← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 852

شرح زاد المستقنع - حمد الحمد

حمد الحمد

Полный текст (3 290 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

فإذا كان النكاح باطلاً اتفاقاً كنكاح الخامسة مثلاً أو نكاح المرأة في عدتها فهذا نكاح باطل باتفاق أهل العلم فهذا النكاح وجوده كعدمه لأنه باطل ولا يمكن مع بطلانه أن تترتب عليه الأحكام الشرعية، وعليه فإن العدة لا تثبت معه، فإذا نكح امرأ’ خامسة فإنه يؤمر بطلاقها ولا تعتد منه لكن لابد وأن تُستبرأ بحيضة ليُعلم برأة رحمها. قال: [ومن فارقها حياً قبل وطء وخلوة أو بعدهما أو بعد أحدهما وهو ممن لا يولد لمثله، ... .. فلا عدة] إذا فارقها في حال الحياة قبل الوطء والخلوة، أو بعدها أو بعد أحدهما أي بعد الخلوة وقبل الوطء، أو بعد الوطء قبل الخلوة وهو ممن لا يولد لمثله أو كانت المرأة لا يوطأ مثلها فلا عدة، والذي لا يولد لمثله هو الصغير وهو في المذهب من كان دون عشر سنين، والمرأة التي لا يوطأ مثلها وهي في المذهب من كانت دون تسع سنين، وتقدم أن هذا لا حد له بل متى كانت لا يوطأ مثلها وإن كانت بنت اثني عشرة سنة فلها هذا الحكم، وكذلك الرجل وإن كان ابن اثني عشرة سنة، إذن: إذا كان لا يولد لمثله أو كانت المرأة لا يوطأ مثلها فلا عدة، قالوا: للعلم ببرأة الرحم، هذا إذا كان الزوج حياً، أما إذا توفى الرجل عن امرأته التي لا يوطأ مثلها، وهو لا يولد لمثله فإنها تعتبر عدة الوفاة، قالوا: لعموم الآية: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربص بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ ، أما إذا فارقها في الحياة فلا عدة، هذا هو المشهور في المذهب، وعندي في هذا القول نظر.

стр. 2907

والذي يترجح – والله أعلم – هو ثبوت العدة وذلك لأمر الحكمة من العدة ليس ببراءة الرحم فحسب، بل لها حكم آخر، فمن ذلك حق الزوج الأول، ومن ذلك حق الله تعالى في العدة، فليس الحكمة من العدة هو العلم ببراءة الرحم فحسب، بدليل أنهم يقولون – وهو مذهب جماهير العلماء – أن المرأة إذا طلقها زوجها ثلاثاً فإنها تعتد بثلاث حيض مع أنها بحيضة واحدة يعلم براءة رحمها، ومن ذلك أيضاً؛ تشريف هذا العقد وهو عقد النكاح، فإن من تشريفه – إلا ما ورد استثناءه – أن تبقى المرأة إذا طلقها الرجل بعد ثبوت العقد وتقويته بالخلوة أن تبقى متربصة معتدة، ومن حكمه؛ تطويل المدة لعل الزوج يرجع إلى امرأته وهذا في الرجعية، ولا شك أن أكثر هذه العلل ثابتة في المرأة التي لا يوطأ مثلها أو في طلاق الرجل الذي لا يولد بمثله لصغره. قال: [أو تحملت بماء الزوج] إذا عقد على امرأة، فأخذت من مائه في خرقة واستدخلته في فرجها قد تحملت بماء الزوج وهو لم يدخل بها فقال: فلا عدة، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ ، وهنا لم يمسها ولم يخلو بها، فهذا الإستدخال ليس بوطء وليس بخلوة. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية: أن العلدة تثبت هنا وذلك لانشغال رحمها بمائه. والذي يترجح أن العدة لا تثبت وذلك لظاهر الآية المتقدمة لكن لابد أن تستبرئ بحيضة وذلك لانشغال رحمها بماء زوجها. قال: [أو قبلها أو لمسها بلا خلوة فلا عدة] فإذا قبلها أو لمسها فلا خلوة فلا عدة، وذلك لظاهر الآية المتقدمة: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن قبل أن تمسوهن فمالكم من عدة تعتدونها﴾ . فصل قال: [والمعتدات ست: الحامل] هذا الفصل في بيان أنواع المعتدات، وقد بدأ بالحامل. قال: [وعدتها من موت وغيره إلى وضع كل الحمل بما تصير به أمةٌ أم ولدٍ]

стр. 2908

فذات الحمل عدتها من موت وغيره أن تضع حملها، قال تعالى ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، قوله؛ " قوله وضع كل الحمل " فلو كانت حاملاً بولدين، فوضعت الأول ثم وضعت الثاني بعد أسبوع، فإن الحمل كله قد وضع بوضع الثاني، وعليه فإنها تبقى معتدة حتى تضع الثاني وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، قوله؛ " بما يصير به أمةٌ أم ولدٍ " إن قيل: ما هو الولد الذي إن وضعته تنتهي بذلك عدتها، لو وضعت نطفة لم يمض لها إلا ثلاثون يوماً أو وضعت علقة لم يمض لها إلا ستون يوماً، أو وضعت مضغة ليس منها شيء من صورة الآدمي، أو وضعت مضغة على صورة الآدمي أو حتى ينفخ فيه من الروح، قال؛ " بما تصير به أم ولدٍ " يعني الذي تصير به الأمة أم ولد لسيدها فتعتق عليه بعد وفاته هو نفسه الذي تنتهي به المرأة من عدتها، هو ما تبين به الآدمي بأن يظهر فيه شيء من خلق الآدمي كرأسه أو رجله أو غير ذلك من صورة الآدمي، وهذا إنما يكون في المرحلة الثالثة والطور الثالث، وهو حالة كونه مضغة، فإذا كان مضغة، وهي المرحلة الأولى أو كان علقة وهي المرحلة الثانية، فإنه لا يمكن أن يتبين فيه خلق الإنسان، فإذا دخل في الطور الثالث وهو المضغة، وذلك يكون بعد ثمانين يوماً، فإنه يمكن أن يتبين خلق الإنسان في أوله أو في وسطه أو في آخره، فإذن؛ إذا وضعت ما يتبين به شيء من صورة الإنسان فإن هذا الساقط منها ينتهي به عدتها، وهذا بإجماع العلماء، أما إن كان نطفة أو علقة، فجاهير العلماء على أنه لا تنتهي به العدة.

