Полный текст (1 779 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
شَبِيل - قال مدرك بن عوف: يا أمير المؤمنين، والله خالي يزعم الناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة. فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا. قال: وكان أصيب وهو صائم، فاحتُمل وبه رمق، فأبى أن يشرب حتى مات. كذا في الإِصابة.
صوم أبي عمرو الأنصاري
وقد تقدم (ص ٣٢٤) حديث محمد بن حنفية في «تحمُّل شدّة العطش» قال: رأيت أبا عمرو الأنصاري ﵁ وكان بَدْرِياً عَقَبِياً أُحُدِياً - وهو صائم يتلوّى من العطش، وهو يقول لغلامه: ويحك تَرَّسيْني، فترسه الغلام حتى نزع بسهم نزعاً ضعيفاً - فذكر الحديث، وفيه: فقتل قبل غروب الشمس: أخرجه الطبراني، والحاكم.
الصلاة في سبيل الله صلاة النبي ﵇ يوم بدر
أخرج ابن خُزيمة عن علي ﵁ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائم؛ إلا رسولَ الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. كذا في الترغيب.
صلاة النبي ﵇ في عسفان
وأخرج الإِمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: كنَّا مع رسول
стр. 527
الله ﷺ بعُسْفان؛ فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة؛ فصلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر. فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرَّتهم، ثم قالوا: تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ (النساء: ١٠٢) - فذكر صلاة الخوف. وعند مسلم عن جابر ﵁ قالوا: إِنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد. كذا في البداية.
صلاة عباد بن بشر الأنصاري في سبيل الله
وأخرج ابن إسحاق عن جابر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرِقاع من نخل، فأصاب رجل إمرأة رجل من المشركين. فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلاً أتى زوجُها - وكان غائباً - فلما أُخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يُهَرِيقَ في أصحاب محمد دماً. فخرج يتبع أثر رسول الله ﷺ فنزل رسول الله ﷺ منزلاً فقال: «من (رجل) يكلؤنا ليلتَنا؟» فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله. قال: «فكونا بفم الشِّعب من الوادي» وهما: عمار بن ياسر وعبَّاد بن بشر. فلما خرجا إلى فم الشِّعب قال الأنصاري للمهاجري: أيُّ الليل تحب أن أكفيكَهُ أولَه أم آخرَه؟ قال: بل أكفني أوّلَه، فاضطجع المهاجري فنام؛ وقام
стр. 528
الأنصاري يصلِّي. قال: وأتى الرجل: فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئةُ القوم، فرمى بهم فوضعه فيه، فانتزعه ووضعه وثبت قائماً. قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائماً. قال: ثم عاد له بالثالث، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهبَّ صاحبه، فقال: إجلس فقد أُثْبِتُّ. قال: فوثب الرجل، فلما رآهما عرف أنه قد نذِرا به، فهرب. قال: ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحبَّ أن أقطعها حتى أنفذها. فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فآذنتك، وايْمُ الله، لولا أن أضيِّع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقَطَع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها. ورواه أبو داود من طريقه - كذا في البداية. وأخرجه أيضاً ابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم في المستدرك - وصححه - والدارقطني، والبيهقي في سننهما؛ وعلقه البخاري في صحيحه كما في نصب الراية. ورواه البيهقي في دلائل النبوة وقال فيه: فنام عمار بن ياسر، وقام عبَّاد بن بشر ﵄ يصلي،
وقال:
كنت أصلي بسورة وهي الكهف، فلم أحب أن أقطعها اهـ.
стр. 529
صلاة عبد الله بن أنيس في سبيل الله
وأخرج الإِمام أحمد عن عبد الله بن أُنَيس ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: «إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نُبَيح الهُذلي يجمع لي الناس ليغزوَني وهو بعُرنة فأْتِهِ فاقتله» . قال قلت: يا رسول الله، إنعته لي حتى أعرفَه. قال: «إذا رأيتَه وجدتَ له قُشعريرة» . قال: فخرجت متوشِّحاً بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعُرنَة مع ظُعُن يرتاد لهنَّ منزلاً وحين كان وقت العصر. فلما رأيتُه وجدتُ ما وصف لي رسول الله ﷺ من القُشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيتُ أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة، فصلّيت وأنا أمشي نحوه أُومىء برأسي للركوع والسجود. فلما انتهيت إليه قال: مَنِ الرجل؟ قلت: رجل من العرب، سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك. قال: أجلْ، أنا في ذلك.
قال: فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مُكِبَّات عليه. فلما قدمت على رسول الله ﷺ فرآني قال: «أفلح الوجه» . قال: قلت: قتلته يا رسول الله. قال: «صدقت» . قال: ثم قام معي رسول الله ﷺ فدخل في بيته فأعطاني عصاً، فقال: «أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أُنَيس» . قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكَها. قالوا: أوَ لا ترجع إِلى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: «آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقلَّ الناس المتخصِّرون يومئذٍ» . قال: فقرنها عبد الله بسيفه، فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضمت في كفنه، ثم دُفِنا جميعاً. كذا في
стр. 530
البداية.
قيام الليل في سبيل الله
وأخرج الطبري عن عروة ﵁ قال: لما تدانى العسكران يوم اليرموك بعث القُبُقْلار رجلاً عربياً - فذكر الحديث؛ وفيه: فقال له: ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان وبالنهار فرسان.
وأخرج أحمد بن مروان المالكي عن أبي إسحاق - فذكر الحديث، وفيه: قال هِرَقل: فمال بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار. وأخرجه ابن عساكر عن ابن إسحاق.
وستأتي تلك الأحاديث في «أسباب التأييدات الإلهية» . وقد تقدم (ص ٢٥٥) حديث هند بنت عتبة عند ابن منده في «بيعة النساء» ، قالت هند: إني أريد أن أبايع محمداً. قال أبو سفيان: قد رأيتك تكفرين. قالت: إِي والله. والله ما رأيت الله تعالى عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله إِنْ باتوا إلا مصلِّين قياماً وركوعاً وسجوداً.
الذكر في سبيل الله ذكر الصحابة في ليلة الفتح
أخرج البيهقي عن سعيد بن المسيِّب قال: لمَّا كان ليلةُ دخل الناس مكة ليلةُ الفتح: لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا. فقال أبو سفيان لهند: أَتَرين هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله.s قال: ثم أصبح
стр. 531
أبو سفيان فغدا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «قلتَ لهند: أتَرين هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله» . فقال أبو سفيان: أشهد أنك عبد الله ورسوله؛ والذي يَحلِف به (أبو سفيان) ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند. كذا في البداية. وأخرجه ابن عساكر عن سعيد مثله، كما في الكنز: وقال: سنده صحيح.
