Полный текст (1 779 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
المشاهد، ويَسقين المقاتِلة، ويداوين الجرحى. كذا في فتح الباري.
قتال النساء في الجهاد في سبيل الله قتال أم عمارة يوم أُحد
ذكر ابن هشام عن سعيد بن أبي زيد الأنصاري ﵁: أن أم سعد بنت سعد بن الربيع ﵄ كانت تقول: دخلت عليّ أم عُمارة ﵂، فقلت لها: يا خالة أخبريني خبرك؟ فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إِلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحَزْت إلى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال، وأذبُّ عنه بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خَلَصت الجرحُ إليّ، قالت: فرأيت على عاتقها جرحاً أجْوَف له غور فقلت لها: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قَمِئَة، أقمأه الله. لما ولَّى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلّوني على محمد، لا نجوتُ إن نجا، فاعترضت له أنا ومُصْعَب بن عُمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدوَّ الله كان عليه دِرْعان. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الواقدي من طريق ابن أبي صَعْصَعة عن أم سعد بنت سعد بن الربيع ﵂، كما في الإِصابة.d
стр. 667
وأخرج الواقدي بسند آخر إلى عُمارة بن عَرَبة ﵄ أنها قتلتْ يومئذٍ فارساً من المشركين. ومن وجه آخر عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما التفت يوم أُحد يميناً ولا شمالاً إلا وأراها تقاتل دوني» . كذا في الإِصابة.
وأخرج ابن سعد من طريق الواقدي عن ضَمْرة بن سعيد ﵁ قال: أُتيَ عمر بن الخطاب ﵁ بمُروط، وكان فيها مِرْط جيِّد واسع. فقال بعضهم؛ إنَّ هذا المِرْط لثمن كذا وكذا، فلو أرسلت به إِلى زوجة عبد الله بن عمر صفيّة بنت أبي عبيد - وذلك حِدْثان ما دخلت على ابن عمر ﵄ فقال: أبعثُ به إلى من هو أحقُّ به منها؛ أم عُمارة نُسَيبة بنت كعب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما التفتّ يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني» . كذا في كنز العمال.
قتال صفية يوم أُحد ويوم الخندق
وأخرج ابن سعد عن هشام عن أبيه أن صفيَّة ﵂ جاءت يوم أُحد وقد انهزم الناس وبيدها رمح تضرب في وجوهه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 668
«يا زبير المرأة» . كذا في الإِصابة.
وأخرح ابن إسحاق عن عبَّاد قال: كانت صفيّة بنت عبد المطلب ﵂ في فارع - حصن حسان بن ثابت ﵁، قالت؛ وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان؛ فمرّ بنا رجل من يهود فجعل يُطِيف بالحِصْن، قد حاربتْ بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد من يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا، إذ أتانا آتٍ، فقلت: يا حسان إنَّ هذا اليهودي - كما ترى - يُطِيف بالحصن، وإِني - والله - ما آمنه أن يدلّ على عورتنا مَن وراءنا من يهود؛ وقد شُغِل رسول الله ﷺ وأصحابه، فإنزل إليه فاقتله. قال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلما قال لي ذلك ولم أرَ عنده شيئاً احتجزتُ، ثم أخذت عموداً، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعود حتى قتلته. فلما فرغت منه رجعت إِلى الحصن، فقلت: يا حسان أنزل فاستلبه فإنَّه لم يمنعني من سَلبه إلا أنه رجل. قال: ما لي بسَلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب. كذا في البداية.
وأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ بنحوه؛ ثم أخرج من طريق هشام
стр. 669
بن عروة عن أبيه عن صفية ﵃ مثله، وزاد فيه: قال: هي أول إمرأة قتلت رجلاً من المشركين. وأخرجه أيضاً ابن أبي خيثمة، وابن مَنْدَه من رواية أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها عن جدتها صفيَّة ﵂؛ وابن سعد من طريق هشام عن أبيه، كما في الإِصابة. وأخرجه ابن عساكر من حديث صفيَّة والزبير ﵄ بمعناه، كما في الكنز. وأخرجه أيضاً الطبراني؛ عن عروة) وأبو يَعْلى، والبزار عن الزبير ﵁ (وإسنادهما ضعيف) ؛ كما في مجمع الزوائد.
إتخاذ أُم سُلَيم خنجراً للقتال يوم حُنَين
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: جاء أبو طلحة يوم حنين يضحك (إلى) رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: ألم تر إلى أمّ سُلَيم معها خنجر؟ فقال لها رسول الله ﷺ «يا أمّ سُلَيم: ما أردت إِليه؟» قالت: أردت إِن دنا ليّ أحد منهم طعنته به. كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً ابن سعد بسند صحيح، كما في الإِصابة. وعند مسلم عن أنس ﵁ أنّ أمَّ سُلَيم رضي
стр. 670
الله عنها إتَّخذت يوم حُنَين خنجراً، فكان معها فرآها أبو طلحة، فقال يا رسول الله: هذه أم سُلَيم معها خنجر، فقال لها رسول الله ﷺ «ما هذا الخنجر؟» فقالت: إتخذته إنْ دنا مني أحد من المشركين بَقَرتُ به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك.
قتل أسماء بنت يزيد تسعة يوم اليرموك
وأخرج الطبراني عن مهاجر: أن أساء بنت يزيد بن السَّكَن بنت عمّ معاذ بن جبل ﵄ قتلت يوم اليرموك تسعة من الروم بعمود فسطاط. قال الهيثمي: ورجاله ثقات: انتهى.
الإِنكار على خروج النساء في الجهاد إنكاره ﵇ على أم كبشة
أخرج الطبراني عن أمّ كبشة ﵂ إمرأة من عذرة: عذرة بني قضاعة - أنها قالت: يا رسول الله ﷺ أتأذن أن أخرج في جيش كذا وكذا. قال: لا. قالت: يا رسول الله ﷺ إنه ليس أريد أن أقاتل، إنما أريد أداوي الجرحى والمرضى، أو أسقي المرضى. قال: لولا أن تكون سنّة ويقال: فلانة خرجت لأذنت لك، ولكن إجلسي. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح. انتهى.
стр. 671
ذكر أن طاعة الأزواج والاعتراف بحقهم يعدل الجهاد
وأخرج البزار عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت إمرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك: هذا الحهاد، كتبه الله على الرجال، فإن يصيبوا أُجِروا، إن قُتلوا كانوا أحياء عند ربهم يُرزقون؛ ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟ قال: فقال رسول الله ﷺ «أبلغي من لقيت من النساء: أنَّ طاعة الزوج واعترافاً بحقّه يعدل ذلك، وقليل منكنّ من يفعله» . وهكذا رواه البزار - مختصراً.
والطبراني في حديث، قال في آخره: ثم جاءته - يعني النبي ﷺ إمرأة، فقالت: إني رسول النساء إليك، وما منهن إمرأة علمت أو لم تعلم إلا وهي تهوَى مخرجي إليك، الله ربُّ الرجال والنساء وإلههنّ، وأنت رسول الله إلى الرجال والنساء، كتب الله الجهاد على الرجال، فإن أصابوا أثْرَوا، وإن استشهدوا كانوا أحياء عند ربهم يُرزقون؛ فما يعدل ذلك من أعمالهم من الطاعة؟ قال: «طاعة أزواجهن، والمعرفة بحقوقهن، وقليل منكنّ من يفعله» كذا في الترغيب.
