Полный текст (1 779 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الله من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصِلَة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. ونهانا عن الفواحش، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة. وأمرنا أن نعبد الله، لا نشرك به شيئاً، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. - قالت: فعدّد عليه أُمور الإِسلام - فصدّقناه، وآمنا به واتّبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرم الله علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحلّ ما كنا نستحلُّ من الخبائث. فلمَّا قهرونا وظلمونا وشقُّوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إِلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها
الملك.
قالت: فقل النجاشي: هل معك ما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر ﵁: نعم. قالت: فقال له النجاشي: فاقرأه. فقرأ عليه صدراً من «كَهاياعص» . قالت: فبكى النجاشي حتى أَخْضَلَ لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تُلي عليهم. ثم قال النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، إنطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد.
قالت أم سلمة: فلمَّا خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينّهم غداً أُعيِّبهم عنده بما استأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا -: لا تفعل، فإن لهم أرحاماً وإِن كانوا قد خالفنا. قال: والله لأخبرنَّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عَبْدٌ. قالت: ثم غدا عليه، فقال: يا أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلُها؛ واجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى بن مريم؟
стр. 387
فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا ﷺ هو عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: (والله) ما عَدَا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقة حوله حين قال ما قال، (فقال) : وإن نخرتم والله إذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون -؛ من سبَّكم غرم، ثم (قال) : من سبَّكم غَرِم، ثم (قال) من سبَّكم غَرِم، ما أحبُّ أن لي دَبْراً ذهباً وأني آذيت رجلاً منكم - والدَّبْر بلسان الحبشة: الجبل - رُدّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ فيه الرشوة، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه. فخرجا من عنده مقبوحَيْن مردوداً عليهما ما جاءا به.
وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار، فوالله إنه لَعَلى ذلك إذ نزل به مَنْ ينازعه في ملكه. قالت: والله ما علمتنا حَزِنَّا (حزناً) قط كان أشد من حزن حزّناه عند ذلك؛ تخوفاً أن يظهر ذلك (الرجل) على النجاشي؛ فيأتي رجل لا يعرف من حقِّنا ما كان النجاشي يعرف. قالت: وسار النجاشي وبينهما عرضُ النِّيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ مَنْ رجلٌ خرج حتى يحضر وقيعة القوم، ثم يأتينا (بالخبر) ؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا. (قالوا: فأنت) قالت: وكان من أحدث القوم سنّاً. قالت: فنفخوا له قِربة فجعلها في صدره، فَسَبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوّه والتمكين له في بلاده (قالت: فوالله إن لَعَلَى ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير وهو يسعى فلمع بثوبه،
стр. 388
وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي، وأهلك الله عدوه، ومكّن له في بلاده، قالت: فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة قطّ مثلها. قالت ورجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده: واستوسق عليه أمر الحبشة فكنّا عنده، في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق، وقد صرّح بالسماع. انتهى. كذا في الأصل، والظاهر أنه ابن إسحاق، وقد تقدّم الحديث من طريقه. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في الحلية من طريق ابن إسحاق نحوه مطوّلاً؛ والبيهقي ذكر صدر الحديث من طريق ابن إِسحاق بسياقه، ثم قال وذكر الحديث بطوله، وذكر الحديث في السِيَر.
وأخرج الإِمام أحمد عن غبد الله بن مسعود ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي - ونحن نحوٌ من ثمانين رجلاً - فيهم: عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عُرْفُطَة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتَوا
стр. 389
النجاشي، وبعثت قريش عمرو بن العصا، وعُمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجداً له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إنَّ نفراً من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملّتنا. قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك فابعث إليهم؛ فبعث إليه. فقال جعفر ﵁: أن خطيبكم اليوم، فاتّبعوه، فسلّم ولم يسجد. فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا الله . قال: وما ذاك؟ قال: إنَّ الله بعث إلينا رسولاً، ثم أمرنا أن لا نسجد لأحد إِلا لله ، وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم. قال: فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله: هو كلمته، وروحه، ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر لم يفرضها ولد. قال: فرفع عوداً من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسّيسين والرهبان والله ما يُزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي نجد في الإِنجيل، وأنه الرسول الذي بشَّر به عيسى بن مريم. أنزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه؛ وأمر بهدية الآخرين فردّت إليهما. ثم تعجّل عبد الله بن مسعود ﵁ حتى أدرك بدراً. وهذا إسناد جيد قوي، وسياق حسن - قاله ابن كثير في البداية. وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وقال الهيثمي - بعدما ذكر الحديث -: رواه الطبراني وفيه حديج بن معاوية، وثَّقه أبو حاتم، وقال في بعض أحاديثه ضعف، وضعَّفه ابن مَعِين وغيره؛ وبقية رجاله ثقات.e وأخرجه الطبراني
أيضاً عن أبي موسى ﵁ قال: أمرنا رسول
стр. 390
الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي، فبلغ ذلك قريشاً، فبعثوا عمرو بن العاص، وعُمارة بن الوليد - فذكره بمعنى حديث ابن مسعود، وفي حديثه: ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبّل نعليه، أمكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. اهـ. وأخرج حديث أبي موسى أيضاً أبو نُعيم في الحلية، والبيهقي قال: هذا إسناد صحيح - كما في البداية.
وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن أبي طلب ﵁ قال: بعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إِلى النجاشي. فقالوا له - ونحن عنده -: قد صار إليك ناس من سَفِلتنا وسفهائنا، فادفعهم إلينا. قال: لا، حتى أسمع كلامهم. قال: فبعث إلينا. فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال قلنا: هؤلاء قوم يعبدون الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولاً فآمنا به وصدَّقناه. فقال لهم النجاشي؛ أَعبيدٌ هُمْ لكم؟ قالوا: لا. فقال: فلكم عليهم دَيْن؟ قالوا: لا. قال: فخلُّوا سبيلهم. قال: فخرجنا من عنده. فقال عمرو بن العاص: إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول. قال: إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار. فأرسل إلينا، فكانت الدعوة الثانية أشدّ علينا من الأولى. قال: ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم؟ قلنا: يقول: هو روح الله، وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول. قال: فأرسل، فقال: أدعوا لي فلان القَسّ، فلان الراهب. فأتاه ناس منهم فقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقالوا: أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي - وأخذ شيئاً من الأرض - قال: ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال: أيؤذيكم أحد؟
стр. 391
قالوا: نعم. فنادى منادٍ. من ذى أحداً منهم فأغرموه أربعة دراهم، ثم قال؛ أيكفيكم؟ قلنا: لا، فأضْعَفَها.
