Полный текст (1 779 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
عمر ﵁ طعنه طعنتين، فظن عمر أنَّ له ذنباً في الناس لا يعلمه، فدعا ابن عباس ﵄ وكان يحبه ويدنيه ويسمع منه - فقال: أحب أن نعلم: عن ملأ من الناس كان هذا؟ فخرج ابن عباس فكان لا يمر بملأ من الناس إلا وهم يبكون، فرجع إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، ما مررتُ على ملأ إلا رأيتهم يبكون، كأنهم فقدوا اليوم أبكار أولادهم. فقال من قتلني؟ فقال: أبو لؤلؤة المجوسي عبد المغيرة بن شعبة. قال ابن عباس: فرأيت البشْر في وجهه، فقال: الحمد لله الذي لم يبتلني أحد يحاجّني بقول لا إله إلا الله. أما إِني قد نهيتكم أن تجلبوا إلينا من العلوج أحداً فعصيتموني.
ثم قال: أدعوا لي إِخواني. قالوا: ومن؟ قال: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃ فأرسل إليهم، ثم وضع رأسه في حِجْري. فلما جاؤوا قلت: هؤلاء قد حضروا، قال: نعم، نظرت في أمر المسلمين فوجدتكم - أيها الستة - رؤوس الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إِلا فيكم، ما استقمتم يستقم أمر الناس، وإن يكن إختلاف يكن فيكم - فما سمعته ذكر الإختلاف والشقاق وإِن يكن؛ ظننت أنَّه كائن، لأنه قلَّما قال شيئاً إلا رأيتُه ثم نزفه الدم، فهمسوا بينهم حتى خشيت أن يبايعوا رجلاً منهم، فقلت: إِن أمير المؤمنين حيّ بعد ولا يكون خليفتان ينظر أحدهما إلى الآخر. فقال: إحملوني فحملناه، فقال: تشاوروا ثلاثاً، ويصلِّي بالناس صُهَيب. قالوا: من نشاور يا أمير المؤمنين؟ قال: شاوروا المهاجرين والأنصار وسَرَاة من هنا من الأجناد.
ثم دعا بشَرْبة من لبن فشرب، فخرج بياض اللبن من الجرحين، فعرف أنَّه الموت، فقال: الآن لو أنَّ لي الدنيا كلَّها لافتديت بها من هول المُطَّلَع، وما ذاك - والحمد لله - أن أكون رأيت إلا خيراً. فقال (ابن عباس) وإن قلت
стр. 702
فجزاك الله خيراً، أليس قد دعا رسول الله ﷺ أن يعزَّ الله بك الدين والمسلمين إِذ يخافون بمكة، فلما أسلمت كان إِسلامك عزَّاً، وظهر بك الإِسلام ورسول الله ﷺ وأصحابه، وهاجرت إلى المدينة فكانت هجرتك فتحاً، ثم لم تَغِب عن مشهد شهده رسول الله ﷺ من قتال المشركين من يوم كذا ويوم كذا. ثم قُبض رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ، فوازرت الخليفة بعده على منهاج رسول الله ﷺ فضربت بمن أقبل على من أدبر حتى دخل الناس في الإِسلام طوعاً وكرهاً. ثم قُبض الخليفة وهو عنك راضٍ. ثم وَلِيت بخير ما وليَ الناس، مصَّرَ الله بك الأمصار، وجبى بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله بك على كل أهل بيت من توسِعتهم في دينهم وتوسِعتهم في أرزاقهم؛ ثم ختم لك بالشهادة؛ فهنيئاً لك.
فقال: والله إنّ المغرور من تَغرونه، ثم قال: أتشهد لي يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟ فقال: نعم، فقال: اللهمَّ لك الحمد، ألصِق خدي بالأرض يا عبد الله بن عمر فوضعته من فخذي على ساقي فقال: ألصق خدي بالأرض، فترك لحيته وخدَّه حتى وقع بالأرض، فقال: ويلك وويلَ أمك يا عمر إن لم يغفر الله لك يا عمر ثم قُبض ﵀. فلما قُبض أرسلوا إلى عبد الله بن عمر ﵄، فقال: لا آتيكم إن لم تفعلوا ما أمرك به من مشاورة المهاجرين والأنصار وسَراة من هنا من الأجناد. قال لحسن - وذُكر له فعل عمر ﵁ عند موته وخشيته من ربه - فقال: هكذا المؤمن جمع إحساناً وشفقة، والمنافق جمع إساءة وغرَّة، والله ما وجدت فيما مضى ولا فيما بقي عبداً إزداد إساءة إلا إزداد غرَّة. قال الهيثمي: وإسناده حسن.
стр. 703
حديث ابن سعد في دَيْن عمر ودفنه مع صاحبيه واستخلافه النفر الستة
وأخرج بن سعد، وأبو عبيد، وابن أبي شيبة، والبخاري، والنِّسائي وغيرهم عن عمرو بن ميمون - فذكر الحديث في قصة شهادة عمر ﵁ وفيه: فقال لعبد الله بن عمر: أنظر ما عليَّ من الدَّين فأحسبه، فقال: ستة وثمانون ألفاً. فقال: إِن وفَى بها مال آل عمر فأدِّها عني من أموالهم، وإلا فسَلْ بني عدي بن كعب، فإن تفِ أموالهم وإِلا فسَلْ قريشاً، ولا تعْدُهم إلى غيرهم فأدِّها عني. إذهب إلى عائشة أم المؤمنين فسلِّم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب - ولا تقل: أمير المؤمنين فإني لست اليوم بأمير المؤمنين - أن يدفن مع (صاحبيه) . فأتاها عبد الله بن عمر ﵄ فوجدها قاعدة تبكي فسلَّم ثم قال: يستأذن عمر بن الخطاب أن يُدفن مع (صاحبيه) . قالت: قد كنت - والله - أريده لنفسي، ولأوثرنَّه اليوم على نفسي. فلما جاء قال: ما لديك؟ قال: أذنت لك. فقال عمر: ما كان شيء بأهمَّ عندي من ذلك، ثم قال؛ إذا أنا متُّ فاحملوني على سريري، ثم استأذن فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لك فأدخلني وإن لم تأذن فردَّني إلى مقابر المسلمين.
فلا حُمل كأنَّ الناس لم تصبهم مصيبة إلا يومئذٍ، فسلَّم عبد الله بن عمر، فقال: يستأذن عمر بن الخطاب فأذنت له (فدفن ﵀ حيث أكرمه (الله مع النبي ﷺ وأبي بكر) . فقالوا له حين حضره الموت: إستخلف،
стр. 704
فقال: لا أجد أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، فأيهم إستخلفوا فهو الخليفة بعدي، فسمَّى علياً، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً ﵃ فإن أصابت الإِمرة سعداً فذاك، وإلا فأيُّهم إستخلف فليستعن به، فإني لم أنزعه عن عجز ولا خيانة، وجعل عبد الله يشاورونه معهم وليس له من الأمر شيء. إجتمعوا قال عبد الرحمن بن عوف: إجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر، فجعل الزبير أمره إلى عليٌّ، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، جعل سعد أمره إلى عبد الرحمن. فأتمر أولئك الثلاثة حين جُعل الأمر لهم. فقال عبد الرحمن: أيكم يتبرأ من الأمر، ويجعل الأمر ليّ؟ ولكم الله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم وخيركم للمسلمين. قالا: نعم، فخَلا بعليِّ فقال: إن لك من القرابة من رسول الله ﷺ والتقدم، ولي الله عليك لئن أستُخلف لتعدلنَّ ولئن إستخلفتُ عثمان لتسمعنَّ ولتطيعنَّ. قال: نعم. وخلا بعثمان فقال له مثل ذلك، فقال عثمان؛ نعم. ثم قال لعثمان: إبسط يدك يا عثمان، فبسط يده، فبايعه وبايعه عليٌّ والناس.
