Полный текст (1 779 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أخرج ابن جرير الطبري من طريق سيف عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم، قالوا: خطب سعد - أي يوم القادسية - فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله هو الحق لا شريك له في الملك وليس لقوله خُلْف؛ قال الله جلّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنَّ الاْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥) إِنَّ هذا ميراثُكم وموعودُ ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حِجَج، فأنتم تطعَمون نها وتأكلون منها، وتقتلون أهلها وتَجْبونهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم، وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة وعزّ مَنْ وراءكم، فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة ولا يقرِّبُ ذلك أحداً إِلى أجله، وإِن تفشلوا وتَهنوا وتضعفوا تذهبْ ريحكم وتوبقوا آخرتكم.
خطبة عاصم بن عمرو يوم القادسية
وقام عاصم بن عمرو ﵁ فقال: إن هذه بلاد قد أحلَّ الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلَون، والله معكم إن صبرتم وصدقتموهم الضرب والطعن، فلكم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم بلادهم، وإِن خرتم وفشِلتم - والله لكم من ذلك جار وحافظ - لم يبقِ هذا الجمع منكم باقية؛ مخافة أن تعودوا عليهم بعائدة هلاك؛ الله الله، أذكروا الأيام وما منحكم الله فيها، أوَ لا ترون أنَّ الأرض وراءكم بسابسُ قفار ليس فيها خَمْر ولا وَزَر يُعقل إليه ولا يُمتنع به؟ إجعلوا همَّكم الآخرة. انتهى.
стр. 492
رغبة الصحابة ﵁ وشوقهم إلى الجهاد والنفر في سبيل الله رغبة أبي أمامة في الجهاد
أخرج أبو نُعيم في الحلِية عن أبي أمامة ﵁ قال: (لما) همّ رسول الله ﷺ بالخروح إلى بدر. أجمع الخروج معه، فقال له (خاله) أبو بردة بن نيار: أقم على أمك. قال: بل أنت فأقم على أختك. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فأمر أبا أمامة بالمُقام (على أمه) . وخرج أبو بردة؛ فرجع رسول الله ﷺ وقد توفيت فصلَّى عليها.
رغبة عمر في السير في سبيل الله وقوله: إن الجهاد أفضل من الحج
وأخرج الإِمام أحمد في الزهد، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وغيرهم عن عمر ﵁ قال: لولا ثلاثٌ لأحببت أن أكون لحقت بالله: لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي لله في التراب ساجداً، وأجالس قوماً يلتقطون طيِّل الكلام كما يلتقط طيب التمر. كذا في الكنز.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر ﵁ قال: عليكم بالحج، فإنه عمل صالح أمر الله به، والجهاد أفضل منه. كذا في الكنز.
رغبة ابن عمر ﵄ في الجهاد
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر ﵄ قال: عُرضت على رسول الله ﷺ يوم بدر فاستصغرني فلم يقبلني، فما أتت عليَّ ليلة قط مثلُها
стр. 493
من السهر والحزن والبكاء إذ لم يقبلني رسول الله ﷺ فلما كان من العام المقبل عُرضت عليه فقبلني، فحمدت الله على ذلك. قال رجل: يا أبا عبد الرحمن، تولّيتم يوم التقى الجمعان، قال: نعم، فعفا الله عنا جميعاً، فله الحمد كثيراً. كذا في منتخب الكنز.
قصة عمر مع رجل أراد الجهاد
وأخرج هنَّاد عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمين، إحملني فإني أريد الجهاد، فقال عمر ﵁ لرجل: خذ بيده، فأدخله بيت المال يأخذ ما شاء. فدخل فإذا بيضاء وصفراء، فقال: ما هذا؟ ما لي في هذا حاجة، إِما أردت زاداً وراحلة. فردّوه إلى عمر فأخبروه بما قال، فأمر له بزادٍ وراحلة، وجعل عمر يُرَحِّل له بيده، فلما ركب رفع يده فحمد الله وأثنى عليه بما صنع به وأعطاه، ومر يمشي خلفه يتمنى أن يدعو له. فلما فرغ قال: اللهمّ، وعمر فأجْزِه خيراً كذا في الكنز.
قول عمر في فضيلة من يخرج ويحرس في سبيل الله
وأخرج ابن عساكر عن أرطاة بن منذر أن عمر ﵁ قال لجلسائه: أي الناس أعظم أجراً؟ فجعلوا يذكرون له الصوم والصلاة، ويقولون: فلان وفلان بعد أمير المؤمنين. فقال: ألا أخبركم بأعظم الناس أجراً ممّن ذكرتم ومن أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى. قال: رُويجل بالشام آخذ بلجام فرسه يكلأ مِنْ وراء بيضة المسلمين، لا يدري أسبع يفترسه، أم هامَّة تلدغه، أو عدوّ يغشاه؟ فذلك أعظم أجراً ممن ذكرتم ومن أمير المؤمين. كذا في كنز
стр. 494
العمال.
قصة عمر ومعاذ في الخروج مع أبي بكر
أخرج ابن سعد من طريق الواقدي عن كعب بن مالك ﵁ قال: كان عمر بن الخطاب يقول: خرج معاذ إِلى الشام لقد أخلّ خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا بكر ﵀ أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى ليّ وقال: رجل أراد وجهاً يريد الشهادة فلا أحبسه. فقلت: والله إنَّ الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه وفي بيته عظيم الغنى عن مِصره. قال كعب بن مالك: وكان معاذ بن جبل يفتي الناس بالدينة في حياة النبي ﷺ وأبي بكر. كذا في الكنز.
ترجيح عمر للمهاجرين الأولين على رؤساء القوم في المجلس
وأخرج ابن عساكر عن نوفل بن عمارة قال: جاء الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو إلى عمر بن الخطاب فجلسا عنده وهو بينهما، فجعل المهاجرون الأولون يأتون عمر فيقول: ها هنا يا سهيل، ها هنا يا حارث، فينحيهما عنهم. فجعل الأنصار يأتون عمر فينحيهما عنهم كذلك حتى صارا في آخر الناس. فلما خرجا من عند عمر قال الحارث بن هشام لسهيل بن عمرو: ألم ترَ ما صنع بنا فقال له سهيل: أيها الرجل لا لوم عليه، ينبغي أن نرجع باللوم على أنفسنا، دُعِيَ القوم فأسرعوا ودُعينا فأبطأنا. فلما قاموا من عند عمر أتياه فقالا له: يا أمير المؤمنين قد رأينا ما فعلتَ اليوم وعلمنا أنا أُتينا من (قِبَلِ) أنفسنا، فهل (من) شيء نستدرك به (ما فاتنا من الفضل؟) فقال لها: لا أعلمه إلا هذا الوجه، وأشار
стр. 495
لهما إلى ثغر الروم. فخرجا إلى الشام فماتا بها. كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً الزبير عن عمه مصعب عن نوفل بن عمارة بنحوه؛ كما ذكره ابن عبد البر في الإستيعاب.
