكسل، والنفقة في العُسْر واليُسْر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إِذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة» .
فقمنا إليه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين - إلا أنا، فقال: رويداً يا أهل يثرب، فإنّا لم نضرب إليه أكباد الإِبل إلا ونحن نعلم أنَّه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافّة، وقتلُ خياركم، وتعضُّكم السيوف. فإمّا أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبيّنوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله. قالوا: أبط عنا يا أسعد فوالله لا ندعُ هذه البَيْعة ولا نُسلَبها أبداً قال فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة. وقد رواه أحمد أيضاً والبيهقي من غير هذا الطريق أيضاً، وهذا إسناد جيِّد على شرط مسلم، ولم يخرِّجوه. كذا في البداية. وقال الحافظ في فتح الباري: إسناده حسن، وصحَّحه الحاكم وابن حبان اهـ؛ وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح، وقال: ورواه البزّار وقال في حديثه: فوالله لا نذَرَ هذه البَيْعة ولا نستقيلها.
وأخرج ابن إسحاق عن كعب بن مالك ﵁ قال: فلما
стр. 255
اجتمعنا في الشِّعْب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذٍ على دين قومه، إِلا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثَّق له. فلما جلس كان أولَ متكلم العباسُ بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج، إنَّ محمداً منَّا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّة من قومه ومَنَعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم تَرون أنكم وافون له با دعوتموه إِليه ومانعوه ممَّن خالفه فأنتم وما تحمَّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذِلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنَّه في عزّة ومَنعَة من قومه وبلده. قال فقلنا له: قد سمعنا ما قلتَ، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربِّك ما أحببت. قال: فتكلَّم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإِسلام. قال: «أُبايعكم على أن تمنعوني مِمَّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . قال: فأخذ البراء بن معرور بيده وقال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزُرَنا. فبايِعْنا يا رسول الله، فنحن - والله أبناء الحروب ورثناها كابراً عن كابر قال: فاعترض القول - والبراء يكلِّم ﵁ أبو الهيثم بن التَّيِّهان، فقال: يا رسول الله، إنَّ بيننا وبين الرجال حبالاً وإنَّا قاطعوها - يعني - اليهود -؛ فهل عسيتَ إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسَّم ﵁ ثم قال: «بل الدمُ الدمُ، الهَدْم الهَدْم، أنا منكم وأنتم مني؛ أحارب من حاربتم وأسلم من سالمتم» .
стр. 256
إخراج الأنصار إثني عشر نقيبا
قال كعب ﵁: وقد قال رسول الله ﷺ «أخرجوا إليَّ منكم إثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم» . فأخرجوا منهم إثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس. كذا في البداية. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والطبراني مطوَّلاً كما في مجمع الزوائد، وقد ساقه بطوله. قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرَّح بالسماع. انتهى. وقال الحافظ: أخرجه ابن إسحاق، وصحَّحه ابن حِبّان من طريقه بطوله اهـ.
بَيْعة أبي الهيثم وما قاله لأصحابه
وأخرج الطبراني عن عروة ﵁ مرسلاً قال: كان أول من بايع رسول الله ﷺ أبو الهيثم التَّيِّهان ﵁، وقال: يا رسول الله وإنَّ بيننا وبين الناس حبالاً - والحبال الحِلْف والمواثيق - فلعلنا نقطعها ثم ترجع إلى قومك وقد قطعنا الحبال وحاربنا الناس؟ فضحك رسول الله ﷺ من قوله وقال: «الدمُ الدمُ، الهدم الهدم» . فلما رضي أبو الهيثم بما رجع إِليه رسول
стр. 257
الله ﷺ من قوله أقبل على قومه فقال: يا قوم، هذا رسول الله ﷺ أشهد إِنّه لصادق، وإنَّه اليوم في حرم الله وأمنه وبين ظهري قومه وعشيرته، فاعلموا أنَّه إن تخرجوه رمتكم العرب عن قَوْس واحدة، فإن كانت طابت أنفسكم بالقتال في سبيل الله وذهاب الأموال والأولاد فادعوه إلى أرضكم، فإنه رسول الله ﷺ حقاً. وإن خفتم خذلاناً فمن الآن. فقالوا عند ذلك: قبلنا عن الله وعن رسوله ما أعطيانا، وقد أعطينا من أنفسنا الذي سألتنا يا رسول الله؛ فخلِّ بيننا - يا أبا الهيثم - وبين رسول الله فلْنبايعه. فقال أبو الهيثم: أنا أول من بايع، ثم تتابعوا كلهم. فذكر الحديث. قال الهيثمي وفيه: ابن لِهَيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف. انتهى.
