← История

История · id 8528

حياة الصحابة

محمد يوسف الكاندهلوي

Полный текст (1 779 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الله ﷺ «من لكعب بن الأشرف فإنّه قد آذى الله ورسوله؟» فقام محمد بن مَسْلَمة ﵁ فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله قال: «نعم» . قال: فأذنْ لي أن أقول شيئاً. قال: «قل» . فأتاه محمد بن مَسْلَمة فقال: إنّ هذا الرجل قد سألَنا صدقة، وإنّه قد عنَّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضاً - والله - لتَمَلُّنَّه قال: إنَّا قد اتّبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه. وقد أردنا أن تُسلِفَنا وسقاً أو وَسْقين، فقال: نعم، إرهنوني، قالوا: أي شيء تريد؟. قال: إرهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا؟. فيُسَبّ أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسْقين، هذا عار علينا ولكن نرهنك اللأَمة - يعني السلاح - فواعده أن يأتيه ليلاً. فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم. فقالت له إمرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنَّما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة - وفي رواية: قالت: أسمع صوتاً كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دُعي إلى طعنة بليل لأجاب - قال: ويُدخل محمد بن مسلمة معه رجلين، فقال: إذا ما جاء فإنِّي قائل بشعره فأشَمُّهُ، فإذا رأيتموني إستمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه. فنزل إليهم توشحاً وهو ينفخ منه ريح الطِّيب. فقال: ما رأيت كاليوم ريحاً - أي أطيب - قال: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب فقال:

стр. 422

أتأذن لي أن أشمَّ رأسك؟ قال: نعم. فشمّه ثم أشَمَّ أصحابه. ثم قال: أتأذن لي قال: نعم. فلمّا استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه. وفي رواية عروة: فأخبروا النبي ﷺ فحمد الله تعالى. وفي رواية ابن سعد: فلما بلغوا بَقيع الغَرْقد كبّروا، وقد قام رسول الله ﷺ تلك الليلة يصلِّي. فلما سمع تكبيرهم كبَّر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتَهوا إِليه. فقال: «أفلحت الوجوه» فقالوا: ووجهك يا رسول الله. ورمَوا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله. وفي مرسل عكرمة: فأصبحت يهودُ مذعورين، فأتَوا النبي ﷺ فقالوا: قُتل سيدنا غِيلَة. فذكَّرهم النبي ﷺ صنيعه وما كان يحرِّض عليه ويؤذي المسلمين. زاد ابن سعد: فخافوا فلم ينطقوا. كذا في فتح الباري. وعند ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ «مَنْ لي بابن الأشرف؟» فقال محمد بن مسلمة ﵁: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال: «فافعل إن قدرتَ على ذلك» . قال: فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلا ما يُعْلِق به نفسَه. فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعه فقال له: «لم تركتَ الطعام والشراب؟» فقال: يا رسول الله، قلت لك قولاً لا أدري هل أفي لك به أم لا. قال: «إنما عليك الجُهد» . وعنده أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ قال: مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد، ثم وجَّههم وقال: «إنطلقوا على إسم الله اللَّهمَّ أعنهم» . كذا في البداية. وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناد حديث ابن عباس ﵄. كذا في

стр. 423

فتح الباري. قتل أبي رافع سَلام ابن أبي الحُقَيق أخرج ابن إسحاق عن عبد الله بن كعب بن مالك ﵁ قال: وكان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيَّين من الأنصار: الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاولَ الفحلين، لا تصنع الأوس شيئاً فيه غَنَاء عن رسول الله ﷺ إلا وقالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله ﷺ فلا ينتهون حتى يُوقعوا مثلَها. وإذا فعلت الخزرج شيئاً قالت الأوس مثل ذلك. قال: ولما أصابت الأوس كعبَ بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ قالت الخزرج: والله لا تذهبون بها فضلاً علينا أبداً. قال: فتذاكروا مَنْ رجلٌ لرسول الله ﷺ في العداوة كابن الأشرف، فذكرا ابن أبي الحُقَيق وهو بخيبر، فاستأذنوا الرسول ﷺ في قلته، فأذن لهم. فخرج من الخزرج من بني سَلِمة خمسة نفر: عبد الله بن عَتِيك، ومسعود بن سِنان، وعبد الله بن أُنيْس، وأبو قتادة الحارث بن رِبعي، وخُزاعي بن الأسود - حليف لهم من أسلَم - فخرجوا، وأمّر عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو إمرأة. فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتَوا دار ابن أبي الحُقَيق ليلاً، فلم يَدَعوا بيتاً في الدار حتى أغلقوه على أهله. قال: وكان عِلَّية له إليها عَجَلة. قال: فأسندوه إليها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا. فخرجت إليهم إمرأته

стр. 424

فقالت: من أنتم؟ قالوا: أناس من العرب نلتمس المِيرَة. قالت: ذاكم صاحبكم، فادخلوا عليه. فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة تَخَوّفاً أن يكن دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت إمرأته فنوَّهت بنا فابتدرناه - وهو على فراشه - بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قُبْطيّة ملقاة. قال: فلما صاحت بنا إمرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول الله ﷺ فيكفّ يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحمل عليه عبد الله بن أُنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قَطْني قَطْني - أي حَسْبي حَسْبي -. قال: وخرجنا - وكان عبد الله بن عتيك سيّىء البصر - فوقع من الدرجة، فوئئت يده وئئاً شديداً، وحملناه حتى نأتي به مَنْهَراً من عيونهم فندخل فيه. قال: فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا، حتى إذا يئسوا رجعوا إليه فاكتنفوه، وهو يقضي بينهم. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدوَّ الله قد مات؟ قال: فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس. قال: فوجدتها - يعني إمرأته - ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدِّثهم، وتقول: أما - والله - لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي وقلت: أنَّى ابن عتيك بهذه البلاد؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه فقالت: فاظَ، وإله يهود فما سمعت كلمة كانت ألذّ على نفسي منها. قال: ثم جاءنا فأخبرنا، فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في

стр. 425

قتله، كلنا يدّعيه. قال: فقال: «هاتوا أسيافكم» فجئنا به فنظر إِليها فقال لسيف عبد الله بن أُنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام» . كذا في البداية، وسيرة ابن هشام. وعند البخاري عن البراء ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالاً من الأنصار، وأمّر عليهم عبد الله بن عتِيك ﵁، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويُعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز. فلما دَنوا منه - وقد غربت الشمس وراح الناس بسَرْحهم - قال عبد الله: إجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطِّف للبواب لعلِّي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه، كأنه يقضي حاجته وقد دخل الناس؛ فهتف به البواب: يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلتُ فكمنتُ. فلمَّا دخل الناس أغلق الباب، ثم علَّق الأغاليق على ودّ. قال: فقمت إلى الأقاليد وأخذتها وفتحت الباب. وكان أبو رافع يُسمَر عنده، وكان في عَلاليَّ له. فلما ذهب عنه أهل سَمَره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت باباً أغلَقت عليّ من داخل فقلت: إِن القومُ نذروا بي لم يخلُصوا إليّ حتى أقتله، فانتهيت إِليه فإذا هو في بيت مظلم - وَسْطَ عياله -، لا أدري أين هو من البيت. قلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف ضربة وأنا دهش فما أغنيت شيئاً، وصاح فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟

стр. 426

فقال: لأمِّك الويل إنَّ رجلاً في البيت ضربني قَبْلُ بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظُبَةَ السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إِلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبته بعمامة ثمَّ انطلقت، حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته. فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز؛ فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاءَ، فقد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدَّثته. فقال: «أبسط رجلك» فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكِها قط. وأخرجه البخاري أيضاً بسياق آخر، تفرّد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة، ثم قال: قال الزهري: قال أُبيّ بن كعب: فقدموا على رسول الله ﷺ وهو على المنبر فقال: «أفلحت الوجوه» . قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله. قال: «أفتكتموه؟» قالوا: نعم. قال: «ناولني السيف» ، فسلَّه فقال: «أجل، هذا طعامه في ذُباب السيف» . كذا في البداية. قتل ابن شيبة اليهودي أخرج أبو نُعيم عن بنت مُحَيِّصة عن أبيها ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه» . فوثب مُحيّصة على ابن شيبة - رجل من تجار يهود وكان يلابسهم ويبايعهم - فقتله؛ وكان حُويّصة إذ ذاك لم يسلم وكان أسنَّ من محيِّصة. فلما قتله جعل حويّصة يضربه ويقول: أي عدو الله، قتلته؟ أما - والله - لربَّ شحم في بطنك من ماله فقلت: والله، لو

стр. 427

أمرني بقتلك لضربت عنقك قال: فوالله إنْ كان لأول إسلام حويِّصة. قال: والله إن أمرك محمد بقتلي لتقتلني؟ قال محيِّصة: نعم والله قال حويصة: فوالله إن دينا بلغ بك هذا إنه لعجب. كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً ابن إسحاق نحوه، وفي حديثه: قال محيِّصة فقلت: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك وزاد في آخره: فأسلم حويِّصة. وأخرجه أيضاً أبو داود من طريقه إلا أنه اقتصر إلى قوله: «في بطنك من ماله» ؛ ولم يذكر ما بعده. غزوات بني قينقاع وبني النضير وقريظة وما وقع من الأنصار في ذلك حديث بني قَيْنُقاع أخرج ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄ قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشاً يوم بدر مع يهود في سوق بني قينقاع، فقال: «يا يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً يوم بدر» . فقالوا: إنَّهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتلتَنا لعرفتَ أنّا الرجل. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿لاِوْلِى الاْبْصَارِ﴾ (آل عمران: ١٢، ١٣) . كذا في فتح الباري. وأخرجه أيضاً أبو داود من طريق ابن إسحاق بمعناه، وفي حديثه: قالوا: يا محمد، لا يغرَّنَّك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً

стр. 428

لا يغرفون القتال؛ إنَّك لو قاتلتَنا لعرفتَ أنّا نحن الناس، وأنك لم تَلْقَ مثلنا. وعند ابن جرير كما في التفسير لابن كثير عن الزُّهري قال: لمّا انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن الصَّيف: أغرّكم أن أصبتم رهطاً من قريش لا عِلم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يَدٌ أن تقاتلونا. فقال عبادة بن الصامت ﵁: يا رسول الله، إنَّ أوليائي من اليهود كانت شديدةً أنفسهم، كثيراً سلاحهم، شديدةً شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ: لكني لا أبرأ من ولاية يهود، إني رجل لا بدّ لي منهم. فقال رسول الله ﷺ «يا أبا الحُباب، أرأيتَ الذي نَفِسْت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه» . فقال: إذاً أقبل. قال: فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآء﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ١٥ - ٦٧) . وعند ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت ﵁ كما في البداية: قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبّث بأمرهم عبد الله بن أبيّ بن سلول وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت ﵁ إِلى رسول الله ﷺ وكان من بني عوف له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبيّ، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، قال: يا رسول الله، أتولَّى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار

стр. 429

وولايتهم. قال: وفيه وفي عبد الله نزلت الآيات من «المائدة» : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآء بَعْضٍ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: ٥١ - ٥٦) . حديث بني النَّضِير أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح إلى مَعْمَر عن الزُّهري: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كتب كفار قريش إِلى عبد الله بن أُبيّ وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهدّدونهم بإيوائهم النبي ﷺ وأصحابه ويتوعَّدونهم أن يغزوهم بجميع العرب، فهمّ ابن أبيّ ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي ﷺ فقال: «ما كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش، يريدون أين تُلقوا بأسكم بينكم» فلما سمعوا ذلك عرفوا الحق فتفرَّقوا. فلما كانت وقعة بدر كتبت كفار قريش بعدها إِلى اليهود: إِنكم أهل الحَلْقة والحصون، يتهدّدونهم، فأجمع بنو النضير على الغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ أخرج إِلينا في ثلاثة من أصحابك ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتَّبعناك؛ ففعل. فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت إمرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي ﷺ قبيل أن يصل إليهم، فرجع وصبّحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا على بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبل إِلا السلاح، فحتملوا حتى أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم فيهدمونها ويحملون ما يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام. وكذا

стр. 430

أخرجه عَبْدُ بن حُمَيد في تفسيره عن عبد الرزاق، وفي ذلك ردَّ على ابن التين في زعمه أنه ليس في هذه القصة حديث بإسناد. كذا في فتح الباري. وأخرجه أيضاً أبو داود من طريق عبد الرزاق عن مَعْمَر بطوله مع زيادة؛ وعبد الرزاق، وابن منذر، والبيهقي في الدلائل كما في بذل المجهود عن الدر المنثور. وأخرج البيهقي أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يُسيِّرهم إلى أذْرِعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم: بعيراً وسِقاء. وأخرج أيضاً عن محمد بن مسلمة ﵁: أن رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النَّضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام. كذا في التفسير لابن كثير. وعند ابن سعد: أن رسول الله ﷺ أرسل إليهم محمد ابن مسلمة ﵁: «أن أخرجوا من بلدي، فلا تساكنوني بعد أن هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشراً» . كذا في الفتح.

стр. 431

حديث بني قريظة وأخرج الإِمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: خرجت يوم الخندق أقفوا الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مِجَنَّة. قالت: فجلست إِلى الأرض، فمرَّ سعد وعليه دِرْعٌ من حديث قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد. قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، فمرّ وهو يرتجز ويقول: لبّثْ قليلاً يدرك الهيجا جَمَلْ ما يحسن الموت إذا حان الأجلْ قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا نفر من المسلمين، فإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سَبْغة له - تعني المِغْفر - فقال عمر: ما جاء بك؟ والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو تَحوُّز، فما زال يلومني حتى تمنّيت أن الأرض فتحت ساعتئذٍ فدخلت فيها. فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا هو طلحة بن عبيد الله: فقال: يا عمر، ويحكم إنك قد أكثرتَ منذ اليوم، وأين التحوّز أو الفرار إلا إلى الله . قالت: ويرمي سعداً رجل من قريش يقال له ابن العَرِقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكْحَلة فقطعه؛ فدعا الله سعدٌ فقال: اللَّهمَّ لا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قالت: فرقأ كَلْمة، وبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً. فلحق أبو سفيان ومن معه بتِهامة، ولحق عُيَينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصّنوا في صاصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إِلى المدينة، وأمر بقبة من أدَم فضُربت على سعد في المسجد. قالت: فجاء جبريل ﵇ وإن على ثناياه لَنَقْعُ الغبار فقال: (أقد وضعتَ السلاح؟