قول سهيل بن عمرو للرؤساء الذين قدَّم عمر المهاجرين عليهم
وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك عن جرير بن حازم عن الحسن يقول: حضر أناس باب عمر وفيهم: سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، والشيوخ من قريش ﵃. فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر كصهيب، وبلال، وعمار ﵃ وقال: وكان والله بدرياً، وكان يحبهم وكان قد أوصى بهم - فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط إنه يأذن لهذه العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا. فقال سهيل بن عمرو - ويا له من رجل ما كان أعقله - أيها القوم، إِني - والله - قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم، دُعِيَ القوم ودُعيتم؛ فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لَمَا سبقوكم به من الفضل فيما يرون أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تَنافَسون عليه، ثم قال: إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون ولا سبيل لكم - والله - إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى الله أن يرزقكم الجهاد والشهادة، ثم نفض ثوبه فقام فلحق بالشام. قال الحسن: صدق والله، لا يجعل الله عبداً أسرع إليه معبد أبطأ عنه. وهكذا ذكره في الإستيعاب وأخرجه الطبراني أيضاً عن الحسن بمعناه - مطولاً. قال الهيثمي رجاله رجال
стр. 496
الصحيح، إلا أن الحسن لم يسمع من عمر. انتهى.
وأخرجه البخاري في تاريخه، والباوَرْدي من طريق حُميد عن الحسن بمعناه مختصراً، كما في الإِصابة.
خروج سهيل ومقامه في سبيل الله حتى الموت
وأخرج ابن سعد عن أبي سعيد بن فُضالة - وكانت له صحبة - قال: إصطحبت أنا وسهيل بن عمرو إلى الشام فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مُقام أحدكم في سبيل الله ساعة من عمره خير من عمله عمره في أهله» . قال سهيل: فإنما أرابط حتى أموت، ولا أرجع إِلى مكة. قال: فلم يزل مقيماً بالشام حتى مات في طاعون عَمَواس. كذا في الإِصابة. وأخرجه الحاكم عن أبي سعيد ﵁. مثله.
خروج الحارث بن هشام إلى الجهاد مع جزع أهل مكة عليه
وأخرج ابن المبارك عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: خرج الحارث بن هشام ﵁ من مكة فجزع أهل مكة جزعاً شديداً، فلم يبق أحد يطعَم إلا خرج معهُ يشيِّعه، حتى إذا كان بأعلى البطحاء أو حيث شاء الله من ذلك، وقف ووقف الناس حوله يبكون. فلما رأى جزع الناس قال: يا أيها الناس، إني - والله - ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم، ولا اختيار بلد عن بلدكم، ولكن كان هذا الأمر، فخرجت فيه رجال من قريش - والله - ولو أن جبال
стр. 497
مكة ذهباً أنفقناها في سبيل الله؛ اأدركن يوماً من أيامهم، والله لئن فأتونا به في الدنيا لنلتمس أن نشاركهم في الآخرة، فاتَّقى الله أمرؤ فعل. فتوجّه إِلى الشام واتَّبَعه ثَقَله، فأصيب شهيداً ﵀. كذا في الإستيعاب. وأخرجه الحاكم. من طريق ابن المبارك. نحوه.
رغبة خالد بن الوليد في الجهاد وطلبه القتل في سبيل الله
وأخرج ابن سعد عن زياد مولى آل خالد قال: قال خالد ﵁ عند موته: ما كان في الأرض من ليلة أحب إليّ من ليلة شديدة الجليد في سريّة من المهاجرين، أصبِّح بهم العدوّ؛ فعليكم بالجهاد. كذا في الإِصابة. وأخرجه أبو يَعْلى عن قيس بن أبي حازم قال: قال خالد بن الوليد ﵁: ما ليلة تُهدى إلى بيتي فيها عروس أنا لها محب، أو أُبشَّر فيها بغلام، بأحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سريّة من المهاجرين أصَبِّح بها العدوّ. كذا في المجمع وقال: رجاله رجال الصحيح.
وأخرج أبو يَعْلى أيضاً عن قيس بن أبي حازم قال: قال خالد بن الوليد ﵁: لقد منعني كثيراً من القراءة الجهادُ في سبيل الله. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وذكره في الإِصابة عن أبي يَعْلى عن خالد ﵁: لقد شغلني الجهاد عن تعلّم كثير من القرآن.
стр. 498
وأخرج ابن المبارك في كتاب الجهاد عن عاصم بن بَهْدَلة عن أبي وائل قال: لما حضرتْ خالداً ﵁ الوفاةُ قال: لقد طلبت القتل مظانّه فلم يُقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيءٌ أرجى عندي بعد أن لا إله إلا الله من ليلة بِتُّها وأنا متترِّس، والسماء تُهلُّني تمطر إلى الصبح حتى نُغير على الكفار. ثم قال: إِذا أن متّ فانظروا في سلاحي وفرسي فاجعلوه عُدّةً في سبيل الله. فلما توفي خرج عمر ﵁ إلى جنازته فقال: ما على نساء آل الوليد أن يسفحن على خالد دموعهن ما لم يكن نقعاً أو لقلقة. كذا في الإِصابة، وقال: فهذا يدلُّ على أنه مات بالمدينة ولكن الأكثر على أنه مات بحِمص. انتهى. وأخرجه الطبراني أيضاً عن أبي وائل - بنحوه مختصراً. قال الهيثمي: وإِسناده حسن. انتهى.
رغبة بلال في الخروج في سبيل الله
وأخرح الطبراني عن عبد الله بن محمد، وعمر، وعمار إبني حفص عن آبائهم عن أجدادهم قالوا: جاء بلال إلى أبي بكر ﵄، فقال: يا خليفة رسول الله، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أفضل عمل المؤمنين جهاد في سبيل الله» . وقد أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت. فقال أبو بكر ﵁: أنا أنشدك بالله يا بلال، وحُرمتي وحقِّي، لقد كبرت سنّي وضعفت قوتي واقترب أجلي، فأقام بلال معه، فلما توفي أبو بكر جاء عمر فقال له: مثل مقالة أبي بكر؛ فأبى بلال عليه. فقال عمر: فمن يا بلال؟ قال: إلى سعد، فإنه قد أذَّن بقُباء على عهد رسول الله ﷺ فجعل
стр. 499
عمر الأذان إلى عقبة وسعد. قال الهيثمي: وفيه عبد الرحمن بن سهل بن عمار وهو ضعيف. انتهى. وأخرجه ابن سعد أيضاً بهذا الإِسناد بنحوه.
وأخرج عن موسى بن محمد بن إِبراهيم التَّيْمي عن أبيه قال: لما توفي رسول الله ﷺ أذّن بلال ﵁ ورسول الله ﷺ لم يقبر، فكان إذا قال: أشهد أنَّ محمداً رسول الله إنتحب الناس في المسجد. قال: فلما دفن رسول الله ﷺ قال له أبو بكر ﵁: أذّن. فقال: إن كنتَ إنما أعتقتني لأن أكون معك فسبيل ذلك، وإن كنت أعتقتني لله فخلّني ومن أعتقتني له. فقال: ما أعتقتك إلا لله. قال: فإني لا أؤذّن لأحد بعد رسول الله ﷺ قال: فذاك إليك. قال: فأقام حتى خرجت بعوث الشام فسار معهم حتى انتهى إليها. وعن سعيد بن المسيّب: أن أبا بكر لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: يا أبا بكر، قال: لبيك. قال: أعتقتني لله أو لنفسك؟ قال: لله. قال: فأخذن لي حتى أغزو في سبيل الله، أذن له. فذهب إلى الشام فمات ثَمَّ. وأخرجه أبو نُعيم في الحِلية عن سعيد - بنحوه.
