Полный текст (1 779 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وعند البخاري أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ فقال: يا معشر قريش، إنِّي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إِلى هذا الصابىء، فقاموا فضربت لأموت، فأدركني العباس فأكب عليَّ ثم أقبل عليهم فقال: ويلكم، تقتلون رجلاً من غفار ومتجركم وممرّكم على غفار؟ فأقلعوا عني. فلما أن أصبحت الغد رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس. فقالوا: قوموا إلى هذا الصابىء فصُنع بي مثل ما صُنع بالأمس، فأدركني العباس فأكبَّ عليَّ وقال مثل مقالته بالأمس.
أبو ذر أول من حيّا رسول الله ﷺ بتحية الإِسلام
وأخرجه مسلم من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵄ فذكر قصة إسلامه بصفة أخرى، وفي حديثه: فانطلق أخي فأتى مكة ثم قال لي: أتيت مكة فرأيت رجلاً يسمِّيه الناس الصابىء هو أشبه الناس بك. قال: فأتيت مكة فرأيت رجلاً يسمِّيه، فقلت؛ أين الصابىء؟ فرفع صوته عليَّ فقال: صابىء، صابىء فرماني الناس حتى كأني نُصُبٌ أحمر، فاختبأت بين الكعبة وأستارها، ولبثت فيها بين خمس عشرة من يوم وليلة، وما لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم. قال: ولقينا رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ وقد دخلا المسجد، فوالله إِنِّي لأول الناس حيَّاه بتحية الإِسلام، فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك السلام ورحمة الله، من أنت؟» فقلت: رجل من بني غِفار. فقال صاحبه: إئذن لي يا رسول الله في ضيافته الليلة، فانطلق بي إلى دار في أسفل مكة فقبض لي قَبَضات من زبيب. قال: فقدمت على أخي فأخبرته أني أسلمت. قال: فإني على دينك، فانطلقنا إلى أمِّنا؛ فقالت: إني على دينكما. قال: وأتيت قومي فدعوتهم فتبعني بعضهم.
стр. 317
شجاعة أبي ذر في قصة إعلان إسلامه وما لقيه من الأذى في ذلك
وأخرجه الطبراني نحو هذا مطوَّلاً، وأبو نعيم في الحلية من طريق ابن عباس ﵄ عن أبي ذر ﵁ قال: أقمت مع رسول الله ﷺ بمكة فعلمني الإِسلام، وقرأت من القرآن شيئاً. فقلت: يا رسول الله، إني أريد أن أظهر ديني. فقال رسول الله ﷺ «إني أخاف عليك أن تُقتل» . قلت: لا بدَّ منه وإن قتلت. قال: فسكت عني. فجئت - وقريش حِلَقاً يتحدّثون في المسجد - فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فنتقضت الحِلَق، فقاموا فضربوني حتى تركوني كأني نُصُب أحمر، وكانوا يرون أنهم قد قتلوني؛ فأفقت فجئت إلى رسول الله ﷺ فرأى ما بي من الحال، فقال لي: «ألم أنهك؟» ، فقلت: يا رسول الله، كانت حاجة في نفسي فقضيتها. فأقمت مع رسول الله ﷺ فقال: «الحق بقومك، فإذا بلغك ظهوري فأْتني» ، وأخرج أبو نعيم أيضاً عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵄ قال: أتيت مكة فمال عليَّ أهل الوادي بكل مَدَرة وعَظْم، فخررت مغشياً عليَّ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُب أحمر. كذا الحلية وأخرجه الحاكم أيضاً بطرق مختلفة.
تحمل سعيد بن زيد وزوجته فاطمة أخت عمر ﵄ الشدائد إيذاء عمر لسعيد زوجته فاطة وقصة إسلام عمر بفضل دعاء النبي ﷺ له
стр. 318
أخرج البخاري عن قيس قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ في مسجد الكوفة يقول: والله، لقد رأيتني وإن عمر لَمُوثقي على الإِسلام، فذكر الحديث. وفي رواية أخرى عنه عنده: لو رأيتني موثقي عمر على الإِسلام أنا وأخته وما أسلم.
وأخرج ابن سعد عن أنس ﵁ قال: خرج عمر ﵁ متقلداً السيف فلقيه رجل من بني زُهْرة قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمداً. فقال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زُهْرة إذا قتلت محمداً؟ قال: فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي كنت عليه فقال أفلا أدلك على ما هو أعجب من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أختك وخَتنُك قد صَبَوا وتركا دينك الذي أنت عليه. قال: فمشى عمر ذامراً حتى أتاهما وعندما رجل من المهاجرين يقال له خبَّاب قال: فلما سمع خباب حِسَّ عمر توارى في لبيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهَيْنَمة التي سمعتها عندكم؟ قال: وكانوا يقرؤون: «طه» ، فقالا: ما عدا حديثاً تحدَّثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما قال: فقال له ختنة: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على خَتَنة فوطأه وطأً شديداً، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده نفحة فدمَّى وجهها. فقالت - وهي غضبَى -: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ فلما يئس عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه. قال: - وكان عمر يقرأ الكتب - فقالت أخته؛ إنك رِجْس ولا يمسه إلا المطهَّرون، فقم فاغتسل أو توضأ. قال: قام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب
стр. 319
فقرأ «طه» حتى انتهى - إلى قوله -: ﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لآ اله إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصلاةَ لِذِكْرِى﴾ (طه: ١٤) قال فقال عمر: دلُّوني على محمد. فلما سمع خبّاب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: «اللَّهمَّ أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» . قال: «ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصف، فانطلق عمر حتى أتى الدار. قال: وعلى باب الدار حمزة، وطلحة ﵄ وأناس من أصحاب
رسول الله ﷺ فلما رأى حمزة وَجَلَ القوم من عمر، قال حمزة: نعم، فهذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيراً يسلم ويتبع النبي ﷺ وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيِّناً. قال: ورسول الله ﷺ داخلٌ يُوحَى إليه. قال: فخرج رسول الله ﷺ حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال: «أما أنت بمنتهٍ يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهمَّ هذا عمر بن الخطاب، اللَّهمَّ أعزَّ الدين بعمر بن الخطاب» . قال فقال عمر: أشهد أنك رسول الله، فأسلم وقال: أخرج يا رسول الله. كذا في العيني. وذكره ابن إسحاق بهذا السياق مطوَّلاً كما في البداية.