خروح الصبيان وقتالهم في الجهاد قتال صبي يوم أُحد وجراحته
أخرح بن أبي شَيْبة عن الشعْبي: أن إمرأة دفعت إلى إبنها يوم أُحد السيف فلم يُطِق حمله، فشدّته على ساعده بِنسْعة، ثم أتت به النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا إبني يقاتل عنك. فقال النبي ﷺ «أيْ بنيّ، إحمل
стр. 672
ها هنا. أيْ بنيّ، إحمل ها هنا» . فأصابته جراحة؛ فصُرِع؛ فأُتيَ به النبي ﷺ فقال: «أيْ بنيّ، لعلك جزعت» . قال: لا، يا رسول الله. كذا في كنز العمال.
بكاء عمير بن أبي وقاص وإِجازته
وأخرج ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ردَّ رسول الله ﷺ عُمَير بن أبي وقاص عن مَخْرجه إلى بدر، واستصغره. فبكى عُمَير، فأجازه. قال سعد ﵁: فعقدت عليه حِمَالَة سيفه، ولقد شهدت بدراً، وما في وجهي إلا شعرة واحدة أمسحها بيدي. كذا الكنز. وأخرجه أيضاً الحاكم، والبغوي - بمعناه.
شهادة عمير بن أبي وقاص
وأخرجه ابن سعد عن سعد ﵁ قال: رأيت أخي عُمَير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله ﷺ يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردّني، وأنا أحب الخروج لعلّ الله أن يرزقني الشهادة. قال: فعُرض على رسول الله ﷺ فردَّه، فبكى فأجازه. فكان سعد ﵁ يقول: فكنت أعقِد حَمائل سيفه من صِغره فقتل وهو ابن ست عشرة سنة. كذا في الإِصابة، وأخرجه البزار، ورجاله ثقات؛ كما في المجمع.
стр. 673
الباب السابع باب إهتمام الصحابة باجتماع الكلمة
كيف كان إهتمام الصحابة ﵃ باجتماع الكلمة، واتَّحاد الأحكام، والتحرُّز عن الإختلاف والتنازع فيما بينهم في الدعوة إلى الله ورسوله والجهاد في سبيله.
стр. 674
باب إهتمام الصحابة باجتماع الكلمة أقوال الصحابة ﵃ في كراهية الاختلاف قول أبي بكر ﵁ في الخلاف
أخرج البيهقي عن ابن إسحاق في خطبة أبي بكر الصديق ﵁ يومئذٍ (أي يوم سقيفة بني ساعِدَة) قال: وإنَّه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران، فإنّه مهما يكنْ ذلك يختلفْ أمرهم وأحكامهم، وتتفرقْ جماعتهم، ويتنازعوا فيما بينهم. هنالك تُتْرك السُّنة، وتظهر البِدعة، وتعظم الفتنة، وليس لأحد على ذلك صلاح.
قول عمر ﵁ في الخلاف
وأخرج أيضاً عن سالم بن عُبَيد - فذكر الحديث في بَيْعة أبي بكر ﵁، وفيه: فقال رجل من الأنصار: منَّا رجل ومنكم رجل. فقال عمر ﵁: سَيْفان في غمد واحد؟ إذاً لا يصطلحان.
خطبة ابن مسعود ﵁ في التحذير من الخلاف
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنَّها حبل الله الذي أمر به، وإنّ ما تكرهون في
стр. 675
الجماعة خيرٌ ممَّا تحبون في الفُرقة؛ فإن الله لم يخلُق شيئاً إلا خلق له نهاية ينتهي إليها، وإن الإِسلام قد أقبل له ثبات، وإنه يوشك أن يبلغ نهايته، ثم يزيد وينقص إلى يوم القيامة، وآية ذلك الفاقة وتفظُع حتى لا يجد الفقير من يعود عليه، وحتى يرى الغني أنه لا يكفيه ما عنده، حتى إنَّ الرجل يشكو إلى أخيه وابن عمه فلا يعود عليه بشيء، وحتى إنَّ السائل ليمشي بين الجمعتين فلا يوضع في يده شيء حتى إذا كان ذلك خارت الأرض خَوْرة لا يرى أهل كل ساحة إلا أنها خارت بساحتهم، ثم تهدأ عليهم ما شاء الله، ثم تتقاحم الأرض تقيء أفلاذ كبدها. قيل: يا أبا عبد الرحمن، ما أفلاذ كبدها؟ قال: أساطين ذهب وفضة، فمِن يومئذٍ لا يُنْتَفَع بذهب ولا فضة إلى يوم القيامة. قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد، وفيه مجالد وقد وُثِّق وفيه خلاف؛ وبقية رجال إحدى الطرق ثقات. انتهى.
وأخرجه أبو نُعَيم في الحِلية من غير طريق مجالد وفي روايته: وتُقطع الأرحام حتى لا يخاف الغنيُّ إلا الفقر، وحتى لا يجد الفقير من يعطف عليه، وحتى إنَّ الرجل ليشتكي الحاجة - وابن عمه غني - ما يعطف عليه بشيء - ولم يذكر ما بعده.
قول أبي ذر ﵁ في الخلاف
وأخرج أحمد عن رجل قال: كنَّا قد حملنا لأبي ذر ﵁ شيئاً
стр. 676
نريد أن نعطيَه إياه، فأتينا الرَّبَذَة فسألنا عنه فلم نجده. قيل: إستأذن في الحج فأُذِن له، فأتيناه بالبلدة وهي مِنَى. فبينا نحن عنده إذ قيل له: إنَّ عثمان صلَّى أربعاً. فاشتدَّ ذلك عليه وقال قولاً شديداً، وقال: صلَّيت مع رسول الله ﷺ فصلَّى ركعتين، وصلَّيت مع أبي بكر، وعمر. ثم قام أبو ذر ﵁ فصلَّى أربعاً. فقيل له: عِبْتَ على أمير المؤمنين شيئاً ثم تصنعه؟ قال: الخلاف أشد، إنَّ رسول الله ﷺ خطبنا فقال: إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلُّه، فمن أراد أن يذلَّه فقد خلع رِبقة الإِسلام من عنقه، وليس بمقبول منه توبةٌ حتى يسدَّ ثُلْمَتَه وليس بفاعل، ثم يعود فيكون فيمن يعزُّه، أمرنا رسول الله ﷺ أن لا يغلبونا على ثلاث: (أن) نأمر بالمعروف، وننهي عن المنكر، ونُعلِّم الناس السُنن. قال الهيثمي: وفيه راوٍ لم يُسمَّ، وبقية رجاله ثقات.
قول ابن مسعود ﵁ إِن الخلاف شر
وأخرح عبد الرزاق عن قتادة أن رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر، وعثمان - صَدْراً من خلافته - كانوا يصلُّون بمكة ومِنى ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعاً، فبلغ ذلك ابن مسعود، فاسترجع ثم قام فصلَّى أربعاً. فقيل له: إسترجعت ثم صليت أربعاً؟ قال: الخلاف شر. كذا في الكنز.
стр. 677
قول علي ﵁ في الخلاف، وقوله في البدعة والجماعة والفرقة
وأخرج البخاري، وأبو عُبَيد في كتاب الأموال، والأصبهاني في الحجَّة عن علي ﵁ قال: إقْضُوا كما كنتم تَقْضُون فإني أكره الإختلاف، حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي، فكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروون عن علي كذب. كذا في المنتخب.
وأخرج العسكري عن سليم بن قيس العامري قال: سأل ابن الكوَّاء علياً ﵁ عن السُّنة، والبِدعة، وعن الجماعة، والفُرقة. فقال: يا ابن الكواء، حفظت المسألة فأفهم الجواب: السنة - والله - سنّة محمد ﷺ البدعة ما فارقها، والجماعة - والله - مجامعة أهل الحق وإِنْ قلّوا، والفُرقة مجامعة أهل الباطل وإِن كثروا. كذا في الكنز.