ذكر الصحابة عند الإِشراف على وادٍ بغزوة خيبر
وأخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر - أو قال: لما توجه رسول الله ﷺ إلى خيبر - أشرف الناس على وادٍ فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر، لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ «أرْبِعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعُون أصمّ ولا غائباً، إنكم تدعون سمعياً قريباً وهو معكم» . وأنا خلف دابة رسول الله ﷺ فسمعني، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله: فقال: «يا عبد الله بن قيس» قلت: لبيك يا رسول الله قال: «ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة» . قلت: بلى، يا رسول الله فِداك أبي وأمي. قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله» . وقد رواه بقية الجماعة. والصواب أنه كان مرجعَهم من خيبر، فإن أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر. كذا في البداية.
стр. 532
تكبير الصحابة وتسبيحهم عند الصعود والنزول
وأخرج البخاري عن جابر ﵁ قال: كنا إِذا صَعِدنا كبَّرنا، وإذا نزلنا سبّحنا. وفي رواية أخرى عنده عنه: قال: كنا إذا صعِدنا كبّرنا، وإِذا تصوّبنا سبّحنا، وأخرجه أيضاً النسائي في «اليوم والليلة عن جابر - نحوه؛ كما في العيني.
قول ابن عمر في أنَّ الغزو جزءان
وأخرج بن عساكر عن ابن عمر ﵄ قال: الناس في الغزو جزءان: فجزء خرجوا يكثرون ذكر الله والتذكير به، ويجتنبون الفساد في السير، ويواسون الصاحب، وينفقون كرائم أموالهم، فهم أشدّ اغتباطاً بما أنفقوا من أموالهم منهم بما استفادوا من دنياهم، فإذا كانوا في مواطن القتال استحيَوا من الله في تلك المواطن أن يطّلع على ريبة في قلوبهم أو خذلانٍ للمسلمين، فإذا قدروا على الغلول طهَّروا منه قلوبهم وأعمالهم؛ فلم يستطع الشيطان أن يفتنهم ولا يُكلِّم قلوبهم؛ فبهم يعزّ الله دينه ويَكبت عدوّه. وأما الجزء الآخر: فخرجوا فلم يكثروا ذكر الله ولا التذكير به، ولم يجتنبوا الفساد، ولم ينفقوا أموالهم إلا وهم كارهون، وما أنفقوا من أموالهم رأوه مَغْرَماً وحدَّثهم به الشيطان، فإذا كانوا عند مواطن القتال كانوا مع آخرِ الآخرِ والخاذل الخاذل، واعتصموا برؤوس الجبال ينظرون ما يصنع الناس؛ فإذا فتح الله كانوا أشدهم تخاطباً بالكذب؛ فإذا قدروا على الغلول إجترؤوا فيه على الله، وحدثهم الشيطان أنها غنيمة؛ وإِن أصابهم رَخاء بطِروا، وإن أصابهم حَبْس فتنهم الشيطان بالعَرَض؛ فليس
стр. 533
لهم من أجر المؤمنين شيء غير أن أجسادهم مع أجسامهم، وسَيْرهم مع سيرهم، ونياتهم وأعمالهم شتى حتى يجمعهم الله يوم القيامة ثم يفرق بينهم. كذا في الكنز.
الإهتمام بالدعوات في الجهاد في سبيل الله الدعاء عند الخروج من قريته دعاؤه ﵇ عند الخروج من مكة وقت الهجرة
أخرج أبو نُعيم من طريق إِبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: بلغني أن رسول الله ﷺ لم خرج من مكة مهاجراً إلى الله يريد المدينة قال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئاً. اللهمّ أعنّي على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام. اللهم أصحبني في سفري، وأخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلِّلْني، وعلى صالح خُلُقي فقوّمني، وإليك رب فحبّبني، وإِلى الناس فلا تكلني. ربَّ المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض وكُشفت به الظلمات، وصَلَح عليه أمر الأوَّلين أن تُحلَّ عليّ غضبك، وتُنزل بي سخطك. أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجاءة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سَخَطك. لك العُتْبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة إلا بك» . كذا في البداية.
الدعاء عند الإِشراف على القرية دعاؤه ﵇ عند الإِشراف على خيبر
أخرج البيهقي عن أبي مروان الأسلمي عن أبيه عن جده قال:
стр. 534
خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر؛ حتى إذا كنا قريباً وأشرفنا عليها قال رسول الله ﷺ للناس: «قفوا» . فوقف الناس، فقال: «اللهمَّ ربَّ السماوات السبع وما أظللنَ، وربَّ الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، (وربَّ الرياح وما أَذْرَيْن) ، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّ هذه القرية وشرّ أهلها وشرّ ما فيها. أقدِموا بسم الله الرحمن الرحيم» . وأخرجه ابن إسحاق من طريق أبي مروان عن أبي مُعَتِّب. كما في البداية. وأخرجه الطبراني عن أبي معتِّب بن عمرو - نحوه؛ وزاد في آخره: وكان يقولها لكل قرية يريد يدخلها. قال الهيثمي: وفيه راوٍ لم يُسمَّ، وبقية رجاله ثقات.
الدعاء عند افتتاح الجهاد دعاؤه ﵇ في وقعة بدر
أخرج الإِمام أحمد عن عمر ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيِّف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزارُه، ثم قال: «اللهمَّ أنجز لي ما وعدتني. اللهمَّ إن تهلك هذه العِصابة من أهل الإِسلام فلا تعبد بعد في الأرض أبداً» ، فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه. فأتاه أبو بكر
стр. 535
رضي الله عنه فأخذ رداءه فرده، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا رسول الله، كفاك مناشدَتُك ربَّك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: ٩) - وذكر تمام الحديث. وقد رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن جرير وغيرهم؛ وصحَّحه علي بن المديني، والترمذي. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة. وأبو عَوانة، وابن حِبَّان، وأبو نعيم، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مَرْدَوَيْه، والبيهقي؛ كما في الكنز.
وأخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ خرج يوم بدر في ثلاث مائة وخمسة عشر رجلاً، فلما انتهى إليها قال: «اللهم إنَّهم حُفاةٌ فاحملهم. اللهمَّ إنهم عراةٌ فاكسهم. اللهمَّ إنهم جياعٌ فأشبعهم» . ففتح الله بهم يوم بدر، فانقلبوا ما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين، واكتسَوا وشبعوا كذا في جمع الفوائد. وأخرجه البيهقي مثله،
стр. 536
وابن سعد بنحوه. وأخرج النِّسائي عن ابن مسعود ﵁ قال: ما سمعت مناشداً ينشد أشدّ من مناشدة محمد ﷺ يوم بدر، جعل يقول: «اللهمَّ إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهمّ إن تَهّلِك هذه العصابة لا تعبد» ، ثم التفت وكأن شِقَّ وجهه القمرُ، وقال: «كأني أنظر إلى مصارع القوم عشيّة» . كذا في البداية. وأخرجه الطبراني بنحوه؛ قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
دعاؤه ﵇ في وقعة أُحد والخندق
وأخرج الإِمام أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أُحد: «اللهمَّ إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض» . ورواه مسلم. كذا في البداية.
