← История

История · id 8528

حياة الصحابة

محمد يوسف الكاندهلوي

Полный текст (1 779 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عنقه خنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر ﵁ حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي ﷺ وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (المؤمنون: ٢٨) . الآية؛ كذا في البداية. وعند ابن أبي شَيْبة عن عمرو بن العاص ﵁ قال: ما رأيت قريشاً أرادوا قتل النبي ﷺ إلا يوماً ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة ورسول الله ﷺ يصلِّي عند المقام، فقام إليه عقبة بن أبي مُعَط، فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطاً، وتصايح الناس، فظنوا أنه مقتول. فأقبل أبو بكر ﵁ يشتد حتى أخذ بِضَبُعَي رسول الله ﷺ من ورائه ويقول: «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟» ثم انصرفوا عن النبي ﷺ فقام رسول الله ﷺ فصلّى فلما قضى صلاته مرَّ بهم - وهم جلوس في ظلِّ الكعبة - فقال: يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، ما أرسلت إليك إلا بالذبح» وأشار بيده إلى حَلْقه. فقال له أبو جهل: ما كنت جهولاً. فقال له رسول الله ﷺ «أنت منهم» - كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً أبو يَعْلى والطبراني بنحوه، قال الهيثمي: وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وبقية رجال الطبراني رجال الصحيح. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في دلائل النبوة (ص ٦٧) .

стр. 282

وأخرج أحمد عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قلت له: ما أكثرَ ما رأيتَ قريشاً أصبت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم - وقد اجتمع أشرافهم في الحِجْر - فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّق جماعتنا، وسبّ آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم - أو كما قالوا -. قال: فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استقبل الركن، ثم مرّ بهم طائفاً بالبيت. فلما مرَّ بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى. فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى. فل مرَّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذَّبح» . فأخذتِ القومَ كلمتُه حتى ما منهم رجل إلا على رأسه طائر واقع، حتى إنَّ أشدهم فيه وضاءة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنَّه ليقول: إنصرف يا أبا القاسم، إنصرف راشداً. فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف رسول الله ﷺ حتى إذا كان الغد إجتمعوا لي الحِجْر - وأنا معهم - فقال بعضهم لبعض؛ ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم منه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه؟ فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأطافوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ - لما كان

стр. 283

يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم - قال فيقول رسول الله ﷺ «نعم، أنا الذي أقول ذلك» قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر ﵁ دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشدُّ ما رأيت قريشاً بلغت منه قط. قال الهيثمي: وقد صرَّح ابن إسحاق بالسَّمع، وبقية رجاله رجال الصحيح انتهى. وأخرجه أيضاً البيهقي عن عروة ﵁ قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ما أكثر ما رأيتَ قريشاً - فذكر الحديث بطوله نحوه كما ذكر في البداية. وأخرج أبو يَعْلى عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنهم قالوا لها: ما أشد ما رأيت من المشركين بلغوا من رسول الله ﷺ فقالت: كان المشركون قعدوا في المسجد يتذاكرون رسول الله ﷺ وما يقول في آلهتهم، فبينما هم كذلك إِذ أقبل رسول الله ﷺ فقاموا إِليه فأجمعهم، فأتى الصريخ إلى أبي بكر رسول الله ﷺ ﵁، فقالوا: أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإنَّ له لغدائرَ أربع، وهو يقول: ويلكم/ «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءك بالبينات من ربكم؟» . فَلَهوا عن رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبي بكر. قالت: فرجع إِلينا أبو بكر فجعل لا يمسُّ شيئاً من غدائره إِلا جاء معه، وهو يقول: تباركتَ يا ذا الجلال والإِكرام. قال الهيثمي وفيه: تَدْروس جدّ أبي

стр. 284

الزبير، ولم أعرفه؛ وبقية رجاله ثقات. انتهى. وذكره ابن عبد البر في الإستيعاب عن ابن عيينة، عن الوليد بن كثير، عن ابن عبدوس، عن أسماء ﵂ فذكره بنحوه، وبهذا الإِسناد أخرجه أبو نعيم في الحِلْية - مختصراً، وفيه: ابن تدروس عن أسماء. وأخرج أبو يعلى عن أنس بن مالك ﵁ قال: لقد ضربوا

стр. 285

رسول الله ﷺ مرة حتى غُشي عليه، فقام أبو بكر ﵁ فجعل ينادي: ويلكم/ «أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟» . فقالوا: من هذا فقالوا: أبو بكر المجنون. وأخرجه أيضاً البزّار - وزاد: فتركوه وأقبلوا على أبي بكر، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي. وأخرجه أيضاً الحاكم. وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه. قول علي في شجاعة أبي بكر ﵄ في خطبة له وأخرج البزّار في مسنده عن محمد بن عقيل عن علي ﵁ أنه خطبهم فقال: يا أيها الناس: من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين. فقال: أمَا إنِّي ما بارزني أحد إلا انتصفتُ منه، ولكن هو أبو بكر؛ إنا جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً، فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله، ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه؛ فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ وأخذته قريش، فهذا يحادُّه وهذا يُتَلتله ويقولون: أنتَ جعلت الآلهة إلهاً وحداً؟ فوالله، ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجاهد هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلاً

стр. 286

أن يقول ربي الله؟. ثم رفع علي بُرْدة كانت عليه فبكى حتى اخضلَّت لِحيته، ثم قال: أنشدكم الله، أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم. فقال علي ﵁: فوالله، لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه ثم قال البزار: لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه. كذا في البداية. وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه. طرح رؤساء قريش الفَرْث عليه ﷺ وانتصار أبي البختري له وأخرج البزّار والطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ في المسجد، وأبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة إبنا ربيعة، وعُقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، ورجلان آخران كانوا سبعة وهم في الحِجر، ورسول الله ﷺ يصلِّي، فلما سجد أطال السجود. فقال أبو جهل: أيُّكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفَرْثها، فنكفؤه على محمد؟ فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيط فأتى به فألقاه على كتفيه ورسول الله ﷺ ساجد. قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم ليس عندي مَنَعة تمنعني، فأنا أذهب إذ سمعتْ فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأقبلت حتى ألقت ذلك عن عاتقه، ثم استقبلت قريشاً تسبُّهم، فلم يرجعوا إليها شيئاً. ورفع رسول الله ﷺ رأسه كما كان يرفع عند تمام السجود. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: «اللَّهمَّ عليك بقريش - ثلاثاً عليك بعتبة، وعقبة، وأبي جهل، وشيبة» . ثم خرج من المسجد فلقيه أبو البختري بسوط يتخصّر به، فلما رأى النبي ﷺ أنكر وجهه،