стр. 2909

وقال الحسن البصري: " بل تنتهي به العدة "، فإذا وضعت ما يسمى حملاً فإن العدة تنتهي به، وفيه قوة – فيما يظهر – وهو ظاهر القرآن ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ ، فإذا وضعت ما يسمى حملاً سواء تبين به خلق الآدمي أم لم يتبين، فإنه حمل، تترتب عليه الأحكام الشرعية، وإن كان بعد أربعين يوماً مع أن الأحوط ما ذهب إليه الجمهور، وهي مسألة تترتب عليها حل البضع، فلاشك أن الاحتياط للأبضاع هو الأولى. قال: [فإن لم يلحقه لصغره أو لكونه ممسوحاً أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكاحها ونحوه، وعاش لم تنقض به] إذا مات عنها وهي حامل لكن هذا الحمل لا يلحقه ولا ينسب إليه، ولم يلحقه الحمل لصغره، أي لكونه لا يولد لمثله، أو لكونه ممسوحاً أي مجبوب الذكر والأنثيين، أو ولدت بدون ستة أشهر منذ نكاحها، وعاش أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها، إذاً هذا الحمل تبين أنه ليس منه، فهل تنتهي عدتها بوضعه أم لا؟ قال جمهور العلماء: لا تنتهي به العدة، وذلك لأنه حمل منفي عنه بيقين، فأشبه ما لو حملت بعد وفاته، فإذا حملت بعد وفاته فلا شك أن هذا الحمل غير معتبر في العدة، فكذلك هنا. وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: بل عدتها حين تضع هذا الحمل، وذلك لعموم الآية ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ . والأولى ما ذهب إليه الجمهور في هذه المسألة، وذلك لأن هذا الحمل منفي عنه بيقين، كما لو حملته بعد فراقه لو مات أو فسخ، ثم أن الآية إنما تحمل على الأصل والغالب، فإن الأصل أن يكون الحمل منه هو، وأما هذا فهو شيء نادر أو خلاف الظاهر، فالذي يترجح ما ذهب إليه الجمهور وعليه فلو أن امرأة مات عنها زوجها وقد نكحها قبل شهرين فوضعت حملاً بعد ثلاثة أشهر وقد عاش متيقن من ذلك أن هذا الحمل إنما يكون بستة أشهر فأكثر، فثبت لنا أنه ليس منه، فحينئذٍ لا تنتهي بذلك عدتها لأن هذا الحمل ليس منه.

стр. 2910

والمذهب أنها تستأنف عدة جديدة بعد وضع الحمل، فإذا وضعت الحمل نقول لها الآن إبدائي فاحسبي أربعة أشهر وعشراً، قالوا: لأنهما عدتان، عدة من الزوج وعدة من صاحب هذا الحمل غير الشرعي فهما عدتان، فلم تعتد أصلاً. والأرجح وهو قول في المسألة؛ أنها تحسب من موت زوجها أربعة أشهر وعشراً، ويعلم براءة رحمها منه بوضع الحمل، فالمقصود من عدة الثاني العلم ببراءة الرحم وبوضع الحمل يتبين لنا براءة رحمها، إذاً الصحيح أنها تحسب من وفاة زوجها فإذا تم لها أربعة أشهر وعشراً فقد انتهت عدتها من زوجها، فإذا كان منها حمل فلا يحل لها أن تنكح حتى تضع هذا الحمل، وذلك لأنها بوضع الحمل تستبرئ رحمها من هذا الواطئُ الوطءَ غيرَ الشرعي. قال: [وأكثر مدة الحمل أربع سنين وأقلها ستة أشهر وغالبها تسعة أشهر] تقدم الكلام على هذا ولا شك أن غالب الحمل تسعة أشهر وهذا معلوم من الواقع. قال: [ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح] هذا في حكم إلقاء النطفة وهو ما يسمى بالإجهاظ أو الإنزال، فيباح إلقاء النطفة قبل أربعين يوماً بدواء مباح، هذا المشهور في المذهب – وهذا الشرط إذن الزوج لما له من الحق في ذلك، إذاً الأحوال في المذهب ثلاثة: الحالة الأولى: حالة النطفة فيباح إلقاء هذه النطفة بدواءٍ مباح. الحالة الثانية: ما بعد النطفة وقبل نفخ الروح، أي في حال العلقة والمضغة، فيحرم على المذهب الإجهاظ الإختياري حينئذٍ. الحالة الثالثة: إذا نفخ فيها الروح وذلك يكون بعد أربعة أشهر فيحرم الإجهاظ حينئذٍ، وهذا بإجماع أهل العلم. أما الحالتان الأوليتان ففيهما خلاف. والقول الثاني في المسألة أي الحالة الأولى والثانية؛ أن إلقاء النطفة والعلقة والمضغة؛ كل ذلك جائز، فإلقاء الجنين قبل قذف الروح فيه جائز، وهذا هو مذهب الأحناف ابن عقيل من الحنابلة.

стр. 2911

والقول الثالث في المسألة وهو قول الظاهرية، وأكثر المالكية وهو قول بعض الحنابلة وبعض الشافعية وبعض الأحناف: أي إلقائه فمحرم مطلقاً وإن كان نطفة؛ وهذا القول هو أرجح هذه الأقوال وذلك لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ....) ، والذي يتبين أنه في حال النطفة، أي في حال جمع الخلق، فيتبين أنه في حال تهئ للخلق الجديد، وعليه فهو محرم فإلقاءه محرم والتعدي عليه جناية. واستدل الحنابلة على أنه اسكان نطفة، فيجوز إلقاءه، لما روى أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال في حديث ابن مسعود: (أن النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً لا تتغير) ، قالوا: فإذا كانت لا تتغير فإنها ليست بعد في طور التخلق وعليه فلا حرمة لها، فيجوز إلقاءها، لكن الحديث إسناده ضعيف وهو يعارض حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم وفيه أنها تتخلق. فالصحيح أنه يحرم الإجهاض مطلقاً، هذا حيث كان الإجهاض اختيارياً، وأما إذا كان إطرارياً فهذا: إن كان قبل نفخ الروح فاضطرت إلى اسقاطه لأنه يلحقها الضرر بإبقائه فإنه يجوز الإسقاط حينئذٍ، وذلك من باب تقديم الوقوع في المفسدة الصغرى درءاً للمفسدة الكبرى، فلا شك أن رفع الضرر عن هذه المرأة أولى من تخلق هذا الجنين الذي بعدُ لم ينفخ فيه الروح. وأما إذا كان بعد نفخ الروح فإن الأمر يكون أعظم والتشدد فيه أكثر، وعليه فإذا كان في إبقائه إتلاف للأم وتعريض لحياتها للخطر فيجوز الإسقاط في الأظهر وذلك لوجهين: أن الأم هي الأصل والأبن فرع عنها، ولا شك أن إبقاء الأصل أولى من إبقاء الفرع. أن الأم حياتها حياة متحققة وأما هذا الجنين فحياته حياة مظنونة غير متحققة، ومن ثمَّ فرق الشارع بين دية الجنين ودية المولود، فالجنين ديته غرة، وأما المولود فديته دية غيره كما سيأتي.

