Полный текст (1 779 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أصابهم. قال الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات وهو عجيب بمرة؛ وقال الذهبي: على شرط البخاري، ومسلم. وأخرجه ابن إسحاق من طريق طارق بطوله، كما في الإِصابة، وفي سياقه: يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت حاجتك إليّ، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه، فخلِّني من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعني في جندي. وأخرجه الطبري أيضاً بطوله عن طارق.
رحمة الأمير حديث أبي أسيد ﵁ في ذلك
أخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر أن أبا أُسَيد جاء النبي ﷺ بسَبْي من البحرين، فنظر النبي ﷺ إلى إمرأة منهنَّ تبكي. فقال: «ما شأنك؟» فقالت: باع إبني. فقال النبي ﷺ لأبي أسيد: «أبعت إبنها؟» قال: نعم. قال: «فيمن؟» قال: في بني عبس. فقال النبي ﷺ «إركب أنت بنفسك فائت به» . كذا في الكنز.
خطبة عمر في هذا الأمر
وأخرج ابن المنذر، والحاكم، والبيهقي عن بُرَيدة قال: كنت جالساً عند عمر ﵁ إِذ سمع صائحة، فقال: يا يَرْفأ أنظر ما هذا الصوت؟ فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تبع أمها. فقال عمر ﵁: أدع لي المهاجرين والأنصار، فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأ الدار والحجرة. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
стр. 772
«أما بعد: فهل تعلمونه كان فيما جاء به محمد ﷺ القطيعة؟ قالوا: لا. فإنها أصبحت فيكم فاشية ثم قرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الاْرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: ٢٢) ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم إمرأة فيكم وقد أوسع الله لكم؟. قالوا: فاصنع ما بدا لك. فكتب في الآفاق أن لا تباع أمُّ حرَ فأنها قطيعة رحم وإنه لا يحل» .
كذا في كنز العمال.
حديث أبي عثمان النَّهدي في ذلك
وأخرج البيهقي وهَنَّاد عن أبي عثمان النَّهْدي قال: إستعمل عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً من بني أسد على عمل، فجاء يأخذ عهده، (قال فأُتي عمرُ ببعض ولده فقبّله. فقال الأسديّ: أتقبل هذا يا أمير المؤمنين؟ والله ما قبّلت ولداً قط قال عمر ﵁: فأنت - والله - بالناس أقل رحمة، هاتِ عهدنا، لا تعمل لي عملاً أبداً، فردّ عهده. كذا في الكنز.
وأخرجه الدِّينَوَري عن محمد بن سلام وفي حديثه؛ قال عمر: فما ذنبي إن كان نزع من قلبك الرحمة، إنَّ الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء، ونزعه عن عمله فقال: أنت لا ترحم ولدك فكيف ترحم الناس. كذا في الكنز.
عدل النبي ﷺ وأصحابه عدل النبي ﷺ
قصة المرأة المخزومية وخطبة النبي ﷺ في ذلك
أخرج البخاري عن عروة أن إمرأة سرقت في عهد رسول الله ﷺ في
стр. 773
غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد ﵁ يستشفعونه. قال عروة: فلما كلّمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول الله ﷺ وقال: «أتكلّمني في حدَ من حدود الله تعالى؟» فقال أسامة؛ إستغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشيّ قام رسول الله ﷺ خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال:
«أما بعد: فإنَّما هلك الناس (قبلكم) أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس محمد بيده لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
ثم أمر رسول الله بتلك المرأة، فقُطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت. قالت عائشة ﵂: كانت أتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث عائشة ﵂. كذا في البداية. وأخرجه أيضاً الأربعة عن عائشة كما في الترغيب.
حديث أبي قتادة ﵁ في ذلك
وأخرج البخاري عن أبي قتادة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حُنَين. فلما التقينا كانت للمسلمين جَوْلة، فرأيت رجلاً من
стр. 774
المشركين قد علا رجلاً من المسلمين فضربته من ورائه على حبلِ عاتقه بالسيف فقطعت الدرع، وأقبل عليّ فضمني ضمَّة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر ﵁ فقلت: ما بال الناس؟ فقال: أمر الله. ثم رجعوا وجلس رسول الله ﷺ فقال: «من قتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سَلَبه» . فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. فقال رسول الله ﷺ مثله. فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. فقال رسول الله ﷺ مثله. فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قالت مثله. فقمت فقال: «مالك يا أبا قتادة؟» فأخبرته، فقال رجل: صَدَق، وسَلَبُه عندي فأرضِه عنِّي. فقال أبو بكر ﵁: لا ها الله، إِذاً يعمِدُ إلى أسَدٍ من أُسْدِ الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سَلَبه فقال النبي ﷺ «صدق فأعطه» فأعطانيه، فابتعتُ به مَخْرَفاً في بني سَلِمة، فإنَّه لأول مال تَأثَّلْتُه في الإِسلام. وأخرجه أيضاً مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (ص ٢٠٩) والبيهقي.
قصة عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي مع يهودي
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي ﵁ أنه كان ليهودي عليه أربعة دراهم فاستعدى عليه. فقال: يا محمد، إِنَّ لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها. قال: «أعطه حقَّه» . قال: والذي بعثك
стр. 775
بالحق ما أقدر عليها. قال: «أعطه حقَّه» . قال: والذي نفسي بيده ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر فأرجو أن تُغَنِّمنا شيئاً فأرجع فأقضيه. قال: «أعطه حقَّه» . وكان رسول الله ﷺ إذا قال ثلاثاً لم يراجَع. فخرج ابن أبي حَدْرَد إلى السوق وعلى رأسه عصابة وهو متَّزر ببردة، فنزع العمامة عن رأسه فاتَّزر بها ونزع البُردة فقال: إشترِ مني هذه البردة، فباعها منه بأربعة دراهم. فمرّت عجوز فقالت: ما لك يا صاحب رسول الله ﷺ فأخبرها، فقالت: ها دونك هذا البُرد - لبردٍ عليها طرحته عليه - كذا في الكنز. وأخرجه أحمد أيضا كما في الإِصابة.
قصة رجلين من الأنصار في هذا الأمر
وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو سعيد النقَّاش عن أم سَلَمة ﵂ قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث قد دَرَست ليس لها بيِّنة. فقال النبي ﷺ «إنكم تختصمون إليّ وإنما أقضي برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه، فمن قضيت له فيه بحجته يقتطع بها شيئاً من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي يوم القيامة إنتظاماً في عنقه» . فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: يا رسول الله حقِّي له. فقال النبي ﷺ «أما إذا فعلتما ما فعلتما فاذهبا، وتوخَّيا الحقِّ، واقتسما، واستهما، وليحلِّل كل واحد منكما صاحبه. كذا في الكنز.
стр. 776
قصة أعرابي في هذا الأمر
وأخرج ابن ماجه عن أبي سعيد ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه دَيْناً كان عليه، فاشتد عليه حتى قال: أحرِّجُ عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه، فقالوا: ويحك، تدري من تكلّم؟ فقال: إِني أطلب حقِّي. فقال النبي ﷺ «هلا مع صاحب الحق كنتم؟» ثم أرسل إِلى خَوْلة بنت قيس فقال لها: إن كان عندك تمر فاقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيَك. فقالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فأقرضته، فقضى الأعرابيَّ وأطعمه. فقال: أوفيتَ أوفى الله لك فقال: «أولئك خيار الناس إنه لا قدِّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع» ، ورواه البزار من حديث عائشة ﵂ مختصراً، والطبراني من حديث ابن مسعود ﵁ بإسناد جيد. كذا في الترغيب.