موقف الصحابة من الخلافة بعد وفاة النبي ﵇ إجتماع الصحابة ﵃ على أبي بكر الصديق ﵁ حديث وفاته ﵇ وخطبة أبي بكر
أخرج البيهقي عن عُروة بن الزبير ﵄ قال: وأقبل أبو بكر ﵁ من السُّنُح على دابته حتى نزل بباب المسجد، وأقبل مكروباً حزيناً فاستأذن
стр. 678
في بيت إبنته عائشة ﵂ فأذنت له. فدخل رسول الله ﷺ قد توفي على الفراش والنِّسوة حوله، فخمَّرن وجوههن واستترن من أبي بكر لا ما كان من عائشة، فكشف عن رسول الله ﷺ فجثى عليه يقبِّله ويبكي ويقول: ليس ما يقول ابن الخطاب شيئاً، وتوفي رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده رحمة الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حياً وميتاً.
ثم غشَّاه بالثوب، ثم خرج سريعاً إِلى المسجد يتحطَّى رقاب الناس حتى أتى المنبر، وجلس عمر ﵁ حين رأى أبا بكر ﵁ مقبلاً إِليه. وقام أبو بكر إلى جانب المنبر ونادى الناس، فجلسوا وأنصتوا، فتشهَّد أبو بكر بما عَلِمه من التشهد، وقال: إن الله نَعَى نبيَّه إلى نفسه وهو حيُّ بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم، وهو الموت حتى لا يُبقي منكم أحد إلا الله . قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (آل عمران: ١٤٤) - الآية -. فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟ والله ما علمت أن هذه الآية أُنزلت قبل اليوم - وقد قال الله تعالى لمحمد ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ﴾ (الزمر: ٣٠) ؛ وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: ٨٨) ؛ وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلْالِ وَالإكْرَامِ﴾ (الرحمن: ٢٦، ٢٧) ؛ وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٨٥) .
وقال: إن الله عمَّر محمداً ﷺ وأبقاه حتى أقام دين الله، وأظهر أمر الله، وبلَّغ رسالة الله، وجاهد في سبيل الله، ثم توفَّاه الله على ذلك، وفد، ترككم على الطريقة فلن يَهلك هالك إلا من بعد البيِّنة والشِّفاء. فمن كان الله ربَّه
стр. 679
فإنَّ الله حيّ لا يموت، ومن كان يعبد محمداً ويُنْزِله إلهاً فقد هلك إلهة. فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربك، فإن دين الله قائم، وإن كلمة الله تامّة، وإِنَّ الله ناصرٌ من نصره ومعزُّ دينه، وإِنَّ كتاب الله بين أظهرنا وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمداً ﷺ وفيه حلال الله وحرامه. والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله؛ إِنَّ سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدنَّ من خالفنا كا جاهدنا مع رسول الله ﷺ فلا يبغِينَّ أحد إلا على نفسه. ثم انصرف معه المهاجرون إلى رسول الله ﷺ كذا في البداية.
خطبة عمر والبيعة العامة على يد أبي بكر
وأخرج البخاري عن أنس ﵁ أنه سمع خطبة عمر ﵁ الأخيرة حين جلس على المنبر، وذلك الغد من يوم توفي رسولُ الله ﷺ وأبو بكر ﵁ صامت لا يتكلم -. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبِّرَنا - يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يكُ محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به، هدى الله محمداً ﷺ وإن أبا بكر صاحبُ رسول الله ﷺ وثاني إثنين، وإنَّه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه.
وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر. قال الزهري عن أنس: سمعت عمر يقول يومئذٍ لأبي بكر ﵃: إصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه عامة الناس.
стр. 680
بيعة أبي بكر في السقيفة
وعند ابن إسحاق عن الزُّهري عن أنس ﵁ قال: لما بُويع أبو بكر ﵁ في السقيفة وكان الغد؛ جلس أبو بكر على المنبر فقال عمر ﵁ فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إني قد كنتُ قلتُ لكم بالأمس مقالة ما كانت، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهدها إليَّ رسول الله ﷺ ولكني (قد) كنت أرى أنَّ رسول الله سيدبر أمرنا - يقول: يكون آخرنا - وإنَّ الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحبِ رسول الله ﷺ وثاني إثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه. فبايع الناس أبا بكر بَيْعة العامة بعد بَيْعة السقيفة.
ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه با هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس: فإني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقويّ فيكم ضعيف (عندي) حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يَدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يُشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء؛ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. كذا في البداية وقال: هذا إسناد صحيح.
стр. 681
قول رجل في خلافة أبي بكر وخطبة عمر في ذلك وفي قصة سقيفة بني ساعدة
وأخرج أحمد عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ رجع إلى رحله - قال ابن عباس: وكنت أقرىء عبد الرحمن بن عوف - فوجدني وأنا أنتظره، وذلك بمنى في آخر حِجّة عمر بن الخطاب ﵁. فقال عبد الرحمن بن عوف: إِن رجلاً أتى عمر بن الخطاب فقال: إن فلاناً يقول: لو قد مات عمر بايعت فلاناً (والله ما كانت بَيْعة أبي بكر إلا فَلْتة فتمَّت) . فقال عمر: إِني قائم العشية إن شاء الله في الناس فمحذِّرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يَغْصِبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس، فأخشى أن تقول مقالة يَطير بها أولئك فلا يَعوها لا يضعوها مواضعها، ولكن حتى تَقْدَم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم فتقول ما قلت متمكناً فيعُون مقالتك ويضعونها مواضعها. قال عمر ﵁: لئن قدمتُ المدينة صالحاً لأكلمنَّ بها الناس في أول مقام أقومه.
فلما قدمنا المدينة في عقب ذي الحجَّة - وكان يوم الجمعة - عجَّلت الروح صكَّة الأعمى. - قلتُ لمالك: وما صكَّة الأعمى؟ قال: إنه لا يبالي أي ساعة خرج لا يعرف الحرّ والبرد أو نحو هذا -. فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني، فجلست حذاءه تحكُّ ركبتي ركبته. فلم أنشَب أن طلع عمر، فلما رأيته قلت: ليقولنَّ العشيّة على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله. قال: فأنكر سعيد بن زيد ذلك، وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد. فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله
стр. 682
بما هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإنِّي قائل مقالة وقد قُدِّر لي أن أقولها لا أدري لعلَّها بين يدي أجلي، فمن وعاها وعَقلَها فليحدِّث به حيث انتهت به راحلته، ومن لم يعها فلا أُحلُّ له أن يكذب عليَّ:
إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرَّجْم، فقرأناها ووعيناها وعقلناها ورجَم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلُّوا بترك فريضة قد أنزلها الله ؛ فالرجم في كتاب الله حقٌّ على من زنى إذا أحْصَن من الرجال والنساء إذ قامت البينة، أو كان الحَبَل، أو الإعتراف. ألا وإنَّا قد كنا نقرأ: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنَّ كُفْراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم» ألا وإِنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أُطْرِيَ عيسى بن مريم - عليهما الصلاة والسلام - فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله» .
