← История

История · id 8528

حياة الصحابة

محمد يوسف الكاندهلوي

Полный текст (1 779 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فمن تبعك منهم فاحمله، وزوِّده ووافق بينهم، واجعل كل قبيلة على حدَّتها ومنزلها» . كذا في الكنز، وأخرجه ابن عساكر. وصية أبي بكر الصديق لشرحبيل بن حسنة ﵄ أخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمي ﵁ قال: لما عزل أبو بكر خالد بن سعيد أوصى به شرحبيل بن حسنة ﵃ وكان أحد الأمراء قال: أنظر خالد بن سعيد، فاعرف له من الحق عليك مثل ما كنت تحب أن يعرفه لك من الحق عليه لو خرج والياً عليك، وقد عرفتَ مكانه من الإِسلام، وأن رسول الله ﷺ توفي وهو له والٍ، وقد كنتُ ولَّيته، ثم رأيت عزله، وعسى أن يكون ذلك خيراً له في دينه، ما أغبط أحداً بالإِمارة، قد خيَّرته في أمراء الأجناد فاختارك على غيرك وعلى ابن عمه. فإذا نزل بك أمر تحتاج فيه إلى رأي التقيِّ الناصح فليكن أول من تبدأ به، أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذُ بن جبل، ولْيَكُ ثالثاً خالُد بن سعيد، فإنك واجد عندهم نصحاً وخيراً، وإياك واستبداد الرأي عنهم أو تطوي عنهم بعض الخبر» . كذا في الكنز. وصية أبي بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان ﵄ أخرج ابن سعد عن الحارث بن الفضل قال: لما قعد أبو بكر ليزيد بن أبي سفيان ﵄، فقال:

стр. 807

«يا يزيد، إِنك شاب تُذْكر بخير قد رُئِي منك، وذلك لشيء خلوت به في نفسك، وقد أردتُ أن أبلوك وأستخرجك من أهلك، فأنظرُ كيف أنت؟ وكيف ولايتك؟ وأخبُرُك. فإن أحسنتَ زدتُك، وإن أسأتَ عزلتُك، وقد وليتُك عمل خالد بن سعيد» . ثم أصاه بما أوصاه يعلم به في وجهه وقال له: «أوصيك بأبي عبيدة بن الجراح خيراً، فقد عرفتَ مكانه من الإِسلام وأنَّ رسول الله ﷺ قال: «لكلِّ أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» ؛ فاعرف له فضله وسابقته؛ وانظر معاذ بن جبل، فقد عرفت مشاهدة مع رسول الله ﷺ وأن رسول الله ﷺ قال: «يأتي أمام العلماء برتوة» ، فلا تقطع أمراً دونهما وإنهما لن يألوَا بك خيراً. قال يزيد: يا خليفة رسول الله، أوصهما بي كما أوصيتني بهما. قال أبو بكر: لن أدع أن أوصيَهما بك. فقال يزيد: يرحمك الله وجزاك الله عن الإِسلام خيراً. كذا في الكنز. وأخرج أحمد، والحاكم، ومنصور بن شعبة البغدادي في الأربعين - وقال: حسن المتن غريب الإِسناد - عن يزيد بن أبي سفيان ﵁ قال: أبو بكر ﵁ لمَّا بعثني إلى الشام: «يا يزيد، إِنّ لك قرابة عسيتَ تؤثرهم بالإِمارة، وذلك أكبر ما أخاف عليك، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «من وُلِّي من أمور المسلمين شيئاً فأمَّر عليهم أحداً محاباة له بغير حق فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صَرْفاً ولا عَدْلاً حتى يدخله

стр. 808

جهنَّم. ومن أعطى أحداً من مال أيه محاباة له فعليه لعنة الله - أو قال - برئت منه ذمة الله» . إِنَّ الله دعا الناس إِلى أن يؤمنوا بالله فيكونوا حمى الله، فمن انتهك في حمى الله شيئاً بغير حقَ فعليه لعنة الله - أو قال - برئت منه ذمة الله » . قال ابن كثير: ليس هذا الحديث في شيء نالكتب الستة، وكأنهم أعرضوا عنه لجهالة شيخ لقيه، قال: والذي يقع في القلب صحّة هذا الحديث؛ فإنَّ الصدِّيق ﵁ كذلك فعل، ولّى على المسلمين خيرهم بعده. كذا في كنز العمال. وقال الهيثمي: رواه أحمد، وفيه رجل لم يُسمَّ. انتهى. وصايا عمر ﵁ وصية عمر بن الخطاب ﵁ لولي الأمر من بعده أخرج ابن أبي شيبة، وأبو عُبَيد في الأموال، أبو يَعْلى،

стр. 809

والنِّسائي، وابن حِبّان، والبيهقي عن عمر ﵁ أنه قال: «أُوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأوَّلين أن يعلم لهم حقَّهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإِيمان من قبلهم؛ أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنَّهم رِدْء الإِسلام، وجُباة الأموال، وغَيْظ العدو، وأن يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً فإنهم أصل العرب ومادة الإِسلام؛ أن يأخذ من حواشي أموالهم فيرد على فقرائهم. وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلَّفهم إلا طاقتهم» . كذا في المنتخب. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر عن القاسم بن محمد قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «ليَعْلم من وُلِّيَ هذا الأمر من بعدي أنْ سَيريدُه عنه القريبُ والبعيدُ، إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالاً، ولو علمتُ أنَّ أحداً من الناس أقوى عليه مني لكنت أُقدَّمُ فتُضربُ عنقي أَحبُّ إليَّ من أن أَليَه» . كذا في الكنز. وصية عمر بن الخطاب لأبي عبيدة بن الجراح ﵄ أخرج ابن جرير عن صالح بن كَيسان قال: كان أولُ كتاب كتبه عمر

стр. 810

حين وُلِّي إلى أبي عبيدة يولِّيه على جند خالد ﵃: «أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور. وقد استعملتك على جُنْد ابن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدِّم المسلمين إلى هَلَكَة رجاءَ غنيمة، ولا تُنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغمِّض بصرك عن الدنيا وإلْهِ قلبك عنها، وإياك أن تهلِكَك كما أهلكتْ من كان قبلك، فقد رأيت مصارعَهم» . وصية عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص ﵄ أخرج ابن جرير من طريق سيف عن محمد، وطلحة بإسنادهما أن عمر أرسل إلى سعد ﵄ فقد عليه، فأمَّره على حرب العراق وأوصاه فقال: «يا سعدُ سعد بني وُهَيْب، لا يغرنَّك من الله أن قيل خال رسول الله ﷺ وصاحب رسول الله، فإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكنه يمحو السيء بالحسن، فإنَّ الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفُهم ووضيعهم في ذات الله سواءٌ، الله ربُّهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيتَ النبي ﷺ منذ بعث إلى أن فارقنا، فالزمه فإنَّه الأمر. هذه عظتي إياك إن تركتَها ورغبتَ عنها حَبِط عملك وكنت من الخاسرين» . ولما أراد أن يسرِّحه دعاه فقال:

стр. 811

«إن قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي، فإنك تَقْدَم على أمر شديد كريه لا يخلِّص منه إلا الحقُّ، فعوِّد نفسك ومن معك الخير، واستفتح به، وعلم أنَّ لكل عادة عتاداً، فعتاد الخير الصبر، فالصبرَ الصبرَ على ما أصابك أو نابك، يجتمع لك خشية الله، واعلم أنَّ خشية الله تجتمع في أمرين: في طاعته واجتناب معصيته، وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة، وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاءً، منها السر، ومنها العلانية. فأما العلانية فأن يكون حامدُه وذامُّه في الحق سواء، وأما السر فيُعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس، فلا تزهد في التحبُّب فإنّ النبيين قد سألوا محبّتهم، وإِنَّ الله إذا أحب عبداً حبَّبه، وإذا أبغض عبداً بغَّضه؛ فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس ممَّن يشرع معك في أمرك» . وصية عمر بن الخطاب لعتبة بن غزوان ﵄ أخرج ابن جرير عن عبد الملك بن عمير قال: إنَّ عمر قال لعتبة بن غزوان ﵄ إذ وجَّهه إلى البصرة: «يا عتبة، إني قد استعملتك على أرض الهند وهي حَوْمة من حَوْمة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرْفَجَةَ بن هَرْثَمة وهو ذو مجاهدة العدو ومكايدته؛ فإذا قدم عليك فاستشره وقرِّبه، وادعُ إِلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبَى فالجزية عن صَغار وذلَّة، وإلا فالسيف في غير هوادة. واتق الله فيما وُلِّيت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كِبْر يفسد عليك آخرتك، وقد صحبتَ رسول

стр. 812

الله ﷺ فعززتَ به بعد الذلَّة، وقويتَ به بعد الضعف حتى صرت أميراً مُسَلَّطاً، وَمَلِكاً مُطاعاً، تقول فيُسمع منك، فيُطاع أمرُك، فيا لها نعمةٌ إن لم ترفعك فوق قدرك وتُبطرك على من دونك، إحتفظ من النعمة إحتفاظك من المعصية، ولهي أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك. إِنَّ الناس أسرعوا إلى الله حين رُفعت لم الدنيا فأرادوها، فأرِد الله ولا تُرِد الدنيا، واتَّق مصارع الظالمين» . ورواه علي بن محمد المدائني أيضاً مثله كما في البداية. وصية عمر بن الخطاب للعلاء بن الحضرمي ﵄ أخرج بن سعد عن الشَّعْبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى العلاء بن الحضرمي ﵄ وهو بالبحرين أن: «سِرْ إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك عمله، واعلم أنك تقدم على رجل من المهاجرين الأوَّلين الذين قد سبقت لهم ن الله الحسنى؛ لم أعزله ألا يكون عفيفاً صليباً، شديد البأس؛ ولكنني ظننت أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية منه، فاعرف له حقَّه؛ وقد ولَّيت قبلك رجلاً فمات قبل أن يصل، فإني رد الله تعالى أن تلي وُلِّيت، وإن يرد أن يلي عتبة، فالخلق والأمر لله رب العالمين. واعلم أن أمر الله محفوظ بحفظه الذي أنزله، فانظر الذي خلقت له، فاكدَحْ له ودَعْ ما سواه فإنَّ الدنيا أمد، والآخرة أبد، فلا يشغلنَّك شيء مدبر خيره عن شيء باقٍ شره، واهرب إلى الله من سخطه، فإنَّ الله يجمع لمن يشاء الفضيلة في حكمه وعلمه. نسأل الله لنا ولك العون على طاعته والنجاة من عذابه» .

стр. 813

وصية عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ﵄ أخرج الدينوري عن ضبَّة بن مِحْصَن قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄: «أما بعد: فإنَّ للناس نفرة من سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني وإياك، فأقم الحدود ولو ساعة من النهار، وإذا حضر أمران أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله، فإنَّ الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخفِ الفُسَّاق، واجعلهم يداً يداً ورجلا رجلاً، عُدْ مريض المسلمين، واحضر جنائزهم، وافتح بابك، وباشر أمورهم بنفسك، فإنما أنت رجل منهم غير أنَّ الله جعلك أثقلهم حملاً. وقد بلغني أنه نشأ لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك، ومطعمك، ومركبك ليس للمسلمين مثلها. فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرَّت بوادٍ خِصْب فلم يكن لها هم إِلا التسَمُّن، وإنما حَتْفها في السِمَن. واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقَى الناس من شَقِيت به رعيته» . كذا في الكنز. وأخرجه ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في الحِلْية عن سعيد بن أبي بردة مختصراً كما في الكنز. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحَّاك قال كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄:

стр. 814

«أما بعد: فإنَّ القوة في العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال فلا تدرون أيُّها تأخذون فأضعتم؛ فإن خُيِّرتم بين أمرين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة، فاختاروا أمر الآخرة على أمر الدنيا، فإنَّ الدنيا تفنى والآخرة تبقى. كونوا من الله على وَجَل، وتعلَّموا كتاب الله فإنه ينابيع العلوم، وربيع القلوب» . وصية عثمان ذي النورين ﵁ أخرح الفضائلي الرازي عن العلاء بن الفضل عن أمه قال: لما قُتل عثمان ﵁ فتَّشوا خزانته، فوجدوا فيها صندوقاً مقفلاً، ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوب فيها: g «هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم. عثمان بن عفان يشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنَّ الجنة حق، وأنَّ النار حق، وأنَّ الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيي، وعليها يموت وعليها يُبعث إن شاء الله» . وأخرجه أيضاً نظام المُلْك وزاد: ووجدوا في ظهرها مكتوباً: غنى النفس يُغني النفس حتى يُجلَّها وإِن غضَّها حتى يَضُرَّ بها الفقرُ وما عُسرة فاصبر لها إِن لقيتها بكائنة إِلا سيتبعها يُسْرُ ومن لم يقاسِ الدهر لم يعرف الأسَى وفي غَيَر الأيام ما وعد الدهرُ ذكر ما وقع بين علي وعثمان ﵄ يوم الدار وأخرج أبو أحمد عن شدَّاد بن أوس ﵁ قال: لما اشتد الحصار بعثمان ﵁ يوم الدار أشرف على الناس فقال: يا عباد الله،

стр. 815

قال: فرأيت علي بن أبي طالب ﵁ خارجاً من منزله، معتماً بعمامة رسول الله، متقلداً سيفه، أمامه الحسن عبد الله بن عمر ﵃ في نفر من المهاجرين والأنصار حتى حملوا على الناس وفرقوهم. ثم دخلوا على عثمان ﵁ فقال له عليٌّ ﵁: السلام عليك يا أمير المؤمنين، إنَّ رسول الله ﷺ لم يَلْحَق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، وإني - والله - لا أرى القوم إلا قاتليك، فمرنا فلنقاتل. فقال عثمان ﵁: «أنشد الله رجلاً رأى لله حقاً، وأقر أنَّ لي عليه حقاً؛ أن يُهريق في سببي ملء حجمة من دم، أو يهريق دمه فيَّ» . فأعاد عليٌّ ﵁ عليه القول. فأجابه بمثل ما أجابه. قال: فرأيت علياً خارجاً من الباب وهو يقول: اللهمَّ إِنَّك تعلم أنا بذلنا المجهود. ثم دخل المسجد وحضرت الصلاة. فقالوا له: يا أبا الحسن، تقدَّم فصلِّ بالناس. فقال: لا أصلِّي بكم والإِمام محصور، ولكن أصلِّي وحدي، فصلّى وحده وانصرف إلى منزله، فلحقه إبنه وقال: والله يا أبت قد اقتحموا عليه الدار. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هم والله قاتلوه. قالو: أين هو يا أبا الحسن؟ قال: في الجنة - والله - زلفى. قالوا: وأين هم يا أبا الحسن؟ قال: في النار والله - ثلاثاً -. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة. حديث أبي سَلَمة بن عبد الرحمن في ذلك وأخرح أبو أحمد عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن قال: دخل أبو قَتادة ورجل آخر على عثمان ﵃ وهو محصور، فاستأذناه في الحج فأذن لهم. فقالا له: إن غلب هؤلاء القوم مع من نكون؟ قال: عليكم بالجماعة. قال: فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك مع من نكون؟ قال:

стр. 816

فالجماعة حيث كانت، فخرجنا فاستقبلنا الحسن بن علي ﵄ عند باب الدار داخلاً على عثمان ﵁، فرجعنا معه لنسمع ما يقول: فسلَّم على عثمان ثم قال: يا أمير المؤمنين مرني بما شئت، فقال عثمان: «يا ابن أخي، إرجع واجلس حتى يأتي الله بأمره» . فخرج وخرجنا عنه، فاستقبلنا ابن عمر ﵄ داخلاً إلى عثمان ﵁، فرجعنا معه نسمع ما يقول، فسلَّم على عثمان ﵁ ثم قال: يا أمير المؤمنين، صحبتُ رسول الله ﷺ فسمعتُ وأطعتُ، ثم صحبتُ أبا بكر ﵁ فسمعتُ وأطعتُ، ثم صحبتُ عمر ﵁ فسمعتُ وأطعتُ ورأيتُ له حقَّ الوالد وحقَّ الخلافة، وها أنا طوع يديك يا، فمرني بما شئت، فقال عثمان ﵁: «جزاكم الله يا آل عمر خيراً - مرتين - لا حاجة لي في إِراقة الدم. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة. حديث أبي هريرة ﵁ في ذلك وأخرج أبو عمر عن أبي هريرة ﵁ قال: إِني لمحصور مع عثمان ﵁ في الدار. قال: فرُمِيَ رجل منَّا، فقلت: يا أمير المؤمنين الآن طاب الضِّراب، قتلوا منا رجلاً. قال: «عزمتُ عليك يا أبا هريرة إِلا رميتَ سيفك، فإنما تُراد نفسي وسَأقِي المؤمنين بنفسي» . قال أبو هريرة ﵁: فرميت سيفي لا أدري أين هو حتى

стр. 817

الساعة. كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة. وصايا علي بن أبي طالب ﵁ لأمرائه كتابه ﵁ لبعض عماله أخرج الدِينَوَري، وابن عساكر عن معاجر العارمي قال: كتب علي بن أبي طالب ﵁ عهداً لبعض أصحابه على بلد فيه: «أما بعد: فلا تُطوِّلن حجابك على رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شُعْبة عن الضِّيق، وقلّة علم من الأمور، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيُصغَّر عندهم الكبير، ويعظَّم الصغير، ويُقبَّح الحسن، ويحسَّن القبيح، ويُشاب الحق بالباطل؛ وإِنما الولي بعشَرٌ لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على القول سمات يعرف بها صروفُ الصدق من الكذب، فيحصن من الإِدخال في حقوق بلين الحجاب. فإنا أنت أحد رجلين: إِما أمرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق فتقيم إحتجابك من حق تعطيه أو خلق كريم تسْديه، وإِما مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عنك وعن مسائلتك إذا يئسوا عن ذلك؛ مع أن أكثر حاجات الناس إليك لا مؤنة

стр. 818

فيه عليك من مشكاة مظلمة أو طلب إنصاف. فانتفع بما وصفت، واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله» . كذا في منتخب الكنز. كتابه أيضاً ﵁ لبعض عماله وأخرج الدينوري، وابن عساكر عن المدائني قال: كتب علي بن أبي طالب ﵁ إلى بعض عماله: «رويداً، فكأن قد بلغت المدى، وعُرضتْ عليك أعمالك بالمحلِّ الذي ينادي المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيِّع التوبة، والظالم الرجعة» . كذا في منتخب الكنز. وصيته ﵁ لعامل عكبرا وأخرج ابن زنجويه عن رجل من ثقيف قال: إستعملني علي بن أبي طالب ﵁ على عُكْبَرا، فقال لي وأهل الأرض عندي: «إنَّ أهل السواد قوم خُدَّع فلا يخدعنَّك، فاستوفِ ما عليهم» . ثم قال لي: رُحْ إليّ. فلما رجعت إليه قال لي: «إنما قلت لك الذي قلت وسمعهم، لا تضربنَّ رجلاً منهم بسَوْط في طلب درهم، ولا تُقِمْه قائماً، ولا تأخذنَّ منهم شاة ولا بقرة، إنما أُمرنا أن نأخذ منهم العفْوَ، أتدري ما العفو؟ الطاقة» . كذا في الكنز.

стр. 819

وأخرجه البيهقي أيضاً، وفي حديثه: ولا تبيعنَّ لهم رزقاً ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعتملون عليها، ولا تُقِم رجلاً قائماً في طلب درهم. قال: قتل: يا، إذاً أرجع إليك كما ذهبت من عندك؟ قال: وإن رجعت كما ذهبت، ويحك إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو - يعني الفَضْل -. نصيحة الرعية الإِمام نصيحة سعيد بن عامر لأمير المؤمنين عمر أخرج ابن سعد، وابن عساكر عن مكحول أنَّ سعيد بن عامر بن جِذْيم الجُمحي من أصحاب النبي ﷺ قال لعمر بن الخطاب ﵁: إِني أريد أن أوصيك يا عمر، قال: أجل فأوصني، قال: «أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشَ الناس في الله، ولا يختلف قولك وفعلك، فإن خير القول ما صدَّقه الفعل، لا تقض في أمر واحد بقضاءين فيختلف عليك أمرك وتزيغ عن الحق، وخُذْ بالأمر ذي الحجة تأخذ بالفَلْج، ويعينك الله ويصلح رعيتك على يديك، وأقم وجهك وقضاءك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحبّ لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخُضْ الغمراتِ إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم» . فقال عمر: من يستطيع ذلك؟ فقال سعيد: مثلك، من ولاه الله أمر أمة محمد ﷺ ثم لم يحل بينه وبين الله أحد. كذا في منتخب الكنز.

стр. 820

حديث عبد الله بن بريدة في هذا الأمر وأخرج ابن راهَوَيْه، والحارث، ومسدَّد، وأبو يعلى - وصحّح - عن عبد الله بن بريدة أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس لقدوم الوفد فقال لازنة بن أرقم: أنظر أصحاب محمد ﷺ فأذن لهم أول الناس، ثم القَرَن الذين يلونهم. فدخلوا فصُفُّوا قدَّامه فنظر، فإذا رجل ضخم عليه مُقَطَّعة برود، فأومأ إِليه عمر ﵁ فأتاه. فقال عمر: إيهِ - ثلاث مرات - فقال الرجل: إِيهِ - ثلاث مرات - فقال عمر: أفّ، قُمّ، فقام فنظر فإذا الأشعري - رجل أبيض، خفيف الجسم، قصير ثَبْط - فأومأ إليه فأتاه فقال عمر؛ إِيه، فقال الأشعري: إِيهِ، قال عمر: إِيهِ، فقال: يا أمير المؤمنين إفتح حديثاً فنحدثك. فقال عمر: أفّ، قم، فإنه لن ينفعك راعي ضأن. فنظر فإذا رجل أبيض، خفيف الجسم، فأومأ إليه فأتاه، فقال عمر: إِيهِ، فوثب فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ بالله ثم قال: «إنكَ وَلِيت أمر هذه الأمة، فاتَّق الله فيما وَلِيت من أمر هذه الأمة وأهل رعيتك في نفسك خاصّة، فإنك محاسب ومسؤول، وإِنما أنت أمين، وعليك أن تؤدِّي ما عليك من الأمانة فتعطى أجرك على قدر عملك» . فقال: ما صدقني رجل منذ استخلفت غيرك. من أنت؟ قال: أنا ربيع