حديث ابن أبي شيبة وابن سعد في هذا الشأن أيضا
وعند ابن أبي شيبة، وابن سعد عن عمرو أيضاً أن عمر بن الخطاب ﵁ لما حُضر قال: أدعو لي علياً، وطلحة، والزبير، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً ﵃ فلم يكلَّمأحداً منهم إلا علياً، وعثمان. فقال لعلي: يا علي، لعلَّ هؤلاء النفر يعرفون لك قرابتك من رسول الله ﷺ وما آتاك الله من العلم والفقه، فاتَّقِ الله إن وليت هذا الأمر، فلا ترفعنَّ بني فلان على رقاب الناس. وقال لعثمان: يا عثمان، لعلَّ هؤلاء القوم
стр. 705
يعرفون لك صهرك من رسول الله ﷺ وسنَّك وشرفك، فإن أنت ولِّيت هذا الأمر فاتَّقِ الله ولا ترفع بني فلان على رقاب الناس. وقال: أدعو لي صُهَيباً، فقال: صلِّ بالناس ثلاثاً، وليجتمع هؤلاء الرهط في بيت، فإن اجتمعوا على رجل فاضربوا رأس من خالفهم.
وعند ابن سعد عن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لأصحاب الشورى: تشاوروا في أمركم، فإن كان إثنان، وإثنان، وإثنان فارجعوا في الشورى، وإن كان أربعة وإثنان فخذوا صنف الأكثر. وعن أَسْلمَ عن عمر قال: وإن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن واسمعوا وأطيعوا.
وعن أنس ﵁ قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى أبي طلحة ﵁ قبل أن يموت بساعة، فقال: يا أبا طلحة، كن في خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت أحدهما، فقم على ذلك الباب بأصحابك، فلا تترك أحداً يدخل عليهم، ولا تتركم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمِّروا أحدهم، اللهمَّ أنت خليفتي (عليهم) . كذا في الكنز (٣١٥٦ - ١٥٧) .
من يتحمل الخلافة خطبة أبي بكر ﵁ في ذلك
أخرج بن عساكر عن عاصم قال: جمع أبو بكر ﵁ الناس
стр. 706
وهو مريض فأمر من يحمله إلى المنبر، فكانت آخرَ خطبة خطب بها، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أيها الناس، إحذروا الدنيا ولا تثقوا بها (فإنها) غرَّارة، وآثروا الآخرة على الدنيا فأحبوها، فبحب كل واحدة منهما تبغض الأخرى؛ وإِن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إِلا بما صلح به أوله، فلا سيحمله إِلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه، أشدكم في حال الشدة، وأسلسكم في حال اللين، وأعلمكم برأي ذوي الرأي، لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن بما لا ينزل به، ولا يستحيي من التعلم، لا يتحير عند البديهة، قوي على الأموال، ولا يخون بشيء منها حدّة بعدوان ولا يقصِّر، يرصد لما هو آتٍ، عتاده من الحذر والطاعة - وهو عمر بن الخطاب.
ثم نزل كذا في كنز العمال.
صفات الخليفة كما يراها عمر ﵁
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس ﵄ قال: خدمت عمر ﵁ خدمة لم يخدمها أحد من أهل بيته، ولطفت به لطفاً لم يلطفه أحد من أهله؛ فخلَت به ذات يوم في بيته - وكان يجلسني ويكرمني - فشهق شهقة ظننت أنَّ نفسه سوف تخرج منها، فقلت: أمن جزع يا أمير المؤمنين؟ قال: من جزع. قلت: وماذا؟ فقال: إقتربْ، فاقتربت. فقال: لا أجد لهذا الأمر أحداً فقلت: وأين أنت عن فلان، وفلان، وفلان، وفلان، وفلان، وفلان - فسمَّى له الستة أهل الشورى - فأجابه في كل واحد منهم بقولٍ، ثم قال: إنه لا يصلح لهذا الأمر لا قويّ في غير عنف، ليِّن في غير ضعف، جواد من غير سرف، ممسك في غير بخل.
стр. 707
وعند أبي عُبيد في الغريب، والخطيب في رواة مالك قال: إني لجالس مع عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم إذ تنفَّس نفسة ظننت أنَّ إضلاعه قد تفرَّجت. فقلت: يا أمير المؤمنين ما أخرج هذا عنك إلا شرّ. قال: شر، إِني لا أدري إلى من أجعل هذا الأمر بعدي. ثم التفت إليّ فقال: لعلك ترى صاحبك لها أهلاً. قلت: إنه لأهل ذلك في سابقته فضله. قال: إنه لكما قلت، ولكنه امرؤ فيه دُعابة - فذكره إلى أن قال: إنَّ هذا الأمر لا يصلحه إلا الشديد في غير عنف، الليِّن في غير ضعف، الجواد في غير سرف، الممسك في غير بخل. فكان ابن عباس ﵄ يقول: ما اجتمعت هذه الخصال إلا في عمر ﵁.
وعند ابن عساكر قال: خدمت عمر بن الخطاب ﵁ وكنت له هائباً ومعظِّماً، فدخلت عليه ذات يوم في بيته وقد خلا بنفسه، فتنفَّس نفساً ظننت أنّ نفسه خرجت، ثم رفع رأسه إلى السماء فتنفَّس الصُعَداء. قال: فتحاملت وتشدّدت وقلت: والله لأسألنَّه فقلت: والله ما أخرج هذا منك إلا همٌّ يا أمير المؤمنين. قال: هم ﵁ والله - هم شديد هذا الأمر لم أجد له موضعاً - يعني الخلافة -. ثم قال: لعلَّك تقول: إن صاحبك لها - يعني علياً ﵁ قال قلت: يا أمير المؤمنين، أليس هو أهلَها في هجرته، وأهلها في صحبته، وأهلها في قرابته؟ قال: هو كما ذكرت، لكن رجل فيه دعابة - فذكره إلى أن قال: إن هذا الأمر لا يحمله إلا الليِّن في غير ضعف، والقويّ في غير عنف، والجواد في غير سَرَف، والممسك في غير بخل. قال: وقال عمر ﵁: لا يطيق هذا الأمر إلا رجل لا يصانع ولا يضارع، ولا يتَّبع المطامع؛ لا يطيق أمر الله إلا رجل لا يتكلم بلسانه كلمة لا ينتقض عزمه، ويحكم بالحق على حزبه - وفي الأصل - على وجوبه. كذا في
стр. 708
الكنز (٣١٥٨ - ١٥٩) .
وعند عبد الرزاق عن عمر ﵁ قال: لا ينبغي أن يلي هذا الأمر إلا رجل فيه أربع خصال: اللين في غير ضعف، والشدَّة في غير عنف، والإِمساك في غير بخل، والسماحة في غير سَرَف؛ فإن سقطت واحدة منهم فسَدَت الثلاث. وعنده أيضاً وابن عساكر وغيرهما عن عمر ﵁ قال: لا يقيم أمر الله إلا من لا يصانع، ولا يضارع، ولا يتبع المطامع، يكف عن عزته، ولا يكتم في الحق على حدَّته. كذا في كنز العمال.
وأخرج ابن سعد عن سُفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: والله ما أدري خليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم. قال قائل: يا أمير المؤمنين، إن بينهما فرقاً، فإن الخليفة لا يأخذ إلا حقاً، ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك؛ والملك يعسِف الناس فيأخذ من هذا ويُعطي هذا، فسكت عمر. وعنده أيضاً عن سلمان أن عمر ﵁ قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر - كذا في منتخب كنز العمال.