وأخرج الإِمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الخناجر؟ قال: «نعم. اللهمّ إستر عوراتِنا، وآمن رَوْعاتنا» . قال: فضرب الله وجوه أعدائه (بالريح) . وأخرجه ابن أبي حاتم.
وأخرج الإِمام أحمد عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ أتى مسجد
стр. 537
الأحزاب، فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدّاً يدعو عليهم ولم يصلِّ. قال: ثم جاء ودعا عليهم وصلَّى. وثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: «اللهمَّ مُنزل الكتاب، سريع الحساب، إهزِم الأحزاب. اللهمَّ إهزِمهم وزلزلهم» . وفي رواية: «اللهمَّ إهزِمهم وانصرنا عليهم» . وعند البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا إله إلا الله وحده، أعزّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» . كذا في البداية.
الدعاء عند الجهاد دعاؤه ﵇ في وقعة بدر عند اشتغالهم في القتال
أخرج البيهقي عن علي ﵁ قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئاً من قتال، ثم جئت مسرعاً لأنظر إلى رسول الله ﷺ ما فعل. قال: فجئت فإذ هو ساجد يقول: «يا حيٌّ يا قيّوم، يا حيٌّ يا قيُّوم» ، لا يزيد عليه. رجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضاً. فذهبت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك حتى فتح الله على يديه. وقد رواه النسائي في
стр. 538
«اليوم والليلة» . كذا في البداية. وأخرجه أيضاً البزّار، وأبو يَعْلى، والفِرئْيابي، والحاكم بمثله؛ كما في كنز العمال.
الدعاء في الليل دعاؤه ﵇ في ليلة بدر
أخرج ابن مَرْدَوَيْه، وسعيد بن منصور علي علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلِّي تلك الليلة: ليلة بدر وهو يقول: «اللهمَّ إِن تَهْلِك هذه العصابة لا تعبد» ، وأصابهم تلك لليلة مطر. وعند أبي يَعْلى، وابن حِبَّان عنه قال: لما أصبح النبي ﷺ ببدر من الغد أحيا تلك الليلة كلَّها وهو مسافر. كذا في كنز العمال.
الدعاء بعد الفراغ دعاؤه ﵇ حين فرغ من وقعة أُحد
أخرج الإِمام أحمد عن رِفاعة الزُّرَقين قال: لما كان يوم أُحد وانكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ «إستووا حتى أُثني على ربي » : فصاروا خلفه صفوفاً. فقال: «اللهم لك الحمد كلُّه، اللهم لا
стр. 539
قبضت لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضلّ لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، لا مقرّب لما باعدت، ولا مبعِّد لما قرَّبت. اللهمَّ إبسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهمَّ إنِّي أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهمَّ إني أسألك النعيم يوم العَيْلة والأمن يوم الخوف. اللهمَّ إني عائذ بك من شرّ ما أعطيتنا وشر ما منعتنا. اللهمَّ حبِّبْ إلينا الإِيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهمَّ توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهمَّ قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رِجْزك وعذابك. اللهمَّ قاتل الكفرة الذين أُوتوا الكتاب، إله الحق» . ورواه النسائي في «اليوم والليلة» . كذا في البداية.
وأخرجه أيضاً البخاري في «الأدب» ، والطبراني، والبغوي، والباوَرْدي، وأبو نُعيم في «الحلية» ، الحاكم، والبيهقي. قال الذهبي: الحديث مع نظافة إسناده منكر أخاف أن يكون موضوعاً. كذا في كنز العمال. وقال الهيثمي بعدما ذكر الحديث: رواه الإِمام أحمد،
стр. 540
والبزار؛ ورجال أحمد رجال الصحيح. انتهى. وقد تقدم (ص ٢٧٧) دعاؤه ﷺ بعد فراغه من عرض الدعوة على أهل الطائف في «تحمُّل النبي ﷺ الشدائد والأذى في الدعوة إلى اا» .
الإهتمام بالتعليم في الجهاد في سبيل الله قول ابن عباس في معنى الآية ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾
أخرج البيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: قال الله ﵎: ﴿خذوا حذركم فانفروا ثبات أو أنفروا جميعا﴾ وقال: ﴿أنفروا خفافا وثقالا﴾ وقال: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ، ثم نسخ هذه الآيات
стр. 541
فقال: ﴿وما كان المؤمنون لينفرا كافة﴾ . قال: فتغزو طائفة مع رسول الله ﷺ وتقيم طائفة. قال: فالماكثون مع رسول الله ﷺ هم الذين يتفقون في الدين، وينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، لعلَّهم يحذرون ما نزَّل الله من كتابه وفرائضه وحدوده.
كتاب عمر إلى الأمراء للتفقه في الدين
وأخرج آدم بن أبي إياس في «العلم» عن الأحوص بن حكيم بن عمير العبسي قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أمراء الأجناد: تفقَّهوا في الدين فإنه لا يُعذر أحد باتباع باطل وهو يرى أنه حق، ولا بترك حق وهو يرى أنه باطل. كذا في كنز العمال.
جلوس الصحابة حِلَقاً في السفر
وأخرج عبد الرزاق عن حِطَّان بن عبد الله الرَقَاشي قال: كنا مع أبي موسى الأشعري ﵁ في جيش على ساحل دِجلة، إذ حضرت الصلاة فنادى منادِيه للظهر؛ فقام الناس إِلى الوضوء فتوضأ، ثم صلّى بهم، ثم جلسوا حِلَقاً. فلما حضرت العصر نادى منادِي العصر، فهبَّ الناس للوضوء أيضاً. فأمر مناديَه: ألا لا وضوء إِلا على من أحدث. قال أوشك العلم أن يذهب، ويظهر الجهل حتى يضرب الرجل أمه بالسيف من الجهل. كذا في الكنز. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار مختصراً.
стр. 542
النفقة في الجهاد في سبيل الله إنفاق بعض الصحابة في سبيل الله
أخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: جاء رجل بناقة مخطومة. فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ «لك بها يومَ القيامة سبع مائة ناقة. كلُّها مخطومة» . وأخرجه أيضاً النِّسائي، كما في جمع الفوائد.