حديث خولة بنت قيس في ذلك
وأخرج الطبراني عن خولة بنت قيس - إمرأة حمزة بن عبد المطلب ﵄ قالت: كان على رسول الله ﷺ وَسْق من تمر لرجل من بني ساعدة، فأتاه يقتضيه، فأمر رسول الله ﷺ رجلاً من الأنصار أن يقضيه، فقضاه تمراً دون تمره فأبى أن يقبله، فقال: أتردُّ على رسول الله ﷺ قال: نعم ومن
стр. 777
أحق بالعدل من رسول الله ﷺ فاكتحلت عينا رسول الله ﷺ بدموعه ثم قال: «صدق، ومن أحق بالعدل مني؟ لا قدّس الله أمةً لا يأخذ ضعيفها حقّه من شديدها، ولا يتعتعه» ثم قال: «يا خولة، عِدِيه واقضيه، فإنه ليس من غريم يخرج من غريمة راضياً إلا صلَّتْ عليه دوابّ الأرض ونون البحار. وليس من عبد يلوي غريمة وهو يجد إِلا كتب الله عليه في كل يوم وليلة إِثماً» . رواه أحمد بنحوه عن عائشة ﵂ بإسناد جيد قوي. كذا في الترغيب.
عدل أبي بكر الصديق ﵁ حديث عبد الله بن عمرو في هذا وقول الصديق: فمن لي من الله يوم القيامة
أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أبا بكر الصديق ﵁ قام يوم جمعة فقال: إذا كان بالغداة فأحضروا صدقات الإِبل نقسم، ولا يدخل علينا أحد إلا بإذن. فقالت إمرأة لزوجها: خذ هذا الخِطام لعل الله يرزقنا جملاً. أتى الرجل فوجد أبا بكر، وعمر ﵄ قد دخلا إلى الإِبل فدخل معهما. فالتفت أبو بكر فقال: ما أدخلك علينا؟ ثم أخذ منه الخطام فضربه. فلما فرغ أبو بكر من قَسْم الإِبل دعا بالرجل فأعطاه الخِطام، وقال: إستَقِد. قال له عمر: والله لا يستقيد، لا تجعلْها سُنّة. قال أبو بكر: فمن لي من الله يوم القيامة؟ فقال عمر: أرضِهِ؛ فأمر أبو بكر غلامه أن يأتيه براحلة ورحْلِها وقطيفة، وخمسة دنانير فأرضاه بها. كذا في كنز العمال.
стр. 778
عدل عمر الفاروق ﵁ قصة عمر وأُبي بن كعب
أخرج ابن عساكر، وسعيد بن منصور، والبيهقي عن الشَّعْبي قال: كان بين عمر وبين أُبيّ بن كعب ﵄ خصومة. فقال عمر: أجلع بيني وبينك رجلاً، فجعلا بينهما زيد بن ثابت ﵁. فأتياه فقال عمر: أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يُؤتى الحَكَمُ. فلما دخلا عليه وسَّع له زيد عن صدر فراشه فقال: ها هنا أمير المؤمنين. فقال له عمر: هذا أول جَوْر جُرْت في حكمك، ولكن أجلس مع خصمي، فجلسا بين يديه. فادّعى أُبيّ وأنكر عمر، فقال زيد لأُبيّ: أعفِ أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره، فحلف عمر، ثم أقسم: لا يدرك زيدٌ القضاءَ حتى يكون عمرُ ورجلٌ من عُرْض المسلمين عنده سواء. وعند ابن عساكر عن الشَّعْبي قال: تنازع في جعذاذ نخل أبيّ بن كعب، وعمر بن الخطاب ﵄، فبكى أبيّ ثم قال: أفي سلطانك يا عمر؟ فقال عمر: إجعل بيني وبينك رجلاً من المسلمين. قال أبيّ: زيد، قال: رِضًى، فانطلقا حتى دخلا على زيد - فذكر الحديث كما في كنز العمال و.
قصة العباس وعمر في توسيع المسجد النبوي
وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال: كان للعباس بن عبد المطلب ﵁ دار إلى جنب مسجد المدينة، فقال له عمر ﵁:
стр. 779
بِعْنيها، فأراد عمر أن يزيدها في المسجد، فأبى العباس أن يبيعها إِيّاه. فقال عمر: فهَبْها لي، فأبى. فقال: فوسِّعْها أنت في المسجد، فأبى. فقال عمر: لا بدّ لك من إِحداهنّ، فأبى عليه. فقال: خذ بيني وبينك رجلاً، فأخذ أبيّ بن كعب ﵁، فاختصما إليه. فقال أبيّ لعمر: ما أرى أن تخرجه من داره حتى ترضيَه. فقال له عمر: أرأيت قضاءك هذا في كتاب الله وجدته أم سنّةً من رسول الله ﷺ فقال أبيّ: بل سنّة من رسول الله ﷺ فقال عمر: وما ذاك؟ فقال: إِني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن سليمان بن داود - عليهما الصلاة والسلام - لما بنى بيت المقدس جعل كلّما بني حائطاً أصبح منهدماً، فأوحى الله إليه أن لا تبني في حقِّ رجل حتى ترضيَه» . فتركه عمر، فوسَّعها العباس بعد ذلك في المسجد.
حديث سعيد بن المسيِّب في ذلك
وأخرج عبد الرزاق أيضاً عن سعيد بن المسيِّب قال: أراد عمر ﵁ أن يأخذ دار العباس بن عبد المطلب ﵁ فيزيدها في المسجد، فأبى العباس أن يعطيه إياه. فقال عمر: لآخذنَّها. قال: فاجعل بيني وبينك أبيّ بن كعب. قال: نعم: فأتيا أبيَّاً، فذكرا له. فقال أبيّ: أوحى الله إلى سليمان بن داود - عليهما الصلاة والسلام - أن يبني بيت المقدس، وكانت أرضاً لرجل فاشترى منه الأرض، فلما أعطاه الثمن قال: الذي أعطيتني خير أم الذي أخذت مني؟ قال: بل الذي أخذت منك. قال: فإني لا أجيز. ثم اشتراها منه بشيء أكثر من ذلك، فصنع الرجل مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً، فاشترط عليه سليمان ﵊ أني أبتاعها منكم على حكمك فلا تسألني أيهما خير. قال: فاشتراها منه بحكمه، فاحتكم إثني عشر ألف قنطارٍ ذهباً. فتعاظم ذلك سليمان ﵊ أن يعطيه، فأوحى الله إليه إن كنت تعطيه من شيء هو لك فأنت أعلم، وإن كنت تعطيه من رزقنا فأعطِه حتى يرضى، ففعل. قال: وأنا أرى أن عباساً أحقُّ بداره حتى يرضَى. قال العباس:
стр. 780
فإذا قضيت لي فإني أجعلها صدقة للمسلمين. كذا في كنز العمال. وأخرجه ابن سعد، وابن عساكر عن سالم أبي النَّضر مطوَّلاً جداً، وسنده صحيح إلا أن سالماً لم يدرك عمر. وأخرجاه أيضاً، والبيهقي، ويعقوب بن سفيان عن ابن عباس ﵄ مختصراً، وسنده حسن؛ كما في الكنز. وأخرجه الحاكم، وابن عساكر من طريق أسْلَمَ من وجه آخر مطوَّلاً؛ كما في الكنز، وفي حديثه حذيفة بدل أُبيّ بن كعب ﵄.