стр. 2912

وهنا إيراد على المسألة التي تقدم ترجيحها وهي أنه لا يجوز الإسقاط قبل نفخ الروح مطلقاً. إن قيل لما أجزنا العزل؟ فالجواب: أن بين العزل والإسقاط فرقاً، فإن الإسقاط يكون فيه إزالة ما هو موجود حاصل، فإن هذه النطفة قد حصلت في الرحم، واجتمع ماء الرجل بماء المرأة في رحمها، بخلاف العزل فإنه بموجود ولا حاصل، وفرق ظاهر بين ما هو موجود وحاصل وما ليس كذلك. الدرس الخامس والستون بعد الثلاثمائة فصل قال ﵀: [الثانية: المتوفي عنها زوجها بلا حملٍ قبل الدخول وبعده] هذا هو القسم الثاني من المعتدات، المتوفي عنها زوجها قبل الدخول أو بعده لحديث معقل بن سنان الأشجعي الذي تقدم ذكره في الدرس السابق ودرسٍ قبله. قوله: " بلا حمل منه "؛ فإن الحامل إذا وضعت حملها وقد توفى عنها زوجها، فإنها تنقضي عدتها بوضعها للحمل، ولو كان ذلك بعد ليالٍ يسيرة، ففي البخاري عن المسور بن مخرمة: " أن سبيعة الأسلمية نُفست بعد وفاة زوجها بليالٍ،فأتت النبي ﷺ ؛ فاستأذنته أن تُنكح فأذن لها " رواه البخاري، وأصله في الصحيحين. أما إذا كانت حائلاً غير حاملٍ وتوفى عنها زوجها فإن عدتها، أن تتربص أربعة أشهرٍ وعشراً، لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويدرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً﴾ ، ولا فرق كما تقدم أن تكون مدخولاً بها أو غير مدخول بها، بخلاف المطلقة فإن المطلقة غير المدخول بها لا عدة لها. قال: [للحرة أربعة أشهرٍ وعشراً] فالحرة تتربص أربعة أشهر وعشراً، أي وعشرة أيام، فهنا أتت العدد لتبين مسألة اتفقت عليها المذاهب الأربعة، وهي أن العدة؛ لا تنتهي بعد مضي أربعة أشهرٍ إلا مع مضي عشرة أيام بلياليهن، فإذا غابت الشمس من اليوم العاشر فإن العدة تنقضي عند جمهور العلماء.

стр. 2913

وقال الأوزاعي: " بل تنقضي بمضي أربعة أشهرٍ وعشر ليالٍ "، وهذا متضمن لمرور تسعة أيام، وعليه؛ فإذا كان الفجر الصادق من اليوم العاشر، فإن العدة تنقضي. واستدل الأوزاعي: بتذكير العدد في قوله تعالى ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً﴾ ، فهنا ذكّر العدد، وتذكير العدد يدل على أن المعدود مؤنث، وعليه فإذا مضت أربعة أشهرٍ وعشر ليالٍ فإن العدة تنقضي. وأجاب الجمهور: بأن مثل هذا ورد في لغة العرب، فيؤنثون العدد ويريدون بذلك دخول أيامها معها، ومن ذلك قوله تعالى عن نبيه زكريا ﵇ ﴿ثلاث ليالٍ سويا﴾ ، وقد قال في آية أخرى ﴿ثلاثة أيام إلا رمزاً﴾ ، فذكره لليال في الآية الأولى، دخلت فيها الأيام بدليل الآية الأخرى، لكن ما ذهب إليه الأوزاعي فيه قوة لأن هذا – أي ما أجاب به الجمهور - من باب المجاز، وإلا فالأصل أن المراد بذلك، الليالي دون أيامها، ففي ما ذهب إليه قوة، لكن الأحوط ما ذهب إليه الجمهور، لا سيما في هذه المسألة التي يترتب عليها تحليل الابضاع. قال: [وللأمة نصفها] فالأمة عدتها نصف عدة الحرة، أي شهران وخمس ليالٍ بأيامهن قياساً على عدة الأمة المطلقة، فقد اتفق الصحابة؛ على أن عدة الأمة المطلقة حيضتان، على نصف عدة الحرة، وإنما لم تكن عدة الأمة حيضة ونصف، لأن الحيض لا يتبعض، قالوا: فكذلك في عدة الوفاة، تكون على نصف عدة الحرة، وهذا باتفاق أهل العلم. قال: [فإن مات زوج رجعية في عدة طلاقٍ سقطت وابتدأت عدة وفاة منذ مات] رجلٌ طلق امرأته طلاقاً رجعياً - والمطلقة الرجعية زوجه – فحاضت حيضتين، ثم مات زوجها، فهل يبقى لها شهران وعشرة أيامٍ، أم أنها تستأنف عدة الوفاة من جديد؟

стр. 2914

قال المؤلف هنا: " ابتدأت عدة وفاة "؛ فتستأنف عدة الوفاة من جديد، منذ مات ولا تحسب الشهرين، ذلك لأنها زوجه، وقد قال تعالى: ﴿الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشراً﴾ ، وقوله؛ سقطت، أي سقطت الأيام التي مضت من عدة طلاقها. قال: [وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل] فلوا أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً، فهي بائنٌ منه، ثم مات وقد مضى من العدة شهران، فإنها تستأنف من جديد، بل تكمل عدة الطلاق، ولا تعتد عدة الوفاة، لذا قال المؤلف: " لم تنتقل "؛ أي لم تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة بل تبقى على عدة الطلاق، ذلك لأنها ليست زوجة، والآية المتقدمة في الزوجة،وفي قوله: " في الصحة "؛ إحتراز من هذه المسألة التي ذكرها بعد ذلك، وهي قوله: [وتعتد من أبانها في مرض موته الأطول من عدة وفاة وطلاقٍ] إذا طلق امرأته طلاقاً بائناً في مرضه في مرضه المخوف فإنها، ترث منه فإذا مضى على عدتها شهران ثم مات الزوج فإنها تعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق، فتنظر أطول الأجلين فتعتد به، أما ثبوت عدة الطلاق لها؛ فلأنها بائنٌ فهي ليست بزوجة، وأما ثبوت عدة الوفاة فلأنها وارثة، وحينئذٍ نكون قد أوجبنا عليها الأطول من العدتين، وذلك لأن الأقل يندرج في الأكثر هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وذهب المالكية والشافعية إلى أنها تعتد بعدة الطلاق فحسب، لأنها ليست بزوجة فهي بائن منه فلا تدخل في قوله تعالى ﴿والذين يتوفون ويدرون أزواجاً﴾ ، وعليه فلا تعتد عدة الوفاة، وإنما ورثناها لأنه أراد حرمانها ومنعها حقها، فأعطيناها حقها الثابت لها، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة. إذاً إذا أبان امرأته في مرضه المخوف حكمنا لها بالإرث، فالمذهب أنها تعتد بأطول الأجلين من عدة الطلاق وعدة الوفاة.