رجوع الصحابة إلى المدينة وإسلام النجاشي واستغفاره ﷺ له
قال: فلما هجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وظهر بها قلنا له: إن رسول الله ﷺ قد ظهر وهاجر إلى المدينة، وقتل الذين كنا حدَّثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إِليه، فرُدّنا. قال: نعم: فحمّلنا وزوّدنا. ثم قال: أخبر صاحبك بما صنعت إِليكم، وهكذا صاحبي معكم، أشهد أن لا اله إلا الله وأنه رسول الله، وقل له: يستغفر لي. قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقّاني رسول الله ﷺ وأعتنقني، ثم قال: «ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر» ووافق ذلك فتحَ خيبر، ثم جلس، فقال رسول النجاشي: هذا جعفر، فسَلْه ما صنع به صاحبنا؟ فقال: نعم، فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزوّدا، وشهد أن لا اله إلا الله وأنك رسول الله. وقال لي: قل له يستغفر لي. فقام رسول الله ﷺ فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات: «اللهم إغفر للنجاشي» . فقال المسلمون: آمين. ثم قال جعفر: فقلت للرسول: إنطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله ﷺ قال ابن عساكر: حسن غريب. كذا في البداية. وأخرجه الطبراني من طريق أسد بن عمرو عن مُجالد وكلاهما ضعيف، وقد وُثِّقا - قاله الهيثمي.
فضيلة من هجر إلى الحبشة ثم إليه ﷺ وأخرج ابن إسحاق عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حَثْمة ﵂ قالت: والله إنا لنترحَّل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا، إذ أقبل عمر فوقف عليَّ وهو على
стр. 392
شركه فقالت: - وكنّا نلقَى منه أذى لنا وشدَّه علينا - قالت: فقال: إنه الإنطلاق يا أم عبد الله؟ قلت: نعم، والله لنخرجنَّ في أرض من أرض الله إذ آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله ورأيت له رقّة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا. قالت: فجاء عامر بحاجتنا تلك. فقلت له: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر آنفاً ورقَّته وحزنه علينا. قال: أطمعت في إسلامه؟ قالت: قلت: نعم. قال: لا يُسلم الذي رأيتِ حتى يسلمَ حمارُ الخطّاب. قالت: يأساً منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإِسلام. كذا في البداية. وإسم أم عبد الله: ليلى؛ كما في الإِصابة. وأخرجه أيضاً الطبراني؛ وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فهو صحيح. قال الهيثمي. وأخرجه الحاكم في المستدرك بسياق ابن إسحاق من طريقه إلا أنه وقع في الإِسناد عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه عن أمه أم عبد الله، وهذا هو الظاهر - والله أعلم. وفي آخره: قال: يأساً منه. وأخرج ابن مَنْده وابن عساكر عن خالد بن سعيد بن العاص - وكان من مهاجرة الحبشة هو وأخوه عمرو -: ولمَّا قدموا على رسول الله ﷺ تلقّاهم حين دنوا منه وذلك بعد بدر بعام، فحزنوا أن لا يكونوا شهدوا بدراً. فقال رسول الله ﷺ «وما تحزنون؟ إنَّ للناس هجرة واحدة ولكم هجرتان، هاجرتم حين خرجتم إلى صاحب الحبشة، ثم جئتم من عند صاحب الحبشة مهاجرين إِليّ» . كذا في
стр. 393
كنز العمال.
وأخرج البخاري عن أبي موسى ﵁ قال: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إِليه أن وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهم أبو بُردة، والآخر أبو رُهم - إِمّا قال في بضع وإِما قال في ثلاثة وخمسين أو إثنين وخمسين رجلاً من قومي -، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إِلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً. فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر. فكان أناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة -: سبقناكم بالهجرة. ودخلت أسماء بنت عُميس وهي ممّن قدم معنا على أمّ المؤمنين حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هجرت إِلى النجاشي فيمن هاجر. فدخل عمر ﵁ على حفصة وأسماء عندها، فقال - حين رأى أسماء -: من هذه؟ قلت: أسماء إبنة عُميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقُّ برسول الله ﷺ منكم. فغضبت وقالت: كلا. والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم؛ وكنا في دار - أو في أرض - البعداء والبغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله ﷺ وأيْمُ الله، لا أطعم طعاماً لا أشرب شراباً حتى أذكرَ ما قلتَ للنبي ﷺ وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله، إِن عمر قال كذا وكذا. قالت قال: «فما قلتِ له؟» قالت قلت: كذا وكذا. قال: «ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» . قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأهل السفينة يأتوني أرسالاً يسألوني عن هذا الحديث: ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ قال أبو بُردة قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث
مني.
وقال أبو بُردة عن أبي موسى:
стр. 394
قال النبي ﷺ «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم: إذا لقي العدو - أو قال: الخيل - قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم» . وهكذا رواه مسلم. كذا في البداية. عند ابن سعد بإسناد صحيح عن الشَّعْبي قال: قالت أسماء إبنة عُميس ﵂: يا رسول الله، إِنَّ رجالاً يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأوّلين، فقال: بل لك هجرتان: هاجرتم إلى أرض الحبشة، ثم هاجرتم بعد ذلك» . كذا في فتح الباري. وأخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة أيضاً أطول منه كما في كنز العمال. وأخرج حديث أبي موسى أيضاً الحسن بن سفيان، وأبو نُعيم مختصراً كما في الكنز أيضاً.
هجرة أبي سلمة وأم سَلَمة ﵄ إلى المدينة
أخرج ابن إسحاق عن أم سَلَمة ﵂ قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحّل لي بعيره، ثم حملني عليه، وجعل معي إبني سلمة بن أبي سلمة في حِجري، ثم خرج يقول بي بعيره. فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه فقلوا: هذه نفسك غلبْتَنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسود رهط أبي سَلَمة وقالوا: والله لا نترك إبننا
стр. 395
عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبا بني سَلَمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوج أبو سلمة إلى المدينة؛ قالت: ففُرّق بيني وبين إبني وبين زوجي. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريباً منها؛ حتى مرّ بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني. فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ قالت: فقالوا لي: إلحقي بزوجك إِن شئت. قالت فردّ بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك إبني. قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت إبني فوضعته في حجْري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خلق الله. حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة أخا بني عبد الدار. فقال: إلى أين يا إبنة أبي أُمية؟ قلت: أُريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت: ما معي أحد إلا الله وبُنيّ هذا. فقال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي؛ فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قطُّ أرى أنه كان أكرم من. كان إِذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت إستأخر ببعيري فحطَّ عنه، ثم قيّده في الشجر، ثم تنحَّى إلى شجرة فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحَّله، ثم استأخر عني وقال: إركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني
حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلاً - فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعاً إلى مكة. فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإِسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سَلَمة؛ وما رأيت صاحباً قط كان أكرم من عثمان بن طلحة. أسلم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هذا بعد الحديبية، وهاجر هو وخالد بن الوليد ﵁ معاً.
стр. 396
كذا في البداية.