إنكار المقداد على القعود عن الجهاد لآية النَفْر
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي يزيد المكي قال: كن أبو أيوب والمقداد ﵄ يقولان: أُمرنا أن ننفِر على كل حال، ويتأوَّلان هذه الآية: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ (التوبة: ٤١) .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي راشد الحَبْراني قال: وافيت
стр. 500
المقداد بن الأسود ﵁ فارس رسول الله ﷺ جالساً على تابوت من تابوت الصيارفة بحمص، قد فَضَل عنها من عِظَمِه، يريد الغزو؛ فقلت له: لقد أعذَر إِليك. قال: أتت علينا سورة البعوث: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ . وأخرجه الطبراني عن أبي راشد - بنحوه؛ قال: الهيثمي: وفيه بقيّة بن الوليد وفيه ضعف، وقد وُثِّق؛ وبقية رجاله ثقات. انتهى. وأخرجه الحاكم، وابن سعد عن أبي راشد - بنحوه. وقال الحاكم: هذا حيث صحيح الإِسناد، لم يخرِّجاه. انتهى. وأخرجه البيهقي عن جُبير بن نُفير قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود ﵁ بدمشق وهو على تابوت ما به عنه فَضْل. فقال له رجل: لو قعدت العام عن الغزو. قال: أتت علينا سورة البعوث يعني سورة التوبة؛ قال الله ﵎: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ فلا أجدني إِلا خفيفاً.
ق صة أبي طلحة في ذلك
وذكر ابن عبد البر في الإستيعاب عن حمَّاد بن سلمة عن ثابت البُناني، وعلي بن زيد عن أنس: أن أبا طلحة ﵁ قرأ سورة براءة؛ أتى على قوله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ . فقال: لا أرى ربَّنا إلا يستنفرنا شباباً
стр. 501
وشيوخاً؛ يا بَنيَّ، جهّزوني جهّزوني. فقالوا له: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر ﵁ حتى مات، ومع عمر ﵁ حتى مات؛ فدعنا نغزُ عنك. قال: لا، جهزوني، فغزا البحر فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه بها وهو لم يتغير. انتهى. وأخرجه ابن سعد من طريق ثابت، وعلي عن أنس - بنحوه مطوّلاً. وقد أخرجه البيهقي: والحاكم من طريق حماد عن ثابت وعلي عن أنس بمعناه مختصراً، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه. وأخرجه أيضاً أبو يعلى كما في المجمع مختصراً، وقال: رجاله رجال الصحيح.
قصة أبي أيوب في ذلك
وأخرج الحاكم عن محمد بن سِيرين قال: شهد أبو أيوب ﵁ مع رسول الله ﷺ بدراً، ثم لم يتخلَّف عن غزاة إلا عاماً واحداً؛ فإنه أستُعمل على الجيش رجلٌ شاب فقعد ذلك العام؛ فجعل بعد ذلك (العام) يتلهّف ويقول: ما عليّ من أستُعمل (عليَّ - ثلاثاً - قال) ، فمرض وعلى الجيش يزيد بن معاوية. فدخل عليه يعوده فقال: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي إذا أنا متّ، فاركب بي ثم سُغْ بي في أرض العدوّ ما وجدت مساغاً، فإذا لم تجد مساغاً فادفني، ثم إرجع (فلما مات ركب به ثم سار به في أرض العدو وما وجد مساغاً ثم دفنه ثم رجع) . قال: وكان أبو أيوب ﵁ يقول: قال الله : ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ فلا أجدُني إلا خفيفاً أو ثقيلاً.
стр. 502
وأخرجه أيضاً ابن سعد عن محمد - بنحوه، كما في الإِصابة. وقال: ورواه ابن إسحاق الفَزَاري عن محمد، وسمّى الشاب: عبد الملك بن مروان - انتهى.
وأخرج ابن عبد البرّ في الإستيعاب عن أبي ظَبْيان عن أشياخه عن أبي أيوب ﵁: أنه خرج غازياً في زمن معاوية ﵁ فمرض. فلما ثَقُل قال لأصحابه: إِذا أنا متّ فاحملوني؛ فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم؛ ففعلوا - وذكر تمام الحديث. انتهى.
وأخرجه الإِمام أحمد كما في البداية عن أبي ظَبْيان قال: غزا أبو أيوب ﵁ مع يزيدَ بن معاوية. قال فقال: إِذا متّ فأدخلوني في أرض العدو، فادفنوني تحت أقدامكم حيث تلقَون العدوّ. قال: ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة» . وأخرجه ابن سعد نحو سياق ابن عبد البرّ.
قصة أبي خيثمة في ترك نعيم الدنيا والخروج في سبيل الله
وذكر ابن إسحاق أن أب خيثمة رجع - بعدما سار رسول الله ﷺ أياماً - إلى أهله في يوم حار، فوجد إمرأتين له في عريشين لهما في
стр. 503
حائطه، قد رشَّت كل واحدة منها عريشها وبرَّدت (له) فيه ماء وهيأت له فيه طعاماً. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى إمرأتيه وما صنعتا له. فقال: رسول الله ﷺ في الضحِّ والريح والحرّ، وأبو خيثمة في ظلّ بارد وطعام مهيّأ وامرأة حسناء (مقيم) في ماله، ما هذا بالنَّصَف (ثم قال) الله، لا أدخل عريش وحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ فهيِّئا (لي) زاداً، ففعلتا. ثم قدّم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهْب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله ﷺ فترافقا حتى إذا دَنَا من تبوك. قال أبو خيثمة لعُمير بن وهْب: إنَّ لي ذنباً فلا عليك أن تتخلَّف عني حتى آتي رسول الله ﷺ ففعل حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ (وهو نازل بتبوك) قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله ﷺ «كُنْ أبا خيثمة» . فقالوا: يا رسول الله هو - والله - أبو خيثمة فلما أناخ) أقبل فسلَّم على رسول الله ﷺ فقال له: (رسول الله ﷺ : «أولى لك يا أبا خيثمة» : خيراً، ودعا له بخير. وقد ذكر عُروة بن الزبير، وموسى بن عُقبة بن قصَّة أبي خيثمة بنحو من سياق ابن إسحاق وأبسط، وذكر أن خروجه إلى تبوك كان في زمن الخريف. كذا في البداية.