стр. 287

فقال: ما لك؟ فقال النبي ﷺ «خلّ عني» . قال: علما لله لا أُخلِّي عنك أو تخبرني ما شأنك، فلقد أصابك شيء؟. فلما علم النبي ﷺ أنه غير خلَ عنه أخبره، فقال: «إنَّ أبا جهل أمر فطُرح عليَّ فرثٌ» ، فقال أبو البَختري: هلمَّ إلى المسجد، فأتى النبي ﷺ وأبو البختري فدخلا المسجد؛ ثم أقبل أبو البختري إلى أبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أنت الذي أمرتَ بمحمد فطُرح عليه الفرث؟ قال: نعم. فقال: فرفع السوط فضرب به رأسه. قال: فثار الرجال بعضها إلى بعض، قال: وصاح أبو جهل: ويحكم، هي له، إنما أراد محمد أن يُلقي بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه. قال الهيثمي: وفيه: الأجلح بن عبد الله الكندي وهو ثقة عند ابن معين وغيره، وضعَّفه النسائي وغيره. انتهى. وأخرجه أيضا أبو نُعيم في دلائل النبوة (ص ٩٠) نحو رواية البزار، والطبراني. وأخرجه أيضاً الشيخان، والترمذي وغيرهم باختصارِ قصة أبي البختري. وفي ألفاظ الصحيح: أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل يميل بعضهم إلى بعض أي من شدة الضحك. وعند أحمد: وقال عبد الله: فلقد رأيتهم قُتلوا يوم بدر جميعاً. كذا في البداية.

стр. 288

إيذء أبي جهل رسول الله ﷺ وغضب حمزة على أبي جهل وأخرج الطبراني عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق حليف بني زُهرة مرسلاً: أن أبا جهل إعترض لرسول الله ﷺ بالصَّفا، فآذاه. وكان حمزة ﵁ صاحب قَنْص وصيد، وكان يومئذٍ في قَنْصه. فلما رجع قالت له إمرأته - وكانت قد رأت ما صنع أبو جهل برسول الله ﷺ : يا أبا عُمرة، لو رأيت ما صنع - تعني أبا جهل - بابن أخيك؟ فغضب حمزة ﵁، ومضى كما هو قبل أن يدخل بيته وهو معلّق قوسه في عنقه حتى دخل المسجد، فوجد أبا جهل في مجلس من مجالس قريش، فلم يكلِّمه حتى علا رأسه بقوسه فشجِّه. فقام رجال من قريش إلى حمزة يمسكونه عنه، فقال حمزة: ديني دين محمد، - أشهد أنه رسول الله، فوالله، لا أنثني عن ذلك فامنعوني من ذلك إن كنتم صادقين فلما أسلم حمزة ﵁ عزّ به رسول الله ﷺ والمسلمون، وثبت لهم بعض أمرهم، وهابت قريش، وعلموا أن حمزة ﵁ سيمنعه. قال الهيثمي: ورجاله ثقات. وأخرجه الطبراني أيضاً عن محمد بن كعب القرظي مرسلاً، وفي حديثه: فأقبل من رَمْيه ذات يوم فلقيته إمرأة، فقالت: يا أبا عمارة، ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل بن هشام شتمه، وتناوله، وفعل وفعل. فقال: هل رآه أحد؟ قالت: إي واا، لقد رآه ناس. فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصَّفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم، فاتكأ على قوسه وقال: رميتُ كذا وكذا وفعلت كذا وكذا؟ ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها بين أذني أبي جهل، فدقَّ سِيَتَها، ثم قال: خُذْها بالقوس وأخرى بالسيف، أشهد أنه رسول الله ﷺ وأنه جاء بالحق من عند الله. قالوا: يا أبا عمارة، إنه سبَّ آلهتنا، وإِن كنت أنت - وأنت أفضل منه - ما أقررناك. وذاك وما كنت يا أبا

стр. 289

عمارة فحشاً. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. انتهى وأخرجه الحاكم في المسترك: عن ابن إسحاق عن رجل عن أسلم - فذكره مطولاً. عزم أبي جله على إيذائه ﷺ وكيف أخزاه الله وأخرج البيهقي عن العباس ﵁ قال: كنت يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل، فقال: إِنَّ لله عليَّ إن رأيت محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول الله ﷺ حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل. فخرج غضبانَ حتى جاء المسجد فعجَّل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط. فقلت: هذا يوم شر، فاتَّزرت ثم اتَّبعته، فدخل رسول الله ﷺ فقرأ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: ١، ٢) . فلما بلغ شأن أبي جهل: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق: ٦، ٧) ، فقال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم، هذا محمد. فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى؟ والله، لقد سُدَّ أفقُ السماء عليّ. فلما بلغ رسول الله ﷺ آخر السورة سجد. كذا في البداية وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير والأوسط، قال الهيثمي وفيه: إِسحاق بن أُبي فَرْوة وهو متروك. انتهى؛ وأخرجه الحاكم بمثله، وقال: صحيح الإِسناد، ولم يخرِّجاه، وتعقَّبه الذهبي، فقال: فيه عبد الله بن صالح وليس بعُمْدة، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك.

стр. 290

إيذاء أبي جهل للنبي ﷺ وانتصار طليب بن عمير له وأخرج ابن سعد عن الواقدي بسند له إبى بَرَّة بنت أبي تَجْراة قالت: عرض أبو جهل وعدّةٌ معه للنبي ﷺ فآذوه، فعمد طُليب بن عمير إلى أبي جهل فضربه فشجَّه، فأخذوه، فقام أبو لهب في نصرته. وبلغ أرْوَى فقالت: إنَّ خيرَ أيامه يوم نصر ابن خاله، فقيل لأبي لهب: إن أرْوَى صَبَتْ، فدخل عليها يعاتبها، فقالت: قم دون ابن أخيك، فإنه إن يظهر كنتَ بالخيار، ولا كنتَ قد أعذرتَ في ابن أخيك. فقال أبو لهب: ولنا طاقة بالعرب قاطبة؟ إنه جاء بدين مُحدَث. كذا في الإِصابة. دعاء النبي ﷺ على عُتيبة بن أبي لهب حين آذاه وخبر هلاكه وأخرج الطبراني عن قتادة مرسلاً قال: تزوج أمَّ كلثوم بنت رسول الله ﷺ عتيبةُ بن أبي لهب، وكانت رقية عند أخيه عتبة بن أبي لهب، فلم يَبْنِ به حتى بُعث النبي ﷺ فلما نزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾ قال أبو لهب لابنيه عتبة وعتيبة: رأسي في رؤوسكما حرم إن لم تطلِّقا إبنتي محمد، وقالت أمهما بنت حرب بن أمية - وهي حمَّالة الحطب -: طلِّقاهما يا بَني، فإنهما صَبَأتا. فطلَّقاهما. ولما طلَّق عتيبة أم كلثوم جاء إلى النبي ﷺ حين فارقها، فقال: كفرت بدينك أو فارقت إبنتك، لا تجيئني ولا أجيئك، ثم سطا عليه، فشقَّ قميص النبي ﷺ وهو خارج نحو الشام تاجراً. فقال النبي ﷺ «أما إنِّي أسأل الله أن يُسلِّط عليك كلبه» . فخرج في تَجْر من قريش