وأخرج الإِمام أحمد - ورجاله رجال الصحيح - عن عبد الله بن الصامت قال: كنت مع أبي ذرّ ﵁ فخرج عطاؤه ومعه جارية له. قال: فحعلت تقضي حوائجه، ففضل معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوساً، قال قلت: لو أخَّرتَه للحاجة تنوبك أو للضيف ينزل بك. قال: إنَّ خليلي عهد إليّ أنْ «أيّما ذهبٍ أو فضةٍ أوكِيَ عليه فهو جَمْر على صاحبه حتى يفرغَه في سبيل الله » . وعند أحمد أيضاً والطبراني - واللفظ له -: «من أوكَى على ذهب أو فضة ولم ينفقه في سبيل الله كان جمراً يوم القيامة يكوى به» . كذا في الترغيب.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن قيس بن سَلْع الأنصاري رضي الله عنه
стр. 543
أن إخوته شكَوه إِلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنه يبذِّر ماله، وينبسط فيه. قلت: يا رسول الله، آخذ نصيبي من التمر، فأنفقه في سبيل الله وعلى من صحبني. فضرب رسول الله صدره وقال: «أنفق ينفقِ الله عليك» ثلاث مرات. فلما كان بعد ذلك خرجت في سبيل الله ومعي راحلة، وأنا أكثر أهل بيتي اليوم وأيسره. كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً ابن مَنْده. وهو عند البخاري من هذا الوجه باختصار، كما في الإِصابة.
ثواب الإِنفاق في الجهاد
وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قالت: «طوبى لمن أكثر في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله تعالى، فإنَّ له بكل كلمة سبعين ألف حسنة، كل حسنة منها عشرة أضعاف مع الذي له عند الله من المزيد» . قيل: يا رسول الله النفقة؟ قال: «النفقة على قدر ذلك» . قال بعد الرحمن: فقلت لمعاذ ﵁: إنّما النفقة بسبع مائة ضعف. فقال معاذ: قلّ فهمك إنما ذاك إذا أنفقوها وهم مقيمون بين أهليهم غير غُزاة. فإذا غزوا وأنفقوا خبَّأ الله لهم من خزائن رحمته ما ينقطع عنه علم العباد ووصفهم، فأولئك حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. قال الهيثمي وفيه رجل لم يسمَّ. انتهى.
وقد أخرجه القزويني بمجهول وإرسال، كما في جمع الفوائد عن
стр. 544
الحسن عن علي، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وعمران بن حصين ﵃ رَفَعوه: «من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبع مائة درهم. ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم سبعُ مائة ألف درهم» ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآء﴾ . وقد تقدم (ص ٤٢١) ما أنفق أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس، وسعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين في «تحريض النبي ﷺ على الجهاد وإنفاق الأموال» . وسيأتي التفصيل في تلك القصص وغير ذلك في «نفقات الصحابة ﵃ أجمعين» .
إخلاص النية في الجهاد في سبيل الله لا أجر لمن يريد الدنيا والذكر
أخرج أبو داود، وابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم باختصار، - وصححه - عن أبي هريرة ﵁: أنه رجلاً قال: يا رسول الله؛ رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضاً من الدنيا. فقال رسول الله ﷺ «لا أجر له» . فأعظمَ ذلك الناس، فقالوا للرجل عُدْ لرسول الله ﷺ لعلَّك لم تُفهمه. فقال الرجل: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرض الدنيا. فقال: «ولا أجر له» . فأعظمَ ذلك الناس، وقالوا عُدْ لرسول الله ﷺ فقال له الثالثة: رجل يريد الجهاد وهو يبتغي عرضاً في الدنيا. فقال: «لا أجر له» كذا في الترغيب.
стр. 545
وعند أبي داود، والنِّسائي عن أبي أمامة ﵁ قال: جاء إجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر ولذِكْر، ما له؟ فقال رسول الله ﷺ «لا شيء له» . فأعادها ثلاث مرات، يقول رسول الله: «لا شيء له» ؛ ثم قال: «إنَّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغي به وجهُه» . كذا في الترغيب.
قصة قزمان
وأُرج ابن إسحاق عن عاصم بن عرم بن قتادة ﵁ قال: كان فينا رجل أَتِيّ لا يُدرى من هو يقال له «قُزْمان» ، فكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر: «إنه لمن أهل النار» . قال: فلما كان يوم أُحد قاتل قتالاً شديداً، فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتُمل إلى دار بني ظَفَر قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قُزْمان فأبشر. قال: بماذا أبشر؟ فوالله إنْ قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. قال: فلما اشتدّت عليه جراحته أخذ سهماً من كِنانته فقتل به نفسه. كذا في البداية.
قصة الأصيرم
وأخرج ابن إسحاق عن أبي هريرة ﵁ أنّه كان يقول:
стр. 546
حدِّثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلّ قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أُصَيْرم بني عبد الأشهل: عمرو بن ثابت بن وَقْش. قال الحصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الأصيرم؟ قال: كان يأبى الإِسلام على قومه. فلما كان يوم أُحد بَدَا له فأسلم، ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عُرْض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة. قال: فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إنَّ هذا للأُصَيْرم ما جاء به؟ لقد تركناه؛ وإنه لمنكر لهذا الحديث. فسألوه فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أَحَدَب على قومك أم رغبة في الإِسلام؟ فقال: بل رغبة في الإِسلام، آمنت بالله وبرسوله، وأسلمت؛ ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابني ما أصابني. فلم يلبث أن مات في أيديهم. فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «إنَّه من أهل الجنة» . كذا في البداية. قال في الإِصابة: هذا إسناد حسن، رواه جماعة من طريق ابن إسحاق. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو نعيم في «المعرفة» بمثله، كما في الكنز؛ والإِمام أحمد بمثله، كما في المجمع؛ وقال: ورجاله ثقات.
وأخرجه أبو داود، والحاكم من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله
стр. 547
عنه: أن عمرو بن أُقيش كان له رِبا في الجاهلية فكره أن يسلم، حتى يأخذه؛ فجاء يوم أُحد فقال: أين بنو عمي؟ قالوا: بأُحُد. قال: بأُحُد؛ فلبس لأمته، وركب فرسه؛ ثم توجه قِبَلهم. فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنّا يا عمرو، قال: إني قد آمنت، فقاتل قتالاً حتى جرح فحمل إلى أهله جريحاً. فجاءه سعد بن معاذ ﵁ فقال لأخيه سلَمة: حمية لقومه أو غضباً لله ورسوله؟ قال: بل غضباً لله ورسوله. فمات فدخل الجنة؛ وما صلى لله صلاة. قال في الإِصابة: هذا إسناد حسن. وأخرجه البيهقي بهذا السياق - بنحوه.