قصة عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب وأبي سَرْوعة
وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عن ابن عمر ﵄ قال: شرب أخي عبد الرحمن، وشرب معه أبو سَرْوَعة عُقْبة بن الحارث - وهما بمصر - في خلافة عمر ﵁، فسكرا. فلما أصبحا إنطلقا إلى عمرو بن العاص ﵁ وهو أمير مصر - فقالا: طهِّرنا، فإن قد سكرنا من شرب شربناه. قال عبد الله؛ فذكر لي أخي أنه سكر، فقلت: أدخل الدار أطهرك لم أشعر أنها قد أتيا عَمْراً، فأخبرني أخي أنه قد أخبر أمير المؤمنين بذلك. فقلت لا تُحلق اليوم على رؤوس الناس، أدخل الدار أحلقك، وكانوا إِذْ ذاك يحلقون مع الحد، فدخلا الدار. قال عبد الله فحلقت أخي بيدي ثم جلدهم عمرو. فسمع بذلك عمر فكتب إِلى عمرو ﵄: أن أبعث
стр. 781
إليّ بعبد الرحمن على قَتَب، ففعل ذلك. فلما قدم على عمر ﵁ جلده وعاقبه لمكانه منه. ثم أرسله فلبث شهراً صحيحاً ثم أصابه قدره فمات، فيحسب عامة الناس إنما مات من جلد عمر، ولم يمت من جلد عمر. قال في منتخب كنز العمال: وسنده صحيح. وأخرجه ابن سعد عن أسْلم عن عمرو بن العاص ﵁ بطوله؛ كما في منتخب الكنز.
حديث عمر وامرأة مغيبة
وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عن الحسن قال: أرسل عمر بن الخطاب ﵁ إلى إمرأة مُغَيِّبة كان يُدخل عليها، فأنكر ذلك، فأرسل إليها فقيل له: أجيبي عمر؛ فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر فبينما هي في الطرق فزعت فضربها الطَّلْق، فدخلت داراً؛ فألقت ولدها؛ فصاح الصبي صيحتين ثم مات: فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ ومؤدب؛ وصمت علي ﵁، فأقبل على علي فقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أنَّ ديته عليك فإنك أنت أفزعتها، وألقت ولدها في سببك؛ فأمر علياً ﵁ أن يقسم عَقْله على قريش
стр. 782
يعني يأخذ عقله من قريش لأنه خطأ كذا في كنز العمال.
ما كان يعمله عمر ﵁ في الموسم للعدل بين الناس
وأخرج ابن سعد عن عطاء: قال كان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر عماله أن يوافوه بالمَوْسم، فإذا اجتمعوا قال:
«يا أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، (ولا من أعراضكم) إِنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم» .
فما قام أحد إلا رجل، قام فقال: يا أمير المؤمنين إِنَّ عاملك فلاناً ضربني مائة سوط. قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه. فقام عمرو بن العاص ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، وتكن سنّة يأخذ بها مَنْ بعدك. فقال: أنا لا أُقيد وقد رأيت رسول الله ﷺ يقيد في نفسه؟ قال: فدعنا لنرضيه. قال: دونكم فأرضوه، فافتدى منه بمائتي دينار عن كل سَوْط بدينارين. وأخرجه أيضاً ابن راهويه؛ كما في منتخب الكنز.
قصة مصري وابن عمرو بن العاص
وأخرج ابن عبد الحكم عن أنس ﵁ أن رجلاً من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم. قال: عذتَ معَاذاً. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته،
стр. 783
فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو ﵄ يأمره بالقدوم ويقدَم بابنه معه. فقدم فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط ضرب. فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: إضرب ابن الألأمَينْ. قال أنس: فضرب والله لقد ضربه ونحن نحب ضربه؛ فلما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه. ثم قال للمصري: ضَعْ على صلعة عمرو. فقال: يا أمير المؤمنين إِنّما ابنه الذي ضربني وقد استَقَدْت منه. فقال عمر لعمرو؛ مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني. كذا في منتخب كنز العمال.
مؤاخذة عمر عامله على البحرين
أخرج ابنجري رعن يزيد بن أبي منصور قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن عامله على البحرين ابن الجارود أو ابن أبي الجارود أتِيَ برجل يقال له أدِرْياس قامت عليه بينة بمكاتبة عدو المسلمين، وأنه قد همَّ أن يلحق بهم، فضرب عنقه وهو يقول: يا عُمَرَاه، يا عمراه فكتب عمر ﵁ إلى عامله ذلك فأمره بالقدوم عليه؛ فقدم فجلس له عمر وبيده حربة. فدخل على عمر فعَلا عمر لحيته بالحربة وهو يقول: أدرياس لبيك، أدرياس لبيك وجعل الجارود يقول: يا أمير المؤمنين إنه كاتبهم بعورة المسلمين وهمّ أن يلحَق بهم. فقال عمر: قتلته على همِّه وأيّنا لم يهمه، لولا أن تكون سُنَّة لقتلتك به. كذا في الكنز.
حديث زيد بن وهب في ذلك
وأخرج البيهقي عن زيد بن وَهْب قال: خرج عمر ﵁ ويداه
стр. 784
في أخذنه - وهو يقول: يا لَبيْكاه، يا لَبيْكاه قال الناس: ما له؟ قال: جاءه بريد من بعض أمرائه أن نَهَراً حال بينهم وبين العبور ولم يجدوا سفناً، فقال أميرهم: أطلبوا لنا رجلاً يعلم غَوْر النهر، فأُتي بشيخ فقال: إِني أخاف البرد - وذلك في البرد - فأكرهه فأدخله، فلم يُلْبِثْه البرد، فجعل ينادي: يا عُمَراه فغرق. فكتب إِليه، فأقبل، فمكث أياماً معرضاً عنه، وكان إذا وجد على أحد منهم فعل به ذلك. ثم قال: ما فعل الرجل الذي قتلته؟ قال: يا أمير المؤمنين ما تعمدت قتله، لم نجد شيئاً يُعبر فيه، وأردنا أن نعلم غَوْر الماء، ففتحنا كذا وكذا. فقال عمر: لَرَجلٌ مسلم أحبُّ إليّ من كل شيء جئت به، لولا أن تكون سنّةً لضربت عنقك، فأعطِ أهلَ ديته، واخرج فلا أراك. كذا في الكنز.
قصة أبي موسى ورجل وكتاب عمر في ذلك
وأخرج البيهقي عن جرير أنَّ رجلاً كان مع أبي موسى ﵁ فغنموا مغنماً، فأعطاه أبو موسى نصيبه ولم يُوَفِّه، فأبى أن يأخذه إلا جميعه، فضربه أبو موسى عشرين سوطاً وحلق رأسه.f فجمع شعره وذهب به إلى عمر ﵁. فأخرج شَعَراً من جيبه فضرب به صدر عمر. قال: ما لك؟ فذكر قصته. فكتب عمر إلى أبي موسى:
«سلام عليك، أما بعد، فإن فلان بن فلان أخبرني بكذا وكذا، وإني أقسم عليك إن كنت فعلت ما فعلت في ملأ من الناس (إلا) جلست له في ملأ فاقتصَّ منك، وإِن كنت فعلت ما فعلت في خلأ فاقعد له في خلأ فليقتص منك» .
فلما دُفع إليه الكتاب قعد للقصاص. فقال الرجل: قد عفوت عنه ﷺ كذا في كنز العمال.
стр. 785
قصة فيروز الديلمي مع فتى من قريش
وأخرج ابن عساكر عن الحرماوي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى فيروز الديلمي ﵄:
«أما بعد: فقد بلغني أنه قد شغلك أكل اللباب بالعسل، فإذا أتاك كتابي هذا فأقدَم على بكرة الله، فأغزُ في سبيل الله» .