стр. 821

بن زياد. فقال: أخو المهاجر بن زياد؟ قال: نعم. فجهَّز عمر جيشاً واستعمل عليه الأشعري، ثم قال: أنظر ربيع بن زياد فإن يَكُ صادقاً فيما قال فإنَّ عنده عوناً على هذا الأمر فاستعمله، ثم لا يأتين عليكم عَشَرَة إلا تعاهدت منه عمله، وكتبت إِليّ بسيرته في عمله حتى كأني أنا الذي استعملته، ثم قال عمر: عهد إلينا نبينا ﷺ فقال: «إِنَّ أخوف ما أخشى عليكم بعدي منافق عليم اللسان» . كذا في كنز العمال. كتاب أبي عبيدة ومعاذ إلى عمر وكتابه إليهما وأخرح أبو نعيم في الحلية عن محمد بن سُوقة قال: أتيت نُعيم بن أبي هند فأخرج إليّ صحيفة فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل إِلى عمر بن الخطاب: سلام عليك، أما بعد: فإن عهدناك وأمر نفسك لك مهمٌّ، فأصبحت قد وُليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، العدو والصديق، ولكل حصتُه من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر. فإنا نحذِّرك يوماً تَعْنا فيه الوجوه، وتجفّ فيه القلب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك قهرهم بجبروته؛ فالخلق داخرون له، يرجون رحمته، ويخافون عقابه. وإِنّا نُحدَّث أنَّ أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إِلى أن يكونوا إِخوان العلانية، أعداء السريرة؛ وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا إِليك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، فإنما كتبنا به نصيحة لك، والسلام عليك» .

стр. 822

فكتب إِليهما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «من عمر بن الخطاب إِلى أبي عبيدة، ومعاذ، سلام عليكما. أما بعد: أتاني كتابما، تَذْكران أنكما عهدتماني وأمر نفسي لي مهم، فأصبحت قد وُلِّيت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديَّ الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل؛ كتبتما: فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر. وإنَّه لا حول ولا قوة لعمر عند ذلك إلا بالله . وكتبتما تحذِّراني ما حُذِّرت منه الأمم قبلنا، وقديماً كان إختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقرِّبان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار. كتبتما تحذراني: أنَّ أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إِخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذاك، وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة الناس بعضهم إلى بعض لصلاح دنياهم. كتبتما تعوذاني بالله أن أُنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما؛ وإنكما كتبتما به نصيحة لي وقد صدَقتُما، فلا تَدَعا الكتاب إِليَّ فإنه لا غنى بي عنكما، والسلام عليكما» . وصية أبي عبيدة بن الجراح ﵁ وصيته ﵁ للمسلمين عند وفاته بالأردن

стр. 823

عن سعيد بن المسيِّب قال: لما طُعِن أبو عبيدة ﵁ بالأردن دعا من حضره من المسلمين وقال: «إنِّي موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدَّقوا، وحجُّوا، واعتمروا، وتواصَوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تَغَشوهم؛ ولا تلهكمم الدنيا، فإنَّ أمرأ لو عُمِّر ألف حول ما كان له بدٌّ من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله تعالى كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، فأكْيَسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده. والسلام عليكم ورحمة الله. يا معاذ بن جبل صلِّ بالناس» . ومات ﵀. فقام معاذ ﵁ في الناس فقال: «أيها الناس، توبوا إلى الله من ذنموبكم، فأيُّما عبدٍ يلقى الله تعالى تائباً من ذنبه إلا كان على الله حقاً أن يغفر له. من كان عليه دَيْن فليقضِه، فإنَّ العبد مُرْتَهنٌ بدَيْنه. ومن أصبح منكم مهاجراً أخاه فليلقه فليصالحه، ولا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام. أيها المسلمون، قد فُجعتم برجل ما أزعم أني رأيت بعداً أبرَّ صدراً لا أبعد من الغائلة ولا أشد حباً للعامة ولا أنصح منه. فترحَّموا عليه. واحضروا الصلاة عليه» . كذا في الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري. سيرة الخلفاء والأمراء سيرة أبي بكر الصدّيق ﵁ سيرته ﵁ قبل تولِّي الخلافة وبعدها أخرج ابن سعد عن ابن عمر، وعائشة، وابن المسيِّب وغيرهم ﵃ دخل

стр. 824

حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: بويع أبو بكر الصديق ﵁ يوم قُبض رسول الله ﷺ يوم الإِثنين لاثنتي عشرة ليلة خلَت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله ﷺ وكان منزله بالسُّنْح عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجَّر عليه حُجْرة من شعر، فما زاد على ذلك حتى تحوَّل إلى منزله بالمدينة، فأقام هناك بالسُّنْح بعدما بويع له ستة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له وعليه إزار، ورداء مُمَشَّق، فيوافي المدينة فيصلِّي الصلوات بالناس، فإذا صلَّى العشاء رجع إلى أهله بالسُّنْح، فكان إذا حضر صلَّى بالناس، وإذا لم يحضر صلَّى عمر بن الخطاب ﵁. وكان يقوم يوم الجمعة في صدر النهار بالسُّنْح يصبغ رأسه ولحيته، ثم يروح لَقَدر الجمعة فيُجَمِّع بالناس. وكان رجلاً تاجراً فكان يغدو كل يوم السوق فيبيع ويبتاع. وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج هو نفسه فيها، وربما كُفِيَها فرُعِيت له. وكان يحلب للحيّ أغنامهم، فلما بُويع له بالخلافة قالت جارية من الحيّ: الآن لا تُحلب لنا مَنائح دارنا، فسمعها أبو بكر ﵁ فقال: بلى لعمري لأحلُبَنَّها لكم، وإنِّي لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلِق كنت عليه، فكان يحلب لهم فربما قال للجارية من الحي: يا جارية أتحبين أن أرغي لكل أو أُصَرِّح، فربما قالت: صرِّح، فأي ذلك قالت فعل. فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها ونظر في

стр. 825

أمره، فقال: لا والله ما يُصلح أمر الناس التجارة، وما يصلح لهم إلا التفرغ، والنظر في شأنهم، وما بُدٌّ لعيالي ممّا يصلحهم، فترك التجارة، واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم، ويحج، ويعتمر، وكان الذي فرضوا له كل سنة ستة آلاف درهم. فلما حضرته الوفاة قال: ردّوا ما عندنا من مال المسلمين فإنِّي لا أُصيب من هذا المال شيئاً، وإِن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم. فدُفع ذلك إلى عمر ولَقوح، وعبد صَيْقَل، وقطيفة ما يساوي خمسة دراهم. فقال عمر ﵁: لقد أتعب مَنْ بعده. قالوا: واستعمل أبو بكر ﵁ على الحج سنة إحدى عشرة عمر بن الخطاب ﵁، ثم اعتمر أبو بكر ﵁ في رجب سنة إثنتي عشرة، فدخل مكة ضَحْوة، فأتى منزله وأبو قحافة ﵁ جالس على باب داره، معه فتيان أحداث يحدّثهم إلى أن قيل له: هذا إبنك، فنهض قائماً وعَجِل أبو بكر ﵁ أن ينيخ راحلته فنزل عنه وهي قائمة، فجعل يقول: يا أبتِ لا تقم، ثم لاقاه فالتزمه وقبَّل بين عيني أبي قحافة، وجعل الشيخ يبكي فرحاً بقدومه. وجاء إلى مكة عتَّاب بن أسِيد، وسهيل بن عمرو، وعِكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام ﵃ فسلَّموا عليه: سلام عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعاً، فجعل أبو بكر ﵁ يبكي حين يذكرون رسول الله ﷺ ثم سلَّموا على أبي قحافة. فقال أبو قحافة: يا عتيق، هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم، فقال أبو بكر: يا أبت لا حول ولا قوة إلا بالله، طُوِّقت عظيماً من الأمر لا قوة لي به ولا يدان إلا بالله. ثم خل فاغتسل وخرج وتبعه أصحابه فنحَّاهم، ثم قال: أمشوا على