стр. 2915

والقول الثاني في المسألة: أنها تعتد عدة الطلاق، وذلك لأنها ليست بزوجة فلا تدخل في الآية المتقدمة. قال: [ما لم تكن أمة] هذا استثناء على المذهب، فإذا كانت الزوجة أمة وأبانها في مرضه المخوف، فإنها تعتد عدة الطلاق فحسب، لأن الأمة لا ترث. قال: [أو ذمية] لأن الذمية لا ترث منه لاختلاف الدين. قال: [أو جاءت البينونة منها] كأن تسأله الطلاق، فإذا سألته الطلاق فطلقها طلاقاً بائناً، فإنه لا إرث لها لأن منعها من الإرث جاء من جهتها. قال: [فطلاق لا غير] أي فعدة طلاق لا غير، فإذا كانت لا ترث فإنهم لا يقولون بأنها تعتد أطول الأجلين، لأنهم إنما أمروها؛ أن تعتد عدة الوفاة لأنها ورثت، وأما في هذه المسائل فإنها لا ترث وعليه فإنها لا تعتد عدة الوفاة. قال: [وإن طلق بعض نسائه مبهمةً أو معينتاً ثم أنسيها ثم مات قبل قرعة، أعتد كل منهن سوى الحامل الأطول منهما] إذا طلق بعض نسائه مبهمةً، أو عين لكنه نسي المعينة، ثم مات قبل أن يقرع بين النساء لإخراج المطلقة، فكل واحدة من نسائه تعتد الأطول من الأجلين فتعتد عدة المطلقة لأنها قد تكون هي المخرجة بالقرعة، فتكون هي المطلقة وتعتد عدة الوفاة لأنها ربما لا تكون هي المخرجة بالقرعة، وعليه فيكون نكاحها نافد، وعليه فيكون قد توفى عنها وهي زوجٌ فيجب عليها أن تعتد عدة الوفاة، قال " سوى حامل "؛ فالحامل واضح استثنائها، لأن الحامل عدتها واحدة، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها، فإن عدتها أن تضع حملها فلا فرق بين أن تخرج القرعة عليها أو لا تخرج. قال: [الثالثة؛ الحائل ذات الأقراء] الحائل هي ضد الحامل. قال: [وهي الحيض] فالأقراء هي الحيض في أصح قولي العلماء، فقد اختلف أهل العلم في المراد بالقرء في قوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ، والقروء جمع قرء، هل القرء هو الحيض أم أنه هو الطهر؟

стр. 2916

اختلف أهل العلم على قولين، ولفظة القرء من الألفاظ المشتركة، فتر في اللغة ويراد بها الطهر، وتر في اللغة ويراد بها الحيض، ومن ثم اختلف أهل العلم فيالمراد بالقرء في هذه الآية: القول الأول: وهو مذهب الأحناف والحنابلة؛ إلى أن القرء هو الحيض. القول الثاني: وهو مذهب المالكية والشافعية؛ إلى أن القرء هو الطهر. فإذا قلنا هو الحيض فطلقها في طهرٍ فإنها تنتظر حتى تحيض ثلاثة حيض، فإذا حاضت الحيضة الأولى ثم طهرت ثم حاضت الحيضة الثانية ثم طهرت ثم حاضت الحيضة الثالثة ثم طهرت، ثم يأتي الخلاف المتقدم في قضية خروجها من العدة، هل ينتظر حتى تغتسل من الحيض أم بمجرد انقطاع الدم. وإن قلنا هو الطهر؛ فإذا طلقها وهي طاهر فحينئذٍ يحسب طهراً، فحاضت ثم طهرت، هذا هو الطهر الثاني، فحاضت ثم طهرت فهذا هو الطهر الثالث، فإذا دخلت الحيضة الثالثة بعد طلاقها فإنها تنقضي لذلك عدتها. أستدل أهل القول الثاني: بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ، قالوا: ومعنى هذه الآية فطلقوهن وقت عدتهن، ووقت الطلاق هو الطهر، وعليه؛ فالعدة هي في الطهر. واستدلوا بقوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ، قالوا: قال ثلاثة، فالعدد هنا مؤنث، والعدد إذا أنث فهذا يدل على أن العدد مذكر، والمذكر من المعنيين هو الطهر، فالحيض مؤنثة والطهر مذكر. أما أدلة أهل القول الأول فهي: ما روى ابن ماجة بإسناد صحيح أن بريرة أمرها النبي ﷺ أن تعتد ثلاثة حيض، وهو من حديث عائشة وإسناده صحيح. واستدلوا: بقول النبي ﷺ الثابت في سنن أبي داود وغيره: (اترك الصلاة أيام أقرائك) ، قالوا: فالشارع قد أطلق الإقراء على الحيض، فإذاً المعروف عن الشارع أن القرء هو الحيض. قالوا: ولأن من حكم العدة الإستبراء، والإستبراء إنما يحصل بالحيض.

стр. 2917

واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿والآئي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهرٍ والآئي لم يحضن﴾ ، فهنا قد جعل الأشهر مقابل المحيض، فالحيض ثلاثة والأشهر ثلاثة. وأجابوا عن أدلة أهل القول الثاني: أن استدلالهم بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ، وان المعنى؛ طلقوهن وقت عدتهن " وهو الطهر ". وأجابوا عن هذا الإستدلال: أن الطلاق هو سبب العدة فإذا كان ذلك كذلك، فإنه لا يمكن أن يكون الطلاق في أثناء العدة، بل لا بد أن يكون سابقاً لها. وعليه؛ فالمراد " اجعلوا الطلاق سابقاً للعدة "، فتستقبل المرأة العدة وهي مطلقة، وحينئذٍ يكون الطلاق في الطهر، فتستقبل الحيض بعد ذلك. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ ؛ وأنه لما أنث دل على أن المعدود مذكر. أجابوا عن هذا الإستدلال: بأنه أنت باعتبار اللفظ المذكور وهو قوله " قروء "، والقرء لفظ مذكر، فأنث الله باعتبار اللفظ لا باعتبار المعنى، وهو ظاهر معروف في لغة العرب. قالوا: ويستدل بهذه الآية عليكم فإن الله قال: ﴿ثلاثة قروء﴾ ، وقد فسرتموه أنتم بالأطهار، وأنتم إذا طلقها في طهرٍ فإنكم تحسبون هذا الطهر الذي طلقها في أثنائه ثم تضيفون إليه طهرين بعده – وهو أي الطهر الأول –، إنما هو بعض طهرٍ وليس طهراً كاملاً، فلو طلقها قبل حيضها بيومٍ واحد، وبعد مضي أيامٍ كثُّر من طهرها، فإنكم تحسبونه طهراً، وهو بعض طهر والله قال ﴿ثلاثة قروء﴾ وهذا نص في أن القروء ثلاثة، والنص لا يقبل المجاز، وعليه فلا بد أن تكون القروء ثلاثة فإذا كانت قرآن وبعض قرء فلا يدخل هذا في الآية، وأما قوله تعالى ﴿الحج أشهر معلومات﴾ فلفظة أشهر أسم جمع فيه المجاز، قلنا أن تقول شهران وعشرة أيام، وهو مذهب الجمهور مع أن الراجح ما ذهب إليه المالكية، وأن الأشهر لابد وأن تكون ثلاثة.