فقدم فيروز فاستأذن على عمر ﵁ فأذن له، فزاحمه فتى من قريش، فرفع فيروز يده فلطم أنف القرشي، فدخل القرشي على عمر مستدمي. فقال له عمر: من فعل بك؟ قال: فيروز، وهو على الباب، فأذن لفيروز بالدخول فدخل. فقال: ما هذا يا فيروز؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنا كنا حديثي عهد بملك، وإنك كتبت إهليّ ولم تكتب إِليه، وأذنت لي بالدخول ولم تأذن له، فأراد أن يدخل في إذني قبلي، فكان مني ما قد أخبرك. قل عمر ﵁: القِصاص. قال فيروز: لا بدَّ؟ قال: لا بد. فجثى فيروز على ركبتيه وقام الفتى ليقتص منه. فقال له عمر ﵁: على رِسْلك أيها الفتى حتى أخبرك بشيء سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ ذات غداة وهو يقول: «قُتل الليلة الأسود العنسي الكذّاب، قتله العبد الصالح فيروز الديلمي؟» أفتراك مقتصاً منه بعد إِذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ قال الفتى: قد عفوت عنه بعد إذ أخبرتني عن رسول الله ﷺ بهذا. فقال فيروز لعمر: أفترى هذا مُخرجي مما صنعت إِقراري له وعفوه غير مستكره؟ قال: نعم. قال فيروز: فأشهدك أن سيفي، وفرسي، وثلاثين ألفاً من مالي هبة له.
стр. 786
قال عفوت مأجوراً يا أخا قريش، وأخذت مالاً. كذا في الكنز.
قصة جارية وعدل عمر ﵁
وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن عساكر، والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت جارية إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقالت إن سيدي إتهمني فأقعدني على النار حتى احترق فرجي. فقال لها عمر: هل رأى ذلك عليك؟ قالت: لا. قال: فهل اعترفت له بشيء؟ قالت: لا. فقال عمر: عليَّ به. فلما رأى عمر الرجل قال: أتعذِّب بعذاب الله؟ قال: يا أمير المؤمنين إتهمتها في نفسها. قال: أرأيت ذلك عليها؟ قال: لا. قال: فاعترفت لك به؟؟ قال: لا. قال: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يُقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده» لأقدتها منك، وضربه مائة سوط، وقال للجارية: إذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله؛ أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حُرِق بالنار أو مُثِّل به فهو حرٌّ، وهو مولى الله ورسوله» . كذا في الكنز.
قصة نبطي مع عبادة بن الصامت وعدل عمر ﵁
وأخرج البيهقي عن مَكْحول أنَّ عبادة بن الصامت ﵁ دعا نَبَطِياً يمسك له دابته عند بيت المقدس فأبى، فضربه فشجَّه، فاستعدَى عليه عمر بن الخطاب ﵁، فقال له: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أمرته أن يمسك دابتي فأبى، وأنا رجل فيّ حدّة فضربته.
стр. 787
فقال: إجلس للقِصاص. فقال زيد بن ثابت ﵁: أتُقيد عبدك من أخيك؟ فترك عمر ﵁ القَوَد وقضى عليه بالدِّيَة. كذا في الكنز.
قصة عوف بن مالك الأشجعي مع يهودي وعدل عمر ﵁
وأخرج أبو عُبيد، والبيهقي، وابن عساكر عن سُوَيد بن غَفْلة ﵁ قال: لما قدم عمر ﵁ الشام قام إليه رجل من أهل الكتاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ رجلاً من المؤمنين صنع بي ما ترى، فقال: - وهو مشجوج مضروب -. فغضب عمر ﵁ غضباً شديداً، ثم قال لصهيب ﵁: إنطلق وانظر مَنْ صاحبه فأتني به. فانطلق صهيب فإذا هو عوف بن مالك الأشجعي ﵁، فقال: إن أمير المؤمنين قد غضب عليك غضباً شديداً فأتِ معاذ بن جبل فلْيكلِّمْه، فإنِّي أخاف أن يَعْجَل إليك. فلما قضى عمر الصلاة قال: أين صهيب؟ أجئت بالرجل؟ قال: نعم. وقد كان عوف أتى معاذاً فأخبره بقصته، فقام معاذ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تَعْجَل إليه. فقال له عمر: ما لك ولهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، رأيت هذا يسوق بامرأة مسلمة على حمار، فنخس بها ليصرع بها، فلم يصرع بها، فدفعها فصُرِعت فغَشِيَها أو أكب عليها. فقال له: إئتني بالمرأة فلتصدِّق ما قلت. فأتاها عوف فقال له أبوها وزوجها: ما أردت إلى صاحبتنا قد فضحتنا. فقالت: والله لأذهبنَّ معه، فقال أبوها وزوجها: نحن نذهب فنبلِّغ عنك. فأتيا عمر ﵁ فأخبراه بمثل قول عوف، وأمر عمر باليهودي فصُلِب. وقال: ما على هذا صالحناكم، ثم قال: أيها الناس، اتقوا الله في ذمَّة محمد، فمن فعل منهم هذا فلا ذمَّة له. قال سويد: فذلك اليهودي
стр. 788
أول مصلوب رأيته في الإِسلام. كذا في الكنز. وأخرجه الطبراني عن عوف بن مالك ﵁ مختصراً. قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. انتهى.
قصة بكر بن شذَّاخ مع يهودي وعدل عمر ﵁
وأخرج ابن مَنْده، وأبو نُعيم عن عبد الملك بن يَعلى الليثي أنَّ بكر بن شَدَّاخ الليثي ﵁ وكان ممن يخدم النبي ﷺ وهو غلام - فلما احتلم جاء إِلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني كنت أدخل على أهلك وقد بلغت مبلغ الرجال. فقال النبي ﷺ «اللهَّم صدِّق قوله، ولقِّه الظفر» . فلما كان في ولاية عمر ﵁ وُجِد يهوديٌ قتيلاً، فأعظم ذلك عمر وجزع وصعد على المنبر فقال: أفيما ولاني الله واستخلفني يُفتك بالرجال، أذكِّرُ الله رجلاً كان عنده علم إِلا أعلمني. فقام إِليه بكر بن شدَّاخ قال: أنا به. فقال: الله أكبر بُؤْتَ بدمه. فهاتِ المخرج. فقال: بلى، خرج فلان غازياً ووكّلني بأهله، فجئت فوجدت هذا اليهودي في منزله وهو يقول:
وأشعث غرّه الإِسلام حتى
خَلَوْتُ بعُرْسه ليلَ التمام
أبيت على ترائبها ويُمسي
على جرداء لاحقة الحزام
كأنَّ مجامع الربلات منها
فئام ينهضون إلى فئام
стр. 789
فصدَّق عمر ﵁ قوله، وأبطل دمه بدعاء النبي ﷺ كذا في الكنز. وأخرجه ابن أبي شيبة عن الشَّعْبي بمعناه كما في الإِصابة.
كتاب عمر إلى أبي عبيدة في قتل يهودي
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن القاسم بن أبي بزة أن رجلاً مسلماً قتل رجلاً من أهل الذمة بالشام، فرُفع إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁، فكتب فيه إِلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب عمر إن كان ذاك فيه خُلُقاً فقدِّمه فاضرب عنقه، وإن كان هي طِيرة طارها فأغرمه دية أربعة آلاف. كذا في كنز العمال.
كتاب عمر إلى أمير جيش في منع قتل المشركين
وأخرج مالك عن رجل من أهل الكوفة أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل جيش كان بعثه: أنَّه بلغني أنَّ رجالاً منكم يطلبون العِلْج، حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع، فقال الرجل: - مترس -، يقول: لا تخف؛ فإذا أدركه قتله، وإني - والذي نفسي بيده - لا يبلغني أنَّ أحداً فعل ذلك إلا ضربت عنقه. وعند ابن صاعد، واللألكائي عن أبي سَلَمة قال: قال: «والذي
стр. 790
نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أشار إلى السماء بأصبعه إلى مشرك، ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله لقتلته» . كذا في كنز العمال.