هجرة صهيب بن سنان ﵁ خروج صهيب من مكة مهاجراً وخبره مع فتيان قريش
أخرج البيهقي عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أُريت دار هجرتكم سَبْخَة بين ظهراني حرّتين، فإما أن تكون هَجَر أو تكون يثرب» . قال: وخرج رسول الله ﷺ إلى المدينة وخرج معه أبو بكر ﵁، وكنت قد هممت معه بالخروج فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه - ولم أكن شاكياً - فناموا. فخرجت ولحقني منهم ناس بعدما سرت يريدوا ليردوني، فقلت لهم: إن أعطيتكم أواقيِّ من ذهب وتخلوا سبيلي وتوفون لي؟ ففعلوا، فتبعتهم إلى مكة فقلت: إحفروا تحت أُسْكُفَّة الباب فإن بها أواقيَّ؛ واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحُلَّتَين. وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ بقُباء قبل أن يتحوّل منها. فلما رآني قال: «يا أبا يحيى ربح البيع» فقلت: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبرائيل ﵇. كذا في البداية. وأخرجه الطبراني أيضاً نحوه - قال الهيثمي: وفيه جماعة لم أعرفهم. إنتهى. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم في الحلية.
стр. 397
قدوم صهيب عليه ﷺ بقباء وبشارته ﵇ له ما أنزل الله في صهيب
وأخرج أيضاً هو وابن سعد، والحارث، وابن المنذر، وابن عساكر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيِّب أنَّ صهيباً ﵁ أقبل مهاجراً نحو النبي ﷺ فتبعه نفر من قريش مشركون، فنزل فانتثل كنانته فقال: قد علمتم يا معشر قريش أني أرماكم رجلاً بسهم، وايْمُ الله لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه (شي) ، ثم شأنكم بعد ذلك. وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وتخلُّوا سبيلي. قالوا: نعم، فتعاهدوا على ذلك فدلَّهم. فأنزل الله على رسوله القرآن: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآء مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: ٢٠٧) - حتى فرغ من الآية. فلما رأى النبي ﷺ صهيباً قال: «ربح البيع يا أبا يحيى ربح البيع يا أبا يحيى» وقرأ عليه القرآن. كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً ابن عبد البرّ في الإستيعاب عن سعيد نحوه. وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق سليمان بن حرب عن حمّاد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: لما خرج صهيب ﵁ مهاجراً تبعه أهل مكة، فنثل كنانته فأخرج منها أربعين سهماً، فقال: لا تصلون إِليّ حتى أضع في كل رجل منكم سهماً، ثم أصير بعد إلى السيف فتعلمون أني رجل، وقد خلَّفت بمكة قينتين فهما لكم. قال: وحدثنا حماد بن سلمة
стр. 398
عن ثابت عن أنس ﵁ نحوه: ونزلت على النبي ﷺ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآء مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ - الآية. فلما رآه النبي ﷺ قال: «أبا يحيى ربح البيع. قال: وتلا عليه الآية. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه. وأخرجه أيضاً ابن أبي خَيْثمة بمعناه كما في الإِصابة، وقال: ورواه ابن سعد أيضاً من وجه آخر عن أبي عثمان النَّهْدي، ورواه الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وله طريق أخرى.
انتهى.
وأخرجه ابن مَرْدَويه من طريق أبي عثمان النَّهدي عن صهيب ﵁ قال: لمَّا أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صهيب، قدمتَ إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك، والله لا يكون ذلك أبداً. فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إِليكم مالي تخلّون عني؟ قالوا: نعم. فدفعت إليهم مالي، فخلُّوا عني؛ فخرجت حتى قدمت المدينة. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» مرتين. كذا في التفسير لابن كثير. وأخرجه ابن سعد من طريق أبي عثمان - نحوه.
هجرة عبد الله بن عمر ﵄
أخرج أبو نعيم في الحلية عن عمر بن محمد بن زيد عن أبيه قال: كان ابن عمر ﵄ إذ مرّ برَبْعهم - وقد هاجر منه - غمَّض عينيه ولم ينظر إِليه ولم ينزله قط. وعند البيهقي في الزهد بسند صحيح عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر يقول: ما ذكر ابن عمر رسول الله ﷺ إلا بكى، لا
стр. 399
مرّ على رَبْعهم إلا غمَّض عينيه. كذا في الإِصابة.
هجرة عبد بن جحش ﵁
أخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄: أن عبد الله بن جحش ﵁، وكان آخر من بقي ممّن هاجر، وكان قد كُفَّ بصره؛ فلما أجمع على الهجرة كرهت إمرأته ذلك بنت (أبي سفيان بن حرب بن أُمية) ، وجعلت تشير عليه أن يهاجر إلى غيره، فهاجر بأهله وماله مكتتماً من قريش حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ فوثب أبو سفيان بن حرب فباع داره بمكة، فمرّ بها بعد ذلك أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والعباس بن عبد لمطلب، وحويطب بن عبد العزى وفيها أُهُبٌ معْطُونة، فذرفت عينا عتبة وتمثل ببيت من شعر:
وكلُّ دار وإن طالت سلامتها
يوماً ستدركها النكباء والحوب
قال أبو جهل - وأقبل على العباس - فقال: هذا ما أدخلتم علينا. فلما دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح قام أبو أحمد يَنشُد داره. فأمر النبي ﷺ عثمان بن عفان، فقام إلى أبي أحمد فانتحاه، فسكت أبو أحمد عن نشيد داره. قال ابن عباس ﵄: وكان أبو أحمد يقول - والنبي ﷺ متكىء على يده يوم الفتح -:
стр. 400
حبذا مكة من وادي
بها أمشي بلا هادي
بها يكثر عُوَّادي
بها تركز أوتادي
قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف اهـ. قال ابن إسحاق: كان أول من قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة، وعبد الله بن جحش ﵄، احتمل بأهله وبأخيه عبد أبي أحمد. وكان أبو أحمد رجلاً ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعراً وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت أُمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم ﵂ فخلِّقت دار بني جحش هجرة، فمرّ بها عتبة فذكر قصتهم بمعنى ما تقدم كما في البداية. فالظاهر أنه سقط ذكر أبي أحمد في الحديث، أو عبد الله تصحيفاً. والصحيح عبد بن جحش فإنه كان ضرير البصر، لا أخو. عبد الله بن جحش وقال: أبو أحمد بن جحش هذا في هجرتهم كما ذكر ابن كثير في البداية عن ابن إسحاق:
ولمَّا رأتني أم أحمدَ غادياً
بذمّة من أخشى بغيب وأرهَبُ
تقول فإِمّا كنت لا بدَّ فاعلاً
فيمّم بنا البلدان ولتنأ يثربُ
(فقلت لها ما يثرب بمظِنّة)
وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يُقم
إلى الله يوماً وجهه لا يُخَيَّب
فكم قد تركنا من حميم مناصح
وناصحة تبكي بدمع وتندُب