وقد بلغني أن قائلاً منكم يقول: لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فلا يغترَّن أمرؤ أن يقول: إنَّ بيعة أبي بكر ﵁ كانت فلتة فتمَّت. ألا وإنها كانت كذلك؛ إلا أن الله وَقَى شرها، وليس فيكم اليوم من تَقَطَّعُ إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خبرنا حين توفي رسول الله ﷺ أن علياً، والزبير ومن كان معهما تخلَّفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وتخلَّف عنها الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له: يا أبا بكر، إنطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقيَنا رجلان صالحان فذَكَرا لنا الذي صنع القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم واقضُوا أمركم يا معشر المهاجرين. فقلت: والله لنأتينّهم. فانطلقنا حتى جئناهم
стр. 683
في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مُزَمَّل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عُبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: وَجِعٌ.
فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وقال: أما بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإِسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، وقد دَفَت دافَّة منكم (قال وإذا هم يريدون أن يجتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر) ، فلما سكت أردت أن أتكلم - وكنت قد زودت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد -. (فقال أو بكر: على رِسْلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه فتكلم) - وهو كان أحكم مني وأوقر - فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته (أو مثلها) أو أفضل (حتى) سكت. فقال:
أما بعد: فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، وما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيتُ لكم أحد هذين الرجلين (فبايعوا) أيهما شئتم؛ وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فلم أكره (شيئاً) مما قال غيرها. كان - والله - أن أُقدَّم فتُضرب عنقي لا يقرِّبُني ذلك إلى إثم أحبَّ إليّ أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر إلا (أن تغير نفسي عند الموت) . فقال قائل من الأنصار: أن جُذَيْلها المحكَّك، وعُذَيْقُها المرجّب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش
стр. 684
- فقلت لمالك: ما يعني وأنا جذيلها المحكك (وعذيقها المرجب) ، قال: كأنه يقول: أنا داهيتها.
قال فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى خشينا الإختلاف. فقلت: إبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم قتلتم سعداً، فقلت: قتل الله سعداً، قال عمر: أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمراً هو أرفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بَيْعة أن يُحدثوا بعدنا بَيْعة، فإما (أن) نبايعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد، فمن بايَع أميراً من غير مشورة المسلمين فلا بَيْعة له، ولا بَيْعة للذي بايعه تَغِرَّة أن يقتلا.
وذكر الزهري عن عروة ﵁ أن الرجلين اللذين لقياهما: عُويم بن ساعدة، ومعن بن عدي. وعن سعيد بن المسيب ﵁ أن الذي قال: أنا جُذَيلها المحكك (وعذيقها المرجب) هو الحباب بن المنذر. رواه مالك ومن طريقه أخرج هذا الحديث
стр. 685
الجماعة - كذا في البداية -. وأخرجه أيضاً البخاري، وأبو عبيد في الغرائب، والبيهقي، وابن أبي شيبة بنحوه مطوّلاً - كما في كنز العمال (٣١٣٨ و ١٣٩) .
حديث ابن عباس فيما وقع في السقيفة من الكلام في الخلافة
وعند ابن أبي شيبة في حديث ابن عباس عن عمر ﵃: أنه كان من شأن الناس أنَّ رسول الله ﷺ توفي، فأُتينا فقيل لنا إِنّ الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة مع سعد بن عبادة يبايعون، فقمت وقام أبو بكر، وأبو عبيدة بن الجراح نحوهم فَزِعين أن يُحدِثوا في الإِسلام. فلقينا رجلَين من الأنصار، رجلاً صدق: - عُويم بن ساعدة، ومعن بن عدي
стр. 686
- فقالا: ين تريدون؟ قلنا: قومكم لِمَا بلغنا من أمرهم. فقالا: إرجعوا فإنَّكم لن تُخالفوا ولن يُؤتى بشيء تكرهونه. فأبينا إلا أن نمضي - وأنا أزوي كلاماً أن أُكلِّم به - حتى انتهينا إلى القوم، وإذا هم عكوف هنالك على سعد بن عبادة وهو على سرير له مريض.
فلما غشِيناهم تكلَّموا فقالوا: يا معشر قريش، منا أمير ومنك أمير. فقال حُبَاب بن المنذر: أنا جُذَيلها المحكَّك وعُذَيقها المرجَّب، إن شئتم - والله - رددناها جَذَعة. فقال أبو بكر: على رِسْلكم، فذهبت لأتكلَّم، فقال: أنصت يا عمر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار، إِنا - والله - ما نُنكر فضلكم، ولا بلاغَكم في الإِسلام، ولا حقَّكم الواجب علينا، ولكنَّكم قد عرفتم أنَّ هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب فليس بها غيرهم. وأن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، فاتقوا الله ولا تصدَعوا الإِسلام، ولا تكونوا أول من أحدث في الإِسلام. ألا وقد رضيت لكم أحد، هذين الرجلين - لي ولأبي عبيدة بن الجراح - فأيهما بايعتم فهو لكم ثقة. قال: فوالله، لئن أُقتل ثم أُحيى، ثم أُقتل ثم أحيى في غير معصية أحبُّ إليَّ من أن أكون أميراً على قوم فيهم أبو بكر. ثم قلت: يا معشر الأنصار، يا معشر المسلمين، إنَّ أولى الناس بأمر رسول الله ﷺ من بعده ثاني إثنين إذ هما في الغار - أبو بكر السبَّاق المبين. ثم أخذت بيده وبادرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده. فتتابع الناس ومِيل عن سعد بن عبادة. كذا في كنز العمال.
стр. 687
حديث ابن سيرين فيما وقع في السقيفة في أمر الخلافة
وعند ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن سيرين ﵀ أن رجلاً من زُرَيق قال: لمَّا كان ذلك اليوم خرج أبو بكر، وعمر ﵄ حتى أتَوا الأنصار. فقال يا معشر الأنصار، إنا لا ننكر حقكم ولا ينكر حقكم مؤمن، وإنا - والله - ما أصبنا خيراً إلا شركتمونا فيه، ولكن لا ترضى العرب ولا تقرّ إلا على رجل من قريش لأنهم أفصح الناس ألسنة، وأحسن الناس وجوهاً، وأوسط العرب داراً، وأكثر الناس شحمة في العرب، فهلمُّوا إلى عمر فبايعوه. فقالوا: لا. فقال عمر: فلم؟ فقالوا: نخاف الأَثَرة. فقال: أمَّا ما عشت فلا، بايعوا أبا بكر. فقال أبو بكر لعمر: أنت أقوى مني؛ فقال عمر: أنت أفضل مني. فقالها الثانية. فلما كانت الثالثة قال له عمر: إن قوي لك مع فضلك؛ فبايَعوا أبي بكر ﵁. وأتى الناس عند بَيْعة أبي بكر أبا عبيدة بن الجراح فقال: تأتوني وفيكم ثاني إثنين. كذا في الكنز.
تقديم الصحابة أبا بكر في الخلافة ورضاهم به والرد على من أراد شق عصاهم حديث ابن عساكر وقول أبي عبيدة في خلافة الصديق ﵁
أخرج ابن عساكر عن مسلم قال: بعث أبو بكر إلى أبي عبيدة ﵄ هلمَّ حتى أستخلفَك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ لكل
стр. 688
أمة أميناً، وأنت أمين هذه الأمة» . فقال أبو عبيدة: ما كنت وقدم رجلاً أمره رسول الله ﷺ أن يؤمَّنا. كذا في الكنز. وأخرجه الحاكم عن مسلم البَطِين عن أبي البختري بنحوه وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه، وقال الذهبي: منقطع. اهـ. وأخرجه ابن عساكر، وابن شاهين وغيرهما عن علي بن كثير بنحوه - كما في كنز العمال.