قول العباس بن عبادة عند البَيْعة
وعند ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة ﵁: أن القوم لما اجتمعوا لبَيْعة رسول الله ﷺ قال العباس بن عبادة بن نَضْلة - أخو بني سالم بن عوف -: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أُنهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن؟ فهو - والله إنْ فعلتم - خزْيُ الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه على نَهْكُةِ الأموال، وقَتْل الأشراف فخذوه، فهو - والله - خير الدنيا والآخرة؟ قالوا: فإنَّا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك - يا رسول الله - إن نحن وَفَينا؟ قال: «الجنة» . قالوا: إبسط يدك؛ فبسط يده فبايعوه - كذا في البداية.
وأخرج ابن إسحاق أيضاً عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله: ثم
стр. 258
قال رسول الله ﷺ «أرفَضُّوا إلى رحالكم» . قال فقال العباس بن عبادة: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إِن شئت لنميلنَّ على أهل مِنى غداً بأسيافنا قال: فقال رسول الله ﷺ «لم نُؤْمر بذلك، ولكن إرجعوا إِلى رحالكم» . كذا في البداية.
البَيْعة على الجهاد
أخرج البخاري (ص ٣٩٧) عن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفِرون في غَداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون بذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال ﷺ
اللَّهم إنَّ العيش عيشُ الآخرة
فاغفرِ الأنصارَ والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمداً
على الجهاد ما بقينا أبداً
وأخرجه أيضاً مسلم والترمذي كما في جمع الزوائد. وقد تقدم حديث مجاشع ﵁ (ص ٢٤٠) : فقلت: علامَ تبايعنا؟ قال: «على الإِسلام والجهاد» . وحديث بشير بن الخصاصِيَة ﵁ (ص ٢٤١) : «يا بشير، لا صدقة ولا جهاد، فبمَ إذن تدخل الجنة؟» قلت: أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته، وحديث يَعْلى بن مُنْية (ص ٢٤٤) فقلت: يا رسول الله، بايع أبي على الهجرة قال: «بل أبايعه على الجهاد» .
стр. 259
البَيْعة على الموت بَيْعة سلمة بن الأكوع على الموت
أخرج البخاري (ص ٤١٥) عن سَلَمة ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ ثم عدلت إلى ظلِّ الشجرة. فلمَّا خفَّ الناس قال: «يا ابن الأكوع ألا تبايع؟» قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: «أيضاً» فبايعته الثانية، فقلت له: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت. وأخرجه أيضاً مسلم، والترمذي، والنسائي كما في العيني، والبيهقي، وابن سعد. وأخرج البخاري (ص ٤١٥) أيضاً عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: لما كان زمن الحرَّة أتاه آتٍ فقال له: إنَّ ابن حنظلة يبايع الناس على الموت. فقال: لا أبايع على هذا أحداً بعد رسول الله ﷺ وأخرجه أيضاً مسلم كما في العيني، والبيهقي.
стр. 260
البَيْعة على السمع والطاعة قول عبادة بن الصامت في هذا الباب
أخرج البيهقي عن عبيد الله بن رافع ﵁ قال: قدمتْ روايا خمر، فأتاها عبادة بن الصامت ﵁ فخرَّقها وقال: إنا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله، لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إِذا قدم علينا يثرب مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة؛ فهذه بيعة رسول الله ﷺ التي بايعناه عليها. وهذا إسناد جيِّد قوي، ولم يخرِّجوه. وقد روى يونس عن ابن إسحاق: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عنده عبادة ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ بَيْعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثَرَة» علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كُنَّا لا نخاف في الله لومة لائم. كذا في البداية. وأخرج الشيخان بمعناه كما في الترغيب.
بيعة جرير بن عبد الله على السمع والطاعة والنصح للمسلمين
وأخرج ابن جرير عن جرير ﵁ قال: بايعت النبي ﷺ على
стр. 261
السمع والطاعة، والنصح للمسلمين. وأخرج أيضاً من حديثه قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: أبايعك على السمع والطاعة فيما أحببت وفيما كرهت. فقال النبي ﷺ «أتستطيع ذلك، أو تطيق ذلك؟ فاحترز، قل فيما استطعت» ؛ فقلت: فيما استطعت، فبايَعني والنصح للمسلمين. كذا في كنز العمال. وعند أبي داود، والنِّسائي من حديثه: قال: فبايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، وأن أنصح لكل مسلم، وكان إذا باع الشيء أو اشترى، قال: أمَا إنَّ الذي أخذنا منك أحبُّ إلينا ممّا أعطيناك فاختر. كذا في الترغيب.