ترى أنّ وِتْرا نأيُنا عن بلادنا
ونحن نرى أن الرغائب نَطْلُب
стр. 401
دعوت بني غَنْم لحِقن دمائهم
وللحق لما لاح للناس مَلْحَب
أجابوا بحمد الله لمّا دعاهم
إلى الحق داعٍ والنجاحِ فأوْعبوا
وكنا وأصحاباً لنا فارقوا الهدى
أعانوا علينا بالسلام وأجلبوا
كفَوجين أما منهما فموفَّق
على الحق مهدي وفوج معذّب
طَغَوا وتمنَوا كذبة وأزلهم
عن الحق إبليس فخابوا وخيّبوا
ورِعنا إلى قول النبي محمدٍ
فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نَمُتُّ بأرحام إليهم قريبةٍ
ولا قرب بالأرحام إذ لا تُقَرِّب
فأيّ ابن أخت بعدنا يأمننكم
وأية صِهْر بعد صهريَ ترقب
فأيّ ابن أخت بعدنا يأمننكم
وأية صِهْر بعد صهيَ ترقب
ستعلم يوماً أيُّنا إذ تزايلوا
وزُيِّل أمر الناس للحق أصوب
هجرة ضمرة بن أبي العيص أو ابن العيص
أخرج الفهريابي عن سعيد بن جبير ﵁ قال: لما أنزلت: ﴿لاَّ يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء: ٩٥) - الآية. ثم ترخَّص عنها أناس من المساكين ممّن بمكة حتى نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءتْ مَصِيراً﴾ (النساء: ٩٧) - الآية. فقالوا: هذه مُرْجفة حتى نزلت: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَآء وَالْوِلْدانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (النساء: ٩٨) ، فقال ضمرة بن العيص - أحد بني لَيْث وكان مُصاب البصر، وكن موسِراً. لئن كان ذهاب
стр. 402
بصري إني لأستطيع الحيلة، لي مال ورقيق، إحملوني، فحُمل ودَبَّ وهو مريض، فأدركه الموت وهو عند التَنْعيم؛ فدفن عند مسجد التَنْعيم. فنزلت فيه خاصة: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الاْرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (النساء: ١٠٠) - الآية. وعلّقهُ ابن مَنْده لهُشَيم عن سالم. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق إسرائيل عن سالم الأفطس، فقال: عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزُرَقي ﵁. كذا في الإِصابة
. وأخرجه أبو يعلى عن ابن عباس ﵄ قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً فقال لأهله: إحملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي ﷺ فنزل الوحي: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى اورسوله ثم يدركه الموت حتى بلغ وكان اغفوراً رحيماً﴾ . قال الهيثمي في المجمع: ورجاله ثقات.
هجرة واثلة بن الأسقع ﵁
أخرج ابن جرير عن خالد بن الوليد عن واثلة بن الأسقَع ﵄ قال: خرجت من أهلي وأريد الإِسلام، قدمت على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فصففت في آخر الصفوف فصلَّيت بصلاتهم. فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة انتهى إِليَّ وأنا في آخر الصفوف. فقال: «ما حاجتك؟ قلت: الإِسلام. قال: «هو خير لك» . قال: «وتهاجر؟» قلت: نعم. قال: «هجرةَ البادي أو هجرة الباتي؟» قلت: أيتها خبر؟ قال: «هجرة الباتي» . قال: «وهجرة الباتي أن تثبت مع رسول الله ﷺ وهجرة البادي أن يرجع إلى باديته» .
стр. 403
قال: «وعليك الطاعة في عسرك ويسرحك ومنشطك ومكرهك وأَثرَة عليك» . قلت: نعم. فقدَّم يده وقدمت يدي. فلما رآني لا أستثني لنفسي شيئاً قال: «فيما استطعت» . فقلت: فيما استطعت. فضرب على يدي. كذا في كنز العمال.
هجرة بني سليم
أخرج أبو نُعيم عن إِياس بن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: أصاب أسَلَم وجعٌ. فقال رسول الله ﷺ «يا أسلمُ أبدوا» . قالوا: يا رسول الله نكره أن نرتد، ونرجع على أعقابنا. فقال رسول الله ﷺ «أنتم باديتنا ونحن حاضرتكم، إذا دعوتمونا أجبناكم وإِذا دعوناكم أجبتمونا؛ أنتم المهاجرون حيث كنتم» . كذا في كنز العمال.
هجرة جنادة بن أبي أمية ﵁
أخرج أبو نُعيم والحسن بن سفيان عن جنادة بن أبي أمية الأزدي ﵁ قال: هاجرنا على عهد النبي ﷺ فاختلفنا في الهجرة، فقال بعضنا: لم تنقطع. فدخلت على رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك. فقال: «لا تنقطع الهجرة، ما قوتل الكفار» . كذا في الكنز.
стр. 404
وعند ابن مندهْ. وابن عساكر عن عبد الله بن السعدي ﵁ قال: وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ سبعة أو ثمانية وأنا من أحدثهم سناً، فأتَوا رسول الله ﷺ فقضوا حوائجهم وخلّفوني في رَحْل لهم. فجئت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن حاجتي. فقال: «وما حاجتك؟» قلت: رجال يقولون: قد انقطعت الهجرة. فقال: «أنت خيرهم حاجة - أو حاجاتهم - لا تنقطع الهجرة، ما قوتل الكفار» . كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً أبو حاتم، وابن حِبْان، والنّسائي. وقال أبو زُرعة: حديث صحيح متقن، رواه الأثْبات عنه كما في الإِصابة.
ما قيل لصفوان بن أمية وغيره في الهجرة
أخرج ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: قيل لصفوان بن أمية - وهو بأعلى مكة -: إنه لا دين لمن لم يهاجر. فقال: لا أصل إلى بيتي حتى أقدَم المدينة، فقدم المدينة فنزل على العباس بن عبد المطلب، ثم أتى
стр. 405
النبي ﷺ فقال: «ما جاء بك يا أبا وَهْب؟» قال: قيل: إنه لا دِين لمن لم يهاجر. فقال النبي ﷺ «إرجع أبا وَهْب إلى أباطح مكة، فقرّوا على مسكنكم، فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية فإن استُنفرتم فانفروا» . كذا في كنز العمال. وأخرجه البيهقي أيضاً بلفظه. وعند عبد الرزاق عن طاووس قال: قيل لصفوان بن أمية: هلك من نُفيَت له هجرة، فحلف أن لا يغسل رأسه حتى يأتي النبي ﷺ فركب راحلته ثم انطلق، فصادف النبي ﷺ عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، إنه قيل لي: هلك من لا هجرة له، فآليتُ بيمين لا أغسل رأسي حتى آتيك. فقال النبي ﷺ «إنَّ صفوان سمع بالإِسلام فرضي به ديناً، إِن الهجرة قد انقطعت بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإِذا
стр. 406
استُنفرتم فنفروا» كذا في الكنز.
وأخرج البغوي، وابن مَنْده، وأبو نُعيم عن صالح بن بشير ابن فُدَيك: أن جده فُديكاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنهم يزعمون أن من لم يهاجر هلك. فقال النبي ﷺ «يا فُدَيك، أقم الصلاة، وآتِ الزكاة، واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث شئت تكن مهاجراً» . كذا في الكنز. وأخرجه البيهقي. وأخرج البخاري عن عطاء بن أبي رباح قال: زُرت عائشة ﵂ مع عبيد بن عمير الليثي فسألناها عن الهجرة. فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ مخافة أن يُفتن عليه. فأما اليوم فقد أظهر الله الإِسلام واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية. وأخرجه البيهقي أيضاً.
