Полный текст (1 779 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
كان يوم بدر تجمع الناس على أمية بن خَلَف؛ فأقبلنا إليه. فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت إبطه، فأطعنه بالسيف طعنة، ورُميت يوم بدر بسهم، ففقئت عيني؛ وبصق فيها رسول الله ﷺ ودعا لي فيها، فما آذاني شء. قال الهيثمي: وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف. انتهى.
ق صة رافع بن خديج ورجلين من بني عبد الأشهل
وقد تقدم (ص ٤٩٣) حديث يحيى بن عبد الحميد عن جدته: أن رافع بن خديج ﵁ رُمي بسهم في ثُندُوَته. وحديث أبي السائب ﵁ في احتمال والأمراض (ص ٣٢) : أن رجلاً من بني عبد الأشهل قال: شهدت أُحُداً أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين - فذكر الحديث، وفيه: والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحاً منه؛ فكان إذا غُلب حملته عُقبة ومشى عُقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.
جراحة البراء بن مالك وذهاب لحم عظامه
وأخرج خليفة عن أنس ﵁ قال: رمى البراء ﵁ بنفسه عليهم - أي على أهل الحديقة يوم قتال مسَيْلِمَة -، فقاتلهم حتى فتح الباب؛ وبه بضع وثمانون جراحة من بني رمية بسهم وضربة. فحمل إلى رَحْله يُداوَى، وأقام عليه خالد ﵁ شهراً. وأخرجه أيضاً بقيّ بن مَخْلَد في مسنده عن خليفة بإسناده مثله؛ كما في الإِصابة.
стр. 562
وأخرج الطبراني عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ﵁ قال: بينما أنس بن مالك وأخوه عند حصن من حصون العدوّ يعني بالحريق - بالعراق -، كانوا يلقون كلاليب في سلاسل محمَّاة، فتعلق بالإِنسان فيرفعون إليهم؛ ففعلوا ذلك بأنس. فأقبل البراء حتى تراءى في الجدار، ثم قبض يده على السلسلة؛ فما برح حتى قطع الحبل. ثم نظر إلى يده، فإذا عظامها تلوح، قد ذهب ما عليها من اللحم. وأنجى الله أنس بن مالك بذلك. كذا في الإِصابة.
وذكره في المجمع عن الطبراني، وفيه: فعَلِق بعض تلك الكلاليب بأنس بن مالكن، فرفعوه حتى أقلّوه من اورض؛ فأُتي أخوه البراء فقيل له؛ أدرك أخاك - وهو يقاتل الناس -، فأقبل يسعى حتى نزا في الجدار؛ ثم قبض بيده على السلسلة وهي تُدار، فما برح يجرّهم ويداه تُدَخِّنان حتى قطع الحبل. ثم نظر إلى يديه - فذكره؛ قال الهيثمي: وإسناده حسن. انتهى.
تمني الشهادة والدعاء لها تمني لنبي ﵇ القتل في سبيل الله
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، لولا أنَّ رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه؛ ما تخلَّفت عن سريّة تغزو في سبيل الله. والذي نفسي بيده، لوددتُ أنِّي أُقتل في سبيل الله ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا. ثم أُقتل» .
стр. 563
وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «تضمّن الله لمن خرج في سبيله؛ لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أَرْجِعَهُ إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده، ما نكَلْم يُكْلَم في سبيل الله تعالى إلا جاء يوم القيامة كَهَيْأتِهِ ين كُلِم، لونه لون الدم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشقَّ على المسلمين ما قعدت خِلاف سَريّة تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سَعَة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددتُ أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل» . وأخرج الحديث أيضاً الإِمام أحمد، والنِّسائي، كما في كنز العمال.
تمني عمر الشهادة
وأخرج الطبراني، ابن عساكر عن قيس بن أبي حازم قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس ذات يوم فقال في خطبته: إنَّ في جنات عَدْن قصراً له خمس مائة باب، على كل باب خمسة آلاف من الحور العين، لا يدخله إلا نبي. ثم التفت إلى قبر رسول الله ﷺ فقال: هنيئاً لك يا صاحب القبر. ثم قال: أو صدِّيق، ثم التفت إلى قبر أبي بكر ﵁ فقال: هنيئاً لك يا أبا بكر. ثم قال: أو شهيد، ثم أقبل على نفسه فقال: وأنَّى لك الشهادةُ يا عمر؟ ثم قال: إنَّ الذي أخرجني من مكة إِلى هجرة المدينة قادر أن يسوق إليّ الشهادة. كذا في كنز العمال. وزاد في مجمع الزوائد عن
стр. 564
الطبراني: قال ابن مسعود ﵁: فساقها الله إليه على يد شرّ خلقه عبد مملوك للمغيرة. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شَرِيك النَخَعي وهو ثقة، وفيه خلاف اهـ.
وأخرج البخاري عن أسْلَم عن عمر ﵁: اللهم إرزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك ﷺ وأخرجه الإِسماعيلي عن حَفْصَة ﵂ قالت: سمعت عمر ﵁ يقول: اللهم قتلاً في سبيلك، ووفاةً ببلد نبيك ﷺ قالت: فقلت: وأنّى يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء. كذا في فتح الباري.
تمني عبد الله بن جحش الشهادة
وأخرج الطبراني عن سعد بن أبي وقاص أن عبد الله بن جحش قل له يوم أُحد: ألا تدعو الله؟ فَخَلَوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب، إِذا لقيت العدوّ فلقّني رجلاً شديداً بأسُه، شديداً حَرَدُه، أقاتله ويقاتلني، ثم إرزقني الظفر عليه، حتى أقتله وآخذ سَلَبه؛ فأمَّن عبد الله بن جحش. ثم قال: اللهم، إرزقني رجلاً شديداً حَرَدُه، شديداً بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غداً قلتَ: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك ﷺ فتقول: صدقتَ. قال سعد: يا بُنيّ، كنت دعوة عبد الله بن جحش خيراً من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلَّقان في خيط. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح اهـ وهكذا أخرجه البغوي كما في الإِصابة، وابن وَهْب كما في الإستيعاب؛ والبيهقي - مثله: وهكذا
стр. 565
أخرجه أبو نعيم في الحلية، إلا أنه لم يذكر دعاء سعد، واقتصر على دعاء عبد الله.
وأخرجه الحاكم عن سعيد بن المسيِّب قل: قال عبد الله بن جحش ﵁: اللهم إِنِّي أُقسم عليك أن ألقى العدوّ غداً، فيقتلوني ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني بمَ ذاك؟ فأقول: فيك. قال سعيد بن المسيِّب: إني لأرجو أن يبرّ الله آخر قسمه كما برّ أوله. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه. وقال الذهبي: مرسل صحيح - اهـ. وهكذا أخرجه ابن شاهين، وابن المبارك في الجهاد، كما في الإِصابة، وأبو نُعَيم في الحلية، وابن سعد.
تمني البراء بن مالك الشهادة
وأخرج أبو نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ربّ ذي طِمْرَين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبّره، منهم البراء بن مالك» ﵁: فلما كان يومُ تُسْتَر إنكشف الناس فقالوا: يا براء، أقسمْ على ربك. فقال: لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك صلى الله عليه وسلم
стр. 566
فاستُشهد. كذا في الكنز. وأخرجه الترمذي - نحوه؛ كما في الإِصابة.
وأخرجه الحاكم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «كم من ضعيف متضعّف ذي طِمْرين، لو أقسم على الله لأبرّ قسمه، منهم البراء بن مالك» ﵁؛ فإن البراء لقي زحفاً من المشركين - وقد أوجع المشركون في المسلمين - فقالوا: يا براء، إنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنك لو أقسمت على الله لأبّرك» . فأقسم على ربك. فقال: أقسمت عليك يا ربّ لَمَّا منحتنا أكتافَهم، ثم التقوا على قنطرة السوس، فأوجعوا في المسلمين.. فقالوا له: يا براء أقسمْ على ربك. فقال: أقسمت عليك يا رب لَمَّا منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك ﷺ فمُنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيداً. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي: صحيح. وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١ - ٧) - نحوه.
تمني حممة الشهادة
وأخرج أبو داود، ومُسدِّد، الحارث، وابن أبي شيبة، وابن المبارك من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميري: أن رجلاً يقال له حُمَمة من أصحاب النبي ﷺ غزا إصبهان زمن عمر ﵁، فقال: اللهمَّ إنَّ حُمَمة يزعم
стр. 567
أنه يحب لقاءك. اللهم إن كان صادقاً فاعزم له بصدقه، وإن كان كاذباً فاحمل عليه وإن كره - الحديث، وفيه: أنه استشهد، وأن أبا موسى قال: إنه شهيد. كذا في الإِصابة.
وأخرجه أيضاً الإِمام أحمد، وزاد: وإن كان كارهاً فاعزم له وإنكره. اللهم لا يرجع حُمَمة من سفره هذا، فأخذه الموت - قال عفان مرة: البطن - فمات بأصبهان. قال: فقام أبو موسى ﵁ فقال: يا أيها الناس، والله ما سمعنا فيما سمعنا من نبيكم ﷺ وما بلغ علمنا إلا أنَّ حُمَمة شهيد. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير داود بن عبد الله الأودي، وهو ثقة؛ وفيه خلاف. انتهى. وأخرجه أيضاً أبو نُعيم - نحوه؛ كما في المنتخب.
تمني النعمان بن مقرِّن الشهادة
وأخرج الطبري عن مَعْقِل بن يَسَار أن عمر بن الخطاب ﵁ شاور الهُرْمُززان. فقال: ما ترى، أبدأ بفارس، أو بأذْرَبيجان، أم بأصبهان؟ فقال: إنّ فارس وأذربيجان: الجناحان، وأصبهان: الرأس؛ فإن قطعت أحد الجناحين قام الجناح الآخر؛ فإن قطعت الرأس وقع الجناحان؛ فأبدأ بالرأس.
стр. 568
فدخل عمر ﵁ المسجد والنعمانُ بن مقرِّن ﵁ يصلِّي، فقعد إلى جنبه فلما قضى صلاته قال: إِني أريد أن أستعملك. قال: جابياً، فلا؛ ولكن غازياً. قال: فأنت غاز. فوجّهه إلى أصبهان - فذكر الحديث، وفيه: فقال المغيرة للنعمان: يرحمك الله، إنه قد أسرع في الناس، فاحمل. فقال: والله إنك لذو مناقب، لقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ القتال، وكان إذا لم يقاتل أول النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر. قال: ثم قال: إني هازٌّ لوائي ثلاث مرات: فأما الهزة الأولى فقَضَى رجل حاجته وتوضأ، وأما الثانية فنظر رجل في سلاحه، وفي شِسْعة فأصلحه، وأما الثالثة فاحملوا ولا يلوِينّ أحد على أحد، وإن قُتل النعمان فلا يَلْو عليه أحد، فإني أدعو الله بدعوة، فعزمت على كل امرىء منكم لَمَّا أمّن عليها: اللهم أعطِ اليوم النعمان الشهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم.
وهز لواءه أول مرة، ثم هزّ الثانية؛ ثم هزَّ الثالثة، ثم شل درعه؛ ثم حمل فكان أول صريع. فقال معقِل: فأتيت عليه، فذكرت عزمته، فجعلت عليه علماً، ثم ذهبت - وكنا إِذا قتلنا رجلاً شَغَل عنا أصحابه - ووقع ذو الحاجبين عن بغلته، فانشقَّ بطنه، فهزمهم الله. ثم جئت إِلى النعمان ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التراب. فقال: من أنت؟ قلت: معقِل بن يَسَار. قال: ما فعل الناس؟ فقلت: فتح الله عليهم. قال: الحمد لله. أكتبوا
стр. 569
بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه. وعند الطبري أيضاً عن زياد بن جبير عن أبيه ﵁ فذكر الحديث بطوله في وقعة نهاوند، وفيه: أن رسول الله ﷺ كان إذا غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجِّل حتى تحضر الصلاة، وتهب الأرواح، ويطيب القتال فما منعني إلا ذلك. اللهمَّ إني أسألك أن تقرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإِسلام، وذلّ يذِلّ به الكفار؛ ثم إقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة. أمِّنوا - يرحمكم الله - فأمّنّا وبكينا.
وقد أخرج الطبراني حديث معقِل بن يسار ﵁ بطوله مثل ما روى الطبري. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير علقمة بن عبد الله المُزَني، وهو ثقة. انتهى. وأخرجه الحاكم أيضاً عن معقل - بطوله.
رغبة الصحابة في الموت والقتل في سبيل الله يوم بدر قصة خيثمة وابنه سعد في إستهامهما الخروج
أخرجح الحاكم عن سليمان بن بلال ﵁: أن رسول الله ﷺ لمَّا خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعاً الخروج معه، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فأمر أن يخرج أحدهما. فإسْتَهما، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد ﵄: إنه لا بدّ لأحدنا من أن يقيم، فأقمْ مع نسائك، فقال سعد: لو كان غيرَ الجنة لآثرتك به، إنِّي أرجو الشهادة في وجهي هذا، فإستهما، فخرج سهم سعد؛ فخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر. فقتله عمرو
стр. 570
بن عبد ودّ، وأخرجه أيضاً ابن المبارك عن سليمان، وموسى بن عقبة عن الزهري؛ كما في الإِصابة.
قصة شهادة عبيدة بن الحارث
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن علي بن الحسين قال: لما كان يوم بدر فدعا عتبة إلى البراز؛ قام علي بن أبي طالب ﵁ إلى الوليد بن عتبة، وكانا مشَتَبِهَيْن حَدثين، وقال بيده، فجعل باطنها إلى الأرض فقتله. ثم قام شيبة بن ربيعة، فقام إليه حمزة ﵁، وكانا (مشتبِهين) ، وأشر بيده فوق ذلك فقتله. ثم قام عتبة بن ربيعة، فقام إليه عبيدة بن الحارث ﵁ وكانا مثل هاتين الأسطوانتين، فاختلفا ضربتين، فضربه عبيدة ضربة أرخت عاتقه الأيسر؛ فأسفَّ عتبة لرجل عبيدة، فضربها بالسيف فقطع ساقه؛ ورجع حمزة، علي ﵄ على عتبة، فأجهزا عليه، وحملا عبيدة إلى النبي ﷺ في العريش، فأدخلاه عليه فأضجعه ﵁، ووسَّدَه رجله وجعل يمسح الغبار عن وجهه. فقال عبيدة: أما - والله - يا رسول الله، لو رآني أبو طالب لعلم أنِّي أحقُّ بقوله منه حين يقول:
ونُسلِمُه حتى نُصرَّعَ حوله
ونَذْهَلَ عن أبنائِنا والحلائلِ
ألستُ شهيداً؟ قال: «بلى، وأنا الشاهد عليك» ، ثم مات. فدفنه رسول الله ﷺ بالصَّفْراء، ونزل في قبره وما نزل في قبر أحد غيره. كذا في كنز العمال.
стр. 571
وأخرجه الحاكم عن الزهري قال؛ إختلف عتبة وعبيدة ﵁ بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة، وعلي ﵄ على عتبة، فقتلاه، واحتملا صاحبهما ﵁، فجاءا به إلى النبي ﷺ وقد قطعت رجله، ومخُّها يسيل، فلما أتَوا بعبيدة إلى رسول الله ﷺ قال: ألستُ شهيداً يا رسول الله؟ قال: بلى. فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حياً لعلم أنَّا أحق بما قال منه حيث يقول:
ونُسِلمُهُ حتى نُصَرَّعَ حوله
ونَذهلَ عن أبنائنا والحلائل يوم أُحد قصة عمر وأخيه زيد في ترك الدرع لإِرادة الشهادة
أخرج الطبراني عن ابن عمر أن مر ﵁ قال يوم أُحد لأخيه: خذ درعي يا أخي. قال أريد من الشهادة مثل الذي تريد، فتركاها جميعاً. فقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. انتهى. وأخرجه ابن سعد، أبو نعيم في الحلية - نحوه.
قصة حملة علي بن أبي طالب للقتل في سبيل الله
وأخرج أبو يَعلى، وابن أبي عاصم، والبورَقي، وسعيد بن منصور عن
стр. 572
علي ﵁ قال: لما انجالى الناس عن رسول الله ﷺ يوم أُحد نظرت في القتلى، فلم أرَ رسول الله ﷺ فقلت: والله ما كان يفرّ، وما أراه في القتلى، ولكن أرى الله غضب علينا بما صنعنا؛ فرفع نبيه، فما (فيَّ) خير من أن أقاتل حتى أقتل؛ فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم، فأفرجوا لي، فإذا أنا برسول الله ﷺ بينهم. كذا في كنز العمال. قال الهيثمي: رواه أبو يَعلى، وفيه محمد بن مروان العُقَيلي وثَّقه أبو داود، وابن حِبّان، وضعّفه أبو زُرْعة وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى.
قصة أنس بن النضر
وأخرج ابن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخي بني عديِّ بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين، والأنصار ﵃ وقد ألقَوا بأيديهم - فقال: فما يجلسكم؟ قالوا: قُتل رسول الله ﷺ قال: فما تصنعون بالحياة بعده، قوموا، فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل. كذا في البداية.
قصة ثابت بن الدحداحة
وأخرج الواقدي عن عبد الله بن عمّار الخَطْمي قال: أقبل ثابت ابن الدَحْداحة ﵁ يوم أُحد والمسلمون أوزاع، قد سقِط في أيديهم،
стр. 573
فجعل يصيح: يا معشر الأنصار، إليّ إليّ. أنا ثابت بن الدحداحة، إن كان محمد ﷺ قد قتل، فإنَّ الله حيّ لا يموت؛ فقاتلوا عن دينكم فإنَّ الله مظهركم وناصركم. فنهض إِليه نفر من الأنصار فجعل يحمل بمن معه من المسلمين، وقد وقفت له كتيبة خَشْناء فيها رؤساؤهم: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي حهل، وضرار بن الخطاب، فجعلوا يناشدونهم، وحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فطعنه فأنفذه، فوقع فيها، وقتل من كان معه من الأنصار. فيقال: إن هؤلاء آخر من قتل من المسلمين كذا في الإِستيعاب.
قصة رجل من الأنصار مع رجل من المهاجرين ووصيته له
وأخرج البيهقي في «دلائل النبوة» من طريق ابن أبي نَجيح عن أبيه ﵁ قال: مرّ رجل من المهاجرين يوم أُحد على رجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه، فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمداً ﷺ قد قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد ﷺ قد قتل فقد بلَّغ الرسالة، فقاتلوا عن دينكم. فنزل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ (آل عمران: ١٤٤) . كذا في البداية.
قصة سعد بن الربيع
وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ يوم أُحد لطلب سعد بن الربيع ﵁، وقال لي: «إن رأيته
стр. 574
فأقرأه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله ﷺ : «كيف تجدك؟» قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم. فقلت له: يا سعد، إنَّ رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام، ويقول لك: «أخبرني كيف تجدك؟» قال: على رسول الله السلام، وعليك السلام، قل له: يا رسول الله أجدني أجد ريح الجنة؛ وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يُخْلَصَ إلى رسول الله ﷺ وفيكم شُفْر يطرِف. قال: وفاضت نفسه ﵀. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد، لم يخرِّجاه. وقال الذهبي. صحيح. ثم أخرج الحاكم من طريق ابن إسحاق أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة حدَّثه عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟» فذكر الحديث بنحو منه. وقال: فقال سعد: أخبر رسول الله ﷺ أني في الأموات؛ وأقرأه السلام، وقل له: يقول سعد: جزاك الله عنا وعن جميع الأمة خيراً. قال الذهبي: مرسل - اهـ. وقد ذكر في البداية رواية ابن إسحاق بتمامها. وذكره مالك في الموطأ (ص ١٧٥) عن يحيى بن سعيد بمعناه مختصراً. وهكذا أخرجه ابن سعد عن معن عن مالك عن يحيى - مختصراً.
قصة سبعة من الأنصار قتلوا يوم أُحد
وأخرج الإِمام أحمد عن أنس ﵁ عنه أن المشركين لمّا رَهِقوا
стр. 575
النبي ﷺ يوم أُحد - وهو في سبعة من الأنصار، ورجل من قريش - قال: «مَنْ يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟» فجاء رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل. فلما رهقوه أيضاً قال: «من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟» حتى قتل السبعة. فقال رسول الله ﷺ «ما أنصفْنا أصحابَنا» . ورواه مسلم أيضاً.
وعند البيهقي عن جابر ﵁ قال: إنهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أُحد وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، وطلحة بن عبيد وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون. فقال: «ألا أحد لهؤلاء؟» فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: «كما أنت يا طلحة» فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله ﷺ فقاتل عنه؛ وصعِد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري، فلحقوه. فقال: «ألا رجل لهؤلاء؟» فقال طلحة مثل قوله. فقال رسول الله ﷺ مثل قوله. فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل، وأصحابه يصعدون؛ ثم قتل فلحقه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة أنا يا رسول الله، فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل ما كان قبله؛ حتى لم يبق معه إلا طلحة؛ فغشُوهما. فقال رسول الله ﷺ «من لهؤلاء؟» فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنمله، فقال حَسِّ. فقال: «لو قلت: بسم الله، لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إِليك حتى تلج بك في جوّ السماء» ؛ ثم صعِد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجمعون. كذا في البداية.
стр. 576
قصة شهادة اليمان وثابت بن وقش
وأخرج الحاكم عن محمود بن لبيد قال: لما خرج رسول الله ﷺ إلى أُحد رُفع اليمان بن جابر أبو حذيفة، وثابت بن وَقْش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران؛ لا أبا لك ما ننتظر؟ فوالله، ما بقي لواحد منا من عمره إلا ظِمْءُ حمار، إنا نحن هامَة اليوم ألا نأخذ أسيافنا؟ ثم نلحق برسول الله ﷺ فدخلا في المسلمين ولا يعلمون بهما. فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون. وأما أبو حذيفة فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه. فقال حذيفة: أبي أبي فقالوا: والله ما عرفناه وصَدَقوا. فقال حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله ﷺ أن يَدِيَه؛ فتصدَّق به حذيفة على المسلمين؛ فزاده ذلك عند رسول الله ﷺ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه. انتهى. وأخرجه أبو نُعيم عن محمود - نحوه كما في المنتخب، وزاد: ثم نلحق برسول الله ﷺ لعلَّ الله أن يرزقنا الشهادة مع رسول الله ﷺ فأخذا أسيافهما حتى دخلا في الناس، ولا يُعلم بهما. وفي آخره: فزاده عند رسول الله ﷺ خيراً.
يوم الرَّجيع قصة قتل عاصم وخبيب وأصحابهما
стр. 577
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث النبي ﷺ سرية عيناً، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت ﵁ وهو جدّ عاصم بن عمر بن الخطاب - فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عُسْفان ومكة، ذُكروا الحيَ من هُذَيل يقال لهم بنو لِحْيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصُّوا آثارهم حتى أتَوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نَوى تمر تزوَّدوه من المدينة. فقالوا: هذا تمر يثرب؛ فتبعوا آثارهم حتى لحقوه. فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فَدْفَد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر. اللهمّ أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتل عاصماً في سبعة نفر بالنبل. وبقي خُبِيب وزيد ورجل آخر ﵃، فأعطَوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق، نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلُّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها. فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغَدر، فأبى أن يصحبهم، فجرَّروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه.
وانطلقوا بخُبَيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل - وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر -، فمكث عندهم أسيراً، حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسَى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها، فأعارته.m قالت: فغفلت عن صبيَ لي، فدَرَج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعتُ فَزْعةً، عرف ذاك مني وفي يده لموسى. فقال: أتخشَين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك - إن شاء الله تعالى -. وكانت تقول: ما رأيتُ أسيراً قطُّ خيراً من خُبَيب، لقد رأيته يأكل من قِطْف عنب وما بمكة يومئذٍ ثمرةٌ، وإنه لَمُوثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله. فخرجوا به
стр. 578
من الحَرَم ليقتلوه. فقال: دعوني أصلِّ ركعتين، ثم أنصرف إليهم. فقال: لولا أن تَروا أنَّ ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل هو؛ ثم قال: اللهمَّ أحصهم عدداً ثم قال:
وما إن أبالي حين أُقتل مسلماً
على أيّ شِقَ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإِله وإِن يشأ
يباركْ على أوصال شِلْو ممزّع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله.
وبعثت قريش إلى عاصم ليُؤتوا بشيء من جسده يعرفونه - وكان عاصم قتل عظيماً من عظمائهم يوم بد - فبعث الله عليه مثل الظُلَّة من الدَّبْر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء. وأخرجه البيهقي عن أبي هريرة ﵁ نحن. وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن أبي هريرة ﵁ كما في الإستيعاب، وقال: أحسن أسانيد خبره في ذلك ما ذكره عبد الرزاق - فذكره. وأبو نُعيم في الحلية - نحوه.
وأخرج ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله ﷺ بعد أُحد رهط من عَضَل والقارَة، فقالوا: يا رسول الله إِن فينا إِسلاماً، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقِّهوننا في الدين، ويقرؤوننا القرآن، ويعلِّموننا شرائع الإِسلام. فبعث رسول الله ﷺ معهم نفراً ستة من أصحابه - فذكرهم. فخرجوا مع القوم حتى إِذا كانوا على الرَّجِيع - ماءٌ لِهُديل بناحية الحجاز على صدور الهَدْأة - غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلاً، فلم يَرُع القوم وهم
стр. 579
في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف فقد غَشُوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا - والله - ما نريد قتلكم ولكنَّنا نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم؛ فأمّا مرثد وخالد بن لبُكير وعاصم بن ثابت ﵃ فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهداً ولا عقداً أبداً.
أبيات عاصم حين قتله وحفاظ جسده عن المشركين
وقال عاصم بن ثابت:
ما عِلَّتي وأن جَلْدٌ نابِلُ
والقَوسُ فيها وترٌ عنابلُ
تزلُّ عن صفحتها المَعابلُ
الموت حقٌّ والحياة باطلُ
وكل ما حَمَّ الإِلهُ نازل
بالمرء والمرء إليه آيل
إن لم أقاتلكم فأمِّي هابل
وقال أيضاً:
أبو سليمان وريشُ المُقْعَدِ
وضالَةٌ مثل الجحيم الموقدِ
стр. 580
إذا النواجي افتُرشت لم أُرعَدِ
ومُجْنا من جلد ثور أجرَدِ
ومؤمن بما على محمدِ
وقال أيضاً:
أبو سليمان ومِثلي رامَى
وكان قومي معشراً كراما
قال: ثم قاتل حتى قتل؛ وقتل صاحباه. فلما قتل عاصم أرادت هُذَيل أخذ رأسه ليبيعوه من سُلافة بنت سعد بن (شُهيد) ، وكانت قد نَذَرت حين أصاب إبنها يوم أُحد: لئن قَدَرت على رأس عاصم لتشربنّ في قِحْفه الخمر؛ فمنعته الدَّبْر. فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعُوه حتى يمسي فيذهب عن، فنأخذه. فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به. وقد كان عاصم قد أعطى الله عهداً أن لا يمسَّه مشرك ولا يمسَّ مشركاً أبداً تنجُّساً فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول - حين بلغه: أن الدَّبْر منعته -: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمسّ مشركاً أبداً في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.
قصة زيد بن الدَّثِنة وما قاله في حب النبي ﷺ وأما خُبَيب، وزيد بن الدَّثِنة، وعبد الله بن طارق ﵃، فلانوا ورقُّوا ورغبوا في الحياة، وأعطَوا بأيديهم فأسروهم. ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظَّهران إنتزع عبد الله بن طارق يده من القِرَان، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرمَوه بالحجارة حتى قتلوه: فقبره
стр. 581
بالظهران. وأما خُبَيب بن عدّي، وزيد بن الدَثِنة فقدموا بهما مكة، فباعوهما من قريش بأسيرين من هُذَيل كانا بمكة، فابتاع خبيباً حُجَيرُ بن أبي إهاب التميمي. وأما زيد بن الدَّثِنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه؛ فبعثه مع مولى له يقال له نِسْطاس إلى التَّنْعيم، وأخرجه من الحرم ليقتله. واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان - حين قُدِّم ليقتل - أنشدك بالله - يا زيد - أتحبُّ أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك قال: والله ما أحب أنَّ محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحبُّ أحداً كحبِّ أصحاب محمدٍ محمداً. قال: ثم قتله نِسْطاس.
قصة حبس خبيب بمكة وقصة صلاته عند القتل
قال: وأم خُبَيب بن عديّ فحدثني عبد الله بن أبي نَجِيح أنه حُدِّث عن ماوِيَّة مولاة حجير بن أبي إهاب - وكانت قد أسلمت -، قالت: كان عندي خبيب حبس في بيتي، فلقد اطَّلعت عليه يوماً وإن في يده لقِطْفاً من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه؛ وما أعلم في أرض الله عنباً يؤكل.
قال ابن إسحاق وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي نَجِيح أنهما قالا: قالت: قال لي حين حضره القتل: إبعثي إليّ بحديدة أتطهَّر بنا للقتل. قالت: فأعطيت غلاماً من الحيِّ الموسى، فقلت: أدخلْ بها على هذا الرجل البيت. فقالت: فوالله إنْ هو إلا أن ولَّى الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعتُ؟ أصاب - والله - الرجل ثأره؛ يقتل هذا الغلام؛ فيكون رجلاً برجل. فلما ناوله الحديدة أخذها من يده، ثم قال: لعمرك، ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة إليَّ؟ ثم خلَّى سبيله. قال ابن هشام؛ ويقال إنَّ الغلام ابنها.
стр. 582
قال ابن إسحاق: قال عاصم: ثم خرجوا بخُبَيب ﵁ حتى إذا جاؤوا به إلى التَّنعيم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تَدَعوني حتى أركع ركعتين، فافعلوا. قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله، لولا أن تظنوا أنِّي إنما طوَّلت جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة. قال: فكان خُبَيب ﵁ أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين. قال: ثم رفعوه على خشبة، فلمّا أوثقوه قال: اللهم إِنا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلِّغه الغداةَ ما يُصنع بنا. ثم قال: اللهمّ أحصِهم عَدَداً، واقتلهم بِدَداً، ولا تغادر منهم أحداً. ثم قتلوه. وكان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرته يومئذٍ مع مَنْ حضره مع أبي سفيان، فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فَرَقاً من دعوة خُبَيب، وكانوا يقولون: إِنَّ الرجل إذا دُعِيَ عليه فاضطجع لجنبه زلَّت عنه.
وفي مغازي موسى بن عقبة؛ أن خبيباً وزيد بن الدّثِنَة ﵄ قُتلاً في يوم واحد، وأنَّ رسول الله ﷺ سُمع يوم قُتلا وهو يقول: «وعليكما - أو عليك - السلام. خُبَيب قتلته قريش» . وذُكر أنَّهم لما صلبوا زيد بن الدَّثِنَة رمَوه بالنبل ليفتنوه عن دينه، فما زاده إلا إِيماناً وتسليماً. وذكر عروة وموسى بن عقبة ﵄: أنهم لما رفعوا خُبَيباً على الخشبة نادَوه يناشدونه: أتحب أنَّ محمداً مكانك؟ قال: لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يُشاكها في قدمه، فضحكوا منه. وهذا ذكره ابن إسحاق في قصة زيد بن الدَّثِنَة - فالله أعلم. كذا في البداية.
ما قاله خبيب في حب النبي ﷺ وأشعاره عند القتل
وقد أخرج الطبراني حديث عروة بن الزبير بطوله، وفيه؛ وقتَل خبيباً رضي
стр. 583
الله عنه أبناءُ المشركين الذين قُتلوا يوم بدر. فلما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب نادَوه وناشدوه: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يُشاكها في قدمه؛ فضحكوا، وقال خبيب ﵁ حين رفعوه إلى الخشبة:
لقد جَمَّع الأحزاب حولي وألّبوا
قبائلهم واستجمعوا كل مَجْمع
وقد جمَّعوا أبناءهم ونساءهم
وقُرِّبتُ من جِذْع طويل مُمنَّعِ
إلى الله أشكو غربتي ثم كُربتي
وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبِّرني على ما يُراد بي
فقد بضَّعوا لحمي وقَدْ بان مطمعي
وذلك في ذات الإِله وإن يشأ
يبارك على أوصال شِلْوٍ ممزَّع
لعمري ما أحفِلْ إذا متّ مسلماً
على أيّ حال كان لله مضجعي
قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه ابن لَهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف. انتهى. وقد ذكر الأبيات ابن إسحاق؛ كما في البداية، فزاد بعد البيت الأول:
وكلُّهم مُبدي العداوةِ جاهدٌ
عليّ لأني في وثاق بمَضْيَع
وزاد بعد البيت الخامس:
وقد خيَّروني الكفر والموتُ دونَه
وقد هَمَلت عيناي من غير مجزع
وما بي حِذارُ الموت إِنِّي لميتٌ
ولكن حِذاري جحم نار مُلَفَّع
стр. 584
فوالله ما أرجو إذا متُّ مسلماً
على أيّ جنب كان في الله مضجعي
فلست بمُبْدٍ للعدوّ تخشُّعاً
ولا جَزَعاً إِنِّي إلى الله مرجعي
يوم بئر معونة قصة أصحاب بئر معونة ﵃
أخرج ابن إسحاق عن المغيرة بن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما من أهل العلم قالوا: قدم أبو بَراء عامرُ بن مالك بن جعفر مُلاعبُ الأسنَّة على رسول الله ﷺ المدينة. فعرض عليه الإِسلام ودعاه إليه؛ فلم يسلم ولم يَبْعُد (من الإِسلام) وقال: يا محمد، لو بعثتَ رجالاً من أصحابك إِلى أهل نَجْد، فدعوهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك. فقال ﵁: «إني أخشى عليهم أهل نَجّد» . فقال أبو بَراء: أنا لهم جارٌ، (فابعثهم فلْيدعوا الناس إلى أمرك) .
فعبث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة - المعْنِق ليموت - في أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين؛ الحارث بن الصِّمَّة، وحَرام بن مِلْحان أخو بني عدي بن النجار، وعُروة بن أسماء بن الصَّلت السُّلَمي، ونافع بن بُدَيل بن ورقاءَ الخزاعي، وعامر بن فُهَيرة مولى أبي بكر ﵃ في رجالٍ من خيار المسلمين. فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي بين
стр. 585
أرض بني عامر وحَرَّة بني سُلَيم -. فلما نزلوها بعثوا حَرام بن مِلحان ﵁ بكتاب رسول الله ﷺ إِلى عامر بن الطُّفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر؛ فأبوا أن يجيبوه إِلى ما دعاهم (إِليه) وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقداً وجواراً، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُلَيم: عُصَيَّة ورِعْلاً وذَكْوان، فأجابوه إِلى ذلك. فخرجوا حتى غَشُوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم، ثم قاتلوا القوم حتى قُتلوا عن آخرهم - يرحمهم الله -، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار ابن النجار فإنهم تركوه وبه رَمَق، فارتُثَّ من بين القتلى، فعاش حتى قُتل يوم الخندق.
وكان في سَرْح القوم عمرو بن أُمية الضَّمْري ورجل من الأنصار من بني عمرو بن عوف، فلم ينبئهما بمُصاب القوم إلا الطير تحوم على العسكر. فقالا: والله إنَّ لهذه الطير لشأناً، فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو بن أُمية: ماذا ترى؟ فقال: يرى أن نلحَق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأغرب بنفسي عن موطن قُتل فيه المنذرُ بن عمرو، وما كنتُ لتخبرني عنه الرجال، فقاتل القوم حتى قُتل، وأخذوا عَمْراً أسيراً. فلما أخبرهم أنه من مُضرَ أطلقه عامر بن الطّفيل، وجزَّ ناصيته، وأعتقه عن رَقَبة كنت على أُمه فيما زعم. كذا في البداية. وأخرجه الطبراني أيضاً من طريق ابن إسحاق. قال الهيثمي:
стр. 586
ورجاله ثقات إِلى ابن إسحاق. انتهى.
قول حَرَام عند القتل وإسلام قاتله على قوله
وأخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ بعث حراماً - أخاً لأم سُلَيم - في سبعين راكباً، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خَيَّرَ رسولَ الله ﷺ بين ثلاث خصال، فقال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المَدَر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف. فطُعن عامر في بيت أم فلان، فقال: غُدّة كغُدّة البَكْر في بيت إمرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي؛ فمات على ظهر فرسه. فإنطلق حَرام - أخو أم سُلَيم - وهو رجل أعرج ورجل من بني فلان، وقال: كونا قريباً حتى آتيهم، فإن آمنوني كنتم قريباً، وإِن قتلوني أتيتم أصحابكم. فقال: أتُؤمنونني حتى أبلِّغ رسالة رسول الله ﷺ فجعل يحدِّثهم، وأومأوا إلى رجل، فأتاه نخلفه فطعنه. - قال همَّام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح - فقال: الله أكبر فزت وربِّ الكعبة فلُحِقَ الرجل، فقتلوا كلهم غير الأعرج، - وكان في رأس جبل -، فأنزل الله تعالى علينا، ثم كان من المنسوخ: «إنا لقد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» . فدعا النبي ﷺ ثلاثين صباحاً على رِعْل، وذَكْوان، وبني لحيان، وعُصَيَّة الذين عصوا الله وسوله ﷺ وعند البخاري أيضاً عن أنس ﵁ قال: لما طعن حَرَام بن مِلْحان
стр. 587
- وكان خاله - يوم «بئر معونة» قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه؛ ثم قال: فُزْت وربِّ الكعبة. وعند الواقدي أن الذي قتله جبّار بن سَلْمى الكِلابي. قال: ولما طعنه بالرمح قال: فُزْتُ وربِّ الكعبة ثم سأل جبار بعد ذلك ما معنى قوله: «فزت» . قالوا: يعني بالجنة. فقال: صدق والله ثم أسلم جبَّار بعد ذلك لذلك. كذا في البداية.
يوم مؤتة بكاء ابن رواحة عند الخروج وأبياته في سؤال الشهادة
أخرج ابن إسحاق عن عروة بن الزبير ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: «إِن أُصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس» ، فتجهَّز الناس ثم تهيأوا للخروج؛ وهم ثلاثة آلاف. فلمّا حضر خروجهم ودَّع الناسُ أمراءَ رسول الله ﷺ وسلَّموا عليهم، فلمّا وُدِّع عبد الله بن رواحة مع من وُدِّع بكى، فقالوا: ما يُبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: - والله - ما بي حبُّ الدنيا ولا صَبَابة بكم، ولكنِّي سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ فلست أدري كيف لي بالصَّدَر بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله، ودفع عنكم وردَّكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة ﵁:
стр. 588
لكنني أَسأل الرحمن مغفرة
وضَرْبةً ذات فَرْغٍ تقذف الزَّبدا
أو طعنةً بيدَيْ حرّان مُجْهِزة
بحربة تُنْفِذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مرُّوا على جَدَثي
أرشَدَه الله من غازٍ وقد رَشَدا
ثم إنَّ القوم تهيأوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة ﵁ رسول الله ﷺ فودّعه، ثم قال:
فثبّت الله ما أتاك حَسَن
تَثْبيتَ موسى ونصراً كالذي نُصرا
إنّي تفرستُ فيك الخير نافلةً
الله يعلم أني ثابت البصر
أنت الرسول فمن يُحرم نوافلَه
والوجهَ منه فقد أزرى به القدر
ثم خرج القوم، وخرج رسول الله ﷺ يشيّعهم حتى إذا ودَّعهم وانصرف. قال عبد الله بن رواحة ﵁:
خَلَف السَّلامُ على امرىء ودْعتُهُ
في النَّخل خيرَ مُشَيِّع وخليل
تشجيع ابن رواحة الناس على الشهادة
ثم مضَوا حتى نزلوا «معاناً» من أرض الشام، فبلغ الناس أن هِرَقْل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليه من لَخْم وجُذام والقَيْن وبَهْراء وَبَليّ مائة ألف منهم، عليهم رجل من بَليّ، ثم أحد إراشة يقال له مالك بن زافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على «مَعان» ليلتين ينظرون في أمرهم؛ وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمُدَّنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. فشجع الناسَ عبد الله بن رواحة ﵁ وقال: يا قوم، - والله - إنَّ التي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون: الشهادة.
стр. 589
وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به؛ فانطلِقوا فإنَّما هي إِحدى الحُسْنَيَين: إما ظهور وإما شهادة. فقال الناس: قد - والله - صدق ابن رواحة.
فمضى الناس حتى إِذا كانوا بتُخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها «مَشارف» ، ثم دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: «مُؤتةَ» ، فلتقى الناس عندها. فتعبَّى لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عُذْرة يقال له قُطْبَة بن قَتادة ﵁، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له عَباية بن مالك ﵁، ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة ﵁ براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم، ثم أخذها جعفر ﵁ فقاتل القوم حتى قُتل، فكان جعفر أول المسلمين عَقَر في الإِسلام. كذا في البداية.
وأخرجه الطبراني عن عروة بن الزبير ﵄ مثله، وفيه: ثم أخذها جعفر ﵁ فقاتل به حتى إِذا ألحَمه القتال إقتحم عن فرس له «شقراء» فعقرها، فقاتل القوم حتى قتل، وكان جعفر أول رجل من المسلمين عَقَر في الإِسلام. قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله ثقات إِلى عروة. انتهى. وأخرجه أبو نعيم في الحِلية عن عروة ﵁ مختصراً.
стр. 590
أبيات ابن رواحة في مسيره في الشوق إلى الشهادة
وأخرج ابن إسحاق عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة ﵁ في حِجْره، فخرج بي في سفره ذلك مُرْدِفي على حقيبة رَحْله، فوالله إنه ليسير ليلتئذٍ وهو يُنْشِد أبياته:
إذا أدنيتِني وحملت رَحْلي
مسيرة أربع بعد الحِساء
فشأنك أنعمٌ وخلاك ذمٌ
ولا أرجعْ إِلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني
بأرض الشام مستنهى الثواء
وردَّك كل ذي نَسَب قريب
إلى الرحمن منقطعَ الإِخاء
هنالك لا أُبالي طلع بَعْل
ولا نخل أسافلها رِواء
قال: فلما سمعتُهن منه بكيت، فخفقني بالدِّرة وقال: ما عليك يا لُكع أن يرزقني الله الشهادة؟ وترجع بين شعبتي الرَّحْل. كذا في البداية وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية، والطبراني من طريق ابن إسحاق عن زيد كما في المجمع.
أبيات ابن رواحة عند القتال
وأخرج ابن إسحاق عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: حدثني أبي
стр. 591
الذي أرضعني - وكان أحد بني مرة بن عوف - قال: فلما قتل جعفر ﵁ أخذ عبد الله بن رواحة ﵁ الراية، ثم تقدَّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردّد ويقول:
أقسمت يا نفسُ لتنزِلنَّهْ
لتنزِلِنَّ أو لتُكْرِهِنَّهْ
إن أجلبَ الناس وشدُّوا الرَّنَّة
ما لي أراك تكرهين الجنَّة؟
قد طال ما قد كنتِ مطمئنة
هل أنت إلا نُطفة في شَنَّة
وقال أيضاً:
يا نفسُ إن لا تُقتلي تموتي
هذا حِمامُ الموت قد صُلِيتِ
وما تمنيتِ فقد أعطيتِ
إن تفعلي فعلهما هُدِيتِ
يريد صاحبيه زيداً وجعفراً ﵄، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عمّ له بعَرْق من لحم، فقال: شُدّ بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت.k فأخذه من يده فانتهس منه نَهْسة، ثم سمع الحَطْمة في ناحية الناس. فقال: وأنت في الدنيا؟ ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً أبو نعيم في الحلية؛ والطبراني: ورجاله ثقات. كما قال الهيثمي.
стр. 592
عقر جعفر فرسه وما قال من الأشعار عند القتل
وأخرج ابن إسحاق عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: حدثني أبي الذي أرضعني - وكان أحد بني مرة بن عوف - وكان في تلك الغزوة «غزوة مؤتة» قال: والله لكأنِّي أنظر إلى جعفر ﵁ حين اقتحم عن فرس له «شقراء» ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل؛ وهو يقول:
يا حبَّذا الجنّة واقترابُها
طيبةٌ وباردٌ شرابُها
والرومُ رومٌ قد دنا عذابها
كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليَّ إِذ لاقيتها ضِرابُها
يوم القيامة تشجيع زيد بن الخطاب وأصحابه على الثبات واستشهاده ﵁
أخرج الحاكم عن عمر بن عبد الرحمن - من ولد زيد بن الخطاب - عن أبيه ﵁ قال: كان زيد بن الخطاب يحمل راية المسلمين يوم اليمامة، وقد انكشف المسلمون حتى ظهرت خيفة على الرجال، فجعل زيد بن الخطاب يقول: أما الرحال فلا رحال، وأما الرجال فلا رجال؛ ثم جعل يصيح بأعلى صوته: اللهمَّ إني أعتذر إليك من فرار أصحابي، وأبرأ إليك مما جاء به مُسَيلِمة ومُحَكَّم
стр. 593
بن الطُّفَيل، وجعل يشدّ بالراية يتقدم بها في نحر العدوّ، ثم ضارب بسيفه حتى قتل رحمة الله عليه، ووقعت الراية فأخذها سالم مولى أبي حذيفة ﵁، فقال المسلمون: يا سالم إنا نخاف أن نُؤتى من قِبَلك فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قِبَلي وقُتل زيد بن الخطاب سنة إثنتي عشر من الهجرة. وأخرجه ابن سعد عن عبد الرحمن ﵁ مثله.
حفر ثابت وسالم حفرة للثبات في المعركة واستشهادهما
وأخرج الطبراني عن إبنة ثابت بن قيس بن شماس ﵁ فذكرت الحديث، وفيه: فلما استنفر أبو بكر ﵁ المسلمين إِلى قتال أهل الردة: اليمامة ومسيلمة الكذاب، سار ثابت بن قيس ﵁ فيمن سار، فلما لَقُوا مسيلمة وبني حنيفة هزموا المسلمين - ثلاث مرّات. فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة ﵃: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيه، فقاتلا حتى قتلا. قال الهيثمي: وبنت ثابت بن قيس لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح. والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابية فإنها قالت؛ سمعت أبي. انتهى. وأخرجه ابن عبد البرّ في الإستيعاب - نحوه. وأخرجه البغوي أيضاً بهذا الإِسناد، كما في الإِصابة.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن ثابت بن قيس بن شمّاس ﵁ قال: لمَّ انكشف المسلمون يوم اليمامة قال سالم مولى أبي حذيفة ﵄: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ فحفر لنفسه حفرة وقام فيها، ومعه راية
стр. 594
المهاجرين يومئذٍ، فقاتل حتى قتل ﵀ يوم اليمامة شهيداً سنة إثنتي عشرة؛ وذلك في خلافة أبي بكر ﵁.
نداء عبّاد بن بشر للأنصار في المعركة وقت الشهادة
وأخرج أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت عبَّاد بن بِشر ﵁ يقول: يا أبا سعيد، رأيت الليلة كأن السماء قد فُرِجَت لي، ثم أطْبقت عليّ؛ فهي - إن شاء الله - الشهادة. قال: قلت: خيراً - والله - رأيت. قال: فأَنْظُر إليه يوم اليمامة وإِنه ليصيح بالأنصار: أحطِموا جفون السيوف، وتميَّزوا من الناس، وجعل يقول: أخْلِصونا، أخلصونا، فأخلصوا أربع مائةِ رجل من الأنصار ما يخالطهم أحد، يقدمهم عبَّاد بن بشر، وأبو دُجانة، والبراء بن مالك ﵃ حتى انتهوا إِلى باب الحديقة، فقاتلوا أشدَّ القتال؛ وقُتل عباد بن بشر ﵀، فرأيت بوجهه ضرباً كثيراً ما عرفه إِلا بعلامة كانت في جسده.
نداء أبي عقيل للأنصار في المعركة وقت الشهادة
وأخرج أيضاً عن جعفر بن عبد الله بن أسلم الهمْداني ﵁ قال: لما كان يوم اليمامة كان أول الناس جرح أبو عقيل الأُنَيْفي ﵁؛ رُمِيَ بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشَطَبَ في غير مقتل، فأُخرج السهمُ - ووهن له شقه الأيسر - لِمَا كان فيه، وهذا أول النهار، وجُرّ إِلى الرَّحْل - فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم - وأبو عقيل واهن من جرحه - سمع مَعْنَ بن
стр. 595
عدي ﵁ يصيح بالأنصار: الله الله والكرّةَ على عدوّكم، وأعنق مَعْن يَقْدَم القوم، وذلك حني صاحت الأنصار: أَخلصونا، أخلصونا، فأخلَصوا رجلاً رجلاً يُمَيَّزون. قال عبد الله بن عمر ﵄: فنهض أبو عَقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عَقِيل، ما فيك قتال؟ قال: قد نوَّه المنادي باسمي. قال ابن عمر: فقلت؛ إنما يقول: يا للأَنصار، لا يعني الجَرْحى قال أبو عَقِيل: أنا رجل من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حَبْواً قال ابن عمر: فتحزمَّ أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجرداً، ثم جعل ينادي: يا للأنصار، كرّة كيوم حُنَين، فاجتمعوا ﵏ جميعاً يقدمُون المسلمين دُرْبة دون عدوْهم حتى أقحموا عدوَّهم الحديفة، فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم.
قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب، فوقعت الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحاً كلها قد خَلَصت إلى مقتل، وقُتل عدوّ الله مسيلمة. قال ابن عمر فوقعتُ على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: أبا عقيل، فقال: لبيك - بلسان ملتاث - لِمَن الدَّبْرة؟ قال: قلت: أبشر، ورفعت صوتي: قد قُتل عدوّ الله، فرفع أصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات - يرحمه الله -. قال ابن عمر: فأخبرت عمر بعد أن قدمت خبره كلَّه. فقال: ﵀، ما زال يسأل الشهادة ويطلبها، وإِنْ كان ما علمت من خيار أصحاب نبينا ﷺ وقديمَ إِسلام.
إستشهاد ثابت بن قيس
وأخرج الطبراني عن أنس ﵁ قال: لما انكشف الناس يوم
стр. 596
اليمامة قلت لثابت بن قيس ﵁: ألا ترى يا عمّ؟ ووجدته يتحنَّط. فقال: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ بئس ما عوَّدتم أقرانكم: اللهمَّ إِنِّي أبرأ إِليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قتل. - فذكر الحديث؛ كما في الإِصابة، قال: وهو في البخاري - مختصراً. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح اهـ. وأخرجه الحاكم: وصحَّحه على شرط مسلم. وفي مرسل عكرمة عن ابن سعد بإسناد صحيح؛ كما في فتح الباري: فلما كان يوم اليمامة إنهزم المسلمون. فقال ثابت ﵁: أُفٍ لهؤلاء ولما يعبدون، وأُفٍ لهؤلاء ولما يصنعون. وقال: ورجل قائم على ثُلْمة فقتله وقُتِل. وأخرجه البيهقي عن أنس ﵁ بمعناه.
يوم اليرموك قتل عكرمة بن أبي جهل في أربعمائة من المسلمين
أخرج يعقوب بن أبي سفيان، وابن عساكر عن ثابت البُناني ﵁: أن عكرمة بن
стр. 597
أبي جهل ﵁ ترجَّل يوم كذا وكذا، فقال له خالد بن الوليد ﵁: لا تفعل، فإنَّ قَتْلَكَ عى المسلمين شديدٌ. فقال: خلِّ عني يا خالد؛ فإنَّه قد كان لك مع رسول الله ﷺ سابقة، وإني وأبي كنا من أشدّ الناس على رسول الله ﷺ فمشى حتى قتل. كذا في الكنز. وأخرجه البيهقي عن ثابت ﵁ نحوه.
وعند سَيْف بن عمر عن أبي عثمان الغسَّاني عن أبيه ﵁ قال: قال عكرمة بن أبي جهل ﵁ يوم اليرموك: قاتلت رسول الله ﷺ في مواطن، وأفرّ منكم اليوم؟ ثم نادى. من يبايع على الموت؟ فبايعه عمُّه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور ﵄ في أربع مائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قُدَّامَ فسطاط خالد ﵁ حتى أُثبِتوا جميعاً جراحاً، وقتل منهم خلق. منهم: ضرار بن الأزور ﵃ كذا في البداية.
وقد أخرجه الطبري عن السَّرِي عن شعيب عن سيف بإسناده - نحو، إلا أنه قال: وقتلوا إلا من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور ﵁، قال: وأُتي خالد ﵁ بعدما أصبحوا بعكرمة ﵁ جريحاً، فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة، فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما، ويقطر في حلوقهما الماء، ويقول: كلا، زعم ابن الحنتمة، أنا لا نُستَشهد.
стр. 598
بقية قصص الصحابة ﵃ في رغبتهم في القتل في سبيل الله رغبة عمّار بن ياسر في القتل
أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي البَخْتَري ومَيْسَرة؛ أن عمَّار بن ياسر ﵁ يوم صِفِّين كان يقاتل فلا يقتل، فيجيء إلى علي ﵁ فيقول: يا أمير المؤمنين، يوم كذا وكذا هذا؟ فيقول: أذهب عنك. قال: ذلك ثلاث مرات، ثم أُتيَ بلبن فشربه، ثم قال: إِن رسول الله ﷺ قال: إنَّ هذا آخر شَرْبة أشربها من الدنيا، ثم قام فقاتل حتى قُتل. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وأبو يَعْلى بأسانيد؛ وفي بعضها عطاء بن السائب وقد تَغَيَّر، وبقية رجاله ثقات، وبقية الأسانيد ضعيفة. انتهى.
وعند الطبراني عن أبي سنان الدؤلي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ قال: رأيت عمَّار بن ياسر ﵁ دعا غلاماً له بشراب، فأتاه بقَدَح من لبن فشربه، ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه - فذكر الحديث. قال الهيثمي: وإسناده حسن.
وعند الطبراني عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سمعت عمار بن ياسر ﵁ بصِفِّين في اليوم الذي مات فيه وهو ينادي: إني لقيت الجبار، وتزوجت الحور العين، اليوم نلقى الأحبة محمداً وحزبه، عهد إليّ رسول الله ﷺ أنَّ آخر زادِك من الدنيا ضَياح من لبن. قال الهيثمي: رواه
стр. 599
الطبراني في الأوسط، والإِمام أحمد باختصار؛ ورجالهما رجال الصحيح. ورواه البزَّار بنحوه بإسناد ضعيف. وفي رواية عند الإِمام أحمد: أنه لما أُتِيَ باللبن ضحك. انتهى.
إستشهاد البراء بن مالك يوم العقبة بفارس
وأخرج البغوي - بإسناد صحيح - عن أنس ﵁: دلت على البراء بن مالك وهو يتغنّى، فقلت: قد أبدلك الله ما هو خير منه. فقال: أترهب أن أموت على فراشي؟ لا والله ما كان ليحرمني ذلك، وقد قتلت مائة منفرداً سوى من شاركت فيه. كذا في الإِصابة وأخرجه الطبراني بمعناه. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - اهـ. وأخرحه الحاكم أيضاً - بمعناه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرِّجاه. وأخرجه أبو نعيم في الحلية - نحوه. وأخرج الحاكم أيضاً عن أنس ﵁، قال: لمّا كان يوم العقبة بفارس - وقد زَوَى الناس - قام البراء ﵁ فركب فرسه وهي تُزْجى، ثم قال لأصحابه: بئس ما عوَّدتم أقرانكم عليكم فحمل على العدوّ، ففتح الله على المسلمين، واستُشهد البراء ﵁ يومئذٍ.
стр. 600
ما ظنَّ عمر بعثمان بن مظعون حين مات ولم يقتل
أخرج ابن سعد، وأبو عُبَيد في الغريب عن عبيد بن عبد الله بن عتبة ﵁ أنَّه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لمَّا توفي عثمان بن مظعون ﵁ وفاة لم يُقتل، هبط من نفسي هبطةً ضخمة، فقلت: أنظروا إلى هذا الذي كان أشدّ تخلياً من الدنيا، ثم مات ولم يقتل؛ فلم يزل عثمان بتلك المنزلة من نفسي حتى توفي رسول الله ﷺ فقلت: وَيْك إنَّ خيارنا يموتون ثم توفي أبو بكر ﵁ فقلت: ويك، إن خيارنا يموتون فرجع عثمان ﵁ في نفسي إلى المنزلة التي كان بها قبل ذلك. كذا في المنتخب.
شجاعة الصحابة رضي الله تعالى عنهم شجاعة أبي بكر الصديق ﵁
أخرج البزّار عن علي ﵁ أنه قال: أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين. قال: أمَا إنِّي ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس. قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر. إنَّه لا كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً. فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ادنا منه أحد إلا أبو
следующие страницы →