بيعة عتبة بن عبد وقوله ﷺ «فيما استطعت» عند البيعة
وأخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة يقول لنا: «فيما استطعت» ، وأخرجه النِّسائي، وابن جرير بمعناه كما في الكنز. وأخرج البغوي، وأبو نُعَيم، وابن عساكر عن عتبة بن عبد ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ سبع بيعات: خمساً على الطاعة، واثنتين على المحبة. كذا في الكنز.
стр. 262
وأخرج ابن جرير عن أنس رسول الله ﷺ قال: بايعت النبي ﷺ بيدي هذه على السمع والطاعة فيما استطعت - كذا في الكنز.
بَيْعة النساء قصة بَيْعة نساء الأنصار عند قدومه ﷺ المدينة
أخرج أحمد، وأبو يعلى، والطبراني - ورجاله ثقات - كما قال الهيثمي: عن أم عطيّة ﵂ قالت: لمَّا قدم رسول الله ﷺ المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب ﵁، فقام على الباب فسلَّم عليهن فرددن السلام. فقال: أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكنّ. فقلنا: مرحباً برسول الله ﷺ وبرسولِ رسولِ الله ﷺ فقال: تبايعنَ على أن لا تشركنَ بالله شيئاً، ولا تسرقنَ، ولا تزنينَ، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكنَّ وأرجلكنَّ، ولا تعصينَ في معروف. قلن: نعم؛ فمدّ عمر يده من خارج الباب، ومددنَ أيديهن من داخل، ثم قال: اللهم أشهد. وأمرنا أن نُخرج في العيدين الحُيَّضَ والعُتَّق، ونُهينا على إتِّباع الجنائز، ولا جمعة علينا. فسألته عن البهتان وعن قوله: ولا يعصينك في معروف؛ قال: هي النِياحة. ورواه أبو داود باختصار كثير. كذا في مجمع الزوائد.
стр. 263
قلت: وأخرجه البخاري أيضاً باختصار، وقد أخرجه بطوله ابن سعد، وعبد بن حُمَيد كما في الكنز. أخرج أحمد وأبو يَعْلى، والطبراني - ورجاله ثقات - كما قال الهيثمي: عن سلمى بنت قيس ﵂ وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلَّت معه القبلتين، وكانت إِحدى نساء بني عديِّ بن النجار - قالت: جئت رسول الله ﷺ فبايعته في نِسْوة من الأنصار، فلما شرط علينا أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف؛ قال: «ولا تغشَشْن أزواجكن» . قالت: فبايعناه. ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: إرجعي فسَلي رسول الله ﷺ ما غِشُّ أزواجنا؟ قالت: فسألته. قال: «تأخذ ماله فتحابي به غيره» .
وأخرج الإِمام أحمد عن عائشة بنت قُدَامة ﵂ بمعناه في البَيْعة على وفْق الآية كما في ابن كثير.
стр. 264
وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط عن غفيلة بنت عبيد بن الحارث ﵄ قالت: جئت أنا وأمي قريرة بنت الحارث العنوارية في نساء من المهاجرات، فبايعنا رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة بالأبْطَح، فأخذ علينا أن لا نشرك بالله شيئاً - الآية كلَّها. فلما أقررنا وبسطنا أيدينا لنبايعه قال: «إنِّي لا أمسُّ أيدي النساء» ، فاستغفر لنا، وكانت تلك بيعتَنا. قال الهيثمي: وفيه: موسى بن عبيدة وهو ضعيف. انتهى.
وأخرج مالك وصحَّحه ابن حِبَّان عن أُميمة بنت رُقَيْقة قالت: أتيت
стр. 265
رسول الله ﷺ في نِسْوة يبايعنه فقلنا: نبايعك - يا رسول الله - على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف. فقال رسول الله ﷺ «فيما استطعتُنَّ وأطقتنَّ» . فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا. هلمَّ نبايعْك يا رسول الله، قال: «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة إمرأة كقولي لامرأة واحدة» . وأخرجه الترمذي وغيره مختصراً كما في الإِصابة.
بَيْعة أُميمة بنت رُقَيقة على الإِسلام
وأخرجه الطبراني - ورجاله ثقات - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاءت أمية بنت رُقَيْقَة ﵂ إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإِسلام. فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرج الجاهلية الأولى» . كذا في المجمع. وأخرجه أيضاً النِّسائي وابن ماجه، والإِمام أحمد، وصحَّحه الترمذي كما في التفسير لابن كثير.
стр. 266
بَيْعة فاطمة بنت عُتْبة
وأخرج أحمد، والبّزار - ورجاله رجال الصحيح - عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ﵂ تبايع رسول الله ﷺ فأخذ عليها: «أن لا يشركن، ولا يزنين» - الآية. قالت: فوضعت يدها على رأسه حياءً فأعجبَ رسول الله ﷺ ما رأى منها؛ فقالت عائشة ﵂: أقرّي أيتها المرأة فوالله ما بايعنا إلا على هذا. قالت: فنعم إذاً، فبايعها بالآية. كذا في مجمع الزوائد.