حديث الإِمام أحمد وما قال أبو عبيدة وعثمان في خلافة الصدِّيق
وأخرج أحمد عن أبي البختري قال: قال عمر لأبي عبيدة ﵄ إبسط يدك حتى أبايعك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنت أمين هذه الأمة» . فقال أبو عبيدة؛ ما كنت لأتقدَّم بين يدي رجل أمره رسول الله ﷺ أن يؤمَّنا فأمنا حتى مات. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح إِلا أن أبا البختري لم يسمع من عمر اهـ، وأخرجه ابن عساكر أيضاً بنحوه - كما في الكنز. وأخرجه ابن سعد، وابن جرير عن إبراهيم التيمي بنحوه - كما في الكنز، وفي حديثه: فقال أبو عبيدة؛ ما رأيت لك فهَّة (قبلها) منذ أسلمت أتبايعني؟ وفيكم الصدِّيق، وثاني إثنين. وعند خيثمة الأطرابلسي عن حُمران قال عثمان بن عفان: إن أبا بكر الصديق أحقُّ الناس بها - يعني الخلافة - إِنَّه
стр. 689
لصدِّيق، وثاني إثنين، وصاحبُ رسول الله ﷺ كذا في كنز العمال.
إعتذار أبي بكر لقبول الخلافة وقول علي والزبير إِنه أحق الناس بالخلافة
وأخرج الحاكم والبيهقي عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطاب ﵁، وأن محمد بن مسلمة كسَرَ سيف الزبير ﵁، ثم قام أبو بكر ﵁ فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: والله ما كنت حريصاً على الإِمارة يوماً ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغباً ولا سألتها الله في سرّ ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإِمارة من راحة؛ ولكني قلِّدتُ أمراً عظيماً ما لي به طاقة ولا يدٌ إلا بتقوية الله ، ولوددتُ أنَّ أقوى الناس عليها مكاني اليوم. فقبل المهاجرون منه ما قال وما اعتذر به. وقال علي، والزبير ﵄: وما غضبنا إلا لأنَّا أُخِّرنا عن المشاورة، وإنَّا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ إنَّه لصاحب الغار، وثاني إثنين، وإنا لنعرف شرفه وكِبَره، ولقد أمرَه رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حيّ.
حديث ابن عساكر فيما وقع بين علي وأبي سفيان في شأن خلافة الصدِّيق
وأخرج ابن عساكر عن سُوَيد بن غَفْلة قال: دخل أبو سفيان على علي، والعباس ﵄ فقال: يا علي وأنت يا عباس، ما بال هذا الأمر
стр. 690
في أذلّ قبيلة من قريش وأقلّها، والله لئن شئت لأملأنَّها عليه خيلاً ورجالاً. فقال له علي: لا والله ما أريد أن تملأها عليه خيلا ورجالاً، ولولا أنَّا رأينا أبا بكر لذلك أهلاً ما خلَّيناه وإياها. يا أبا سُفيان إن المؤمنين قومٌ نَصَحَة بعضهم لبعض، متوادّون وإن بعدت ديارهم وأبدانهم. وإن المنافقين قوم غَشَشَة بعضهم لبعض. كذا في الكنز. وهكذا أخرجه أبو أحمد الدِّهْقان بمعناه وزاد في المنافقين: وإن قربت ديارهم وأبدانهم قوم غششة بعضهم لبعض، وإنّا قد بايعنا أبا بكر وكان لذلك أهلاً. كذا في الكنز.
حديث عبد الرزاق والحاكم فيما جرى بين علي وأبي سفيان
وأخرج عبد الرزاق عن ابن أبجر قال: لما بُيع لأبي بكر الصديق جاء أبو سفيان إلى علي فقال: أغلبكم على هذا الأمر أقلُّ بيت في قريش؟ أمَا والله لأملأنها خيلاً ورجالاً (إن شئت) . فقال علي: ما زلت عدوّاً للإِسلام وأهله فما ضرَّ ذلك الإِسلام وأهله شيئاً، إنا رأينا أبا بكر لها أهلاً. كذا في الإستيعاب. وأخرجه الحاكم عن مُرَّة الطيِّب قال: جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي بن أبي طالب فقال: ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلَّة، وأذلها ذلَّة - يعني أبا بكر - والله لئن شئت لأملأنَّها عليه خيلاً ورجالاً. فقال علي: لطال ما عاديت الإِسلام وأهله يا أبا سفيان فلم يضرَّه ذلك شيئاً؛ إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً.
стр. 691
ما وقع بين عمر بن الخطاب وخالد بن سعيد في شأن خلافة الصدِّيق
وأخرج الطبري عن صخر حارس النبي ﷺ قال: كان خالد بن سعيد بن العاص باليمن زمن النبي ﷺ وتوفي النبي ﷺ وهو بها، وقدم بعد وفاته بشهر وعليه جبّة ديباج، فلقي عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄، فصاح عمر بمن يليه؛ مزِّقوا عليه جبته أيلبس الحرير وهو في رجالنا في السِّلْم مهجور؟، فمزقوا جبته. فقال خالد: يا أبا الحسن، يا بني عبد مناف، أغُلِبتم عليها؟ فقال علي: أمغالبة ترى أم خلافة قال: لا يغالِب على هذا الأمر أولى منكم يا بني عبد مناف. وقال عمر لخالد: فضَّ الله فاك والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت ثم لا يضر إلا نفسه - الحديث. وأخرجه سيف، وابن عساكر عن صخر مختصراً - كما في الكنز.
حديث أم خالد وما وقع بين أبي بكر وخالد بن سعيد
وأخرج ابن سعد عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص قالت: قدم أبي من اليمن إلى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر، فقال لعلي، وعثمان ﵄: أرضيتم بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ فنقلها عمر إلى أبي بكر فلم يحملها أبو بكر على خالد وحملها عمر عليه، وأقام خالد ثلاثة أشهر لم يبايع أبا بكر. ثم مرّ عليه أبو بكر بعد ذلك مُظْهِراً وهو في داره فسلَّم عليه، فقال له خالد: أتحب أن أبايعك؟ فقال أبو بكر: أحبُّ أن تدخل في صُلحِ ما دخل فيه المسلمون. فقال: موعدك العشيّة
стр. 692
أبايعك، فجاء وأبو بكر على المنبر فبايعه. وكان رأي أبي بكر فيه حسناً، كان معظِّماً له؛ فلما بعث أبو بكر الجنود على الشام عقد له على المسلمين، وجاء باللواء إلى بيته، فكلم عمر أبا بكر فقال: تولِّي خالداً وهو القائل ما قال فلم يزل به حتى أرسل أبا أرْوى الدَّوْسي فقال: إن خليفة رسول الله ﷺ يقول لك: أردد إلينا لواءنا، فأخرجه فدفعه إليه، وقال: والله ما سرتنا ولا يتكم، ولا ساءنا عزلكم، وإن المليم لغيرك، فما شعرت إلا بأبي بكر داخل على أبي يتعذر إليه، ويعزم عليه أن لا يذكر عمر بحرف. فوالله ما زال أبي يترحم على عمر حتى مات.
خروج أبي بكر للجهاد وحيداً وقول علي في ذلك
وأخرج السَّاجي عن عائشة ﵂ قالت: خرج أبي شاهراً سيفه راكباً راحلته إلى ذي القَصَّة، فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال لك رسول الله ﷺ يوم أُحد: شِمْ سيفك ولا تفجعنا بنفسك» فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإِسلام بعدك نظام أبداً؛ فرجع وأمضى الجيش. كذا في الكنز. وأخرجه الدارقطني أيضاً بنحوه - كما في الإِصابة.