стр. 2918

وما ذهب إليه الحنابلة والأحناف، وهو قول أكثر الصحابة، بل هو قول أكابر الصحابة، كما قال ذلك الإمام أحمد وهو قول أكثر أئمة الحديث. وأما القول الثاني؛ فهو قول عائشة وزيد بن ثابت والعبرة في رواية عائشة لا برأيها فقد تقدم أنها روت أن بريرة اعتدت ثلاثة حيض، ولعل هذا الرأي منها هو الذي جعل بعض أهل العلم يعلوا هذا الحديث فقد ذكر الحافظ في البلوغ، أن الحديث معلولٌ، ولم أقف على علله، أو على من علله، فلعل التعليل لمخالفة عائشة، لكن العبرة بالرواية لا بالرأي، فعلى كلٍ فلو لم يثبت هذا الحديث بل كان معلولاً حقاً ففي الأدلة التي ذكروها، ما يدل على قوة قولهم، فالصحيح أن الأقراء هي الحيض. قال: [المفارقة في الحياة] طلاقٌ أوفسخ أو خلع، فالمختلعة تعتد ثلاث حيض والمطلقة تعتد ثلاث حيض، وهكذا من فسخت، واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام احمد، وهو قول اسحاق واختاره تلميذه ابن القيم: أن المختلعة تعتد بحيضة، وهو القول الراجح في هذه المسألة، ويدل عليه ما ثبت في سنن النسائي بإسنادٍ صحيح أن النبي ﷺ جعل عدة المختلعة حيضة. قال: [فعدتها إن كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء كاملة] فعدتها إذا كانت حرة أو مبعضة ثلاثة قروء لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسن ثلاثة قروء﴾ ، والمبعضة؛ هي التي بعضها حرٌ وبعضها رقٌ، وإنما تعتد ثلاثة حيض لأن الحيضة الثالثة لا تتبعض عليها، فاعتدت حيضة كاملة فكانت كالحرة. قال: [وإلا قرآن] فإذا كانت أمة فإنها تعتد قرئين وبذلك أفتى الصحابة كعمر وابن مسعود كما في مصنف عبد الرزاق وكابن عمر كما في سنن الدارقطني،والأسانيد إليهم صحيحة ولا يعلم لهم مخالف وقد اتفق أهل العلم على القول بهذا. قال: [الرابعة: من فارقها حياً ولم تحض لصغرٍ أو إياس فتعتد حرة ثلاثة أشهرٍ وأمة شهرين]

стр. 2919

فالرابعة هي من فارقها حياً ولم تحض، لأنه إذا فارقها ميتاً فإنها تعتد عدة المتوفى عنها زوجها، لكن هنا قد فارقها وهو حي ولم تحض لصغر وإياس لقوله تعالى ﴿والآئى يئسن من المحيض من نسائكم إن إرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والآئى لم يحضن﴾ ، فاليائسة من المحيض، والتي لم تحض لصغرها تعتد ثلاثة أشهر للآية المتقدمة وهذا بإجماع أهل العلم. واختلف أهل العلم في سن اليأس: فالمشهور في المذهب؛ أن سن اليأس خمسون سنة فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فإنها تعتد بالأشهر. وعن الإمام أحمد؛ أن سن اليأس ستون. وقال بعض أهل العلم؛ أنه اثنان وستون، وقيل غير ذلك. واختار شيخ الإسلام أنه لا حد لأكثر سن الحيض، فقد تحيض المرأة وهي بنت سنتين، وقد ينقطع عنها الدم وهي بنت أربعين. وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة إذ لا دليل يصار إليه في أكثر سن الحيض، وعليه فمرجع ذلك إلى حيضها، فإذا انقطع عنها الحيض وانقطع رجاؤها فيه فإنها حينئذٍ تكون آيسة منه وعليه فتعتد بثلاثة أشهر. فالحرة تعتد ثلاثة أشهر، وتعتد الأمة شهران، لأن عدتها حيضتان، والحيضة تقابل الشهر، وعليه فتعتد شهرين، وهو رواية عن الإمام وقول في مذهب الشافعي. والمسألة فيها ثلاثة أقوال هي روايات عن الإمام أحمد وأقوال في مذهب الإمام الشافعي: القول الأول: هو ما ذكره المؤلف. القول الثاني: أنها تعتد شهراً ونصف، وذلك لأن الأصل أن الأمة عدتها حيضة ونصف، لكن لم تُنَصِّف الحيضة لأن الحيضة لا تتبعض، أما الشهر فإنه يتبعض. القول الثالث: وهو مذهب مالك وهو - كما تقدم – رواية عن الإمام أحمد وهو قول في مذهب الشافعي؛ أن الأمة تعتد ثلاثة أشهر كالحرة. وذلك لأن هذه المدة تتربصها المرأة ليعلم براءة رحمها، وهو في الغالب لا يعلم إلا بعد مرور ثلاثة أشهر ولا فرق في هذا بين الأمة والحرة.

стр. 2920

فالأمة التي تحيض بمجرد ما تحيض حيضة فإنه يعلم براءة رحمها وإنما زويا --- عليها حيضة نظراً لحيض الحرة، وأما هنا فإن براءة الرحم لا تعلم بشهر ونصف فاحتجنا إلى ثلاثة أشهر، وهذا هو أقوى المذاهب وأحوطها والله أعلم. قال: [ومبعضة بالحساب ويجبر الكسر] فالمبعضة إذا كان بعضها حر وثلاثة أرباعها رق، فإنها تعتد شهرين وثمانية أيام، ويجبر الكسر، فربع الشهر سبعة أيام وكسر، فيجبر الكسر فتكون ثمانية أيام، وإن لم يكن هناك كسر كأن يكون نصفها حر، فإنها تتربص شهرين ونصف. وأما على القول الراجح الذي تقدم فلا تحتاج إلى ذلك. الدرس السادس والستون بعد الثلاثمائة قال المؤلف ﵀: [من ارتفع حيضها ولم تدر سببه] الخامسة – أي من المعتدات – من ارتفع حيضها ولم تدر سببه، فهي غير آيسة لكن قد ارتفع الحيض وهي لا تدري ما السبب وهذا قد يقع لبنت عشرين سنة مثلاً. قال: [فعدتها سنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة] فعدتها تسعة أشهر للحمل لأن غالب مدة الحمل تسعة أشهر وثلاثة للعدة وهذا هو قضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كما روى ذلك البيهقي وغيره، قال ابن المنذر: " وهو قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار ولم ينكره منكر "، وهو مذهب المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال الأحناف والشافعية: بل تتربص حتى يرجع إليها الحيض، أو تيئس منه على الخلاف المتقدم في سن اليأس. وهذا القول هو قول ابن مسعود – وإن كان ليس على هذا الإطلاق –، ولا شك أن هذا القول لا يوافق يسر الشريعة، ولا يشبه أصولها وذلك لأن فيه ضرراً عظيماً بالمرأة فقد تكون بنت خمس عشر سنة ويقال لها؛ انتظري حتى تبلغي سن اليأس أو حتى يأتيك الحيض. قال: [وتنقص الأمة شهراً]