بَيْعة عزَّة بنت خايل النبي ﷺ وأخرج الطبراني عن عَزّة بنت خايل ﵂: أنها أتت النبي ﷺ فبايعها أن «لا تزنين، ولا تسرقين، ولا تئدين فتبدين أو تخفين» . قلت: أما الوأد المبدي فقد عرفته، وأما الوأد الخفي فلم أسأل رسول الله ﷺ ولم يخبرني، وقد وقع في نفسي أنه إِفساد الولد، فوالله لا أفسد لي ولداً أبداً. قال
стр. 267
الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه عن عطاء بن مسعود الكعبي عن أبيه عنها، ولم أعرف مسعوداً، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
بيعة فاطمة بنت عتبة وأختها هند زوج أبي سفيان
وأخرج الحاكم عن فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ﵂ أن أبا حُذَيفة بن عتبة ﵁ أتى به وبهند إبنة عتبة رسول الله ﷺ تبايعه. فقالت: أخذَ علينا فشرط علينا. قالت: قلت له: يا ابن عم، هل علمت في قومك من هذه العاهات أو الهَنات شيئاً؟ قال أبو حذيفة: إيهاً فبايعيه فإنَّ بهذا يُبايع وهكذا يشترط. فقالت هند: لا أُبايعك على السرقة، إِنِّي أسرق من مال زوجي، فكف النبي ﷺ يده وكفت يدها، حتى أرسل إلى أبي سفيان فتحلَّل لها منه. فقال أبو سفيان: أما الرُّطَب فنعم، وأما اليابس فلا، ولا نعمة. قالت: فبايعناه. ثم قالت فاطمة: ما كانت قبةٌ أبغضَ إليَّ من قبتك ولا أحبَّ أن يبيحها الله وما فيها، ووالله ما من قبة أحبّ إِليَّ أن يعمرها الله ويبارك فيها من قبتك. فقال رسول الله ﷺ «وأيضاً - والله - لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده» . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرِّجاه؛ ووافقه الذهبي فقال: صحيح.
وعند أبي يَعْلى عن عائشة ﵂ قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة ﵂ إلى رسول الله ﷺ لتبايعه، فنظر إلى ييها فقال: «إذهبي فغيِّري يديك» . قال: فذهبت فغيَّرتهما بحنَّاء، ثم جاءت إلى رسول الله ﷺ فقال: «أُبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي، ولا تزني» .
стр. 268
قالت: أوَ تزني الحرة؟ قال: «ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق» . قالت: وهل تركت لنا أولاداً نقتلهم؟. قال: فبايعته، ثم قالت له - وعليها سواران من ذهب -: ما تقول في هذين السوارين؟ قال: «جمرتان من جمر جهنم» . قال الهيثمي: وفيه: من لم أعرفهن. وأخرجه ابن أبي حاتم مختصراً كما في ابن كثير. وقال في الإِصابة وقصَّتها - في قولها عند بَيْعة النساء: «وأن لا يسرقن ولا يزنين» . فقالت: وهل تزني الحرة؟، وعند قوله: «ولا يقتلنَ أولادهنَّ» وقد ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً - مشهورةٌ. ومن طرقه ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح مرسلٌ عن الشَّعْبي وعن ميمون بن مِهْران، ففي رواية الشَّعْبي: «ولا يزنين» . فقالت هند: وهل تزني الحرة؟ «ولا تقتلن أولادكنَّ» ، قالت: أنت قتلتهم. وفي رواية نحوه، لكن قالت: وهل تركت لنا ولداً يوم بدر؟.
وأخرح ابن مَنْدَه وفي أوله: إني أريد أن أبيع محمداً. قال: قد رأيتك تكفرين. قالت: إي والله، والله ما رأيت الله تعالى عُبِد حقَّ عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله: إن باتوا إلا مصلين قياماً وركوعاً وسجوداً. قال: فإنك قد فعلت ما فعلت، فاذهبي برجل من قومك معك. فذهبت إلى عمر ﵁، فذهب معها فاستأذن لها، فدخلت وهي مُتنقِّبة - فذكر قصة البَيْعة. وفيه عن مرسل الشَّعبي المذكور: قالت هند: قد كنت أفنيت من مال أبي سفيان. فقال أبو سفيان: ما أخذت من مالي فهو حلال. انتهى مختصراً.