قصة الهرمزان مع عمر ﵁
وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك ﵁ قال: حاصرنا تُستَر، فنزل الهُرْمُزان على حكم عمر ﵁، فقدمت به على عمر، فلما انتهينا إليه قال له عمر ﵁: تكلَّم. قال: كلام حيَ أو كلام ميِّت؟ قال: تكلَّم لا بأس. قال: إنا وإياكم معاشر العرب؛ ما خلَّى الله بيننا وبينكم، كنا نتعبدكم، ونقتلكم، ونغصبكم. فلما كان الله معكم لم يكن لنا يدان. فقال عمر ﵁: ما تقول؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، تركت بعدي عدواً كثيراً، وشوكة شديدة، فإن قتلته ييأس القوم من الحياة ويكون أشد لشوكتهم. فقال عمر ﵁: إستحيي من قاتل براء بن مالك، ومجْزأة بن ثور؟ فلما خشيت أن يقتله قلت: ليس إلى قتله سبيل قد قلت له: تكلم لا بأس. فقال عمر ﵁: إرتشيت وأصبت منه؟ فقال: والله ما ارتشيت ولا أصبت منه. قال: لتأتِيَني على ما شهدت به بغيرك أَو لأبْدَأنّ بعقوبتك. قال: فخرجت فلقيت الزبير بن العوام، فشهد معي، وأمسك عمر ﵁، وأسلم - يعني الهرمزان - وفرض له. وأخرجه أيضاً الشافعي أيضاً بمعناه مختصراً. كما في الكنز. وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق جبير بن حيَّة
стр. 791
سياق آخر بطوله. وذكره في البداية مطوّلاً جداً.
إجراء عمر من بيت المال على شيخ من أهل الذمة
وأخرج ابن عساكر، والواقدي عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ﵄ قال: لما قدمنا مع عمر بن الخطاب ﵁ الجابية؛ إِذا هو بشيخ من أهل الذمة يستطعم، فسأل عنه فقال: هذا رجل من أهل الذمة كبر وضعف. فوضع عنه عمر ﵁ الجزية التي في رقبته، وقال: كلّفتموه الجزية حتى إذا ضعف تركتموه يستطعم؟؟ فأجرى عليه من بيت المال عشرة دراهم وكان له عيال. وعند أبي عُبيد، وابن زنجويه، والعُقَيلي عن عمر ﵁ أنه مرَّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب المساجد. فقال: ما أنصفناك. كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه. كذا في الكنز (٢٣٠١ - ٣٠٢) .
قصة رجل من أهل الذمة مع عمر ﵁
وأخرج أبو عبيد عن يزيد بن أبي مالك قال: كان المسلمون بالجابية وفيهم عمر بن الخطاب ﵁، فأتاه رجل من أهل الذمة يخبره أنَّ الناس قد أسرعوا في عنبه. فخرج عمر ﵁ حتى لقي رجلاً من أصحابه يحلم ترساً عليه عنب، فقال عمر: وأنت أيضاً؟ فقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا مجاعة، فانصرف عمر ﵁ وأمر لصاحب الكرم بقيمة عنبه. كذا في كنز العمال.
стр. 792
قصة قضائه ﵁ ليهودي خلاف مسلم
وأخرج مالك عن سعيد بن المسيِّب أنَّ مسلماً ويهودياً إختصما إلى عمر ﵁، فرأى الحق لليهودي فقضى له مر به. فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق، فضربه عمر بالدِّرة وقال: وما يدريك؟ فقال اليهودي: والله إنا نجد في التوراة: ليس قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه مَلَك وعن شماله ملك يسدِّدانه ويوفقانه ما دام مع الحق، فإذا ترك الحق عرجا وتركاه. كذا في الترغيب.
قصة عمر وإياس بن سلمة
وأخرج الطبري عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: مر عمر بن الخطاب ﵁ في السوق ومعه الدِّرَّة، فخفقني بها خفقة فأصاب طرف ثوبي فقال: أمط عن الطريق. فلما كان في العام المقبل لقيني فقال: يا سلمة تريد الحج؟ فقلت: نعم. فأخذ بيدي فانطلق بي إلى منزله فأعطاني ست مائة درهم وقال: إستعن بها على حجَّك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتك. قلت: يا أمير المؤمنين ما ذكرتها. قال: وأنا ما نسيتها.
عدل عثمان ذي النورين ﵁ ذكر ما كان بينه وبين عبده في ذلك
أخرج السمَّان في الموافقة عن أبي الفرات قال: كان لعثمان ﵁ عبد، فقال له: إني كنت عركت أُذنك فاقتصَّ مني، أخذ بأذنه ثم قال عثمان ﵁: أشدد، يا حبذا قصص في الدنيا، لا قصاص
стр. 793
في الآخرة. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري.
قصة عدله ﵁ في طائر
أخرج الإِمام الشافعي في مسنده (ص ٤٧) عن نافع بن عبد الحارث قال: قدم عمر بن الخطاب ﵁ مكة، فدخل دار النَّدْوة في يوم الجمعة، وأراد أن يستقرب منها الرواح إِلى المسجد، فألقى رداءه على واقف في البيت، فنقع عليه طير من هذا الحمام فأطاره، فانتهزته حيّة فقتلته. فلما صلَّى الجمعة دخلت عليه أنا وعثمان بن عفان ﵁ فقال: إحكما عليّ في شيء صنعته اليوم: إني دخلت هذه الدار وأردت أن أستقرب منها الرواح إلى المسجد، فألقيت ردائي على هذا الواقف، فوقع عليه طير من هذا الحمام، فخشيت أن يطلخه بسَلْحه فأَطرته عنه، فوقع على (ظهر) هذا الواقف الآخر، فانتهزته حيّة فقتلته. فوجدت في نفسي أني أطرته من م نزل كان فيه آمناً إِلى موقعة كان فيها حتفه. فقلت لعثمان بن عفان ﵁: كيف ترى في عنزٍ ثنيةٍ عفراء تحكم بها على أمير المؤمنين؟ فقال: إني أرى ذلك، فأمر بها عمر ﵁.
عدل علي ﵁ قسمة علي ﵁ مال أصبهان
أخرج البيهقي وابن عساكر عن كليب قال: قدم على علي رضي
стр. 794
الله عنه مال من أصبهان، فقسمه عى سبعة أسهم، فوجد فيه رغيفاً فكسره على سبعة وجعل على كل قسم منها كِسرة، ثم دعا الأمراء الأسباع فأقرع بينهم لينظر أيهم يعطي أولاً. كذا في الكنز وأخرجه ابن عبد البرّ في الإستيعاب.
قصته ﵁ مع عربية ومولاة لها
وأخرج البيهقي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن جده قال: أتت علياً ﵁ إمرأتان تسألانه عربية ومولاة لها، فأمر لكل واحدة منهما بُكُرَ من طعام، وأربعين درهماً، أربعين درهماً. فأخذت المولاة الذي أعطيت وذهبت. وقالت العربية: يا أمير المؤمنين تعطيني مثل الذي أعطيت هذه وأنا عربية وهي مولاة؟ قال لها علي ﵁: إِني نظرت في كتاب الله فلم أرَ فيه فضلاً لولد إِسماعيل على ولد إِسحاق - عليهما الصلاة والسلام -.
ما وقع بين علي وجعدة بن هبيرة في ذلك
وأخرج ابن عساكر عن علي بن ربيعة قال: جاء جَعْدة بن هُبَيرة إلى علي ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، يأتيك الرجلان أنت أحبُّ إلى
стр. 795
أحدهما من نفسه، أو قال: من أهله وماله، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك، فتقضي لهذا على هذا قال: فلهزه عليٌ ﵁ وقال: إِنَّ هذا شيء لو كان لي فعلت، ولكن إِنما ذا شيء لله. كذا في الكنز.