هجرة النساء والصبيان هجرة أهل بيت النبي ﷺ وأبي بكر ﵃
أخرج ابن عبد البَرّ عن عائشة ﵂ قالت: لمّا هجر رسول الله ﷺ خلَّفنا وخلَّف بناته، فلما استقر بعث زيد بن حارثة وبعث معه أبا رافع
стр. 407
مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمس مائة درهم أخذاها من أبي ﵁ يشترين بها ما يحتاجان إليه من الظَّهْر، وبعث أبو بكر معهم عبد الله بن أريقط ببعيرين أو ثلاثة، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل أمّي أم رومان وأنا وأختي أسماء إمرأة الزبير، فخرجوا مصطحبين. فلما انتهَوا إِلى قُدَيد إشترى زيد بن حارثة بتلك الخمس مائة درهم ثلاثة أبْعِرة، ثم دخلوا مكة جميعاً، فصادفوا طلحة بن عبيد الله ﵁ يريد الهجرة، فخرجوا جميعاً، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسَوْدة بنت زمْعة، وحمل زيد أم أيمن وأسامة، حتى إذا كنا بالبيداء نَفَر بعيري وأنا في مِحفَّة معي فيه أمي، فجعلت تقول: وابنتاه، واعروساه، حتى أدرك بعيرنا وقد هبط الثنية ثنية هَرْشى فسلَّم الله. ثم إِنَّا قدمنا المدينة، فنزلت مع آل أبي بكر، ونزل آل النبي ﷺ وكان رسول الله ﷺ يبني مسجده وأبياتاً حول المسجد، فأنزل فيها أهله، فمكثنا أياماً - فذكر الحديث بطوله في تزويج عائشة. كذا في الإستيعاب. وأخرجه الزبير أيضاً كما في الإِصابة. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد - إلا أنه سقط عنه ذكر مخرِّجه - وقال: وفيه محمد بن الحسن بن زُبالة وهو ضعيف. ثم ذكر عن عائشة ﵂ قالت: قدمنا مهاجرين، فسلكنا في ثنّية ضعينة فنفر
стр. 408
جمل كنت عليه نفوراً منكراً، فوالله ما أنسى قول أمي: يا عُرَيِّسة فركب بي رأسه، فسمعت قائلاً يقول: ألقي خطامه، فألقيته، فقام يستدير كأنما إِنسان قائم تحته. ثم قال: رواه الطبراني وإسناده حسن. انتهى. وأخرجه الحاكم في المستدرك بطوله.
هجرة بنت إبنته ﷺ وقوله فيها بسبب ما أصابها من الأذى في الطريق
وأخرج ابن إسحاق عن زينب ﵂ بنت رسول الله ﷺ أنّها قالت: بينا أنا أتجهّز لقيتني هند بنت عتبة فقالت: يا ابنة محمد، ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك. قالت: فقلت: ما أردت ذلك. فقال: أيّ إبنةَ عم لا تفعلي، إن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك فإن عندي حاجتك، فلا تضْطَبني مني، فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت: والله ما أُراها قالت ذلك إلا لتفعل. قالت: ولكني خِفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك. قال ابن إسحاق: فتجهَّزتْ، فلما فرغت من جهازها قدّم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيراً فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود به وهي في هودج لها، وتحدّث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طُوىً، وكان أول من سبق إليها هَبَّر بن الأسود الفِهْري، فروَّعها هبّار بالرمح وهي في الهودج، وكانت حاملاً - فيما يزعمون - فطَرَحت، وبرك حَموها كِنانة ونثر كنانته ثم قال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهماً، فَتَكرْكر الناس عنه، وأتى أبو سفيان في جهلَّة من
стр. 409
قريش، فقال: يا أيها الرجل، كفّ عنا نبلك حتى نكلمك، فكفَّ. فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: إنك لم تُصِب، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانيةً على رؤوس الناس من بين أظهرنا أنَّ ذلك عن ذلّ أصابنا وأن ذلك ضعف منا وَوَهن، ولعمري، ما لنا بحبسها من أبيها حاجةً وما لنا من ثؤرة، ولكن أرجع بالمرأة حتى إذا هدأتِ الأصوات وتحدَّث الناس أن قد رددناها؛ فَسُلَّها سِراً وألحقها بأبيها. قال ففعل. كذا في البداية.
وعند الطبراني عن عروة بن الزبير ﵄: أن رجلاً أقبل بزينب ﵂ بنت رسول الله ﷺ فلحقه رجلان من قريش فقاتلاه حتى غلباه عليها فدفعاها، فوقعت على صخرة فأسقطت وهُريقت دماً، فذهبوا بها إلى أبي سفيان، فجاءته نساء بني هاشم فدفعها إِليهن. ثم جاءت بعد ذلك مهاجرة، فلم تزل وجعة حتى ماتت من ذلك الوجع؛ فكانوا يرون أنها شهيدة. قال الهيثمي: وهو مرسل، ورجاله رجال الصحيح اهـ.
وعند الطبراني في الكبير عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ لما قدم من مكة خرجت إبنته زينب ﵂ من مكة مع كِنانة - أو ابن كِنانة - فخرجوا في طلبها، فأدركها هَبَّار بن الأسود، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها، فتحملت؛ واشتجر فيها بنو هاشم وبنو أُمية. فقال بنو أُمية: نحن أحقّ بها وكانت تحت ابن عمهم أبي
стр. 410
العاص؛ وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة، وكانت تقول: هذا في سبب أبيك. فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة؛ «ألا تنطلق فتجيء بزينب؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: فخذ خاتمي فأعطِها إِيَّاه. فانطلق زيد فلم يزل يتلطف، فلقي راعياً فقال: لمن ترعى؟ فقال لأبي العاص. فقال: لمن هذه الغنم؟ فقال: لزينب بنت محمد، فسار معه شيئاً ثم قال: هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياه ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم. فأعطاه الخاتم، فعرفته. فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل. قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا. فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إِليه فلما جاءته قال لها: إركبي بين يدي - على بعيره -. قالت: لا، ولكن إركب أنت بين يدي، فركب وركبت وراءه حتى أتت، فكان رسول الله ﷺ يقول: «هي خير بناتي أُصيبت فيّ» فبلغ ذلك علي بن حسين ﵄، فانطلق إلى عروة فقال: ما حديث بلغني عنك أنك تحدثه تنتقص حقَّ فاطمة؟ فقال عروة: والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني أنتقص فاطمة حقاً لها، وأما بعد ذلك إِني لا أحدّث به أبداً. قال الهيثمي: روه الطبراني في الكبير والأوسط بعضه؛ ورواه البزار؛ ورجاله رجال الصحيح. انتهى.