стр. 269
وقد أخرجه ابن جرير من حديث ابن عباس ﵄ بطوله كما ذكر ابن كثير في تفسيره، وفيه: قال أبو سفيان: ما أصبتِ من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال. فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فدعاها، فأخذت بيده وعاذرته؛ فقال: «أنت هند» . قالت: عفا الله عما سلف. فصرف عنها رسول الله، فقال: «ولا يزنين» . فقالت: يا رسول الله، وهل تزني إمرأة حرة؟ قال: «لا والله ما تزني الحرة» . قال: «ولا يقتلن أولادهن» . قالت هند: أنت تقتلهم يوم بدر؛ فأنت وهم أبصر. قال: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن» . قال: «ولا يعصينك في معروف» . قال: منعهن أن ينحنَ وكان أهل الجاهلية يمزقنَ الثياب، ويخدشنَ الوجوه، ويقطعنَ الشعور، ويدعون بالويل والثبور. قال ابن كثير: وهذا أثر غريب. وأخرج ابن أبي حاتم عن أسيد بن أبي أسيد البزار عن إمرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نعصيَه في معروف، وأن لا نخمش وجهاً، ولا ننشر شَعَراً، ولا نشقّ جَيْباً، ولا ندعو وَيْلاً، كذا في التفسير لابن كثير.
بيعة من لم يحتلم بَيْعة الحسنين وابن عباس وابن جعفر
أخرج الطبراني عن محمد بن علي بن الحسين ﵃: أن
стр. 270
النبي ﷺ بايع الحسن، والحسين، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر وهم صغار، ولم يبقلوا، ولم يبلغوا، ولم يبايع صغيراً إلا منَّا. قال الهيثمي: وهو مرسل، ورجاله ثقات.
بَيْعة ابن الزبير، وابن جعفر
وأخرج الطبراني أيضاً عن عبد الله بن الزبير، عبد الله بن جعفر ﵃ أنهما بايعا رسول الله ﷺ وهما إبنا سبع سنين. فلما رآهما رسول الله ﷺ تبسَّم وبسط يده، فبايعهما. قال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن عيَّاش وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح، وأخرجه أيضاً أبو نعيم، وابن عساكر عن عروة: أن عبد الله بن الزبير، عبد الله بن جعفر - وفي لفظ: جعفر بن الزبير - بايعا النبي ﷺ وهما إبنا سبعِ سنين - فذكر نحوه كما في المنتخب.
وأخرح النِّسائي عن الهِرْماس بن زياد ﵁ قال: مددت يدي إلى رسول الله ﷺ وأنا غلام ليبايعني، فلم يبايعني. كذا في جمع الفوائد.
بَيْعة الصحابة على يد أبي بكر ﵁
أخرج ابن شاهين في الصحابة عن إبراهيم بن المنتشر، عن أبيه، عن جده، قال: كانت بيعة النبي ﷺ حين أنزل الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح: ١٠) التي بايع الناس عليها - البيعةَ لله والطاعة للحق، وكانت
стр. 271
بيعة أبي بكر ﵁: تبايعوني ما أطعتُ الله، وكانت بيعة عمر ﵁. ومن بعده كبيعة النبي ﷺ كذا في الإِصابة.
وأخرج البيهقي عن ابن العفيف ﵁ قال: رأيت أبا بكر ﵁ وهو يبايع الناس بعد رسول الله ﷺ فيجتمع إِليه العِصابة فيقول: تبايعوني على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير؟ فيقولون: نعم، فيبايعهم. فقمت عنده ساعة - وأنا يومئذٍ المحتلم أو فوقه - فتعلمتُ شرطَه الذي شَرَط على الناس، ثم أتيته فقلت وبدأته، قلت: أنا أبايعك على السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير، فصعَّد فيَّ البصر ثم صوَّبه، ورأيت أبي أعجبته ﵀.
وأخرج مُسَدَّد عن أبي السَّفَر ﵁ قال: كان أبو بكر ﵁ إذا بعث إلى الشام بايعهم على الطَّعْن والطاعون. كذا في الكنز.
بَيْعة الصحابة على يد عمر ﵁
وأخرج ابن سعد، بن أبي شيبة والطيالسي عن أنس رضي الله عنه
стр. 272
قال: قدمت المدينة وقد مات أبو بكر ﵁ واستُخلف عمر ﵁، فقلت لعمر: إرفع يدك أبايْعك على ما بايعت عليه صاحبك قبلك؛ على السمع والطاعة فيما استطعت. كذا في الكنز.
وأخرج ابن سعد عن عُمَير بن عطية اللَّيثي ﵁: أتيت عمر بن الخطاب ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين إرفع يدك - رفعها الله - أُبايعْك على سنّة الله وسنّة رسوله. فرفع يده وضحك: هي لنا عليكم ولكم علينا. وعن عبد الله بن حكيم ﵁ قال: بايعت عمر ﵁ بيدي هذه على السمع والطاعة. كذا في الكنز.