стр. 2921

وهذا بناءً على القول بأن عدة من لم تحض لصغر أو يأس من الإماء بأن عدتها شهران فحينئذ ينقص من السنة شهر، وعلى القول الذي تقدم وأن عدة الأمة ثلاثة أشهر فحينئذ تكون عدتها هنا سنة إذ لا فرق بين الأمة والحرة في الاعتداد بالأشهر، وإنما الفرق بالاعتداد بالحيض. قال: [وعدة من بلغت ولم تحض – إلى أن قال – ثلاثة أشهر] لقوله تعالى: ﴿والائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والائي لم يحضن﴾ ، أي فكذلك. قال: [والمستحاضة الناسية، والمستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر] إذا كانت مستحاضة ناسية أيقد نسيت هل تحيض في كل شهر أو في كل شهرين، فعدتها ثلاثة أشهر أو كانت مستحاضة مبتدأة – أي لم يسبق لها حيض – فأول ما نزل معها الحيض تتابع عليها فكانت مستحاضة فعدتها ثلاثة أشهر وذلك لأن غالب النساء يحضن في كل شهر فتلحق بغالب النساء،أما إذا كانت المسحاضة لها عادة سابقة أولها تمييز مالها لعمل بعادتها السابقة أو بتمييزها. قال: [والأمة شهران] تقدم النظر في هذا، وأن الراجح أن الأمة عدتها ثلاثة أشهر. قال: [وإن عملت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما فلا تزال في عدةٍ حتى يعود الحيض فتعتد به أو تبلغ سن الإياس فتعتد عدته] إذا ارتفع عليها الحيض وهي تعلم سبب ارتفاعه عنها كأن يكون بها مرض أو تكون رضاع فإنها لا تزال في عدة حتى تحيض أو تبلغ الإياس.

стр. 2922

والقول الثاني في المسألة – وممن إختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن السعدي – أنها إذا كان يغلب على ظنها أن العادة ترجع إليها كأن يكون سببه ارتفاع العادة هو الرضاع وتعلم أنها إذا توقفت عن الرضاع أو قضت الرضاع فإن العادة ترجع إليها فإنها حينئذٍ تنتظر حتى تحيض ثلاث حيض، وأما إن غلب على ظنها أن العادة لا ترجع إليها كأن يصاب بمرض لا يرجى برؤه ويغلب على ظنها أن العادة لا يرجع إليها فإنها تعتد سنة تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدة وهذا القول هو الراجح وهو الموافق لأصول الشرع. قال: [السادسة: امرأة المفقود تتربص ما تقدم في ميراثه ثم تعتد للوفاة] إن كان الغالب على سفره السلامة فإنها تتربص تسعون سنة من ولادته ثم تعتد للوفاة، وإن كان الغالب على سفره الهلال فإنها تتربص أربع سنين منذ فقد ثم تعتد عدة الوفاة وهو قضاء عمر كما في البيهقي وتقدم النظر في هذا وأن المدة ترجع إلى الحاكم وأنها تختلف باختلاف الأزمان، فإذا قرر القاضي أنها تتربص مثلاً سنة، فإنها بعد انقضاء السنة تعتد للوفاة. قال: [وأمة كحرة فالتربص] فلا فرق بين الأمة والحرة في التربص وهذا ظاهر إذ ليس هناك ما يدعي إلى التفريق بين الأمة وبين الحرة في مسألة التربص لأنها متعلقة بالزوج ونوع غيبته. قال: [وفي العدة نصف عدة الحرة] كما تقدم في الدرس السابق، فعدة الأمة شهران وخمسة أيام. قال: [ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة] فإذا مضى أربع سنين فيما ظاهره عدم السلامة ثم مضى أربعة أشهر وعشر فلها أن تتزوج بعد ذلك ولا تحتاج بعد ذلك ولا تحتاج إلى حكم حاكم. قال: [وإن تزوجت فقدم قبل وطءِ الثاني فهي للأول] إذا تزوجت هذه المرأة ثم قدم الأول قبل أن يطأها الثاني فإنها تكون للأول لأن نكاحه على ما هو عليه وبقدومه يبطل نكاح الثاني، ولا مانع من الرد، وعليه فإذا قدم وقد عقد عليها ولم توطأ فإنها حينئذٍ تكون للأول.

стр. 2923

قال: [وبعده له أخذها زوجةً بالعقد الأول. ولو لم يطلق الثاني، ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني] أما إذا أتى زوجها الأول، وقد عقد عليها ودخل بها فله خياران: الخيار الأول: أن يأخذها زوجة له بالعقد الأول فلا يحتاج إلى عقد جديد لأن نكاحه على ما هو عليه ولم يطلق الثاني، لأن نكاحه على ما هو عليه، لكنه لا يطأ حتى تفرغ من عدتها من الثاني لأن نكاح الثاني نكاح صحيح، فليس له يطأها حتى تفرغ من عدة الثاني. قال: [وله تركها معه من غير تجديد عقد] هذا هو الخير الثاني: وهو أن يتركها مع الثاني من غير تجديد عقد وذلك لأن نكاحه صحيح لكنا رجحنا الأول لأن نكاحه هو الأسبق. قال: [ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه] فإذا اختار أن يتركها مع زوجها الثاني، فله أن يأخذ الصداق الذي أصدقها إما قبل ذلك يأخذه من الثاني ويرجع الثاني على المرأة بما أخذه الأول منه، ففي سنن البيهقي بإسناد صحيح أن عمر قال في امرأة المفقود (إن جاء زوجها وقد تزوجت فإنه يخير بين إمرته وصداقها، فإن اختار صداقها كان على زوجها الآخر،وإن اختار امرأته اعتدت – أي من الثاني –حتى تحل ثم ترجع إلى زوجها الأول ولها مهرها من الزوج الآخر بما استحل من فرجها) ، وفي البيهقي عن عمر وعلي: أنهما قد جعلا له صداق الأول، وما ذكره المؤلف ينبني على هذا الأثر، لكن قول المؤلف:" ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه " فيه نظر وعلل الحنابلة في المشهور عندهم هذا القول بأن هذا الصداق قد لزمه بسبب وطئه إياها، فكان كما لو حصل فيها تغرير له.