هجرة درّة بنت أبي لهب ﵂
أخرج الطبراني عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعمار بن ياسر ﵃ قالوا: قدمت درَّة بنت أبي لهب ﵂ مهاجرة، فنزلت دار رافع بن المُعلَّى الزُّرقي ﵁. فقال لها نسوة جلسن إِليها من بني زُرَيق: أَنت بنت أبي لهب الذي قال الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ﴿مَآ أَغْنَى
стр. 411
عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ؛ ما يغني عنك مهاجَرُك. فأتت درّة النبي ﷺ فشكت إليه ما قُلنَ لها. فسكّنها رسول الله ﷺ وقال: إجلسي. ثم صلّى بالناس الظهر وجلس على المنبر ساعة وقال: «يا أيها الناس، ما لي أؤذي في أهلي، فوالله إِن شفاعتي لتناحيَّ حا، وحَكَم، وصُدا، وسَهلب يوم القيامة. قال الهيثمي: وفيه عبد الرحمن بن بشير الدمشقي وثَّقه ابن حِبَّان، وضعْفه أبو حاتم؛ وبقية رجاله ثقات. وقد تقدّمت هجرة أُم سَلَمة في هجرة أبي سلمة ﵄ (ص ٣٥٨) ؛ وهجرة أسماء بنت عُميس وأُم عبد الله ليلى إبنة أبي حَثْمة ﵄ في هجرة جعفر بن أبي طالب والصحابة ﵃ إلى الحبشة (ص ٣٤٧) .
هجرة عبد الله بن عباس ﵄ وغيره من الصبيان
أخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: كان قدومنا على رسول الله ﷺ الخمس من الهجرة. خرجنا متوصِّلين مع قريش عام الأحزاب، وأنا مع أخي الفضل، ومعنا غلامنا أبو رافع، حتى انتهينا إلى العَرْج فضلّ لنا في الطريق رَكوبة، وأخذنا في ذلك الطريق على الجثجاثة حتى خرجنا على بني عمرو بن عوف حتى دخلنا المدينة، فوجدنا رسول الله ﷺ في الخندق وأنا يومئذٍ ابن ثمان سنين، وأخي ابن ثلاث عشرة سنة. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط من طريق عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري عن سليمان بن داود بن الحصين، وكلاهما لم يوثّق ولم يضعَّف، وبقية رجاله ثقات. انتهى.
стр. 412
الباب الخامس باب النصرة
كيف كانت نُصْرة الدين القويم والصراط المستقيم أحبَّ إليهم من كل شيء ؟ وكيف كانوا يتفخرون بذلك ما لم يفتخر أحد منهم بالعزَّة الدنيوية؟ وكيف صبروا مع ذلك عن لذّاتها؟ فكأنهم فعلوا كلَّ ذلك إبتغاء مرضاة الله ، واتِّباعاً لما أمرهم رسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه، وبارك، وسلَّم.
стр. 413
باب النصرة إبتداء أمر الأنصار ﵃ حديث عائشة ﵂ في هذا الباب
أخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه في كل سنة على قبائل من العرب؛ أن يؤووه إلى قومهم حتى يبلّغَ كلام الله ورسالاته ولهم الجنّة. فليست قبيلة من العرب تستجيب له، حتى أراد الله إِظهار دينه، ونصر نبيه، وإنجاز ما وعده - ساقه الله إلى هذا الحي من الأنصار، فاستجابوا له، وجعل الله لنبيّه ﷺ دار هجرة. قال الهيثمي: وفيه عبد الله بن عمر العُمَري، وثَّقه أحمد وجماعة، وضعَّفه النِّسائي وغيره؛ وبقية رجاله ثقات. اهـ.
حديث عمر ﵁ في الباب وقوله فيهم
وأخرج البزار - وحسّنه - عن عمر ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ بمكة يعرض نفسه على قبائل العرب قبيلة قبيلة في الموسم، ما يجد أحداً يجيبه حتى جاء الله بهذا الحيّ من الأنصار، لِمَا أسعدهم الله وساق لهم من الكرامة، فآوَوا ونصروا، فجزاهم الله عن نبيهم خيراً. كذا في كنز العمال. وزاد
стр. 414
في جمع الفوائد في حديث عمر ﵁ هذا: والله ما وفينا لهم كما عاهدناهم عليه، إِن قلنا لهم؛ نحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولئن بقيت إلى رأس لا يبقى لي عامل إِلا أنصاري. وقال: للبزّار بضعف، وهكذا ذكره في مجمع الزوائد عن البزار بتمامه، وقال: رواه البزار وحسَّن إسناده، وفيه ابن شبيب وهو ضعيف.
حديث جابر ﵁ في الباب
وأخرج الإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵂ قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: «هل من رجل يحملني إِلى قومه، فإنَّ قريشاً قد منعوني أن أبلِّغ كلام ربي ؟» فأتاه رجل من هَمْدان. فقال: ممن أنت؟ فقال الرجل: من هَمْدان. فقال: هل عند قومك من مَنَعة؟ قال: نعم. ثم إنّ الرجل خشي أن يُخفِره قومه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: آتيهم أخبرهم، ثم آتيك من قابل. قال: نعم. فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب. قال الهيثمي: رجاله ثقت. وعزاه الحافظ في الفتح إلى أصحاب السُّنَن، والإِمام أحمد، وقال: صحَّحه الحاكم. وقد تقدم (ص ٢٤٥) في «البَيْعة على النُّصرة» من حديث جابر ﵁ عند الإِمام أحمد قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم عُكاظ ومِجَنَّة وفي المواسم، يقول: «من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله
стр. 415
الجنة؟» فلا يجد أحداً يؤويه ولا ينصره، حتى إنَّ الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه وذو رحمة فيقولون: إحذر غلام قريش، لا يفتنكْ ويمضي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع. حتى بعثنا الله إليه من يقرب، فآويناه وصدَّقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويُقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبقَ در من دور الأنصار إلا وفيه رَهْط من المسلمين يظهرون الإِسلام ثم ائتمروا جميعاً فقلنا، حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه شِعْب العَقَبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ - فذكر الحديث. وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الإِسناد.