حديث الأصبغ بن نباتة في هذا
وأخرج أبو عُبَيد في الأموال عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجت مع علي بن أبي طالب ﵁ إلى السوق، فرأى أهل السوق قد جاوزوا أمكنتهم. فقال: ما هذا؟ قالوا: أهل السوق قد جاوزوا أمكنتهم. فقال: أليس ذلك إليهم، سوق المسلمين كمصلَّى المصلين؟ من سبق إلى شيء فهو له يومه حتى يدعه. كذا في الكنز: وقد تقدَّم قصة علي ﵁ مع اليهودي في قصص الصحابة في الأعمال والأخلاق المفضية إلى هداية الناس.
عدل عبد لله بن رواحة ﵁ قصة خيبر وعدله مع يهودها وقولهم: بهذا قامت السموات والأرض
أخرج البيهقي عن ابن عمر ﵄ فذكر الحديث بطوله في قصة خيبر، وفيه: كان عبد الله بن رواحة ﵁ يأتيهم كل عام، فيَخْرِصُها عليهم ثم يُضَمِّنهم الشطر. فشكَوا إِلى رسول الله ﷺ شدَّة خَرْصه وأرادوا أن يرشوه. فقال: يا أعداء الله، تطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم
стр. 796
من عند أحب الناس إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من عِدَّتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم، وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. كذا في البداية.
عدل المقداد بن الأسود ﵁ حديث حارث بن سويد في ذلك وقول المقداد: لأموتن والإِسلام عزيز
أخرج أبو نُعيم في الحلية عن الحارث بن سويد قال: كان المقداد بن الأسود ﵁ في سرية، فحصرهم (العدو) ، فعزم الأمير أن لا يجْشُر أحد دابته، فجشر رجل دابته لم تبلغه العزيمة، فضربه؛ فرجع الرجل وهو يقول: ما رأيت كما لقيت اليوم قطّ. فمرّ المقداد، فقال: ما شأنك؟ فذكر له قصته، فتقلَّد السيف وانطلق معه حتى انتهى إلى الأمير فقال: أقده من نفسك. فأقاده فعفا الرجل، فرجع المقداد وهو يقول: لأموتَنَّ والإِسلام عزيز.
خوف الخلفاء ﵃ حديث الضحاك في خوف الصدِّيق ﵁
أخرج ابن أبي شيبة، وهنَّاد، والبيهقي عن الضحاك قال: رأى أبو بكر الصديق ﵁ طيراً واقفاً على شجرة فقال: طوبى لكَ يا طير والله لوددتُ أني كنت مثلك، تقع على الشجر، وتأكل من الثمر، ثم تطير وليس عليك حساب ولا عذاب والله لوددت أنِّي كنت شجرة إلى جانب الطريق مرّ
стр. 797
عليَّ جمل فأخذني، فأدخلني فاه، فلاكني ثم ازدردني، ثم أخرجني بعراً ولم أكُ بشراً. وعند ابن فَتْحَويه في الوَجَل عن الضحَّاك بن مزاحم قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ ونظر إلى عصفور -: طوبى لك يا عصفور تأكل من الثمار، وتطير في الأشجار، لا حساب عليك ولا عذاب والله لوددتُ أني كبش يسمِّنني أهلي، فإذا كنت أعظم ما كنت وأسمنه يذبحوني، فيجعلون بعضي شواء، وبعضي قديداً، ثم أكلوني، ثم ألقوني عَذِرَةً في الحش، وأني لم أكن خُلقت بشراً. وعند أحمد في الزهد عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن. كذا في منتخب الكنز.
حديث الضحاك في خوف عمر ﵁
وأخرج هنَّاد، وأبو نُعيم في الحلية، والبيهقي عن الضحاك قال: قال عمر ﵁: يا ليتني كنت كبش أهلي، يسمِّنوني ما بدا لهم، حتى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبون، فجعلوا بعضي شِواء،
стр. 798
وبعضي قديداً، ثم أكلوني، فأخرجوني عَذِرَةً، ولم أكن بشراً.
حديث ابن عساكر وأبي نعيم في خوف عمر ﵁
وعند ابن المبارك، وابن سعد، وابن أبي شيبة، ومسدِّد، وابن عساكر عن عامر بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أُخلق، ليتني لم أكن شيئاً، ليت أُمي لم تلدني، ليتني كنت نَسْياً مَنْسياً.
وعند أبي نُعيم في الحلية عن عمر ﵁ قال: لو نادى منادٍ من السماء: يا أيها الناس، إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحداً لخفتُ أن أكون أنا هو. ولو نادى منادٍ: أيها الناس، إِنكم داخلون النار إلا رجلاً واحداً لرجوت أن أكون أن هو.
وقع بين عمر وأبي موسى الأشعري
وعند ابن عساكر عن ابن عمر ﵄ أن عمر لقي أبا موسى الأشعري ﵁، فقال له: يا أبا موسى، أيسرك أنَّ عملك الذي كان مع رسول الله ﷺ خَلَص لك، وأنك خرجت من عملك كفافاً، خيره بشره، وشره بخيره كفافاً، لا لك، ولا عليك؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. والله قدمت البصرة وإن الجفاء فيهم لفاشٍ، فعلَّمتهم القرآن والسنّة، وغزوت بهم في سبيل الله، وإني لأرجو بذلك فضله. قال عمر ﵁: لكن وددتُ أني خرجت من عملي خيره بشره، وشره بخيره كفافاً، لا علي ولا لي، وخَلَص لي
стр. 799
عملي مع رسول الله ﷺ المخلص. كذا في منتخب الكنز.
حديث ابن عباس في خوف عمر عند موته
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ قال: لما طُعن مر ﵁ دخلت عليه فقلت له: أبشر يا، فإن الله قد مصَّر بك الأمصار، ودفع بك النفاق، وأفشَى بك الرزق. قال: أفي الإِمارة تثني عليّ يا ابن عباس؟ فقلت: وفي غيرها. قال: والذي نفسي بيده، لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها، لا أجر ولا وزر. وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر ﵄ في حديث طويل، وأبو يَعْلى كذلك عن أبي رافع كما في المجمع. وأخرجه ابن سعد عن ابن عباس ﵄ بنحوه. وأخرج أيضاً من طريق آخر عنه - فذكر الحديث، وفيه: فقلت: أبشر بالجنة. صاحبت رسول الله فأطلت صحبته؛ ووُلِّيتَ أمر المؤمنين فقويت، وأديت الأمانة. فقال: أما تبشيرك إياي بالجنة فوالله الذي لا إِله إلا هو، لو أنّ لي الدنيا وما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر.v وأما قولك في بإمرة المؤمنين، فوالله لوددتُ أن ذلك كفاف لا لي ولا عليَّ. وأما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ فذاك. وأخرجه أيضاً من حديث عبد الله بن عبيد بن عُمَير مطوَّلاً، وزاد فيه: فقال عمر ﵁: أجلسوني. فلما جلس قال لابن عباس ﵁: أعد عليَّ كلامك، فلما أعاد عليه قال: أتشهد
стр. 800
بذلك عند الله يوم تلقه؟ فقال ابن عباس ﵁: نعم. قال: ففرح عمر ﵁ بذلك وأعجبه.
حديث ابن عمر، والمسور في خوف عمر عند موته
وعند أبي نعيم في الحلية عن ابن عمر ﵄ قال: كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه. فقال لي: ضَعْ رأسي على الأرض. قال: فقلت: وما عليك، كان على فخذي أم على الأرض؟ قال: ضعه على الأرض. قال: فوضعته على الأرض، فقال: ويلي وويلَ أمي إن لم يرحمني ربي. وعن المِسْوَر قال: لما طُعن مر ﵁ قال: والله لو أنَّ لي طِلاعَ الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله من قبل أن أراه.
