Полный текст (1 779 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ترغيبه ﷺ في الجهاد قبل المعركة وقول عمير بن الحمام ﵁
وأخرج الإِمام أحمد عن أنس ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بُسْبُساً عيناً ينظر ما صنعتْ عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي ﷺ قال: لا أدري ما استثني من بعض نسائه - قال فحدّثه الحديث. قال: فخرج رسول الله فتكلّم فقال: «إنَّ لن طَلِبَة، فمن كان ظَهْره حاضراً فليركب معنا» . فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في عُلْو المدينة. قال: «لا، إلا من كان ظهره حاضراً» . وانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إِلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله ﷺ «لا يتقدمّنّ أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه» ، فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» . قال: يقول عُمير بن الحُمام والأنصاري ﵁: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» . قال: بَخٍ بَخٍ فقال رسول الله ﷺ «ما يحملك على قول: بَخٍ بَخٍ؟» قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءَ أن أكون من أهلها قال: فإنَّك من أهلها. قال فأخرج تمرات من قَرْنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها حياة طويلة. قال: فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل ﵀. ورواه مسلم أيضاً كذا في البداية. وأخرجه البيهقي أيضاً بطوله: والحاكم مختصراً.
وعند ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرَّضهم وقال:
стр. 457
«والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر؛ إلا أدخله الله الجنة» . قال عمير بن الحُمام ﵁ أخو بني سَلِمة وفي يده تمرات يأكلهنَّ -: بَخٍ، بَخٍ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ قال: ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل. وقد ذكر ابن جرير: أن عميراً قاتل وهو يقول:
رَكْضاً إلى الله بغير زادِ
إلا التُقى وعملِ المعادِ
والصبرِ في الله على الجهاد
وكلّ زادٍ عُرضةُ النفاد
غيرُ التقى والبرّ والرشادِ
كذا في البداية.
قصة تبوك وما أنفق الصحابة في ذلك من والأموال
وأخرح ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: جئت رسول الله ﷺ بعد خروجه من الطائف بستة أشهر، ثم أمره الله بغزوة تبوك، وهي التي ذكر الله في ساعة العسرة، وذلك في حرّ شديد، وقد كثر النفاق كثر أصحاب الصُّفَّة - والصُّفَّة بيت كان لأهل الفاقة يجتمعون فيه، فتأتيهم صدقة النبي ﷺ والمسلمين. وإذا حضر غزو عمد المسلمون إليهم فاحتمل الرجلُ الرجلَ أو ما شاء الله بشبعه؛ فجهزوهم وغزَوا معهم واحتسبوا عليهم - فأمر رسول الله ﷺ المسلمين بالنفقة في سبيل الله والحِسبة؛ فأنفقوا إحتساباً. وأنفق رجال غير محتسبين، وحُمل رجال من فقراء المسلمين وبقي أُناس، وأفضل ما تصدّق به يومئذٍ أُحد عبد الرحمن بن عوف ﵁. تصدّق بمائتين أوقية، وتصدّق عمر بن الخطاب ﵁ بمائة أوقية، وتصدقّ عامر الأنصاري ﵁ بتسعين وَسْقاً من تمر. وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إني لا أرى عبد الرحمن إلا قد احْتَوَب ما ترك لأهله شيئاً. فسأله رسول الله ﷺ «هل
стр. 458
تركت لأهلك شيئاً؟» قال: نعم، أكثر ممّا أنفقت وأطيب. قال: «كم؟» قال: ما وعد الله ورسوله من الرزق والخير. وجاء رجل من الأنصار يقال له أبو عقيل ﵁ بصاع من تمر فتصدّق به. وعمد المنافقون حين رأَوا الصدقات يتغامزون، فإذا كنت صدقة الرجل كثيرة تغامزوا به وقالوا: مرائي. وإذا تصدّق رجل بيسير تمر من طاقته قالوا: هذا أحوج إلى ما جاء به. فلما جاء أبو عقيل بصاع من تمر قال: بِتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير على صاعَين، والله ما كان عندي من شيء غيره - وهو يعتذر وهو يستحيي -، فأتيت بأحدهما وتركت الآخر لأهلي. فقال المنافقون: هذا أفقر إلى صاعه من غيره، وهم في ذلك ينتظرون أن يُصيبوا من الصدقات غنيهم وفقيرهم.
فلما أزف خروج رسول الله ﷺ أكثروا الإستئذان، وشكَوا الحرّ، وخافوا - زعموا - الفتنة إِن غزَو ويحلفون بالله على الكذب. فجعل رسول الله ﷺ يأذن لهم لا يدري ما في أنفسهم، وبنى طائفة منهم مسجد النفاق يرصدون به الفاسق أبا عامر - وهو عند هرقل قد لحق به وكنانة بن عبد ياليل، وعلقمة بن عُلاثة العامري - وسورة «براءة» تنزل في ذلك أرسالاً، ونزلت فيها آية ليست فيها رخصة لقاعد. فلما أنزل الله : ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ (براءة: ٤١) ، إشتكى الضعيف الناصح لله ولرسوله والمريض والفقير إِلى رسول الله ﷺ وقالوا: هذا الأمر لا رخصة فيه. وفي المنافقين ذنوب مستورة لم تظهر حتى كان بعد ذلك، وتخلَّف رجال غير مستيقنين ولا ذوي علَّة. ونزلت هذه السورة بالبيان والتفصيل في شأن رسول الله ﷺ تخبر بنبأ من اتَّبعه حتى بلغ تبوك. فبعث منها علقمة بن مُجَزِّر المُدْلجي ﵁ إلى فلسطين، وبعث خالد بن الوليد إلى دُومة الجندل: فقال: أسرعْ لعلَّك أن تجده خارجاً يتقنَّص، فتأخذه؛
стр. 459
فوجده فأخذه.
وأرجف المنافقون في المدينة بكل خبر سوء، فإذا بلغهم أنَّ المسلمين أصابهم جَهْد وبلاء تباشروا به وفرحوا وقالوا: قد كنَّا نعلم ذلك ونحذر منه، وإذا أُخبروا بسلامة منهم وخير حزنوا. وعرف ذلك منهم فيهم كل عدو لهم بالمدينة، فلم يبقَ أحد من المنافقين أعرابي ولا غيره إلا استخفى بعمل خبيث ومنزلة خبيثة، واستعلن، ولم يبق ذو علَّة إلا وهو ينظر الفَرَج فيما ينزل الله في كتابه، ولم تزل سورة «براءة» تنزل حتى ظنَّ الناس بالمؤمنين الظنون، وأشفقوا أن لا ينفلت منهم كبير ولا صغير أذنب في شأن التوبة قط ذنباً إلا أُنزل فيه أمر بلاء حتى انقضت. وقد وقع بكل عامل تبيان منزلته من الهدى والضلالة. انتهى. وذكره في كنز العمال عن ابن عساكر وابن عابد - بطوله.
إستئذان الجدّ بن قيس عن الغزو وما قاله ﵇ له وما نزل فيه من القرآن
وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه قال: ما كان النبي ﷺ يخرج في وجه من مغازيه إلا أظهر أنه يريد غيره؛ غير أنه في غزوة تبوك قال: «يا أيها الناس، إنِّي أريد الروم، فأعلمهم، وذلك في زمان من البأس، وشدة الحرّ، وجدب من البلاد، وحين كانت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها. فبينما رسول الله ﷺ ذات يوم في جَهازه ذلك قال للجَدّ بن قيس: «يا جدّ، هل لك في جِلاد بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، إئذن لي ولا تفتنِّي، لقد علم
стр. 460
قومي أنَّه ليس من أحد أشدّ عجباً بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يَفْتِنَّني، فأْذن لي يا رسول الله، فأعرض عنه وقال: «قد أذنت لك» . فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ (التوبة: ٤٩) ، يقول ما وقع فيه من الفتنة بتخلّفه عن رسول الله ﷺ ورغبته بنفسه عن نفسه (أعظم) ما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر: «وإن جهنم لمحيطة بالكافرين» يقول لِمَنْ ورائه. وقال رجل من جملة المنافقين: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: ٨١) . قال: ثم إنَّ رسول الله ﷺ جدّ في سفره، وأمر الناس بالجهاد، وحضّ أهل الغنى على النفقة والحُملان في سبيل الله. فحمل رجال من أهل الغنى وأحسنوا؛ وأنفق عثمان ﵁ في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها، وحمل على مائتي بعير. كذا في التاريخ لابن عساكر وأخرجه البيهقي السِيَر عن عروة ﵁ مختصراً. وذكره في البداية عن ابن إسحاق عن الزُّهري ويزيد ابن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر - بنحوه.
وأخرجه الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: لما أراد النبي ﷺ أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجدّ بن قيس: «ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟» قال: يا رسول الله، إِنِّي أمرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، أفتأذن لي في الجلوس ولا تَفْتِنِّي؟ فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ (التوبة: ٤٩) . قال الهيثمي: وفيه يحيى
стр. 461
الحِمَّاني وهو ضعيف.