стр. 291

حتى نزلوا بمكان يقال له «الزرقاء» ليلاً فأطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: وَيْلُ أمي، هذا - والله - آكلي كما قال محمد، قاتلي ابن أبي كبشة، وهو بمكة وأنا بالشام. فلقد غدا عليه الأسد من بين القوم، فضغمه ضغمة فقتله. قال زهير بن العلاء: فحدَّثنا هشام بن عروة عن أبيه: أن الأسد لمَّا أطاف بهم تلك الليلة إنصرف، فناموا، وجُعل عتيبة وسطهم. فأقبل السبع يتخطّاهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه، وخَلَف عثمانُ بن عفان بعد رقية على أم كلثوم ﵄: قال الهيثمي: وفيه زهير بن العلاء وهو ضعيف. إيذاء النبي ﷺ من جارَيه: أبي لهب، وعقبة بن أبي معيط وأخرج الطبراني في الأوسط عن ربيعة بن عُبيد الدِيلي قال: ما أسمعكم تقولون إن قريشاً كانت تنال من رسول الله ﷺ فإنِّي أكثر ما رأيت أنَّ منزله كان بين منزل أبي لهب وعُقبة بن أبي مُعَيط؛ وكان ينقلب إلى بيته فيجد الأرحام والدِّماء والأنحات قد نصبت على بابه، فيُنحِّي ذلك بسِيَة قوسه، ويقول: «بئس الجوار هذا يا معشر قريش» قال الهيثمي: وفيه إبراهيم بن علي بن الحسين الرافقي، وهو ضعيف. انتهى. ما تحمّله ﵇ من الأذى في الطائف وأخرج البخاري: عن عروة أن عائشة ﵂ زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 292

حدَّثته أنها قالت للنبي ﷺ هل أتى عليكَ يوم كان أشدَّ عليك من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العَقَبَة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرت فإذا فيه جبرائيل ﵇ فناداني فقال: إنَّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ ثم قال: يا محمد، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟. قال النبي ﷺ بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» . وأخرجه أيضاً مسلم، والنسائي. وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب: أنّه ﷺ لمّا مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم، وهم إِخوة: عبد ياليل، وحبيب، ومسعود بنو عمرو؛ فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم ما انتهَكَ منه قومه فردُّوا عليه أقبح ردَ. وكذا ذكره ابن إسحاق بغير إِسناد مطوَّلاً. كذا في فتح الباري. وأخرج أبو نُعَيم في دلائل النبوة (ص ١٠٣) : عن عروة بن الزبير ﵄ قال: ومات أبو طالب، وازداد من البلاء على رسول الله ﷺ شدة، فعمد إلى

стр. 293

ثقيف يرجو أن يؤووه وينصروه، فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف وهم إخوة: عبد ياليل بن عمرو، وخبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو. فعرض عليهم نفسه، وشكا إِليهم البلاء وما انتهك قومه منه. فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط. وقال الآخر: والله، لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبداً، لئن كنت رسولاً لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أن أكلمك. وقال الآخر: أعَجَزَ الله أن يرسل غيرك؟ وأفشَوا ذلك في ثقيف - الذي قال لهم - واجتمعوا يستهزئون برسول الله ﷺ وقعدوا له صفَين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون. فلما خلص من صفَّيْهم وقدماه تسيلان الداء عمد إلى حائط من كرومه، فأتى ظلَّ حُبْلة من الكرم فجلس في أصلها مكروباً موجعاً تسيل قدماه الدماء، فإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما لما يعلم من عداوتهم الله ولرسوله وبه الذي به، فأرسلا إليه غلامهما عدَّاساً بعنب - وهو نصارني من أهل نِينَوى - فلمَّا أتاه وضع العنب بين يديه، فقال رسول الله ﷺ «بسم الله» ، فعجب عدّاس، فقال له رسول الله ﷺ «من أي أرض أنت يا عدّاس؟» قال: أنا من أهل نِينَوى. فقال النبي ﷺ «من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متَّى؟» فقال له عدّاس: وما يدريك مَنْ يونس بن متَّى؟ فأخبره رسول الله ﷺ من شأن يونس ما عرف، وكان رسول الله ﷺ لا يحقر أحداً، يبلِّغه رسالات الله تعالى. قال: يا رسول الله، أخبرني خبر يونس بن متَّى. فلمَّا أخبره رسول الله ﷺ من شأن يونس بن متى ما أُوحي إليه من شأنه خرّ ساجداً للرسول ﷺ ثم جعل يقبِّل قدميه وهما تسيلان الدماء. فلما أبصر عتبة وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا. فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد وقبّلت قدميه ولم نرك

стр. 294

فعلت هذا بأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح، حدثني عن أشياء عرفته من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا يُدعى يونس بن متى، فأخبرني أنَّه رسول الله، فضحكا وقالا: لا يفتنْك عن نصرانيتك، إنه رجل يَخدع، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى مكة. انتهى. وذكر في البداية عن موسى بن عقبة: وقعد له أهل الطائف صفَّيْن على طريقه، فلمّا مرّ جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إِلا رضخوهما بالحجارة حتى أدمَوه، فخلَص منهم وهما يسيلان الدماء. وفيما ذكر ابن إسحاق: فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذُكر لي -: «إن فعلتم ما فعلتم فكتموا عليَّ» ، وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فيُذْئِرهم ذلك عليه. فلم يفعلوا، وأغرَوا به سفهاءهم وعيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إِلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فعَمِد إلى ظل حُبْلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما يلقى نن سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله ﷺ فيما ذُكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها: «ماذا لقينا من أحمائك» . دعاؤه ﷺ عند الرجوع من الطائف فلما اطمأن، قال - فيما ذُكر لي -: «اللَّهمَّ إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكتَه أمري؟ إِن

стр. 295

لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلماتُ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، منْ أن ينزل بي غضبك، أو يَحلَّ عليَّ سَخطُك. لك العُتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك» . إسلام عدَّاس - وكان نصرانياً - وشهادته بأنه ﵇ نبي حق قال: فلما رآه إبنا ربيعة: عتبة، وشيبة وما لقي تحركت له رحِمُهما، فدَعَوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له عدَّاس، وقالا له: خذ قِطْفاً من هذا العنب فضه في هذا الطبق، ثم إذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله ﷺ يده فيه قال: «بسم الله» ثم أكل، ثم نظر عدَّاس في وجهه ثم قال: والله، إنَّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله ﷺ «ومن أهل أيّ بلاد أنت يا عدَّاس؟ وما دينك؟» قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نِينَوى. فقال رسول الله: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متْى؟» فقال له عدَّاس: وما يدريك ما يونس بن متَّى؟ فقال رسول الله: «ذلك أخي، كان نبياً وأنا نبي» . فأكبَّ عدَّاس على رسول الله ﷺ ﵁ يقبّل رأسه ويديه وقدميه. قال: يقول إبنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك فلما جاء عدَّاس قالا له: ويلك يا عدَّاس، مالك تقبِّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إِلا نبي. قالا له: ويحك يا عدَّاس لا يصرفنَّك عن دينك، فإنَّ دينك خير من دينه. كذا في البداية وذكر سليمان التَيْمي في السيرة له: أنه قال للنبي ﷺ أشهد أنك عبد الله ورسوله. كذا في الإِصابة. وقد ذكره في الصحابة.