وعند الطبراني ن ثَوْبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اللَّهمَّ أعز الإِسلام بعمر بن الخطاب» ، وقد ضرب أخته أول الليل وهي تقرأ: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ حتى ظنَّ أنه قتلها، ثم قام في السَحَر فسمع صوتها تقرأ: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ فقال: والله ما هذا بشعر ولا همهمته. فذهب حتى أتى رسول الله ﷺ فوجد بلالاً على الباب بدفع الباب؛
стр. 320
فقال بلال: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقال حتى أستأذن لك على رسول الله ﷺ فقال بلال: يا رسول الله، عمر بالباب. فقال رسول الله ﷺ «إن يرد الله بعمر خيراً يدخله في الدين» ، فقال لبلال: إفتح، وأخذ رسول الله ﷺ بضَبُعَيه وهزّه، وقال: ما الذي؟ وما الذي جئت؟» فقال له عمر: أعرض عليَّ الذي تدعو إليه. فقال: «تشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله» . فأسلم عمر مكانه، وقال: أخرج. قال الهيثمي وفيه: يزيد بن ربيعة وهو متروك؛ وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
وأخرج البزار عن أسْلَم مولى عمر ﵄ قال: قال عمر بن الخطاب: أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قال قلنا: نعم. قال: كنت أشدَّ الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في يوم شديد الحر في بعض طرق مكة إِذ رآني رجل من قريش فقال: أين تذهب يا ابن الخطاب؟ قلت: أريد هذا الرجل. قال: يا ابن الخطاب قد دخل هذا الأمر في منزلك وأنت تقول هذا؟ قلت: وما ذاك فقال: إن أختك قد ذهبت إليه. قال: فرجعت مُغْضباً حتى قرعت عليها الباب؛ - وكان رسول الله ﷺ إِذا أسلم بعض من لا شيء له ضم الرجل والرجلين إلى الرجل ينفق عليه -. قال: وكان ضم رجلين من أصحابه إلى زوج أختي. قال: فقرعت الباب. فقيل لي: من هذا قلت: عمر بن الخطاب - وقد كانوا يقرأون كتاباً في أيديهم -. فلما سمعوا صوتي قاموا حتى اختبأوا في مكان وتركوا الكتاب. فلمَّا فتحت لي أختي الباب قلت: أيا عدوة نفسها صَبَوتِ؟ قال: وأرفع شيئاً فأضرب به على رأسها، فبكت المرأة، وقالت: يا ابن الخطاب، أصنع ما كنت صانعاً فقد أسلمت. فذهبتْ، وجلست عى السرير فإذا بصحيفة وسط الباب، فقلت: ما هذه الصحيفة ها هنا؟ فقالت
стр. 321
لي: دعنا عنك يا ابن الخطاب، فإِنك لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهَّر، وهذا لا يمسه إلا المطهّرون؛ فما زلت به حتى أعطتنيها. فذكر الحديث بطوله في إسلام عمر ﵁ وما وقع له بعده. قال الهيثمي: وفيه أُسامة بن زيد بن أسلم وهو ضعيف - انتهى.
تحمل عثمان بن مظعون ﵁ الشدائد
أخرج أبو نُعيم الحلية عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ﵁ ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء - وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة - قال: والله إن غُدوِّي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقَون من الأذى والبلاء ما لا يصيبني لنقصٌ كبير في نفسي فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفّنتْ ذمتك، قد رددت إِليك جوارك. قال: لم يا ابن أخي، لعله آذاك أحد من قومي؟ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله ، لا أُريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد عليَّ جواري علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلق ثم خرجا حتى أتيا المسجد، فقال لهم الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليَّ جاري. قال لهم: قد صدق قد وجدته وفيّاً كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله فقد رددت عليه جواره.
ثم انصرف عثمان ولبيدُ بن ربيعة بن مالك بن كلاب القيسي في المجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان. فقال لبيد - وهو ينشدهم -:
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلٌ
فقال عثمان: صدقت، فقال:
وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ
стр. 322
فقال عثمان: كذبت، نعيم أهل الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة، يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسُكم، فمتى حدث فيكم هذا؟ فقال رجل من القوم: إِنَّ هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فلا تجدنَّ في نفسك من قوله، فردَّ عليه عثمان حتى سَرِي - أي عظم - أمرهما. فقام إليه ذَلك الرجل فلطم عينه فخضرَّها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان. فقال: أما - والله - يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لَغنيةٌ، لقد كنت في ذمة منيعة. فقال عثمان: بلى - والله - إنّ عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعزّ منك وأقدر يا أب عبد شمس فقال عثمان بن مظعون ﵁ فيما أُصيب من عينه:
فإنْ تَكُ عيني في رضى لربِّ نالها
يدا مُلْحدٍ في الدين ليس بمهتدِ
فقد عوْض الرحمن منها ثوابه
ومن يُرضه الرحمن يا يقوم يسعدِ
فإني - وإنْ قلتم غَوِيٌ مُضلَّلٌ
سفيهٌ - على دين الرسول محمدِ
أريد بذاك الله والحقّ ديننا
على رغم من يبغي علينا ويعتدي
وقال علي بن أبي طالب ﵁ فيما أصيب من عين عثمان بن مظعون:
أمِنْ تذكُّر دَهْر غير مأمون
أصبحت مكتئباً تبكي كمحزونِ
أمِنْ تذكُّر أقوام ذوي سَفَهٍ
يغشون بالظلم مَنْ يدعو إلى الدين
لا ينتهون عن الفحشاء ما سلوا
والغدرُ فيهم سبيل غير مأمون
ألا تَرُون - أقلَّ الله خيرهم -
أنّا غضِبنا لعثمانَ بن مظعون
إذ يلطِمون - ولا يخشَون مُقْلَتَه
طَعْناً دِراكا وضرباً غيرَ مأفونِ
فسوف يجزيهم إن لم يمت عجلاً
كيلاً بكيلٍ جزاً غير مغبونِ
وذكر في البداية: قصة ابن مظعون عن ابن إسحاق بلا إسناد، وزاد:
стр. 323
فقال له الوليد: هَلُمَّ - يا ابن أخي - إلى جوارك فَعُدْ. قال: لا. وأخرجه الطبراني عن عروة مرسلاً. قال الهيثمي: وفيه: ابن لهيعة.
تحمل مصعب بن عمير ﵁ الشدائد
أخرج ابن سعد عن محمد العبدَري عن أبيه قال كان مصعب بن عمير فتى مكة شباباً وجمالاً وسبيباً، وكان أبواه يحبَّانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقّه، وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرمي من النعال. فكنت يذكره ويقول: «ما رأيت بمكة أحداً أحسنَ لِة. ولا أرقَّ حُلَّة، ولا أنعمَ نعمة من مصعب بن عمير» فبلغه أن رسول الله ﷺ يدعو إلى الإِسلام في دار أرقم بن أبي الأرقم فدخل عليه فأسلم وصدَّق به، وخرج فكتم إسلامه خوفاً من أمه وقومه. فكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سراً، فبصرُ به عثمان بن طلحة يصلِّي فأخبر أمه وقومه. فأخذوه فحبسوه فلم يزل محبوساً حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، فرجع متغيِّر الحال قد حرج - يعني غَلُظَ - فكفَّت أمه عنه من العذل.