رد الخلافة على الناس خطبة أبي بكر في الخلافة وقوله: ولا حرصت عليها ليلة ولا يوماً قط
أخرج أبو نُعيم في فضائل الصحابة عن أبي بكر ﵁ أنه
стр. 693
قال: يا أيها الناس، إن كنتم ظننتم أني أخذت خلافتكم رغبة فيها أو إرادة إستئثار عليكم وعلى المسلمين، فلا والذي نفسي بيده ما أخذتها رغبة فيها ولا إستئثاراً عليكم ولا على أحد من المسلمين، ولا حرصت عليها ليلة ولا يوماً قط، ولا سألت الله سراً ولا علانية، ولقد تقلَّدت أمراً عظيماً لا طاقة لي به إلا أن يُعين الله؛ ولوددت أنَّها إلى أيِّ أصحاب رسول الله ﷺ على أن يعدل فيها. فهي إليكم ردّ، ولا بَيْعة لكم عندي، فادفعوا لمن أحببتم فإنما أنا رجل منكم. كذا في الكنز.
جواب الصحابة على أبي بكر وقولهم: أنت - والله - خيرنا
وعند الطبراني عن عيسى بن عطية قال: قام أبو بكر ﵁ الغد حين بويع فخطب الناس، فقال: يا أيها الناس، إني قد أَقَلْتُكم رأيكم، إني لست بخيركم فبايعوا خيركم، فقاموا إليه فقالوا: يا خليفة رسول الله ﷺ أنت - والله - خيرنا. فقال: يا أيها الناس، إنَّ الناس قد دخلوا في الإِسلام طَوْعاً كَرْهاً، فهم عُوَّاذ وجيران الله، فإن استطعتم أن لا يطلُبَنَّكم الله بشيء من ذمته فافعلوا، إن لي شيطاناً يحضرني، فإذا رأيتموني قد غضبت فاجتنبوني لا أُمَثِّل بأشعاركم وأبشاركم. يا أيها الناس، تفقَّدوا ضرائب غِلمانكم، إنَّه لا ينبغي للحم نبت من سُحْتٍ، أن يدخل الجنة، ألا وراعوني بأبصاركم فإن استقمت فأعينوني، وإن زُغْت فأقيموني، وإن أطعت الله فأطيعوني، وإن عصيت الله فاعصوني، كذا في الكنز. قال الهيثمي: في عيسى بن سليمان وهو
стр. 694
ضعيف، وعيسى بن عطية لم أعرفه. انتهى.
جواب عليّ على أبي بكر وقوله له: لا نقيلك ولا نستقيلك
وعند العُشّاري عن أبي الجحَّاف قال: لما بُويع أبو بكر ﵁ أغلق بابه ثلاثة أيام يخرج إليهم في كل يوم فيقول: أيها الناس، قد أقلتكم بيعتكم فبايعوا من أحببتم. وكل ذلك يقوم إليه علي بن أبي طالب ﵁ فيقول: لا نُقيلك ولا نستقيلك وقد قدّمك رسول الله ﷺ فمن ذا يؤخرك؟ كذا في الكنز. وأخرجه ابن النجار عن زيد بن علي عن آبائه ﵃ قال: قام أبو بكر ﵁ على منبر رسول الله ﷺ فقال: هل من كاره فأقيله؟ - ثلاثاً يقول ذلك - فعند ذلك يقوم علي بن أبي طالب فيقول: لا والله لا نُقيلك ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدّمك رسول الله ﷺ . كذا في الكنز.
قبول الخلافة لمصلحة دينية حديث ابن أبي رافع في الخلافة وما وقع بينه وبين أبي بكر فيها
أخرج ابن راهَوَيْه، والعدَني، والبَغَوي، وابن خُزيمة عن رافع بن أبي رافع قال: لما استخلف الناس أبا بكر ﵁ قلت: يا صاحبي الذي
стр. 695
أمرني أن لا أتأمر على رجلين، فارتحلت فانتهيت إلى المدينة فتعرَّضت لأبي بكر فقلت له: يا أبا بكر أتعرفني؟ قال: نعم. قلت: أتذكر شيئاً قلته لي؛ أن لا أتأمَّر على رجلين وقد وَلِيتَ أمر الأمة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قُبض والناس حديثو عهد بكفر، فخفت عليهم أن يرتدوا وأن يختلفوا؛ فدخلت فيها وأنا كاره، ولم يزل بي أصحابي. فلم يزل يعتذر حتى عذرته. كذا في الكنز.
الحزن على قبول الخلافة قول أبي بكر لعمر: أنت كلفتني هذا الأمر
أخرج ابن راهَوَيْه، وخيثمة في فضائل الصحابة وغيرهُما عن رجل من آل ربيعة أنه بلغه: أن أبا بكر ﵁ حين استُخلف قعد في بيته حزيناً، فدخل عليه عمر ﵁، فأقبل عليه يلومه وقال: أنت كلّفتني هذا الأمر، وشكا إليه الحُكْمَ بين الناس. فقال له عمر: أوَ اعلمت أن رسول الله ﷺ قال: «إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ الحق فله أجر واحد» ؛ فكأنه سهَّل على أبي بكر ﵁، كذا في الكنز.
قول أبي بكر عند وفاته لعبد الرحمن بن عوف
وأخرج أبو عُبيد، والعُقَيلي، والطبراني، وابن عساكر، وسعيد بن منصور، وغيرهم عن عبد الرحمن بن عوف أن أبا بكر الصديق ﵁ قال له في مرض وفاته: إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن ووددت
стр. 696
أني لم أفعلهن. وثلاث لم أفعلهن ووددت أني فعلتهن. وثلاث وددت أني سألت رسول الله ﷺ عنهن - فذكر الحديث. وفيه: ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: أبي عبيدة بن الجراح أو عمر، فكان أميراً وكنت وزيراً - وذكر: ووددت أني حين وجهت خالداً إلى الشام كنت وجهت عمر إلى العراق، فأكون قد بسطت يديَّ يميناً وشمالاً في سبيل الله. وأما الثلاث التي وددت أني سألت عنهن رسول الله ﷺ فوددت أني سألته فيمن هذا الأمر فلا يُنازَعُه أهله، وددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر شيء؟ كذا في الكنز. قال الهيثمي: وفيه علوان بن داود البجلي، وهو ضعيف وهذا الأثر مما أُنكر عليه.
الإستخلاف مشاورة أبي بكر في شأن الخلافة أصحابه عند الوفاة
أخرج ابن سعد عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن وغيره أن أبا بكر الصدِّيق ﵁ لما استُعِزَّ به دعا عبد الرحمن بن عوف ﵁ وقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب؟ فقال عبد الرحمن: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني. فقل أبو بكر: وإنْ. فقال عبد الرحمن: هو - والله - أفضل مَنْ رأيُك فيه. ثم دعا عثمان بن عفان ﵁ فقال: أخبرني عن عمر؟ فقال: أنت أخبرنا به. فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال عثمان بن عفان:
стр. 697
اللهمَّ علمي به أنّ سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركتُه ما عدوتك؛ وشاور معهما سعيد بن زيد أبا الأعور، وأسَيْد بن الحُضَير وغيرهما من المهاجرين والأنصار. فقال أُسَيد: اللهمّ أعلمه الخَيْرة بعدك يرضى للرضى، ويسخط للسخط. الذي يُسرُّ خيرٌ من الذي يُعلِن، ولم يَلِ هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.