стр. 296

وأخرج ابن مَردويه عن عائشة ﵂ قالت: قال أبو بكر: لو رأيتني ورسول الله ﷺ إِذ صعدنا الغار، فأمّا قدما رسول الله ﷺ فتقطّرتا دماً، وأما قدماي فعادت كأنهما صَفْوان. قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ لم يتعوّد الحِفْية. كذا في كنز العمال. ما لقيه ﵇ من الأذى يوم أُحد وأخرج الشيخان، والترمذي عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كُسرت رَباعِيته يوم أُحد وشُجَّ في رأسه، فجعل يَسلِتُ الدمَ عن وجهه ويقول: «كيف يُفلح قوم شَجُّوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله؟» فنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الاْمْرِ شَىْء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ـ (آل عمران: ١٢٨) - الآية. وعند الطبراني في الكبير عن أبي سعيد ﵁ قال: أُصيب وجه النبي ﷺ يوم أُحد، فاستقبله مالك بن سنان فمصَّ جرحه، ثم ازدرده فقال ﷺ «من أحب أن ينظر إلى من خالط دمي دمه؛ فلينظر إلى مالك بن سنان» . كذا في جمع الفوائد.

стр. 297

وأخرج الطيالسي عن عائشة ﵂ قالت: كن أبو بكر ﵁ إذا ذكر يوم أُحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدِّث قال: كنت أول من فاء يوم أُحد، فرأيت رجلاً يقاتل في سبيل الله دونه، وأُراه قال: حميَّة، قال فقلت: كُنْ طلحة، حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلاً من قومي أحب إليَّ. وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطَف المشي خطفاً لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وقد كُسرت رَباعِيتَه، وشُجَّ في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حَلَق المِغْفَر. قالت: «عليكما صاحبكما» - يريد طلحة وقد نَزَف - فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأنزع ذلك من وجهه، فقال: أقسم عليك بحقِّي لمَّا تركتني، فتركته، فكره تناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ فأزَم عليها بفِيه فاستخرج إِحدى الحلقتين، ووقعت ثنيّته مع الحَلْقة. وذهبت لأصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقِّي لمَّا تركتني. قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيّته الأخرى مع الحلقة؛ فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هَتَماً. فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار فإذا به بضع وسبعون طعنة ورمية وضربة، وإِذا قد قطعت إصبعه، فأصلحنا من شأنه. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً ابن سعد (٣٢٩٨، وابن لسُّنِّي، والشاشي، والبزار، والطبراني في

стр. 298

الأوسط، وابن حِبَّان، والدارقطني في الأفراد، وأبو نُعيم في المعرفة، وابن عساكر كما في الكنز. تحمل الصحابة ﵃ الشدائد والأذى في الدعوة إلى الله تحمل أبي بكر الصديق ﵁ الشدائد إلحاح أبي بكر عليه ﷺ بالظهور وخطبته حينئذٍ ما لقي من الأذى أخرج الحافظ أبو الحسن الأطرابلسي عن عائشة ﵂ قالت: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً - ألحّ أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور، فقال: «يا أبا بكر إنَّا قليل» . فلم يزل أبو بكر يلحّ حتى ظهر رسول الله ﷺ وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته. وقام أبو بكر في الناس خطيباً ورسول الله ﷺ جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسول الله ﷺ وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ووطىء أب بكر وضُرب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرِّفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه. وجاء بنو تَيْم يتعادَون فأجلَت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تَيْم أبا بكر في

стр. 299

ثوب حتى أدخلوه، منزله ولا يشكُّون في دموته. ثم رجعت بنو تَيْم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلنَّ عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تَيم يكلِّمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلَّم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله؟ فمسُّوا منه بألسنتهم وعَذَلوه، ثم قاموا لأمه أم الخير: أنظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحَّت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ فقالت: والله مالي علمٌ بصاحبك. فقال: إذهبي إلى أمِّ جميل بنت الخطّاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإِن كنت تحبين أن أذهب معك إلى إبنك. قالت: نعم؛ فمضيت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دَنِفاً؛ فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إِنَّ قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله ﷺ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: فإن الله عليَّ أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله ﷺ فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس، خرجتا به يتكىء عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ قال: فأكبَّ عليه رسول الله ﷺ فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورقَّ له رسول الله ﷺ رقَّة شديدة. فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إِلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي بَرَّة بولدها، وأنت مبارك فادعُها إلى الله وادعُ لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الله فأسلمت. وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهراً، وهم تسعة وثلاثون رجلا، وقد كان حمزة بن عبد المطلب ﵁ أسلم يوم ضرب أبو بكر ﵁.

стр. 300

دعاؤه ﵇ لعمر بن الخطاب وإسلامه ودعا رسول الله لعمر بن الخطاب ﵁ أو لأبي جهل بن هشام - فأصبح عمر، وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم مر يوم الخميس، فكبَّر رسول الله ﷺ وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة؛ وخرج أبو الأرقم - وهو أعمى كافر -، وهو يقول: اللَّهمَّ: إغفر لبنيَّ عبيد الأرقم فإنه كفر، فقام عمر فقال: يا رسول الله، علامَ نخفي ديننا ونحن على الحق؟ ويظهر دينهم وهم على الباطل؟ قال: «يا عمر، إنّا قليل قد رأيت ما لقينا» فقال عمر: فوالذي بعثك بالحق، لا يبقى مجلس جلس فيه بالكفر إِلا أظهرت فيه الإِيمان، ثم خرج فطاف بالبيت، مرّ بقريش وهي تنتظره، فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله. فوثب المشركون إليه ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه وأدخل أصبعه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحَّى الناس فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه حتى أعجز الناس. واتبع المجالس التي كان يُجالس فيها فيظهر الإِيمان، ثم انصرف إلى النبي ﷺ وهو ظاهر عليهم. قال: ما عليك بأبي وأمي، والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإِيمان غير هائب ولا خائف؛ فخرج رسول الله ﷺ وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلَّى الظهر مؤمناً، ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه عمر، ثم انصرف عمر وحده، ثم نصرف النبي ﷺ والصحيح: أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إِلى أرض الحبشة، وذلك في السنة السادسة من البعثة. كذا في البداية. وذكره الحافظ في الإِصابة عن ابن أبي عاصم.