قصة رجل من الأعراب
وأخرج البيهقي في شدّاد بن الهادِ: أن رجلاً من الأعراب جاء رسول الله ﷺ فآمن به واتّبعه، فقال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه. فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله ﷺ فقسمه، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له؛ وكان يرعى ظَهْرهم. فلما جاء دفعوه إليه؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك رسول الله ﷺ فقال: ما على هذا اتّبعتك، ولكني اتّبعتك على أن أُرمى ها هنا - وأشار إِلى حلقه - بسهم فأموت؛ فأدخل الجنة. فقال: «إن تصدِق الله يَصْدُقُك» . ثم نهضوا إلى قتال العدوّ. فأُتِيَ به رسول الله ﷺ يُحمل، وقد أصابه سهم حيث أشار. فقال النبي ﷺ «هُوَ هُوَ» قالوا: نعم. قال: صدق الله، فصدقه» ؛ وكفَّنه النبي ﷺ في جبة النبي ﷺ ثم قدَّمه فصلَّى عليه؛ وكان ممّا ظهر من صلاته: «اللهمّ هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك، قتل شهيداً؛ وأنا عليه شهيد» . وقد رواه النسائي - نحوه. كذا في
стр. 548
البداية. وأخرجه الحاكم بنحوه.
قصة رجل أسود
وأخرج البيهقي عن أنس ﵁ أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه، لا مالَ لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل، أدخل الجنة؟ قال: «نعم» . فتقدّم فقاتل حتى قتل. فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو مقتول. فقال: «لقد حسّن الله وجهك، وطيّب ريحك، وكثّر مالك» ؛ وقال: «لقد رأيتُ زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه يدخلان فيما بين جلده وجبته» . كذا في البداية. وأخرجه الحاكم أيضاً - بنحوه، وقال: صحيح على شرط مسلم، كما في الترغيب.
قصة عمرو بن العاص
وأخرج الإِمام أحمد - بسند حسن - عن عمرو بن العاص ﵁ قال: بعث إليّ النبي ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك، ثم ائتني» . فأتيته فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلِّمَك الله ويُغْنِمَك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة» . فقلت؛ يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، بل أسلمت رغبة في الإِسلام. قال: «يا عمرو، نِعمَّا المال الصالح للمرء الصالح» . كذا في الإِصابة.
стр. 549
وأخرجه الطبراني في الأوسط والكبير، وقال فيه: ولكن أسلمت رغبة في الإِسلام، وأكون مع رسول الله ﷺ فقال: نعم؛ ونِعمَّا المال الصالح للمرء الصالح. كذا في المجمع، وقال: رجال أحمد، وأبي بَعلى رجال الصحيح. انتهى.
أقوال عمر في الشهداء
وأخرج الحارث عن أبي البَخْتري الطائي: أن ناساً كانوا بالكوفة مع أبي المختار يعني: والد المختار بن أبي عُبيد حيث قتل بحسر أبي عُبيد. قال: فقتلوا إِلا رجلين حملا على العدوّ بأسيافهما فأفرجوا لهما فنجيا - أو ثلاثة -، فأتَوا المدينة. فخرج عمر ﵁ وهم قعود يذكرونهم، فقال عمر: عمّ قلتم لهم؟. قالوا: إستغفرنا لهم ودعونا لهم. قال: لتحدثُنِّي بما قلتم لهم أو لتلقون مني بَرْحاً. قالوا: إِنا قلنا إِنهم شهداء. قالوا: والذي لا إله غيره، والذي بعث محمداً بالحق، لا تقوم الساعة إلا بإذنه، لا تعلم نفس حيّة ماذا عند الله لنفس ميتة إلا نبي الله، فإن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر. والذي لا إله غيره والذي بعث محمداً بالحق والهدى، لا تقوم الساعة إلا بإذنه. إن الرجل يقاتل رياءً، ويقاتل حمية، ويقاتل يريد الدنيا، ويقاتل يريد المال؛ وما للذين يقاتلون عند الله إلا ما في أنفسهم. كذا في كنز العمال، وقال: قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه منقطع. انتهى.
وأخرج تَمَّام عن مالك بن أوس بن الحَدَثان ﵁ قال: تحدثنا بيننا عن سرية أصيبت في سبيل الله على عهد عمر ﵁. فقال قائلنا؛
стр. 550
عمل الله، في سبيل الله، وقع أجرهم على الله. وقال قائلنا: يبعثهم الله على ما أماتهم عليه. فقال عمر: أجل - والذي نفسي بيده - ليبعثم الله على ما أماتهم عليه؛ إنَّ مِنَ الناس من يقاتل رياءً وسمعة، ومنهم من يقاتل ينوي الدنيا؛ ومنهم من يلحمه القتال فلا يجد من ذلك بُدّاً. ومنهم من يقاتل صابراً محتسباً فأولئك هم الشهداء، مع أني لا أدري ما هو مفعول بي ولا بكم؛ غير أني أعلم أن صاحب هذا القبر - يعني رسول الله ﷺ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه.
وعند ابن شيبة عن مسروق قال: إِن الشهداء ذكروا عند عمر بن الخطاب ﵁؛ فقال عمر للقوم: ما ترون الشهداء؟ قال: القوم: يا أمير المؤمنين هم من يقتل في هذه المغازي. فقال عند ذلك: إن شهداؤكم إذاً لكثير، إني أخبركم عن ذلك: إن الشجاعة والجبن غرائز في الناس يضعها الله حيث يشاء، فالشجاع يقاتل من وراء لا يبالي أن يؤوب إلى أهله. والجبان فارّ عن حليلته، ولكن الشهيد من احتسب بنفسه، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. كذا في كنز العمال.
قصة عبد الله بن الزبير وأمه
وأخرج نعيم بن حمّاد في «الفتن «عن ضِمام: أن عبد الله بن الزبير ﵄ أرسل إلى أمه أن الناس قد انفضُّوا عني وقد دعاني هؤلاء إلى الأمان. فقالت: إن خرجت لإِحياء كتاب الله وسنّة نبيه ﷺ فَمُتْ على الحق، وإن كنت إنما خرجت على طلب الدنيا فلا خير فيك حيّاً ولا ميِّتاً. كذا في الكنز.