ما وقع بين أبي بكر وبين عبد الرحمن وعثمان في إستخلاف عمر
وسمع بعض أصحاب النبي ﷺ بدخول عبد الرحمن، وعثمان على أبي بكر ﵃ وخَلْوتهما به، فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن إستخلافك عمر علينا وقد ترى غِلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تُخوِّقوني، خاب من تزوَّد من أمركم بظلم أقول: اللهم إستخلفت عليهم خير أهلك.e أبلغ عني ما قلت لك مَنْ وراءك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان، فقال أكتب:
كتاب أبي بكر ﵁ في إستخلاف عمر ووصيته له وللناس
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده من الدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدُق الكاذب: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا وإِني لم آلُ الله ورسولَ ودينَه ونفسي وإِياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظنِّي به، وعلمي فيه؛ وإن بدّل فلكل امرىء ما اكتسب (من الإِثم) . الخيرَ أردتُ، ولا أعلم الغيب ﴿ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ﴾ (الشعراء: ٢٢٧) والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 698
ثم أمر بالكتاب فختمه. ثم قال بعضهم: لما أملَى أبو بكر ﵁ صَدْر هذا الكتاب بقي ذِكْرُ عمر، فذُهب به قبل أن يُسمّي أحداً. فكتب عثمان ﵁: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب. ثم أفاق أبو بكر فقال: إقرأ عليّ ما كتبت. فقرأ عليه ذكر عمر، فكبَّر أبو بكر وقال: أراك خفت إن أقبلت نفسي في غشيتي تلك فتختلف، فجزاك الله عن الإِسلام وأهله خيراً، والله إِنْ كنت لها لأهلاً. ثم أمره فخرج بالكتاب مختوماً ومعه عمر بن الخطاب وأُسَيد بن سعيد القرظي، فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. وقال بعضهم: قد علمنا به - قال ابن سعد: عليٌّ القائل - وهو عمر. فأقرُّوا بذلك جميعاً. ورضوا به وبايعوا.
ثم دعا أبو بكر عمر خالياً وأوصى به بما أوصاه به، ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مدّاً فقال؛ اللهمَّ إني لم أُرِدْ بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي، فولَّيت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحصرهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر فأخلفني فيهم، فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلِحْ لهم وإليَهم، واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هَدْي نبي الرحمة وهَدْي الصالحينَ بعده، وأصلح له رعيته. وكذا في الكنز.
وعند ابن عساكر سويف عن الحسن ﵁ قال: لما ثَقُل أبو بكر ﵁ إستبان له في نفسه جمع الناس إليه فقال لهم: إِنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إِلّ لِمماتي، وقد أطلق الله تعالى أيْمانكم من
стр. 699
بَيْعتي، وحلَّ عنكم عَقْدي، وردَّ عليكم أمركم: فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنَّكم إن أمَّرتم في حياةٍ مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي. فقاموا في ذلك وخَلَّوه تخلية فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رَهْ لنا يا خليفة رسول الله. قال: فلعلكم تختلفون. قالوا: لا. فقال: فعليكم عهد الله على الرضا. قالوا: نعم. قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده. فأرسل أبو بكر إلى عثمان فقال: أشر عليَّ برجل، فواا إنك عندي لها لأهل وموضع، فقال: عمر (فقال) : أكتب فكتب حتى انتهى إلى الإِسم فغُشي عليه فأفاق، فقال: أكتب عمر.
جواب أبي بكر لطلحة إذ خالفه في استخلاف عمر
وعند الّلأَلكائي عن عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ﵃ قال: لما حضرت أبا بكر الصديق الوفاةُ دعا عثمان بن عفان ﵁ فأملى عليه عهده، ثم أُغمِي على أبي بكر قبل أن يملي أحداً، فكتب عثمان: عمر بن الخطاب، فأفاق أبو بكر فقال لعثمان: كتبتَ أحداً؟ فقال: ظننتك لمآبك وخشيت الفُرقة فكتبت عمر بن الخطاب. فقال: يرحمك الله أما لو كتبت نفسك لكنت لها أهلاً. فدخل عليه طلحة بن عبيد الله فقال: أنا رسول مَنْ ورائي إليك، يقولون: قد علمت غِلظة عمر علينا في حياتك فكيف بعد وفاتك إذا أفضيت إليه أُمورنا؟ والله سائلك عنه، فانظر ما أنت قائل. فقال: أجلسوني. أبالله تخوِّقوني، قد خاب أمرؤ ظنَّ من أمركم وهماً، إذا سألني الله قلت: إستخلفت على أهلك خيرهم لهم، فأبلْغهم هذا عنِّي.
стр. 700
حديث أم المؤمنين عائشة في هذا الأمر
وعند ابن سعد عن عائشة ﵂ قالت: لما حضر أبا بكر الوفاة إستخلف عمر، فدخل عليه علي، وطلحة ﵄ فقالا: من إستخلفت؟ قال: عمر. قالا: فماذا أنت قائل لربك؟ قال: أبالله تُفْرِقاني، لأنا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول: إستخلفت عليهم خير أهلك. كذا في الكنز. وأخرجه البيهقي بنحوه عن عائشة ﵂، وابن جرير بمعناه عن أسماء بنت عُمَيس ﵂.
حديث زيد بن الحارث في هذا الأمر
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن الحارث أن أبا بكر ﵁ حين حضرهُ الموتُ أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: تستخلف علينا عمر فظاً غليظاً؟ فلو قد وعلينَا كان أفظّ وأغلظ، فا تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر؟ فقال أبو بكر: أبربِّي تخوِّفوني؟ أقول: اللهمّ إستخلفت عليهم خير أهلك. كذا في الكنز.
جعل الأمر شورى بين المستصلحين له حديث مقتل عمر وجعله الأمر في النفر الستة وثناء ابن عباس عليه
أخرج الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: لما طعن أبو لؤلؤة
стр. 701
عمر ﵁ طعنه طعنتين، فظن عمر أنَّ له ذنباً في الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس ﵄ وكان يحبه ويدنيه ويسمع منه - فقال: أحب أن نعلم: عن ملأ من الناس كان هذا؟ فخرج ابن عباس فكان لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فرجع إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، ما مررتُ على ملأ إلا رأيتهم يبكون، كأنهم فقدوا اليوم أبكار أولادهم. فقال من قتلني؟ فقال: أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة. قال ابن عباس: فرأيت البشْر في وجهه، فقال: الحمد لله الذي لم يبتلني أحد يحاجّني بقول لا إله إلا الله. أما إِني قد نهيتكم أن تجلبوا إلينا من العلوج أحداً فعصيتموني.
ثم قال: أدعوا لي إِخواني. قالوا: ومن؟ قال: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃ فأرسل إليهم، ثم وضع رأسه في حِجْري. فلما جاؤوا قلت: هؤلاء قد حضروا، قال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم - أيها الستة - رؤوس الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إِلا فيكم، ما استقمتم يستقم أمر الناس، وإن يكن إختلاف يكن فيكم - فما سمعته ذكر الإختلاف والشقاق وإِن يكن؛ ظننت أنَّه كائن، لأنه قلَّما قال شيئاً إلا رأيتُه ثم نزفه الدم، فهمسوا بينهم حتى خشيت أن يبايعوا رجلاً منهم، فقلت: إِن أمير المؤمنين حيّ بعد ولا يكون خليفتان ينظر أحدهما إلى الآخر. فقال: إحملوني فحملناه، فقال: تشاوروا ثلاثاً، ويصلِّي بالناس صُهَيب. قالوا: من نشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسَرَاة من هنا من الأجناد.