وعند نُعيم بن حماد في الفتن عن رجل من بني أسد أنه شهد عمر بن
стр. 709
الخطاب ﵁ سأل أصحابه وفيهم طلحة، وسلم ان، والزبير، وكعب ﵃ فقال: إني سائلكم عن شيء فإياكم أن تكذبوني فتهلكوني وتهلكوا أنفسكم، أنشدكم بالله، أخليفة أنا أم ملك؟ فقال طلحة، والزبير: إنك لتسألنا عن أمر ما نعرفه ما ندري ما الخليفة من الملك. فقال سلمان: - يشهد بلحمه ودمه - إنك خليفة ولست بملك. فقال عمر: إن تقل فقد كنت تدخل فتجلس مع رسول الله ﷺ ثم قال سلمان: وذلك أنك تعدل في الرعية، وتقسم بينهم بالسويّة، وتشفق عليهم شفقة الرجل على أهله، وتقضي بكتاب الله تعالى. فقال كعب: ما كنت أحسب أنّ في المجلس أحداً يعرف الخليفة من الملك غيري، ولكن الله ملأ سلمان حكماً وعلماً، ثم قال كعب: أشهد أنك خليفة ولست بملك. فقال له عمر ﵁ وكيف ذاك؟ قال: أجدك في كتاب الله. قال عمر: تجدني باسمي؟ قال: لا، ولكن بنعِتك أجد: نبوة، ثم خلافة ورحمة على منهاج نبوة، ثم خلافة ورحمة على منهاج نبوة، ثم ملكاً عضوضاً. كذا في منتخب الكنز.
لين الخليفة وشدته
أخرج الحاكم واللأَلَكائي وغيرهما عن سعيد بن المسيِّب ﵁ قال: لما وَلي عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ فد الله وأثنى عليه ثم قال:
يا أيها الناس، إِني قد علمت أنكم تؤنسون مني شدة وغلظة، وذلك أني كنت مع رسول الله ﷺ وكنت عبده وخادمه، وكان كما قال الله تعالى:
стр. 710
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨) . فكنت بين يديه كالسيف المسلول إلا أن يغمدني أو ينهاني عن أمر فأكفَّ، وإلا قدمت على الناس لمكان لينه، فلم أزل مع رسول الله ﷺ على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيراً، وأنا به أسعد. ثم قمت ذلك المقام مع أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ بعده. وكان قد علمتم في كرمه، ودَعته ولينه، فكنت خادمه كالسيف بين يديه أخلط شدتي بلينه؛ إِلا أن يتقدم إليّ فأكف وإِلا قدمت. فلم أزل على ذلك حتى توفاه الله وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيراً، وأنا به أسعد. ثم صر أمركم إِليَّ اليوم، وأنا أعلم فسيقول قائل: كان يشتد علينا والأمر إِلى غيره فكيف به إِذا صار إليه؟ واعلموا أنكم لا تسألون عني أحداً، قد عرفتموني، وجربتموني، وعرفتم من سنّة نبيكم ما عرفت، وما أصبحت نادماً على شيء أكون أحب أن أسأل رسول الله ﷺ عنه إلا وقد سألته. " فاعلموا أن شدَّتي التي كنتم ترون قد ازدادت أضعافاً إِذا صار الأمر إليّ على الظالم، والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم، وإني بعد شدتي تلك واضع خدِّي بالأرض لأهل العفاف والكفّ منكم والتسليم، وإني لا آبى إن كان بيني وبين أحد منكم شيء من أحكامكم أن أمشي معه إلى من أحببتم منكم، فلينظر فيما بيني وبينه أحد منكم. فاتَّقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفّها عني، وأعينوني على نفسي (بالأمر) بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم.
ثم نزل كذا في كنز العمال.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن محمد بن زيد ﵁ قال:
стр. 711
إجتمع عليّ، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ﵃ وكان أجرأهم على عمر عبدُ الرحمن بن عوف قالوا: يا عبد الرحمن، لو كلمتَ أمير المؤمنين للناس فإنَّه يأتي الرجل طالب الحاجة فتمنعه هيبتك أن يكلمك في حاجته حتى يرجع ولم يقضِ حاجته، فدخل عليه فكلَّمه. فقال: يا أمير المؤمنين، لِنْ للناس فإنه يقدم القادم فتمنعه هيبتك أن يكلمك (في حاجته حتى يرجع ولم يكلمك) . قال: يا عبد الرحن، أنشدك الله أعلي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد أمروك بهذا؟ قال: اللهمّ نعم. قال: يا عبد الرحمن، والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللِّين، ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدّة، فأين المخرج؟ فقام عبد الرحمن يبكي يجرّ رداءه يقول بيده: أفَ لهم بعدك (أفَ لهم بعدك) .
وعند أبي نُعيم في الحِلية عن الشَّعْبي قال: قال عمر ﵁: والله لقد لانَ قلبي في اا حتى لهو ألين من الزُّبْد، واشتد قلبي في الله حتى لهو أشد من الحجر.
وعند ابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: لما ولِيَ عمر بن الخطاب ﵁ قال له رجل: لقد كاد بعض الناس أن يحيد هذا الأمر عنك. قال عمر: وما ذاك؟ قال: يزعمون أنك فظ. قال عمر: الحمد لله (الذي) ملأ قلبي لهم رُحْماً، وملأ قلوبهم لي رُعْباً. كذا في منتخب الكنز.
حصر من يقع منه الإنتشار في الأمة
أخرج سيف، وابن عساكر عن الشَّعْبي قل: لم يمت عمر ﵁ حتى ملَّته قريش، وقد كان حَصَرهم بالمدينة وأسبغ عليهم وقال: إنَّ
стр. 712
أخوف ما أخاف على هذه الأمة إنتشاركم في البلاد، فإن كان الرجل يستأذنه في الغزو وهو ممن حُصِر في المدينة من المهاجرين - ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة - فيقول: قد كان لك في غزوك مع النبي ﷺ ما يبلغك، وخير لك من الغزو اليوم أن لا ترى الدنيا، و (لا) تراك. فلما وُلِيَ عثمان ﵁ خلَّى عنهم فاضطربوا في البلاد وانقطع إليهم الناس. قال محمد، وطلحة: فكان ذلك أول وَهْن دخل في الإِسلام، وأول فتنة كانت في العامّة ليس إلا ذلك. كذا في الكنز. وأخرجه الطبري من طريق سيف بنحوه. وعند الحاكم عن قيس بن أبي حازم قال: جاء الزبير إلى عمر بن الخطاب ﵁ يستأذنه في الغزو، فقال عمر: إجلس في بيتك فقد غزوت مع رسول الله ﷺ قال: فردَّد ذلك عليه، فقال له عمر في الثالثة أو التي تليه؛ إقعد في بيتك، فوالله إني لأجد بطرف المدينة منك ومن أصحابك أن تخرجوا فتفسدوا على أصحاب محمد ﷺ قال الذهبي: صحيح.
مشاورة أهل الرأي مشاورة النبي ﷺ أصحابه مشاورة النبي ﷺ أصحابه في شأن عير أبي سفيان وفي أسارى بدر
أخرج أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه
стр. 713
إقبال أبي سفيان. قال: فتكلم أو بكر ﵁ فأعرض عنه، ثم تكلم عمر ﵁ فأعرض عنه - فذكر الحديث كم ات قدم في أول باب الجهاد.
وأخرج أحمد، ومسلم من حديث عمر ﵁ في قصة بدر وفيه: واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر، وعلياً، وعمر ﵃ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة (الإِخوان) ، وإنِّي أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه (منهم) قوة (لنا) على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً. فقال رسول الله ﷺ «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عَقِيل فيضرب عنقه، تمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأمتهم وقادتهم. فَهوِيَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي ﷺ وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله ﷺ (أبكي) للذي عَرَضَ عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرِض ليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ (الأنفال: ٦٧) - الآية -؛ وأخرجه أيضاً أبو داود، والترمذي، وابن أبي شيبة
стр. 714
وأبو عَوانة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حِبَّان، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نُعيم، والبيهقي؛ كما في الكنز.