стр. 551
إمتثال أمر ومير في الجهاد والنَّفْر في سبيل الله إنكار أبي موسى الأشعري على رجل لم يمتثل أمره وقوله له
أخرج ابن عساكر عن أبي مالك الأشعري قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، وأمّر علينا سعد بن أبي وقاص ﵁. فسرنا حتى نزلنا منزلاً، فقام رجل فأسرج دابته، فقلت له: أين تريد؟ فقال: أريد العلف، فقلت له: لا تفعل حتى نسأل صاحبنا، فأتينا أبا موسى الأشعري، فذكرنا ذلك له. فقال: لعلك تريد أن ترجع إلى أهلك، قال: لا، قال: أنظر ما تقول، قال: لا. قال: فامضِ راشداً. فانطلق فبات مليّاً، ثم جاء، فقال له أبو موسى: لعلك أتيت أهلك. قال لا، قال: فانظر ما تقول. قال: نعم. قال أبو موسى: فإنك سرت في النار إلى أهلك، وقعدت في النار، وأقبلت في النار، واستقبلْ. كذا في الكنز.
إنضمام بعضهم إلى بعض في النَّفْر والجهاد في سبيل الله إنكار النبي ﷺ على التفرق في الجهادت والأودية وإنكاره على تضييق المنازل
أخرج أبو داود، والنِّسائي عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: كان الناس إذا نزلوا تفرّقوا في الشِّعاب والأودية. فقال رسول الله ﷺ «إن تفرقكم في الشِّعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان» ؛ فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض. كذا في الترغيب. وأخرجه البيهقي
стр. 552
نحوه، وزاد: حتى يقال: لو بُسط عليهم ثوب لعمّهم. وهكذا أخرجه ابن عساكر، كما في الكنز، ولفظه: حتى لو بسط عليهم ثوب لوسعهم.
وأخرجه البيهقي أيضاً عن سهل بن معاذ الجهني عن أبي ﵁ قال: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة كذا وكذا، فضيّق الناس المنازل وقطعوا الطريق. فبعث نبي الله ﷺ منادياً ينادي في الناس: «إن من ضيّق منزلاً أو قطع طريقاً فلا جهاد له» . وأخرجه أيضاً أبو داود بمثله؛ كما في المشكاة (ص ٣٣٢) .
الحراسة في سبيل الله حراسة أنس بن أبي مرثد
أخرج أبو داود عن سهل بن الحنظليَّة ﵁ أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حُنَين، فأطنبوا السير حتى كانت عشيّة؛ فحضرتُ صلاة (الظهر مع) رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله إِني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت (على) جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظُعنِهم ونَعَمهم وشاءَهم إجتمعوا إلى حنين. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله» ، (ثم) قال: «من يحرسنا الليلة؟» قال أنس بن (أبي) : مرثد الغنوي ﵁: أنا يا رسول الله؟ قال: «فراكب» ، فركب فرساً له، وجاء إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ «إستقبل هذا
стр. 553
الشِّعْب حتى تكون في أعلاه، ولا نُغْرر من قِبَلك الليلة» . فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين، ثم قال: «هل أحسستم فارسكم؟» قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه. فثُوِّب بالصلاة؛ فجعل رسول الله ﷺ وهو يصلي - يلتفت إلى الشِّعب، حتى إذا قضى (رسول الله ﷺ صلاته وسلَّم. فقال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم» . فجعلنا ننظر إِلى خلال الشجر في الشِّعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ فسلّم وقال: إني إنطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشِّعب حيث أمرني رسول الله ﷺ فلما أصبحت إطَّلعت الشِّعبين كليهما، فنظرت فلم أرَ أحداً. فقال له رسول الله ﷺ «هل نزلت الليلة؟» قال: لا، إلا مصلياً أو قاضياً حاجة. فقال له رسول الله ﷺ «قد أوجبتَ، فلا عليك أن لا تعمل بعدها» . وأخرجه البيهقي أيضاً بمثله. وأخرجه أبو نعيم عن سهل بن الحنظلية - نحوه؛ كما في المنتخب.
حراسة رجل في هذا الباب
وأخرج الطبراني عن أبي عطية ﵁ أن رسول الله ﷺ جلس فحُدِّث أن رجلاً توفي، فقال: «هل رآه أحد منكم على عمل من أعمال الخير؟» فقال رجل: نعم، حرست معه ليلة في سبيل الله. فقام رسول الله ﷺ ومن معه، فصلى عليه. فلما أُدخل القبر حثا رسول الله ﷺ بيده من التراب، ثم قال: «إن أصحابك يظنون أنك من أهل النار، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة» ؛ ثم قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: «لا تسأل عن
стр. 554
أعمال الناس، لكن سل عن الفِطرة» . قال الهيثمي: إبراهيم بن محمد بن عِرق الحمصي شيخ الطبراني ضعفه الذهبي اهـ.
وأخرجه أيضاً ابن عساكر عن أبي عطية ﵁ أن رجلاً توفي على عهد رسول الله ﷺ فقال بعضهم: يا رسول الله لا تصلِّ عليه. فقال رسول الله ﷺ «هل رآه؟» فذكره؛ كما في الكنز. وأخرجه البيهقي في «شُعَب الإِيمان» عن ابن عائذ ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في جنازة رجل. فلما وُضع قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تصلِّ عليه يا رسول الله فإنه رجل فاجر. فالتفت رسول الله ﷺ إلى الناس فقال: «هل رآه؟» فذكره - بنحوه؛ كما في المشكاة (ص ٣٢٨) .
حراسة أبي ريحانة وعمّار وعبَّاد ﵃
وقد تقدم (ص ٣٢٥) حديث أبي رَيْحانة ﵁ في «تحمُّل شدة البرد» ، وفيه: قال: «من يحرسنا الليلة فأدعو له بدعاء يصيب فضله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، قال: «من أنت؟» قال: فلان، قال: «إدنْه» ، فدنا، فأخذ ببعض ثيابه ثم استفتح الدعاء. فلما سمعت قلت: أنا رجل. قال: «من أنت؟» قال: أبو ريحانة، قال: فدعة لي دون ما دعا لصاحبي ثم قال: حرّمت النار على عين حرست في سبيل الله» . أخرجه الإِمام أحمد، والنِّسائي، والطبراني، والبيهقي. وحديث جابر ﵁ في الصلاة
стр. 555
في سبيل الله، وفيه: فقال: من يكلؤنا ليلنا؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، قال: فكونا بفم الشِّعب من الوادي؛ وها عمار بن ياسر، وعباد بن بشر - فذكر الحديث بطوله. أخرجه ابن إسحاق.
تحمل الأمراض في الجهاد والنفر في سبيل الله قصة أبيّ بن كعب ودعاؤه لتحمل الحمَّى
أخرج ابن عساكر عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من شيء يصيب المؤمن في جسده إلا كفّر الله عنه به من الذنوب» . فقال أُبيّ بن كعب ﵁: اللهمَّ إني أسألك أن لا تزال الحمَّى مصارعة لجسد أُبيّ بن كعب حتى يلقاك؛ لا تمنعه من صلاة، ولا صيام، ولا حجٍ، ولا عُمْرة، ولا جهاد في سبيلك. فارتكبته الحمَّى مكانه، فلم تفارقه حتى مات. وكان في ذلك يشهد الصلاة، ويصوم، ويحج، ويعتمر، ويغزو.