تحمل عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ الشدائد ما لقي عبد الله من الأذى من ملك الروم وتقبيل عمر لرأسه حين قدم عليه
أخرج البيهقي، وابن عساكر عن أبي رافع قال: وجّه عمر بن الخطاب
стр. 324
رضي الله عنه جيشاً إلى الروم وفيهم رجل يقال له عبد الله بن حذافة من أصحاب النبي ﷺ فأسره الروم، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا له: إنَّ هذا من أصحاب محمد. فقال له الطاغية: هل لك أن تَنصرَّ وأشرِكَك في ملكي وسلطاني؟ فقال له عبد الله: لو أعطيتني ما تملك وجميع ما ملكته العرب، على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طَرْفة عين ما فعلت. قال: إذاً أقتلك. قال: أنت وذاك. فأَمر به فصُلب، وقال للرماة: أرموه قريباً من يديه، قريباً من رجليه، وهو يعرض عليه وهو يأبى. ثم أمر به فأنزل، ثم دعا بقدر فصبَّ فيه ماء حتى احترقت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي فيه وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم أمر به أن يُلقى فيها. فلما ذُهب به بكى، فقيل له: إنه قد بكى، فظنَّ أنه جزع فقال: ردّوه فعرض عليه النصرانية؛ فأبى. فقال: ما أباك إذاً؟ قال: أبكاني أني قلت في نفسي تُلقى الساعةَ في هذه القدر فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نَفْس تُلقى في الله. قال له الطاغية: هل لك أن تقبّل رأسي وأخلّي عنك؟ قال له عبد الله: وعن جميع أُسارى المسلمين؟ قال: وعن جميع أسارى المسلمين. قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدوٌّ من أعداء الله، أقبّل رأسه يخلِّي عني وعن أسارى المسلمين لا أُبالي. فدنا منه فقبّل رأسه، فدفع إليه الأسارى. فقدم بهم على عمر ﵁، فأُخبر عمر بخبره؛ فقال عمر: حقٌّ على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ، فقام عمر فقبّل رأسه. كذا في كنز العمال. قال في الإِصابة: وأخرج ابن عساكر لهذه القصة شاهداً من حديث ابن عباس ﵄ موصولاً، وآخر من فوائد، هشام بن عثمان من مرسل الزهري. انتهى.
стр. 325
تحمل عامة أصحاب النبي ﷺ الشدائد ما لقي الصحابة من الأذى من المشركين
أخرج ابن إِسحاق عن حكيم عن سعيد بن جبير قال: قلت عبد الله بن عباس ﵄: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله من العذاب ما يُعذَرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم، والله، إنْ كانوا ليضربون أحدهم، ويُجيعون، ويُعطِّشونه، حتى ما يقدر أن يستويَ جالساً من شدة الضُّرّ الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات والعزَّى إِلهان من دون الله؟ فيقولَ: نعم، (حتى إنَّ الجُعَل ليمر بهم، فيقولون له: أهذا الجُعَل إِلك من دون الله؟ فيقول: نعم: افتداءً منهم بما يبلغون من جَهده - كذا في البداية.
خبره ﵇ وأصحابه في المدينة بعد الهجرة
وأخرج ابن المنذر، والطبراني، والحاكم، وابن مَرْدويه، والبيهقي في الدلائل، وسعيد بن منصور عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه. فقالوا: تَروْن أنّا نعيش
стр. 326
حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله؛ فنزلت: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥) . كذا في الكنز. ولفظ الطبراني: عن أبيّ بن كعب قال: لمّا قدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة؛ فنزلت: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ﴾ . قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
غزوة ذات الرِّقاع وما لقيه ﵇ وأصحابه من الأذى
وأخرح ابن عساكر، وأبو يَعْلى عن أبي موسى ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نَعْتَقِبُه فَنقِبَت أقدامنا (ونقبت قدماي) وسقطت أظفاري، فكنّا نلفُّ على أرجلنا الخِرَق، فسميت الغزوة «ذاتَ الرقاع» لما كنّا نعصِب على أرجلنا من الخِرَق. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في الحلية بنحوه، وزاد: قال أبو بُرْدة: فحدَّث أبو موسى بهذا الحديث ثم ذكر ذلك فقال: ما كنت أصنع أن أذكر هذا الحديث كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه. وقال: الله يجزي به.
تحمل الجوع في الدعوة إلى الله ورسوله تحمل محمد ﷺ الجوع
стр. 327
أخرج مسلم، والترمذي عن النعمان بن بشير ﵁ قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدَّقَل ما يملأ بطنه. وفي رواية لمسلم عن النعمان ﵁ قال: ذكر عمر ﵁ ما أصاب الناسُ من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدَّقَل ما يملأ بطنه - كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً الإِمام أحمد، والطيالسي، وابن سعد، وابن ماجه، وأبو عَوانة وغيرهم كما في الكنز.
شدة الحساب لا تصيب الجائع
وأخرج أبو نُعيم في الحلية، والخطيب، وابن عساكر، وابن النجّار عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يصلِّي جالساً. فقلت: يا رسول الله، أراك تصلِّي جالساً فما أصابك؟ قال: «الجوع، يا أبا هريرة» فبكيت. فقال: «لا تبكِ يا أبا هريرة، فإنَّ شدة الحساب يوم القيامة
стр. 328
لا تصيب الجائع إِذا احتسب في دار الدنيا» . كذا في الكنز.
بيوت النبي ﷺ لا تُسرج ولا يوقد فيها النار
وأخرج أحمد - ورواته رواة الصحيح - عن عائشة ﵂ قالت: أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلاً، فأمسكتُ وقطع النبي ﷺ أو قالت: فأمسك رسول الله ﷺ وقطعتُ -. قال: فتقول للذي تحدثه هذا على غير مصباح. وأخرجه الطبراني أيضاً - وزاد: فقلت: يا أمَّ المؤمنين، على مصباح؟ قالت: لو كان عندنا دهن غير مصباح لأكلناه - كذا في الترغيب. قال الهيثمي: رواه أبو يَعْلى، وفيه: عثمان بن عطاء الخراساني وهو ضعيف، وقد وثَّقه دحيم، وبقية رجاله ثقات.
وعند أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: كان يمر بآل رسول
стр. 329
الله ﷺ هلال ثم هلال لا يوقد في بيوتهم شيء من النار، لا لخبز ولا لطبيخ. قالوا: بأيِّ شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: الأسودان: التمر والماء. وكان لهم جيران من الأنصار - جزاهم الله خيراً - لهم منائح، ويرسلون إليهم شيئاً من لبن. قال الهيثمي: إسناده حسن. ورواه البزار كذلك. انتهى.
وأخرج الشيخان عن عروة عن عائشة ﵂ أنها كنت تقول: والله يا ابن أختي، إنْ كنَّا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلَّة في شهرين، وما أُوقدَ في أبيات رسول الله ﷺ نار. قلت: يا خالة، فما كان يُعيِّشكم؟ قالت الأسودان: التمر والماء، إلا أنّه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه. كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً ابن جرير نحوه، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، والبزار عن أبي هريرة ﵁ بمعناه كما في المجمع.
وأخرج بن جرير أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: إنْ كنَّا لنمكث أربعين لا نوقد في بيت رسول الله ﷺ ناراً ولا غيره. قلت: بأي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: بالأسودين: بالتمر والماء إذا وجدنا. كذا في الكنز.
стр. 330
وأخرج الترمذي عن مسروق قال: دخلت على عائشة ﵂، فدعت لي بطعام فقالت: ما أشبع فأشاء أن أبكي إِلا بكيت. قلت لم؟ قالت: أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله ﷺ الدنيا، والله ما شبع من خبز ولحم ومرتين في يوم. كذا في الترغيب. وعند ابن جرير عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز بُرَ ثلاثة أيام تباعاً منذ قدم المدينة حتى مضى لسبيله، وعنده أيضاً عنها قالت: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله ﷺ وعنده أيضاً عنها قالت: قُبض رسول الله ﷺ وما شبع من الأسودين - التمر والماء - كما في الكنز. وفي رواية للبيهقي قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام متوالية ولو شئنا شبعنا، ولكنه كان يؤثر على نفسه. كذا في الترغيب.