رواية أنس في مشاورة النبي ﷺ في أسارى بدر
وعند أحمد عن أنس ﵁ قال: إستشار رسول الله ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر فقال: «إن الله قد أمكنكم منهم» ، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، إضربْ أعناقهم. قال: فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثم عاد ﵇ فقال: «يا أيها الناس، إنّ الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس» . فقال عمر مثل ذلك فأعرض عنه ﵇. ثم عاد ﵇ فقال مثل ذلك. فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان من الغم، ثم عفا عنهم وقبل منهم الفداء، وأنزل الله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ﴾ (الأنفال: ٦٨) - الآية -. كذا في نَصْب الراية. قال الهيثمي: رواه أحمد عن شيخه علي بن عاصم بن صهيب وهو كثير الغلط والخطأ، لا يرجع إِذا قيل له الصواب، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. انتهى.
стр. 715
رواية ابن مسعود
وعند أحمد عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ «ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟» قال: فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، قومك وأهلك إستبقهم واستأنِ بهم لعل الله أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذّبوك قرّبهم فاضربْ أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة ﵁: يا رسول الله، أنظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم ناراً. قال: فدخل رسول الله ﷺ ولم يردّ عليهم شيئاً. فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة.
فخرج عليهم. فقال: «إنَّ الله ليلينِّ قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّ قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجار. وإنَّ مَثَلَك يا أبا بكر كمثل إِبراهيم قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (إبراهيم: ٣٦) ؛ ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: ١١٨) ؛ وإن مَثَلَك يا عمر كمثل نوح قال: ﴿رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاْرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ (نوح: ٢٦) ؛ وإن مَثَلَك يا عمر كمثل موسى قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الاْلِيمَ﴾ (يونس: ٨٨) . أنتم عَالَة فلا ينفلتنَّ أحد إلا بِفداء أو ضربة عنق» . قال
стр. 716
عبد الله فقلت: يا رسول الله، إلا سهل بن بيضاء فإني قد سمعته يذكر الإِسلام. قال: فسكت. قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ حجارة من السماء (مني) (في) ذلك اليوم، حتى قال: «إلا سهل بن بيضاء. قال: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ - إلى آخر الآيتين -. وهكذا رواه الترمذي، والحاكم - وقال الحاكم صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه - ورواه ابن مَرْدَويه من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ بنحو ذلك، وقد رُوِيَ عن أبي أيوبَ الأنصاري ﵁ بنحوه. كذا في الإِصابة.
مشاورة النبي ﷺ عد بن عبادة وسعد بن معاذ في ثمار المدينة
وأخرج ابن إسحاق عن الزهري قال لما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ﷺ إلى عُيَيْنَة بن حصن، والحارث بن عوف المرِّي هما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بن معهما عنه وعن أصحابه. فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكِتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة (في ذلك) . فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل ذلك بعث
стр. 717
إلى السَّعْدَين، فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه، فقالا؛ ي رسول الله أمراً تحبه فنصنعه أم شيئاً أمرك الله به لا بدّ لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ فقال: «بل شيء أصنعه لكم؛ والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قَوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكْسِر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما» . فقال له سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله، قد كنا (نحن) وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إلا قِرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإِسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا (والله) ما لنا بهذا من حاجة؛ والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال النبي ﷺ «أنت وذاك» . فتناول سعد بن معاذ ﵁ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليَجْهدوا علينا. كذا في البداية.
رواية أبي هريرة في شأن هذه المشاورة
وأخرجه البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الحارث إلى رسول الله ﷺ فقال: ناصِفْنا تمر المدينة وإِلا ملأتها عليك خيلاً ورجالاً، فقال: حتى استأمر السعود سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ ﵄» ، يعني يشاورهما. فقالا: لا والله ما أعطينا (الدنية) من أنفسنا في الجاهلية؛ فكيف وقد جاء الله بالإِسلام. فرجع إلى الحارث فأبره، فقال: غدرت يا محمد. وعند الطبراني عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء
стр. 718
الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، شاطرنا تمر المدينة، فقال: حتى استأمر السعود، فبعث إلى: سعد بن معاذ، سعد بن عبادة، سعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، سعد بن مسعود ﵃، فقال: «إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وإن الحارث سألكم تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا في أمركم بعد» . فقالوا: يا رسول الله، أوَحيٌ من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك وهواك؛ فرأينا تَبَعُ هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإِبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا تمرة إلا شراءً أو قِرىً. فقال رسول الله ﷺ «هوذا، تسمعون ما يقولون، قالوا: غدرت يا محمد» . قال الهيثمي: رجال البزار، والطبراني فيهما محمد بن عمرو وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات. وأخرج مسدَّد - وهو صحيح - عن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يسمرُ عند أبي بكر ﵁ الليلة كذلك في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه. كذلك في كنز العمال.
مشاورة أبي بكر ﵁ أهل الرأي مشاورته أهل الرأي والفقه، ومن هم أصحاب الشورى في عهده وفي عهد الفاروق
أخرج ابن سعد عن القاسم أن أبا بكر الصديق ﵁ كان إذا
стр. 719
نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، ودعا عمر، وعثمان، علياً، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت ﵃؛ وكل هؤلاء كان يفتي في خلافته وإنما يصير فتوى الناس إلى هؤلاء. فمضى أبو بكر على ذلك، ثم وُلي عمر فكان يدعو هؤلاء النَّفَر، كان الفتوى تصير وهو خليفة إلى عثمان، وأبيّ وزيد. كذا الكنز.
ما وقع بين أبي بكر وعمر في إقطاع أرض لبعض الصحابة
وأخرج بن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وابن عساكر، والبيهقي، ويعقوب بن سفيان عن عَبِيدة قال: اء عيينة بن حصين، والأقرع بن حابس إلى أبي بكر ﵃ فقال: يا خليفة رسول الله، إنَّ عندنا أرضاً سَبْخة ليس فيها كلأ، ولا منفعة؛ فإذا رأيت أن تُقْطِعنَاها لعلنا نحرثها ونزرعها؛ فأقطعها إياها وكتب لهما عليه كتاباً وأشهد فيه عمر رضي الله عن - وليس في القوم -، فانطلقا إلى عمر ليُشهداه (فيه) . فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل فيه ومحاه، فتذمرا (له) وقالا (له) مقالة سيئة. قال عمر: إنَّ رسول الله ﷺ كان يتألفكما والإِسلام يومئذٍ ذليل (قليل) وإن الله قد أعزَّ الإِسلام فاذهبا فاجهدا (عليَّ) جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رَعَيتما.
стр. 720
فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمَّران فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: بل هو ولو شاء كان. فجاء عمر مُغْضباً حتى وقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين الرجلين، أرض هي لك خاصّة أم هي بين المسلمين عامة؟ قال: بل هي بين المسلمين عامة. قال: فما حملك أن تخصَّ هذين بها دون جماعة المسلمين؟ قال: إستشرت هؤلاء الذين حولي، فأشاروا عليَّ بذلك. قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك أوَكلَّ المسلمين أوْسَعْت مشورة ورضًى؟. فقال أبو بكر: قد كنتُ قلت لك: إنك أقوى على هذا مني ولكنك غلبتني. كذا في الكنز، وعزاه في الإِصابة وإلى البخاري في تاريخه الصغير، ويعقوب بن سفيان وقال بإسناد صحيح؛ وذكر عن علي بن المديني: هذا منقطع لأن عَبِيدة لم يدرك القصة، ولا رُوي عن عمر أنه سمع منه. قال: ولا يُروى عن عمر بأحسن من هذا الإِسناد. انتهى. وأخرجه عبد الرزاق عن طاووس مختصراً، كما في الكنز.
مسألة خراج البحرين
وأخرج سيف، وابن عساكر عن الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه وعن سهم بن منجاب قالا: خرج الأقرع، والزبرقان إلى أبي بكر ﵃ فقالا: إجعل لنا خراج البحرين ونضمن لك أن لا يرجع من قومنا أحد، ففعل وكتب الكتاب. وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله، وأشهدوا شهوداً منهم عمر ﵁. فلما أُتيَ عمر بالكتاب ونظر فيه لم يشهد ثم قال: ولا كرامة، ثم مزق الكتاب ومحاه. فغضب طلحة وأتى أبا بكر فقال: أنت
стр. 721
الأمير أم عمر؟ فقال: عمر غير أن الطاعة لي، فسكت. كذا في منتخب الكنز.