بَعْثه ﵇ الصحابة للإستنفار في سبيل الله إلى القبائل وإلى مكة
وذكر ابن عساكر: أن رسول الله ﷺ بعث إِلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوّهم، فبعث بُرَيدة بن الحُصَيب ﵁ إلى أسْلَمَ وأمره أن يَبْلغ الفُرْع، وبعث أبا رُهْم الغِفاري ﵁ إلى قومه وأمره أن يطلبهم ببلادهم، وخرج أبو واقد الليثي ﵁ في قومه، وخرج أبو جعد الضَّمري ﵁ في قومه بالساحل، وبعث رافع بن مَكِيث وجند بنَ مكِيث ﵄ إلى جُهَينة، وبعث نُعَيم بن مسعود ﵁ إلى أشْجَعَ، وبعث في بني كعب بن عمرو عِدَّةً، وهم: بُدَيل بن ورقاء، وعمرو بن سالم، وبِشر بن سفيان ﵃، وبعث في سُلَيم عهدْةً، منهم العباس بن مرداس ﵁.
إنفاق الصحابة ﵃ المال في غزوة تبوك
وحضَّ رسول الله ﷺ المسلمين على الجهاد ورغَّبهم فيه، وأمرهم بالصدقة. فحملوا صدقات كثيرة، وكان أولَ من حمل أبو بكر الصديق ﵁، فجاء بماله كله؛ أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله ﷺ «هل أبقيت لأهلك شيئاً؟» فقال: الله ورسوله أعلم. ثم جاء عمر ﵁ بنصف ماله. فقال رسول الله ﷺ هل أبقيت لأهلك شيئاً؟ قال: نعم، نصف ما جئت به. وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر الصديق، فقال: ما استبقنا
стр. 462
إلى خير قط إلا سبقني إليه. وحمل العباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله ﵄ إلى النبي ﷺ مالاً، وحمل عبد الرحمن بن عوف ﵁ إليه مائتي أوقية، وحمل سعد بن عُبادة ﵁ إِليه مالاً، وكذلك محمد بن مَسْلمة ﵁، وتصدَّق عاصم بن عدي ﵁ بتسعين وَسْقاً تمراً، وجهّز عثمان بن عفّان ﵁ ثلث ذلك الجيش، وكان من أكثرهم نفقة حتى كفى ثلث ذلك الجيش مؤونتهم؛ حتى إِنْ كان ليُقال ما بقيت لهم حاجة، حتى كفاهم إِشفي أسقيتهم؛ فيقال إنَّ رسول الله ﷺ قال يومئذٍ: «ما يضر عثمانَ ما فعل بعد هذا» .
ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف واحتسبوا في ذلك الخير، وقوي ناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى إنَّ الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، حتى إنْ كنّ النساءُ ليُعِنَّ بكل ما قَدَرْن عليه. لقد قالت أم سِنَان الأسلمية ﵂: لقد رأيت ثوباً مبسوطاً بين يدي النبي ﷺ في بيت عائشة ﵂ فيه؛ مَسَكٌ، ومعاضِدُ، وخلاخلُ، وأقُرِطةٌ، وخواتيمُ، وقد مُلىء ممَّا بعث من النساء يُعِنَّ به المسلمين في جهَازهم، والناس في عُسْرة شديدة وحين طابت الثمار وأُحبّت الظِّلال، فالناس يحبُّون المقام ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه. وأخذ رسول الله ﷺ بالإنكماش والجدِّ، وضرب رسول الله عسكره بثَنِيَّة الوَداع، والناس كثير لا يجمعهم كتاب؛ قلَّ رجل يريد أن يتغيّب إلا ظَنَّ أن ذلك سيخفَى له ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله.
стр. 463
فلما استمرّ برسول الله ﷺ سفره وأجمع السير، إستخلف على المدينة سِباع بن عُرْفُطة الغِفاري - ويقال محمد بن مَسْلمة ﵄ فقال رسول الله ﷺ «أستكثروا من النِّعال، فإنَّ الرجل لا يزال راكباً ما دام متنعِّلاً» . فلمَّا سار رسول الله ﷺ تخلَّف ابن أُبيّ عنه فيمن تخلَّف من المنافقين، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جَهْد الحال والحرّ والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ ونافق من هو معه على مثل رأيه. ثم قال ابن أُبيّ: والله، لكأنِّي أنظر إلى أصحابه غداً مُقَرَّنين في الحبال - إِرجافاً برسول الله ﷺ وأصحابه -. فلمَّا رحل رسول الله ﷺ من ثنيّة الوَداع إِلى تبوك وعقد الألوية والرايات دفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر، ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إِلى أُسَيد بن الحُضَير؛ ولواء الخزرج إلى أبي دُجَانة ويقال إلى الحُباب بن المنذر رضوان الله عليهم أجمعين. وكان الناس مع رسول الله ﷺ ثلاثين ألفاً، ومن الخيل عشرة آلاف فرس، وأمر كل بَطْن من الأنصار أن يتَّخذ لواءه ورايته، والقبائل من العرب فيها الراياتُ والألوية. انتهى بحذف يسير.
إهتمامه ﷺ ببَعْث أسامة ﵁ في مرض وفاته وشدة إهتمام أبي بكر ﵁ بذلك في أول خلافته بَعْث أسامة وانتداب الأوّلين فيه وإنكاره ﷺ على من طعن في تأميره أسامة
أخرج ابن عساكر من طريق الزُّهري عن عُرْوة عن أسامة بن زيد رضي
стр. 464
الله عنهما: أنَّ النبي ﷺ أمره أن يُغير على أهل أُبْنَى صباحاً وأن يحرِّق. ثم قال رسول الله ﷺ لأسامة: «إمضِ على إسم الله» . فخرج بلوائه معقوداً، فدفعه إلى بُرَيدة بن الحُصَيب الأسلمي، فخرج به إلى بيت أُسامة. وأمرت أُسامة فعسكر بالجُرف، وضرب عسكره في موضع سقاية سليمان اليوم. وجعل الناس يأخذون بالخروج؛ فيخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره، ومن لم يقضِ حاجته فهو على فراغ. ولم يبق أحد من المهاجرين الأوَّلين إلا انتُدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، في رجال المهاجرين. والأنصار عِدَّة: قتادة بن النعمان، وسَلَمة بن أسلم بن حريش ﵃.
فقال رجال من المهاجرين - وكان أشدهم في ذلك قولاً عيَّاش بن أبي ربيعة -: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين فكثرت القالة في ذلك. فسمع عمر بن الخطاب ﵁ بعض ذلك القول، فردَّه على من تكلم به، وجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره بقول من قال، فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً - وقد عصب على رأسه بعصابة وعليه قطيفة - ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد أيها الناس: فما مقالةٌ بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ فوالله لئن طَعَنتم في إمارتي أسامة، لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله. وايْمُ الله، إنْ كان للإِمارة لخَليق، وإنَّ ابنه من بعده لخليق بالإِمارة. وإِنْ كان لأحبَّ الناس إِليّ، وإِنَّ هذا لمن أحب الناس إليّ، وإنهما لمخيَّلان لكل خير، فاستوصوا به خيراً، فإنه من خياركم. ثم نزل رسول الله ﷺ فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر ليالٍ خَلَون من ربيع الأول.
стр. 465
وجاء المسلمون الذين سيخرجون مع أسامة ﵁ يودّعون رسول الله ﷺ وفيهم عمر بن الخطاب ﵁، ورسول الله ﷺ يقول: «أنْفِذوا بَعْث أُسامة» . ودخلت أم أيمن ﵂ فقالت: أيْ رسول الله، لو تركتَ أُسامة يقيم في معسكره حتى تَماثل، فإن أُسامة إن خرج على حاله هذه لم ينتفع بنفسه.
فقالت: «أَنفِذُوا بَعْثَ أُسامة» . فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد، ونزل أُسامة يوم الأحد، ورسول الله ﷺ ثقيل مَغْمور وهو اليوم الذي لَدُّوه فيه، فدخل على رسول الله ﷺ وعيناه تهملان وعنده العباس والنساء حوله، فطأطأ عليه أُسامة فقبَّله - ورسول الله ﷺ لا يتكلّم -، فجعل يرفع يديه إلى السماء، ويصبُّهما على أُسامة. قال أُسامة: فأعرف أنَّه كان يدعو لي. قال أُسامة: فرجعت إلى معسكري. فلما أصبح يوم الإِثنين غدا من معسكره وأصبح رسول الله ﷺ مُفيقاً، فجاءه أُسامة، فقال: «أُغْدُ على بركة الله» فودّعه أُسامة ورسول الله ﷺ مفيق، وجعل نساؤه يتماشطن سروراً براحته. ودخل أبو بكر ﵁، فقال: يا رسول الله، أصبحت مُفيقاً بحمد الله، واليومُ يوم إبنة خارجة، فأُذنْ لي، فأذن له، فذهب إلى السُّنْح وركب أُسامة إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر، فانتهى إلى معسكره، ونزل وأمر الناس بالرحيل وقد مَتَع النهار.