стр. 432

لا، والله ما وضعت الملائكة السلاح، بعد، أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم) قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأُمَتَه، وأذَّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا؛ فمرّ على بني غَنْم - وهم جيران المسجد حوله - فقال: «من مرّ بكم؟» قالوا: مرّ بنا دحية الكلبي - وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنّه ووجهه جبرائيل ﵇ فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة. فلما اشتد حَصْرُهم واشتد البلاء قيل لهم: أنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروا أبا لُبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم إنَّه الذَّبْح. قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ. فقال رسول الله ﷺ «أنزلوا على حكم سعد بن معاذ» . فأُتِيَ به على حمار عليه إكاف من ليف، قد حُمل عليه وحفَّ به قومه. فقالوا: يا أبَا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النِكاية ومن قد علمت. قالت: ولا يَرجِع إليهم شيئاً، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه، فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قالت: قال أبو سعيد ﵁: فلما طلع قال: رسول الله ﷺ «قوموا إِلى سيِّدكم فأنزلوه» . قال عمر: سيدنا الله. قال: «أنزِلوه» ، فأنزَلوه. قال رسول الله ﷺ «أحكم فيهم» . قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تُقتل مقاتِلَتُهم. وتُسبى ذراريهم، وتُقسم أموالهم. فقال رسول الله ﷺ «لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله» . ثم دعا سعد فقال: اللَّهمَّ إِن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب قريش شيئاً فأبقني لها. وإن كنتَ قطعتَ الحرب بينه وبينهم فأقبضني إليك. قالت: فانفجر كَلْمه، وكان قد برىء حتى لا يُرى منه إلا مثلُ الخُرْص، ورجع إلى قبّته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حُجْرتي، وكانوا كما قال الله: ﴿رُحَمَآء بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩) . قال علقمة فقلت: يا أُمَّهْ، فكيف كان

стр. 433

رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجِدَ، فإنما هو آخذ بلحيته. وهذا الحديث إسناده جيد، وله شواهد من وجوه كثير. كذا في البداية. وأخرجه ابن سعد عن عائشة ﵂ مثله. وقال الهيثمي رواه أحمد وفيه: محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث، بقية رجاله ثقات. انتهى. وقال الحافظ في الإِصابة: حديث صحيح، صحّحه ابن حبان. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو نعيم بطوله كما في الكنز. وقد زاد بعد هذا الحديث عدة أحاديث من طريق محمد بن عمرو، وهذا في فضائل سعد بن معاذ ﵁. وعند ابن جرير في تهذيبه كما في كنز العمال عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ بكى وبكى أصحابه حين توفي سعد بن معاذ ﵁. قلت: وكان النبي ﷺ إذا اشتد وَجْده فإنَّما هو آخذ بلحيته. قالت عائشة ﵂: وكنت أعرف بكاء أبي من بكاء عمر. وعند الطبراني عن عائشة ﵂ قالت: رجع رسول الله ﷺ من جنازة سعد بن معاذ ودموعه تَحَادَر على لحيته. قال الهيثمي: وسهل أبو حريز ضعيف.

стр. 434

فخر الأنصار ﵃ بالعزة الدينيّة أخرج أبو يَعلى، والبزار، والطبراني: - ورجالهم رجال الصحيح - كما قال الهيثمي عن أنس ﵁ قال: افتخر الحيّان الأوس والخزرج. فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب، ومنا من اهتز له العرش سعد بن معاذ، منا من حمته الدَّبْر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خُزيمة بن ثابت رضوان الله عليهم أجمعين. وقالت الخزرجيون: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لم يجمعه غيرهم؛ زيد بن ثابت، وأُبيّ بن كعب، معاذ بن جبل، وأبو زيد، رضوان الله عليهم أجمعين. وأخرجه أيضاً أبو عَوانة، وابن عساكر وقال: هذا حديث حسن صحيح كما في المنتخب. صبر الأنصار عن اللّذات الدنيوية والأمتعة الفانية والرضاء بالله تعالى وبرسوله ﷺ قصة الأنصار في فتح مكة أخرج الإِمام أحمد عن عبد الله بن رَبَاح ﵁ قال: وفدت وفود إلى معاوية أنا فيهم وأبو هريرة ذلك في رمضان: فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام. قال: وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا. قال هاشم: يكثر أن يدعونا إلى رحله. قال: فقلت؛ ألا أصنع طعاماً فأدعوهم إلى رَحْلي؟ قال: فأمرتُ بطعام يُصنع،

стр. 435

فلقيت أبا هريرة من العِشاء؛ قال: قلت: يا أبا هريرة الدعوة عندي الليلة. قال: أسبقتني قال هاشم: قلت: نعم. فدعوتهم فهم عندي. فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ قال: فذكر فتح مكة. قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكة. قال: فبعث الزبير على أحد المجنَّبَتَيْن، وبعث خالد على المجنَّبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، وأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبته؛ وقد وبَّشَت قريش أوباشها. قال: قالوا: نُقدِّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنّا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سَأَلَنا. قال أبو هريرة: فنظر، فرآني فقال: «يا أبا هريرة» : فقلت: لبيك رسول الله، فقال: «إهتفْ لي بالأنصار، ولا يأتيني إِلا أنصاري» . فهتفت بهم، فجاؤوا فأطافوا برسول الله ﷺ قال: فقال رسول الله ﷺ «أترون إِلى أوباش قريش وأتباعهم؟» ثم قال بيديه إحداها على الأخرى: «إحصدوهم حصداً حتى توافوني بالصَّفا. قال: فقال أبو هريرة: فانطلقنا فما يشاء واحد منا أن يقتل منهم ما شاء، وما أحد منهم يوجِّه إلينا منهم شيئاً. قال: فقال أبو سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. قال: فقال رسول الله ﷺ «من أغلق بابه فهو آمن، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» . قال: فغلَّق الناس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله ﷺ إلى الحَجَر فاستلمه، ثم طاف بالبيت. قال: وفي يده قوس آخذ بسِيَة القوس. قال: فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه. قال: فجعل يطعن بها في عينه ويقول: ﴿وَقُلْ جَآء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: ٨١) قال: ثم أتى الصَّفا فعلاه

стр. 436

حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه. قال: والأنصار تحت. قال: يقول بعضهم لبعض: أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخفَ علينا، فليس أحد من الناس يرفع طَرْفة إلى رسول الله ﷺ حتى يقضي. قال هاشم: فلما قضى الوحيُ رفع رأسه، ثم قال: «يا معشر الأنصار، أقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟» قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: «فما إسمي إذاً، كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم» . قال: فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنَّ بالله ورسوله. قال: فقال رسول الله ﷺ «إن الله ورسوله يصدِّقانِكم ويَعذِرانِكم» . وقد رواه مسلم، والنسائي من حيث أبي هريرة. نحوه. كذا في البداية. وأخرجه ابن أبي شيبة مختصراً كما في الكنز. قصة الأنصار في غزوة حنين وما قاله ﷺ في صِفَتهم وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: لما كان يوم حُنين أقبلت هوازن وغَطفان وغيره بنَعَمهم وذراريهم، ومع رسول الله ﷺ عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده. فنادى يومئذٍ ندائَين لم يخلط بينها،

стр. 437

إلتفت عن يمينه فقال: «يا معشر الأنصار» قالوا: لبيك يا رسول الله، إبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: «يا معشر الأنصار» فقالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك - وهو على بغلة بيضاء - فنزل، فقال: «أنا عبد الله ورسوله» ، فانهزم المشركون، وصاب يومئذٍ مغانم كثيرة، فقسم بين المهاجرين والطلقاء ولم يعطِ الأنصار شيئاً. فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن نُدعى، ويُعطي الغنيمة غيرنا. فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: «يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني؟ فسكتوا. فقال: يا معشر الأنصار، ألا ترضونَ أن يذهب الناس بالدنيا، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم» . قالوا؛ بلى. فقال: «لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شِعباً لسلكت شِعْب الأنصار» . قال هشام: قلت: يا أبا حمزة وأنت شاهد ذلك. قال: وأين أغيب عنه. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة، وابن عساكر بنحوه كما في الكنز. وعند ابن إسحاق من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما أصاب رسول الله ﷺ النائم يوم حُنين، وقسم للمتألِّفين من قريش وسائل العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار منها شيء قليل ولا كثير - وجَدَ هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم: لقي - والله - رسول الله ﷺ قومَه. فمشى سعد بن عبادة ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدوا عليك في أنفسهم. فقال: «فيم؟» قال: فيما كان من قَسْمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، لم يكن فيهم