هل يخاف الأمير لومة لائم حديث السائب بن يزيد في هذا
أخرج البيهقي عن السائب بن يزيد ﵁ أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب ﵁: لأن أخاف في الله لومة لائمك خيرٌ لي أم أُقْبِل على نفسي؟ فقال: أمَّا من ولي من أمر المسلمين شيئاً فلا يخاف في الله لومة لائم، من كان خِلْواً فليقبل على نفسه، ولينصح لوليِّ أمره. كذا في الكنز.
стр. 801
وصايا الخلفاء للخلفاء والأمراء وصايا أبي بكر لعمر ﵄ وصيته لعمر ﵄ إِذ أراد استخلافه
أخرج الطبراني عن الأغرّ - أغرِّ بني مالك - قال: لما أراد أبو بكر أن يستخلف عمر ﵁ بعث إليه فدعاه فأتاه، فقال:
«إني أدعوك إِلى أمر متعب لمن وليه، فاتَّقِ الله يا عمر بطاعته، وأطعه بتقواه، فإن التقي (آمن) محفوظ، ثم إنَّ الأمر معروض لا يستوجبه إِلا من عمل به؛ فمن يمر بالحق وعمل بالباطل، وأمر بالمعروف وعمل بالمنكر يوشك أن تنقطع أمنيته وأن يحبط به عمله. فإن أنت وليت عليهم أمرهم فإن استطعت أن تجف يديك من دمائهم، وأن تضمر بطنك من أموالهم، وأن تجف لسانك عن أعراضهم، فافعل ولا قوة إلا بالله» .
قال الهيثمي: والأغرّ لم يدرك أبا بكر ﵁، وبقية رجاله ثقات. انتهى. وقال الحافظ المنذري في الترغيب: ورواته ثقات إلا أن فيه إنقطاعاً. انتهى.
وصية أبي بكر عند الوفاة في استخلاف عمر ووصيته لعمر
وأخرج ابن عساكر عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ قال: لما حضر أبا بكر
стр. 802
رضي الله عنه الموتُ أوصى:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهد من أبي بكر الصدِّيق، عند آخر عهده بالدنيا، خارجاً منها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويتَّقي الفاجر، ويصدّق الكاذب: إني استخلفت من بعدي عمر بن الخطاب. فإن عدل فذلك ظنِّي فيه، وإِن جار وبدَّل فالخيرَ أردت، ولا أعلم الغيب.
ثم بعث إلى عمر ﵁ فدعاه فقال:
«يا عمر، أبغضك مبغض، وأحبك محب، وقِدْماً يُبغض الخير ويُحب الشر - قال: فلا حاجة لي فيها - قال: لكن لها بك حاجة، وقد رأيتَ رسول الله ﷺ وصحبتَه، ورأيت أثرته أنفسنا على نفسه، حتى إِن كنا لنهدي لأهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني وإِنما اتبعت أثر من كان قبلي، والله ما نمت فحلمت، ولا شهدت فتوهَّمت، وإِني لعلى طريق ما زغت، تَعَلَّم يا عمر، إِنَّ لله حقاً في الليل لا يقبله بالنهار، وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وإِنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتَّباعهم الحق، وحُقَّ الميزان أن يثقل لا يكون فيه إِلا الحق، وإِنما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل، وحُقَّ لميزان أن يخفَّ لا يكون فيه إلا الباطل. إنَّ أول ما أحذرك نفسك، وأحذرك الناس فإنَّهم قد طمحت أبصارهم، وانتفخت أهواؤهم، وأن لهم الخيرة عن زلّة تكون، فإياه تكونه، فإنهم لن يزالوا خائفين لك فرقين منك ما خفت الله وفرقته. وهذه وصيتي، وأقرأُ عليك السلام» .
كذا في الكنز.
стр. 803
حديث عبد الرحمن بن سابط وغيره في قول أبي بكر لعمر عند الموت
وعند ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وهَنَّاد، وابن جرير، وأبي نُعَيم في الحلية عن عبد الرحمن بن سابط، وزيد بن زبيد بن الحارث، ومجاهد قالوا: لما حضر أبا بكر الموتُ دعا عمر ﵁ وقال له:
«إتَّق الله يا عمر، واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تُؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحُقّ لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفَّت موازين من خفَّت موازينه يوم القيامة باتَّباعهم الباطل في الدنيا وخفَّته عليهم، وحُقّ لميزان يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً. وأن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئته، فإذا ذكرتهم قلت: إِني لأخاف أن لا ألحق بهم؛ وأن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، وردَّ عليهم أحسنه؛ فإذا ذكرتهم قلت: إِني أخاف أن أكون مع هؤلاء - وذكر آية الرحمة وآية العذاب - فيكون العبد راغباً راهباً، ولا يتمنَّى على الله غير الحق، ولا يقنط من رحمته، ولا يُلقي بيديه إلى الهلكة. فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكُ غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك وإن أنت ضيَّعت وصيتي فلا يكُ. غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجِزِه» .
كذا في منتخب الكنز.
وصايا أبي بكر لعمرو بن العاص وغيره ﵃ وصية أبي بكر لعمرو إذ استعمله على الجيوش إلى الشام
أخرج ابن سعد عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: أجمع أبو بكر ﵁ أن يجمع الجيوش إِلى الشام. كان أول من
стр. 804
سار من عماله عمرو بن العاص ﵁، وأمره أن يسلك على أيْلَة عامداً لفلسطين. وكان جند عمرو الذين خرجوا من المدينة ثلاثة آلاف، فيهم ناس كثير من المهاجرين والأنصار، وخرج أبو بكر الصديق ﵁ يمشي إلى جنب راحلة عمرو بن العاص ﵁ وهو يوصيه ويقول:
«يا عمرو، إتَّق الله في سرائرك وعلانيتك واستحِيه، فإنه يراك ويرى عملك؛ وقد رأيتَ تقديمي إِياك على من هم أقدم سابقة منك، ومن كان أعظمَ غِنًى عن الإِسلام وأهله منك. فكن من عمَّال الآخرة، وأرد بما تعمل وجه الله، وكن والداً لمن معك، ولا تكشفنَّ الناس عن أستارهم، واكتف بعلانيتهم، وكن مجدّاً في أمرك، واصدق اللقاء إِذا لقيت ولا تجبُن، وتَقدَّم في الغُلول وعاقب عليه، وإذا وعظت أصحابك فأوجز، وأصلح نفسك تصلح لك رعيتكم» . كذا في كنز العمال. وأخرجه أيضاً ابن عساكر بنحوه.
كتابه ﵁ إِلى عمرو والوليد بن عقبة
وأخرج ابن جرير الطبري عن القاسم بن محمد قال: كتب أبو بكر إِلى عمرو وإِلى الوليد بن عقبة ﵄ وكان على النِّصف من صدقات قُضاعة، وقد كان أبو بكر شيَّعهما مَبْعَثهما على الصدقة، وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة فقال:
«إتَّق الله في السرِّ والعلانية، فإنه مَنْ يَتَّق الله يَجْعَلْ لهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَّقِ الله يُكفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أجْراً فإنَّ تقوى
стр. 805
الله خيرُ ما تَواصَى به عباد الله. إنَّك في سبيل من سُبُل الله، لا يسعُك فيه الإِدْهان والتفريط، ولا الغفلة عما فيه قِوام دينكم وعِصمة أمركم، فلا تَنِ ولا تفتر» .
وأخرجه أيضاً ابن عساكر عن القاسم بنحوه.
كتابه ﵁ إِلى عمرو بن العاص في خالد بن الوليد
وأخرج ابن سعد عن الطَّلب بن السائب بن أبي وَدَاعة ﵁ قال: كتب أبو بكر الصديق إلى عمرو بن العاص ﵄:
«إني كتبت إلى خالد بن الوليد ليسير إِليك مدداً لك، فإذا قدم عليك فأحسن مصاحبتك، ولا تَطاوَلْ عليه، ولا تقطع الأمور دونه لتقديمي إِياك عليه وعلى غيره، شاورهم ولا تخالفهم» .