حديث عروة ﵁ في الباب
وأخرج الطبراني عن عروة ﵁ مرسلاً قال: لما حضر الموسم حجَّ نفر من الأنصار من بني مازن بن النجار، منهم: معاذ بن عفراء، وأسعد بن زُرارة؛ ومن بني زُرَيق: رافع بن مالك، وذَكوان بن عبد القيس؛ ومن بني عبد الأشهل: أبو الهيثم بن التَّيِّهان، من بني عمرو بن عوف: عُويم بن ساعدة - رضون الله عليهم أمعين -. وأتاهم رسول الله ﷺ وأخبرهم خبر الذي اصطفاه الله من نبوته وكرامته، وقرأ عليهم القرآن. فلما سمعوا قوله، أنصتوا واطمأنت أنفسهم إلى دعوته، وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم إيّاه بصفته وما يدعوهم إليه، فصدَّقوه وآمنوا به، وكانوا من أسباب الخير. ثم قالوا له: قد علمتَ الذي بين الأوس والخزرج من الدماء، ونحن نحبّ ما أرشد الله به أمرك، ونحن لله ولك مجتهدون، وإنا نشير عليك بما ترى، فامكث على إسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنخبرَهم بشأنك وندعوَهم إلى الله ورسوله، فلعلّ الله
стр. 416
يصلح بيننا ويجمع أمرنا، فإنا اليوم متباعدون متباغضون، فإن تَقْدَمْ علينا اليوم ولم نصطلح لم يكن لنا جماعة عليك، ونحن نواعدك الموسم من العام القابل. فرضي رسول الله ﷺ الذي قالوا. فرجعو اإلى قومهم فدعَوهم سِرّاً، وأخبروهم برسول الله ﷺ والذي بعثه الله به، ودعا عليه بالقرآن، حتى قلّ دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة - فذكر الحديث كما تقدم (ص ١٨٧) في «دعوة مصعب بن عمير ﵁» . قال الهيثمي: فيه ابن لَهِيعة وفيه ضعف، وهو حسن الحديث؛ وبقية رجاله ثقات. انتهى.
أبيات لصِرْمة بن قيس في الباب
وأخرج الحاكم: عن يحيى بن سعيد قال: سمعت عجوزاً من الأنصار تقول: رأيت ابن عباس ﵄ يختلف إلى صِرْمة بن قيس يتعلم منه هذه الأبيات:
ثَوَى في قريشٍ بِضْع عَشْرة حَجة
يذكِّر لو ألفى صديقاً مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه
فلم يرَ من يُؤوي ولم يرَ داعيا
فلما أتانا واستقرّت به النَوَى
وأصبح مسروراً بطَيْبة راضيا
وأصبح ما يخشى ظُلامَة ظالمٍ
بعيدٍ، وما يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جُلِّ مالنا
وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادَى من الناس كلِّهم
بحق وإن كان الحبيبَ المواتيا
ونعلم أنَّ الله لا شيءَ غيره
وأن كتاب الله أصبح هادي
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ﵃ قصة عبد الرحمن بن عوف مع سعد بن الربيع
стр. 417
أخرج الإِمام أحمد عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة، فآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ﵁، فقال له سعد: أيْ أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالاً، فانظر شَطْر مالي فُخْذه؛ وتحتي إمرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلِّقَها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلُّوني على السوق، فدلّوه، فذهب فاشترى وباع فربح، فجاء بشيء من أقِطٍ وسمن، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، فجاء وعليه رَدْع زعفران. فقال رسول الله ﷺ «مَهْيَمْ» ؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت إمرأة. قال: «ما أصدقتها» ؟ قال: وَزْنَ نَواة من ذهب. قال: «أوْلم ولو بشاة» . قال عبد الرحمن: فلقد رأيتُني ولو رفعتُ حَجَراً لرجوتُ أن أصيب ذهباً وفضة. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الشيخان عن أنس ﵁، والبخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ كما في الإِصابة؛ وابن سعد عن أنس ﵁.
التوارث بين المهاجرين والأنصاري
وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان
стр. 418
المهاجرون لما قدموا بالمدنية يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رَحِمِهِ للأخوّة التي آخى النبي ﷺ بينهم.
فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالاْقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلّ شَىْء شَهِيداً﴾ (النساء: ٣٣) نُسخت. هكذا وقع في هذه الرواية أنَّ ناسخَ ميراث الحليف هذه الآية، وفي اللاحقة أنَّ الناسخ هو نزول: ﴿وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٧٥) - الآية، فصاروا جميعاً يرثون. وعلى هذا يُنَزَّل حديث ابن عباس ﵄، ثم نسخ ذلك آية الأحزاب وخُصّ الميراث بالعَصَبة، وبقي للمعاقد النصر والإِرفاد ونحوهما؛ وعلى هذا تنزيل بقية الآثار اهـ. وعند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ نحوه كما في فتح الباري. وذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي إلى جماعة من التابعين قالوا: لما قدم النبي ﷺ المدينة آخَى بين المهاجرين، وآخى بين المهاجرين والأنصار على المؤاساة، وكانوا يتوارثون، وكانوا تسعين نفساً بعضهم من المهاجرين وبعضهم من الأنصار - وقيل: كانوا مائة -. فلمّا نزل: ﴿وَأُوْلُواْ الارْحَامِ﴾ بطلت الموارث بينهم بتلك المؤاخاة. كذا في الفتح.
مأاساة الأنصار المهاجرين بأموالهم قسم الثمر ورد الأنصار معاوضةً ما أنفقوا
стр. 419
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: «لا» . فقالوا: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﵁: قال رسول الله ﷺ للأنصار: «إنَّ إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إِليكم» ، فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله ﷺ «أَوَ غير ذلك؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر» . قالوا: نعم. كذا في البداية.
وأخرج الإِمام أحمد عن يزيد عن حميد عن أنس ﵁ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسنُ مواساةً في قليل، ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كَفَونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كلِّه. قال: «لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» . هذا حديث ثلاثيُّ الإِسناد على شرط الصحيحين، ولم يخرِّجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه. كذا في البداية. أخرجه أيضاً ابن جرير، والحاكم، والبيهقي كما في كنز العمال.
стр. 420
وأخرج البزار عن جابر ﵁ قال: كانت الأنصار إذا جزّوا نخلهم قسم الرجل تمرة قسمين أحدُهما أقل من الآخر، ثم يجعلون السَّعَف مع أقلهما، ثم يخيِّرون المسلمين، فيأخذون أكثرهما، ويأخذ الأنصار أقلهما من أجل السَّعَف حتى فُتحت خيبر. فقال رسول الله ﷺ «قد وفَّيتم لنا بالذي كان عليكم، فإن شئتم أن تطيب أنفسكم بنصيبكم من خيبر ويطيب ثماركم فعلتم» . قالوا: إنَّه قد كان لك علينا شروط ولنا عليك شرط بأن لنا الجنة، فقد فعلنا الذي سألتنا بأنَّ لنا شرطنا. قال: «فذاكم لكم» قال الهيثمي رواه البزّار من طريقين وفيهما مجالِد وفيه خلاف، وبقية رجال إحداهما رجال الصحيح. انتهى.
وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: دعا النبي ﷺ الأنصار أن يُقطع لهم البحرين. قالوا: لا، إلا أن تقطع لإِخواننا من المهاجرين مثلها. قال: «أمّا لا، فاصبروا حتى تلقَوني، فإنه سيصيبكم أَثَرَةٌ» .