وأخرج الطبراني كما في المجمع عن سعد بن خيثمة رضي الله
стр. 504
عنه قال: تخلّفت عن رسول الله ﷺ فدخلت حائطاً، فرأيت عريشاً قد رُش بالماء، ورأيت زوجتي، فقلت: ما هذا بالإِنصاف، إنَّ رسول الله ﷺ في السَّموم والحميم وأنا في الظلّ والنعيم فقمت إلى ناضح فاحتقبته، وإِلى تمرات فتزوَّدتها، فنادت زوجتي: إلى أين يا أبا خيثمة؟ فخرجت أُريد رسول الله ﷺ حتى إذا كنت ببعض الطريق لقيني عُمير بن وهب، فقلت: إنك رجل جريء وإني أعرف جئت ﵁، وإني أمرؤ مذنب، فتخلّف عني حتى أخلوَ برسول الله ﷺ فتخلف عني عمير. فلما طلعت على العسكر فرآني الناس، فقال رسول الله ﷺ «كُنْ أبا خيثمة» .d فجئت فقلت: كدتُ أهلِك يا رسول الله فحدثته حديثي. فقال لي رسول الله ﷺ خيراً، ودعا لي. قال الهيثمي: وفيه يعقوب بن محمد الزهري، وهو ضعيف. انتهى.
حزن الصحابة ﵃ على عدم القدرة على الخروج والإِنفاق في سبيل الله قصة أبي ليلى وعبد الله بن مُغَفَّل
قال ابن إسحاق: بلغني أن ابن يامين النَّضْري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مُغَفَّل ﵄ وهما يبكيان. فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملَنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوّى به على
стр. 505
الخروج معه. فأعطاهما ناضحاً له، فارتحلاه وزوّدهما شيئاً من تمر، فخرجا مع ﵁. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وأما عُلْبة بن زيد ﵁ فخرج من الليل فصلَّى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال: اللهمّ إنك أمرتَ بالجهاد ورغَّبتَ فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدّق على كل مسلم بكل مظلِمة أصابني (بها) في مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس. فقال رسول الله ﷺ «أين المتصدّق هذه الليلة؟» فلم يقم أحد، ثم قال: «أين المتصدّق، فلْيقم؟» فقام إليه فأخبره. فقال رسول الله ﷺ «أبشر، فوالذي نفسي بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبّلة» .. كذا في البداية. قال في الإِصابة: ذكر ابن إسحاق الحديث بغير إسناد، وقد ورد مسنداً موصولاً من حديث مجمع بن جارية، ومن حديث عمرو بن عوف وأبي عبس بن جَبْر، من حديث عُلْبة بن زيد وقتيبة. فقد روى ذلك ابن مردويه عن مجمع بن حارثة.
قصة علبة بن زيد ﵁
وروى ابن منده عن أبي عَبْس بن جَبْر قال: كان عُلبة بن زيد بن حارثة ﵁ رجلاً من أصحاب ﵁. فلما حضّ على الصدقة جاء كل رجل منهم بطاقته وما عنده. فقال عُلبة بن زيد: اللهمَّ إنَّه ليس عندي ما أتصدّق بن. اللهمَّ إنِّي أتصدّق بعِرضي على من ناله من خلقك. فأمر رسول الله ﷺ منادياً، فنادى: «أين المتصدِّق بعرضه البارحة؟» . فقام علبة فقال: «قد قُبلت صدقتك» .
стр. 506
وروى البزار عن لُبة بن زيد ﵁ نفسِه قال: حثّ رسول الله ﷺ على الصدقة - فذكر الحديث. قال البزّار: عُلبة هذا رجل مشهور من الأنصار، ولا نعلم له غير هذا الحديث. وروى ابن أبي الدنيا، وابن شاهين من طريق كَثِير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده نحوه - انتهى مختصراً. وأخرجه ابن النجار عن عُلبة بن زيد - مختصراً؛ كما في كنز العمال.
الإِنكار على من أخّر الخروج في سبيل الله إنكار النبي ﷺ على ابن رواحة
أخرج الإِمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث إلى مؤتة، فاستعمل زيداً، فإنْ قتل زيد فجعفر، فإنْ قتل جعفر فابن رواحة؛ فتخلّف ابن رواحة. فجمَّع مع النبي ﷺ فرآه فقال: ما خلَّفك؟ فقال: أجمِّع معك. قال: لَغَدوة أو رَوْحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» - كذا في البداية. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة عن ابن عباس - نحوه؛ كما في الكنز.
وأخرج الإِمام أحمد أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة ﵁ في سريّة، فوافق ذلك يوم
стр. 507
الجمعة. قال: فقدَّم أصحابه وقال: أتخلَّف فأصلِّي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ألحقهم. قال: فلما صلَّى رسول الله ﷺ رآه، فقال: «ما منك أن تغدوَ مع أصحابك؟» فقال: أردتُ أن أصلِّي معك الجمعة ثم ألحقَهم. قال رسول الله ﷺ «لو أنفقتَ ما في الأرض جميعاً ما أدركت غَدْوتهم» . وهذا الحديث قد رواه الترمذي ثم علَّله بما حكاه عن شُعبة أنه قال: لم يسمع الحكم عن مُقَسِّم إلا خمسةَ أحاديث، وليس هذا منها. كذا في البداية.
إنكاره ﷺ على رجل من أصحابه تأخيره الخروج
وأخرج الإِمام أمد أيضاً عن معاذ بن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه أمر أصحابه بالغزو. فقال رجل لأهله: أتخلّف حتى أصلي مع رسول الله ﷺ ثم أسلِّم عليه وأودّعه، فيدعو لي بدعوة تكون سابقة يوم القيامة. فلما صلَّى النبي ﷺ أقبل الرجل مسلِّماً عليه. فقال له رسول الله ﷺ «أتدري بكم سبقك أصحابك؟» قال: نعم، سبقوني اليوم بغدوتهم. فقال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده لقد سبقوك بأبعدَ ممّا بين المشرقين والمغربين في الفضيلة» . قال الهيثمي: وفيه زَبَّان بن فائد وثَّقه أبو حاتم، وضعَّفه جماعة؛ وبقية رجاله ثقات. انتهى.
أمره ﵇ سرية بالخروج في الليل
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بسرّية تخرج. فقالوا: يا رسول الله، أنخرج الليلة أم نمكث حتى نصبِّح؟ فقال:
стр. 508
«أوَ لا تحبون أن تبيتوا في خريف من خرائف الجنة؟» - والخريف: الحديقة - وأخرجه الطبراني أيضاً عن أبي هريرة - بنحوه: قال الهيثمي: وشيخه بكر بن سهل الدِمياطي؛ قال الذهبي: مقارب الحديث؛ وقال النِّسائي: ضعيف، وفيه ابن لهيعة أيضاً. انتهى.
إنكار عمر على معاذ بن جبل تأخيره الخروج
أخرج ابن راهَوَيْهِ، والبيهقي عن أبي زُرعة بن عمر بن جرير قال: بعث عمر بن الخطاب جيشاً وفيهم معاذ بن جبل ﵄، فلما ساروا رأى معاذاً، فقال: ما حبسك؟ قال: أردت أن أصلِّي الجمعة ثم أخرج. فقال عمر: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الغَدْوة والرَّوْحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها؟» كذا في كنز العمال.