مشاورة أبي بكر الصحابة في الغزوات
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنت أبو بكر إلى عمرو بن العاص أنَّ رسول الله ﷺ شاور في الحرب فعليك به. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله قد وُثِّقوا. انتهى؛ وأخرجه أيضاً البزار، والعُقَيلي وسنده حسن، كما في الكنز. وقد تقدَّم مشاورة أبي بكر ﵃ أهل الرأي في غزو الروم من حديث عبد الله بن أبي أوفى مطوَّلاً.
مشورة عمر بن الخطاب أهل الرأي خطبة عمر إبنة علي وإِخباره أهل مشورته في هذا الأمر
أخرح ابن سعد، وسعيد بن منصور عن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب إلى علي بن أبي طالب إبنته أم كلثوم ﵄، فقال علي: إنما حبست بناتي على بني جعفر، فقال عمر: أنكحنيها يا علي، فوالله ما على ظهر الأرض رجل يَرْصُد من حسن صحابتها ما أرصُد فقال علي: قد فعلت. فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر وكانوا يجلسون: علي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله
стр. 722
عنهم -. فإذا كان الشيء يأتي عمر بن الخطاب من الآفاق جاءهم فأخبرهم بذلك فاستشارهم فيه. فجاء عمر فقال: زفُّوني، فزفُّوه، وقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال: بابنة علي بن أبي طالب، ثم أنشأ يخبرهم فقال: إن النبي ﷺ قال: «كلُّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي» ، وكنت قد صحبته فأحببت أن يكن هذا أيضا. ورواه ابن راهَوَيْه مختصراً. كذا في الكنز. وأخرجه الحاكم أيضاً مختصراً وقال: هذا حدث صحيح الإِسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي: منقطع.
إستشارة عمر وعثمان عبد الله بن عباس وقول عمر وسعد فيه
وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يَسَار ﵁: أن عمر، وعثمان ﵄ كانا يدعوان ابن عباس ﵄ فيشير مع أهل بدر، ويفتي في عهد عمر، وعثمان إلى يوم مات. وعن يعقوب بن يزيد قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يستشير عبد الله بن عباس ﵄ في الأمر إذا أهمه ويقول: غُصْ غوَّاص وعن سعد بن أبي قَّاص ﵁ قال: ما رأَيت أحداً أحضر فهماً، ولا ألبَّ لباً، ولا أكثر علماً، ولا أوسع حلماً من ابن عباس، ولقد رأيت
стр. 723
عمر بن الخطاب يدعوه للمعضلات ثم يقول: قد جاءتك معضلة، ثم لا يجاوز قوله فإنَّ حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار. وأخرج البيهقي، وابن السِمعاني عن ابن شهاب قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا نزل الأمر المعضِل دعا الفتيان فاستشارهم يقتفي حدَّة عقولهم. وعند البيهقي عن ابن سيرين قال: إِنْ كان عمر بن الخطاب ليستشير حتى إِن كان ليستشير المرأة، فربما أبصر في قوله الشيء يستحسنه فيأخذ به. كذا في الكنز.
خطبة بليغة لعمر في المشاورة
وأخرج ابن جرير من طريق سيف عن محمد، وطلحة، وزياد بإسنادهم قالوا: خرج عمر حتى نزل على ماء يدعى صِراراً فعسكر به، ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم؟ وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء رمَوه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف ﵄ وكان عثمان يُدعى في إمارة عمر رديفاً - قالوا: والرديف بلسان العرب الذي بعد الرجل، العرب تقول ذلك للرجل الذي يرجونه بعد رئيسهم - وكانوا إذا لم يقدر هذان على علم شيء مما يريدون ثلَّثوا بالعباس ﵁. فقال عثمان لعمر: ما بلغك؟ ما الذي تريد؟ فنادى الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إليه فأخبرهم الخبر ثم نظر ما يقول الناس، فقال العامة: سِرْ وسِرْ بنا معك، فدخل معهم في رأيهم وكره أن يدَعَهم حتى يُخرجهم منه في رِفْق. فقال: استعدُّوا وأعدُّوا فإني سائر إِلا أن يجيء رأي هو أمثل من ذلك. ثم بعث إلى أهل الرأي فاجتمع إليه وجوه أصحاب النبي
стр. 724
صلى الله عليه وسلم وأعلام العرب، فقال: أحضروني الرأي فإني سائر. فاجتمعوا جميعاً وأجمع مَلَؤهم على أن يبعث رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ ويقيم ويرميه بالجنود؛ فإن كان الذي يشتهي من الفتح فهو الذي يريد ويريدون، وإلا أعاد رجلاً وندب جنداً آخر، وفي ذلك ما يغيظ العدو ويرعَوي المسلمون، ويجيء نصر الله بإنجاز موعود الله. فنادى عمر: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس إليه وأرسل إلى علي وقد استخلفه على المدينة فأتاه، وإلى طلحة وقد بعثه على المقدمة فرجع إليه (وجعل) على المجنَّبتين: الزبير، وعبد الرحمن بن عوف ﵄ فقام في الناس فقال:
«إِنَّ الله قد جمع على الإِسلام أهله، فألف بين القلوب وجعلهم فيه إخواناً، والمسلمون فيما بينهم كالجسد لا يخلو منه شيء من شيء أصاب غيره، وكذلك يحق على المسلمين أن يكونوا أمرهم شورى بينهم بين ذوي الرأي منهم، فالناس تبع لمن قام بهذا الأمر، ما اجتمعوا عليه ورضوا به لزم الناس وكانوا فيه تبعاً لهم؛ ومن قام بهذا الأمر تبع لأولي رأيهم؛ ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبعاً هلم. يا أيها الناس، إِني إِنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج، فقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلاً، وقد أحضرت هذا الأمر من قدَّمت ومن خلَّفت» .
وكان علي ﵁ خليفته على المدينة وطلحة ﵁ على مقدمته بالأعوص فأحضرهما ذلك. وقد أخرجه أيضاً ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: لما انتهى قتل أبي عبيد بن مسعود إلى عمر ﵁ واجتماع أهل فارس على رجل من آل كسرى نادى في المهاجرين والأنصار، وخرج حتى أتى صِراراً
стр. 725
- فذكر الحديث مختصراً كما تقدم -.
كتاب عمر إلى سعد في الحرب
وأخرج الطبراني عن محمد بن سلام يعني البيكندي قال: عمرو بن معدِ يكرب له في الجاهلية وقائع، وقد أدرك الإِسلام، قدم على النبي ﷺ ووجَّهه عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص ﵄ إلى القادسية وكان له هناك بلاء حسن، كتب عمر إلى سعد: قد وجَّهت إليك أو أمددتك بألفيْ رجل: عمرو بن معدِ يكرب وطُلَيحة بن خُوَيْلِد ﵄ وهو طُلَيحة بن خُوَيلد الأسديّ، فشاوِرْهما في الحرب ولا تولِّهما شيئاً. قال الهيثمي: رواه الطبراني هكذا منقطع الإِسناد.