стр. 826

رِسْلكم، ولقيه الناس يتمشّون في وجهه ويُعزُّونه بنبي الله ﷺ وهو يبكي، حتى انتهى إلى البيت، فاضطبع بردائه، ثم استلم الركن ثم طاف سبعاً، وركع ركعتين ثم انصرف إلى منزله. فلما كان الظهر خرج فطاف أيضاً بالبيت ثم جلس قريباً من دار النَّدْوة فقال: هل من أحد يتشكَّى من ظُلامة أو يطلب حقاً؟ فما أتاه أحد، وأثنى الناس على واليهم خيراً، ثم صلَّى العصر وجلس فودَّعه الناس ثم خرج راجعاً إلى المدينة. فلما كان وقت الحج سنة إثنتي عشرة حجَّ أبو بكر ﵁ بالناس تلك السنة، وأفرد الحج، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁. قال ابن كثير: هذا سياق حسن، وله شواهد من وجوه أخر، ومثل هذا تقبله النفوس وتلقَّاه بالقبول. قصة عمير بن سعد الأنصاري ﵁ سيرته لما بعثه عمر ﵄ عاملاً على حمص وقول عمر فيه أخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن عمير بن سعد الأنصاري ﵁ قال: بعثه عمر بن الخطاب ﵁ عاملاً على حمص، فمكث حولاً لا يأتيه خبره. فقال عمر لكاتبه: أكتب إلى عمير، فوالله ما أراه إِلا قد خاننا. «إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا» . فأخذ عمي ﵁ جرابه، فجعل فيه زاده وقصعته، وعلَّق إداوته، وأخذ عَنَزَته، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة. قال:

стр. 827

فقدم وقد شحب لونه واغبرَّ وجهه وطالت شَعْرته. فدخل على عمر ﵁ وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال عمر: ما شأنك؟ فقال عمير: ما ترى من شأني؟ ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرُّها بقَرنها. قال: وما معك؟ فظن عمر ﵁ أنه قد جاء بال. فقال: معي جرابي أجعل فيه زادي، وقَصْعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي، وإداوتي أحمل فيها وَضوئي وشرابي، وعَنَزَتي أتوكأ عليها وأُجاهد به عدواً إن عرض؛ فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي. قال عمر: فجئت تمشي؟ قال: نعم. قال: أما كان لك أحد يتبرع لك بدابة تركبها؟ قال: ما فعلوا وما سألتهم ذلك. فقال عمر ﵁: بئس المسلمون خرجت من عندهم. فقال له عمير ﵁: إتَّق الله يا عمر، قد نهاك الله عن الغيبة، وقد رأيتُهم يصلّون صلاة الغداة. قال عمر: فأين بعثتك؟ - وفي رواية الطبراني: فأين ما بعثتك به؟ - وأي شيء صنعت؟ قال: وما سؤالك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: سبحان الله فقال عمير: أما لولا أنِّي أخشى أن أغمَّك ما أخبرتك، بعثتني حتى أتيت البلد، فجمعت صُلَحاء أهلها فوليتهم جباية فيْئِهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه ولو نالك منه شيء لأتيتك به. قال: فما جئتنا بشيء؟ قال: لا. قال: جدِّدوا لعمير عهداً. قال: إنَّ ذلك لشيء لا عملت لك ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني - أي أخزاك الله - فهذا ما عرضتني له يا عمر وإن أشقَى أيامي يوم خُلِّفت معك يا عمر؛ فاستأذنه فأذن له فرجع إلى منزله، قال: وبينه وبين المدينة أميال. فقال عمر ﵁ حين انصرف عمير: ما أراه إلا قد خاننا، فبعث رجلاً يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار، فقال له: إنطلق إلى عمير حتى

стр. 828

تنزل به كأنك ضيف، فإن رأيت أثر شيء فأقبل، وإِن رأيت حالة شديدة فادفع إليه هذه المائة الدينار.e فانطلق الحارث فإذا هو بعُمير جالس يَفلي قميصه إلى جانب الحائط. فسلَّم عليه الرجل، فقال له عُمَير: أنزل - رحمك الله - فنزل. ثم سأله فقال: من أين جئت؟ قال: من المدينة. قال: فكيف تركت أمير المؤمنين؟ قال: صالحاً. قال: فكيف تركت المسلمين؟ قال: صالحين. قال: أليس يقيم الحدود؟ قال: بلى، ضرب إبناً له أتى فاحشة، فمات من ضربه. فقال عمير: اللهمَّ أعِن عمر، فإني لا أعلمه إلا شديداً حبه لك. قال: فنزل به ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصُّونه بها ويطوون حتى أتاهم الجهد. فقال له عمير: إنك قد أجعتنا فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل. قال: فأخرج الدنانير فدفعها إليه فقال: بعث بها إليك أمير المؤمنين فاستعن بها. قال: فصاح، وقال: لا حاجة لي فيها ردَّها. فقالت له إمرأته: إن احتجت إِليها وإلا فضعها مواضعها. فقال عمير: والله ما لي شيء أجعلها فيه، فشقَّت إمرأته أسفل درعها فأعطته خِرقة فجعلها فيها. ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء، ثم رجع والرسول يظن أنه يعطيه منها شيئاً. فقال له عمير: إقرأ مني أمير المؤمنين السلام. فرجع الحارث إلى عمر، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنين حالاً شديداً. قال: فما صنع بالدنانير؟ قال: لا أدري. قال: فكتب إليه عمر إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل. فأقبل إلى عمر فدخل عليه فقال له عمر: ما صنعت بالدنانير؟ قال: صنعت ما صنعت وما سؤالك عنها؟ قال: أنشد عليك لتخبرنِّي ما صنعت بها؟ قال: قدَّمتها لنفسي. قال: رحمك الله، فأمر له بوَسْق من طعام وثوبين. فقال: أما الطعام فلا حاجة لي فيه قد تركت في المنزل صَاعَين من شعير إلى أن آكل ذلك قد جاء الله تعالى بالرزق، ولم يأخذ