стр. 438

من ذلك شيء. فقال رسول الله ﷺ «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: ما أنا إلا أمرؤ من قومي. قال: فقال رسول الله ﷺ «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فأعلمني» . فخرج سعد فصرخ فيه، فجمعهم يتلك الحظيرة. فجاء رجال من المهاجرين فأذن لهم، فدخلوا، وجاء آخرون فردّهم، حتى إذا لم يبقَ من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال: يا رسول الله، قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم. فخرج رسول الله ﷺ فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله؛ وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألَّف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بلى. ثم قال رسول الله ﷺ «ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ولرسوله. قال: «والله، لو شئتم لقلتُم فصدَقْتُم وصُدِّقْتُم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، خائفاً فأمنّاك، مخذولاً فنصرناك» . فقالوا: المنّ لله ولرسوله. فقال رسول الله ﷺ «أَوَجَدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لُعاعة من الدنيا تألَّفت بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإِسلام؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شِعباً، وسلكت الأنصار شِعباً لسلكتُ شِعْب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت أمرأَ من الأنصار، اللَّهمّ إرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» . قال: فبكى القوم حتى أخْضَلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله رباً، ورسوله قِسْماً، ثم انصرف وتفرّقوا. وهكذا رواه الإِمام أحمد من حديث ابن إسحاق ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه وهو صحيح. كذا في البداية. وقال

стр. 439

الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق، وقد صرح بالسماع - انتهى. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة من حديث أبي سعيد ﵁ بطوله بمعناه كما في الكنز. وأخرج البخاري شيئا من هذا السياق من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ كما في البداية؛ وبن أبي شيبة أيضاً كما في الكنز. وأخرج الطبرني من حديث السائب بن يزيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قسم الفيء الذي أفاء الله بحُنين من غنائم هوازن، فأحسن، فأفشى في أهل من قريش وغيرهم، فغضبت الأنصار. فلما سمع بذلك النبي ﷺ أتاهم في منازلهم، ثم قال: «من كان ها هنا من الأنصار فليخرج إلى رحله» . ثم تشهَّد رسول الله ﷺ فحمد الله ، ثم قال: «يا معشر الأنصار: قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أُناساً أتألّفهم على الإِسلام لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم، وقد أدخل الله قلوبهم الإِسلام، ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم يمنّ الله عليكم بالإِيمان، وخصَّكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء أنصارَ الله وأنصارَ رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت أمرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم؛ أفلا ترضَوْن أن يذهب الناس بالشاء والنعم والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ . فلما سمعت الأنصار قول رسول الله ﷺ قالوا: رضينا. قال: أجيبوني فيما قلت. قالت

стр. 440

الأنصار: يا رسول الله، وجدتَنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شَفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك، ووجدتنا ضُلالاً فهدانا الله بك؛ قد رضينا بالله رباً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، فاصنع يا رسول الله ما شئت في أوسع الحِلِّ. فقال رسول الله ﷺ «والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت: صدقتم. لو قلتم: ألم تأتنا طريداً فآويناك، ومكذَّباً فصدَّقناك، وقبلنا ما ردَّ الناس عليك؟ لو قلتم هذا لصُدِّقْتُم» . فقال الأنصار: بل لله ولرسوله المنّ، ولرسوله المنّ والفضل علينا وعلى غيرنا. ثم بكوا، فكثر بكاؤهم وبكى النبي ﷺ معهم. قال الهيثمي: وفيه رُشْدِين بن سعد، وحديثه في الرِقاق ونحوها حسن، وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرج البخاري أيضاً من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي ﷺ يعطي رجالاً المائة من الإِبل. فقالوا: يغفرُ لله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطُر من دمائهم؟ قال أنس بن مالك: فحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قُبة أَدَم لم يَدْع معهم غيرهم. فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟» فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا - يا رسول الله - فلم يقولوا شيئاً، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ فقال رسول الله ﷺ «فإني لأعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألَّفهم، أما ترضون أن يذهب لنس بالأموال، وتذهبون بالنبي إِلى رحالكم؟ فوالله لَمَا تنقلبون به خير مما ينقلبون به» . قالوا: يا رسول الله، قد رضينا. فقال له النبي ﷺ «فستجدون أَثَرَة شديدة، فاصبروا حتى تلقَوا الله ورسولَه، فإنِّي على الحوض. قال أنس: فلم يصبروا. وعند أحمد أيضاً من حديث أنس:

стр. 441

قال: «أنتم الشِّعار والناس الدِّثار. أما ترضَوْن أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى دياركم؟» قالو: بلى. قال: «الأنصار كَرِشي وعَيْبتي، لو سلك الناس وادياً وسلكتِ الأنصار شِعباً لسلكتُ شعبهم، ولولا الهجرة لكنت أمرأً من الأنصار» . كذا في البداية. صفة الأنصار ﵃ أخرج العسكري في الأمثال عن أنس ﵁ قال: قُدم على رسول الله ﷺ بمال من البحرين، فتسامعت به المهاجرون والأنصار. فغَدو إلى رسول الله ﷺ وذكر حديثاً طويلاً، وفيه: وقال للأنصار: «إنكم - ما علمتُ - تكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع» . كذا في كنز العمال. وأخر البزار عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة رسول الله ﷺ «إقرأ قومك السلام، وأخبرهم أنهم ما علمتهم أعِفَّةٌ صُبُرٌ» : قال الهيثمي وفيه محمد بن ثابت البُناني وهو ضعيف. وسيأتي ذلك من وجه آخر عن أنس. وأخرجه أبو نُعيم عن أنس ﵁ كما في الكنز. قال دخل أبو طلحة ﵁ على النبي ﷺ في شكواه الذي قُبض فيه. فقال: «إقرأ قومك السلام، فإنهم أعِفَّةٌ صُبُرٌ» . وأخرج الحاكم وقال: صحيح الإِسناد، ولم يخرِّجاه. ووفقه الذهبي فقال: صحيح.