стр. 2924

والقول الثاني في المسألة وأستظهره صاحب المغني أنه لا يرجع إليها بما أخذه منه الأول، وهو ظاهر أثر عمر بن الخطاب فإنه قال: "فإن اختار صداقها كان على زوجها الآخر " وليس فيه أنه يرجع إلى امرأته بالصداق، والمرأة لم تغره، وكونه بسبب وطئها فلاشك أن ذلك تعليل ضعيف جداً بل هو الذي قد وطئ وهو الذي قد أتلف المعوض على الناكح الأول، فقد أتلف على الناكح الأول معوضه فكان عليه هو المعوض. إذاً: الصحيح القول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وأنه لا يرجع إلى المرأة، وأيضاً أثر عمر المتقدم ليس فيه تجديد عقد وليس فيه اشتراط طلاق الأول وهذا هو الموافق لما ذكره المؤلف هنا. والقول الثاني في المسألة: اشتراط أن يطِّلق الأول وأن يجَّدد للثاني العقد، وهذا ضعيف والأثر يدل على خلافه، ونكاحهما جميعاً صحيح لكن رجحنا الأول لأنه هو الأسبق. وهكذا كل فراق بين الزوجين لموجب تبين انتقاؤه، كأن يفرق بينه وبين امرأته لدعوى رضاع بينهما فتنكح زوجاً آخر، ثم يتبين ألا رضاع، فالمسألة كذلك. فصل قال: [ومن مات زوجها الغائب، أو طلقها اعتدت منذ الفرقة وإن لم تحد] فمن مات زوجها وهو غائب، أو طلقها وهو غائب اعتدت منذ الفرقة، فلوا أن امرأة توفي زوجها ولم تعلم بذلك إلا بعد سنة أو طلقها زوجها ولم تخبر إلا بعد مضي عليها ثلاث حيض فحينئذ تكون قد خرجت من العدة وإن لم تخبر وهذا مذهب جمهور العلماء، وذلك لأن النية غير مشترطة وغير معتبر في العدة بدليل ثبوت العدة على الصغيرة والمجنونة. قال: [وعدة موطوءة بشبهة أو زنا أو بعقد فاسد كمطلقة] فلو أن رجلاً وطئ امرأة بشبهة سواء كانت نكاح أو اشتبهت عليه امرأته بالأجنبية فوطئ الأجنبية يظنها امرأته، أو زنا بامرأة، أو وطئ امرأة بعقد فاسد كأن ينكح امرأة ولي وهو يعتقد أنه لا يصح النكاح إلا بولي، فعدتهن كمطلقة فإنهن يتربصن ثلاث حيض وهذا هو مذهب جمهور العلماء.

стр. 2925

وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀: أنها حيضة، فالمرأة المزني بها والمرأة الموطوءة بشبهة والمرأة المنكوحة بعقد فاسد تعتد بحيضة، وهذا هو القول الراجح وذلك لأن المقصود من عدتها استبراء رحمها، فليس ثمة حكمة من عدتها إلا استبراء رحمها، واستبراء الرحم يحصل بحيضة بدليل استبراء الأمة بحيضة، وكذلك استبراء المختلعة بحيضة، وهن – أي المزني بها – الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد لا يدخلن في عمومات النصوص، فإن عمومات النصوص إنما وردت في الزوجة وهي ليست بزوجة، فإن قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ، فهو خاص بالزوجة، والمذكورات لسن بمطلقات لأن الطلاق فرع النكاح وهذه ليست بمنكوحة. قال: [وإن وطئت معتدةٌ بشبهةٍ أو نكاحٍ فاسد فرق بينهما، وأتمت عدة الأول] اذا وطئت معتدة بشبهة – أي بشبهة نكاح – أو وطئت بنكاح فاسد كأن تنكح بعد انقطاع الدم من الحيضة الثالثة وقبل أن تغتسل فهذا نكاح فاسد – فالحكم انه يفرق بينهما لأنه عقد فاسد وجودة كعدمة، فوجب أن يفرق بينهما. (أو أتمت عدة الأول) فيجب عليها أن تتم عدة الأول. قال [ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني] فلا يحتسب من العدة مقامها عند الثاني، فمثلاً: مضت حيضة من عدتها ثم تزوجت بشبهة نكاح ثم حاضت حيضة ثانية بعد أن وطئها هذا الناكح ثم فرقنا بينهما، فلا تحتسب لها هذه الحيضة التي حضتها عند هذا الناكح الثاني، بل نقول حضت حيضة واحدة، فوجب عليك أن تتربصي حتى تحيضي حيضتين فيتم لك ثلاث حيض وهو قول عمر ﵁ كما في البيهقي. اولاً: الوطء يقطع العدة وهذا ظاهر لأن رحمها قد أنشغل بماء غير من هي معندة له. ومن حكم العدة استبراء الرحم وهنا حيث كان موطوءة من غيره بقي رحمها مشغولاً بغير مائه فلم يعتد بهذه المدة. قال: [ثم إعتدت للثاني] فإذا انتهت من عدة الأول فإنها تعتد للثاني، وعلى القول الراجح المتقدم عدتها فتعتد منه بحيضة.

стр. 2926

قال: [وتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين] أي تحل للثاني بعقد جديد بعد انقضاء العدتين، لأن العقد الأول عقد باطل، وظاهر كلام المؤلف أنه ليس له أن ينكحها في عدتها () في عدة الثاني. فإذا اعتدت للثاني، فليس للثاني أن ينكحها في اثنا عدتها منه، فظاهر كلام المؤلف أن العقد لا يصح، والراجح صحته وهو مذهب الشافعية وهو اختيار الموفق من الحنابلة، وذلك لأن العدة له هو. ولا يصان ماؤه الأول من مائه الثاني قال: [وإن تزوجت في لم تنقطع حتى يدخل بها] اذا عقد هذا الناكح الثاني على هذه المعتده ولم يطأها فإن عدتها لزوجها الأول لا تنقطع بذلك لعدم الوطء فإن العلة كما تقدم انشغال رحمها بماء جديد وهنا الأمر ليس كذلك لعدم الوطء. قال: [فإذا فارقها بنت على عدتها من الأول ثم استأنفت العدة من الثاني] فإذا فارقها الثاني فإنها تبني على عدتها من الأول ثم تستأنف العدة من الثاني – هذا حيث وطئها الثاني، أما إن لم يطأها الثاني فإنها لا تعتد إلا بعد المس. فهذه الجملة راجعة إلى المسألة ما قبل الأخيرة. قال: [وإن أتت بولد من أحدهما انقضت عدتها به] إذا أتت بولد من أحد الناكحين فإن عدتها تنقضي به – أي انقضت عدتها من هذا الناكح الذي قد نشأ من مائه هذا الحمل، وهذا هو الظاهر. قال: [ثم اعتدت للآخر] فإذا وضعت الحل، فإنها تكون قد انقضت عدتها من الناكح الذي نشأ هذا الحمل من مائه، وثم تعتد للآخر ولا يقال إن العدتين تتداخلان لأنهما حقان لزوجين.