بَيْعة وفد الحمراء على يد عثمان ﵁
وأخرج أحمد في السُّنَّة عن سليم أبي عامر ﵁: أن وفد الحمراء أتَوا عثمان ﵁ فبايعوه على أن لا يشركوا بالله شيئاً، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان، ويَدَعوا عيد المجوس. فلما قالوا: نعم، بايَعهم. كذا في كنز العمال.
بَيْعة المسلمين لعثمان ﵁ بالخلافة
وأخرج البخاري عن المِسْوَر بن مَخْرمة ﵁ أن الرَّهْط الذين
стр. 273
ولاهم عمر ﵁ إجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن ﵁: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنَّكم إِن شئتم إخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن. فلمّا ولَّوْا عبد الرحمن أمْرَهم، فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط لا يطأ عقبه. ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان ﵁. قال المِسْوَر: طرقني عبد الرحمن بعد هِجْع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائماً - فوالله - ما اكتحلتُ هذه الليلة بكثير نوم، إنطلق فادعُ الزبير وسعداً، فدعوتهما له فشاورهما؛ ثم دعاني فقال: إدع لي علياً فدعوته، فناجاه حتى ابهارَّ الليل. ثم قام علي من عنده وهو على طمع - وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً - ثم قال لي: أدعُ لي عثمان فدعوته، فناجاه حتى فرَّق بينهما المؤذن بالصبح. فلمَّا صلَّى الناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل عبد الرحمن إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا قد وافَوا تلك الحجَّة مع عمر ﵁ فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي، إِنِّي قد نظرت في أمر الناس، فلم أرَهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلنَّ على نفسك سبيلاً، وأخذ بيد عثمان ﵁ وقال: أبايعك على سنّة الله وسنّة رسوله والخليفتين من بعده. فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون. وأخرجه البيهقي أيضاً بنحوه.
стр. 274
الباب الثالث باب تحمل الشدائد في الله
كيف كان النبي ﷺ وأصحابه ﵃ يتحمّلون الشدائد والأذى، والجوع والعطش، إِظهاراً للدين المتين. وكيف هانت عليهم نفوسهم في الله لإِعلاء كلمته.
стр. 275
باب تحمل الشدائد في الله قول المقداد في الحال التي بعث عليها النبي ﵇
أخرج أبو نعيم في الحلية عن جبير بن نُفَير، عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود ﵁ يوماً، فمرَّ به رجل، فقال: طُوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ والله لودِدنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت فاستمعت، فجعلت أعجب، ما قال إلا خيراً. ثم أقبل عليه، فقال: ما يحمل أحدَكم على أن يتمنى محضراً غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله، لقد حضر رسول الله ﷺ أقوام - كبَّهم الله على مناخرهم في جهنم - لم يجيبوه ولم يصدِّقوه ولا تحمدون الله إذ أخرجكم الله لا تعرفون إِلا ربَّكم مصدِّقين بما جاء به نبيكم ﵇ وقد كُفيتم البلاءَ بغيركم؟ والله، لقد بُعث النبي ﷺ على أشدّ حال بعث عليه نبي من الأنبياءِ، في فترة وجاهليْة، ما يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان. فجاء بفُرقان فرَّق به بين الحق والباطل، وفرّق بين الوالد وولده، حتى إنّ الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإِيمان، فيعلم أنّه قد هلك من دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار، وإِنّها للتي قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا
стр. 276
وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (الفرقان: ٧٤) . وأخرجه الطبراني أيضاً بمعناه بأسانيد في أحدها يحيى بن صالح وثَّقه الذهبي، وقد تكلَّموا فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع.
قول حذيفة في هذا الباب
وأخرج ابن إسحاق عن محمد بن كعب القُرَظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان ﵁: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجتهد. قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال؛ فقال حذيفة: يا ابن أخي - والله - لقد رأيتُنا مع رسول الله ﷺ بالخندق - فذكر الحديث في تحمُّلهم شدّة الخوف وشدة الجع والبرد. وعند مسلم: فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتُنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقرّ - فذكره. وعند الحاكم والبيهقي: فقال حذيفة: لا تمنَّوا ذلك - فذكره كما سيأتي في تحمُّل
стр. 277
الخوف.
تحمل النبي ﷺ الشدائد والأذى في الدعوة إلى الله قوله ﷺ في هذا الباب
أخرج أحمد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: «لقد أُوذيتُ في الله وما يُؤذى أحد، وأُخفتُ في الله وما يُخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كَبِد؛ إلا ما يُواري إبْط بلال» . كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الترمذي وابن حِبّان في صحيحه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً ابن ماجَهْ، وأبو نُعيم.