تأمير الأمراء أول أمير أمِّر في الإِسلام
أخرج أحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جاءته جهينة فقالوا: إِنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا حتى نأتيك وقومنا، فأوثق لهم فسألموا. قال: فبعثنا رسول الله ﷺ في رجب - ولا نكون مائة - وأمرنا أن نُغير على حيّ من بني كِنانة إلى جنب جُهَينة، فأغرنا عليهم وكانوا كثيراً، فلجأنا إلى جُهَينة فمنعونا وقالوا: لِمَ تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقلنا إنما نقاتل من أخرجنا من البلد الحرام في الشهر الحرام فقال بعضنا لبعض: ما ترون؟ فقال بعضنا: نأتي نبيّ الله ﷺ فنخبره،
стр. 726
وقال قوم: لا، بل نقيم ها هنا، وقلت أنا في أناس معي: لا، بل نأتي عير قريش فنقتطعها، وكان الفيء إذ ذاك من أخذ شيئاً فهو له، فانطلقنا إلى العير وانطلق أصحابنا إلى النبي ﷺ فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمّر الوجه فقال: «أذهبتم من عندي جميعاً ورجعتم متفرقين إنما أهلك من كان قبلكم الفُرقة، لأبعثنَّ عليكم رجلاً ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش» . فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي، فكان أول أمير (أُمِّرَ) في الإِسلام. وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة كما في الكنز والبغوي كما في الإِصابة. وأخرجه أيضاً البيهقي في الدلائل وزاد بعد لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ فقالوا: نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد الحرام (كما في الإِصابة. قال الهيثمي: وفيه المجالد بن سعيد وهو ضعيف عند الجمهور، ووثَّقه النِّسائي في رواية، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. انتهى.
التأمير على عشرة
أخرج ابن أبي شيبة - وإسناده صحيح - عن شهاب العنبري والد حبيب قال: كنت أول من أوقد في باب تُسْتَر، ورُمِي الأشعري فصُرع، فلما فتحوها أمَّرني على عشرة من قومي. كذا في الإِصابة.
стр. 727
التأمير في السفر
أخرج البزار، وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم عن عمر ﵁ قال: إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم، ذاك أمير أمَّره رسول الله ﷺ كذا في الكنز.
من يتحمل الإِمارة
أعظم الحماعة بالقرآن يليق بالإِمارة
أخرج الترمذي - وحسَّنه - وابن ماجه، وابن حبَّان - واللفظ للترمذي - عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بَعْثاً وهم ذوو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم - يعني ما معه من القرآن -. (قال) فأتى على رجل من أحدثهم سناً فقال: ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: «أمعك سورة البقرة؟» قال: نعم. قال: «إذهب فأنت أميرهم» . فقال رجل من أشرافهم: والله ما نعني أن أتعلم البقرة إلا خشية ألا أقومَ بها. فقال رسول الله ﷺ «تعلَّموا القرآن واقرأوه، فإن مَثَلَ القرآن لمن تعلمه فقرأه كمثل جِراب محشو مِسكاً يفوح ريحه في كل مكان، ومن تعلَّمه
стр. 728
فيرقد وهو في جوفه فمثله كمثل جِراب أوكىء على مسك» . كذا في الترغيب.
رواية عثمان في تحميل الإمارة أعظمهم بالقرآن
وأخرج الطبراني عن عثمان ﵁ قال: بعث النبي ﷺ وفداً إلى اليمن فأمَّر عليهم أميراً منهم وهو أصغرهم، فمكث أياماً لم يسر، فلقي النبي ﷺ رجلاً منهم فقال: «يا فلان، ما لك أما انطلقت؟» ، قال: يا رسول الله، أميرنا يشتكي رجله؛ فأتاه النبي ﷺ ونفث عليه: «بسم الله، وبالله، أعوذ بالله وقدرته من شر ما فيها» - سبع مرات - فبرأ الرجل. فقال له شيخ: يا رسول الله، أتؤمره علينا وهو أصرنا؟ فذكر النبي ﷺ قراءته القرآن. قال الشيخ: يا رسول الله، لولا أني أخاف أن أتوسّد فلا أقومَ به لتعلَّمته. فقال رسول الله ﷺ «فإنما مثل القرآن كجراب ملأته مسكاً موضوعاً، كذلك مثل القرآن إذا قرأته وكان في صدرك» . قال الهيثمي: وفيه يحيى بن سلمة بن كُهيل ضعَّفه الجمهور، ووثَّقه ابن حِبَّان وقال: في أحاديث إبنه عنه مناكير؛ قلت: ليس هذا من رواية إبنه عنه. انتهى.
إنكار أبي بكر لتأمير أصحاب بدر وقول عمر في هذا الأمر
وأخرج أبو نُعيم في الحِلية، وابن عساكر عن أبي بكر بن محمد الأنصاري أن أبا بكر ﵁ قيل له: يا خليفة رسول الله، ألا تستعمل أهل بدر؟ قال: إني أرى مكانهم، ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا. كذا في
стр. 729
الكنز.
وأخرج ابن سعد عن عِمران بن عبد الله قال: قال أبيّ بن كعب لعمر بن الخطاب ﵃: ما لك لا تستعملني؟ قال: أكره أن يُدنَّس دينك.
كتاب عمر في تأمير الأمراء وقوله في صفات الأمير
وأخرح بن سعد، والحاكم، وسعيد بن منصور عن حارثة بن مُضَرِّب قال: كتب إِلينا عمر بن الخطاب ﵁:
«أما بعد: فإني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود معلِّماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فتعلَّموا منهما، واقتدوا بهما؛ وإِني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي. وبعثت عثمان بن حُنَيف على السواد (ورزقتهم) كل يوم شاة، فأجعل شطرها وبطنها لعمار بن ياسر والشطر الثاني بين هؤلاء الثلاثة» .
كذا في الكنز؛ وأخرجه الطبراني مثله إلا أنه لم يذكر: وبعثت عثمان - إلى آخره. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير حارثة وهو ثقة. انتهى. وأخرجه البيهقي
стр. 730
أيضاً بسياق آخر مطوّلاً.
وأخرج الحاكم في الكُنَى عن الشعبي قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: دلُّوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمَّني من أمر المسلمين. قالوا: عبد الرحمن بن عوف. قال: ضعيف. قالوا: فلان. قال: لا حاجة لي فيه. قالوا: من تريد؟ قال: رجل إذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم، وإذا لم يكن أميرهم كأنه أميرهم. قالوا: ما نعلمه إلا الربيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم. كذا في الكنز.
من ينجو في الإمارة
أخرج الطبراني عن أبي وائل شقيق بن سلمة أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل بِشْر بن عاصم ﵁ على صدقات هوازن، فتخلَّف بِشْر فلقيه عمر، فقال: ما خلفك؟ أما لنا سمع وطاعة؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وُلِّي شيئاً من أمر المسلمين أُتيَ به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم، فإن كان محسناً نجا، وإن كان مسيئاً أنخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفاً» . قال: فخرج عمر ﵁ كئيباً حزيناً؟ فقال: ما لي لا أكون كئيباً وحزيناً وقد سمعت بشْر بن عاصم يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وُلّيَ شيئاً من أمر المسلمين أُتيَ به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم، فإن كان محسناً نجا، وإن كان مسيئاً إنخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفاً؟» فقال أبو ذر ﵁: أو ما سمعته من رسول الله ﷺ قال: لا. قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من وَلَّى أحداً من المسلمين أُتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم، فإن كان محسناً
стр. 731
نجا، وإن كان مسيئاً إنخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفاً، وهي سوداء مظلمة» ؛ فأيُّ الحديثين أوجع لقلبك. قال: كلاهما قد أوجع قلبي فمن يأخذها بما فيها؟ فقال أبو ذر ﵁: من سَلَتَ الله أنفه، وألصق خدّه بالأرض؛ أما إنا لا نعلم إِلا خيراً، وعسى إن ولَّيتها من لا يعدل فيها أن لا تنجو من إِثمها. كذا في الترغيب. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك. انتهى وأخرجه أيضاً عبد الرزاق، وأبو نعيم، وأبو سعيد النقَّاش، والبغوي، والدارَقُطْني في المِتفق من طريق سويد؛ كما في الكنز. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن مَنْدَه من غير طريق سويد؛ كما في الإِصابة.