стр. 442

ما قاله ﷺ لسعد بن معاذ عند موته وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن شدّاد ﵁ يقول: دخل رسول الله ﷺ على سعد بن معاذ ﵁ وهو يكيد بنَفْسه - فقال: «جزاك الله خيراً من سيد قوم، فقد أنجزت الله ما وعدته، وليُنْجِزَنَّك الله ما وعدك» . وأخرج الإِمام أحمد، والبزار عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «ما يضر إمرأةً نزلت بين بيتين من الأنصار، أو نزلت بين أبويها» . قال الهيثمي: رجالهما رجال الصحيح. إكرام الأنصار ﵃ وخدمتهم إكرامه ﷺ الأنصار وقصة أسيد بن حضير معه أخرج ابن عدي، والبيهقي، وابن عساكر عن أنس ﵁ قال: جاء أُسيد بن حضير ﵁ إلى النبي ﷺ وقد كان قسم طعاماً، فذكر له أهل بيت من الأنصار من بني ظَفَر فيهم حاجة، وجُلّ أهل ذلك البيت نِسوة. فقال له النبي ﷺ «تركتنا - يا أُسيد - حتى ذهب ما في أيدينا، فإذا سمعت بشيء قد جاءنا، فاذكر لي أهل ذلك البيت» . فجاءه بعد ذلك طعام من خيبر شعيراً وتمراً، فقسم رسول الله ﷺ في الناس، وقسم في الأنصار وأجزل، وقسم في أهل ذلك البيت فأجزل. فقال أُسيد بن حضير متشكِّراً: جزاك الله أيْ نبي الله أطيب الجزاء - أو قال: خيراً - فقال النبي ﷺ «وأنتم معشر الأنصار، فجزاكم الله أطيب الجزاء - أو قال: خيراً، فإنكم ما علمت أعِفَّة صُبُرٌ، وسترون بعدي أَثَرَة في الأمر والقَسْم، فاصبروا حتى تلقَوني على الحوض» . كذا في

стр. 443

كنز العمال. وأخرجه الحاكم أيضاً في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي: صحيح اهـ. وعند الإِمام أحد عن أُسيد بن حضير ﵁ قال: أتاني أهل بيتين من قومي أهل بيت من ظَفَر وأهل بيت من بني معاوية، فقالوا: كلِّم لنا رسول الله ﷺ يَقسم لنا أو يُعطينا أو نحو هذا، فكلمته، فقال: «نعم، أقسم لكل واحد منهم شطراً، فإن عاد الله علينا عدنا عليه» . قال: قلت: جزاك الله خيراً يا رسول الله. قال: «وأنتم فجزاكم الله خيراً؛ فإنكم ما علمتكم أعِفَّةٌ صُبُرٌ، إنكم ستلقون أَثَرَة بعدي» . فلما كان عمر بن الخطاب ﵁ قسم بين الناس فبعث إِليّ منها بحُلّة، فاستصغرتها. فبينا أنا أصلي إذ مرّ بي شاب من قريش عليه حُلَّة من تلك الحلل يجرّها، فذكرت قول رسول الله ﷺ «إنكم ستلقَون أَثَرَةً بعدي» فقلت: صدق الله ورسوله؛ فانطلق رجل إلى عمر ﵁ فأخبره. فجاء وأنا أصلِّي فقال: صلِّ يا أسيد. فلما قضيت صلاتي قال: كيف قلت؟ فأخبرته. فقال: تلك حُلَّة بعثت بها إلى فلان وهو بدريّ أحديّ عَقَبيّ، فأتاه هذا الفتى فابتاعها منه، فلبسها، فظننت أن ذلك يكون في زماني؟ قال قلت: قد - والله - يا أمير المؤمنين، ظننت أن ذلك لا يكون في زمانك. قال الهيثمي: رواه الإِمام أحمد، ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلِّس وهو ثقة اهـ.

стр. 444

قصة محمد بن مسلمة مع عمر ﵄ وأخرج ابن عساكر عن محمد بن مسلمة ﵁ قال: توجَّهت إلى المسجد فرأيت رجلاً من قريش عليه حُلّة، فقلت: من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين. قال: فجاوزت فرأيت رجلاً من قريش عليه حُلَّة، فقلت: من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين. قال: فدخل المسجد فرفع صوته بالتكبير، فقال: الله أكبر، صدق الله ورسوله الله أكبر، صدق الله ورسوله قال: فسمع عمر ﵁ صوته، فبعث إليه أن إئتني. فقال: حتى أصلِّي ركعتين، فردَّ عليه الرسول يعزم عليه لمَّا جاء. فقال محمد بن مسلمة ﵁: وأنا أعزم على نفسي أن لا آتيه حتى أصلِّي ركعتين، فدل في الصلاة. وجاء عمر ﵁ فقعد إلى جنبه. فلما قضى صلاته قال: أخبرني عن رفعك صوتَك في مصلَّى رسول الله ﷺ بالتكبير، وقولك: صدق الله ورسوله ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، أقبلتُ أريد المسجد فاستقبلني فلان بن فلان القرشي عليه حُلّة؛ قلت: من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين. فجاوزت فاستقبلني فلان بن فلان القرشي عليه حُلّة قلت: من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين، فجاوزت فاستقبلني فلان بن فلان الأنصاري عليه حُلَّة دون الحلتين فقلت من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين. إن رسول الله ﷺ قال: «أما إنكم سترون بعدي أثرة» ، وإني لم أحَبَّ أن تكون على يديك يا أمير المؤمنين: قال: فبكى عمر ﵁ ثم قال أستغفر الله ولا أعود. قال: فما رُؤي بعد ذلك اليوم فَضَّلَ رجلاً من قريش على رجل من الأنصار. كذا في كنز العمال. إكرامه ﵇ لسعد بن عبادة ﵁ وأخرج ابن عساكر عن زيد بن ثابت ﵁ قال: دخل سعد بن عبادة ﵁ على رسول الله ﷺ معه إبنه فسلم. فقال رسول الله ﷺ «ها هنا وها هنا» ، وأجلسه عن يمينه، وقال: «مرحباً بالأنصار، مرحباً

стр. 445

بالأنصار» وأقام إبنه بين يديه. فقال رسول الله ﷺ «إجلس» فجلس فقال: «إدنُ» فدنا فقبَّل يدي رسول الله ﷺ ورجلَه. فقال النبي ﷺ «وأنا من الأنصار وأن من فراخ الأنصار» . فقال سعد ﵁: أكرمك الله كما أكرمتنا. فقال: «إنَّ الله أكرمكم قبل كرامتي، إنكم ستلقَون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقَوني على الحوض» . وفيه عاصم بن عبد العزيز الأشجعي. قال الخطيب: ليس بالقوي: كذا في كنز العمال. وكذا قال النِّسائي؛ والدارقطني. وقال البخاري: فيه نظر، قلت: روى عنه علي بن المديني، ووثَّقه معن القزّاز. كذا في الميزان. خدمة جرير أنساً ﵄ وأخرج البغوي، والبيهقي، وابن عساكر، عن أنس ﵁ قال: كان جرير معي في سفر، فكان يخدمني، فقال: إني رأيت الأنصار تصنع برسول الله ﷺ شيئاً، فلا أرى أحداً منهم إلا خدمته. كذا في كنز العمال. نزول أبي أيوب الأنصاري على ابن عباس وخدمته له وأخرج الرُوياني، وابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت أن أبا أيوب أتى معاوية فشكا عليه أن عليه ديناً، فلم يرَ منه ما يحبُّ ورأى ما يكرهه. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنكم سترون بعدي أثَرة» . قال: فأيُّ شيء قال لكم؟ قال: «أصبروا» قال: فاصبروا، فقال: والله لا أسألك شيئاً أبداً. فقدم البصرة فنزل على ابن عباس ﵄ ففرّغ له بيته وقال: لأصنعنّ بك كما صنعتَ برسول الله ﷺ فأمر أهله فخرجوا، وقال: لك ما في البيت كلُّه