ما قاله ﷺ لعمِّه حين ظنَّ ضعفه عن نُصرْته
وأخرج الطبراني في الأوسط والكبير عن عقيل بن أبي طالب ﵁ قال: جاءت قريش إِلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إنَّ ابن أخيك يأتينا في أفنيتنا وفي نادينا فيسمعنا ما يؤذينا به، فإن رأيت أن تكفَّه عنا فافعل.
стр. 278
فقال لي: يا عقيل، إلتمس لي ابن عمك. فأخرجته من كِبس من أكباس أبي طالب، فأقبل يمشي معي يطلب الفيء يمشي فيه فلا يقدر عليه حتى انتهى إِلى أبي طالب. فقال له أبو طالب: يا ابن أخي، والله ما علمت أن كنت لي لمطاعاً، وقد جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم تسمعهم ما يؤذيهم فإن رأيت أن تكفَّ عنهم؟ فحلَّق ببصره إلى السماءِ فقال: «والله، ما أنا بأقدرَ أن أدعَ ما بُعثت به من أن يُشعِلَ أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار» . فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط إرجعوا راشدين. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وأبو يَعْلَى باختصار يسير من أوله، ورجال أبي يَعْلَى رجال الصحيح. إنتهى. وأخرجه البخاري في التاريخ بنحوه كما في البداية.
وعند البيهقي أن أبا طالب قال له ﷺ يا ابن أخي، إنّ قومك قد جاؤوني وقالوا كذا كذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك. فظن رسول الله ﷺ أن قد بَدَا لعمه فيه، وأنه خاذله ومُسْلمة، وضعف عن القيام معه. فقال رسول الله ﷺ «يا عم، لو وُضعت الشمس في يميني، والقمر في يساري؛ ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه» ؛ ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى. فلما ولَّى قال له - حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله ﷺ : يا ابن أخي، فأقبل عليه، فقال: إمضِ على أمرك وافعل ما أحببت، فواا لا أسلمك لشيء أبداً. كذا في البداية.
стр. 279
ما تحمَّله ﵇ من الأذى بعد موت عمه
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: لمَّا مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيه من سفهاء قريش فألقى عليه تراباً، فرجع إلى بيته فأتت إمرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: «أي بنية، لا تبكي، فإن الله مانعٌ أباك» ويقول ما بين ذلك: «ما نالت قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب، ثم شرعوا» . كذا في البداية. وأخرج أبو نعيم في الحلية: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: لما مات أبو طالب تجهَّموا بالنبي ﷺ فقال: «ي عمّ، أسرع ما وجدت فقدك» .
ما لقيه ﵇ من الأذى من قريش ما أجابهم به
وأخرج الطبراني عن الحارث بن الحارث قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابىء لهم. قال: فنزلنا فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإِيمان، وهم يردُّون عيه ويؤذونه، حتى انتصف النهار وانصدع الناس عنه، أقبلت إمرأة قد بدا نحرها تحمل قَدَحاً ومِنديلاً، فتناوله منها فشرب وتوضأ ثم رفع رأسه فقال: «يا بنية، خِّمري عليك نحرك، ولا تخافي على أبيك» . قلنا من هذه؟ قالوا: هذه زينب إبنتُه. قال الهيثمي: رجله ثقات،
стр. 280
وعنده أيضاً عن مَنبِت الأزدي قل: رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية وهو يقول: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراث، ومنهم من سبَّه، حتى انتصف النهار، فأقبلت جارية بِعُسّ من ماء، فغسل وجهه ويديه وقال: «يا بنية، لا تخشيَ على أبيك غِيلَة، ولا ذلّة» . فقلت: من هذه؟ قالوا: زينب بنت رسول الله ﷺ وهي جارية وضيئة. قال الهيثمي: وفيه مَنبِت بن مُدْرك، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
وأخرج البخاري عن عروة ﵁ قال: سألت ابن العاص ﵁ فقلت: أخرني بأشدِّ شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ قال: بينما النبي ﷺ يصلي في حِجْر الكعبة؛ إذ أقبل عليه عقبة بن أبي مُعَيط فوضع ثوبه على
стр. 281
عنقه خنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر ﵁ حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (المؤمنون: ٢٨) . الآية؛ كذا في البداية.