стр. 301

إبتلاء المسلمين وخروج أبي بكر إلى الحبشة مهاجراً وقصته مع ابن الدغنة وأخرج البخاري (ص ٥٥٢) عن عائشة ﵂ قالت: لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طَرَفي النهار: بُكرة، وعَشيَّة. فلما ابتُليَ المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكَ الغماد لقيه ابن الدُّغُنَّةِ وهو سيد القارة. قال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجَني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدُّغُنَّةِ: فإنَّ مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخرج إنك تكسب المعدوم، وتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق؛ فأنا لك جار، إرجع واعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدُّغُنَّة، فطاف ابن الدُّغُنَّة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج، أتُخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرَّحِم، ويحمل لكلَّ، ويقري الضَّيف، ويعين على نوائب الحق. فلم تكذِّب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدُّغُنَّة: مُرْ أبا بكر فليعبدْ ربَّه في داره، فليصلِّ فيه وليقرأ ما شاء. ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنَّا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا؛ فقال ذلك ابن الدُّغُنَّة لأبي بكر. فابتنى مسجداً بِفناء داره، وكان يصلِّي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذَّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان

стр. 302

أبو بكر رجلاً بكَّاءً، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. وأفزع ذلك أشرافَ قريش من المشركين. فأرسلوا إلى ابن الدُّغُنَّة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفِناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يَفتن نساءنا وأبناءنا فانْهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربَّه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسَلْه أن يردَّ إِليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفِرَك، ولسنا مقرين لأبي بكر الإستعلان. قالت عائشة ﵂: فأتى ابن الدُّغُنَّة إلى أبي بكر فقال: قد علمتَ الذي عاقدتُ لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإِما أن تُرجع إليَّ ذمتي فإني لا أُحب أن تسمع العرب أني أُخفرتُ في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أردُّ إليك جوارَك وأرضى بجوار الله فذكر الحديث بطوله في الهجرة. وأخرج أيضاً ابن إسحاق بنحوه، وفي سياقه: فخرج أبو بكر مهاجراً، حتى إِذا سار من مكة يوماً أو يومين لقيه ابن الدُّغُنَّة - وهو يومئذٍ سيد الأحابيش -، فقال: إِلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي وآذَوْني وضيَّقوا عليَّ. قال: ولم؟ فوالله إنك لتزيِّن العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم؛ إرجع إنَّك في جواري. فرجع معه حتى إذ دخل مكة قام معه ابن الدُّغُنَّة فقال: يا معشر قريش. إنِّي قد أجرت ابن أبي قحفة فلا يُعرض له أحد إلا بخير. قال: فكفُّوا عنه، وفي آخره فقال: يا أبا بكر، إِني لم أُجرك لتؤذيَ قومك، وقد كرهوا مكانك الذي أنت به وتأذَّوا بذلك منك، فأدخل بيتك فصنع فيها أحببت. قال: أو أردُّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟. قال: فارددْ عليّ جواري. قال: قد رددته عليك. قال: فقام ابن الدُّغُنَّة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد ردّ عليَّ جواري، فشأنكم بصاحبك، كذا في البداية.

стр. 303

وأخرج ابن إسحاق أيضاً عن القاسم قال: لقيه - يعني أبا بكر الصديق ﵁ حين خرج من جوار ابن الدُّغُنَّة - سفيهٌ من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه تراباً، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة - أو العاص بن وائل - فقال له أبو بكر ﵁: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك. وهو يقول: أي رب ما أحلمك؟ أي رب ما أحلمك؟ أي رب ما أحلمك كذا في البداية. وقد تقدم في حديث أسماء ﵂ (ص ٢٦٨) عند أبي يَعْلى وغيره قالت: فأتى الصريخ إِلى أبي بكر، فقالوا: أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإِن له لغدائرَ أربع؛ وهو يقول: ويلكم «أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟» فَلَهوا عن رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبي بكر. قالت: فرجع إِلينا أبو بكر فجعل لا يمسُّ شيئاً من غدائره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإِكرام. تحمل عمر بن الخطاب ﵁ الشدائد أخرج ابن إسحاق عن ابن عمر ﵄ قال: لمّا أسلم عمر ﵁ قال: أيُّ قريش أنقل للحديث؟ فقيل له جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه - قال عبد الله: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كلَّ ما رأيت - حتى جاءه، فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت ودخلت في دين محمد ﷺ قال: فوالله، ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتَّبعه عمر واتبعته أنا، حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر

стр. 304

قريش، - وهم في أنديتهم حول الكعبة - أَلا إنَّ ابن الخطاب قد صبأ. قال يقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إِله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطَلح فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: إفعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله، أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حِبَرة وقميص مُوَشَّى حتى وقف عليهم فقال: ما شأنكم، فقالوا صبأ عمر. قال: فمَهْ رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون، أترون بني عديّ يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلُّوا عن الرجل. قال: فوالله لك أنما كانوا ثوباً كُشط عنه. قال فقلت لأبي - بعد أن هاجر إلى المدينة - يا أبت، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك - أيْ بنيَّ - العاص بن وائل السهمي. وهذا إِسناد جيد قوي. كذا في البداية. وعند البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: بينما هو في الدار خائفاً إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو - وعليه حُلة حِبَرة وقميص مكفوف بحرير - وهو من بني سَهْم وهم حلفاؤنا في الجاهلية. فقال له: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني أنْ أسلمتُ. قال لا سبيل إليك. بعد أن قالها أمِنتُ. فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي؛ فقال: أين تريدون، فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ. قال: لا سبيل إليه فكرّ الناس.

стр. 305

تحمل عثمان بن عفان ﵁ الشدائد أخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم التَيْمي قال: لما أسلم عثمان بن عفان ﵁ أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً، وقال: أترغب عن ملَّة آبائك إلى دين مُحْدَث؟ والله لا أحلّك أبداً حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين. فقال عثمان: والله لا أدعه أبداً ولا أُفارقه. فلما رأى الحَكَم صلابته في دينه تركه. تحمل طلحة بن عبيد الله ﵁ الشدائد أخرج البخاري في التاريخ عن مسعود بن خِراش ﵁ قال: بينا نحن نطوف بين الصَّفا والمروة إذا أُناس كثير يتبعون فتى شاباً مُوثقاً بيده في عنقه. قلت: ما شأنه؟ قالوا: هذا طلحة بن عبيد الله صبأ؛ وامرأةٌ وراءه تدمدم وتسبّه. قلت من هذه، قالوا: الصعبة بنت الحضرمي أمه. كذا في الإِصابة. وأخرج الحاكم في المستدرك عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: قال لي طلحة بن عبيد الله ﵁: حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في صومعته يقول: سَلُوا أهل هذا الموسم، أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة ﵁: قلت: نعم؛ أنا. فقال: هل ظهر أحمد بعد، قال قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء، مخرجه من الحرم ومهاجره إِلى نخل وحَرَّة وسِباخ فإياك أن تُسبق إليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعاً حتى قدمت

стр. 306

مكة فقلت: هل كان من حَدَث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبّأ، وقد تبعه ابن أبي قحافة. قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر ﵁ فقلت: أتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق؛ فأخبره طلحة بما قال الراهب. فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله ﷺ فأسلم طلحة، وأخبر رسول الله ﷺ بما قال الراهب؛ فسُرَّ رسول الله ﷺ فلما أسلم أبو بكر، وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدويَّة فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تَيْم، وكان نوفل بن يلد يدعى «أسد قريش» ، فلذلك سُمي أبو بكر، وطلحة القرينين - فذكر الحديث. وأخرجه البيهقي أيضاً، وفي حديثه: وقال النبي ﷺ «اللَّهمَّ أكفنا شرَّ ابن العدويّة» . كذا في البداية. تحمل الزبير بن العوام ﵁ الشدائد أخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي اوسود قال: أسلم الزبير بن العوام ﵁ وهو ابن ثمان سنين وهاجر وهو ابن ثماني عشرة سنة، وكان عم الزبير يعلِّق الزبير في حصير ويدخِّن عليه بالنار وهو يقول: إرجع إلى الكفر. فيقول الزبير: لا أكفر أبداً. وأخرجه الطبراني أيضاً ورجاله ثقات إلا أنه مرسل - قال الهيثمي في مجمع الزوائد. وأخرجه الحاكم عن أبي الأسود عن عروة ﵁.