стр. 446

وأعطاه أربعين ألفاً. وعشرين مملوكاً. كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً الحاكم من طريق مُقَسِّم - فذكره بمعناه، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد، لم يخرِّجاه. قال الذهبي: صحيح. وأخرجه الطبراني أيضاً كما في المجمع، وفي حديثه: فأتى عبدَ الله بن عباس ﵂ بالبصرة، وقد أمَّره عليها عليّ ﵁. فقال: يا أبا أيوب، إني أريد أن أخرج لك عن مسكني كما خرجت لرسول الله ﷺ فأمر أهله فخرجوا، وأعطاه كل شيء أغلق عليه الدار. فلما كان إنطلاقه قال: حاجتَك. قال: حاجتي عطائي وثمانية أعبد يعملون في أرضي، وكان عطاؤه أربعة آلاف فأضعفها له خمس مرات فأعطاه عشرين ألفاً، وأربعين عبداً. قال الهيثمي: ذكر الحديث - أي الطبراني - بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، إلا أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أبي أيوب ﵁. قلت: وأخرجه الحاكم أيضاً من طريق حبيب بن أبي ثابت هذا، فزاد بعده: عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ فذكر الحديث بسياق الطبراني بطوله، ثم قال قد تقدَّم هذا الحديث بإسناد متصل صحيح، وأعدتُه للزيادات فيه بهذا الإِسناد. انتهى. سعي ابن عباس في قضاء حاجة الأنصار عند الوالي وأخرج الحاكم: عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه وعبد الله بن

стр. 447

فضل بن عباس بن أبي ربيعة بن الحارث أن حسان بن ثابت ﵁ قال: إنا معشر الأنصار طلبنا إِلى عمر أو إلى عثمان - شك ابن أبي الزِّناد - فمشينا بعبد الله بن عباس ﵄ وبنفر معه من أصحاب رسول الله ﷺ فتكلّم ابن عباس وتكلّموا، وذكروا الأنصار ومناقبهم، فاعتلَّ لوالي. قال حسان: وكان أمراً شديداً طلبناه. قال: فما زال يراجعهم حتى قاموا وعذَروه إلا عبد الله بن عباس فإنه قال: لا والله، ما للأنصار من منزل، لقد نصروا وآوَوا وذكر من فضلهم وقال: إنَّ هذا لشاعر رسول الله ﷺ والمنافح عنه، فلم يزل يراجعه عبد الله بكلام جامع يسدّ عليه كل حاجة، فلم يجد بداً من أن قضى حاجتنا. قال: فخرجنا وقد قضى الله حجتنا بكلامه، فأنا آخذ بيد عبد الله أُثني عليه وأدعو له، فمررت في المسجد بالنفر الذين كانوا معه فلم يبلغوا ما بلغ، فقلت حيث يسمعون: إنّه كان أولاكم بنا قالوا: أجل. فقلت لعبد الله؛ إنها - والله - صُبابة النبوّة، ووراثة أحمد ﷺ كان أحقكم بها. قال حسان - وأنا أشير إلى عبد الله -: إذا قال لم يترك مقالاً لقائل بملتفظات لا يُرى بينها فصلا كفى وشفى ما في الصدور فلم يدع لذي إربة في القول جداً ولا هزلا سموتَ إلى العليا بغير مشقَّة فنلت ذراها لا دَنِيا لا وَعْلا وأخرجه أيضاً الطبراني عن حسان بن ثابت ﵁ كما في مجمع الزوائد بنحوه، وفي حديثه: إنه - والله - كان أولادكم بها، إنَّها - والله - صُبابة النبوة، ووراثة أحمد ﷺ ويهديه أعراقه وانتزاع شِبه طباعه. فقال القوم؛ أجمِلْ يا حسان، فقال ابن عباس ﵄ صدقوا، فأنشأ يمدح ابن عباس ﵄ فقال:

стр. 448

إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه رأيتَ له في كل مجمعة فضلاً ثم ذكر الأشعار الثلاثة المذكورة، ثم زاد بعدها: خُلقت حليفاً للمروءة والنَّدَى بليغاً ولم تخلق كَهاماً ولا حَلا فقال الوالي: والله ما أراد بالكهام غيري، والله بيني وبينه. الدعاء للأنصار ﵃ دعاء النبي ﵇ للأنصار وما قاله فيهم أبو بكر في بعض خطبه أخرج الإِمام أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: شقّ على الأنصار النواضح، فاجتمعوا عند النبي ﷺ يسألونه أن يكري لم نهراً سَحّاً، فقال لهم رسول الله ﷺ «مرحباً بالأنصار، مرحباً بالأنصار، مرحباً بالأنصار. لا تسلوني اليوم شيئاً إلا أعطيتكموه؛ ولا أسأل الله لكم شيئاً إلا أعطانيه» فقال بعضهم لبعض: إغتنموها وسلوه المغفرة؛ قالوا: يا رسول الله إدع لنا بالمغفرة. فقال: «اللَّهمّ إغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار» . وفي رواية: «ولأزواج الأنصار» . قال الهيثمي: رواه الإِمام أحمد، والبزار بنحوه، وقال: «مرحباً بالأنصار» ثلاثاً. والطبراني في الأوسط والصغير والكبير بنحوه، وقال: «وللكنائن» . وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح. انتهى.

стр. 449

عند البزّار، والطبراني عن رفاعة بن رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اللَّهمَّ إغفر للأنصار ولذراري الأنصار، ولذراري ذراريهم وجيرانهم» . قال الهيثمي: ورجالهما رجال الصحيح غير هشام بن هارون وهو ثقة. انتهى. وعند الطبراني عن عوف الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اللَّهمَّ إغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولموالي الأنصار» . قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم. انتهى. وعند البزّار عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قول: «الإِيمان يمان، الإِيمان في قحطان، والقسوة في ولد عدنان، حِمْيَر رأس العرب ونابُها، ومَذْحِج همتها وعِصمتها، والأزد كاهلها وجمجمتها، وهَمْدان غاربها وذِروتها اللَّهمَّ أعزُّ الأنصار الذين أقام الله الدين بهم، الذين آوَوْني، ونصروني، وحَمَوني، وهم أصحابي في الدنيا وشيعتي في الآخرة، وأول من يدخل الجنة من أمتي» قال الهيثمي: وإسناده حسن. انتهى. وأخرج ابن أبي الدنيا في الأشراف كما في الكنز عن عثمان بن محمد بن الزبيري قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ في بعض خطبه: نحن - والله - والأنصار كما قال: جزى الله عنا جعفراً حين أشرقت بنا نعلنا للواطئين فزَّلتِ أبَوا يملُّونا ولو أن أمَّنا تُلاقي الذي يلْقَون منَّا لمَلَّتِ

стр. 450

إيثار الأنصار ﵃ في أمر الخلافة قوله ﵇ في قريش أخرج الإِمام أحمد، وابن جرير بإسناد حسن عن حُميد بن عبد الرحمن الحِميري قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ في طائفة المدينة، فجاء فكشف عن وجهه، فقال: فدىً لك أبي وأمي ما أطيبك حيّاً وميّتاً مات محمد وربِّ الكعبة. وانطلق أبو بكر، وعمر ﵄ يتقاودان حتى أتوهم. فتكلم أبو بكر فلم يترك أبو بكر شيئاً فأُنزل في الأنصار، ولا ذكره رسول الله ﷺ في شأنهم إلا ذكره. وقال: لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: «لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار» ولقد علمتَ - يا سعد - أن رسول الله ﷺ قال - وأنت قاعد -: «قريش ولاة هذا الأمر، فبَرُّ الناس تبعٌ لبَرِّهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم» . فقال له سعد ﵁: صدقت. نحن الوزراء وأنتم الأمراء. كذا في الكنز. وقال الهيثمي: رواه الإِمام أحمد - وفي الصحيح طرف من أوله -، ورجاله ثقات إلا أنَّ حُميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر. انتهى.