كيف قطعت الأنصار ﵃ حبال الجاهلية لتشييد حبال الإِسلام قتل كعب بن الأشرف اليهودي
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول
стр. 421
الله ﷺ «من لكعب بن الأشرف فإنّه قد آذى الله ورسوله؟» فقام محمد بن مَسْلَمة ﵁ فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله قال: «نعم» . قال: فأذنْ لي أن أقول شيئاً. قال: «قل» . فأتاه محمد بن مَسْلَمة فقال: إنّ هذا الرجل قد سألَنا صدقة، وإنّه قد عنَّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضاً - والله - لتَمَلُّنَّه قال: إنَّا قد اتّبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه. وقد أردنا أن تُسلِفَنا وسقاً أو وَسْقين، فقال: نعم، إرهنوني، قالوا: أي شيء تريد؟. قال: إرهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؟. فيُسَبّ أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسْقين، هذا عار علينا ولكن نرهنك اللأَمة - يعني السلاح - فواعده أن يأتيه ليلاً.
فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم. فقالت له إمرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنَّما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة - وفي رواية: قالت: أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دُعي إلى طعنة بليل لأجاب - قال: ويُدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، فقال: إذا ما جاء فإنِّي قائل بشعره فأشَمُّهُ، فإذا رأيتموني إستمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه.
فنزل إليهم توشحاً وهو ينفخ منه ريح الطِّيب. فقال: ما رأيت كاليوم ريحاً - أي أطيب - قال: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب فقال:
стр. 422
أتأذن لي أن أشمَّ رأسك؟ قال: نعم. فشمّه ثم أشَمَّ أصحابه. ثم قال: أتأذن لي قال: نعم. فلمّا استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه. وفي رواية عروة: فأخبروا النبي ﷺ فحمد الله تعالى. وفي رواية ابن سعد: فلما بلغوا بَقيع الغَرْقد كبّروا، وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلِّي. فلما سمع تكبيرهم كبَّر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتَهوا إِليه. فقال: «أفلحت الوجوه» فقالوا: ووجهك يا رسول الله. ورمَوا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله. وفي مرسل عكرمة: فأصبحت يهودُ مذعورين، فأتَوا النبي ﷺ فقالوا: قُتل سيدنا غِيلَة. فذكَّرهم النبي ﷺ صنيعه وما كان يحرِّض عليه ويؤذي المسلمين. زاد ابن سعد: فخافوا فلم ينطقوا. كذا في فتح الباري.
وعند ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ «مَنْ لي بابن الأشرف؟» فقال محمد بن مسلمة ﵁: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال: «فافعل إن قدرتَ على ذلك» . قال: فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلا ما يُعْلِق به نفسَه. فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعه فقال له: «لم تركتَ الطعام والشراب؟» فقال: يا رسول الله، قلت لك قولاً لا أدري هل أفي لك به أم لا. قال: «إنما عليك الجُهد» . وعنده أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ قال: مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد، ثم وجَّههم وقال: «إنطلقوا على إسم الله اللَّهمَّ أعنهم» . كذا في البداية. وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناد حديث ابن عباس ﵄. كذا في
стр. 423
فتح الباري.
قتل أبي رافع سَلام ابن أبي الحُقَيق
أخرج ابن إسحاق عن عبد الله بن كعب بن مالك ﵁ قال: وكان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيَّين من الأنصار: الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاولَ الفحلين، لا تصنع الأوس شيئاً فيه غَنَاء عن رسول الله ﷺ إلا وقالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله ﷺ فلا ينتهون حتى يُوقعوا مثلَها. وإذا فعلت الخزرج شيئاً قالت الأوس مثل ذلك. قال: ولما أصابت الأوس كعبَ بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ قالت الخزرج: والله لا تذهبون بها فضلاً علينا أبداً. قال: فتذاكروا مَنْ رجلٌ لرسول الله ﷺ في العداوة كابن الأشرف، فذكرا ابن أبي الحُقَيق وهو بخيبر، فاستأذنوا الرسول ﷺ في قلته، فأذن لهم. فخرج من الخزرج من بني سَلِمة خمسة نفر: عبد الله بن عَتِيك، ومسعود بن سِنان، وعبد الله بن أُنيْس، وأبو قتادة الحارث بن رِبعي، وخُزاعي بن الأسود - حليف لهم من أسلَم - فخرجوا، وأمّر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو إمرأة.
فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتَوا دار ابن أبي الحُقَيق ليلاً، فلم يَدَعوا بيتاً في الدار حتى أغلقوه على أهله. قال: وكان عِلَّية له إليها عَجَلة. قال: فأسندوه إليها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا. فخرجت إليهم إمرأته
стр. 424
فقالت: من أنتم؟ قالوا: أناس من العرب نلتمس المِيرَة. قالت: ذاكم صاحبكم، فادخلوا عليه. فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة تَخَوّفاً أن يكن دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت إمرأته فنوَّهت بنا فابتدرناه - وهو على فراشه - بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قُبْطيّة ملقاة. قال: فلما صاحت بنا إمرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول الله ﷺ فيكفّ يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحمل عليه عبد الله بن أُنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قَطْني قَطْني - أي حَسْبي حَسْبي -. قال: وخرجنا - وكان عبد الله بن عتيك سيّىء البصر - فوقع من الدرجة، فوئئت يده وئئاً شديداً، وحملناه حتى نأتي به مَنْهَراً من عيونهم فندخل فيه. قال: فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا، حتى إذا يئسوا رجعوا إليه فاكتنفوه، وهو يقضي بينهم.
قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدوَّ الله قد مات؟ قال: فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس. قال: فوجدتها - يعني إمرأته - ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدِّثهم، وتقول: أما - والله - لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي وقلت: أنَّى ابن عتيك بهذه البلاد؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه فقالت: فاظَ، وإله يهود فما سمعت كلمة كانت ألذّ على نفسي منها. قال: ثم جاءنا فأخبرنا، فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في
стр. 425
قتله، كلنا يدّعيه. قال: فقال: «هاتوا أسيافكم» فجئنا به فنظر إِليها فقال لسيف عبد الله بن أُنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام» . كذا في البداية، وسيرة ابن هشام.
وعند البخاري عن البراء ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالاً من الأنصار، وأمّر عليهم عبد الله بن عتِيك ﵁، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويُعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز. فلما دَنوا منه - وقد غربت الشمس وراح الناس بسَرْحهم - قال عبد الله: إجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطِّف للبواب لعلِّي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه، كأنه يقضي حاجته وقد دخل الناس؛ فهتف به البواب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلتُ فكمنتُ. فلمَّا دخل الناس أغلق الباب، ثم علَّق الأغاليق على ودّ. قال: فقمت إلى الأقاليد وأخذتها وفتحت الباب. وكان أبو رافع يُسمَر عنده، وكان في عَلاليَّ له. فلما ذهب عنه أهل سَمَره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت باباً أغلَقت عليّ من داخل فقلت: إِن القومُ نذروا بي لم يخلُصوا إليّ حتى أقتله، فانتهيت إِليه فإذا هو في بيت مظلم - وَسْطَ عياله -، لا أدري أين هو من البيت. قلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف ضربة وأنا دهش فما أغنيت شيئاً، وصاح فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟
следующие страницы →