стр. 307

وأخرج أبو نُعيم عن حفص بن خالد قال: حدثني شيخ قدم علينا من المَوْصل قال: صحبت الزبير بن العوام ﵁ في بعض أسفاره، فأصابته جنابة بأرض قفر، فقال: إسترني فسترته، فحانت مني إليه التفاتة فرأيته مجدَّعاً بالسيوف. قلت: والله لقد رأيت بك آثاراً ما رأيتها بأحد قط. قال: وقد رأيت ذلك؟ قلت: نعم، قال: أما والله، ما منها جراحة إلا مع رسول الله ﷺ وفي سبيل الله. وأخرجه الطبراني، والحاكم نحوه ابن عساكر كما في المنتخب أيضاً. قال الهيثمي والشيخ المَوْصلي لم أعرفه؛ وبقية رجاله ثقات. انتهى، وعند أبي نُعيم أيضاً عن علي بن زيد قال: أخبرني من رأى الزبير: وإن في صدره لأمثال العيون من الطَّعن والرمي. كذا في الحلية. تحمل بلال بن رباح المؤذن ﵁ الشدائد من أظهر إسلامه أولاً معه ﵇ أخرج الإِمام أحمد، ابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال: أول من أظهر الإِسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمَّار وأمه سُميَّة، وصهيب، وبلال؛ والمقداد، ﵃. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمِّه. وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه. وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدْرُع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد آتاهم على

стр. 308

ما أرادوا إلا بلالاً، فإنه هانت عليه نفسه في الله. وهان على قومه، فأخذوه فأعطَوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شِعاب مكة، وهو يقول: أحد، أحد - كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الحاكم وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي: صحيح، وأخرجه أبو نُعيم في الحلية، وابن أبي شيبة كما في الكنز، وابن عبد البَرّ في الإستيعاب من حديث بن مسعود بمثله. ما لقي بلال من الأذى في الله وأخرجه أبو نُعيم أيضاً في الحلية من حديث مجاهد، وفي حديثه: وأما الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد ثم صهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجَهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس. فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل - ومعه حربته، فجعل يشتمهم ويوبخهم. وقال ابن عبد البر في حديث مجاهد - وزاد في خبر بلال -: أنهم كانوا يطوفون به والحبل في عنقه بين أخشبي مكة. وأخرجه ابن سعد عن مجاهد بنحوه. وأخرج الزبير بن بكار عن عُروة بن الزبير ﵄ قال: كان بلال لجارية من

стр. 309

بني جُمَح، وكانوا يعذبونه برَمْضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك، فقول: أُحد أُحد، فيمر به وَرَقَة - وهو على تلك الحال - فيقول: أُحد، أُحد، يا بلال. والله، لئن قتلتموه لأتخذنَّه حناناً، وهذا مرسل جيد. كذا في الإِصابة. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمرُّ ببلال وهو وهو يعذِّب، وهو يقول أُحد، فيقول: أُحد، أُحد الله يا بلال. ثم يقبل ورقة بن نوفل على أمية بن خَلَف وهو يصنع ذلك ببلال، فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنَّه حناناً، حتى مرَّ به أبو بكر الصدِّيق يوماً وهم يصنعون ذلك، فقل لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين حتى متى؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه ممَّا ترى. فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلَدُ منه وأقوى على دينك، أعطيكه به. قال: قد قبلت، قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك، وأخذ بلالاً فأعتقه، ثم أعتق معه على الإِسلام - قبل أن يهاجر من مكة - ست رقاب بلال سابعهم. وذكر أبو نُعيم في الحِلْية عن ابن إسحاق: كان أمية يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة؛ ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع

стр. 310

على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزّى. فيقول: - وهو في ذلك البلاء - أُحد، أُحد. قال عمار بن ياسر - وهو يذكر بلالاً وأصحبه وما كانوا فيه من البلاء، وإِعتاق أبي بكر إياه، وكان إسم أبي بكر عتيقاً ﵁: جزى الله خيراً ن بلالٍ وصَحْبه عتيقاً وأخزى فاكهاً وأبا جهلِ عشية همَّا في بلال بِسَوْأةٍ ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلِ بتوحيده ربَّ الأنامِ وقولِه شهدتُ بأنَّ الله ربي على مَهْلِ فإن يقتلوني يقتلوني فلم أكن لأشركَ بالرحمنِ من خيفة القتلِ فيا ربَّ إبراهيم والعبدَ يونُسٍ وموسى وعيسى نجني ثم لا تُبْلِ لمن ظلَّ يهوي الغيَّ من آل غالبٍ على غير برَ كان منه ولا عدلِ تحمل عمّار بن ياسر وأهل بيته ﵃ الشدائد ما بشَّرا عمّاراً وأهل بيته حين رآهم يُعذّبون في الله أخرج الطبراني، والحاكم، والبيهقي، وابن عساكر عن جابر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ مرَّ بعمَّار وأهله وهم يعذَّبون، فقال: «أبشروا آل ياسر فإنَّ موعدكم الجنة» . قال الهيثمي: رجال الطبراني رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوّم وهو ثقة اهـ. وعند الحاكم في الكُنَى وابن عساكر عن عثمان ﵁ قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ بالبطحاء إِذ بعمّار وأبيه وأمه يعذبون في

стр. 311

الشمس ليرتدّوا عن الإِسلام. فقال أبو عمّار. يا رسول الله، الدهرَ هكذا؟ فقال: «صبراً يا آل ياسر. اللَّهمَّ إغفر لآل ياسر، وقد فعلت» . وأخرجه أيضاً أحمد، والبيهقي، والبغوي، والعُقيلي، وابن مَنْده، وأبو نُعَيم، وغيرهم بمعناه عن عثمان ﵁ كما في الكنز. وأخرجه ابن سعد عن عثمان ﵁ بنحوه. سمية أم عمّار أول شهيد في الإِسلام وأخرج أبو أحمد الحكم عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ بياسر وعمّار وأم عمّار وهو يؤذَون في الله تعالى، فقال لهم: «صبراً يا آل ياسر، صبراً يا آل ياسر؛ فإنَّ موعدكم الجنة» . ورواه ابن الكلبي عن ابن عباس ﵄ نحوه - وزاد: وعبد الله بن ياسر؛ وزاد: وطعن أبو جهل سميَّة في قُبُلها فماتت، ومات ياسر في العذاب، ورمي عبد الله فسقط - كذا في الإِصابة. وعند أحمد عن مجاهد قال: أول شهيد كان في أول الإِسلام إستشهد أم عمار سميَّة، طعنها أبو جهل بحربة في قبلها. كذا في البداية. إشتداد الأذى على عمَّار حتى أكره على قول الكفر وقلبه مطمئن بالإِيمان