وعنده أيضاً، وعند الإِمام أحمد، وأبي يَعلى من حديث أبي سعيد ﵁ رسول الله ﷺ قال: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: «كفَّارات» قال له أُبيّ: وإنْ قلَّت؟ قال: «وإنْ شوكة فما فوقَها» . قال: فدعا أبيّ على نفسه أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، وأن لا يشغله عن حج، ولا عمرة، ولا جهاد في سبيل الله، ولا صلاة مكتوبة في جماعة. فما مسَّه إنسان إلا وجد حرّه حتى مات. كذا في الكنز. قال في الإِصابة: رواه الإِمام أحمد، وأبو يَعلى، وابن أبي الدنيا؛ وصحَّحه ابن
стр. 556
حِبّان؛ ورواه الطبراني من حديث أبيّ بن كعب بمعناه، وإِسناده حسن. انتهى. وأخرجه ابن عساكر كما في الكنز؛ وأبو نُعيم في «الحلية» عن أبيّ بن كعب بمعناه.
الطعن والجراحة في الجهاد في سبيل الله جراحة النبي ﵇
أخرج البخاري (ص ٩٨) عن جندب بن سفيان ﵁ قال: بينما النبي ﷺ يمشي إِذ أصابه حجر فعثر، فدَميت أصبُعه. فقال:
هل أنتِ إلا أصبعٌ دَمِيتِ
وفي سبيل الله ما لقيت
وقد تقدم (ص ٢٧٨) في ذكر «تحمل النبي ﷺ الشدائد والأذى» من حديث أنس ﵁ أنَّ النبي ﷺ كُسرت رَباعِيَتُه يوم أُحد، وشُجَّ في رأسه - فذكر الحديث. أخرجه الشيخان وغيرهما.
جراحة طلحة بن عُبيد الله وعبد الرحمن بن عوف
وقد تقدم (ص ٢٧٩) من حديث عائشة ﵂ عند الطيالسي قالت: كان أبو بكر ﵁ إِذا ذكر يوم أُحد قال: ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدّث - فذكر الحديث، وفيه: فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وقد كُسرت رباعيته،
стр. 557
وشُجَّ في وجهه، وقد دخل في وجنته حَلقتان من حِلق المِغفر. قال رسول الله ﷺ «عليكما صاحبكما» - يريد طلحة ﵁ وقد نزف، فذكر الحديث وفيه: ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه؛ فأصلحنا من شأنه.
وأخرج أبو نُعيم عن إبراهيم بن سعد قال: بلغني أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ جرح يوم أُحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله فكان يعرج منها. كذا في المنتخب.
جراحة أنس بن النضر
وأخرج البخاري - واللفظ له - ومسلم والنِّسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليَرَيَنَّ الله ما أصنع فلما كان يوم أُحد وانكشف المسلمون فقال: اللهمَّ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -؛ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة وربِّ النضر إِني أجد ريحها (من) دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم؛ ووجدناه قد قُتل، وقد مثّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. فقال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿يانِسَآء النَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَآء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ (الأحزاب: ٣٢) -
стр. 558
إلى آخر الآية. كذا في الترغيب. وأخرجه أيضاً الإِمام أحمد، والترمذي عن أنس ﵁ بنحوه.
وعند الإِمام أحمد أيضاً من وجه آخر عن أنس ﵁ قال: عمي سُمِّيتُ به ولم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر. قال: فشقِّ عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، ولئن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليَرَينَّ الله ما أصنع قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أُحد. قال: فاستقبل سعدَ بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واهاً لريح الجنة أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية. قال فقالت أخته: عمتي الرُّبَيِّعُ بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه: ونزلت هذه الآية: ﴿مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ ، قال: فكانوا يَرَوْن أنها نزلت فيه وفي أصحابه. ورواه الترمذي، والنِّسائي؛ وقال الترمذي: حسن صحيح. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الطيالسي، وابن سعد، وابن أبي شيبة، والحارث، وابن
стр. 559
جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، كما في الكنز. وأبو نعيم في الحلية: والبيهقي.
جراحة جعفر بن أبي طالب
وأخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: أمَّر رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة زيد بن حارثة ﵁، فقال رسول الله ﷺ «إن قتل زيد فجعفر؛ وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة» . قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى؛ ووجدنا في جسده بضعاً وتسعين من ضربة ورمية. وزاد في أخرى عنه: ليس منها شيء في دُبُرِه. كذا في البداية. وأخرجه الطبراني أيضاً عن ابن عمر - نحوه؛ كما في الإِصابة. وأبو نعيم في الحلية؛ وابن سعد.
جراحة سعد بن معاذ
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن شرحبيل ﵁ قال: لما أُصيب سعد بن معاذ ﵁ بالرَّمية يوم الخندق جعل دمه يسيل على
стр. 560
النبي ﷺ فجاء أبو بكر ﵁ فجعل يقول: وانقطاعَ ظهراه، فقال النبي ﷺ «مَهْ يا أبا بكر» ، فجاء عمر ﵁ فقال: إنا لله وإِنا إليه راجعون. كذا في الكنز.
إصابة عين أبي سفيان يوم الطائف
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبيد الثقفي ﵁ قال: رأيت أبا سفيان بن حرب ﵁ يوم الطائف قاعداً في حائط أبي يعلى يأكل، فرميته فأصيبت عينه. فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه عيني أصيبت في سبيل الله. فقال النبي ﷺ «إن شئت دعوتُ الله فرُدّت عليك، وإن شئت فالجنة» . قال: فالجنة. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً الزبير بن بكّار - نحوه؛ كما في الكنز.
إصابة عين قتادة بن النعمان ورفاعة بن رافع يوم بدر
وأخرج البغوي، وأبو يعلى عن عاصم بن عمر بن قتادة عن قتادة بن النعمان ﵁ أنه أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته؛ فأرادوا أن يقطعوها - فذكر الحديث؛ كما سيأتي في «باب كيف أُيِّدت الصحابة» .
وأخرج البزار، والطبراني عن رفاعة بن رافع ﵁، قال: لما
стр. 561
كان يوم بدر تجمع الناس على أمية بن خَلَف؛ فأقبلنا إليه. فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت إبطه، فأطعنه بالسيف طعنة، ورُميت يوم بدر بسهم، ففقئت عيني؛ وبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي فيها، فما آذاني شء. قال الهيثمي: وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف. انتهى.