وفاة الرسول ﷺ ودخول الصحابة المدينة
فبينا أُسمة يريد أن يركب من الجُرف أتاه رسول أُم أيمن ﵂ وهي أُمه - تخبره أنَّ رسول الله ﷺ يموت، فأقبل أُسامة إلى المدينة ومعه عمر، وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو يموت، فتوفي ﵇ حين زاغت الشمس يوم الإِثنين لإثنتي عشرة ليلةً خَلَت من ربيع الأول. ودخل
стр. 466
المسلمون الذين عسكروا بالجُرْف إلى المدينة، ودخل بُرَيدة بن الحُصَيب ﵁ بلواء أُسامة معقوداً حتى أتى به باب رسول الله ﷺ فغرزه عنده. فلمَّا بُويع لأبي بكر أمر بُرَيدة أن يذهب باللواء إلى بيت أُسامة ولا يَحُلّه أبداً حتى يغزو بهم أُسامة. قال بريدة: فخرجت باللواء حتى انتهيت به إلى بيت أُسامة، ثم خرحت به إلى الشام معقوداً مع أُسامة، ثم رجعت به إلى بيت أُسامة، فما زال معقوداً في بيته حتى توفي.
إصرار أبي بكر ﵁ على بَعْث أسامة إمتثالاً لأمره ﵇
فلما بلغ العربَ وفاةُ رسول الله ﷺ وارتد من ارتد منها عن الإِسلام؛ قال أبو بكر لأسامة: (انفُذ في وجهك الذي وجَّهك فيه رسول الله ﷺ وأخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بُرَيدة باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول. فشقَّ ذلك على كبار المهاجرين الأوَّلين، ودخل على أبي بكر، عمر، وعثمان، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، سعيد بن زيد ﵃، فقالوا: يا خليفة رسول الله، إنّ العرب قد انتقضت عليك من كل جانب، وإنَّك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئاً، إجعلهم عدّة لأهل الردّة ترمي بهم في نحورهم، وأُخرى: لا نأمن على أهل المدينة أن يُغار عليها وفيها الذراري والنساء، ولو تأخرت لغزو الروم حتى يضرب الإِسلام بجِرَانه، ويعود أهل الرّدة إلى ما خرجوا منه أو يُفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذٍ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا.
فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئاً؟ قالوا: لا، قد سمعتَ مقالتنا. فقال: والذي نفسي بيده، لو ظننتُ أنَّ السِباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البَعْث، ولا بد أن يؤوب منه، كيف ورسول الله
стр. 467
صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفِذوا حيش أسامة ولكن خصلة أكلّم بها أسامة، أكلِّمه في عمر يقيم عندنا فإنّه لا غنى بنا عنه؛ والله ما أدري يفعل أسامة أم لا، والله إن أبى لا أكرهه. فعرف القوم أن أبا بكر قد عزم على إِنفاذ بعث أسامة.
ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته وكلّمه في أن يترك عمر، ففعل، وجعل يقول له؛ أذنتَ ونفسك طيبة؟ فقال أسامة: نعم. قال: فخرج، وأمر مناديه ينادي: عَزْمةٌ مني أن لا يتخلَّف عن أسامة مِنْ بَعْثه مَنْ كان انتدب معه في حياة رسول الله ﷺ فإنِّي لن أُوتي بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشياً. وأرسل إلى النَّفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في إِمارة أسامة، فغلَّظ عليهم وأخذهم بالخروج، فلم يتخلَّف إنسان واحد.
وخرج أبو بكر يُشيِّعُ أسامة والمسلمين، فلما ركب من الجُرف في أصحابه وهم ثلاثة آلاف رجل، وفيهم ألف فرس، فسار أبو بكر إلى جنب أسامة ساعة ثم قال: (أستودُع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك إنَّ رسول الله ﷺ أوصاك، فانفُذ لأمر لأمر رسول الله، فإني ليست آمرك ولا أنهاك عنه، إنا أن مُنَفِّذ لأمْر أمَر به رسول الله ﷺ . فخرج سريعاً فوطىء بلاداً هادئة لم يرجعوا عن الإِسلام مثل جُهَينة وغيرها من قُضاعة. فلما نزل وادي القُرى قدَّم عيناً له من بني عُذْرة يدعى حُرَيثاً، فخرج على صدر رحلته أمامه فغزا حتى انتهى إلى أبنى، فنظر إلى ما هناك وارتاد الطريق، ثم رجع سريعاً حتى لقي أسامة على مسيرة ليلتين من أُبْنى، فأخبره أنَّ الناس غارُّون ولا جموع لهم، وأمره أن يسرع السير قبل أن تجتمع الجموع، وأن يشنّها غارة. كذا في مختصر
стр. 468
ابن عساكر. وقد ذكره في كنز العمال عن ابن عساكر من طريق الواقدي عن أسامة ﵁. وأشار إليه الحافظ في فتح الباري.
إستئذان أسامة للرجوع إلى المدينة وإنكار أبي بكر عليه وقصته مع عمر في هذا
وأخرج بن عساكر أيضاً عن الحسن بن أبي الحسن قال: ضرب رسول الله ﷺ بَعْثاً قبل وفاته على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب ﵁ وأمَّر عليهم أسامة بن زيد ﵁، فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله ﷺ فوقف أسامة بالناس، ثم قال لعمر: إرجع إلى خليفة رسول الله ﷺ فاستأذنه؛ يأذن لي فليرجع الناس، فإنَّ معي وجوههم وحدَّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله ﷺ وَثَقَل رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون. وقالت الأنصار: فإن أبى إلا أن نمضي فأبلغه عنَّا واطلب إليه أن يولِّي أمرنا رجلاً أقدم سِنّاً من أسامة. فخرج عمر بأمر أسامة، فأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة. فقال أبو بكر: لو اختطفتني الكلاب والذئاب لم أردَّ قضاءً قضاه رسول الله ﷺ قال: فإن الأنصار أمروني أن أبْلِغك أنهم يطلبون إليك أن تولِّي أمرهم رجلاً أقدم سنّاً من أسامة، فوثب أبو بكر - وكان جالساً - فأخذ بلحية عمرَ وقال: ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب إستعمله رسول الله ﷺ وتأمرني أن أنزِعه؟ فخرج عمر إلى الناس؛ فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: أمضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت في سببكم اليوم من خليفة رسول الله.
стр. 469
مشايعة أبي بكر جيش أسامة
ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشجعهم وشيّعهم، وهو ماش وأسامة راكب، وعبدا لرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر ﵃، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، لتركبنّ أو لأنزلنّ، فقال: والله لا تنزل، ووالله لا أركب؛ وما عليّ أن أغبِّر قدميَّ ساعة في سبيل الله، فإنَّ للغازي بكل خطوة يخطوها سبع مائة حسنة تكتب له، وسبع مائة درجة ترفع له، وتُمحى عنه سبع مائة خطيئة حتى إذا انتهى. قال له: إنْ رأيت أن تعينني بعمر بن الخطاب فافعل، فأذن له. كذا في مختصر ابن عساكر، وكنز العمال. وذكره في البداية عن سَيْف عن الحسن مختصراً.
إنكار أبي بكر على المهاجرين والأنصار إذ كلموه في إمساك جيش أسامة
وأخرج ابن عساكر أيضاً عن عروة قال: لما فرغوا من البَيْعة واطمأن الناس، قال أبو بكر لأسامة: (إمضِ لوجهك الذي بعثك له رسول الله ﷺ . فكلَّمه رجال من المهاجرين والأنصار وقالوا: أمسك أسامة وبَعْثه، فإنَّ نخشى أن تميل علينا العرب إِذا سمعوا بوفاة رسول الله ﷺ فقال أبو بكر - وكان أحزمَهم أمراً -: أنا أحبس جيشاً بعثه رسول الله ﷺ لقد اجترأت على أمر عظيم والذي نفسي بيده، لأن تميل عليّ العرب أحبُّ إليَّ من أن أحبس جيشاً بعثه رسول الله ﷺ إمضِ يا أسامة في جيشك للوجه الذي أمرت به، ثم أغزُ حيث أمرك رسول الله ﷺ من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة، فإنَّ الله سيكفي ما تركت، ولكن إنْ رأيتَ أن تأذن لعمر بن الخطاب فأستشيره وأستعين به، فإنه ذو رأي ومناصح للإِسلام، فافعل، ففعل أُسامة. ورجع عامة العرب عن دينهم، وعامة أهل المشرق وغَطَفان وبنو أسد، وعامة أشْجَع،
стр. 470
وتمسك طيّء بالإِسلام.