стр. 312

وأخرج أبو نُعَيم في الحلية عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار قال: أخذ المشركون عمّاراً ﵁ فلم يتركوه حتى سبَّ رسول الله ﷺ وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى رسول الله ﷺ قال: «ما وراءك؟» قال: شرّ يا رسول الله، ما تركت حتى نلتُ منك وذكرت آلهتهم بخير. فقال رسول الله ﷺ «فكيف تجد قلبك؟» قال: أجد قلبي مطمئناً بالإِيمان. قال: «فإن عادا فَعُد» . وأخرجه ابن سعد عن أبي عبيدة نحوه. وأخرج أيضاً عن محمد: أن النبي ﷺ لقي عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه وهو يقول: «أخذك الكفار فغطُّوك في الماء؛ فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم» . وأخرج أيضاً عن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار. قال فكان رسول الله ﷺ يمرّ به ويمر يده على رأسه فيقول: «يا نارُ كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنت على إبراهيم ﵇، تقتلك الفئة الباغية» . تحمل خبّاب بن الأرتّ ﵁ الشدائد خبر خبّاب مع عمر ﵄ أخرج ابن سعد عن الشَّعْبي قال: دخل خبَّاب بن الأرتْ ﵁ على عمر بن الخطاب ﵁، فأجلسه على متكئه وقال: ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد. قال له خباب: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: بلال. فقال خباب: ما هو بأحق مني، إنَّ بلالاً كان له في المشركين من يمنعه الله به، ولم يكن لي أحد يمنعني، فلقد رأيتني يوماً

стр. 313

أخذوني فأوقدوا لي ناراً ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجلٌ رجله لعى صدري فما اتقيت الأرض - أو قال: برد الأرض - إلا بظهري؛ قال: ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برص. كذا كنز العمال. ذكر ما لقي خباب من الأذى في الله وعند أبي نُعيم في الحلية عن الشَّعْبي قال: سأل عمر ﵁ بلالاً عما لقي من المشركين؟ فقال: خباب: يا أمير المؤمنين، أنظر إلى ظهري، فقال عمر: ما رأيت كاليوم. قال: أوقدوا لي ناراً فما أطفأها إلا وَدَكُ ظهري وعنده أيضاً، وابن سعد، وابن أبي شَيْبة كما في كنز العمال عن أبي ليلى الكندي قال: جاء خبَّاب بن الأرت إِلى عمر ﵄ فقال: أدنُه، فلما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار بن ياسر؛ فجعل خباب يريه آثاراً في ظهره ممَّا عذّبه المشركون. وأخرج أحمد عن خبَّاب ﵁ قال: كنت رجلاً قَيْناً وكان لي على العاص بن وائل دَيْن، فأتيته أتقاضاه. فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفرَ بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموتَ ثم تُبعث. قال: فإني إذا مت ثم بُعثت جئتني ولي ثَمَّ مال وولد فأعطيك. فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِئَايَاتِنَا وَقَالَ لاَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرحمن عَهْداً كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ (مريم: ٧٧ - ٨٠) - كذا في

стр. 314

البداية. وأخرجه ابن سعد عن خباب بنحوه. وأخرج البخاري عن خبّاب ﵁ يقول: أتيت النبي ﷺ وهو متوسِّد ببردةٍ وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد - وهو محمرٌّ وجهه - فقال: «لقد كان مَنْ قبلكم ليُمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله زاد بيان: والذئب على غنمه -، ولكنكم تستعجلون» . وأخرجن أيضاً أبو داود، والنِّسائي كما في العيني، والحاكم بمعناه. تحمل أبي ذر الغفاري ﵁ الشدائد إرسال أبي ذر أخاه لمَّا بلغه خبر بعثته ﵇ أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لمَّا بلغ أبا ذرَ مبعث رسول الله ﷺ قال لأخيه: إركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا

стр. 315

الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله ثم إئتني. فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذرَ فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاماً ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني ممَّا أردت. قدوم أبي ذر إلى مكة وقصّة إسلامه وما لقي من الأذى في الله فتزود وحمل شَنّة فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل إضطجع، فرآه علي ﵁ رسول الله ﷺ فعرف أنه غريب. فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله، فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث، فعاد علي مثل ذلك فأقم معه. ثم قال ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدنَّني فعلت، ففعل، فأخبره. قال: فإنَّه حقٌ وهو رسول الله ﷺ فإذا أصبحت فاتَّبعني فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك، قمت كأني أريق الماء، فإن مضيتُ فاتَّبعني حتى تدخل مدخلي. ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النبي ﷺ «إرجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري» . قال: والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكبَّ عليه، فقال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غِفار وأن طريق تُجَّاركم إِلى الشام؟ فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثله فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه.

стр. 316

وعند البخاري أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ فقال: يا معشر قريش، إنِّي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إِلى هذا الصابىء، فقاموا فضربت لأموت، فأدركني العباس فأكب عليَّ ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم، تقتلون رجلاً من غفار ومتجركم وممرّكم على غفار؟ فأقلعوا عني. فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابىء فصُنع بي مثل ما صُنع بالأمس، فأدركني العباس فأكبَّ عليَّ وقال مثل مقالته بالأمس. أبو ذر أول من حيّا رسول الله ﷺ بتحية الإِسلام وأخرجه مسلم من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵄ فذكر قصة إسلامه بصفة أخرى، وفي حديثه: فانطلق أخي فأتى مكة ثم قال لي: أتيت مكة فرأيت رجلاً يسمِّيه الناس الصابىء هو أشبه الناس بك. قال: فأتيت مكة فرأيت رجلاً يسمِّيه، فقلت؛ أين الصابىء؟ فرفع صوته عليَّ فقال: صابىء، صابىء فرماني الناس حتى كأني نُصُبٌ أحمر، فاختبأت بين الكعبة وأستارها، ولبثت فيها بين خمس عشرة من يوم وليلة، وما لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم. قال: ولقينا رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ وقد دخلا المسجد، فوالله إِنِّي لأول الناس حيَّاه بتحية الإِسلام، فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك السلام ورحمة الله، من أنت؟» فقلت: رجل من بني غِفار. فقال صاحبه: إئذن لي يا رسول الله في ضيافته الليلة، فانطلق بي إلى دار في أسفل مكة فقبض لي قَبَضات من زبيب. قال: فقدمت على أخي فأخبرته أني أسلمت. قال: فإني على دينك، فانطلقنا إلى أمِّنا؛ فقالت: إني على دينكما. قال: وأتيت قومي فدعوتهم فتبعني بعضهم.