стр. 451

قصة سقيفة بني ساعدة وأخرج الطيالسي، وابن سعد وابن أبي شيبة، والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ قام خطباء الأنصار، فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين إنَّ رسول الله ﷺ كان إذ استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم والآخر منا؛ فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك. فقام زيد بن ثابت ﵁ فقال: إِن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين وإن الإِمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنّا أنصار رسول الله ﷺ فقام أبو بكر ﵁ فقال: جزاكم الله يا معشر الأنصار خيراً، وثبّت قائلكم؛ ثم قال: أما - والله - لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم. ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه. فذكر الحديث كما في كنز العمال. وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وأحمد ورجاله رجال الصحيح. انتهى. وأخرجه الطبراني عن أبي طلحة ﵁ بنحوه كما في الكنز. وأخرج ابن سعد، وابن جرير عن القاسم بن محمد أن النبي ﷺ لما توفي اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة ﵁. فأتاهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃، فقام حُباب بن المنذر رضي الله عنه

стр. 452

- وكان بدرياً - فقال: منَّا أمير ومنكم أمير، فإنّا - والله - ما نَنْفَس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، ولكنّا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوتهم. فقال له عمر ﵁: إِذا كان ذلك فمُتْ إن استطعت؛ فتكلم أبو بكر ﵁ فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفين كقدِّ الأُبْلُمة - يعني الخوصة - فبايع أولُ الناس بشيرُ بن سعد أبو النعمان ﵁. فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسم بين الناس قَسْماً، فبعث إلى عجوز من بني عدي بن النجار قَسْمها مع زيد بن ثابت ﵁، فقالت: ما هذا؟ قال: قَسْم قسمه أبو بكر للنساء. فقال أتراشوني عن ديني. فقالوا: لا. فقالت: أتخافون أن أدَعَ ما أنا عليه؟ فقالوا: لا. فقالت: فوالله لا آخذ منه شيئاً أبداً. فرجع زيد إلى أبي بكر فأخبره بما قالت: فقال أبو بكر: ونحن لا نأخذ مما أعطيناها شيئاً أبداً. كذا في كنز العمال.

стр. 453

باب الجهاد تحريض النبي ﷺ وترغيبه على الجهاد وإنفاق الأموال خروج النبي ﷺ يوم بدر واستشارته الصحابة وأقوالهم ﵃ أخرج بن أبي حاتم، وابن مردويه - واللفظ له - عن أبي عمران أنه سمع أبا أيوب الأنصاري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة -: «إني أُخبرت عن عِير أبي سفيان أنَّها مقبلة؛ فهل لكم أن نخرج قِبَل هذه العير لعلّ الله يُغَنِّمنَاها؟» فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا. فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا: «ما ترون في القوم فإنهم قد أُخبروا بمخرجكم؟» فلنا: لا - والله - ما لنا طاقة بقتال القوم، ولكنا أردنا العير. ثم قال: «ما ترون في قتال القوم؟» فقلنا مثل ذلك. فقام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: إذاً لا نقول لك - يا رسول الله - كما قال قوم وموسى لموسى ﵇: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلآ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: ٢٤) . قال: فتمنّينا - معشر الأنصار - لو أنّا قلنا مثل ما قال المقداد أحبّ إِلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله على رسوله: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقّ وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَِّرِهُونَ﴾ (الأنفال: ٥) - وذكر تمام الحديث. كذا في البداية وقد ذكره بتمامه في مجمع الزوائد؛ ثم قال:: رواه البزّار بتمامه، والطبراني ببعضه وفيه: عبد العزيز

стр. 454

بن عمران وهو متروك. انتهى. وقد أخرج الإِمام أحمد كما في البداية عن أنس ﵁ قال: إستشار النبي ﷺ مَخْرَجه إِلى بدر، فأشار عليه أبو بكر ﵁، ثم استشارهم فأشار عليه عمر ﵁، ثم استشارهم فقال بعض الأنصار: إياكم يريد رسول الله ﷺ يا معشر الأنصار، فقال بعض الأنصار: يا رسول الله، إذاً لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: «إذهب أنت وربك فقاتلا إِنا ها هنا قاعدون» ، ولكن - والذي بعثك بالحق - لو ضربت أكبادها إلى برك الغِماد لاتَّبعناك. قال ابن كثير: هذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الصحيح. وعند الإِمام أحمد أيضاً من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان. قال: فتكلّم أبو بكر ﵁ فأعرض عنه، ثم تكلّم عمر ﵁ فأعرض عنه. فقال سعد بن عبادة ﵁: إيّانا يريد رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا» ، فندب رسول الله ﷺ الناس. كذا في البداية. وأخرجه ابن عساكر أيضاً عن أنس بنحوه كما في كنز العمال. وأخرج ابن مَرْدَويْه عن علقمة بن وقَّاص الليثي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر حتى إذا كان بالرَّوْحاء خطب الناس فقال: «كيف ترون؟» فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، بَلَغنا أنهم بكذا وكذا. قال ثم خطب الناس فقال: «كيف ترون؟» فقال عمر ﵁ مثل قول أبي

стр. 455

بكر. ثم خطب الناس فقال: «كيف ترون؟» فقال سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله إيانا تريد، فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي بَرك الغِماد من ذي يَمَنٍ لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى ﵇: «إذهب أنت وربك فقاتلا إِنّا ها هنا قاعدون» ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم متَّبعون، ولعلَّ أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامضِ، فصِلْ حبالَ من شئتَ، واقطع حبال من شئتَ، وعاد من شئتَ، وسالم من شئتَ؛ وخذ من أموالنا ما شئت. فنزل القرآن على قول سعد ﵁: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقّ وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَِّرِهُونَ﴾ (الأنفال: ٥) - الآيات. وذكر الأمويُّ في مغازيه، وزاد بعد قوله: وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منَّا كان أحب إِلينا ممّا تركت، وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غُمْدان لنسيرن معك. كذا في البداية. وذكره ابن إسحاق وفي سياقه: قال سعد بن معاذ ﵁: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: «أجل» . قال: فقد آمنّا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامضِ - يا رسول الله - لما أردت فنحن معك، فالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضتَه لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقَى بنا عدونا غداً. إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدْقٌ عند اللقاء، لعل الله يُرِيك منا ما تقرُّ به عينك، فسِرْ على بركة الله. فسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشّطه، ثم قال: «سيروا وأبشروا؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله، لكأنِّي الآن أنظر إلى مصارع القوم» كذا في البداية.

стр. 456

ترغيبه ﷺ في الجهاد قبل المعركة وقول عمير بن الحمام ﵁ وأخرج الإِمام أحمد عن أنس ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بُسْبُساً عيناً ينظر ما صنعتْ عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي ﷺ قال: لا أدري ما استثني من بعض نسائه - قال فحدّثه الحديث. قال: فخرج رسول الله فتكلّم فقال: «إنَّ لن طَلِبَة، فمن كان ظَهْره حاضراً فليركب معنا» . فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في عُلْو المدينة. قال: «لا، إلا من كان ظهره حاضراً» . وانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إِلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ «لا يتقدمّنّ أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» ، فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» . قال: يقول عُمير بن الحُمام والأنصاري ﵁: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» . قال: بَخٍ بَخٍ فقال رسول الله ﷺ «ما يحملك على قول: بَخٍ بَخٍ؟» قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءَ أن أكون من أهلها قال: فإنَّك من أهلها. قال فأخرج تمرات من قَرْنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها حياة طويلة. قال: فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل ﵀. ورواه مسلم أيضاً كذا في البداية. وأخرجه البيهقي أيضاً بطوله: والحاكم مختصراً. وعند ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرَّضهم وقال:

стр. 457

«والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر؛ إلا أدخله الله الجنة» . قال عمير بن الحُمام ﵁ أخو بني سَلِمة وفي يده تمرات يأكلهنَّ -: بَخٍ، بَخٍ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال: ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. وقد ذكر ابن جرير: أن عميراً قاتل وهو يقول: رَكْضاً إلى الله بغير زادِ إلا التُقى وعملِ المعادِ والصبرِ في الله على الجهاد وكلّ زادٍ عُرضةُ النفاد غيرُ التقى والبرّ والرشادِ كذا في البداية. قصة تبوك وما أنفق الصحابة في ذلك من والأموال وأخرح ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: جئت رسول الله ﷺ بعد خروجه من الطائف بستة أشهر، ثم أمره الله بغزوة تبوك، وهي التي ذكر الله في ساعة العسرة، وذلك في حرّ شديد، وقد كثر النفاق كثر أصحاب الصُّفَّة - والصُّفَّة بيت كان لأهل الفاقة يجتمعون فيه، فتأتيهم صدقة النبي ﷺ والمسلمين. وإذا حضر غزو عمد المسلمون إليهم فاحتمل الرجلُ الرجلَ أو ما شاء الله بشبعه؛ فجهزوهم وغزَوا معهم واحتسبوا عليهم - فأمر رسول الله ﷺ المسلمين بالنفقة في سبيل الله والحِسبة؛ فأنفقوا إحتساباً. وأنفق رجال غير محتسبين، وحُمل رجال من فقراء المسلمين وبقي أُناس، وأفضل ما تصدّق به يومئذٍ أُحد عبد الرحمن بن عوف ﵁. تصدّق بمائتين أوقية، وتصدّق عمر بن الخطاب ﵁ بمائة أوقية، وتصدقّ عامر الأنصاري ﵁ بتسعين وَسْقاً من تمر. وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إني لا أرى عبد الرحمن إلا قد احْتَوَب ما ترك لأهله شيئاً. فسأله رسول الله ﷺ «هل

стр. 458

تركت لأهلك شيئاً؟» قال: نعم، أكثر ممّا أنفقت وأطيب. قال: «كم؟» قال: ما وعد الله ورسوله من الرزق والخير. وجاء رجل من الأنصار يقال له أبو عقيل ﵁ بصاع من تمر فتصدّق به. وعمد المنافقون حين رأَوا الصدقات يتغامزون، فإذا كنت صدقة الرجل كثيرة تغامزوا به وقالوا: مرائي. وإذا تصدّق رجل بيسير تمر من طاقته قالوا: هذا أحوج إلى ما جاء به. فلما جاء أبو عقيل بصاع من تمر قال: بِتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير على صاعَين، والله ما كان عندي من شيء غيره - وهو يعتذر وهو يستحيي -، فأتيت بأحدهما وتركت الآخر لأهلي. فقال المنافقون: هذا أفقر إلى صاعه من غيره، وهم في ذلك ينتظرون أن يُصيبوا من الصدقات غنيهم وفقيرهم. فلما أزف خروج رسول الله ﷺ أكثروا الإستئذان، وشكَوا الحرّ، وخافوا - زعموا - الفتنة إِن غزَو ويحلفون بالله على الكذب. فجعل رسول الله ﷺ يأذن لهم لا يدري ما في أنفسهم، وبنى طائفة منهم مسجد النفاق يرصدون به الفاسق أبا عامر - وهو عند هرقل قد لحق به وكنانة بن عبد ياليل، وعلقمة بن عُلاثة العامري - وسورة «براءة» تنزل في ذلك أرسالاً، ونزلت فيها آية ليست فيها رخصة لقاعد. فلما أنزل الله : ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ (براءة: ٤١) ، إشتكى الضعيف الناصح لله ولرسوله والمريض والفقير إِلى رسول الله ﷺ وقالوا: هذا الأمر لا رخصة فيه. وفي المنافقين ذنوب مستورة لم تظهر حتى كان بعد ذلك، وتخلَّف رجال غير مستيقنين ولا ذوي علَّة. ونزلت هذه السورة بالبيان والتفصيل في شأن رسول الله ﷺ تخبر بنبأ من اتَّبعه حتى بلغ تبوك. فبعث منها علقمة بن مُجَزِّر المُدْلجي ﵁ إلى فلسطين، وبعث خالد بن الوليد إلى دُومة الجندل: فقال: أسرعْ لعلَّك أن تجده خارجاً يتقنَّص، فتأخذه؛

стр. 459

فوجده فأخذه. وأرجف المنافقون في المدينة بكل خبر سوء، فإذا بلغهم أنَّ المسلمين أصابهم جَهْد وبلاء تباشروا به وفرحوا وقالوا: قد كنَّا نعلم ذلك ونحذر منه، وإذا أُخبروا بسلامة منهم وخير حزنوا. وعرف ذلك منهم فيهم كل عدو لهم بالمدينة، فلم يبقَ أحد من المنافقين أعرابي ولا غيره إلا استخفى بعمل خبيث ومنزلة خبيثة، واستعلن، ولم يبق ذو علَّة إلا وهو ينظر الفَرَج فيما ينزل الله في كتابه، ولم تزل سورة «براءة» تنزل حتى ظنَّ الناس بالمؤمنين الظنون، وأشفقوا أن لا ينفلت منهم كبير ولا صغير أذنب في شأن التوبة قط ذنباً إلا أُنزل فيه أمر بلاء حتى انقضت. وقد وقع بكل عامل تبيان منزلته من الهدى والضلالة. انتهى. وذكره في كنز العمال عن ابن عساكر وابن عابد - بطوله. إستئذان الجدّ بن قيس عن الغزو وما قاله ﵇ له وما نزل فيه من القرآن وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه قال: ما كان النبي ﷺ يخرج في وجه من مغازيه إلا أظهر أنه يريد غيره؛ غير أنه في غزوة تبوك قال: «يا أيها الناس، إنِّي أريد الروم، فأعلمهم، وذلك في زمان من البأس، وشدة الحرّ، وجدب من البلاد، وحين كانت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها. فبينما رسول الله ﷺ ذات يوم في جَهازه ذلك قال للجَدّ بن قيس: «يا جدّ، هل لك في جِلاد بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، إئذن لي ولا تفتنِّي، لقد علم

стр. 460

قومي أنَّه ليس من أحد أشدّ عجباً بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يَفْتِنَّني، فأْذن لي يا رسول الله، فأعرض عنه وقال: «قد أذنت لك» . فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ (التوبة: ٤٩) ، يقول ما وقع فيه من الفتنة بتخلّفه عن رسول الله ﷺ ورغبته بنفسه عن نفسه (أعظم) ما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر: «وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» يقول لِمَنْ ورائه. وقال رجل من جملة المنافقين: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: ٨١) . قال: ثم إنَّ رسول الله ﷺ جدّ في سفره، وأمر الناس بالجهاد، وحضّ أهل الغنى على النفقة والحُملان في سبيل الله. فحمل رجال من أهل الغنى وأحسنوا؛ وأنفق عثمان ﵁ في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها، وحمل على مائتي بعير. كذا في التاريخ لابن عساكر وأخرجه البيهقي السِيَر عن عروة ﵁ مختصراً. وذكره في البداية عن ابن إسحاق عن الزُّهري ويزيد ابن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر - بنحوه. وأخرجه الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: لما أراد النبي ﷺ أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجدّ بن قيس: «ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟» قال: يا رسول الله، إِنِّي أمرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، أفتأذن لي في الجلوس ولا تَفْتِنِّي؟ فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ (التوبة: ٤٩) . قال الهيثمي: وفيه يحيى
следующие страницы →