كذا في كنز العمال.
حديث ابن سعد في كتاب أبي بكر إِلى عمرو
وأخرج بن سعد عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أنَّ أبا بكر قال لعمرو بن العاص ﵄:
«إني قد استعملتك على من مررت به: بَليّ، وعُذْرة، وسائر قُضاعة، ومن سقط هناك من العرب، فادنبهم إلى الجهاد في سبيل الله ورغِّبهم فيه،
стр. 806
فمن تبعك منهم فاحمله، وزوِّده ووافق بينهم، واجعل كل قبيلة على حدَّتها ومنزلها» .
كذا في الكنز، وأخرجه ابن عساكر.
وصية أبي بكر الصديق لشرحبيل بن حسنة ﵄
أخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمي ﵁ قال: لما عزل أبو بكر خالد بن سعيد أوصى به شرحبيل بن حسنة ﵃ وكان أحد الأمراء قال:
أنظر خالد بن سعيد، فاعرف له من الحق عليك مثل ما كنت تحب أن يعرفه لك من الحق عليه لو خرج والياً عليك، وقد عرفتَ مكانه من الإِسلام، وأن رسول الله ﷺ توفي وهو له والٍ، وقد كنتُ ولَّيته، ثم رأيت عزله، وعسى أن يكون ذلك خيراً له في دينه، ما أغبط أحداً بالإِمارة، قد خيَّرته في أمراء الأجناد فاختارك على غيرك وعلى ابن عمه. فإذا نزل بك أمر تحتاج فيه إلى رأي التقيِّ الناصح فليكن أول من تبدأ به، أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذُ بن جبل، ولْيَكُ ثالثاً خالُد بن سعيد، فإنك واجد عندهم نصحاً وخيراً، وإياك واستبداد الرأي عنهم أو تطوي عنهم بعض الخبر» .
كذا في الكنز.
وصية أبي بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان ﵄
أخرج ابن سعد عن الحارث بن الفضل قال: لما قعد أبو بكر ليزيد بن أبي سفيان ﵄، فقال:
стр. 807
«يا يزيد، إِنك شاب تُذْكر بخير قد رُئِي منك، وذلك لشيء خلوت به في نفسك، وقد أردتُ أن أبلوك وأستخرجك من أهلك، فأنظرُ كيف أنت؟ وكيف ولايتك؟ وأخبُرُك. فإن أحسنتَ زدتُك، وإن أسأتَ عزلتُك، وقد وليتُك عمل خالد بن سعيد» .
ثم أصاه بما أوصاه يعلم به في وجهه وقال له:
«أوصيك بأبي عبيدة بن الجراح خيراً، فقد عرفتَ مكانه من الإِسلام وأنَّ رسول الله ﷺ قال: «لكلِّ أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» ؛ فاعرف له فضله وسابقته؛ وانظر معاذ بن جبل، فقد عرفت مشاهدة مع رسول الله ﷺ وأن رسول الله ﷺ قال: «يأتي أمام العلماء برتوة» ، فلا تقطع أمراً دونهما وإنهما لن يألوَا بك خيراً.
قال يزيد: يا خليفة رسول الله، أوصهما بي كما أوصيتني بهما. قال أبو بكر: لن أدع أن أوصيَهما بك. فقال يزيد: يرحمك الله وجزاك الله عن الإِسلام خيراً. كذا في الكنز.
وأخرج أحمد، والحاكم، ومنصور بن شعبة البغدادي في الأربعين - وقال: حسن المتن غريب الإِسناد - عن يزيد بن أبي سفيان ﵁ قال: أبو بكر ﵁ لمَّا بعثني إلى الشام:
«يا يزيد، إِنّ لك قرابة عسيتَ تؤثرهم بالإِمارة، وذلك أكبر ما أخاف عليك، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «من وُلِّي من أمور المسلمين شيئاً فأمَّر عليهم أحداً محاباة له بغير حق فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صَرْفاً ولا عَدْلاً حتى يدخله
стр. 808
جهنَّم. ومن أعطى أحداً من مال أيه محاباة له فعليه لعنة الله - أو قال - برئت منه ذمة الله» . إِنَّ الله دعا الناس إِلى أن يؤمنوا بالله فيكونوا حمى الله، فمن انتهك في حمى الله شيئاً بغير حقَ فعليه لعنة الله - أو قال - برئت منه ذمة الله » .
قال ابن كثير: ليس هذا الحديث في شيء نالكتب الستة، وكأنهم أعرضوا عنه لجهالة شيخ لقيه، قال: والذي يقع في القلب صحّة هذا الحديث؛ فإنَّ الصدِّيق ﵁ كذلك فعل، ولّى على المسلمين خيرهم بعده. كذا في كنز العمال. وقال الهيثمي: رواه أحمد، وفيه رجل لم يُسمَّ. انتهى.
وصايا عمر ﵁ وصية عمر بن الخطاب ﵁ لولي الأمر من بعده
أخرج ابن أبي شيبة، وأبو عُبَيد في الأموال، أبو يَعْلى،
стр. 809
والنِّسائي، وابن حِبّان، والبيهقي عن عمر ﵁ أنه قال:
«أُوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأوَّلين أن يعلم لهم حقَّهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإِيمان من قبلهم؛ أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنَّهم رِدْء الإِسلام، وجُباة الأموال، وغَيْظ العدو، وأن يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب ومادة الإِسلام؛ أن يأخذ من حواشي أموالهم فيرد على فقرائهم. وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلَّفهم إلا طاقتهم» .
كذا في المنتخب.
وأخرج ابن سعد، وابن عساكر عن القاسم بن محمد قال: قال عمر بن الخطاب ﵁:
«ليَعْلم من وُلِّيَ هذا الأمر من بعدي أنْ سَيريدُه عنه القريبُ والبعيدُ، إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالاً، ولو علمتُ أنَّ أحداً من الناس أقوى عليه مني لكنت أُقدَّمُ فتُضربُ عنقي أَحبُّ إليَّ من أن أَليَه» .
كذا في الكنز.
وصية عمر بن الخطاب لأبي عبيدة بن الجراح ﵄
أخرج ابن جرير عن صالح بن كَيسان قال: كان أولُ كتاب كتبه عمر
стр. 810
حين وُلِّي إلى أبي عبيدة يولِّيه على جند خالد ﵃:
«أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. وقد استعملتك على جُنْد ابن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدِّم المسلمين إلى هَلَكَة رجاءَ غنيمة، ولا تُنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغمِّض بصرك عن الدنيا وإلْهِ قلبك عنها، وإياك أن تهلِكَك كما أهلكتْ من كان قبلك، فقد رأيت مصارعَهم» .
وصية عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص ﵄
أخرج ابن جرير من طريق سيف عن محمد، وطلحة بإسنادهما أن عمر أرسل إلى سعد ﵄ فقد عليه، فأمَّره على حرب العراق وأوصاه فقال:
«يا سعدُ سعد بني وُهَيْب، لا يغرنَّك من الله أن قيل خال رسول الله ﷺ وصاحب رسول الله، فإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكنه يمحو السيء بالحسن، فإنَّ الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفُهم ووضيعهم في ذات الله سواءٌ، الله ربُّهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيتَ النبي ﷺ منذ بعث إلى أن فارقنا، فالزمه فإنَّه الأمر. هذه عظتي إياك إن تركتَها ورغبتَ عنها حَبِط عملك وكنت من الخاسرين» .
ولما أراد أن يسرِّحه دعاه فقال:
следующие страницы →