وقال عامة أصحاب النبي ﷺ أمسك أُسامة وجيشه، ووجّهْهم إلى من ارتد عن الإِسلام من غَطَفان وسائر العرب. فأبى أبو بكر أن يحبس أسامة وجيشه، وقال: إنكم قد علمتم أنه قد كان من عَهْد رسول الله ﷺ إليكم في المشورة، فيما لم يمضِ من نبيكم فيه سنة، ولم ينزل عليكم به كتاب، وقد أشرتم وسأشير عليكم فانظروا أرشدَ ذلك فأتمروا به، فإن الله لن يجمعكم على ضلالة؛ والذي نفسي بيده، ما أرى من أمر أفضل في نفسي من جهاد مَنْ منع منا عِقالاً كان يأخذه رسول الله ﷺ فانقاد المسلمون لرأي أبي بكر، ورأوا أنَّه أفضل من رأيهم. فبعث أبو بكر حينئذٍ أسامة بن زيد لوجهه الذي أمره به رسول الله ﷺ فأصيب في الغزو مصيبة عظيمة، وسلَّمه الله وغنَّمه هو وجيشه وردّهم صالحين. وخرج أبو بكر ﵁ في المهاجرين والأنصار حين خرج أسامة، وهربت الأعراب بذراريهم. فلما بلغ المسلمين هربُ الأعراب بذراريهم، كلّموا أبا بكر وقالوا: إرجع إلى المدينة وإلى الذراري والنساء، وأمِّرْ رجلاً من أصحابك على الجيش وعهد إليه بأمرك، فلم يزل المسلمون بأبي بكر حتى رجع، وأمّر خالد بن الوليد ﵁ على الجيش، فقال له: إذا أسلموا وأعطَوا الصدقة؛ فمن شاء منكم أن يرجع فليرجع؛ ورجع أبو بكر إلى المدينة. كذا في مختصر ابن عساكر. وذكره في الكنز.
وقد ذكره في البداية عن سيف بن عمر عن هشام بن عروة عن أبيه ﵄، قال: لما بويع أبو بكر وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه وقال: ليتمّ بعث
стр. 471
أسامة، وقد ارتدّت العرب إمّا عامة وإمّا خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيِّهم ﷺ وقلّتهم وكثرة عدوّهم. فقال له الناس: إن هؤلاء جلّ المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت بك، وليس ينبغي لك أن تفرِّق عنك جماعة المسلمين. فقال: (والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننتُ أنَّ السبع تخطَفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته) قال ابن كثير: وقد رُوي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂. ومن حديث القاسم وعَمْرة عن عائشة ﵂ قالت: لما قُبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب قاطبة واشرأبَّ النفاق، والله لقد نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها، وصار أصحاب محمد ﷺ كأنهم مِعزى مطيرة في حش في ليلة مطيرة بأرض مُسْبِعة، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بخَطَلِها وعِنانها وفَصْلها. انتهى. وقد أخرجه الطبراني عن عائشة ﵂ بنحوه. قال الهيثمي رواه الطبراني من طرق، ورجال أحدها ثقات.
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أنَّ أبا بكر ﵁ أستُخلف ما عُبد الله ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة. فقيل له: مَهْ يا أبا هريرة. فقال: إِن رسول الله ﷺ وجَّه أسامة بن
стр. 472
زيد في سبع مائة إلى الشام. فلمَّا نزل بذي خُشُب قُبض رسول الله ﷺ وارتدت العرب حول المدينة. فاجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر رُدّ: هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيره لو جرّت الكلابُ بأرجلِ أزواج رسول الله ﷺ ما ردَدْتُ جيشاً وجَّهه رسول الله ولا حللتُ لواءً عقده رسول الله. فوجَّه أسامة، فجعل لا يمرُّ بقبيل يريدون الإرتداد إِلا قالوا: لولا أنَّ لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقَوا الروم، فلقَوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإِسلام. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الصابوني في المائتين كما في الكنز، وابن عساكر كما في المختصر عن أبي هريرة ﵁ بنحوه. قال ابن كثير: عبَّاد بن كثير - أي قي إسناده - هذا أظنه البرمكي لرواية الفِرْيابي عنه، وهو متقارب الحديث، فأما البَصْري الثَّقَفي فمتروك الحديث. انتهى. وقال في كنز العمال: وسنده - أي حديث أبي هريرة - حسن. انتهى.
قول أبي بكر عند وفاته لعمر ﵄
وأخرج ابن جرير الطبري من طريق سيف: أنَّ أبا بكر مرض بعد مخرج خالد إلى الشام مرضته التي مات فيها بأشهر. فقدم المثنَّى ﵁ وقد أشْفى وعقد لعمر ﵁ فأخبره الخبر. فقال؛ عليّ بعمر. فجاء فقال له: إسمع يا عمر ما أقول لك ثم إعمل به، إنِّي لأرجو أن أموت من يومي هذا - وذلك يوم الإِثنين -، فإن أنا متُّ فلا تمسينّ حتى تندب الناس مع
стр. 473
المثنَّى، وإن تأخّرتُ إلى الليل فلا تصبحنّ حتى تندب الناس مع المثنَّى، ولا يشغلنَّكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني مُتَوفَّى رسول الله ﷺ وما صنعتُ ولم يُصعب الخلق بمثله، وبالله لو أنّي أَني عن أمر الله وأمر رسوله لخَذَلنا ولعاقَبَنا، فاضطرمت المدينة ناراً. انتهى.
إهتمام أبي بكر الصديق ﵁ لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة مشاورة أبي بكر المهاجرين والأنصار في القتال وخطبته في هذا الشأن
أخرج الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر ﵄ قال: لما قبض النبي ﷺ إشرأبَّ النفاق بالمدينة، وارتد العرب وارتدت العجم، وأبرقت وتواعدوا نهاوند، وقالوا: قد مات هذا الرجل الذي كانت العرب تُنصر به. فجمع أبو بكر ﵁ المهاجرين والأنصار وقال: إنَّ هذه العرب قد منعوا شاتهم وبعيرهم ورجعوا عن دينهم، وإِنَّ هذه العجم قد تواعدوا نهاوند ليجمعوا لقتالكم، وزعموا أنَّ هذا الرجل الذي كنتم تُنصرون به قد مات، فأشيروا عليّ فما أنا إلا رجلٌ منك، وإنِّي أثقلكم حِملاً لهذه البليّة فأَطرقوا طويلاً، ثم تكلّم عمر بن الخطاب ﵁ فقال: أرى - والله - يا خليفة رسول الله أن تقبل من العرب الصلاة وتدع لهم الزكاة، فإنَّهم حديثو عهد بجاهلية لم يُعدَّهم الإِسلام، فإمَّا أن يردَّهم الله عنه إِلى خير، وإما أن يعزّ الله الإِسلام فنقوى على قتالهم، فما لبقية المهاجرين والأنصار يَدان للعرب والعجم قاطبة. فالتفت إلى عثمان ﵁ فقال مثل ذلك، وقال علي ﵁ مثل ذلك، وتابعهم المهاجرون. ثم التفت إِلى الأنصار فتابعوهم. فلما رأى ذلك صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
стр. 474
أما بعد: فإنَّ الله بعث محمداً ﷺ والحقُّ قُلٌّ شريد، والإِسلام غريبٌ طريد، قد رَثَّ حبلُه، وقلّ أهلُه، فجمعهم الله بمحمد ﷺ وجعلهم الأمة الباقية الوُسْطى، والله لا أبرح أقوم بأمر الله وأجاهد في سبيل الله حتى ينجز الله لنا ويفي لنا عهده، فيقتل من قُتل منَّا شهيداً في الجنة، ويبقى من بقي منا خليفة الله في أرضه ووارث عباده. قضى الله الحقَّ؛ فإن الله تعالى قال - وليس لقوله خُلْف -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٥) والله لو منعوني عِقالاً ممّا كانوا يُعطون رسول الله ﷺ ثم أقبل معهم الشجر والمَدَر والجن والإِنس لجاهدتهم حتى تلحق روحي بالله إنَّ الله لم يفرِّق بين الصلاة والزكاة ثم جمعهما. فكبَّر عمر وقال: والله قد علمت - والله حين عزم الله لأبي بكر على قتالهم - أنَّه الحق. كذا في كنز العمال.
وأخرج ابن عساكر عن صالح بن كَيْسان قال: لما كانت الردّة قام أبو بكر ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمداً ﷺ شريداً، والإِسلام غريباً (طريداً) ، قد رث حبلُه، وخَلَق عهدُه، وضلّ أهله عنه، ومَقَتَ الله أهل الكتاب فلم يعطهم خيراً لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شراً لشر عندهم، وقد غيّروا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس فيه، والعرب الأميون صِفْر من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، أجهدُهم عيشاً، وأضلُّهم ديناً، في ظَلَف من الأرض، معه فئة الصحابة؛ فجمعهم الله بمحمد ﷺ وجعلهم الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم ونصرهم على غيرهم حتى قبض الله نبيه ﷺ فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله الله عنه، وأخذ بأيديهم وبغَى هُلْكهم/ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ
стр. 475
عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٤) ، إِنَّ مَنْ حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم؛ - وإن رجعوا إليه - أزهدَ منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما فقدتم من بركة نبيكم ﷺ ولقد وَكَلَكُم إلى الكافي الأول الذي جده ضالاً فهداه، عائلاً فأغناه، وكنتم على شَفَا حُفْرة من النار فأنقذكم منها، والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجزَ الله وعده، ويوفيَ لنا عهده؛ ويُقتلَ من قُتل شهيداً من أهل الجنة، ويبقى من بقي منا خليفته وارثَه في أرضه، قضى الله الحق؛ وقوله الذي - لا خُلْف فيه -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ﴾ ، ثم نزل. قال ابن كثير:
فيه انقطاع بين صالح بن كَيْسان والصدِّيق، لكنه يشهد لنفسه بالصِّحَّة لجزالة ألفاظه وكثرة ما له من الشواهد. كذا في الكنز. وقد ذكره في البداية عن ابن عساكر بنحوه.