стр. 829

الطعام. وأما الثوبان فقال: إنَّ أُم فلان عارية، فأخذهما ورجع إلى منزله فلم يلبث أن هلك، ﵀. فبلغ عمر ذلك فشقَّ عليه وترحَّم عليه، فخرج يمشي ومعه المشاؤون إلى بقيع الغرقد، فقال لأصحابه: لِيَتَمنَّ كل رجل منكم أمنية. فقال رجل: وددت يا أمير المؤمنين أنَّ عندي مالاً فأعتق لوجه الله كذا وكذا. وقال آخر: وددت يا أمير المؤمنين أنَّ عندي مالاً فأنفق في سبيل الله، وقال آخر: وددت لو أنَّ لي قوة فأمتح بدلو زمزم لحجّاج بيت الله. فقال عمر: وددت أنَّ لي رجلاً مثل عمير بن سعد أستعين به في أعمال المسلمين. وأخرجه الطبراني أيضاً مثله عن عمير بن سعد. قال الهيثمي: وفيه عبد الملك بن إبراهيم بن عنترة وهو متروك. انتهى. هكذا وقع عند الهيثمي، والذي يظهر أن الصواب عبد الملك بن هارون بن عنترة كما في كتب أسماء الرجال، وقد أخرج ابن عساكر من طريق محمد بن مزاحم بطوله بمعناه مع زيادات، كما في الكنز. قصة سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي ﵁ سيرته ﵁ وهو عالم بحمص أخرج أبو نعيم في الحلية عن خالد بن معدان قال: إستعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي ﵁. فلما قدم عمر بن الخطاب حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم

стр. 830

عاملكم؟ فشكوه إليه - وكان يقال لأهل حمص الكُوَيفة الصغرى لشكايتهم العمال - قالوا: نشكوا أربعاً: لا يخرج إِلينا حتى يتعالَى النهار. قال: أعْظِم بها. قال: وماذا قالوا: لا يجيب أحداً بليل. قال: وعظيمة. قال: وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. قال: عظيمة. قال: وماذا؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام - يعني تأخذه مُوتَة -. قال: فجمع عمر ﵁ بينهم وبينه وقال: اللهمّ لا تفل رأيي فيه اليوم، ما تشْكون منه؟ قالوا: لا يخرج إِلينا حتى يتعالى النهار. قال: والله إن كنت لأكره ذكره؛ ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم. فقال: ما تشْكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل. قال ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره؛ إنِّي جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله . قال: وما تشكون؟ قالوا: إنَّ له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه. قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبلها. قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام. قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خُبَيب الأنصاري ﵁ بمكة، وقد بضَّعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذعة فقالوا؛ أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: والله ما أحب أنِّي في أهلي وولدي وأن محمداً ﷺ شِيك بشوكة، ثم نادى: يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم، وتَرْكي نُصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم؛ إلا ظننت أن الله لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً. قال: فتصيبني تلك الغنظة. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفل فراستي.

стр. 831

فبعث إليه بألف دينار وقال: إستعن بها على أمرك، فقالت إمرأته: الحمد لله الذي أعنانا عن خدمتك، فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ ندفعها إِلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها، قالت: نعم. فدعا رجلاً من أهل بيته يثق به فصرَّرها صرراً، ثم قال: إنطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإِلى يتيم آل فلان، وإِلى مسكين آل فلان، وإِلى مُبتَلى آل فلان. فبقيت منها ذُهيبة. فقال: أنفقي هذه، ثم عاد إلى عمله. فقالت: ألا تشتري لنا خادماً؟ ما فعل ذلك المال. قال: سيأتيك أحوج ما تكونين. قصة أبي هريرة ﵁ أخرج أبو نعيم في الحلية عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أن أبا هريرة ﵁ أقبل في السوق يحمل حزمة حطب - وهو يومئذٍ خليفة لمروان - فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك، فقلت له: يكفي هذا، فقال: أوسع الطريق للأمير، والحزمة عليه.

стр. 832

الباب الثامن باب إنفاق الصحابة في سبيل الله كيف كان النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ينفقون الأموال وما أعطاهم الله ﵎ في سبيل الله ومواقع رضاء الله، وكيف كان ذلك أحبَّ إليهم من الإِنفاق على أنفسهم، وكيف كانوا يُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

стр. 833

باب إنفاق الصحابة في سبيل الله ترغيب النبي ﵇ وأصحابه ورغبتهم في الإِنفاق ترغيب النبي ﷺ على الإِنفاق حديث جرير ﵁ في هذا الأمر أخرج مسلم والنسائي وغيرهما عن جرير ﵁ قال: كنا في صَدْر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عُراة حُفاة مُجْتابي النَّمار - أو العباء - متقلِّدي السيوف، عامتهم من مُضَر بل كلُّهم من مُضَر؛ فتَمَعَّر وجه رسول الله ﷺ لِمَا رأى ما بهم من الفاقة. فدخل ثم خرج فأمر بلالاً ﵁ فأذَّن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ﴾ - إلى آخر الآية -: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (النساء: ١) ،

стр. 834

والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: ١٨) . تَصَدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره حتى قال: ولو بِشِقِّ تمره. قال فجاء رجل من الأنصار بصرَّة كادت كفه تعجِز عنها بل عجزت. قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومَين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مَذْهَبة. فقال رسول الله ﷺ «من سنَّ في الإِسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل به من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإِسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» . كذا في الترغيب. وقد تقدّم حديث حثِّه ﷺ على الإِنفاق في سبيل الله. حديث جابر ﵁ في هذا الأمر وأخرج الحاكم - وصحّحه - عن جابر ﵁ قال: أتى رسولُ الله ﷺ بني عمرو بن عوف يوم الأربعاء، فذكر الحديث إلى أن قال: «يا معشر الأنصار» ، قالوا: لبيك يا رسول الله، فقال: «كنتم في الجاهلية إذ لا تعبدون الله تحملون الكَلّ، وتفعلون في أموالكم المعروف، وتفعلون إلى ابن السبيل، حتى إذا منَّ الله عليكم بالإِسلام وبنبيّه إذا أنتم تُحصِّنون أموالكم؟ فيما يأكل ابن آدم آجر، وفيما يأكل السبع والطير أجر» . قال: فرجع القوم فما

стр. 835

منهم أحد إلا هدم من حديقته ثلاثين باباً. كذا في الترغيب. خطبة النبي ﵇ في فضيلة السخاء ومذمة اللؤم وأخرج ابن عساكر عن أنس ﵁ قال: أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «يا أيها الناس، إنَّ الله قد اختار لكم الإِسلام ديناً، فأحسنوا صحبة الإِسلام بالسَّخاء وحسن الخلق. ألا إِن السخاء شجرة من الجنة وأغصانها من الدنيا، فمن كان منكم سخياً لا يزال متعلَّقاً بغصن منها حتى يورده الله الجنة. ألا إن اللؤم شجرة في النار وأغصانها في الدنيا، فمن كان منكم لئيماً لا يزال متعلقاً بغصن منها حتى يورده الله في النار. قال مرتين: السخاء في الله، السخاء في الله» كذا في كنز العمال. رغبة النبي ﷺ وأصحابه في الإِنفاق حديث عمر ﵁ في هذا الأمر أخرج الترمذي عن عمر ﵁ أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه، فقال: «ما عندي ما أعطيك، ولك ابتَعْ عليَّ شيئاً فإذا جاءني شيء قضيته» . فقال عمر ﵁: يا رسول الله، قد أعطيته فما كلَّفك الله ما لا تقدر عليه. فكره النبي ﷺ قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً. فتبسَّم رسول الله ﷺ وعرف التبسم في وجهه لقول الأنصاري، وقال: «بهذا أمرت» . كذا في البداية. وأخرجه أيضاً