وعند ابن أبي شَيْبة عن عمرو بن العاص ﵁ قال: ما رأيت قريشاً أرادوا قتل النبي ﷺ إلا يوماً ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة ورسول الله ﷺ يصلِّي عند المقام، فقام إليه عقبة بن أبي مُعَط، فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطاً، وتصايح الناس، فظنوا أنه مقتول. فأقبل أبو بكر ﵁ يشتد حتى أخذ بِضَبُعَي رسول الله ﷺ من ورائه ويقول: «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟» ثم انصرفوا عن النبي ﷺ فقام رسول الله ﷺ فصلّى فلما قضى صلاته مرَّ بهم - وهم جلوس في ظلِّ الكعبة - فقال: يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، ما أرسلت إليك إلا بالذبح» وأشار بيده إلى حَلْقه. فقال له أبو جهل: ما كنت جهولاً. فقال له رسول الله ﷺ «أنت منهم» - كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً أبو يَعْلى والطبراني بنحوه، قال الهيثمي: وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وبقية رجال الطبراني رجال الصحيح. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في دلائل النبوة (ص ٦٧) .
стр. 282
وأخرج أحمد عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قلت له: ما أكثرَ ما رأيتَ قريشاً أصبت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم - وقد اجتمع أشرافهم في الحِجْر - فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم - أو كما قالوا -. قال: فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استقبل الركن، ثم مرّ بهم طائفاً بالبيت. فلما مرَّ بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى. فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى. فل مرَّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذَّبح» . فأخذتِ القومَ كلمتُه حتى ما منهم رجل إلا على رأسه طائر واقع، حتى إنَّ أشدهم فيه وضاءة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنَّه ليقول: إنصرف يا أبا القاسم، إنصرف راشداً. فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف رسول الله ﷺ
حتى إذا كان الغد إجتمعوا لي الحِجْر - وأنا معهم - فقال بعضهم لبعض؛ ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم منه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه؟ فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأطافوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ - لما كان
стр. 283
يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم - قال فيقول رسول الله ﷺ «نعم، أنا الذي أقول ذلك» قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر ﵁ دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشدُّ ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. قال الهيثمي: وقد صرَّح ابن إسحاق بالسَّمع، وبقية رجاله رجال الصحيح انتهى.
وأخرجه أيضاً البيهقي عن عروة ﵁ قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ما أكثر ما رأيتَ قريشاً - فذكر الحديث بطوله نحوه كما ذكر في البداية.
وأخرج أبو يَعْلى عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنهم قالوا لها: ما أشد ما رأيت من المشركين بلغوا من رسول الله ﷺ فقالت: كان المشركون قعدوا في المسجد يتذاكرون رسول الله ﷺ وما يقول في آلهتهم، فبينما هم كذلك إِذ أقبل رسول الله ﷺ فقاموا إِليه فأجمعهم، فأتى الصريخ إلى أبي بكر رسول الله ﷺ ﵁، فقالوا: أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإنَّ له لغدائرَ أربع، وهو يقول: ويلكم/ «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءك بالبينات من ربكم؟» . فَلَهوا عن رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبي بكر. قالت: فرجع إِلينا أبو بكر فجعل لا يمسُّ شيئاً من غدائره إِلا جاء معه، وهو يقول: تباركتَ يا ذا الجلال والإِكرام. قال الهيثمي وفيه: تَدْروس جدّ أبي
стр. 284
الزبير، ولم أعرفه؛ وبقية رجاله ثقات. انتهى. وذكره ابن عبد البر في الإستيعاب عن ابن عيينة، عن الوليد بن كثير، عن ابن عبدوس، عن أسماء ﵂ فذكره بنحوه، وبهذا الإِسناد أخرجه أبو نعيم في الحِلْية - مختصراً، وفيه: ابن تدروس عن أسماء. وأخرج أبو يعلى عن أنس بن مالك ﵁ قال: لقد ضربوا
стр. 285
رسول الله ﷺ مرة حتى غُشي عليه، فقام أبو بكر ﵁ فجعل ينادي: ويلكم/ «أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟» . فقالوا: من هذا فقالوا: أبو بكر المجنون. وأخرجه أيضاً البزّار - وزاد: فتركوه وأقبلوا على أبي بكر، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي. وأخرجه أيضاً الحاكم. وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه.
قول علي في شجاعة أبي بكر ﵄ في خطبة له
وأخرج البزّار في مسنده عن محمد بن عقيل عن علي ﵁ أنه خطبهم فقال: يا أيها الناس: من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين. فقال: أمَا إنِّي ما بارزني أحد إلا انتصفتُ منه، ولكن هو أبو بكر؛ إنا جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً، فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله، ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه؛ فهذا أشجع الناس.
قال: ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ وأخذته قريش، فهذا يحادُّه وهذا يُتَلتله ويقولون: أنتَ جعلت الآلهة إلهاً وحداً؟ فوالله، ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجاهد هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلاً
следующие страницы →