إنكار أبي بكر ﵁ على من توقف أو أراد الإِمهال في القتال
وأخرج العدني عن عمر ﵁ قال: لما اجتمع رأي المهاجرين - وأنا فيهم - حين ارتدت العرب، فقلنا: يا خليفة رسول الله، إترك الناس يُصلُّون ولا يُؤدّون الزكاة، فإنَّهم لو قد دخل الإِيمان في قلوبهم وقرّوا بها. فقال أبو بكر ﵁: والذي نفسي بيده لأن أقعَ من السماء أحبُّ إليَّ من أن أترك شيئاً قاتل عليه رسول الله ﷺ إلا أقاتل عليه. فقاتل العرب حتى رجعوا إلى الإِسلام، فقال عمر: والذي نفسي بيده، لذلك اليوم خير من آل عمر.
стр. 476
كذا في الكنز.
وعند الإسماعيلي عن عمر ﵁ قال: لما قُبض رسول الله ﷺ ارتد من ارتد من الرب، وقالوا: نصلِّي ولا نزكِّي. فأتيت أبا بكر ﵁، فقلت: يا خليفة رسول الله، تألَّفه الناس وارفِق بهم، فإنَّهم بمنزلة الوحش. فقال: رجوتُ نصرتك، وجئتني بخذلانك جباراً في الجاهلية، خواراً في الإِسلام؟ ماذا عسيت أن أتألّفهم؟ بشعر مفتعل، أو بسحر مفترى؟ هيهات، هيهات مضى النبي ﷺ انقطع الوحي، والله لأجاهدنَّهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالاً. قال عمر ﵁: فوجده في ذلك أمضَى مني وأعزم مني، وأدَّب الناس على أمور هان عليَّ كثير من مؤونتهم حين وُلِّيتُهم. كذا في الكنز.
وأخرج الدِينَوري في المجالسة، وأبو الحسن بن بِشْران في فوائده، والبيهقي في الدلائل، واللألكائي في السُّنَّة عن ضَبَّة بن المحصن العَنَزي قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: أنت خير من أبي بكر؟ فبكى وقال: والله، لليلةٌ من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر: هل لك أن أحدثك بليلته ويومه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: أما ليلته: فلمّا خرج رسول الله ﷺ هارباً من أهل مكة، خرج ليلاً فتبعه أبو بكر - فذكر الحديث في الهجرة كما تقدم (ص ٣٣٩) ؛ قال: وأما يومه: فلما توفي رسول الله ﷺ وارتدت العرب فقال بعضهم: نصلِّي ولا نزكِّي، وقال بعضهم: لا نصلِّي ولا نزكِّي. فأتيته - ولا آلو نصحاً -، فقلت يا خليفة رسول الله تألَّفِ الناسَ - فذكره بنحوه كما في
стр. 477
منتخب كنز العمال.
وعند الإِمام أحمد والشيخين عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب قال عمر ﵁: يا أبا بكر، كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟» . قال أبو بكر ﵁: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنَّه الحق. وأخرجه أيضاً الأربعة إلا ابن ماجه، وبن حِبَّان، والبيهقي كما في الكنز.
إهتمام أبي بكر الصديق ﵁ بإرسال الجيوش في سبيل الله، وترغيبه على الجهاد، ومشاورته للصحابة في جهاد الروم ترغيب أبي بكر على الجهاد في سبيل الله في خطبة له
أخرج ابن عساكر عن القاسم بن محمد - فذكر الحديث، وفيه: وقام أبو بكر ﵁ في الناس خطيباً، فحمد الله وصلَّى على رسول الله ﷺ وقال: إنَّ لكل أمر جوامعَ، فمن بلغها فهو حَسْبه، ومن عمل لله كفاه
стр. 478
الله. عليكم بالجدِّ والقصد، فإنَّ القصد أبلَغ. ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجر لمن لا حِسْبة له، ولا عمل لمن لا نيَّة له. ألا وإِنَّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، لَمَا ينبغي للمسلم أن يحب أن يُخصَّ به، هي النجاة التي دل الله عليها ونجَّى بها من الخِزْي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة. كذا في المختصر. وذكره في الكنز مثله. وأخرجه ابن جرير الطبري عن القاسم بن محمد بمثله.
كتاب أبي بكر إلى خالد ومن معه من الصحابة للجهاد في سبيل الله
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن إسحاق بن يَسار في قصة خالد بن الوليد ﵁ حين فرغ من اليمامة. قال: فكتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى خالد بن الوليد - وهو باليمامة -:
من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد والذين معه من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان: سلام عليكم. فإني أحمد إِليكم الله الذي لا إِله إلا هو. أَما بعد: فالحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وأعزَّ ولِيَّه، وأذلَّ عدوَّه، وغلب الأحزاب فرداً. فإن الله الذي لا إله إِلا هو قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ﴾ (النور: ٥٥) - وكتب الآية كلَّها وقرأ الآية - وعداً منه لا خُلْف له، ومقالاً لا ريب فيه. وفرض الجهاد على المؤمنين، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: ٢١٦) - حتى فرغ
стр. 479
من الآيات؛ فاستتِمُّوا بوعد الله إِيَّاكم، وأطيعوه فيما فرض عليكم وإِن عظمت فيه المؤونة، واستبدت الرزيّة، وبعدت المشقة، وفُجعتم في ذلك بالأموال والأنفس، فإن ذلك يسير في عظيم ثواب الله. فاغزوا - رحمكم الله - في سبيل الله ﴿خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ (التوبة: ٤١) - كتب الآية - ألا وقد أمرت خالد بن الوليد بالمسير إِلى العراق؛ فلا يبرحها حتى يأتيه أمري، فسيروا معه ولا تتثاقلوا عنه؛ فإنه سبيل يعظِّم الله فيه الأجر لمن حسنت فيه نيته، وعظمت في الخير رغبته. فإذا وقعتم العراق فكونوا بها حتى يأتيكم أمري. كفانا الله وإِياكم مهمات الدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» - انتهى.
مشاورة أبي بكر أكابر الصحابة في غزو الروم وخطبته في ذلك
أخرج ابن عساكر عن الزُّهري عن عبد الله بن أبي أوفَى الخُزاعي ﵁ أنه قال: لما أراد أبو بكر ﵁ غزو الروم دعا عليّاً، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبا عبيدة بن الجراح، ووجوه المهاجرين، والأنصار من أهل بدر وغيرهم، فدخلوا عليه - قال عبد الله بن أبي أوفى: وأنا فيهم -. فقال أبو بكر ﵁: إنَّ الله لا تُحصى نعماؤه، لا تبلغ جزاءَها الأعمالُ، فله الحمد؛ قد جمع الله كلمتكم، وأصلح ذات بينكم، وهداكم إلى الإِسلام، ونفَى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تُشركوا به، ولا تتخذوا إلهاً غيره؛ فالعرب اليوم بنو أم وأب. وقد رأيت أن أستنفر المسلمين إِلى جهاد الروم بالشام ليؤيّد الله المسلمين، ويجعل الله كلمته العليا، مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الأوفر، لأنه من هلك منهم هلك شهيداً، وما عند الله خير للأبرار؛ ومن عاش عاش مدافعاً عن الدين مستوجباً على الله ثواب المجاهدين. وهذا رأيي الذي رأيته، فلْيُشِر امرؤ عليّ برأيه.
стр. 480
خطبة عمر ومتابعته في إمضاء رأي أبي بكر في الجهاد
فقام عمر بن الخطاب ﵁، فقال: الحمد لله الذي يخصّ بالخير من شاء من خلقه، والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إِلا سبقتنا إليه؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. قد - والله - أردتُ لقاءك بهذا الرأي الذي رأيتَ فيما قُضي أن يكون حتى ذكرتَه، فقد أصبتَ - أصاب الله بك سبيل الرشاد - سرِّبْ إليهم الخيل في إثر الخيل، وابعث الرجال بعد الرجال والجنود تتبعها الجنود؛ فإنَّ الله ناصرٌ دينَه ومعزٌ الإِسلامَ وأهله.
رأي عبد الرحمن بن عوف في نوعية الجهاد بالنظر إلى نوعية الروم
ثم إن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قام فقال: يا خليفة رسول الله، إِنَّها الروم وبنو الأصفر حدٌّ حديد وركن شديد، ما أرى أن نقتحم عليهم إقتحاماً، ولكن نبعث الخيل فتُغير في قواصي أرضهم ثم ترجع إِليك، وإِذا فعلوا ذلك بهم مراراً أضرُّوا بهم، وغنموا من أداني أرضهم فقعدوا بذلك عن عدوهم؛ ثم تبعث إلى أراضي اليمن وأقاصي ربيعة ومضر، ثم تجمعهم جميعاً إِليك. ثم إن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك وإن شئت أغزيتهم، ثم سكت وسكت الناس.
رأي ثمان في إمضاء ما رآه أبو بكر وموافقة بقية الصحابة رأي عثمان
ثم قال لهم أبو بكر: ما ترون؟ فقال عثمان بن عفان ﵁: إني أرى أنك ناصح لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإذا رأيت رأياً تراه لعامتهم صلاحاً، فاعزم على إمضائه فإنك غيرُ ظَنين. فقال طلحة، والزبير،
стр. 481
وسعد وأبو عبيدة، وسعيد بن زيد ومن حضر ذلك المجلس من المهاجرين والأنصار ﵃: صَدَقَ عثمان، ما رأيتَ من رأي فأمْضِه، فإنَّا لا نخالفك ولا نتهمك، وذكروا هذا وأشباهه؛ وعليّ ﵁ في القوم لم يتكلَّم.
تبشير علي أبا بكر وسروره بما قال علي وخطبته في استنفار الصحابة
فقال أبو بكر: ماذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أنك إن سرتَ إليهم بنفسك أو بعثتَ إِليهم نُصرت عليه إن شاء الله. فقال: بشّرك الله بخير ومن أين علمت ذلك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال هذا الدين ظاهراً على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون» . فقال: سبحان الله، ما أحسن هذا الحديث لقد سررتني به سرَّك الله. ثم إِن أبا بكر ﵁ قام في الناس فذكر الله بما هو أهله، وصلَّى على نبيِّه ﷺ ثم قال: أيها الناس، إِنَّ الله قد أنعم عليكم بالإِسلام، وأكرمكم بالجهاد، وفضَّلكم بهذا الدين على كل دين، فتجهّزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإني مُؤمِّر عليكم أمراء، وعاقد لكم ألوية، فأطيعوا ربَّكم ولا تخالفوا أمراءكم لِتَحْسُنْ نيتكم وأشربتكم وأطعمتكم، فإنَّ الله مع الذين اتَّقوا والذين هم محسنون.
ما جرى بين عمر، وعمرو بن سعيد وخطبة خالد أخيه في تأييد أبي بكر
قال: فسكت القوم، فوالله ما أجابوا. فقال عمر ﵁: يا معشر المسلمين، مالكم لا تجيبون خليفة رسول الله وقد دعاكم لما يحييكم؟ أمَا إنه لو كان عَرَضاً قريباً أو سفراً قاصداً لابتدرتموه. فقام عمرو بن سعيد ﵁ فقال: يا ابن الخطاب، ألنا تضرب الأمثال أمثال المنافقين؟ فما منعك مما عبت علينا فيه أن تبدأ به؟ فقال عمر ﵁: إِنَّه يعلم أني أجيبه لو يدعوني، وأغزو لو يُغزيني. فقال عمرو بن سعيد ﵁: ولكن نحن لا نغزو لكم إن غزونا، إنما نغزو لله. فقال عمر: وفقك الله، فقد أحسنت فقال أبو بكر لعمرو: إجلس - رحمك الله - فإن عمر لم يُرد بما سمعت أذى
стр. 482
مسلم ولا تأنيبه، إنما أراد بما سمعت أن ينبعث المتثاقلون إلى الأرض إِلى الجهاد.
فقام خالد بن سعيد ﵁ فقال: صدق خليفة رسول الله، إجلس أيْ أخي، فجلس. وقال خالد: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، الذي بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهرَه على الدين كلّه ولو كره المشركون، فالحمد لله منجزِ وعدِه، ومظهرِ وعدهِ، ومهلِك عدوِّه، ونحن غير مخالفين ولا مختلفين، وأنت الوالي الناصح الشفيق، ننفر إذا استنفرتنا، ونطيعك إذا أمرتنا. ففرح بمقالته أبو بكر ﵁ وقال له: جزاك الله خيراً من أخ وخليل؛ فقد كنت أسلمت مرتغِباً، وهاجرت محتسباً، قد كنت هربت بدينك من الكفر لكيما ترضي الله ورسوله وتعلو كلمته، وأنت أمير الناس فسِرْ يرحمك الله. ثم إنه نزل.
ورجع خالد بن سعيد ﵁ فتجهّز. وأمر أبو بكر بلالاً فأذَّن في الناس أنِ انفِرُوا أيَّها الناس إلى جهاد الروم بالشام، والناس يَرَوْنَ أن أميرهم خالد بن سعيد، وكان الناس لا يشكُّون أن خالد بن سعيد أميرهم؛ وكان قد عسكر قبل كل أحد، ثم إن الناس خرجوا إلى معسكرهم من عشرة، وعشرين، وثلاثين، وأربعين، وخمسين، مائة كل يوم حتى اجتمع أناس كثيرون. فخرج أبو بكر ﵁ ذات يوم ومعه رجال من الصحابة حتى انتهى إلى عسكرهم، فرأى عدّة حسنة لم يرضَ عدّتها للروم؛ فقال لأصحابه: ما ترون في هؤلاء إن أرسلتهم إلى الشام في هذه العِدّة؟ فقال عمر ﵁: ما أرضى هذه العِدة لجموع بني الأصفر. فقال لأصحابه: ماذا ترون أنتم؟ فقالوا: نحن نرى ما رأى عمر، فقال: لا أكتب كتاباً إلى أهل اليمن ندعوهم به إلى
стр. 483
الجهاد ونرغِّبهم في ثوابه؟ فرأى ذلك جميع أصحابه فقالوا: نِعْمَ ما رأيت، أفعل. فكتب:
كتاب أبي بكر ﵁ إلى أهل اليمن للجهاد في سبيل الله
«بسم الله الرحمن الرحيم. من خليفة رسول الله إِلى من قُرىء عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين من أهل اليمن. سلام عليكم. فإني أحمد إِليكم الله الذي لا إِله إلا هو، أما بعد: فإنَّ الله تعالى كتب على المؤمنين الجهاد، وأمرهم أن ينفروا خفافاً وثقالاً ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والجهاد فريضة مفروضة، والثواب عند الله عظيم. وقد استنفرنا المسلمين إِلى جهاد الروم بالشام، وقد سارعوا إِلى ذلك وقد حسنت بذلك نيَّتهم، وعظمت حسبتهم؛ فسارعوا عباد الله إِلى ما سارعوا إِليه، ولتحسنْ نيتكم فيه؛ فإِنكم إِلى إِحدى الحُسْنَيَيْن: إِما الشهادة، وإِما الفتح والغنيمة، فإن الله ﵎ لم يرضَ لعباده بالقول دون العمل، ولا يزال الجهاد لأهل عداوته حتى يدينوا بدين الحق، ويقرُّوا لحكم الكتاب. حفظ الله لكم دينكم، وهدى قلوبكم، وزكَّى أعمالكم، ورزقكم أجر المجاهدين الصابرين» .
وبعث بهذا الكتاب مع أنس بن مالك ﵁. كذا في المختصر؛ والكنز.
خطبة أبي بكر عند مسيرهم إلى الشام
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن جبير أن أبا بكر لمَّا وجّه (الجيش) قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم أمرهم بالمسير إلى الشام وبشرّهم بفتح الله إياها حتى يبنوا فيها المساجد، فلا يعلم أنكم إنما تأتونا تلّهياً، فالشام
стр. 484
شبيعة يكثر لكم فيها من الطعام؛ فإياي والأشر. أما وربِّ الكعبة لتأشرُنْ ولتبطرُنّ، وإني موصيكم بعشر كلمات فاحفظوهن: لا تقتُلنَّ شيخاً فانياً - فذكر الحديث؛ كما في الكنز.
تحريض عمر بن الخطاب ﵁ على الجهاد النَّفر في سبيل الله ومشاورته للصحابة فيما وقع له تحريض عمر على الجهاد وتأميره من انتدب أولا
أخرج ابن جرير الطبري عن القاسم بن محمد قال: وتكلم المثنَّى بن حارثة فقال: يا أيها الناس، لا يعظمنَّ عليكم هذا الوجه، فإنَّا قد تبحبحنا رِيف فارس وغلبناهم على خير شِقَّي السواد، وشاطرناهم، ونلنا منهم، واجترأ مَنْ قِبَلَنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها. وقام عمر ﵁ في الناس فقال: إنَّ الحجاز ليس لكم ب دار إلا على النُّجعة، ولا يقوَى عليه أهلُه إلا بذلك، أين الطُّراء المهاجرون عن موعود الله؟ سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثَكُموها، فإنه قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ﴾ (الفتح: ٢٨) والله مظهرُ دينه، ومعزّ ناصرِه، ومُولي أهلِه مواريث الأمم، أين عبادُ الله
стр. 485
الصالحون؟.
فكان أول منتدب أبو عُبيد بنُ مسعود، ثم ثنّى سعد بن عبيد - أو سَلِيط بن قيس ﵃. فلما اجتمع ذلك البَعْث قيل لعمر: أمِّرْ عليهم رجلاً من السابقين من المهاجرين والأنصار. قال: لا والله لا أفعل، إِن الله إنَّما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدوّ، فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء فأولى بالرياسة منكم مَنْ سبق إلى الدَّفْع وأجاب إِلى الدعاء. والله لا أؤمر عليهم إلا أوّلهم إنتداباً؛ ثم دعا أبا عُبيد وسَلِيطا وسعداً، فقال: أما إِنكما لو سبقتماه لولّيتكا ولأدركتما بها إلى ما لَكما من القِدْمة؛ فأمَّر أبا عُبيدٍ على الجيش وقال لأبي عُبيد: إسمع من أصحاب النبي ﷺ وأشرِكهم في الأمر، ولا تجتهد مسرعاً حتى تتبين؛ فإنَّها الحرب، والحرب لا يُصلحها إلا الرجل المكِيث الذي يعرف الفرصة والكفَّ.
وأخرجه الطبري أيضاً من طريق الشَّعْبي، وفي حديثه: فقيل لعمر ﵁: أمِّر عليهم رجلاً له صحبة. فقال عمر: إنما فَضلَ الصحابة بسرعتهم إلى العدوّ وكفايتهم مَن أبَى؛ فإذا فعل فِعْلهم قومٌ واثّاقلوا كان الذين ينفِرون خفافاً وثقالا ف أولى بها منهم، والله لا أبعث عليهم إلا أولَهم إنتداباً، فأمّر أبا عُبَيد، وأوصاه بجنده. انتهى.
مشاورة عمر الصحابة في الخروج إلى فارس
أخرج الطبري أيضاً عن عمر بن عبد العزيز قال: لما انتهى قتل أبي عُبيد بن مسعود إلى عمر واجتماع أهل فارس على رجل من آل كسرى، نادى في المهاجرين والأنصار، وخرج حتى أتى صِرَاراً. وقدَّم طلحة بن عبيد الله حتى يأتي الأعوَص، وسمَّى لميمنته عبد الرحمن بن عوف ولميسرته الزبير بن
стр. 486
العوام ﵃، واستخلف علياً ﵁ على المدينة، واستشار الناس، فكلّهم أشار عليه بالسَّير إلى فارس، ولم يكن إستشار في الذي كان حتى نزل بِصرَار ورجع طلحة، فاستشار ذوي الرأي فكان طلحة ممَّن تابع الناس، وكان عبد الرحمن بن عوف من نهاه. فقال عبد الرحمن: فما فَدَيْتُ أحداً بأبي وأمي بعد النبي ﷺ قبل يومئذٍ ولا بعده فقلت: يا بأبي وأمي، إجعل عَجْزها بي، وأقِم وابعثْ جنداً، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبلُ وبعدُ، فإنه إن يُهزم جيشك ليس كهزيمتك، وإِنك إن تُقتل أو تُهزم في أَنْف الأمر، خشيتُ أن لا يكبِّر المسلمون وأن لا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبداً، وهو في ارتيادٍ مِنْ رجل؛ وأتى كتاب سعد على حَفَف مشورتهم وهو على بعض صدقات نجد. فقال عمر: فأشيروا عليّ برجل. فقال عبد الرحمن: وجدتَه. قال: من هو؟. قال: الأسدُ في براثنه؛ سعد بن مالك، ومالأه أولو الرأي. انتهى.
ت رغيب عثمان بن عفان ﵁ على الجهاد
أخرج الإِمام أحمد عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت عثمان يقول على المنبر: أيها الناس إِنِّي كتمتكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ كراهةَ تفُّرقِكم عنِّي، ثم بدا لي أن أحدثَكُموه ليختار
стр. 487
أمرؤ لنفسه ما بدا له؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رباط يوم في سبيل الله تعالى خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» .
وأخرجه الإِمام أحمد أيضاً عن مُصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال عثمان بن عفان ﵁ وهو يخطب على منبره -: إنِّي محدِّثكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ما كان يمنعني أن أحدثكم إلا الضنّ عليكم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حرسُ ليلة في سبيل الله تعالى أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها» .
ترغيب علي بن أبي طالب ﵁ على الجهاد
أخرج الطبراني عن زيد بن وَهْب: أن علياً ﵁ قام في الناس فقام: الحمد لله الذي لا يُبرم ما نقض، وما أبرَم لا ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف إثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جَحَد المفضول ذا الفضل فضله. وقد ساقتنا وهؤلاء القومَ الأقدار فلفَّت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع، فلو شاء عجَّل النِقْمة وكان منه التغيير حتى يكذِّب الله الظالمَ، ويعلم الحق أين مصيره؛ ولكنّه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار؛ ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: ٣١) ، ألا إنكم لاقو القوم غداً، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلُوا الله النصر والصبر، وألقَوهم بالجدّ والحزم وكونوا صادقين ثم انصرف. انتهى.
تحريض علي ﵁ يوم صفِّين
وأخرج أيضاً عن أبي عَمْرة الأنصاري وغيره: أن علياً رضي الله عنه
стр. 488
حرّض الناس يوم صِفِّين، فقال: إنَّ الله قد دلّكم على تجارة تُنجيك من عذاب أليم، تُشفي بكم على الخير: الإِيمان بالله ورسوله ﷺ والجهادِ في سبيل الله تعالى ذكره، وجعل ثوابه مغفرة الذنب ومساكن طيبةً في جنّات عدن؛ ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأنَّهم بنيان مرصوص، فسوّوا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدّموا الدارع وأخرّوا الحاسر، وعضّوا على الأضراس - فذكر الخطبة بطولها.
تحريض علي ﵁ على قتال الخوارج
وأخرج أيضاً عن أبي الوَدّاك الهمْداني: أنَّ علياً ﵁ لما نزل بالنُّخَيلة وأيِسَ من الخوارج قام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإنه من ترك الجهاد في الله وأدْهَن في أمره كان على شفا هُلْكِهِ؛ إلا أن يتداركه الله بنعمة، فاتقوا الله وقاتلوا من حادّ الله، حاول أن يطفىء نور الله الخاطئين الضالّين القاسطين المجرمين، الذين ليسوا بقرّاء للقرآن، ولا فقهاءَ في الدين، ولا علماءَ في التأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإِسلام، والله لو وُلُّوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كِسْرى وهِرَقْل. تيسَّروا وتهيَّؤوا للمسير إلى عدوِّكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إِلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدَموا عليكم، فإذا قدموا فاجتمعتم شَخَصْنا إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى.
стр. 489
خطبة علي على تثاقلهم في النَّفْر
وأخرج أيضاً من طريق أبي مِخْنَف عن زيد بن وَهْب، أن عليّاً ﵁ قال للناس - وهو أول كلام قال لهم بعد النهر -: أيها الناس، إستعدوا للمسير إِلى عدو في جهاده القُربة إلى الله، ودَرْك الوسيلة عنده، حيارى في الحق، جُفاة عن الكتاب نُكْبٌ عن الدين، يعمهون في الطغيان، ويُعكَسون في غمرة الضلال، فأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، وتوكَّلوا على الله وكفى بالله وكيلاً، وكفى بالله نصيراً.
قال: فلا هم نفروا ولا تيسَّروا، فتركهم أياماً حتى إذا أيسَ من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يُنْظرهم؛ فمنهم المعتلّ، ومنهم المُكرِّه، وأقلهم من نَشِط، فقام فيهم خطيباً فقال:
عباد الله، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفِروا أثّاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ وبالذل والهوان من العزّ؟ أوَ كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سَكْرة، وكأن قلوبكم مألوسة، فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تبصرون، لله أنتم ما أنتم إلا أسودُ الشرى في الدَّعة. وثعالبُ روَّاغة حين تُدْعَون إلى البأس، ما أنتم لي بثقة سجيسَ الليالي، ما أنتم بركب يُصال بكم ولا ذي عِزَ يعتصم إليه، لعمر الله لبئس حُشاش الحرب أنتم، إِنكم تُكادون ولا تَكِيدون، ويُتنقَّص أطرافكم ولا
стр. 490
تتحاشَوْن، ولا يُنام عنكم وأنتم في غفلة ساهون، إنَّ أخا الحرب اليقظان ذو عقل، وبات لذلٍ مَنْ وادَع، وغُلب المتجادلون، والمغلوب مقهور ومسلوب.
ثم قال: أما بعد: فإنَّ لي عليكم حقاً وإنّ لك عليَّ حقاً؛ فأما حقُّكم عليَّ فالنصيحة لكم ما صحبتكم، وتوفير فَيْئكم عليكم، وتعليمكم كيما لا تجهلوا، وتأديبكم كي تعلَّموا.n وأما حقِّي عليكم فالوفاء بالبَيْعة، والنصح لي في الغيب والمشهد، والإِجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإنْ يُرِدِ الله بكم خيراً انتَزِعُوا عما أكرَه وتَراجَعوا إلى ما أحب؛ تنالوا ما تَطلُبون وتُدرِكوا ما تأمُلون. انتهى.
نداء حَوْشَب الحميري علياً يوم صفِّين وجواب علي له
وأخرج ابن عبد البرِّ في الإستيعاب عن عبد الواحد الدمشقي قال: نادى حوشي الحِمْيري علياً ﵁ يوم صفِّين، فقال: إنصرف عنا يا ابن أبي طالب، فإنَّا ننشدك الله في دمائنا ودمك، ونخلّي بينك وبين عِراقك، وتخلِّي بيننا وبين شامنا؛ وتحقن دماء المسلمين. قال علي ﵁: هيهات يا ابن أم ظُلَيم والله لو علمتُ أنَّ المداهنة تسعني في دين الله لفعلت، وكان أهون عليّ في المؤونة، ولكن الله لم يرضَ من أهل القرآن بالسكوت والإِدْهان، إذا كان الله يُعصَى وهم يُطيقون الدفاع والجهاد حتى يظهر أم رالله. انتهى.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية مثله.
ترغيب سعد بن أبي وقاص ﵁ على الجهاد خطبة سعد يوم القادسية
стр. 491
أخرج ابن جرير الطبري من طريق سيف عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم، قالوا: خطب سعد - أي يوم القادسية - فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله هو الحق لا شريك له في الملك وليس لقوله خُلْف؛ قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنَّ الاْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥) إِنَّ هذا ميراثُكم وموعودُ ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حِجَج، فأنتم تطعَمون نها وتأكلون منها، وتقتلون أهلها وتَجْبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة وعزّ مَنْ وراءكم، فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة ولا يقرِّبُ ذلك أحداً إِلى أجله، وإِن تفشلوا وتَهنوا وتضعفوا تذهبْ ريحكم وتوبقوا آخرتكم.
خطبة عاصم بن عمرو يوم القادسية
وقام عاصم بن عمرو ﵁ فقال: إن هذه بلاد قد أحلَّ الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلَون، والله معكم إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن، فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم بلادهم، وإِن خرتم وفشِلتم - والله لكم من ذلك جار وحافظ - لم يبقِ هذا الجمع منكم باقية؛ مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك؛ الله الله، أذكروا الأيام وما منحكم الله فيها، أوَ لا ترون أنَّ الأرض وراءكم بسابسُ قفار ليس فيها خَمْر ولا وَزَر يُعقل إليه ولا يُمتنع به؟ إجعلوا همَّكم الآخرة. انتهى.
стр. 492
رغبة الصحابة ﵁ وشوقهم إلى الجهاد والنفر في سبيل الله رغبة أبي أمامة في الجهاد
أخرج أبو نُعيم في الحلِية عن أبي أمامة ﵁ قال: (لما) همّ رسول الله ﷺ بالخروح إلى بدر. أجمع الخروج معه، فقال له (خاله) أبو بردة بن نيار: أقم على أمك. قال: بل أنت فأقم على أختك. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمر أبا أمامة بالمُقام (على أمه) . وخرج أبو بردة؛ فرجع رسول الله ﷺ وقد توفيت فصلَّى عليها.
رغبة عمر في السير في سبيل الله وقوله: إن الجهاد أفضل من الحج
وأخرج الإِمام أحمد في الزهد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وغيرهم عن عمر ﵁ قال: لولا ثلاثٌ لأحببت أن أكون لحقت بالله: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي لله في التراب ساجداً، وأجالس قوماً يلتقطون طيِّل الكلام كما يلتقط طيب التمر. كذا في الكنز.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر ﵁ قال: عليكم بالحج، فإنه عمل صالح أمر الله به، والجهاد أفضل منه. كذا في الكنز.
رغبة ابن عمر ﵄ في الجهاد
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر ﵄ قال: عُرضت على رسول الله ﷺ يوم بدر فاستصغرني فلم يقبلني، فما أتت عليَّ ليلة قط مثلُها
стр. 493
من السهر والحزن والبكاء إذ لم يقبلني رسول الله ﷺ فلما كان من العام المقبل عُرضت عليه فقبلني، فحمدت الله على ذلك. قال رجل: يا أبا عبد الرحمن، تولّيتم يوم التقى الجمعان، قال: نعم، فعفا الله عنا جميعاً، فله الحمد كثيراً. كذا في منتخب الكنز.
قصة عمر مع رجل أراد الجهاد
وأخرج هنَّاد عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمين، إحملني فإني أريد الجهاد، فقال عمر ﵁ لرجل: خذ بيده، فأدخله بيت المال يأخذ ما شاء. فدخل فإذا بيضاء وصفراء، فقال: ما هذا؟ ما لي في هذا حاجة، إِما أردت زاداً وراحلة. فردّوه إلى عمر فأخبروه بما قال، فأمر له بزادٍ وراحلة، وجعل عمر يُرَحِّل له بيده، فلما ركب رفع يده فحمد الله وأثنى عليه بما صنع به وأعطاه، ومر يمشي خلفه يتمنى أن يدعو له. فلما فرغ قال: اللهمّ، وعمر فأجْزِه خيراً كذا في الكنز.
قول عمر في فضيلة من يخرج ويحرس في سبيل الله
وأخرج ابن عساكر عن أرطاة بن منذر أن عمر ﵁ قال لجلسائه: أي الناس أعظم أجراً؟ فجعلوا يذكرون له الصوم والصلاة، ويقولون: فلان وفلان بعد أمير المؤمنين. فقال: ألا أخبركم بأعظم الناس أجراً ممّن ذكرتم ومن أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى. قال: رُويجل بالشام آخذ بلجام فرسه يكلأ مِنْ وراء بيضة المسلمين، لا يدري أسبع يفترسه، أم هامَّة تلدغه، أو عدوّ يغشاه؟ فذلك أعظم أجراً ممن ذكرتم ومن أمير المؤمين. كذا في كنز
стр. 494
العمال.
قصة عمر ومعاذ في الخروج مع أبي بكر
أخرج ابن سعد من طريق الواقدي عن كعب بن مالك ﵁ قال: كان عمر بن الخطاب يقول: خرج معاذ إِلى الشام لقد أخلّ خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا بكر ﵀ أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى ليّ وقال: رجل أراد وجهاً يريد الشهادة فلا أحبسه. فقلت: والله إنَّ الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه وفي بيته عظيم الغنى عن مِصره. قال كعب بن مالك: وكان معاذ بن جبل يفتي الناس بالدينة في حياة النبي ﷺ وأبي بكر. كذا في الكنز.
ترجيح عمر للمهاجرين الأولين على رؤساء القوم في المجلس
وأخرج ابن عساكر عن نوفل بن عمارة قال: جاء الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأولون يأتون عمر فيقول: ها هنا يا سهيل، ها هنا يا حارث، فينحيهما عنهم. فجعل الأنصار يأتون عمر فينحيهما عنهم كذلك حتى صارا في آخر الناس. فلما خرجا من عند عمر قال الحارث بن هشام لسهيل بن عمرو: ألم ترَ ما صنع بنا فقال له سهيل: أيها الرجل لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا، دُعِيَ القوم فأسرعوا ودُعينا فأبطأنا. فلما قاموا من عند عمر أتياه فقالا له: يا أمير المؤمنين قد رأينا ما فعلتَ اليوم وعلمنا أنا أُتينا من (قِبَلِ) أنفسنا، فهل (من) شيء نستدرك به (ما فاتنا من الفضل؟) فقال لها: لا أعلمه إلا هذا الوجه، وأشار
стр. 495
لهما إلى ثغر الروم. فخرجا إلى الشام فماتا بها. كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً الزبير عن عمه مصعب عن نوفل بن عمارة بنحوه؛ كما ذكره ابن عبد البر في الإستيعاب.
قول سهيل بن عمرو للرؤساء الذين قدَّم عمر المهاجرين عليهم
وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك عن جرير بن حازم عن الحسن يقول: حضر أناس باب عمر وفيهم: سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، والشيوخ من قريش ﵃. فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر كصهيب، وبلال، وعمار ﵃ وقال: وكان والله بدرياً، وكان يحبهم وكان قد أوصى بهم - فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط إنه يأذن لهذه العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا. فقال سهيل بن عمرو - ويا له من رجل ما كان أعقله - أيها القوم، إِني - والله - قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودُعيتم؛ فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لَمَا سبقوكم به من الفضل فيما يرون أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تَنافَسون عليه، ثم قال: إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون ولا سبيل لكم - والله - إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله أن يرزقكم الجهاد والشهادة، ثم نفض ثوبه فقام فلحق بالشام. قال الحسن: صدق والله، لا يجعل الله عبداً أسرع إليه معبد أبطأ عنه. وهكذا ذكره في الإستيعاب وأخرجه الطبراني أيضاً عن الحسن بمعناه - مطولاً. قال الهيثمي رجاله رجال
следующие страницы →