الإِنكار عن قبول الإِمارة قصة المقداد بن الأسود في إنكار الإمارة وقوله وقول أنس في ذلك
أخرج البزار عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ إستعمل المقداد بن الأسود ﵁ على حريدة (؟) جبل. فلما قدم قال: كيف رأيت؟ فلما:
стр. 732
رأيتهم يرفعون ويضعون حتى ظننت أني ليس ذلك. فقال النبي ﷺ «هو ذاك» . فقال المقداد: والذي بعثك بالحق لا أعلم على عمل أبداً، فكانوا يقولون له: تقدم فصلِّ بنا فيأبى. قال الهيثمي: وفيه سوار بن داود أبو حمزة وثَّقه أحمد، وابن حبان، وابن معين وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن أنس ﵁ بنحوه؛ وفي رواية قال: كنت أُحمل وأُوضع حتى رأيت بأنَّ لي على القوم فضلاً. قال: «هو ذاك فخذ أو دع» . قال: والذي بعثك بالحق لا أتأمر على إثنين أبداً: وأخرجه أيضاً عن المقداد مختصراً.
رواية الطبراني قصة المقداد
وعند الطبراني عن المقدد بن اوسود ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ مبعثاً، فلما رجعت قال لي: كيف تجد نفسك؟ قلت: ما زلت حتى ظننت أن معي حولاً لي، وايْمُ الله، لا ألي على رجلين بعدها أبداً. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خَلا عُمَير بن إِسحاق وثقه ابن حبان وغيره، وضعَّفه ابن مَعِين وغيره، وعبد الله بن أحمد ثقة مأمون.
وعند الطبراني عن رجل قال: إستعمل النبي ﷺ رجلاً على سرية، فلما مضى ورجع إليه قال له: «كيف وجدت الإِمارة؟» قال: كنت كبعض القوم، إذا ركبت ركبوا، وإذا نزلت نزلوا. فقال النبي ﷺ «إن السلطان على باب عَتَب إلا من عصم الله » . فقال الرجل: والله لا أعمل لك،
стр. 733
ولا لغيرك أبداً. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجِذُه. قال الهيثمي: وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط وبقية رجاله ثقات. انتهى.
وصية أبي بكر لرافع الطائي في أمر الإِمارة
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن رافع الطائي قال: صحبت أبا بكر ﵁ في غزوة، فلما قفلنا قلت: يا أبا بكر أوصني. قال: أقم الصلاة المكتوبة لوقتها، وأدِّ زكاة مالك طيبة بها نفسك، وصم رمضان، واحجج البيت، واعلم أن الهجرة في الإسلام حسن، وأن الجهاد في الهجرة حسن، ولا تكن أميراً. ثم قال: هذه الإمارة التي ترى اليوم سَبْرة قد أوشكت أن تفشو وتكثر حتى ينالها من ليس لها بأهل، وإنه من يكن أميراً فإنه من أطول الناس حساباً، وأغلظه عذاباً؛ ومن لا يكون أميراً فإنه من أيسر الناس حساباً، وأهونه عذاباً؛ لأن الأمراء أقرب الناس من ظلم المؤمنين ومن يظلم المؤمنين فإنما يخفر الله، هم جيران الله وهم عباد الله؛ والله إن أحدكم لتصاب شاة جاره أو بعير جاره فيبيت وارم العَضَل، يقول: شاة جاري أو بعير جاري، فإن الله أحق أن يَغْضَبَ لجاره. كذا في الكنز.
ما وقع بين أبي بكر ورافع في الإِمارة
وأخرج الطبراني عن رافع قال بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص ﵁ على جيش ذات السلاسل، فبعث معه مع ذلك الجيش أبا بكر،
стр. 734
وعمر، وسراة أصحابه ﵁. فانطلقوا حتى نزلوا جبلي طيِّء. فقال عمر ﵁؛ أنظروا إلى رجل دليل بالطريق. فقالوا: ما نعلمه إلا رافع بن عمرو فإنه كان ربيلاً. فسألت طارقاً: ما الربيل؟ قال: اللص الذي يغزو القوم وحده فيسرق. قال رافع: فلما قضينا غَزاتنا وانتهيت إلى المكان الذي كنا خرجنا منه توسمت أبا بكر ﵁ فأتيته فقلت: يا صاحب الحلال، إِني توسمتك من بين أصحابك فائتني بشيء إِذا حفظته كنت منكم ومثلكم. فقال: أتحفظ أصابعك الخمس؟ قلت: نعم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة إن كان لك مال، وتحج البيت وتصوم رمضان؛ حفظت؟ فقلت: نعم. قال وأخرى: لا تَأمَّرَنَّ على إثنين. قلت: وهل تكون الإِمرة إلا فيكم أهل بدر؟ قال: يوشك أن تفشو حتى تبلغك ومن هو دونك. إن الله لما بعث نبيه ﷺ دخل الناس في الإِسلام، فمنهم من دخل فهداه الله، ومنهم من أكرهه السيف، فهم عوّاذ الله وجيران الله في خفارة الله. إنَّ الرجل إذا كان أميراً فتظالم الناس بينهم فلم يأخذ لبعضهم من بعض إنتقم الله منه. إنَّ الرجل منكم لتؤخذ شاة جاره فيظل نأتيَ عضلته غضباً لجاره، والله من وراء جاره. قال رافع: فمكثت سنة ثم إن أبا بكر ﵁ أستُخلِف فركبت إليه. قلت: أنا رافع، كنت نقيبك بمكان كذا وكذا. قال: عرفت قال: كنت نهيتني عن الإِمارة ثم ركبت أعظم من ذلك: أمة محمد ﷺ قال: نعم، فمن لم يقم فيهم كتاب الله فعليه بَهْلة الله - يعني لعنة الله -. قال الهيثمي: رجاله ثقات. انتهى.
стр. 735
إِيثار الصحابة الغزو على الإِمارة
وأخرج الحاكم، وأبو نُعَيم، وابن عساكر عن سعيد بن عمر بن سعيد بن العاص أنَّ أعمامه: خالداً، وأباناً، وعمرو بن سعيد بن العاص ﵃ رجعوا عن أعمالهم حين بلغهم وفاة رسول الله ﷺ فقال أبو بكر ﵁: ما أحد أحقُّ بالعلم من عمال رسول الله ﷺ فقالوا: لا نعمل لأحد. فخرجوا إلى الشام فقُتلوا عن آخرهم. كذا في الكنز.
ما وقع بين عمر وأبن بن سعيد في الإِمارة وبعثه العلاء بن الحضرمي إلى البحرين
وعند ابن سعد عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبان بن سعيد ﵁ حين قدم المدينة: ما كان حقك أن تقدم وتترك عملك بغير إذن إِمامك ثم على هذه الحالة ولكنك آمنته. فقال أبان: أما إني - والله - ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ ولو كنت عاملاً لأحد بعد رسول الله ﷺ كنت عاملاً لأبي بكر ﵁ لفَضْله، وسابقته، وقديم إسلامه؛ ولكن لا أعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ وشاور أبو بكر ﵁ أصحابه فيمن يبعث إلى البحرين، فقال له عثمان بن عفان ﵁: إبعث رجلاً قد بعثه رسول الله ﷺ إليهم. فقدم عليهم بإسلامهم، وطاعتهم وقد عرفوه وعرفهم، وعرف بلادهم - يعني: العلاء بن الحَضْرمي رضي الله عن -. فأبى ذلك عمر ﵁ عليه وقال: أكره أبان
стр. 736
بن سعيد بن العاص فإنه رجل قد خالفهم. فأبى أبو بكر ﵁ أن يكرهه وقال: لا أفعل، لا أكره رجلاً يقول لا أعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ وأجمع أبو بكر بَعْثَة العلاء بن الحضرمي ﵄ إلى البحرين. كذا في الكنز.