стр. 836

البزّار، وابن جرير، والخرائطي في مكارم الأخلاق، وسعيد بن منصور كما في الكنز. قال الهيثمي: رواه البزّار، وفيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني وقد ضعَّفه الجمهور ووثَّقه ابن حِبّان وقال يخطىء. حديث جابر ﵁ في هذا الأمر وأخرج ابن جرير عن جابر ﵁ أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ فسأله فأعطاه، ثم أتاه آخر فسأله فوعده؛ فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، سُئلت فأعطيت، ثم سُئلت فأعطيت، ثم سُئلت فوعدت، ثم سئلت فوعدت، فكأنَّ رسول الله ﷺ كرهها؛ فقام عبد الله بن حُذافة السَّهْمي ﵁ فقال: أنفق يا رسول الله، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً، فقال: «بذلك أُمرت» . كذا في الكنز. حديث ابن مسعود ﵁ في أمره ﵇ بلالاً بالإِنفاق وأخرج البزّار بإسناد حسن والطبراني عن ابن مسعود ﵁ قال: دخل النبي ﷺ على بلال ﵁ وعنده صُبَر من تمر فقال: «ما هذا يا بلال؟» قال: أعدُّ ذلك لأضيافك. قال: «أما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم، أنفق يا بلال ولا تخشَ من ذي العرش إقلالاً» . وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن عبد الله ونحوه، ورواه أبو يَعْلى والطبراني عن أبي

стр. 837

هريرة ﵁ بنحوه بإسناد حسن، كذا في الترغيب. حديث أنس ﵁ فيما كان بين النبي ﵇ وخادمه وأخرج أبو يَعْلى عن أنس بن مالك ﵁ قال: أُهديت للنبي ﷺ ثلاث طوائر، فأطعم خادمه طائراً. فلما كان من الغد أتته بها فقال رسول الله ﷺ «ألم أنهك أن ترفعي شيئاً لغدٍ فإنَّ الله تعالى يأتي برزق كل غد» . قال الهيثمي: ورجاله ثقات. حديث علي ﵁ فيما جرى بين عمر والناس في فَضْل مال وأخرج أحمد عن أبي البَخْتري عن علي ﵁ قال: قال عمر ﵁ للناس؛ فَضَل عندنا من هذا المال، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، قد شغلناك عن أهلك وضيعتك وتجارتك فهو لك، فقال لي: ما تقول أنت؟ قلت: قد أشاروا عليك. فقال: قل. قلت لِمَ تجعل يقينك ظناً؟ فقال: لتخرجنَّ مما قلت. فقلت: أجل - والله - لأخرجنَّ منه، أتذكر حين بعثك نبي الله ﷺ ساعياً، فأتيت العباس بن عبد المطلب، فمنعك صدقته، فكان بينكما شيء فقلت لي: إنطلق معي إلى النبي ﷺ فلنخبره بالذي صنع. فانطلقنا إلى النبي ﷺ فوجدناه خاثراً، فرجعنا ثم غدونا عليه

стр. 838

الغد، فوجدناه طيِّب النفس فأخبرته بالذي صنع العباس. فقال لك: «أما علمت أنَّ عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه» ، وذكرنا له الذي رأيناه من خثور في اليوم الأول، والذي رأيناه من طيب نفسه في اليوم الثاني فقال: «إنكما أتيتما في اليوم الأول وقد وجهتهما فذلك الذي رأيتما من طيب نفسي» . فقال عمر ﵁: صدقت. أما - والله - لأشكرنَّ لك الأولى والآخرة. وأخرجه أيضاً أبو يعلى، والدَّروْرَقي، والبيهقي، وأبو داود، وفيه إرسال بين أبي البختري وعلي. كذا في الكنز. وأخرجه أبو نُعَيم في الحلية عن أبي البختري قال: قال عمر - فذكر بمعناه. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وكذلك أبو يَعْلى والبزّار إلا أن أبا البختري لم يسمع من علي ولا عمر فهو مرسل صحيح. انتهى. قصة قسْم المال بين المسلمين وما وقع بين عمر وعلي فيه وأخرج البزّار عن طحلة بن عبيد الله ﵁ قال: أُتي عمر

стр. 839

رضي الله عنه بمال فقسمه بين المسلمين، ففضلت منه فَضْلة فاستشر فيها فقالوا: لو تركته لنائبة إن كانت. قال: - وعلي ﵁ ساكت لا يتكلم فقال: مالك يا أبا الحسن لا تتكلم؟ قال: قد أخبر القوم، فقال عمر ﵁: لتكلمنِّي، فقال: إنَّ الله قد فرغ من قسمة هذا المال، وذكر مال البحرين حين جاء إلى النبي ﷺ وحال بينه وبين أن يقسمه الليل، فصلَّى الصلوات في المسجد، فلقد رأيت ذلك في وجه رسول الله ﷺ حتى فرغ منه. فقال: لا جَرَم لتقسمنَّه، فقسمه عليٌّ فأصابني منه ثمانُ مائة درهم. قال الهيثمي: وفيه الحجاج بن أرْطاة وهو مدلِّس. حديث أم سلمة ﵂ معه ﵇ في إنفاق المال وأخرج أحمد وأبو يعلى عن أم سَلَمة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وهو ساهم الوجه، فخشيت ذلك من وجع فقلت: يا رسول الله ما لك ساهم الوجه؟ فقال: «من أجل الدنانير السبعة التي أُتينا بها أمس؛ أمسينا وهي في خُصم الفراش» وفي رواية: أتتنا ولم ننفقها» ، قال الهيثمي: رجالهما رجال الصحيح. حديث سهل بن سعد ﵁ في ذلك وأخرج الطبراني في الكبير - ورواته ثقات محتج بهم في الصحيح - عن

стр. 840

سهل بن سعد ﵁ قال: كانت عند رسول الله ﷺ سبعة دنانير وضعها عند عائشة ﵂. فلما كان عند مرضه قال: «يا عائشة إبعثي بالذهب إلى عليَ» ، ثم أُغميَ عليه وشَغَل عائشة ما به حتى قال ذلك مراراً، كل ذلك يُغمى على رسول الله ﷺ ويشغل عائشة ﵂ ما به، فبعث إلى عليَ فتصدَّق بها. وأمسى رسول الله ﷺ في حديد الموت ليلة الإِثنين، فأرسلت عائشة ﵂ بمصباح لها إلى إمرأة من نسائها، فقالت: أهدي لنا في مصباحنا من عُكَّتك السَّمْنَ فإن رسول الله ﷺ أمسى في حديد الموت. ورواه ابن حِبَّان في صحيحه من حديث عائشة بمعناه. كذا في الترغيب. عند أحمد عن عائشة ﵂ قالت: أمرني رسول الله ﷺ أن أتصدَّق بذهب كان عندنا في مرضه. قالت: فأفاق فقال: «ما فعلتِ؟» قلت: (لقد) شغلني ما رأيت منك. قال: «فهلميها» . قال: فجاءت بها إِليه سبعة أو تسعة دنانير - أبو حازم يشكُّ - فقال حين جاءت بها: «ما ظَنُّ محمد (أن) لو لقي الله وهذه عنده؟ وما تبقي هذه من محمد لو لقي الله وهذه عنده؟» . قال الهيثمي: رواه أحمد بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي من حديث عائشة بنحوه.