ثم دعا بشَرْبة من لبن فشرب، فخرج بياض اللبن من الجرحين، فعرف أنَّه الموت، فقال: الآن لو أنَّ لي الدنيا كلَّها لافتديت بها من هول المُطَّلَع، وما ذاك - والحمد لله - أن أكون رأيت إلا خيراً. فقال (ابن عباس) وإن قلت
стр. 702
فجزاك الله خيراً، أليس قد دعا رسول الله ﷺ أن يعزَّ الله بك الدين والمسلمين إِذ يخافون بمكة، فلما أسلمت كان إِسلامك عزَّاً، وظهر بك الإِسلام ورسول الله ﷺ وأصحابه، وهاجرت إلى المدينة فكانت هجرتك فتحاً، ثم لم تَغِب عن مشهد شهده رسول الله ﷺ من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا. ثم قُبض رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ، فوازرت الخليفة بعده على منهاج رسول الله ﷺ فضربت بمن أقبل على من أدبر حتى دخل الناس في الإِسلام طوعاً وكرهاً. ثم قُبض الخليفة وهو عنك راضٍ. ثم وَلِيت بخير ما وليَ الناس، مصَّرَ الله بك الأمصار، وجبى بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسِعتهم في دينهم وتوسِعتهم في أرزاقهم؛ ثم ختم لك بالشهادة؛ فهنيئاً لك.
فقال: والله إنّ المغرور من تَغرونه، ثم قال: أتشهد لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم، فقال: اللهمَّ لك الحمد، ألصِق خدي بالأرض يا عبد الله بن عمر فوضعته من فخذي على ساقي فقال: ألصق خدي بالأرض، فترك لحيته وخدَّه حتى وقع بالأرض، فقال: ويلك وويلَ أمك يا عمر إن لم يغفر الله لك يا عمر ثم قُبض ﵀. فلما قُبض أرسلوا إلى عبد الله بن عمر ﵄، فقال: لا آتيكم إن لم تفعلوا ما أمرك به من مشاورة المهاجرين والأنصار وسَراة من هنا من الأجناد. قال لحسن - وذُكر له فعل عمر ﵁ عند موته وخشيته من ربه - فقال: هكذا المؤمن جمع إحساناً وشفقة، والمنافق جمع إساءة وغرَّة، والله ما وجدت فيما مضى ولا فيما بقي عبداً إزداد إساءة إلا إزداد غرَّة. قال الهيثمي: وإسناده حسن.
стр. 703
حديث ابن سعد في دَيْن عمر ودفنه مع صاحبيه واستخلافه النفر الستة
وأخرج بن سعد، وأبو عبيد، وابن أبي شيبة، والبخاري، والنِّسائي وغيرهم عن عمرو بن ميمون - فذكر الحديث في قصة شهادة عمر ﵁ وفيه: فقال لعبد الله بن عمر: أنظر ما عليَّ من الدَّين فأحسبه، فقال: ستة وثمانون ألفاً. فقال: إِن وفَى بها مال آل عمر فأدِّها عني من أموالهم، وإلا فسَلْ بني عدي بن كعب، فإن تفِ أموالهم وإِلا فسَلْ قريشاً، ولا تعْدُهم إلى غيرهم فأدِّها عني. إذهب إلى عائشة أم المؤمنين فسلِّم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب - ولا تقل: أمير المؤمنين فإني لست اليوم بأمير المؤمنين - أن يدفن مع (صاحبيه) . فأتاها عبد الله بن عمر ﵄ فوجدها قاعدة تبكي فسلَّم ثم قال: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدفن مع (صاحبيه) . قالت: قد كنت - والله - أريده لنفسي، ولأوثرنَّه اليوم على نفسي. فلما جاء قال: ما لديك؟ قال: أذنت لك. فقال عمر: ما كان شيء بأهمَّ عندي من ذلك، ثم قال؛ إذا أنا متُّ فاحملوني على سريري، ثم استأذن فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لك فأدخلني وإن لم تأذن فردَّني إلى مقابر المسلمين.
فلا حُمل كأنَّ الناس لم تصبهم مصيبة إلا يومئذٍ، فسلَّم عبد الله بن عمر، فقال: يستأذن عمر بن الخطاب فأذنت له (فدفن ﵀ حيث أكرمه (الله مع النبي ﷺ وأبي بكر) . فقالوا له حين حضره الموت: إستخلف،
стр. 704
فقال: لا أجد أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، فأيهم إستخلفوا فهو الخليفة بعدي، فسمَّى علياً، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً ﵃ فإن أصابت الإِمرة سعداً فذاك، وإلا فأيُّهم إستخلف فليستعن به، فإني لم أنزعه عن عجز ولا خيانة، وجعل عبد الله يشاورونه معهم وليس له من الأمر شيء. إجتمعوا قال عبد الرحمن بن عوف: إجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر، فجعل الزبير أمره إلى عليٌّ، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، جعل سعد أمره إلى عبد الرحمن. فأتمر أولئك الثلاثة حين جُعل الأمر لهم. فقال عبد الرحمن: أيكم يتبرأ من الأمر، ويجعل الأمر ليّ؟ ولكم الله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم وخيركم للمسلمين. قالا: نعم، فخَلا بعليِّ فقال: إن لك من القرابة من رسول الله ﷺ والتقدم، ولي الله عليك لئن أستُخلف لتعدلنَّ ولئن إستخلفتُ عثمان لتسمعنَّ ولتطيعنَّ. قال: نعم. وخلا بعثمان فقال له مثل ذلك، فقال عثمان؛ نعم. ثم قال لعثمان: إبسط يدك يا عثمان، فبسط يده، فبايعه وبايعه عليٌّ والناس.
حديث ابن أبي شيبة وابن سعد في هذا الشأن أيضا
وعند ابن أبي شيبة، وابن سعد عن عمرو أيضاً أن عمر بن الخطاب ﵁ لما حُضر قال: أدعو لي علياً، وطلحة، والزبير، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً ﵃ فلم يكلَّمأحداً منهم إلا علياً، وعثمان. فقال لعلي: يا علي، لعلَّ هؤلاء النفر يعرفون لك قرابتك من رسول الله ﷺ وما آتاك الله من العلم والفقه، فاتَّقِ الله إن وليت هذا الأمر، فلا ترفعنَّ بني فلان على رقاب الناس. وقال لعثمان: يا عثمان، لعلَّ هؤلاء القوم
стр. 705
يعرفون لك صهرك من رسول الله ﷺ وسنَّك وشرفك، فإن أنت ولِّيت هذا الأمر فاتَّقِ الله ولا ترفع بني فلان على رقاب الناس. وقال: أدعو لي صُهَيباً، فقال: صلِّ بالناس ثلاثاً، وليجتمع هؤلاء الرهط في بيت، فإن اجتمعوا على رجل فاضربوا رأس من خالفهم.
وعند ابن سعد عن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لأصحاب الشورى: تشاوروا في أمركم، فإن كان إثنان، وإثنان، وإثنان فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعة وإثنان فخذوا صنف الأكثر. وعن أَسْلمَ عن عمر قال: وإن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن واسمعوا وأطيعوا.
وعن أنس ﵁ قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى أبي طلحة ﵁ قبل أن يموت بساعة، فقال: يا أبا طلحة، كن في خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت أحدهما، فقم على ذلك الباب بأصحابك، فلا تترك أحداً يدخل عليهم، ولا تتركم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمِّروا أحدهم، اللهمَّ أنت خليفتي (عليهم) . كذا في الكنز (٣١٥٦ - ١٥٧) .
من يتحمل الخلافة خطبة أبي بكر ﵁ في ذلك
أخرج بن عساكر عن عاصم قال: جمع أبو بكر ﵁ الناس
следующие страницы →