العتاب على من تخلَّف عن سبيل الله وقصَّر فيه قصة كعب بن مالك الأنصاري
أخرج البخاري عن كعب بن مالك ﵁ قال: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلّفت في غزوة بدر ولم يعاتِب أحداً تخلّف عنها؛ إِنما خرج رسول الله ﷺ يريد عِيَ قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإِسلام، وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر؛ وإن كانت بدر أذكَرَ في الناس منها. وكان من خبري: أني لم أكن قطُّ
стр. 509
أقوى ولا أيسر حين تخلَّفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قطّ حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حرّ شديد، واستقبل سفراً بعيد ومفازاً وعدوّاً كثيراً، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد. والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان -. قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظنّ أنْ سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله.
وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه. فطفقت أغدو لكي أتجهَّز معهم فأرجع ولم أقضِ شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادَى بي حتى اشتد بالناس الجدّ، فأصبح رسول الله والمسلمون معه، لم أقضِ من جَهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين، ثم ألحقهم؛ فغدوت بعد أن فَصَلوا لأتجهّز، فرجعت ولم أقضِ شيئاً. ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقضِ شيئاً. فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، - وليتني فعلت - فلم يقدَّر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إِلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك. فقال - وهو جالس في القوم بتبوك -: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سِلمة؛ يا رسول الله، حبسه بُراده ونَظَرُه في عِطْفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إِلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 510
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلاً حضرني همِّي، وطفقت أتذكَّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً؟ واستعنتُ على ذلك بكل ذي رأيٍ من أهلي. فلما قيل: إنَّ رسول الله ﷺ قد أظلَّ قادماً زاح عني الباطل، وعرفت أنِّي لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه. وأصبح رسول الله ﷺ قادماً، فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له - وكانوا بضعةً وثمانين رجلاً - فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكَل سرائرهم إلى الله . فجئته، فلما سلّمت عليه تَبَسَّم تَبَسُّمِ المُغْضَب، ثم قال: «تعالَ» . فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظَهْرك؟» فقلت: بلى، إني - والله - لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلاً، ولكني - والله - لقد علمتُ لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضَى به عني ليوشِكَنَّ الله أنْ سخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنك. فقال رسول الله ﷺ «أمّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضيَ الله فيك» . فقمت. فثار رجال من بني سَلِمة فاتَّبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا؟ ولقد عَجزَت أن لا تكون اعتذرتَ إِلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المخلّفون، وقد كان كافيكَ ذنبَكَ إستغفارُ رسول الله ﷺ لك. فوالله ما زالوا يؤنّبونني حتى هممت أن أرجع فأكذِّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان. قالا مثل ما قلت، وقيل لهما: مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع
العَمْري، وهِلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أُسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة من بين من تخلّف
стр. 511
عنه، فاجْتنبَنَا الناس وتغيّروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرضُ، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلَدهم؛ فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلِّي قريباً منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإِذا التفتّ نحوه أعرض عني. حتى إذا طال عليّ ذلك من جَفْوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمِّي وأحبُّ الناس إليّ - فسلَّمت عليه، فوالله ما رد عليّ السلام؛ فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؟ فسكت. فعدت له فنَشَدته، فسكت. فعدت له فنَشَدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتولّيت حتى تسوَّرتُ الجدار.
قال: وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطيٌ من أنباط أهل الشام ممّن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إِذا جاءني دفع إليّ كتاباً من ملك غسان (في سَرَقة من حرير) فإذا فيه:
ب>٢ «أما بعد: فإنه قد بلغني أنَّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هَوانٍ ولا مَضْيَعة، فالحقْ بنا نواسِك» .
فقلت لما قرأتها وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها.
(فأقمنا على ذلك) ، حتى إذا مضَت أربعون ليلة من الخمسين، إِذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني، إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل إمرأتك. فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: «لا، بل إعتزلها ولا تقربها» ، وأرسل إلى
стр. 512
صاحبيّ بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت إمرأة هلال بن أُمية إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله إنَّ هلال بن أُمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربْك» . قالت: إنه - والله - ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إِلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنتَ رسول الله ﷺ في إمرأتك كما استأذن هلال بن أُميّة أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يُدريني ما يقول رسول الله ﷺ إِذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب؟.
قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لن خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت - سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج. وآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشِّروننا، وذهب قَبِل صاحبيَّ مبشرون، وركض رجل إليّ فرساً، وسعى ساعٍ من أسلَم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة يقولون: لتهنِكَ توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله ﷺ جالس حولَه الناس؛ فقام إليّ طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيرُه؛ ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلّمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو
стр. 513
يبرق وجهه من السرور - «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك» قال قلت: أمِنْ عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله» ، وكان رسول الله ﷺ إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر؛ وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صَدَقةً إلى الله وإِلى رسوله. قال رسول الله ﷺ أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله إنَّ الله إنما نجّاني بالصدق، وإِن من توبتي،
ألا أُحدِّث إلا صدقاً ما بقيت؛ فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت وأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِىّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاْنصَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٧ - ١١٩) ، فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإِسلام أعظم من نفسي من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلِك كما هلَك الذين كذبوا؛ فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد؛ قال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٩٥/ ٩٦) .
قال كعب: وكنا خُلِّفنا - أيها الثلاثة - عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه. فبذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: ١١٨) ، ليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا من الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن
стр. 514
حلف له، واعتذر إليه، فقبل منهم. وهكذا رواه مسلم، وابن إسحاق. رواه الإِمام أحمد بزيادات يسيرة. كذا في الإِصابة. وأخرجه أيضاً أبو داود، والنِّسائي بنحوه مفرقاً مختصراً. وروى الترمذي قطعة من أوله، ثم قال: وذكر الحدث. كذا في الترغيب. وأخرجه البيهقي بطوله.
التهديد على من أقام في الأهل والمال وترك الجهاد تحقيق أبي أيوب في مراد آية ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾
أخرج البيهقي عن أبي عمران ﵁ قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عُقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل - يريد فَضالة بن عبيد ﵄، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج علينا، فصاح الناس إِليه فقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري ﵁ صاحبُ رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إِنكم لتأوِّلون هذه الآية على هذا التأويل، إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إِنَّا لما أعزّ الله دينه وكَثُر ناصروه فقلنا - فيما بيننا بعضنا لبعض سراً من رسول الله ﷺ : إِنَّ أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل
стр. 515
الله يردّ علينا ما هممنا به - فقال: ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ١٩٥) ، فكانت التهلكة في الإِقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا نصلحها. فأمرنا بالغزو فما زال أبو أيوب ﵁ غازياً في سبيل الله حتى قبضه الله .
وأخرجه أيضاً البيهقي من وجه آخر عن أبي عمران ﵁ قال: غزونا المدينة - يريد القُسطنطينية -، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة. فحمل رجل على العدوّ. فقال الناس: مَهْ مَهْ لا إله إلا الله يلقي بيده إلى لتهلكة. فقال أبو أيوب ﵁: إنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ لمّا نصر الله نبيه وأظهر الإِسلام. قلنا: هَلُمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها. فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، فالإِلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحَها وندعَ الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقُسطنطينية.