стр. 841

حديث عبيد الله بن عباس في إنفاق المال وأخرج البزار عن عبيد الله بن عباس ﵄ قال: قال لي أبو ذر ﵁: يا ابن أخي، كنتُ مع رسول الله ﷺ آخذاً بيده فقال لي: «يا أبا ذر، ما أحبُّ أنَّ لي أُحُداً ذهبً وفضة أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت أدعُ منه قيراطاً» . قلت: يا رسول الله قنطاراً؟ قال: «يا أبا ذر أذهبُ إلى الأقل وتذهب إلى الأكثر، أريد الآخرة وتريد الدنيا، قيراطاً» فأعادها عليّ ثلاث مرات. وأخرجه الطبراني بنحوه. قال الهيثمي: وإسناد البزار حسن. حديث أبي ذر وما وقع بينه وبين كعب عند عثمان ﵃ وأخرج أحد عن أبي ذر ﵁ أنه جاء إلى عثمان بن عفان ﵁ فأذن له بيده عصا. فقال عثمان: يا كعب، إن عبد الرحمن مات وترك مالاً فما ترى فيه؟ فقال: إن كان قضَى فيه حقَّ الله فلا بأس عليه؛ فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعباً وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أحبُّ لو أن هذا الجبل لي ذهباً أنفقه ويُتقبَّلُ مني؛ أذَرُ منه خلفي ستَّ أواقٍ» ، أنشدك الله يا عثمان، سمعته ثلاث مرات؟ قال: نعم. قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه ابن لَهِيعة وقد ضعَّفه غير واحد، ورواه أبو يعلى. اهـ. وأخرجه البيهقي عن غزوان بن أبي حاتم مطوّلاً، كما في الكنز وفيه: فقال عثمان لكعب: يا أبا إسحاق، أرأيت المال إذا أُدِّيَ زكاتُه هل يُخشى على صاحبه فيه تبعة؟ قال:

стр. 842

لا، فقام أبو ذر ﵁ معه عصا فضرب بها بين أذني كعب، ثم قال: يا ابن اليهودية أنت تزعم أنه ليس حق في ماله إذا أدَّى الزكاة والله تعالى يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩) ، والله تعالى يقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (الإنسان: ٨) ، الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ فِى أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٤، ٢٥) ، فجعل يذكر نحو هذا من القرآن. حديث عمر وقوله في سَبْق الصدِّيق في الإِنفاق وأَخرج أبو داود، والترمذي - وقال: حسن صحيح - والدارمي، والحاكم، والبيهقي، وأبو نُعَيم في الحِلْية، وغيرهم عن عمر ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ يوماً أن نتصدق، ووافق ذلك مالاً عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر ﵁ إن سبقته يوماً. فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ «ما أبقيت لأهلك» قلت: أبقيت لهم. قال: «ما أبقيت لهم؟» قال: «أبقيت له الله ورسولَه. قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً. كذا في منتخب الكنز.

стр. 843

قصة عثمان مع رجل في هذا الأمر وأخرج البيهقي في شُعَب الإِيمان عن الحسن قال: قال رجل لعثمان ﵁: ذهبتم يا أصحاب الأموال بالخير تتصدّقون، وتعتِقون، وتحجُّون، وتنفقون. فقال عثمان: وإِنكم لتغبطوننا. قال: إنا لنغبطُكم قال: فوالله لدرهم ينفقه أحد من جَهْد خير من عشرة آلاف غيض من فيض. كذا في الكنز. قصة سائل مع علي ﵁ وأخرج العسكري عن عبيد الله بن محمد بن عائشة قال: وقف سائل على أمير المؤمنين عليّ فقال للحسن أو للحسين: إذهب إلى أمك فقل لها: تركت عندك ستة دراهم فهاتِ منها درهماً. فذهب ثم رجع فقال: قالت: إنما تركت ستة دراهم للدقيق. فقال علي: لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده. قل لها: إبعثي بالستة دراهم، فبعثت بها إليه فدفعها إلى السائل. قال: فما حلَّ حبوته حتى مرّ به رجل معه جمل يبيعه. فقال علي: بكم الجمل؟ قال: بمائة وأربعين درهماً. فقال علي: أعقله على أن نؤخرك بثمنه شيئاً، فعقله الرجل ومضى. ثم أقبل رجل فقال: لمن هذا البعير؟ فقال علي: لي؟ فقال: أتبيعه؟ قال: نعم. قال: بكم؟ قال: بمائتي درهم. قال: قد ابتعته. قال: فأخذ البعير وأعطاه المائتين. فأعطى الرجل الذي أراد أن يؤخره مائة وأربعين درهاً جاء بستين درهماً إلى فاطمة ﵂، فقالت: ما هذا؟ قال هذا وعدنا الله على لسان نبيه ﷺ ﴿مَن جَآء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: ١٦٠) . كذا في الكنز.

стр. 844

قصة رجل عرض ناقة سمينة في الصدقة وأخرج أحمد، وأبو داود، وأبو يَعْلى، وابن خزيمة وغيرهم عن أُبيّ ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ مُصَدقاً، فمررت برجل، فلما جمع ماله لم أجد عليه فيه إلا إبنة مخاض، فقلت: أدِّ إبنة مخاض فإنها صدقتك. فقال: ذاك ما لا لبنَ فيه ولا ظهر، لكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به، وهذا رسول الله ﷺ منك قريب، فإن أحببت أن تأتيته فتعرض عليه ما عرضت عليّ فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن ردَّه عليك رددته. قال: فإني فاعل. فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض عليّ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال له يا نبي الله، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيْمُ والله، ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي، فزعم أن ما عليّ فيه إبنة مخاض، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة عظيمة فتية ليأخذها فأبى ليّ، وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ «ذاك الذي عليك، فإن تطوَّعت بخير جزاك الله فيه، وقبلناه منك» . قال: فها هي ذه يا رسول الله، قد جئتك بها فخذها. فأمر رسول الله ﷺ بقبضه ودعا له في ماله بالبركة. كذا في الكنز. جود أم المؤمنين عائشة وأختها أسماء ﵄ وأخرج البخاري في الأدب المفرد (ص ٤٣) عن عبد الله بن الزبير رضي الله

стр. 845

عنهما قال: ما رأيت إمرأتين أجود من عائشة وأسماء ﵄ وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا كان اجتمع عندها قسمت، أما أسماء فكانت لا تمسك شيئاً لغدٍ. قصة سماحة معاذ ﵁ وأخرج عبد الرزاق، وابن راهويه عن كعب بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: كان معاذ بن جبل رجلاً سمحاً شاباً جميلاً من أفضل شباب قومه، وكان لا يمسك شيئاً، فلم يزل يَدَّان حتى أُغلِق ماله كله من الدين. فأتى النبي ﷺ يطلب له أن يسأل له غرماءه أن يضعوا له فأبَوا - فلو تركوا لأحد من أجل أحد تركوا للنبي ﷺ . فباع النبي ﷺ كل ماله في دينه حتى قام معاذ بغير شيء، حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه النبي ﷺ على طائفة من اليمن أميراً ليَجْبُره، فمكث معاذ باليمن أميراً - وكان أول من اتَّجر في مال الله هو - ومكث حتى أصاب وحتى قبض النبي ﷺ فلما قدم قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل فدَعْ له ما يُعيشه وخذ سائره. فقال أبو بكر: إنما بعثه النبي ﷺ ليجبره ولست بإخذ منه شيئاً إلا أن يعطيني، فانطلق عمر إلى معاذ إِذ لم يطعه أبو بكر، فذكر ذلك عمر لمعاذ، فقال معاذ: إنما أرسلني رسول الله ﷺ ليجبرني ولست بفاعل، ثم لقي معاذ
следующие страницы →