стр. 317

شجاعة أبي ذر في قصة إعلان إسلامه وما لقيه من الأذى في ذلك وأخرجه الطبراني نحو هذا مطوَّلاً، وأبو نعيم في الحلية من طريق ابن عباس ﵄ عن أبي ذر ﵁ قال: أقمت مع رسول الله ﷺ بمكة فعلمني الإِسلام، وقرأت من القرآن شيئاً. فقلت: يا رسول الله، إني أريد أن أظهر ديني. فقال رسول الله ﷺ «إني أخاف عليك أن تُقتل» . قلت: لا بدَّ منه وإن قتلت. قال: فسكت عني. فجئت - وقريش حِلَقاً يتحدّثون في المسجد - فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فنتقضت الحِلَق، فقاموا فضربوني حتى تركوني كأني نُصُب أحمر، وكانوا يرون أنهم قد قتلوني؛ فأفقت فجئت إلى رسول الله ﷺ فرأى ما بي من الحال، فقال لي: «ألم أنهك؟» ، فقلت: يا رسول الله، كانت حاجة في نفسي فقضيتها. فأقمت مع رسول الله ﷺ فقال: «الحق بقومك، فإذا بلغك ظهوري فأْتني» ، وأخرج أبو نعيم أيضاً عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵄ قال: أتيت مكة فمال عليَّ أهل الوادي بكل مَدَرة وعَظْم، فخررت مغشياً عليَّ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُب أحمر. كذا الحلية وأخرجه الحاكم أيضاً بطرق مختلفة. تحمل سعيد بن زيد وزوجته فاطمة أخت عمر ﵄ الشدائد إيذاء عمر لسعيد زوجته فاطة وقصة إسلام عمر بفضل دعاء النبي ﷺ له

стр. 318

أخرج البخاري عن قيس قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ في مسجد الكوفة يقول: والله، لقد رأيتني وإن عمر لَمُوثقي على الإِسلام، فذكر الحديث. وفي رواية أخرى عنه عنده: لو رأيتني موثقي عمر على الإِسلام أنا وأخته وما أسلم. وأخرج ابن سعد عن أنس ﵁ قال: خرج عمر ﵁ متقلداً السيف فلقيه رجل من بني زُهْرة قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمداً. فقال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زُهْرة إذا قتلت محمداً؟ قال: فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي كنت عليه فقال أفلا أدلك على ما هو أعجب من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أختك وخَتنُك قد صَبَوا وتركا دينك الذي أنت عليه. قال: فمشى عمر ذامراً حتى أتاهما وعندما رجل من المهاجرين يقال له خبَّاب قال: فلما سمع خباب حِسَّ عمر توارى في لبيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهَيْنَمة التي سمعتها عندكم؟ قال: وكانوا يقرؤون: «طه» ، فقالا: ما عدا حديثاً تحدَّثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما قال: فقال له ختنة: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على خَتَنة فوطأه وطأً شديداً، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده نفحة فدمَّى وجهها. فقالت - وهي غضبَى -: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ فلما يئس عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه. قال: - وكان عمر يقرأ الكتب - فقالت أخته؛ إنك رِجْس ولا يمسه إلا المطهَّرون، فقم فاغتسل أو توضأ. قال: قام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب

стр. 319

فقرأ «طه» حتى انتهى - إلى قوله -: ﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لآ اله إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصلاةَ لِذِكْرِى﴾ (طه: ١٤) قال فقال عمر: دلُّوني على محمد. فلما سمع خبّاب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: «اللَّهمَّ أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» . قال: «ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصف، فانطلق عمر حتى أتى الدار. قال: وعلى باب الدار حمزة، وطلحة ﵄ وأناس من أصحاب رسول الله ﷺ فلما رأى حمزة وَجَلَ القوم من عمر، قال حمزة: نعم، فهذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيراً يسلم ويتبع النبي ﷺ وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيِّناً. قال: ورسول الله ﷺ داخلٌ يُوحَى إليه. قال: فخرج رسول الله ﷺ حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال: «أما أنت بمنتهٍ يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهمَّ هذا عمر بن الخطاب، اللَّهمَّ أعزَّ الدين بعمر بن الخطاب» . قال فقال عمر: أشهد أنك رسول الله، فأسلم وقال: أخرج يا رسول الله. كذا في العيني. وذكره ابن إسحاق بهذا السياق مطوَّلاً كما في البداية. وعند الطبراني ن ثَوْبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اللَّهمَّ أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب» ، وقد ضرب أخته أول الليل وهي تقرأ: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ حتى ظنَّ أنه قتلها، ثم قام في السَحَر فسمع صوتها تقرأ: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ فقال: والله ما هذا بشعر ولا همهمته. فذهب حتى أتى رسول الله ﷺ فوجد بلالاً على الباب بدفع الباب؛

стр. 320

فقال بلال: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقال حتى أستأذن لك على رسول الله ﷺ فقال بلال: يا رسول الله، عمر بالباب. فقال رسول الله ﷺ «إن يرد الله بعمر خيراً يدخله في الدين» ، فقال لبلال: إفتح، وأخذ رسول الله ﷺ بضَبُعَيه وهزّه، وقال: ما الذي؟ وما الذي جئت؟» فقال له عمر: أعرض عليَّ الذي تدعو إليه. فقال: «تشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله» . فأسلم عمر مكانه، وقال: أخرج. قال الهيثمي وفيه: يزيد بن ربيعة وهو متروك؛ وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرج البزار عن أسْلَم مولى عمر ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب: أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قال قلنا: نعم. قال: كنت أشدَّ الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في يوم شديد الحر في بعض طرق مكة إِذ رآني رجل من قريش فقال: أين تذهب يا ابن الخطاب؟ قلت: أريد هذا الرجل. قال: يا ابن الخطاب قد دخل هذا الأمر في منزلك وأنت تقول هذا؟ قلت: وما ذاك فقال: إن أختك قد ذهبت إليه. قال: فرجعت مُغْضباً حتى قرعت عليها الباب؛ - وكان رسول الله ﷺ إِذا أسلم بعض من لا شيء له ضم الرجل والرجلين إلى الرجل ينفق عليه -. قال: وكان ضم رجلين من أصحابه إلى زوج أختي. قال: فقرعت الباب. فقيل لي: من هذا قلت: عمر بن الخطاب - وقد كانوا يقرأون كتاباً في أيديهم -. فلما سمعوا صوتي قاموا حتى اختبأوا في مكان وتركوا الكتاب. فلمَّا فتحت لي أختي الباب قلت: أيا عدوة نفسها صَبَوتِ؟ قال: وأرفع شيئاً فأضرب به على رأسها، فبكت المرأة، وقالت: يا ابن الخطاب، أصنع ما كنت صانعاً فقد أسلمت. فذهبتْ، وجلست عى السرير فإذا بصحيفة وسط الباب، فقلت: ما هذه الصحيفة ها هنا؟ فقالت
следующие страницы →