ق صة رافع بن خديج ورجلين من بني عبد الأشهل
وقد تقدم (ص ٤٩٣) حديث يحيى بن عبد الحميد عن جدته: أن رافع بن خديج ﵁ رُمي بسهم في ثُندُوَته. وحديث أبي السائب ﵁ في احتمال والأمراض (ص ٣٢) : أن رجلاً من بني عبد الأشهل قال: شهدت أُحُداً أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين - فذكر الحديث، وفيه: والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحاً منه؛ فكان إذا غُلب حملته عُقبة ومشى عُقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.
جراحة البراء بن مالك وذهاب لحم عظامه
وأخرج خليفة عن أنس ﵁ قال: رمى البراء ﵁ بنفسه عليهم - أي على أهل الحديقة يوم قتال مسَيْلِمَة -، فقاتلهم حتى فتح الباب؛ وبه بضع وثمانون جراحة من بني رمية بسهم وضربة. فحمل إلى رَحْله يُداوَى، وأقام عليه خالد ﵁ شهراً. وأخرجه أيضاً بقيّ بن مَخْلَد في مسنده عن خليفة بإسناده مثله؛ كما في الإِصابة.
стр. 562
وأخرج الطبراني عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ﵁ قال: بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدوّ يعني بالحريق - بالعراق -، كانوا يلقون كلاليب في سلاسل محمَّاة، فتعلق بالإِنسان فيرفعون إليهم؛ ففعلوا ذلك بأنس. فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار، ثم قبض يده على السلسلة؛ فما برح حتى قطع الحبل. ثم نظر إلى يده، فإذا عظامها تلوح، قد ذهب ما عليها من اللحم. وأنجى الله أنس بن مالك بذلك. كذا في الإِصابة.
وذكره في المجمع عن الطبراني، وفيه: فعَلِق بعض تلك الكلاليب بأنس بن مالكن، فرفعوه حتى أقلّوه من اورض؛ فأُتي أخوه البراء فقيل له؛ أدرك أخاك - وهو يقاتل الناس -، فأقبل يسعى حتى نزا في الجدار؛ ثم قبض بيده على السلسلة وهي تُدار، فما برح يجرّهم ويداه تُدَخِّنان حتى قطع الحبل. ثم نظر إلى يديه - فذكره؛ قال الهيثمي: وإسناده حسن. انتهى.
تمني الشهادة والدعاء لها تمني لنبي ﵇ القتل في سبيل الله
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، لولا أنَّ رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه؛ ما تخلَّفت عن سريّة تغزو في سبيل الله. والذي نفسي بيده، لوددتُ أنِّي أُقتل في سبيل الله ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا. ثم أُقتل» .
стр. 563
وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «تضمّن الله لمن خرج في سبيله؛ لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أَرْجِعَهُ إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده، ما نكَلْم يُكْلَم في سبيل الله تعالى إلا جاء يوم القيامة كَهَيْأتِهِ ين كُلِم، لونه لون الدم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشقَّ على المسلمين ما قعدت خِلاف سَريّة تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سَعَة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددتُ أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل» . وأخرج الحديث أيضاً الإِمام أحمد، والنِّسائي، كما في كنز العمال.
تمني عمر الشهادة
وأخرج الطبراني، ابن عساكر عن قيس بن أبي حازم قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس ذات يوم فقال في خطبته: إنَّ في جنات عَدْن قصراً له خمس مائة باب، على كل باب خمسة آلاف من الحور العين، لا يدخله إلا نبي. ثم التفت إلى قبر رسول الله ﷺ فقال: هنيئاً لك يا صاحب القبر. ثم قال: أو صدِّيق، ثم التفت إلى قبر أبي بكر ﵁ فقال: هنيئاً لك يا أبا بكر. ثم قال: أو شهيد، ثم أقبل على نفسه فقال: وأنَّى لك الشهادةُ يا عمر؟ ثم قال: إنَّ الذي أخرجني من مكة إِلى هجرة المدينة قادر أن يسوق إليّ الشهادة. كذا في كنز العمال. وزاد في مجمع الزوائد عن
стр. 564
الطبراني: قال ابن مسعود ﵁: فساقها الله إليه على يد شرّ خلقه عبد مملوك للمغيرة. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شَرِيك النَخَعي وهو ثقة، وفيه خلاف اهـ.
وأخرج البخاري عن أسْلَم عن عمر ﵁: اللهم إرزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ وأخرجه الإِسماعيلي عن حَفْصَة ﵂ قالت: سمعت عمر ﵁ يقول: اللهم قتلاً في سبيلك، ووفاةً ببلد نبيك ﷺ قالت: فقلت: وأنّى يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء. كذا في فتح الباري.
تمني عبد الله بن جحش الشهادة
وأخرج الطبراني عن سعد بن أبي وقاص أن عبد الله بن جحش قل له يوم أُحد: ألا تدعو الله؟ فَخَلَوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب، إِذا لقيت العدوّ فلقّني رجلاً شديداً بأسُه، شديداً حَرَدُه، أقاتله ويقاتلني، ثم إرزقني الظفر عليه، حتى أقتله وآخذ سَلَبه؛ فأمَّن عبد الله بن جحش. ثم قال: اللهم، إرزقني رجلاً شديداً حَرَدُه، شديداً بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غداً قلتَ: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك ﷺ فتقول: صدقتَ. قال سعد: يا بُنيّ، كنت دعوة عبد الله بن جحش خيراً من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلَّقان في خيط. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح اهـ وهكذا أخرجه البغوي كما في الإِصابة، وابن وَهْب كما في الإستيعاب؛ والبيهقي - مثله: وهكذا
стр. 565
أخرجه أبو نعيم في الحلية، إلا أنه لم يذكر دعاء سعد، واقتصر على دعاء عبد الله.
وأخرجه الحاكم عن سعيد بن المسيِّب قل: قال عبد الله بن جحش ﵁: اللهم إِنِّي أُقسم عليك أن ألقى العدوّ غداً، فيقتلوني ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني بمَ ذاك؟ فأقول: فيك. قال سعيد بن المسيِّب: إني لأرجو أن يبرّ الله آخر قسمه كما برّ أوله. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه. وقال الذهبي: مرسل صحيح - اهـ. وهكذا أخرجه ابن شاهين، وابن المبارك في الجهاد، كما في الإِصابة، وأبو نُعَيم في الحلية، وابن سعد.
تمني البراء بن مالك الشهادة
وأخرج أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ربّ ذي طِمْرَين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبّره، منهم البراء بن مالك» ﵁: فلما كان يومُ تُسْتَر إنكشف الناس فقالوا: يا براء، أقسمْ على ربك. فقال: لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →