Полный текст (1 779 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
اليمامة قلت لثابت بن قيس ﵁: ألا ترى يا عمّ؟ ووجدته يتحنَّط. فقال: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ بئس ما عوَّدتم أقرانكم: اللهمَّ إِنِّي أبرأ إِليك مما جاء به هؤلاء، ومما صنع هؤلاء، ثم قاتل حتى قتل. - فذكر الحديث؛ كما في الإِصابة، قال: وهو في البخاري - مختصراً. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح اهـ. وأخرجه الحاكم: وصحَّحه على شرط مسلم. وفي مرسل عكرمة عن ابن سعد بإسناد صحيح؛ كما في فتح الباري: فلما كان يوم اليمامة إنهزم المسلمون. فقال ثابت ﵁: أُفٍ لهؤلاء ولما يعبدون، وأُفٍ لهؤلاء ولما يصنعون. وقال: ورجل قائم على ثُلْمة فقتله وقُتِل. وأخرجه البيهقي عن أنس ﵁ بمعناه.
يوم اليرموك قتل عكرمة بن أبي جهل في أربعمائة من المسلمين
أخرج يعقوب بن أبي سفيان، وابن عساكر عن ثابت البُناني ﵁: أن عكرمة بن
стр. 597
أبي جهل ﵁ ترجَّل يوم كذا وكذا، فقال له خالد بن الوليد ﵁: لا تفعل، فإنَّ قَتْلَكَ عى المسلمين شديدٌ. فقال: خلِّ عني يا خالد؛ فإنَّه قد كان لك مع رسول الله ﷺ سابقة، وإني وأبي كنا من أشدّ الناس على رسول الله ﷺ فمشى حتى قتل. كذا في الكنز. وأخرجه البيهقي عن ثابت ﵁ نحوه.
وعند سَيْف بن عمر عن أبي عثمان الغسَّاني عن أبيه ﵁ قال: قال عكرمة بن أبي جهل ﵁ يوم اليرموك: قاتلت رسول الله ﷺ في مواطن، وأفرّ منكم اليوم؟ ثم نادى. من يبايع على الموت؟ فبايعه عمُّه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور ﵄ في أربع مائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قُدَّامَ فسطاط خالد ﵁ حتى أُثبِتوا جميعاً جراحاً، وقتل منهم خلق. منهم: ضرار بن الأزور ﵃ كذا في البداية.
وقد أخرجه الطبري عن السَّرِي عن شعيب عن سيف بإسناده - نحو، إلا أنه قال: وقتلوا إلا من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور ﵁، قال: وأُتي خالد ﵁ بعدما أصبحوا بعكرمة ﵁ جريحاً، فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة، فوضع رأسه على ساقه، وجعل يمسح عن وجوههما، ويقطر في حلوقهما الماء، ويقول: كلا، زعم ابن الحنتمة، أنا لا نُستَشهد.
стр. 598
بقية قصص الصحابة ﵃ في رغبتهم في القتل في سبيل الله رغبة عمّار بن ياسر في القتل
أخرج الطبراني وأبو يعلى عن أبي البَخْتَري ومَيْسَرة؛ أن عمَّار بن ياسر ﵁ يوم صِفِّين كان يقاتل فلا يقتل، فيجيء إلى علي ﵁ فيقول: يا أمير المؤمنين، يوم كذا وكذا هذا؟ فيقول: أذهب عنك. قال: ذلك ثلاث مرات، ثم أُتيَ بلبن فشربه، ثم قال: إِن رسول الله ﷺ قال: إنَّ هذا آخر شَرْبة أشربها من الدنيا، ثم قام فقاتل حتى قُتل. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وأبو يَعْلى بأسانيد؛ وفي بعضها عطاء بن السائب وقد تَغَيَّر، وبقية رجاله ثقات، وبقية الأسانيد ضعيفة. انتهى.
وعند الطبراني عن أبي سنان الدؤلي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ قال: رأيت عمَّار بن ياسر ﵁ دعا غلاماً له بشراب، فأتاه بقَدَح من لبن فشربه، ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمداً وحزبه - فذكر الحديث. قال الهيثمي: وإسناده حسن.
وعند الطبراني عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سمعت عمار بن ياسر ﵁ بصِفِّين في اليوم الذي مات فيه وهو ينادي: إني لقيت الجبار، وتزوجت الحور العين، اليوم نلقى الأحبة محمداً وحزبه، عهد إليّ رسول الله ﷺ أنَّ آخر زادِك من الدنيا ضَياح من لبن. قال الهيثمي: رواه
стр. 599
الطبراني في الأوسط، والإِمام أحمد باختصار؛ ورجالهما رجال الصحيح. ورواه البزَّار بنحوه بإسناد ضعيف. وفي رواية عند الإِمام أحمد: أنه لما أُتِيَ باللبن ضحك. انتهى.
إستشهاد البراء بن مالك يوم العقبة بفارس
وأخرج البغوي - بإسناد صحيح - عن أنس ﵁: دلت على البراء بن مالك وهو يتغنّى، فقلت: قد أبدلك الله ما هو خير منه. فقال: أترهب أن أموت على فراشي؟ لا والله ما كان ليحرمني ذلك، وقد قتلت مائة منفرداً سوى من شاركت فيه. كذا في الإِصابة وأخرجه الطبراني بمعناه. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - اهـ. وأخرحه الحاكم أيضاً - بمعناه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرِّجاه. وأخرجه أبو نعيم في الحلية - نحوه. وأخرج الحاكم أيضاً عن أنس ﵁، قال: لمّا كان يوم العقبة بفارس - وقد زَوَى الناس - قام البراء ﵁ فركب فرسه وهي تُزْجى، ثم قال لأصحابه: بئس ما عوَّدتم أقرانكم عليكم فحمل على العدوّ، ففتح الله على المسلمين، واستُشهد البراء ﵁ يومئذٍ.
стр. 600
ما ظنَّ عمر بعثمان بن مظعون حين مات ولم يقتل
أخرج ابن سعد، وأبو عُبَيد في الغريب عن عبيد بن عبد الله بن عتبة ﵁ أنَّه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لمَّا توفي عثمان بن مظعون ﵁ وفاة لم يُقتل، هبط من نفسي هبطةً ضخمة، فقلت: أنظروا إلى هذا الذي كان أشدّ تخلياً من الدنيا، ثم مات ولم يقتل؛ فلم يزل عثمان بتلك المنزلة من نفسي حتى توفي رسول الله ﷺ فقلت: وَيْك إنَّ خيارنا يموتون ثم توفي أبو بكر ﵁ فقلت: ويك، إن خيارنا يموتون فرجع عثمان ﵁ في نفسي إلى المنزلة التي كان بها قبل ذلك. كذا في المنتخب.
شجاعة الصحابة رضي الله تعالى عنهم شجاعة أبي بكر الصديق ﵁
أخرج البزّار عن علي ﵁ أنه قال: أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين. قال: أمَا إنِّي ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس. قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر. إنَّه لا كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً. فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ادنا منه أحد إلا أبو
стр. 601
بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه؛ فهذا أشجع الناس - فذكر الحديث كذا في المجمع.
شجاعة عمر بن الخطاب ﵁
أخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما علمت أحداً هاجر إلا مختفياً إلا عمرَ بن الخطاب فإنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهُماً، وأتى الكعبة - وأشراف قريش بفِنائها - فطاف سبعاً، ثم صلَّى ركعتين عند المَقام، ثم أتى حِلَقهم واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوه. من أراد أن تثكله أمه، ويُؤتَم ولده، وتَرْمُل زوجته؛ فليقني وراء هذا الوادي. فما تبعه منهم أحد. كذا في منتخب كنز العمال.
شجاعة علي بن أبي طالب ﵁ شعر علي بعد وقعة أُحد
أخرج البزار عن جابر ﵁ قال: دخل علي على فاطمة ﵄ يوم أُحد، فقال:
أفاطمُ هاكِ السيفَ غيرَ ذَميمِ
فلستُ برعديدٍ ولا بلئيم
لعمري لقد أبليت في نصر أحمدٍ
ومرضاة رب بالعباد عليمِ
لقال رسول الله ﷺ «إِن كنت أحسنت القتال فقد أحسنه سهل بن حُنَيف وابن الصِّمَّة» - وذكر آخر فنسيه مُعلَّى -. فقال جبريل ﵇: يا محمد هذا - وأبيك - المواساة. فقال رسول الله ﷺ «يا جبريل إنَّه منِّي» . فقال جبريل ﵇: وأنا منكما. قال الهيثمي: وفيه مُعَلَّى بن
стр. 602
عبد الرحمن الواسطي وهو ضعيف جدّاً. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. انتهى.
وعند الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: دخل علي بن أبي طالب ﵁ على فاطمة ﵂ يوم أُحد فقال: خذي هذا السيف غير ذميم. فقال النبي ﷺ «لئن كنت أحسنت القتال لقد أحسنه سهل بن حُنَيْف وأبو دُجانة سِماك بن حَرَشَة» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. انتهى.
قتله عمرو بن عبد ود
وأخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن يزيدَ بن رومان عن عروة وعبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ﵄ قالا: لما كان يوم الخندق خرج عمرو بن عبد وعدّ مُعْلَماً ليُرى مشهدُه، فلما وقف هو وخيله قال له علي: يا عمرو، إنَّك قد كنت تعاهد الله لقريش ألا يدعوك رجل إلى خَلَّتين إلا اخترت إحداهما. قال: أجَل. قال فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإِسلام. قال لا حاجة لي في ذلك، قال: فإني أدعوك إلى المبارزة. قال: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك. قال علي ﵁: ولكني - والله أ- أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك، وأقبل إلى علي ﵁ فتنازلا، فتجاولا، فقتله علي ﵁. كذا في الكنز.
стр. 603
أشعار علي عند قتل عمرو بن عبد ود
وذكره في البداية من طريق البيهقي عن ابن إسحاق قال: خرج عمرو بن عبد وعدّ وهو مقنَّع بالحديد، فنادى من يبارز؟ فقام علي بن أبي طالب ﵁، فقال: أنا لها يا نبي الله، فقال: «إنه عمرو، إجلس» . ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنّبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تُبرزون إِليّ رجلاً؟ فقام علي ﵁ فقال: أنا يا رسول الله، فقال: «إجلس» . ثم نادى الثالثة. فقال: فذكر شعره. قال: فقام علي ﵁ فقال: يا رسول الله أنا. فقال: «إنه عمرو» . فقال: «وإن كان عَمْراً. فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه حتى أتى وهو يقول:
لا تعجلنَّ فقد أتاكْ
مجيبُ صوتك غير عاجزْ
في نية وبصيرة
والصدق مَنْجَى كلِّ فائزْ
إني لأرجو أن أقيم
عليك نائحة الجنائزْ
من ضربة نَجْلاء
يبقى ذكرها عند الهزاهزْ
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال: يا ابن أخي مِنْ أعمامك من هو أسنّ منك؛ فإني أكره أن أُهَريق دمك، فقال له علي ﵁: لكني - والله - لا أكره أن أهَريق دمك. فغضب فنزل وسلَّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي ﵁ مُغضَباً، واستقبله علي بدَرَقَته؛ فضربه عمرو في دَرَقَته، وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجّه. وضربه علي رضي الله عنه
стр. 604
على حبل عاتقه فسقط، وثار العَجاج؛ وسمع رسول الله ﷺ التكبير، فعرفنا أن علياً ﵁ قد قتله؛ فثَمَّ يقول علي ﵁:
أعليَّ تقتحم الفوارسُ هكذا
عني وعنهم أخِّروا أصحابي
اليوم يمنعني الفرارَ حفيظتي
ومُصَمِّمٌ في الرأس ليس بنابي
إلى أن قال:
عبد الحجارة من سفاهة رأيه
وعبدتُ ربَّ محمدٍ بصوابي
فصدرت حين تركته متجدلاً
كالجِذْع بين دكادكٍ وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني
كنت المَقَطَّر بزّني أثوابي
لا تحسبُنَّ الله خاذلَ دينه
ونبيِّه يا معشرَ الأحزابِ
قال: ثم أقبل علي ﵁ نحو رسول الله ﷺ ووجهه يتهلّل، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: هلا إستلبته درعه؟ فإنه ليس للعرب درع خير منها، فقال: ضربته فأقتاني بسوأته، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه. انتهى.
قتله مرحب اليهودي وبطولته يوم خيبر
وأخرج مسلم، والبيهقي - واللفظ له - عن سلمة بن الأكوع ﵁ فذكر حديثاً طويلاً، وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فَزارة. قال: فلم نمكث إلا ثلاثاً حتى خرجنا إلى خيبر. قال: وخرج عامر ﵁ فجعل يقول:
стр. 605
والله لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا
ونحن من فضلك ما استغنينا
فأنزلنْ سكينةً علينا
وثبِّتِ الأقدامِ إِن لاقينا
قال: فقال رسول الله ﷺ «من هذا القائل؟» فقالوا: عامر فقال: «غفر لك ربك» . قال: ما خصّ رسول الله ﷺ قطُّ أحداً به إِلا استشهد -. فقال عمر ﵁ وهو على جمل -: لولا متَّعْتَنا بعامر. قال: فقدمنا خيبر، فخرج مرحب وهو يخطِر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر أني مَرْحَبْ
شاكي السلاحِ بطل مُجَرّبْ
إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبْ
قال: فبرز له عامر ﵁ وهو يقول:
قد علمت خيبر أني عامر
شاكي السلاحِ بطل مغامر
قال: فاختلفنا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر ﵁، فذهب يسعل له، فرجع على نفسه فقطع أكْحَله فكانت فيها نَفْسهُ. قال سلمة ﵁: فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: بَطَل عَملُ عامر، قَتَلَ نفسَه. قال: فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي. فقال: «ما لك؟» فقلت: قالوا: إن عامراً بطل عمله فقال: «من قال ذلك؟» فقلت: نفر من أصحابك. فقال: «كذب أولئك، بل له الأجر مرّتين» . قال: وأرسل رسول الله ﷺ إلى علي يدعو وهو أرمد؛ وقال: «لأُعْطِيَنَّ الراية اليوم رجلاً يحبُّ الله ورسولَه» . قال: فجئت به أقوده. قال: فبصق رسول الله ﷺ في عينه فبرأ؛
стр. 606
فأعطاه الراية. فبرز مرحب وهو يقول:
قد علمت خيبر أني مرحبْ
شاكي السلاحِ بطل مجرّبْ
إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبْ
قال فبرز له ﵁ وهو يقول:
أنا الذي سمتني أمي حَيْدَرَة
كَلَيْثِ غاباتٍ كريهِ المنظرهْ
أُوفيهم بالصاع كيل السَّنْدَره
قال فضرب مرحباً ففلق رأسه فقلته، وكان الفتح. هكذا وقع في هذا السياق: أنّ علياً هو الذي قتل مرحباً اليهودي - لعنه الله -.
وهكذا أخرجه الإِمام أحمد عن علي ﵁ قال: لمّا قتلتُ مرحباً جئت برأسه إلى رسول الله ﷺ وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أن الذي قتل مرحباً وهو محمد بن مسلمة ﵁. وكذلك أخرج محمد بن إسحاق، والواقدي عن جابر ﵁ وغيره من السلف. كذا في البداية.
وأخرج ابن إسحاق عن بعض أهله عن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ قال: خرجنا مع علي ﵁ إِلى
стр. 607
خيبر، فبعثه رسول الله ﷺ برايته. فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل منهم من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي ﵁ باب الحصن فترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتُني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه. وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر؛ ولكن روى الحافظ البيهقي، والحاكم من طريق أبي جعفر الباقر عن جابر أن علياً ﵄ حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه، فافتتحوها؛ وأنه جُرّب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلاً، وفيه ضعف أيضاً. وفي رواية ضعيفة عن جابر ﵁: ثم اجتمع عليه سبعون رجلاً وكان جهدهم أن أعادوا الباب. كذا في البداية. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن سَمُرة أن علياً ﵄ حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون ففتحوها؛ وأنه جُرب فلم يحمله إلا أربعون رجلاً. كذا في منتخب كنز العمال، وقال: حسن. انتهى.
شجاعة طلحة بن عبيد الله ﵁
أخرج ابن عساكر عن طلحة ﵁ قال: لما كان يوم أُحد
стр. 608
إرتجزت بهذا الشعر:
نحن حماة غالب ومالكِ
نذبّ عن رسولنا المبارك
نضرب عنه القوم في المعارك
ضرب صفاح الكُوم في المبارك
وما انصرف رسول الله ﷺ يوم أُحد حتى قال لحسان ﵁: «قل في طلحة» : قال:
وطلحة يوم الشِّعب آسى محمداً
على ساعة ضاقت عليه وشقَّتِ
يقيه بكفَّيه الرماح وأسلمت
أشاجِعُه تحت السيوف فشُلَّتِ
وكان أمامَ الناس إلا محمداً
أقام رحى الإِسلام حتى استقلَّتِ
وقال أبو بكر الصديق ﵁:
حمى نبيَّ الهدى والخيلُ تتبعه
حتى إذا ما لقوا حامَى عن الدين
صبراً على الطعن إذ ولَّت حماتُهم
والناس من بين مهديَ ومفتون
يا طلحةُ بن عُبيد الله قد وجبت
لك الجنان وزُوِّجتَ المها العِينِ
وقال عمر ﵁:
حمى نبيَّ الهدى بالسيف منصلتاً
لمَّا تولّى جميع الناس وانكشفوا
قال: فقال النبي ﷺ «صدقت يا عمر» قال: في منتخب الكنز: وفيه سليمان بن أيوب الطَّلْحي. اهـ قال ابن عدي: عامة أحاديث. لا يتابع عليها؛ وذكره ابن حِبَّان في الثقات كما في اللسان. وقد تقدم (ص ٥١٨) قتال طلحة يوم أُحد .
стр. 609
شجاعة الزبير بن العوام ﵁ خروج الزبير بالسيف متجرِّداً في مكة قبل الهجرة
أخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيِّب قال: إن أول من سلّ سيفاً في الله الزبير بن العوام ﵁، بين هو ذات يوم قائل إذ سمع نغمةً: قُتِلَ رسول الله ﷺ فخرج متجِّداً بالسيف صلتاً، فلقيها كُنَةً كَنَةً قال: «مالك يا زبير» فقال: سمعت أنك قُتلت. قال: «فما أردت أن تصنع؟» قال: أردت - والله - أستعرض أهل مكة. فدعا له النبي ﷺ بخير، وفي ذلك يقول الأسَديّ:
هاذاك أول سيف سُلّ في غضب
لله سيف الزبير المرتَضى أنَفَا
حميَّةٌ سبقت من فضل نجدته
قد يحبس النجدات المحبس الأرفا
وعند ابن عساكر أيضاً وأبي نعيم في الحلية عن عروة أن الزبير بن العوَّام ﵄ سمع نفخة من الشيطان أن محمداً ﷺ أُخذ، بعدما أسلم، وهو ابن إثنتي عشرة سنة؛ فسلّ سيفه، وخرج يشتدّ في الأزقة حتى أتى النبي ﷺ وهو بأعلى مكة - والسيف في يده. فقال له النبي ﷺ «ما
стр. 610
شأنك؟» قال: سمعت أنك قد أخذت. فقال النبي ﷺ «ما كنت تصنع؟» قال: كنت أضرب بسيفي هذا من أخذك. فدعا له رسول الله ﷺ ولسيفه، وقال: «إنصرف» . وكان أول سيف سُلّ في سبيل الله. كذا في منتخب كنز العمال. وأخرجه الزبير بن بكار، كما في الإِصابة. وأخرجه أبو نُعيم في الدلائل (ص ٢٢٦) عن سعيد بن المسيِّب - بمعناه.
قتله طلحة العبدري يوم أُحد
وذكر يونس عن ابن إسحاق أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حاملَ لواء المشركين يوم أُحد دعا إلى البراز، فأحجم عنه الناس؛ فبرز إليه الزبير بن العوام ﵁. فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه، وذبحه بسيفه، فأثنى عليه رسول الله ﷺ وقال: «إنَّ لكل نبي حوارِيّاً، وحوارِيّ الزبير» ، وقال: «لو لم يبرز إِليه لبرزت أنا إليه، لِمَا رأيت من إحجام الناس عنه» . كذا في البداية.
قتله نوفل المخزومي وقصته في قتل رجل آخر
وذكر يونس عن ابن إسحاق قال: خرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي - أي يوم الخندق -، فسأل المبارزة. فخرج إليه الزبير بن العوام ﵁ فضربه، فشقّه باثنتين حتى فلّ في سيفه فلا؛ وانصرف وهو يقول:
стр. 611
إني أمرؤ أُحمي وأحتمي
عن النبي المصطفى الأمي
كذا في البداية.
وقد أخرج ابن جرير عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت؛ أقبل رجل من المشركين وعليه السلاح، حتى صعد على مكان مرتفع من الأرض فقال: من يبارز؟ فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: «أتقوم إليه؟» فقال له الرجل: إن شئت يا رسول الله. فأخذ الزبير ﵁ يتطلَّع، فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: «قم يا ابن صفية» فانطلق إِليه حتى استوى معه، فاضطربا ثم عانق أحدهما الآخر، ثم تدحرجا. فقال رسول الله ﷺ «أيهما وقع الحضيض أول فهو المقتول» ، فدعا النبي ﷺ ودعا الناس فوقع الكافر، ووقع الزبير ﵁ على صدره فقتله. كذا في منتخب الكنز.
حملة الزبير يوم الخندق ويوم اليرموك
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: جُعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأُطُم، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطىء لي، فأصعد على ظهره، فأنظر. قال: فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة ها هنا، ومرة ها هنا، فما يرتفع له شيء إلا أتاه. فلما أمسى جاءنا إلى الأُطُم قلت: يا أبت رأيتك اليوم وما تصنع. قال: ورأيتني يا بني؟ قلت: نعم. قال: فدىً لك أبي وأمي. كذا في البداية.
وأخرج البخاري عن عروة ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للزبير
стр. 612
رضي الله عنه يوم اليرموك: لا تشدّ فنشدّ معك؟ فقال: إني إن شددت كذبتم. فقالوا: لا نفعل. فحمل عليهم حتى شقّ صفوفهم فجاوزهم، وما معه أحد، ثم رجع مقبلاً، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضُربها يوم بدر. قال عروة ﵁: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات، ألعب وأنا صغير. قال عروة ﵁: وكان معه عبد الله بن الزبير ﵄ يومئذٍ، وهو ابن عشر سنين؛ فحمله على فرس ووكّل به رجلاً. وذكره في البداية - بمعناه وزاد: ثم جاؤوا إليه مرّة ثانية، ففعل كما فعل في المرة الأولى.
شجاعة سعد بن أبي وقاص ﵁ سعد أول من رمى في سبيل الله وشِعْره في ذلك
أخرج ابن عساكر عن الزهري قال: بعث ﵁ رسول الله ﷺ سريّة فيها سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى جانب من الحجاز يدعى رابغ، فانكفأ المشركون على المسلمين، فجاءهم سعد بن أبي وقاص ﵁ يومئذٍ بسهامه، وكان أول من رمى في سبيل الله، وكان هذا أول قتال في الإِسلام. وقال سعد ﵁ في رميه:
ألا هل أتى رسولَ الله أتي
حَمَيْت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلَهم ذياداً
بكل حزونة بكل سهلِ
فما يَعْتَدُّ رامٍ في عدو
بسهم يا رسول الله قبلي
كذا في المنتخب عن ابن عساكر.
قتله ثلاثة بسهم واحد يوم أُحد
وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال: قَتلَ سعد ﵁ يوم
стр. 613
أُحد بسهم واحد ثلاثة، رمى به؛ فردّ عليهم فرموا به، فأخذه فرمى به سعد ﵁ الثانية، فَقَتَل؛ فردّ عليهم، فرمى به الثالثة، فَقَتَل، فعجب الناس مما فعل سعد ﵁، فقال: إنَّ النبي ﷺ أنبلنيه. قال: وجمع له رسول الله ﷺ أبويه. كذا في منتخب الكنز.
وأخرج البزَّار عن ابن مسعود ﵁ قل: كان سعد ﵁ يقتل مع رسول الله ﷺ يوم بدر قتال الفارس والراجل. قال الهيثمي: رواه البزَّار بإسنادين: أحدهما متصل، والآخر مرسل، ورجالهما ثقات. انتهى.
شجاعة حمزة بن عبد المطلب ﵁ شجاعته يوم بدر وقول أمية بن خَلَف في ذلك
أخرج الطبراني عن الحارث التيمي قال: كن حمزة بن عبد المطلب ﵁ يوم بدر مُعْلَماً بريشة نعامة، فقال رجل من المشركين: من رجلٌ أُعْلِم بريشة نعامة؟ فقيل: حمزة بن عبد لمطلب. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال الهيثمي: وإسناده منقطع.
وعند البزَّار عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال لي أمية بن خلف: يا عبد الإِله، مَنِ الرجل المعلم بريشة نعامة في صدره يوم بدر؟
стр. 614
قلت: ذاك عم رسول الله ﷺ ذاك حمزة بن عبد المطلب ﵁. قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال الهيثمي: رواه البزَّار من طريقين في إحداهما شيخه علي بن الفضل الكرابيسي ولم أعرفه، وبقية رجالهما رجال الصحيح، والأخرى ضعيفة اهـ.
بُكاءُ النبي ﵇ عندما رآه مقتولا
وأخرج الحاكم: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: فَقَدَت يوم أُحد حمزة ﵁ حين فاء الناس من القتال. قال: فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرة، وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله: اللهم إني أبرأَ إليك مما جاء به هؤلاء - لأبي سفيان وأصحابه -، وأعتذر إِليك مما صنع هؤلاء - من إنهزامهم -، فسارت نحوه. فلما رأى جبهته بكى، ولما رأى ما مُثِّلَ به شَهِق، ثم قال: «ألا كفَنٌ؟» فقام رجل من الأنصار فرمى بثوب. قال جابر ﵁: فقال رسول الله ﷺ «سيد الشهداء عند الله تعالى يوم القيامة حمزة» . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد، لم يخرِّجاه. وقال الذهبي: صحيح.
قصة قتله ومثلته ﵁
وأخرج ابن إسحاق كما في البداية: عن جعفر بن عمرو بن أمية الضَّمري قال: خرجت أنا وعبد الله بن عديّ بن الخِير في زمان معاوية ﵁، فذكر الحديث، حتى جلسنا إليه - أي إِلى وحشي - فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة كيف قتلته؟ فقال: أما إنِّي سأحدثكما كما حدَّثتُ
стр. 615
رسول الله ﷺ حين سألني عن ذلك: كنت غلاماً لجبير بن مُطْعِم وكان عمه طُعَيمة بن عديّ وقد أُصيب يوم بدر. فلما سارت قريش إلى أُحد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عمّ محمد بعمّي فأنت عتيق. قال: فخرجت مع الناس وكنت رجلاً حبشياً أقذف بالحربة قذف الحبشة قلّ ما أُخطىء بها شيئاً. فلما التقى النس خرجت أنظر حمزة وأتبصرَّه حتى رأيته في عُرْض الناس كأنه الجمل الأورق يهدُّ الناس بسيفه هدّاً ما يقوم له شيء، فوالله إِني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني، إذ تقدَّمني إليه سِباع بن عبد العُزَّى. فلما رآه حمزة ﵁ قال: هلمَّ إِليَّ يا ابن مقطِّعة البُظُور. قال: فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه. قال: وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثُنَّته حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغُلب؛ وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر، وقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتَق. فلما قدمت مكة عُتقت، ثم أقمتُ حتى إذا افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها. فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله ﷺ ليسلموا تعيَّت عليَّ الذاهب، فقلت: ألحق بالشام أو بالين أو ببعض البلا، فوالله إنِّي لفي ذلك من همّي، إذ قال لي رجل: ويحك إنه - والله - لا يقتل أحداً من الناس دخل في دينه، وشهد شهادة الحق. قال: فلما قال لي ذلك: خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة، فلم يَرُعه
إلا بي قائماً على رأسه؛ أشهد شهادة الحق. فلما رآني قال لي: «أوحشي أنت؟»
стр. 616
قلت: نعم يا رسول الله قال: «أقعُد، فحدثني كيف قتلت حمزة» قال: فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال: «ويحك يجب عني وجهك فلا أُرَينّك» . قال: فكنت أتنكب رسول الله ﷺ حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله . فلما خرج المسلمون إِلى مُسَيْلمة الكذاب صاحبِ اليمامة خرجت معهم، وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مُسَيْلمة قائماً وبيده لسيف - وما أعرفه - فتهيأت له، وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده، فهززتُ حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت فيه؛ وشدّ عليه الأنصاري (فضربه) بالسيف، فربُّك أعلم أيُّنا قتله، فإِن كنت قتلته قلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ وقد قتلت شر الناس.
وأخرجه البخاري عن جعفر بن عمرو - نحوه، وفي سياقه: فلما أن صف الناس للقتال خرج سِباع فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب ﵁، فقال له؛ يا سباع، يا ابن أم أنمار مقطِّعةِ البظور أتحادُّ الله ورسوله؟ ثم شدَّ عليه، فكان كأمس الذاهب.
شجاعة العباس بن عبد المطلب ﵁ إختطاف العباس حنظلة من أيدي المشركين وقصة شجاعته
أخرج ابن عساكر عن جابر ﵁ قال: لقد بعث رسول الله ﷺ يوم الطائف حنظلة بن الربيع ﵁ إلى أهل الطائف، فكلمهم، فاحتملوه ليدخلون حصنهم. فقال رسول الله ﷺ «من لهؤلاء؟ وله مثل أجر غزاتنا هذه؟» ، فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب ﵁ حتى أدركه في أيديهم، قد كادوا أن يدخلوه في الحصن، فاحتضنه العباس رضي الله عنه
стр. 617
- وكان رجلاً شديداً - فاختطفه من أيديهم؛ وأمطروا على العباس ﵁ الحجارة من الحصن. فجعل النبي ﷺ يدعو له حتى انتهى به إلى النبي ﷺ كذا في الكنز.
شجاعة معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ﵄ قصة قتلهما أبا جهل يوم بدر
أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: إنِّي لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثةٍ أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عماه، أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أُخبرت أنه يسبّ رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجَّبت لذلك. فغمزني الآخر فقال لي أيضاً مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبُكما الذي تسألاني عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النبي ﷺ فأخبراه. قال: «أيكما قتله؟» قال كل منهما: أنا قتلته، قال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. قال: فنظر النبي ﷺ في السيفين فقال: «كلاكما قتله» ، وقضى بسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والآخرِ معاذ بن عفراء ﵄. وأخرجه الحاكم؛ والبيهقي عن
стр. 618
عبد الرحمن ﵁ بنحوه.
وعند البخاري أيضاً قال عبد الرحمن ﵁: إني لفي الصف يوم بدر، إِذا التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السنّ، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سِرّاً من صاحبه: يا عمّ، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه. فقال لي الآخر: سرّاً من صاحبه مثله. قال: فما سرني أنني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثلَ الصَّقْرين حتى ضرباه. وهما إبنا عفراء.
وعند ابن إسحاق عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر ﵃ قالا: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سَلِمة: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحَرَجَة، وهم يقولون: أبو الحكم لا يُخْلَصُ إليه، فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلمَّا أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبَّهتها حين طاحت إلا بالنَّوة تطيح من تحت مِرْضخة النوى حين يُضرب بها. قال: وضربني إبنه عِكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلَّقَت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عمّة يومي، وإني لأسحبها خلفي. آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطّيت بها عليها حتى طرحتها. كذا في البداية.
стр. 619
شجاعة أبي دُجانة سِماك بن خَرَشة الأنصاري ﵁ قصة أخذه سيفن ﵇ وأداء حقه يوم أُحد
أخرج الإِمام أحد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ سيفاً يوم أُحد فقال: «من يأخذ هذا السيف؟» فأخذ قوم؛ فجعلوا ينظرون إليه، فقال: «من يأخذه بحقه» ، فأحجم القوم. فقال أبو دجانة سِمَاك ﵁: أنا آخذه بحقه، ففلق به هم المشركين. وأخرجه مسلم. كذا في البداية، وابن سعد عن أنس ﵁ بمعناه.
وأخرج البزَّار عن الزبير بن العوام ﵁ قال: عرض رسول الله ﷺ سيفاً يوم أُحد فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟» ، فقام أبو دجاجة سِمَاك بن خَرَشة ﵁ فقال: يا رسول الله - أنا آخذه بحقِّه، فما حقُّه؟ قال: فأعطاه إياه. فخرج واتبعته؛ فجعل لا يمرّ بشيء إلا أفراه وهتكه، حتى أتى نسوة في سَفح الجبل ومعهن هند وهي تقول:
نحن بنات طرقْ
نمشي على النمارقْ
والمسك في المفارقْ
إن تُقبلوا نعانقْ
أو تدبروا نفارقْ
فراق غير وامقْ
стр. 620
قال: فحملت عليها، فنادت بالصحراء فلم يجبها أحد، فانصرفت عنها. فقلت له: كل صنيعك رأيته فأعجبني؛ غير أنك لم تقتل المرأة. قال: فإنها نادت فلم يجبها أحد، فكرهت أن أضرب سيف رسول الله ﷺ إمرأة لا ناصر لها. قال الهيثمي: رجاله ثقات. انتهى.
وأخرجه الحكم عن الزبير ﵁ قال: عرض رسول الله ﷺ سيفاً يوم أُحد فقال: «من يأخذ هذا السيف بحقِّه» ؟ (فقمت) فقلت: أنا يا رسول الله فأعرض عني. ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقِّه؟ فقام أبو دجانة سِمَاك بن خَرَشَة ﵁ فقال: أنا آخذه يا رسول الله ﷺ بحقِّه، فما حقُّه؟ قال: «أن لا تقتل به مسلماً، ولا تفرّ به عن كافر» . قال: فدفعه إليه، وكان إذا أراد القتال أعْلَم بعصابة. قال: قلت: لأنظرنَّ إليه اليوم كيف يصنع؟ قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلا هتكه وأفراه - فذكره بمعناه. قال الحاكم: صحيح الإِسناد، ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي: صحيح.
وعند ابن هشام كما في البداية: قال حدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام ﵁ قال: وَجَدْتُ في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف، فَمنَعنيه، وأعطاه أبا دجانة ﵁، وقلت: أنا ابن صفيَّة عمته ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته إياه قبله؛ فأعطاه أبا دجانة وتركني والله لأنظرنَّ ما يصنع؟ فاتبعته. فأخرج عصابة له حمراء. فعَصَب بها رأسه. فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عِصابة الموت - وهكذا كنت تقول له إذا تعصب (بها) - فخرج وهو يقول:
стр. 621
أنا الذي عاهدني خليلي
ونحن بالسَّفْح لدى النخيلِ
أن لا أقوم الدهر في الكَيُّول
أضرب بسيف الله والرسولِ
فجعل لا يلقى أحداً إِلا قتله. وكان من المشركين رجل لا يدع (لنا) جريحاً إلا ذفَّف عليه؛ فجعل كل (واحد) منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشركُ أبا دُجانة فاتَّقاه بدَرَقَته؛ فعضّت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مَفْرِق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها (قال الزبير) ؛ فقلت: الله ورسوله أعلم.
وعند موسى بن عقبة، كما في البداية: أن رسول الله ﷺ لما عرضه طلبه منه عمر ﵁، فأعرض عنه. ثم طلبه منه الزبير ﵁، فأعرض عنه؛ فوجَدا في أنفسهما من ذلك. ثم عرضه الثالثة، فطلبة أبو دجانة ﵁، فدفعه إليه؛ فأعطى السيف حقَّه.. قال: فزعموا أن كعب بن مالك ﵁ قال: كنت فيمن خرج من المسلمين، فلما رأيتُ مُثَلَ المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوَرْتُ، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة يجوز المسلمين وهو يقول: إسْتَوْسِقوا كما استوسقت جزر الغنم. قال: وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه. ثم قمت أُقدِّر المسلم والكافر ببصري؛ فإذا الكافر أفضلهما عدّة وهيأة. قال: فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل
стр. 622
عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وِرْكه وتفرق فرقتين، ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة.
شجاعة قتادة بن النعمان ﵁ حفاظته النبي ﵇ عن السهام يوم أُحد بوجهه
أخرج الطبراني عن قتادة بن النعمان ﵁ قال: أُهدِي إلى رسول الله ﷺ قوس، فدفعها إليّ رسول الله ﷺ يوم أُحد، فرميت بها بين يدي رسول الله ﷺ حتى اندقَّت سِيَتُها ولم أزل على مقامي نُصْب وجه رسول الله ﷺ ألقى السهام بوجهي، كلما مال سهم منها إِلى وجه رسول الله ﷺ ميَّلت رأسي لأقي وجه رسول الله ﷺ بلا رمي أرميه، فكان آخرُها سهماً ندرت منها حَدَقَتي بكفي، فسعَيت بها في كفِّي إلى رسول الله ﷺ فلما رآها رسول الله ﷺ في كفِّي دمعت عيناه، فقال: «اللهم إنَّ قتادة قد وقى نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظراً» ، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما نظراً،. قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه. وعنده أيضاً عنه قال: كنت نصب وجه رسول الله ﷺ يوم أُحد أقي وجه رسول الله ﷺ بوجهي، كان أبو دجانة سِمَاك بن خَرَشة ﵁ موقياً لظهر رسول الله ﷺ بظهره حتى امتلأ ظهره سِهماً، وكان ذلك يوم أُحد. قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفه.
стр. 623
شجاعة سَلَمة بن الأكوع ﵁ قصة شجاعته في غزوة ذي قَرَد
أخرج الإِمام أحمد عن سَلَمة بن الأكوع ﵁ قال: قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله ﷺ فخرجت أنا وربَاح غلامُ النبي ﷺ (بظهر رسول الله ﷺ وخرجت بفرس لطحلة بن عبيد الله أريد أن أُنَدِّيه مع الإِبل. فلم اكان بغَلَس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ فقتل راعيها، وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل. فقلت: يا رباح أقعد على هذا فألْحقهُ بطلحة، وأخبر رسول الله ﷺ أنه قد أُغير على سَرْحه. قال: وقمت على قِلْ، فجعلت وجهي من قِبل المدينة، ثم ناديت - ثلاث مرات -: يا صباحاه. قال: ثم اتَّبعت القوم معي سيفي ونبلي، فجعلت أرميهم وأعقِر بهم، وذلك حين يكثر الشجر، فإذا رجع إِليّ فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت، فلا يُقبل إليّ فارس إلا عقرت به، فجعلت أرميهم وأنا أقول:
أنا ابن الأكوعِ
واليومُ يومُ الرُّضَّع
قال: فألحق برجل منهم فأرميه وهو على راحلة، فيقع سهمي في الرجل حتى أنتظم كتفه فقلت
خذها وأنا ابن الأكوعِ
واليوم يوم الرُّضَّعِ
стр. 624
فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل، فإذا تضايقت الثنايا عَلَوت الجبل فردَّيتهم بالحجارة.
فما زال ذلك شأني وشأنهم أتبعهم، وأرتجز حتى ما خلق الله شيئاً من ظَهْر رسول الله ﷺ إلا خلَّفته وراء ظهري، فاستنقذته من أيديهم، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقَوا أكثر من ثلاثين رمحاً وأكثر من ثلاثين رمحاً وأكثر من ثلاثين بُرْدة يَستخِفُّون منها، ولا يُلْقون من ذلك شيئاً إلا جعلت عليه حجارة، وجمعته على طريق رسول الله ﷺ حتى إذا امتدّ الضحى أتاهم عُيَينة بن بدر الفَزاري مَدداً لهم وهم في ثنيَّة ضيِّقة، ثم علَوت الجبل فأنا فوقهم، فقال عيينة: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البُرَح ما فارقنا بسَحَر حتى الآن، وأخذ كلَّ شيء بأيدينا وجعلته وراء ظهره. فقال عيينة لولا أنَّ هذا يرى أن وراءه طلباً لقد ترككم، ليَقُم إِليه نفر منكم. فقام إليه نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل. فلما أسمعتهم الصوت قلت: أتعرفونني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرّم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجل منهم إنّ أظنّ. قال: فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله ﷺ يخلّلون الشجر، وإِذ أولهم الأخرم الأسديّ، وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ وعلى أثره المقداد بن الأسود الكِندي، فولّى المشركون مدبرين، وأنزِل من الجبل فآخذ عِنان فرسه، فقلت: يا أخرم إئذن القوم - يعني إحذرهم - فإني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنَّ الجنة حق والنار حق فلا تَحُل بيني وبين الشهادة. قال: فخلّيت عنان فرسه، فيلحق
стр. 625
بعبد الرحمن بن عيينة، ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين، فعقر الأخرم بعبد الرحمن، وطعنه عبد الرحمن فقتله؛ فتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلف طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة،
وتحول
أبو قتادة على فرس الأخرم .
ثم إنِّي خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي ﷺ شيئاً، ويعرضون قبل غيبوبة الشمس إلى شِعْب فيه ماء يقال له «ذو قَرَد» . فأرادوا أن يشربوا منه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه، وأسندوا في الثنيّة ثنيّة ذي بئر» وغربت الشمس وألحق رجلاً فأرميه فقلت:
خذها وأنا ابن الأكوعِ
واليوم يوم الرضّعِ
قال: فقال: يا ثُكَلْ أمِّ أكوع بكرة فقلت: نعم، أي عدوَّ نفسه - وكان الذي رميته بكرة -، وأتبعته سهماً آخر، فعلق به سهمان، ويخلِّفون فرسين فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ وهو على الماء الذي أجليتهم عنه - ذي قَرَد -. وإذا بنبي الله ﷺ في خمس مائة، وإِذا بلال قد نحر جزوراً ممَّا خلَّفت فهو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله خلِّني فأنتخب من أصحابك مائة، فآخذ على الكفار بالعَشوة فلا يبقى منهم مُخْبر إلا قتلته. فقال: «أكنت فاعلاً ذلك يا سلَمة؟» قال: قلت: نعم، والذي أكرمك. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في ضوء (النار) ، ثم قال: «إنهم يُقْرَون الآن بأرض غطفان» فجاء من غطفان فقال: «مرّوا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزوراً، فلما أخذوا يكشِطون جلدها رأوا غَبَرة فتركوها وخرجوا هراباً.
стр. 626
فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ «خير فرساننا أبو قتادة وخير رجَّالتِنا سلمة» . فأعطاني رسول الله ﷺ سَهْمَ الفارس والراجل جميعاً، ثم أردفني وراءه على العَضْباء راجعين إلى المدينة. فلما كان بيننا وبينها قريبٌ من ضحوة - وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يُسبق - جعل ينادي: هل من مسبق؟ ألا رجل يسابق إِلى المدينة؟ فأعاد ذلك مراراً وأنا وراء رسول الله ﷺ مُرْدِفي، فقلت له: أما تُكرم كريماً، ولا تهاب شريفاً؟ قال: لا، إلا رسول الله ﷺ قال قلت: يا رسول الله - بأبي أنت وأمِّي - خلّني فلأسبق الرجل. قال: «إن شئت» . قلت: إذهب إِليك. فطفر عن راحلته، وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة، ثم إنِّي ربطت عليه شَرَفاً أو شَرَفين - يعني استبقيت من نَفَسي -، ثم إن عدوت حتى ألحقه فأصكَّ بين كتفيه بيدي، قلت: سبقتك والله أو كلمة نحوها. قال: فضحك، قال: إِن أظنُّ، حتى قدمنا المدينة. وهكذا رواه مسلم؛ عنده: فسبقته إلى المدينة، فلم نلبث إلا ثلاثاً حتى خرجنا إلى خيبر. كذا في البداية.
شجاعة أبي حدرد أبو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ﵁ قتاله مع رجلين والظفر عليهما
أسند ابن إسحاق عن أبي حدرد ﵁ قال: تزوجت إمرأة
стр. 627
من قومي فأصدقتها مائتي درهم، قال: فأتيت رسول الله ﷺ أستعينه على نِكاحي. فقال: «كم أصدقت؟» فقلت: مائتي درهم. فقال: «سبحان الله والله لو كنتم تأخذونها من وادٍ ما زدتم والله ما عندي ما أعينك به» . فلبثت أياماً؛ ثم أقبل رجل من جُشَم بن معاوية يقال له رِفاعة بن قيس - أو قيس بن رفاعة - في بطن عظيم من جُشَم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة؛ يريد أن يجمع قيساً على محاربة رسول الله ﷺ وكان ذا إسم وشَرَف في جُشَم. قال: فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين، فقال: «أخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتوا منه بخبر وعلم» ، وقدَّم لنا شارفاً عجفاء، فحُمِلَ عليها أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفاً حتى دَعَمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلَّت وما كادت؛ وقال: «تبلَّغوا على هذه» .
فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريباً من الحاضر مع غروب الشمس، فكَمَنت في ناحية، وأمرت صاحبيَّ فَكَمَنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبّرت وشددت في العسكر فكبّرا وشدّا معي، فوالله إنا كذلك ننتظر أن نرى غِرَّة أو نرى شيئاً، وقد غَشِينَا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء؛ وقد كان له راعٍ قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم، وتخوّفوا عليه. فقام صاحبهم رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه فجعله في عنقه، فقال: والله لأتيقنَنّ أمر راعينا ولقد أصابه شرّ. فقال نفر ممَّن معه: والله لا تذهب، نحن نَكْفيك. فقال: لا، إلا أنا. قالوا: نحن معك. فقال: والله
стр. 628
لا يتبعني منكم أحد، وخرج حتى مرّ بي. فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلّم فوثبت إِليه، فاحتززت رأسه، ثم شددت ناحية العسكر وكبّرت، وشدّ صاحباي وكبّرا، فوالله ما كان إلا النجاء ممّن كان فيه. عندك عندك، بكل ما قدروا عليه من نسائهم، وأبنائهم، وما خفّ معهم من أموالهم، واستَقنا إبلاً عظيمة وغنماً كثيرة؛ فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ وجئت برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإِبل ثلاثة عشر بعيراً في صَداقي؛ فجمعت إِليَّ أهلي. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الإِمام أحمد وغيره؛ إِلا أن عنده عبد الله بن أبي حدرد ﵁؛ كما في الإِصابة.
شجاعة خالد بن الوليد رضي الله عنه كسره ﵁ تسعة أسياف في يوم مؤتة
أخرج البخاري عن خالد بن الوليد ﵁ يقول: لقد دُقَّ في يدي يوم مؤتة تسعةُ أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. وأخرجه ابن أبي شيبة، كما في الاستيعاب؛ والحاكم وابن سعد.
стр. 629
قتله هرمز
وأخرج الحاكم عن أوس بن حارثة بن لام ﵁ قال: لم يكن أحد أعدى للعرب من هُرْمز، فلما فرغنا من مُسَيْلَمة وأصحابه أقبلنا إلى ناحية البصرة، فلقينا هُرمُز بكاظِمة في جمع عظيم. فبرز له خالد ودعاه للبراز، فبرز له هُرمُز؛ فقتله خالد بن الوليد ﵁؛ وكتب بذلك إلى أبي بكر الصديق ﵁، فَنَفَله سَلَبه، فبلغت قلنسوته مائةَ ألف درهم، وكانت الفرس إذا شَرُف الرجل جعلوا قلنسوته مائةَ ألف درهم.
بكاء خالد على موته على الفراش
وأخرج الواقدي عن أبي الزناد قال: لما حضرت خالداً الوفاةُ بكى ثم قال: لقد حضرتُ كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير؛ فلا نامت أعين الجبناء، كذا في البداية.
شجاعة البراء بن مالك ﵁ تشجيعه الناس يوم اليمامة وضربه بالسيف حتى انقطع السيف
أخرج السَّرّاج في تاريخه عن أنس: أنّ خالد بن الوليد قال للبراء يوم اليمامة: قم يا براء. قال: فركب فرسه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل المدينة، لا مدينة لكم اليوم، وإنما هو الله وحدَه والجنة؛ ثم حمل وحمل الناس معه، فانهزم أهل اليمامة. فلقي البراء ﵁ مُحَكَّم اليمامة،
стр. 630
فضربه البراء وصرعه، فأخذ سيف مُحَكَّم اليمامة فضرب به حتى انقطع.
وعند البغوي عن البراء ﵁ قال: لقيت يوم مسيلمة رجلاً يقال له «حمار اليمامة» رجلاً جسيماً بيده السيف أبيض، فضربت رجليه فكأنما أخطأته وانقعر، فوقع على قفاه، فأخذت سيفه وأغمدت سيفي، فما ضربت به ضربة حتى انقطع. كذا في الإِصابة.
إقتحامه الحديقة من الجدار وقتاله مع القوم وحده
وعند ابن عبد البرّ في الاستيعاب عن ابن إسحاق قال: زحف المسلمون إلى المشركين (- في اليمامة -) حتى ألجأوهم إلى الحديقة وفيها عدوّ الله مسيلمة. فقال (البراء) : يا معشر المسلمين ألقوني عليهم، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار إقتحم، فقاتلهم على الحديقة حتى فتحها على المسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل الله مسيلمة.
وأخرجه البيهقي عن محمد بن سيرين: أن المسلمين انتهَوا إلى حائط قد أُغلق بابه فيه رجال من المشركين. فجلس البراء بن مالك ﵁ على ترس فقال: إرفعوني برماحكم، فألقوني إِليهم. فرفعوه برماحهم، فألقَوه من وراء الحائط، فأدركوه قد قتل منهم عشرة.
وأخرج ابن سعد كما في منتخب الكنز عن ابن سيرين قال: كتب
стр. 631
عمر بن الخطاب ﵁: أن لا تستعملوا البراء بن مالك (على جيش من جيوش المسلمين) فإنه مَهلكة من (المهالك يقدم به) .
شجاعة أبي مِحْجن الثقفي ﵁ قتاله يوم القادسية حتى ظنُّوا أنه ملك
أخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين قال: كان أبو مِحْجَن الثقفي ﵁ لا يزال يُجلد في الخمر، فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه. فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون، فكأنه رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل إلى أم ولد سعد أو إلى إمرأة سعد يقول لها: إن أبا مِحَجن يقول لك: إن خلّيت سبيله وحملته على هذا الفرس ودفعت إِليه سلاحاً؛ ليكونَنّ أول من يرجع إليك إلا أن يُقتل، وأنشأ يقول:
كفى حَزَناً أن تلتقي الخيل بالقنا
وأُترك مشدوداً عليَّ وثاقيا
إِذا قمت عنَّاني الحديدُ وغُلِّقت
مصارعُ دوني قد تُصمُّ المناديا
فذهبت الأخرى، فقلت ذلك لامرأة سعد، فحلّت عنه قيوده، وحُمل على فرس كان في الدار وأُعطي سلاحاً. ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدقّ صلبه. فنظر إليه (سعد) فجعل يتعجَّب منه ويقول: من ذلك الفارس؟ فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى هزمهم الله. ورجع أبو مِحجَن ﵁، وردّ السلاح، وجعل رجليه في القيود كما كان.
فجاء سعد ﵁ فقالت له إمرأته أو أم ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلاً على فرس أبلق، لولا
стр. 632
أنِّي تركت أبا مِحجَن في القيود لظننتُ أنها بعض شمائل أبي مِحجَن، فقلت: والله إنه لأبو مِحجَن، كان من أمره كذا وكذا؛ فقصّت عليه قصّته. فدعا به وحلَّ قيوده. وقال: والله لا نجلدك على الخمر أبداً. قال أبو محجن ﵁: وأن والله لا أشربها أبداً، كنت آنف أن أعدها من أجل جَلْدكم. قال: فلم يشربها بعد ذلك. كذا في الاستيعاب، وسنده صحيح؛ كما في الإِصابة.
وأخرجه أيضاً أبو أحمد الحاكم عن محمد بن سعد - بطوله، وفي حديثه: وانطلق حتى أتى الناس، فجعل لا يحمل في ناحية إلا هزمهم الله. فجعل الناس يقولون: هذا مَلَكٌ وسعد ﵁ ينظر. فجعل يقول: الضبر ضبر البلقاء، والطفْر طفْر أبي محجن، وأبو مِحْجَن في القَيْد فلما هزم العدوّ رجع أبو مِحْجَن حتى وضع رجله في القيد. أخبرت بنتُ خَصَفَة سعداً بالذي كان من أمره؟ فقال: لا والله لا أحدُّ اليوم رجلاً أبلى الله المسلمين على (يده) ما أبلاهم. قال: فخلّى سبيله. فقال أبو محجن ﵁: لقد كنت أشربها إذ كان يقام عليّ الحدّ وأطهَّر منها؛ فأما إذ بَهْرَجتني فوالله لا أشربها (أبداً) . وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة بهذا المسند، وفيها: أنهم ظنّوه مَلَكاً من الملائكة. ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب.
стр. 633
وذكره سيف في الفتوح وساق القصة مطوَّله، وزاد في الشعر أبياتاً أخرى؛ وفي القصة: فقاتل قتالاً عظيماً، وكان يُكبِّر ويحمل فلا يقف بين يديه أحد، وكان يقصِف الناس قصفاً منكراً؛ فعجب الناس منه وهم لا يعرفونه. كذا في الإِصابة.
شجاعة عمّار بن ياسر ﵁ تشجيعه يوم اليمامة وقتاله
أخرج الحاكم، وأخرجه أيضاً ابن سعد مثله عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت عمَّار بن ياسر ﵁ يوم اليمامة على صخرة، وقد أشرف يصيح؛ يا معشر المسلمين، أمِنَ الجنة تفرُّون؟ أنا عمار بن ياسر أمِن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر؛ هلمّ إليّ. وأنا أنظر إلى أُذنه قد قطعت فهي تذبذب وهو يقاتل أشدّ القتال.
شوقه إلى الجنة عند القتال
وأخرج أيضاً عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي ﵁ قال: شهدنا صِفّين مع علي ﵁ وقد وَكَلنا (به) رجلين. فإذا كان من القوم غفلة حمل عليهم، فلا يرجع حتى يخضب سيفَه دماً؛ فقال: أعذروني، فوالله ما رجعت حتى نبا عليَّ سيفي. قال: ورأيت عمَّاراً وهاشم بن عتبة ﵄ وهو يسعى بين الصفَّين. فقال عمار ﵁: يا هاشم، هذا والله
стр. 634
ليخلفنّ أمره وليخذلنّ جنده. ثم قال: يا هاشم الجنة تحت الأبارقة، اليوم ألقى الأحبَّة: محمداً وحزبه. يا هاشم أعور، ولا خير في أعور لا يغشى البأس. قال: فهزّ هاشم ﵁ الراية وقال:
أعور يبغي أهله مَحلا
قد عالج الحياة حتى ملا
لا بدّ أن يَفلّ أو يُفَلا
قال ثم أخذ في وادٍ من أودية صِفِّين. قال أبو عبد الرحمن: ورأيت أصحاب محمد ﷺ يتبعون عماراً ﵁ كأنه لهم عَلَمٌ.
وأخرجه ابن جرير أيضاً، كما في البداية، وفي حديثه قال؛ ورأيت عماراً ﵁ لا يأخذ وادياً من أودية صِفِّين إلا اتَّبعه من كان هناك من أصحاب رسول الله ﷺ ورأيته جاء إِلى هاشم بن عتبة - وهو صاحب راية علي ﵁ فقال: يا هاشم تقدَّم، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسنّة، وقد فتحت أبواب الجنة، وتزيّنت الحور العين، اليوم ألقى الأحبّة، محمداً وحزبه. ثم حملا هو وهاشم، فقُتلا - رحمهما الله تعالى -. قال: وحمل حينئذٍ علي وأصحابه ﵃ على أهل الشام حملة رجل واحد، كأنهما كانا - يعني عماراً وهاشماً ﵄ علماً لهم. وأخرجه أيضاً الطبراني، وأبو يعلى - بطوله؛ الإِمام أحمد باختصار. قال الهيثمي: رجال أحمد، وأبي يَعْلى ثقات.
стр. 635
شجاعة عمرو بن معدِ يكرب الزبيدي رضي الله تعالى عنه قتاله يوم اليرموك
أخرج ابن عائذ في المغازي عن مالك بن عبد الله الخثعمي ﵁ قال: ما رأيت أشرف من رجل برز يوم اليرموك، فخرج إلي عِلْج، فقتله. ثم آخر، فقتله. ثم آخر، فقتله. ثم انهزموا وتبعهم. ثم انصرف إلى خِباء له عظيم، فنزل ودعا بالجِفان، ودعا من حوله فقلت: من هذا قال: عمرو بن معدِ يكرب ﵁.
قتاله يوم القادسية وحملته فيه وحده
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن عائذ، وابن السَّكَن، وسيف بن عمر، والطبراني وغيرهم - بسند صحيح - عن قيس بن أبي حازم ﵁ قال: شهدت القادسية فكان سعد ﵁ على الناس، فجعل عمرو بن معدِ يكرب يمرّ على الصفوف ويقول: يا معشر المهاجرين، كونوا أسوداً أشدّاء، فإن الفارسيَّ إذا ألقى رمحه يئس، فرماه أُسْوار من الأساورة بنُشّابة، فأصب سِيَة قوسه فحمل عليه عمرو فطعنه فدقَّ صُلبه، ونزل إِليه أخذ سَلَبه.
следующие страницы →