ما أصابه ﵇ من شدّة العيش
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن ﵁ مرسلاً قال: كان رسول الله ﷺ يواسي الناس بنفسه حتى جعل يرقَع إزاره بالأدَم وما جمع بين غداء وعشاء ثلاثة أيام ولاءً حتى لحق بالله .
وعند البخاري عن أنس رسول الله ﷺ قال: لم يأكل النبي ﷺ على خُوان ولم يأكل خبزاً مرقَّقاً حتى مات. وفي رواية: ولا رأى شاة سميطاً بعينه
стр. 331
قط. كذا في الترغيب.
وأخرج الترمذي - وصحّه - عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة وأهله طاوِين لا يجدون عشاء، وإنَّما كان أكثر خبزهم الشعير. عنده أيضاً البخاري عن أبي هريرة ﵁: أنه مرَّ بقوم بين أيديهم شاة مصّلِيَّة، فدعَوه فأبى أن يأكل، وقال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير. كذا في الترغيب (٥١٤٨/ ١٥١) .
وأخرج أحمد عن أنس ﵁ قال: إنَّ فاطمة ﵂ ناولت النبي ﷺ كِسرة من خبز الشعير، فقال لها: «هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام» . وأخرجه الطبراني، وزاد فقال: «ما هذه؟» فقالت: قرص خبزته فلم تطلب نفسي حتى أتيتك بهذه الكِسرة. فقال: فذكره قال الهيثمي - بعد ما ذكره عن أحمد والطبراني -: ورجالهم ثقات. وعند ابن ماجه بإسناد حسن. والبيهقي بإسناد صحيح عن أبي
стр. 332
هريرة ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ بطعام سُخْن، فأكل. فلما فرغ قال: «الحمد لله؛ ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا» . كذا في الترغيب.
وأخرج البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: ما رأى رسول الله ﷺ النقيَّ من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله. فقيل: هل كان لكم في عهد رسول الله ﷺ مُنخُل؟ قال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله. فقيل: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثرَّيْنَاه. كذا في الترغيب. وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عائشة ﵂ قالت: ما كان يبقى على مائدة رسول الله ﷺ من خيز الشعير قليل ولا كثير. وفي رواية له: ما رفعت مائدة رسول الله ﷺ من بين يدي رسول الله ﷺ وعليها فَضْلة من طعام قط. كذا في الترغيب. قال الهيثمي: وروى البزَّار بعضه.
وضعه ﵇ والصحابة الحجر على بطونهم من الجوع
وأخرج الترمذي عن أبي طلحة ﵁ قال: شكونا إلى رسول
стр. 333
الله ﷺ الجوع، ورفعنا ثيابنا عن حَجَرٍ حَجَرٍ على بطوننا؛ فرفع رسول الله ﷺ عن حجرين. كذا في الترغيب. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن بُجير ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: أصاب النبي ﷺ جوع يوماً، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال: «ألا ربَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعةٌ عاريةٌ يوم القيامة. ألا ربَّ مُكْرم لنفسه وهو له مهين. ألا ربَّ مُهين لنفسه وهو له مكرم» . كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً الخطيب، وابن مَنْده كما في الإِصابة.
قول عائشة ﵂ في الشبع
وأخرج البخاري في كتاب الضعفاء وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع عن عائشة ﵂ قالت: أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشِّبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فضَعُفت قلوبهم، وجَمحت شهواتهم، كذا في الترغيب.
جوعه ﷺ وجوع أهل بيته وأبي بكر ، وعمر ﵃ جوعه ﵇ وأبي بكر، وعمر وخبرهم مع أبي أيوب
أخرج الطبراني، وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: خرج أبو بكر ﵄ بالهاجرة إلى المسجد، فسمع عمر
стр. 334
رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر، ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: ما أخرجني إلا ما أجد من حاقِّ الجوع. قال: وأنا - والله - ما أخرجني غيره. فبينما هم كذلك إذ خرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: «ما أخرجكما هذه الساعة؟» قالا: والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من حاقّ الجوع قال: «وأنا - والذي نفسي بيده - ما أخرجني غيره فقوما» ، فانطلقوا فأتَوا باب أبي أيوب الأنصاري ﵁، وكان أبوي أيوب يدَّخر لرسول الله ﷺ طعاماً كان أو لبناً، فأبطأ عليه يومئذٍ فلم يأت لحينه، فأطعمه لأهله، وانطلق إلى نخله يعمل فيه.
فلما انتَهوا إلى الباب خرجت إمرأته فقالت: مرحباً بنبي الله وبمن معه. قال لها نبي الله ﷺ «أين أبو أيوب؟» فسمعه - وهو يعلم في نخل له - فجاء يشتد فقال: «مرحباً بنبي الله وبمن معه. يا نبي الله، ليس بالحين الذي كنت تجيء فيه؟ فقال ﷺ «صدقت» . قال: فانطلق فقطع عِذْقاً من النخل فيه كلٌّ من التمر والرُّطَب والبُسْر. فقال ﷺ «ما أردت إلى هذه، ألا جَنَيت لنا من تمره؟» قال: يا رسول الله أحببت أن تأكل من تمره وخطَبه وبُسْره، ولأذبحنّ لك مع هذا. قال: «إن ذبحتَ فلا تذبحنَّ ذاتَ دَرّ» . فأخذ عَناقاً أو جدياً فذبحه، وقال لامرأته: أخبُزي واعجِني لنا وأنت أعلم بالخبز. فأخذ نصف الجدي فطبخه وشوَى نصفه. فلما أدرك الطعام ووُضع بين يدي النبي ﷺ وأصحابه؛ أخذ من الجَدي فجعله في رغيف وقال: «يا أبا أيوب: أبلغ بهذا فاطمة فإنها لم تُصِب مثل هذا منذ أيام» . فذهب أبو أيوب إلى فاطمة. فلما أكلوا وشبعوا قال النبي ﷺ «خبز، ولحم، وتمر، وبُسْر، ورُطَب، - ودمعت عيناه -، والذي نفسي بيده، إنَّ هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة» .
стр. 335
فكَبُر ذلك على أصحابه فقال: «بل إذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم، فقولوا: بسم الله، فإذا شبعتم فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا فأفضل؛ فإن هذا كفاف بهذا» . فلما نهض قال لأبي أيوب: «ائتنا غداً» وكان لا يأتي أحد إِليه معروفاً إِلا أحبَّ أن يجازيه. قال: وإن أبا أيوب لم يسمع ذلك؛ فقال عمر ﵁: إِن النبي ﷺ يأمرك أن تأتيه غداً. فأتاه من الغد فأعطاه وليدته؛ فقال: «يا أبا أيوب استوصِ بها خيراً فإنَّا لم نرَ إِلا خيراً ما دامت عندنا» . فلما جاء أبو أيوب من عند رسول الله ﷺ قال: لا أجد لوصية رسول الله ﷺ خيراً له من أن أعتقها فأعتقها. كذا في الترغيب.
وأخرجه البزار، وأبو يعلى، والعُقَيْلي، وابن مردَوَيه، والبيهقي في الدلائل، وسعيد بن منصور عن ابن عباس ﵄ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة فوجد أبا بكر ﵁ في المسجد فقال: «ما أخرجك في هذه الساعة؟» فقال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. وجاء عمر بن الخطاب فقال: «ما أخرجك يا ابن الخطاب؟» قال: أخرجني الذي أخرجكما. فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدثهما، ثم قال: «هل بكما قوة تنطلقان إلى النَّخْل فتصيبان طعاماً وشراباً وظلاً؟» قال: «سيروا بنا إلى منزل أبي الهيثم بن التيِّهان الأنصاري فذكر الحديث بطوله كما في كنز العمال.
стр. 336
وأخرجه مسلم مختصراً ولم يُسمِّ الرجل الأنصاري؛ وهكذا رواه مالك بلاغاً باختصار. قال الحافظ المنذري:: والظاهر أن هذه القصة اتفقت مرة مع أبي الهيثم ومرة مع أبي أيوب. اهـ.
جوع علي، وفاطمة ﵄
وأخرج الطبراني - بإسناد حسن - عن فاطمة ﵂ أن رسول الله ﷺ أتاها يوماً، فقال: «أين إبناي؟» - يعني حسناً وحسيناً - قالت: أصبحنا وليس في بيتنا شيء يذوقه ذائق، فقال علي: أذهبُ بهما فإني أتخوَّف أن يبكيا عليك وليس عندك شيء، فذهب إلى فلان اليهودي. فتوجه إليه النبي ﷺ فوجدهما يلعبان في شَرَبة، وبين أيديهما فضل من تمر. فقال: «يا علي، ألا تُقْلِب إبنيَّ قبل أن يشتد الحر؟» قال: أصبحنا وليس في بيتنا شيء، فلو جلست يا رسول الله حتى أجمعَ لفاطمة فَضْلَ تمرات. فجلس رسول الله ﷺ حتى اجتمع لفاطمة فَضْل من تمر، فجعله في خِرْقة ثم أقبل، فحمل النبي ﷺ أحدهما وعلي الآخر حتى أقلباهما. كذا في الترغيب. وقال الهيثمي: إسناده حسن.
стр. 337
وأخرج هَنَّاد عن عطاء ﵁ قال: نُبِّئت أن علياً ﵁ قال: مكثنا أياماً ليس عندنا شيء ولا عند النبي ﷺ فخرجت فإذا أنا بدينار مطروح على الطريق، فمكثت هنيهة أوامر نفسي في أخذه أو تركه، ثم أخذته لما بنا من الجَهْد. فأتيت به الضَفاطين فاشتريت به دقيقاً، ثم أتيت به فاطمة فقلت: إعجني واخبُزي. فجعلت تعجن - وإن قُصَّتها لتضرب حرف الجَفنة من الجَهْد الذي بها - ثم خبزت. فأتيت النبي ﷺ فأخبرته. فقال: «كلوه فإنه رزق رزقكموه الله » . وأخرجه العدني عن محمد بن كعب القرظي مطولاً. كذا في الكنز. وأخرجه أبو داود عن سهل بن سعد ﵁ مطوَّلاً.
وأخرج أحمد عن محمد بن كعب القرظي أن علياً ﵁ قال: لقد رأيتُني مع رسول الله ﷺ وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإن صدقة مالي لتبلغ أربعين ألف دينار - وفي رواية: وإن صدقتي اليوم لأربعون ألفاً -. ورجال الروايتين رجال الصحيح غير شَريك بن عبد الله النَخَعي وهو حسن الحديث، ولكن اختلف في سماع محمد بن كعب من علي ﵁. كذا في مجمع الزوائد للهيثمي.
أمره ﵇ أمَّ سليم بالصبر على الجوع
وأخرج الطبراني عن أم سُلَيم ﵂: قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 338
«إصبري - فوالله - ما في آل محمد شيء منذ سبع، ولا أوقد تحت بُرْمة لهم منذ ثلاث. والله، لو سألتُ الله يجعل جبال تِهامة كلّها ذهباً لفعل» . كذا في الكنز.
جوع سعد بن أبي وقاص ﵁ قصة سعد في هذا الباب وذكر أنه أول العرب رمَى بسهم في سبيل
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعد ﵁ قال: كنا قوماً يُصيبنا ظَلَف العيش بمكة مع رسول الله ﷺ وشدته؛ فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذلك ومَرَنَّا عليه وصبرنا له. ولقد رأيتُني مع رسول الله ﷺ بمكة خرجت من الليل أبول، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بَوْلي، فإذا قطعة جلد بعير، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها فوضعتها بين حجرين، ثم استفهاً وشربت عليها من الماء فقويت عليها ثلاثاً.
وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إنِّي لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله. ولقد كنّا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إِلا ورق الحُبْلة وهذا السَّمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط. كذا في الترغيب. وأخرجه أبو نعيم في الحلية، وابن سعد
стр. 339
بنحوه.
جوع المقداد بن الأسود وصاحبيه ﵃
أخرج أبو نعيم في الحلية عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: جئت أنا وصاحبان لي قد كادت تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجَهْد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فما يقبلنا أحد، حتى انطلق بنا رسول الله ﷺ إلى رَحْله - ولآل محمد ثلاث أعنُز يحتلبونها -. فكان النبي ﷺ يوزع اللبن بيننا، وكنا نرفع لرسول الله ﷺ نصيبه. فيجيء فيسلِّم تسليماً يُسمع اليقظان ولا يوقظ النائم. فقال لي الشيطان: لو شربت هذه الجُرعة، فإنَّ النبي ﷺ يأتي الأنصار فيتحفونه، فما زال بي حتى شربتها. فلما شربتها ندّمني وقال: ما صنعت يجيء محمد ﷺ فلا يجد شرابه فيدعو عليك فتهلِك. وأما صاحباي فشربا شرابهما وناما، وأما أنا فلم يأخذني النوم وعليّ شَمْلة لي إذا وضعتها على رأسي بدت منها قدماي، وإِذا وضعتها على قدمي بدا رأسي. وجاء النبي ﷺ كما كان يجيء فصلَّى ما شاء الله أن يصلِّي، ثم نظر إلى شرابه فلم يرَ شيئاً فرفع يده، فقلت: يدعو عليَّ الآن فأهلِك. فقال رسول الله ﷺ «اللَّهمّ أطعم من أطعمني، واسقِ من سقاني» . فأخذت الشفرة وأخذت الشَّمْلة وانطلقت إلى الأعنْز أجسّهن أيتهن أسمن كي أذبحه لرسول الله ﷺ فإذا حُفَّل كلُّهن أخذت إناء لآل محمد ﷺ كانوا يطمعون أن يجتلبوا فيه، فحلبته حتى عَلَتْه الرَّغْوة. ثم أتيت رسول الله ﷺ فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم ناولته فشرب، ثم ناولني فشربت، ثم ضحكت حتى أُلقيت إلى الأرض. فقال
стр. 340
لي: «إِحدى سوءاتِك يا مقداد» فأنشأت أحدِّثه بما صنعت. فقال رسول الله ﷺ «ما كانت إلا رحمة من الله ، لو كنتَ أيقظت صاحبيك فأصابا منها» . قلت: والذي بعثك بالحق، ما أبالي إذا أصبتَها أنت وأصبتُ فضلتك من أخطأتُ من
الناس.
وأخرج أيضاً من طريق طارق عن المقداد ﵁ قال: لما نزلنا المدينة عشَّرَنا رسول الله ﷺ عشرة عشرة - يعني في كل بيت -. قال: فكنت في العشرة الذين كان النبي ﷺ فيهم. قال: ولم يكن لنا إلا شاة نتجزَّأ لبنها. كذا في الحلية.
جوع أبي هريرة ﵁ شدّ أبي هريرة الحجر على بطنه من الجوع
أخرج أحمد عن مجاهد أن أبا هريرة ﵁ كان يقول: والله إنْ كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدُّ الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمر أبو القاسم ﷺ فعرف ما في وجهي وما في نفسي، فقال: «أبا هريرة» قلت له: لبيك يا رسول الله، فقال: «الحِقْ» ، واستأذنت فأذن لي؛ فوجدت لبناً في قَدَح. قال: «من أين لكم هذا اللبن؟» فقالوا: أهداه لنا فلان - أو آل فلان -. قال: «أبا هرّ» قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «إنطلق إلى أهل الصُّفَّة فأدعُهم
стр. 341
لي» . قال: - وأهل الصفة أضيافُ الإِسلام، لم يأووا إلى أهل ولا مال، إذا جاءت رسول الله ﷺ هديةٌ أصاب منها وبعث إليهم منها، وإذا جاءته الصدقةُ أرسل بها إليهم ولم يصب منها -. قال: وأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى به بقية يومي وليلتي. وقلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم؛ وقلت: ما يبقى لي من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدّ. فانطلقت فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت. ثم قال: «أبا هرّ، خُذْ فأعطهم» فأخذت القَدَحُ فجعلت أعطيهم، فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروَى ثم يرد القدح، حتى أتيت على آخرهم، ودفعتُ إلى رسول الله ﷺ فأخذ القدح فوضعه في يده بقي فيه فضلة ثم رفع
رأسه ونظر إليّ وتبسم وقال: «أبا هرّ» قلت: لبيك رسول الله، قال: «بقيت أنا وأنت» . فقلت؛ صدقت يا رسول الله، قال: «فاقعد فاشرب» قال: فقعدت فشربت، ثم قال لي: «شرب» ، فشربت؛ فما زال يقول لي: «إشرب» ، فأشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له فيّ مسلكاً قال: «ناولني القدح» ، فرددت إليه القدح فشرب من الفَضْلة، وأخرجه أيضاً البخاري؛ والترمذي وقال: صحيح كذا في البداية. وأخرجه الحاكم وقال: صحيح عى شرطهما.
ما أصاب أبا هريرة من شدة الجوع
وأخرج ابن حِبَان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: أتت
стр. 342
عليَّ ثلاثة أيام لم أطعَم، فجئت أريد الصُّفَّة فجعلت سقط. فجعل الصبيان يقولون: جُنّ أبو هريرة. قال: فجعلت أناديهم وأقول: بل أنتم المجانين، حتى انتهينا إلى الصُّفَّة. فوافقت رسول الله ﷺ أُتيَ بقصعتين من ثريد. فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني، حتى قام القوم وليس في القصعة إِلا شيء في نواحي القصعة. فجمعه رسول الله ﷺ فصارت لقمة، فوضعه على أصابعه فقال لي: «كُلْ، بسم الله» ، فوالذي نفسي بيده، ما زلت آكل منها حتى شبعت. كذا في الترغيب.
وأخرج البخاري، والترمذي عن ابن سِيرين قال: كنا عند أبي هريرة رسول الله ﷺ وعليه ثوبان مُمَشَّقان من كتَّان. فمخط في أحدهما ثم قال: بَخٍ، بَخٍ بمتخط أبو هريرة في الكَتان، لقد رأيتُني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة مغشياً عليَّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي الجنون وما هو إلا الجوع. كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في الحلية، وعبد الرزاق بنحوه؛ وابن سعد نحوه، وزاد: ولقد رأيتُني وإني لأجيرٌ لابن عفان وابنة غزوان بطعام بطني وعُقبة رِجلي، أسوق بهم إِذا ركبوا وأخدمهم إذا نزلوا. فقالت لي يوماً: لَترِدَنّه حافياً ولتركبنّه قائماً. قال: فزوَّجنيها الله بعد ذلك. فقلت لها: لترِدَّنه حافية ولتركبِنَّه قائمة. وفي رواية لابن سعد قبلها: عن سليم بن حَيَّان قال: سمعت أبي
стр. 343
يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لبُسْرة بنت غزوان بطعام بطني وعُقْبة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدُوا إذا ركبوا، فزوّجنيها الله؛ فالحمد لله الذي جعل الدين قِواماً وجعل أبا هريرة إماماً.
وأخرج أحمد - ورواته رواة الصحيح - عن عبد الله بن شقيق قال: أقمت مع أبي هريرة ﵁ بالمدينة سنة. فقال لي ذات يوم - ونحن عند حجرة عائشة ﵂: لقد رأيتُنا وما لنا ثياب إلا الأبرادُ الخشنة، وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاماً يقيم به صلبه، حتى إنْ كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشدّ به على أخمص بطنه، ثم يشدّه بثوبه ليقيم صلبه. كذا في الترغيب. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وعند أحمد أيضاً عنه قال: إنما كان طعامنا مع نبي الله ﷺ التمر والماء. والله ما كنا نرى سمراءكم هذه، ولا ندري ما هي؟ وإنما كان لباسنا مع رسول الله ﷺ النِّمار - يعن بُرَد الأعراب -. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. ورواه البزار باختصار. انتهى.
جوع أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄
أخرج الطبراني عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: كنت
стр. 344
مرة في أرض أقطعها النبي ﷺ لأبي سَلَمة، والزبير في أرض بني النضير. فخرج الزبير مع رسول الله ﷺ ولنا جار من اليهود، فذبح شاة فطُبخت، فوجدت ريحها فدخلني ما لم يدخلني من شيء قط، وأنا حامل بابنتي خديجة فلم أصبر. فانطلقت فدخلت على إمرأة اليهودي أقتبس منها ناراً لعلها تطعمني، وما بي من حاجة إلى النار. فلما شمِمتُ الريح ورأيته ازددت شرهاً فأطفأته، ثم جئت ثانياً أقتبس؛ ثم ثالثه؛ ثم قعدت أبكي وأدعو الله. فجاء زوج اليهودي فقال: أدخل عليكم أحد؟ قالت: العربية تقتبس ناراً قال: فلا آكل منها أبداً أو ترسلي إليها منها. فأرسل إليَّ بقَدحة - يعني غَرْفة -، لم يكن شيء في الأرض أعجب إليَّ من تلك الأُكلة كذا في الإِصابة. [قال الهيثمي: وفيه: ابن لهيعة، وحديثه حسن؛ وبقية رجاله رجال الصحيح - انتهى.
جوع عامة أصحاب النبي ﷺ ﵃ ما أصاب الصحابة من الجوع والقرّ ليلة الخندق
أخرج أبو نُعيم عن أبي جهاد ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ فقال له ابنه: يا أبتاه، رأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه والله، لو رأيته لفعلت وفعلت. فقال له أبوه: إتَّق الله وسدِّد، فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتُنا معه ليلة الخندق وهو يقول: «من يذهب فيأتيَنا بخبرهم - جعله الله رفيقي يوم القيامة -؟» فما قام من الناس أحد من صميم ما بهم من الجوع والقر، حتى نادى في الثالثة: يا حذيفة. وأخرجه الدَوْلابي من هذا الوجه. كذا في الإِصابة. وسيأتي حديث حذيفة ﵁ بطوله في تحمُّل القرِّ بمعناه.
стр. 345
وأخرج البزار - بإسناد جيد - عن ابن مسعود ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى الجوع في وجوه أصحابه فقال: «أبشروا فإنه سيأتي عليكم زمان يُغدَى على أحدكم بالقصعة من الثريد ويُراح عليه بمثلها» . قالوا: يا رسول الله، نحن يومئذٍ خبر. قال: «بل أنتم اليوم خير منكم يومئذٍ. كذا في الترغيب.
وأخرج ابن أبي الدنيا - بإسناد جيد - عن محمد بن سيرين ﵁ قال: إن كان الرجل من أصحاب النبي ﷺ يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد، شيئاً يأكله، فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها، فإذا لم يجد شيئاً أخذ حجراً فشدَّ صُلبه. كذا في الترغيب.
وقوع بعض الصحابة من قيامهم في الصلاة في الجوع والضعف
وأخرج الترمذي - وصححه - وابن حِبَّان في صحيحه عن فَضلة بن عبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا صلَّى بالناس يخرُّ رجال من قامتهم في الصلاة من الخَصَاصة - وهم أصحاب الصُّفَّة - حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين - أو مجانون -. فإذا صلّى رسول الله ﷺ إنصرف إليهم، فقال: «لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة» . كذا في الترغيب. وأخرجه أبو نُعيم في الحلية مختصراً.
стр. 346
أكل الصحابة الورق في سبيل الله وبعض قصصهم في تحمل الجوع
وأخرج الطبراني عن أنس ﵁ قال: إن كان السبعة من أصحاب رسول الله ﷺ ليَمصّون التمرة الواحدة، وأكلوا الخَبَط حتى ورمت أشداقهم. قال الهيثمي: وفيه خُلَيد بن دعلج وهو ضعيف. اهـ.
وأخرج ابن ماجه - بإسناد صحيح - عن أبي هريرة ﵁ أنه أصابهم جوع وهم سبعة. قال: فأعطاني النبي ﷺ سبع تمرات، لكل إِنسان تمرة. كذا في الترغيب.
وعند ابن سعد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد لم يخرجني إلا الجوع، فوجدت نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا هريرة ما أخرجك هذه الساعة؟ فقلت: ما أخرجني إلا الجوع. فقالوا: نحن - والله - ما أخرجنا إلا الجوع. فقمنا فدخلنا على رسول الله ﷺ فقال: ما جاء بك هذه الساعة؟» فقلنا: يا رسول الله جاء بنا الجوع قال: فدعا رسول الله ﷺ بطبق فيه تمر فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال: «كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما من الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا» . قال أبو هريرة: فأكلت تمرة وجعلت تمرة في حُجْرتي. فقال رسول
стр. 347
الله ﷺ «يا أبا هريرة، لِمَ رفعت هذه التمرة؟» . فقلت: رفعتها لأمي. فقال: كُلْها، فإنا سنعطيك لها تمرتين» ؛ فأعطاني لها تمرتين.
وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غَدَاة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم. فلما رأى ما بهم ما النصب والجوع قال:
اللهمَّ إِنَّ العيشَ عَيْش الآخرهْ
فاغفرِ الأنصارَ والمهاجرهْ
فقالوا - مجيبين له -:
نحن الذين بايعوا محمداً
على الجهاد ما بقينا أبداً
وعنده أيضاً عن أنس ﵁ قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم، ويقولون:
نحن الذين بايعوا محمداً
على الإِسلام ما بقينا أبداً
قال: يقول النبي ﷺ مجيباً لهم النبي:
اللهمَّ إنّه لا خيرَ إلا خيرَ الآخرهْ
فبارك في الأنصار والمهاجرهْ
قال: يؤتون بملء كفيَّ من الشعير، فيُصنع لهم بإهالة سَنِخَة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن. كذا في البداية.
стр. 348
وأخرج البخاري أيضاً عن جابر ﵁ قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كُدْية شديدة، فجاؤوا النبي ﷺ فقالوا: هذه كُدْية عرضت في الخندق. فقال: «أنا نازل» ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً. فذكر الحديث بطوله. كذا في البداية وعند الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: إحتفر رسول الله ﷺ الخندق وأصحابه قد شدُّوا الحجارة على بطونهم - من الجوع، فذكر الحديث. كذا في البداية وسنذكرهما في «باب كيف أُيِّدت الصحابة بالتأييدات الغيبية» . وحديث جابر ﵁ أخرجه ابن أبي شيبة. وقال في آخره: وأخبرني أنهم كانوا ثمان مائة. كذا في البداية.
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵁ قال: إنْ كان رسول الله ﷺ ليبعثنا في السرية ما لنا زاد إلا السَّلْف -
стр. 349
يعني الجرب من التمر - فيقسمه صاحبه بيننا قبضة قبضة حتى يصير إِلى تمرة، قال: فقلت: وما كان يبلغ من التمرة؟ قال: لا تقل ذلك يا بني، ولَبعد أن فقدناها فاختلطنا إِليها. وأخرجه أيضاً أحمد، والبزار، والطبراني، قال الهيثمي: وفيه: المسعودي وقد اختلط، وكان ثقة.
تحمل أبي عبيدة وأصحابه الجوع في السفر
وأخرج البيهقي عن جابر ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمَّر علينا أبا عبيدة نتلَّقى عيراً لقريش، وزودنا جراباً من تمر لم يجدلنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة. قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنا نَمصّها كما يَمصّ الصبي، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل. وكنا نضرب بعصِيِّنا الخَبَط ثم نبلُّه بالماء، فنأكله. فذكر الحديث. كذا في البداية. وكما سيأتي في باب «كيف أُيِّدت الصحابة» . وقد أخرجه مالك والشيخان وغيرهم، وفي روايتهم: أنهم كانوا ثلاث مائة. وأخرجه
стр. 350
الطبراني، وفيه: أنهم كانوا ست مائة وبضعة عشر قال الهيثمي: وفيه: زَمْعَة بن صالح وهو ضعيف وعند مالك قال: فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت.
تحمله ﵇ والصحابة الجوع في غزوة تِهامة
وأخرج البزار، والطبراني - ورجاله ثقات - عن أبي حُبَيش الغِفاري ﵁: أنه كان مع رسول الله ﷺ في غزوة تِهامة، حتى إِذا كنا بفسطاط جاءه الصحابة فقالوا: يا رسول الله، جَهَدنَا الجوع، فأذن لنا في الظَّهر نأكله. قال: «نعم» . فأُخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، ماذا صنعت؟ أمرت الناس أن ينحروا الظَّهر فعلامَ يركبون؟ قال: «فما ترى يا ابن الخطاب» قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفَضْل أزوادهم فتجمعه في تَوْر، ثم تدعو الله لهم. فأمرهم، فجعلوا فَضْل أزوادهم في تَوْر؛ ثم دعا لهم ثم قال: «ائتوا بأوعيتكم» . فملأ كل إنسان منهم وعاءه. فذكر الحديث كذا في الهيثمي.
стр. 351
وعند أبي يَعْلى عن عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ قال: كنّا مع النبي ﷺ في غَزَاة، فقلنا: يا رسول الله، إنّ العدو قد حضر، وهم شباع والناس جياع، فقالت الأنصار: ألا ننحر نواضحَنَا فنطعمها الناس؟ فقال النبي ﷺ «من كان عنده فَضْل طعام فليجىء به» . فجعل الرجل يجيء بالمدّ والصاع وأكثر وأقلّ، فكان جميع ما في الجيش بضعة وعشرين صاعاً. فجلس النبي ﷺ إلى جنبه ودعا بالبركة. فقال النبي ﷺ «خُذوا ولا تنتهبوا» . فجعل الرجل يأخذ في جرابه وفي غِرارته، وأخذوا أوعيته حتى إِنَّ الرجل ليربِط كمّ قميصه فيملؤه، ففرغوا والطعام كم هو. ثم قال النبي ﷺ «أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يأتي به عبد محقٌ إلا وقاه الله حرَّ النار» . قال الهيثمي: وفيه: عاصم بن عبيد الله العمري وثَّقه العِجْلي، وضعَّفه جماعة: وبقية رجاله ثقات. انتهى.
قصة المرأة التي كانت تطعم بعض الصحابة يوم الجمعة
وأخرج البخاري عن سهل بن سعد ﵁ قال: كانت منا إمرأة تجعل في مزرعة لها سِلْقا. فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السِلق فتجعله في قِدْر، ثم تجعل قبضة من شعير تطحنه، فتكون أصول السلق عَرْقَة. قال سهل: كنا ننصرف أُليها من صلاة الجمعة فنسلِّم عليها، فتقرِّب
стр. 352
ذلك الطعام إلينا، فكنا نتمنَّى يوم الجمعة لطعامها ذلك - وفي رواية: ليس فيها شحم ولا وَدَك، وكنا نفرح بيوم الجمعة. كذا في الترغيب.
أكل الصحابة الجراد، وكيف أنَّهم لم يكونوا في الجاهلية يأكلون خبز القمح
وأخرج ابن سعد عن ابن أبي أوفَى ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل فيهن الجراد. وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن ابن أبي أوفَى ﵁ نحوه.
وأخرج الطبراني - ورواته رواة الصحيح - عن أبي بَرْزة ﵁ قال: كنا في غَزَاة لنا، فلقينا أناساً من المشركين، فأجهضناهم عن مَلَّة لهم. فوقعنا فيها فجعلنا نأكل منها؛ وكنا نسمع في الجاهلية أنه من أكل الخبز سَمِن. فلما أكلنا ذلك الخبز جعل أحدنا ينظر في عِطفيه هل سمن؟ - كذا في الترغيب. قال الهيثمي: وفي رواية كنا يوم خيبر مع رسول الله فأجهضناهم عن خبزة لهم من نَقيَ. رواه كله الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. انتهى. وعند أبي نُعيم في الحلية عن أبي هريرة ﵁ قال: لما
стр. 353
افتتحنا خيبر مررنا بناس يهود يخبزون مَلَّة لهم فطردنناهم عنها. ثم اقتسمنا، فأصابتني كسرة إنَّ بعضها ليحترق. قال وقد كان بلغني أنه من أكل الخبز سمن، فأكلتها، ثم نظرت في عِطفيَّ هل سمنت؟
تحمُّل شدة العطش في الدعوة إلى الله ما أصاب الصحابة ﵃ من شدّة العطش في غزوة تبوك
أسند ابن وهْب عن ابن عباس ﵄ أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁: حدثنا عن شأن ساعة العُسْرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قَيْظ شديد، فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أنَّ رقابنا ستنقطع، حتى إنْ كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرَّحْل فلا يرجع حتى يظن أنَّ رقبته ستنقطع، حتى إنَّ الرجل لينحر بعيره فيعتصر فَرْثَه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله، إن الله قد عوَّدك في الدعاء خيراً فادعُ الله لنا. فقال: «أو تحبّ ذلك؟» قال: نعم. قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلّت ثم سكبت. فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. إسناده جيد، ولم يخرِّجوه. كذا في البداية. وأخرجه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب بإسناده مثله، كما في التفسير لابن كثير. وأخرجه البزّار، والطبراني في الأوسط. ورجال البزار ثقات. قال الهيثمي.
стр. 354
تحمُّل الحارث، وعكرمة، وعيّاش العطش يوم اليرموك
وأخرج أبو نُعيم، وابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت ﵁: أن الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعيَّاش بن أبي ربيعة ﵃ جُرحوا يوم اليرموك حتى أُثبتوا. فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فنظر إليه عكرمة، فقال: إدفعه إلى عكرمة، فلما أخذه عكرمة نظر إليه عيَّاش، قال: إدفعه إلى عيَّاش. فما وصل إلى عيَّاش حتى مات، وما وصل إلى أحد منهم حتى ماتوا. كذا في كنز العمال. وأخرجه الحاكم في المستدرك بنحوه. وأخرجه الزبير عن عمه عن جده عبد الله بن مصعب ﵁. فذكره بمعناه إلا أنه جعل مكان عيَّاش: سهيل بن عمرو. وأخرجه ابن سعد عن حبيب عن حبيب نحو رواية أبي نُعيم. كذا في الإستيعاب.
تحمُّل أبي عمرو الأنصاري العطش في سبيل الله
وأخرج الطبراني عن محمد بن حنفيَّة ﵁ قال: رأيت أبا عمرو الأنصاري - وكان بَدْرِياً، عَقَبِياً، أُحُدِياً، وهو صائم - يتلوَّى من العطش وهو يقول لغلامه: ويحك، ترّسني، فترَّسه الغلام حتى نزع بسهم نزعاً ضعيفاً حتى رمى بثلاثة أسهم، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله قَصرُ - أو بلغ - كان له نوراً يوم القيامة» . فقُتل قبل غروب
стр. 355
الشمس. كذا في الترغيب. وأخرجه الحاكم، وفي رواية: ويحك، رُشَّني، فرشه الغلام.
حفر الصحابة الحفرة للبرد الشديد في غزوة
أخرج أحد، والنسائي، والطبراني عن أبي ريحانة ﵁ أنه كان مع النبي ﷺ في غوة. قال: تحمل شدة البرد في الدعوة إلى الله فأوينا ذات ليلة إلى شَرَفٍ، فأصابنا برد شديد حتى رأيت الرجال يحفر أحدهم الحفرة فيدخل فيه ويلقي عليه حجَفَتَه. فلمَّا رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: «من يحرسنا الليلة فأدعو له بدعاء يصيب فضله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. قال: «من أنت؟» قال: فلان. قال: «إدْنُهُ» ، فدنا فأخذ ببعض ثيابه ثم استفتح الدعاء. فلما سمعت: قلت: أنا رجل. قال: «من أنت؟» قال: أبو ريحانة. قال: فدعا لي دون ما دعا لصاحبي، ثم قال: «حُرِّمت النار على عين حرست في سبيل الله» . الحديث. كذا في الإِصابة. قال الهيثمي: رجال أحمد
следующие страницы →