إنكار أبي هريرة على قبول الإِمارة
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب ﵁ دعاه ليستعمله فأبى أن يعلم له. فقال: أتكره العلم وقد طلبه من كان خيراً منك؟ قال: من؟ قال: يوسف بن يعقوب ﵇. فقال أبو هريرة ﵁: يوسف نبي الله ابن نبي الله، وأنا أبو هريرة بن (أميمة) ، فأخشى ثلاثاً واثنتين. فقال عمر ﵁: أفلا قلت خمساً؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضيَ بغير حكم، وأن يُضرب ظهري، وينتزع مالي، ويُشتم عرضي. وأخرجه أيضاً أبو موسى في الذَّيْل؛ قال في الإِصابة: وسنده ضعيف جداً، ولكن أخرجه عبد الزرق عن معمر عن أيوب، فقَوِيَ. انتهى. وأخرجه ابن سعد عن ابن سيرين عن أبي هريرة بمعناه مع زيادة في أوله.
إنكار ابن عمر على القضاء بين الناس
وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط عن عبد الله بن مَوْهَب أن عثمان قال لابن عمر ﵄: إذهب فقضِ بين الناس. قال: أوَ تُعفيني
стр. 737
يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت. قال: لا تعْجَل، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من عاذ بالله فقد عاد بمَعاذ» . قال: نعم. قال: فإني أعوذ بالله أن أكون قاضياً. قال: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان قاضياً، قضى بجهل كان من أهل النار؛ ومن كان قاضياً عالماً فقضى بحق - أو بعدل - سأل التقلب كفافاً» ، فما أرجو بعد هذا؟ قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، والبزَّار، وأحمد وكلاهما باختصار، ورجاله ثقات؛ وزاد أحمد: فأعفاه وقال: لا تجبرن أحداً. وعند الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: أراده عثمان ﵁ على القضاء فأبى وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «القضاة ثلاثة: واحد ناجِ، واثنان في النار، من قضى بالجور أو بالهوى هلك، ومن قضى بالحق نجا» . قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجال الكبير ثقات. ورواه أبو يَعْلى بنحوه. انتهى. وأخرجه ابن سعد عن عبد الله بن مَوْهَب بمعناه مطولاً.
ما وقع بين ابن عمر وأم المؤمنين حفصة بشأن دومة الجندل
وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر ﵄ قال: لما كان اليوم الذي اجتمع فيه علي ومعاوية ﵄ بدومة الجندل؛ قالت لي
стр. 738
أم المؤمنين حفصة ﵂: إنه لا يجمُل بك أن تتخلف عن صلح يصلح الله به بين أمة محمد ﷺ أنت صهر رسول الله ﷺ وابن عمر بن الخطاب. فأقبل معاية يومئذٍ على بُخْتي عظيم فقال: من يطمع في هذا الأمر ويرجوه أو يمد له عنقه؟ قال ابن عمر: فما حدثت نفسي بالدنيا قبل يومئذٍ، ذهبت أن أقول يطمع فيه من ضربك وأباك على الإِسلام حتى أدخلكما فيه، فذكرت الجنة ونعيمها فأعرضت عنه. قال الهيثمي: رجاله ثقات؛ والظاهر أنه أراد صلح الحسن بن علي ﵄ ووهم الراوي. انتهى. وأخرجه ابن سعد عن ابن عمر نحوه. وأخرج أيضاً عن أبي حُصَين أن معاوية قال: ومن أحقُّ بهذا الأمر منا؟ فقال عبد الله بن عمر ﵄: فأردت أن أقول: أحق منك من ضربك وأباك عليه، ثم ذكرت ما في الجنان فخشيت أن يكون في ذلك فساد. وعن الزُّهري قال: لما اجتمع علي، ومعاوية فقال: من كان أحقَّ بهذا الأمر مني؟ قال ابن عمر: فتهيأت أن أقوم فأقول: أحق به من ضربك وأباك على الكفر فخشيت أن يُظن بي غير الذي بي.
إنكار عمران بن حصين على قبول الإِمارة
وأخرج أحد عن عبد الله بن الصامت ﵁ قال: أراد زياد أن يبعث عمران بن حصين ﵄ على خراسان، فأبى عليه، فقال له أصحابه: أتركت خراسان أن تكون عليها؟ قال: فقال: إني والله ما يسرني أن أَصْلَي بحرّها ويُصْلَون ببردها، إني أخاف إذا كنت في نحر العدو أن يأتيني بكتاب من زياد فإن أنا مضيت هلكت، وإن رجعت ضُربت عنقي. قال: فأراد الحكم بن عمرو
стр. 739
الغفاري عليها فانقاد لأمره. قال: فقال عمران: ألا أحد يدعو لي الحكم؟ قال: فانطلق الرسول، قال: فأقبل الحكم إليه. قال: فدخل عليه فقال عمران للحكم: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا طاعة لأحد في معصية الله ﵎» . قال: نعم. فقال عمران: الحمد ﷺ أو - الله أكبر.
وفي رواية عن الحسن أن زياداً إستعمل الغِفاري على جيش، فأتاه عمران بن حُصَين ﵂ فلقيه بين الناس فقال: أتدري لم جئتك؟ فقال له: لِمَ؟ فقال: أتذكر قول رسول الله ﷺ للرجل الذي قال له أميره: أرمِ نفسك في النار فأُدْرِك فاحتُبِس، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: «لو وقع فيها لدخلا النار جميعاً، لا طاعة في معصية الله ﵎» . قال: نعم. قال: إنما أردت أن أذكرك هذا الحديث. قال الهيثمي: رواه أحمد بألفاظ، والطبراني باختصار (وفي بعض طرقه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ) ؛ ورجال أحمد رجال الصحيح. انتهى.
إحترام الخلفاء والأمراء وطاعة أوامرهم ما وقع بين خالد عمار ﵄ في سرية
أخرج ابن جرير، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي على سرية ومعه في السرية عمار بن ياسر ﵄ قال: فخرجوا حتى أتَوا قريباً من القوم الذين يريدون أن يصبِّحوهم نزلوا في بعض الليل. قال: وجاء القوم النذيرُ فهربوا حيث بلغوا، فأقام رجل منهم كان قد أسلم هو وأهل بيته، فأمر أهله فتحمَّلو، وقال: قفوا حتى آتيكم، ثم جاء حتى دخل على عمار رضي الله
стр. 740
عنه، فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وأهل بيتي، فهل ذلك نافعي إن أنا أقمت، فإن قومي قد هربوا حيث سمعوا بكم؟ قال: فقال له عمار: فأقم فأنت آمن.k فانصرف الرجل هو وأهله. قال: فصيَّح خالد القوم فوجدهم قد ذهبوا فأخذ الرجل هو وأهله. فقال له عمار: إنه لا سبيل لك على الرجل قد أسلم. قال: وما أنت وذاك؟ أتجير عليّ وأنا الأمير؟ قال: نعم أجير عليك وأنت الأمير، إن الرجل قد آمن لو شاء لذهب كما ذهب أصحابه؛ فأمرته بالمقام لإِسلامه فتنازعا في ذلك حتى تشاتما. فلما قدما المدينة إجتمعا عند رسول الله ﷺ فذكر عمار الرجل وما صنع، فأجاز رسول الله ﷺ أمان عمار ونهى يومئذٍ أن يجير أحد على الأمير. فتشاتما عند رسول الله ﷺ فقال خالد: يا رسول الله، أيشتمني هذا العبد عندك؟ أما - والله - لولاك ما شتمني. فقال نبي الله ﷺ «كفَّ يا خالد عن عمار، فإنه من يبغض عماراً يبغضه الله ، ومن يلعن عماراً يلعنه الله » . ثم قام عمّار فولى واتبعه خالد بن الوليد حتى أخذ بثوبه فلم يزل يترضّاه حتى ﵁ وفي رواية أخرى: رضي عنه - ونزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِى الاْمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) أمراء السرايا ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾ فيكون الله ورسوله هو الذي يحكم فيه/ ﴿ذالِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ يقول خير عاقبة. كذا في الكنز. وأخرجه أيضاً أبو يَعْلى، وابن عساكر، والنِّسائي، والطبراني، والحاكم من حديث خالد ﵁ بمعناه
следующие страницы →