وأخرج أبو داود، والترمذي، والنِّسائي عنأ بي عمران ﵁ قال: حمل رجل من المهاجرين بالقُسطنطينية على صفِّ العدوّ حتى خرقه؛ ومعنا أبو أيوب الأنصاري ﵁. فقال ناس: ألقَى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا. صحبنا رسول الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإِسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار تحبّباً، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى فشا الإِسلام وكثر
стр. 516
أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما؛ فنزل فينا ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، فكانت التهلكة في الإِقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. وأخرجه أيضاً عبد بن حُميد في تفسيره، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مَرْدَوَيْه، وأبو يَعْلى في مسنده، وابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرِّجاه. كذا في تفسير لابن كثير.
التهديد والترهيب لمن اشتغل بالزراعة وترك الجهاد إنكار عمر على عبد الله العنسي
أخرج ابن عائذ في المغازي عن يزيد بن أبي حبيب قال: بلغ عمر بن الخطاب أنَّ عبد الله بن الحرّ العنسي ﵄ زرع أرضاً بالشام، فأنهب زرعه وقال: إنطلقت إلى ذلَ وصَغار في أعناق الكبار، فجعلته في عنقك. كذا في الإِصابة.
إنكار عبد الله بن عمرو بن العاص على رجل ترك الجهاد
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: مرّ
стр. 517
بعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ نفر من أهل اليمن، فقالوا له: ما تقول في رجل أسلم فحسن إسلامه، وهاجر فحسنت هجرته، وجاهد فحسن جهاده، ثم رجع إلى أبويه باليمن فبرّهما ورحمهما؟ قال: ما تقولون أنتم؟ قالوا نقول: قد ارتدّ على عقبيه.d قال: بل هو في الجنة؛ ولكن سأخبركم بالمرتد على عقبيه: رجل أسلم فحسن إسلامه، وهاجر فحسنت هجرته، وجاهد فحسن جهاده، ثم عَمَدَ إلى أرض نَبَطيّ فأخذها منه بجزيتها ورزقها، ثم أقبل عليها يعمّرها وترك جهاده، فذلك المرتد على عقبيه.
السرعة في السير في النفر في سبيل الله لاستئصال الفتنة قصة غزوة المُرَيْسيع
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنا في غزاة - قال سفيان مرة: في جيش - فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار؛ فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين: فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ما بال دعوى جاهلية؟» قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: «دعوها فإنَّه منتنة» . فسمع بذلك عبد الله بن أبيّ فقال: فَعَلوها؟؛ - والله - لئن رجعنا إلى المدينة ليخرِجنّ الأعزّ منها الأذلّ. فبلغ النبي ﷺ فقام عمر ﵁ فقال: يا رسول الله دَعْني أضربْ عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ «دَعْه، لا يتحدّث الناس أنَّ محمداً يقتل أصحابه» . كانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد. وأخرجه أيضاً مسلم، والإِمام أحمد، والبيهقي عن
стр. 518
جابر ﵁ بنحوه؛ كما في التفسير لابن كثير.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير، وعمرو بن ثابت الأنصاري أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المُرَيْسيع، - وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلَّل وبين البحر - فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ فكسر مَناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك، أحدهما من المهاجرين والآخر من بَهْز - وهم حلفاء الأنصار - فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزيّ، فقال: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال. ثم حُجز بينهم، فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول. فقال: قد كنت تُرجى وتَدفع فأصبحت لا تضرّ ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب - وكانوا يَدْعون كل حديثِ الهجرة الجلابيب - فقال عبد الله بن أُبيّ - عدو الله - والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. قال مالك بن الدُّخشْن - وكان من المنافقين -: ألم أقل لكم لا تنفقوا على من عندَ رسول الله حتى ينفَضُّوا؟ فسمع بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فأقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إئذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضربْ عنقه - يريد عمر ﵁ عبد الله بن أُبيّ -. فقال رسول الله ﷺ لعمر: «أوَ قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» فقال: عمر: نعم - والله - لئن أمرتني بقتله لأضربنَّ عنقه. فقال رسول الله ﷺ إجلس. فأقبل أُسَيد بن حُضَير ﵁ وهو أحد الأنصار ثم أحد بني عبيد الأشهل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إئذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضربْ عنقه. فقال رسول الله ﷺ أوَ
قاتله أنت
إن أمرتك بقتله؟ قل: نعم - والله - لئن أمرتني بقتله لأضربنّ بالسيف
стр. 519
تحت قُرْط أُذنيه. فقال رسول الله ﷺ إجلس؛ ثم قال رسول الله ﷺ «آذنوا بالرحيل» ، فهجَّر بالناس، فسار يومه وليلته والغد حتى متع النهار؛ ثم نزل ثم هجَّر بالناس مثلها حتى صبَّح في ثلاث سارها من قفا المشلّل. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أرسل إلى عمر فدعاه، فقال رسول الله ﷺ «أيْ عمر، أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟» فقال عمر: نعم. فقال رسول الله ﷺ والله لو قتلته يومئذٍ لأرغمت أنوف رجال، لو أمرتهم اليوم بقتله لقتلوه، فيتحدّث الناس أنِّي قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صَبْراً وأنزل الله :
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (المنافقون: ٧، ٨) - الآية. قال ابن كثير في تفسيره: هذا سياق غريب، وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه، انتهى. وقال ابن حجر في فتح الباري: وهو مرسل جيد. انتهى. وقد ذكر ابن إسحاق القصة بطولها كما في الإِصابة، وفي سياقه: ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْرَ يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدا مَسَّ الأرض فوقعوا نياماً، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أُبيّ.
الإِنكار على من لم يتم الأربعين في سبيل الله
أخرج عبد الرزاق عن زيد بن أبي حبيب قال: جاء رجل إِلى عمر
стр. 520
بن الخطاب ﵁، فقال: أينت كنت؟ قال: كنت في الرب اط. قال: كم رابطت قال: ثلاثين. قال: فهلا أتممت أربعين. كذا في كنز العمال.
الخروج لثلاثة أربعينات في سبيل الله قصة إمرأة وما قضى عمر في الخروج في سبيل الله
أخرج عبد الرزاق عن ابن جُريج قال: أخبرني من أصدِّق أن عمر ﵁ بينا هو يطوف سمع إمرأة تقول:
تطاول هذا الليلُ واسودَّ جانبهْ
وأرَّقني أن لا حبيبَ ألاعبُهْ
فلولا حِذارُ الله لا شيءَ مثلُه
لزُعزع من هذا السرير جوانبُهْ
فقال عمر ﵁: مالك؟ قالت: أغرَبْت زوجي منذ أشهر، وقد اشتقت إليه. قال: أردتِ سوءاً. قالت: معاذ الله قال: فاملكي عليك نفسك، فإنما هو البريد إليه. فبعث إِليه، ثم دخل على حفصة ﵂ فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمّني فأفرجيه عني، في كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفَضَت رأسها واستحيت. قال: فإن الله لا يستحيي من الحق. فأشارت بيدها ثلاثة أشهر، وإلا فأربعة أشهر. فكتب عمر ﵁ أن لا تُحبس الجيوش فوق أربعة أشهر. كذا في الكنز.
وأخرجه البيهقي من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال خرج عمر بن الخطاب ﵁ من الليل فسمع إمرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه
وأرَّقني أنْ لا حبيبَ ألاعبُهْ
стр. 521
فقال عمر بن الخطاب لحفصة بنت عمر ﵄: كم أكثرَ ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستةَ أو أربعةَ أشهر. فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا.
رغبة الصحابة في تحمُّل الغبار في سبيل الله إنكاره ﵇ على كراهية الغبار في سبيل الله
أخرج الطبراني عن ربيعِ بن زيد قال: بينما رسول الله ﷺ يسير معتدلاً إذ أبصر شاباً من قريش يسير معتزلاً (عن الطريق) . فقال: «أليس ذاك فلاناً؟» قالوا نعم. قال: «فادعوه» ، فجاء فقال له النبي ﷺ «مالك اعتزلت عن الطريق؟» قال: كرهت الغبار. قال: «فلا تعتزله، فوالذي نفسي بيده إِنه لذريرة الجنة» .
قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. انتهى.
قصة جابر بن عبد الله في الباب
وأخرج ابن حِبَّان في صحيحه عن أبي المُصبِّح المُقْرائي قال: بينما نحن نسير بأرض الروم في طائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي، إذ مرّ مالك بجابر بن عبد الله ﵄ وهو يقود بغلاً له، فقال له مالك: أيْ أبا عبد الله إركب فقد حملك الله. فقال جابر: أصلح دابتي، وأستغني عن قومي، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النار» . فسار حتى إذا كان حيث يسمعه الصوت نادى بأعلى صوته: يا أبا عبد الله إركب فقد حملك الله، فعرف جابر الذي يريد، فقال أصلح
стр. 522
دابتي، وأستغني عن قومي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرّمه الله على النار. فتواثب الناس عن دوابهم، فما رأيت يوماً أكثر ماشياً منه. ورواه أبو يَعْلى بإسناد جيِّد إلا أنه قال: عن سليمان بن موسى قال: بينما نحن نسير - فذكره بنحوه؛ وقال فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حرّم الله عليهما النار» ؛ فنزل مالك ونزل الناس يمشون، فما رئي يومُ أكثر ماشياً منه. كذا في الترغيب. قال الهيثمي: رواه أبو يَعلى، ورجاله ثقات. انتهى. وقال في الإِصابة: وهذا الحديث قد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده بسنده المذكور - أي عن أبي المُصَبِّح - فقال فيه: إذ مرّ جابر بن عبد الله. وكذا أخرجه ابن المبارك في كتاب الجهاد؛ وهو في مسند الإِمام أحمد؛ وصحيح ابن حِبَّان من طريق ابن المبارك. انتهى. وأخرجه البيهقي من طريق أبي المُصَبِّح - بنحوه.
الخدمة في الجهاد في سبيل الله خدمة المفطرين للصائمين في سبيل الله
أخرج مسلم عن أنس ﵁ قال: كنَّا مع النبي ﷺ في السفر، فمنّا الصائم، ومنَّا المفطر. قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً
стр. 523
صاحب الكِساء؛ ومنَّا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصُوَّام وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقَوا الركاب. فقال رسول الله ﷺ «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» . وأخرجه البخاري عن أنس ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ أكثرنا ظلا من يستظل بكِسائه؛ وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب، وامتهنوا، وعالجوا فقال النبي ﷺ «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» .
خدمة الصحابة لرجل يشتغل بالقرآن والصلاة
وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي قِلابة ﵁: أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قدموا يُثْنون على صاحب لهم خيراً. قالوا: ما رأينا مثل فلان قط، ما كان في مسير إلا كان في قراءة، ولا نزلنا في منزل إلا كان في صلاة. قال: «فمن كان يكفيه ضيعته» - حتى ذكر -: ومن كان يعلف جمله أو دابته؟» قالوا: نحن. قالوا: «فكلّكم خير منه» . كذا في الترغيب.
حمل سفينة مولى رسول الله ﷺ متاع الصحابة
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جَمْهان قال: سألت سفينة عن إسمه. فقال: إني مخبرك باسمي: سمّاني رسول الله ﷺ سفينة. قلت: لِمَ سماك سفينة؟ قال: خرج ومعه أصحابه، فثقل عليه متاعهم. فقال:
стр. 524
«إبسط كساءك» . فبسطته، فجعل فيه متاعهم ثم حَملَه عليّ. فقال: «إحمل ما أنت إلا سفينة» قال: فلو حملت يومئذٍ وقْرَ بعير أو بعيرين أو خمسة أو ستة ما ثقل عليَّ.
قصة أحمر مولى أم سلمة ومجاهد مع ابن عمر
وأخرج الحسن بن سفيان، وابن مَنْدَه، والمالِيني، وأبو نُعيم عن أحمرَ مولى أم سَلَمة ﵄ قال: كنَّا مع النبي ﷺ في غَزَاة، فمررنا بوادٍ فجعلت أعبِّرُ الناس. فقال لي النبي ﷺ «ما كنت في هذا اليوم إلا سفينة» . كذا في المنتخب. وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن مجاهد قال: كنت أصحب ابن عمر ﵃ في السفر، فإن أردت أن أركب يأتيني فيمسك ركابي، وإِذا ركبت سوّى ثيابي. قال مجاهد: فجاءني مرة فكأني كرهت ذلك. فقال: يا مجاهد إنَّك ضيِّق الخُلُق.
الصوم في سبيل الله صوم النبي ﷺ والصحابة في سبيل الله مع شدة الحر
أخرج مسلم عن أم الدَرْداء قالت: قال أبو الدَرْداء: لقد رأيتُنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في يوم شديد الحرّ، حتى إِن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إِلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. وفي رواية أخرى له له عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵄ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرّ شديد - فذكره. وأخرج مسلم أياً عن أبي سعيد الخِدري ﵁ قال: كنا نغزو مع رسول الله
стр. 525
صلى الله عليه وسلم في رمضان، فنّا الصائم ومنّا المفطر، فلا يجد، الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يَروْن أنّ من وَجَد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أنَّ من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن.
صوم عبد الله بن مخرمة يوم اليمامة
وأخرج ابن عبد البَرِّ في الإستيعاب عن ابن عمر ﵂ قال: أتيت على عبد الله بن مَخْرَمة ﵁ صريعاً يوم اليمامة فوقفت عليه. فقال: يا عبد الله بن عمر هل أفطر الصائم؟ قلت: نعم. قال: فاجعل في هذا المِجَنِّ ماءً لعلِّي أفطر عليه. قال: فأتيت الحوض وهو مملوء ماء فضربته بحَجَفة معي، ثم اغترفت فيه؛ فأتيت به فوجدته قد قضى نحبه. وأخرجه أيضاً ابن أبي شَيْبة، والبخاري في التاريخ؛ كما في الإِصابة، قال: وأخرجه ابن المبارك في الجهاد من وجه آخر عن ابن عمر أتم منه.
صوم عوف بن أبي حيَّة وقول عمر فيه
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنَّفه بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم عن مُدْرِك بن عوف الأحْمسي قال: بينما أنا عند عمر ﵁ إذ أتاه رسول النعمان بن مقرِّن، فسأله عمر عن الناس. فذكر من أصيب من المسلمين وقال: قتل فلان وفلان، وآخرون لا نعرفهم، فقال عمر: لكنَّ الله يعرفهم. قالوا: ورجل اشترى نفسه - يعنون عوف بن أبي حيَّة الأحمسي أبا
стр. 526
شَبِيل - قال مدرك بن عوف: يا أمير المؤمنين، والله خالي يزعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة. فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا. قال: وكان أصيب وهو صائم، فاحتُمل وبه رمق، فأبى أن يشرب حتى مات. كذا في الإِصابة.
صوم أبي عمرو الأنصاري
وقد تقدم (ص ٣٢٤) حديث محمد بن حنفية في «تحمُّل شدّة العطش» قال: رأيت أبا عمرو الأنصاري ﵁ وكان بَدْرِياً عَقَبِياً أُحُدِياً - وهو صائم يتلوّى من العطش، وهو يقول لغلامه: ويحك تَرَّسيْني، فترسه الغلام حتى نزع بسهم نزعاً ضعيفاً - فذكر الحديث، وفيه: فقتل قبل غروب الشمس: أخرجه الطبراني، والحاكم.
الصلاة في سبيل الله صلاة النبي ﵇ يوم بدر
أخرج ابن خُزيمة عن علي ﵁ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائم؛ إلا رسولَ الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. كذا في الترغيب.
صلاة النبي ﵇ في عسفان
وأخرج الإِمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: كنَّا مع رسول
стр. 527
الله ﷺ بعُسْفان؛ فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة؛ فصلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر. فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرَّتهم، ثم قالوا: تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ (النساء: ١٠٢) - فذكر صلاة الخوف. وعند مسلم عن جابر ﵁ قالوا: إِنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد. كذا في البداية.
صلاة عباد بن بشر الأنصاري في سبيل الله
وأخرج ابن إسحاق عن جابر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرِقاع من نخل، فأصاب رجل إمرأة رجل من المشركين. فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلاً أتى زوجُها - وكان غائباً - فلما أُخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يُهَرِيقَ في أصحاب محمد دماً. فخرج يتبع أثر رسول الله ﷺ فنزل رسول الله ﷺ منزلاً فقال: «من (رجل) يكلؤنا ليلتَنا؟» فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله. قال: «فكونا بفم الشِّعب من الوادي» وهما: عمار بن ياسر وعبَّاد بن بشر. فلما خرجا إلى فم الشِّعب قال الأنصاري للمهاجري: أيُّ الليل تحب أن أكفيكَهُ أولَه أم آخرَه؟ قال: بل أكفني أوّلَه، فاضطجع المهاجري فنام؛ وقام
стр. 528
الأنصاري يصلِّي. قال: وأتى الرجل: فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئةُ القوم، فرمى بهم فوضعه فيه، فانتزعه ووضعه وثبت قائماً. قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائماً. قال: ثم عاد له بالثالث، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهبَّ صاحبه، فقال: إجلس فقد أُثْبِتُّ. قال: فوثب الرجل، فلما رآهما عرف أنه قد نذِرا به، فهرب. قال: ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحبَّ أن أقطعها حتى أنفذها. فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فآذنتك، وايْمُ الله، لولا أن أضيِّع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقَطَع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها. ورواه أبو داود من طريقه - كذا في البداية. وأخرجه أيضاً ابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم في المستدرك - وصححه - والدارقطني، والبيهقي في سننهما؛ وعلقه البخاري في صحيحه كما في نصب الراية. ورواه البيهقي في دلائل النبوة وقال فيه: فنام عمار بن ياسر، وقام عبَّاد بن بشر ﵄ يصلي،
وقال:
كنت أصلي بسورة وهي الكهف، فلم أحب أن أقطعها اهـ.
стр. 529
صلاة عبد الله بن أنيس في سبيل الله
وأخرج الإِمام أحمد عن عبد الله بن أُنَيس ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: «إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نُبَيح الهُذلي يجمع لي الناس ليغزوَني وهو بعُرنة فأْتِهِ فاقتله» . قال قلت: يا رسول الله، إنعته لي حتى أعرفَه. قال: «إذا رأيتَه وجدتَ له قُشعريرة» . قال: فخرجت متوشِّحاً بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعُرنَة مع ظُعُن يرتاد لهنَّ منزلاً وحين كان وقت العصر. فلما رأيتُه وجدتُ ما وصف لي رسول الله ﷺ من القُشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيتُ أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصلّيت وأنا أمشي نحوه أُومىء برأسي للركوع والسجود. فلما انتهيت إليه قال: مَنِ الرجل؟ قلت: رجل من العرب، سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك. قال: أجلْ، أنا في ذلك.
قال: فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مُكِبَّات عليه. فلما قدمت على رسول الله ﷺ فرآني قال: «أفلح الوجه» . قال: قلت: قتلته يا رسول الله. قال: «صدقت» . قال: ثم قام معي رسول الله ﷺ فدخل في بيته فأعطاني عصاً، فقال: «أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أُنَيس» . قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكَها. قالوا: أوَ لا ترجع إِلى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: «آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقلَّ الناس المتخصِّرون يومئذٍ» . قال: فقرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضمت في كفنه، ثم دُفِنا جميعاً. كذا في
стр. 530
البداية.
قيام الليل في سبيل الله
وأخرج الطبري عن عروة ﵁ قال: لما تدانى العسكران يوم اليرموك بعث القُبُقْلار رجلاً عربياً - فذكر الحديث؛ وفيه: فقال له: ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان.
وأخرج أحمد بن مروان المالكي عن أبي إسحاق - فذكر الحديث، وفيه: قال هِرَقل: فمال بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار. وأخرجه ابن عساكر عن ابن إسحاق.
وستأتي تلك الأحاديث في «أسباب التأييدات الإلهية» . وقد تقدم (ص ٢٥٥) حديث هند بنت عتبة عند ابن منده في «بيعة النساء» ، قالت هند: إني أريد أن أبايع محمداً. قال أبو سفيان: قد رأيتك تكفرين. قالت: إِي والله. والله ما رأيت الله تعالى عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله إِنْ باتوا إلا مصلِّين قياماً وركوعاً وسجوداً.
الذكر في سبيل الله ذكر الصحابة في ليلة الفتح
أخرج البيهقي عن سعيد بن المسيِّب قال: لمَّا كان ليلةُ دخل الناس مكة ليلةُ الفتح: لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا. فقال أبو سفيان لهند: أَتَرين هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله.s قال: ثم أصبح
следующие страницы →