стр. 2927

لكن على القول الراجح الذي تقدم ذكره. وأن المقصود هو الاستبراء من الثاني، فإنها إذا وضعت الحمل فإنه يعلم استبراء رخمها من الثاني، لكن تبقى عدة الأول، وعليه فإذا كان الحمل من الحمل، فبوضعه تنتهي من العدتين جميعاً، فلو أن امرأة وهي حامل وطئها آخر بنكاح باطل فإنها إذا وضعت حملها تنتهي من العدتين جميعاً، لأن عدو الأول تنتهي بوضع الحمل منه، وعدة الثاني تنتهي بوضع الحمل، لأن الحمل إذا وضع يعلم براءة الرحم. قال: [ومن وطئ بعدته البائن بشبهه استأنفت العدة بوطئه، ودخلت فيها بقية الأول] رجل طلق امرأته ثلاثاً فكانت في الطلاق بائياً منه، ثم وطئها – وهذا وطء محرم فهو وطء من أجنبي، فإنها تستأنف العدة من جديد بوطئه كأنه زوج آخر، ودخلت بقية الأول فهنا العدتان تتداخلان لأنهما لرجل واحد. فمثلاً طلقها طلاقاً بائناً فحاضت حيضة واحدة ثم وطئها، فنقول لها احسبي ثلاث حيض مرة أخرى وما بقي من الحيض من العدة الأولى فإنها تدخل في العدة الثانية لأنهما من زوج واحد. وعلى القول الراجح وهو أن الوطء الذي يكون بشبهة أو بزنا أو بعقد فاسد يكفي الاستبراء، فإنها إذا أتت عليها حيضة فإن رحمها تعلم براءته. فلو أن رجلاً وطئ مطلقته البائن بعد انقطاع دمها من الحيضة الثالثة وقبل أن تغتسل، فإنها تعتد بحيضة على القول الراجح. قال: [وإن نكح من] إذا نكح مطلقته البائن في عدتها ثم طلقها قبل الدخول بها فإنها تبني على العدة الأولى، لأن النكاح الثاني لم يحصل فيه مسيس. فهذا النكاح باطل ولكن لا عدة فيه، وذلك لانه فراق قبل المسيس. وذلك أن تقول هو عقد فاسد فكان وجوده كعدمه. والمذهب أن الرجل إذا طلق امرأته الرجعية فإنها تبني على عدتها، وأما إن راجعها مطلقها فإنها تستأنف العدة من جديد.

стр. 2928

ورجل طلق امرأته طلقه واحدة فحاضت حيضتين ثم طلقها ثانية، وقد تقدم الخلاف في صحة هذا الخلاف والمذهب أنه صحيح. فهنا يقولون بنى على عدتها فيبقى لها حيضة، ولكن لو راجعها بعد هاتين الحيضتين ثم طلقها فإنها تستأنف عدة جديدة وهذا ظاهر وذلك لأن الرجعة تذهب اثر الطلاق وتعود المرأة إلى نكاحها الأول. فصل قال: [يلزم الإحداء مدة العدة كل متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح ولو ذمية أو أمة أو غير مكلفة] . فالإحداء يلزم مدة العدة كل متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح ولو كانت الزوجة ذمية أو أمةً أو صغيرة وذلك لعموم الأدلة – فالأدلة عامة في كل زوجة – وإنها يلزمها الإحداء سواء كانت مسلمة أو ذمية، صغيرة أو كبيرة حرةً كانت أو أمةً. ففي الصحيحين إن النبي صلى الله ﷺ قال: (لا تُحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصب، ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار) . والعَصْب: هو نوع من الأصباغ مهيجاً للنظر إلى المرأة. والنبذة: هي القطعة من الشيء. والقُسط والأظفار: نوعان من الطيب. وقد قال النبي ﷺ لفُريعه بنت مالك: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) رواه الخمسة بإسناد صحيح فالإحداد على الزوج واجب مدة العدة. والإحداد: هو اجتناب المرأة ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها. قال: [ويباح الباين من حي] ولا يجب ولا يسن، فيباح للبائن من حي أن تُحدًّ عليه لكن ذلك ليس بسنة. قال: [ولا يجب على رجعية وموطوءة بشبهة أو زنا أو نكاح فاسد أو باطل] . فالنكاح الفاسد: النكاح بلاولي عند من يرى أن ذلك منهي عنه. قال: [أو ملك يمين] فالآمة المملوكة لا يجب عليها الاحداد.

стр. 2929

فالرجعية والموطوءة بشبهة أو نكاح فاسد أو باطل أو ملك يمينن لا تجب عليها الاحداد، لأن الله إنما أوجب الاحداد على المرأة المتوفى عنها. والرجعية زوجة لم يتوفى عنها، وممن ذكر سواها فإنهن لسن بزوجات له فلم يجب عليهن الاحداد ولم يشرع. قال: [والإحداد اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها من الزينة] أي من الزينة في البدن والثياب. الزينة في البدن كالكحل مثلاً أو الحمرة أو الخضاب في الشعر ونحو ذلك. وأما الزينة في الثياب فكأن تلبس ثوباً مصبوغاً كأن يكون أحمر أو أصفر فيه فيرغب النظر إليها. قال: [والطيب والتحسين] فالتحسين: هو تجميل الوجه ونحوه. فالطيب والتحسين تمنع منهما المرأة المُحادة وقد تقدم قول النبي ﷺ (ولا تمس طيباً) ، ولكن يستثنى ما ورد في الحديث فإنها إذا طهرت تأخذ نبدة من قسط أو أظفار لتصفية فرجها لتزيل الرائحة الكريهة الناتجة عن الحيض. قال: [وما صُبغ للزينة] كأن يكون الثوب أحمر أو أصفر أو أخضر أو نحو ذلك. أما إذا كان مصبوغاً لغير الزينة وهو ما يصبغ ليتحمل الوسخ والدنس فلا بأس أن تلبيسه كالأسود ونحوه إن كان ليس للزينة بل هو من ثياب المهنه. قال: [وحلي] فليس لها أن تلبس الحلي، وفي سنن ابي داود بإسناد صحيح عن أم سلمة قالت: قال رسول ﷺ (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا المُمَشقه " هي الثيلب التي قد صبغت بالطين الأحمر" ولا تلبس الحلي ولا تكتحل ولا تمتشط) فليس لها أن تلبس من الحلي شيئاً، لا سواراً ولا خاتماً ولا غير ذلك. قال: [وكحلٍ أسود]

стр. 2930

فليس لها أن تكتحل لحديث أم سلمة المتقدم وفيه (ولا تكتحل) ولحديث أم عطية ان النبي ﷺ قال: (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) الحديث وفيه ولا تكتحل وفي ابي داود والنسائي ايضاً (ولا تختضب) وفي النسائي ولا تمتشط. وفي الصحيحين (ولا تكتحل) . فالمحادة تنهى عن الكحل. فإن احتاجت إلى الكحل للتداوي فلها أن تضعه في الليل وتنزعه في النهار، ففي سنن أبي داود بإسناد لا بأس به أن أم سلمة قالت (وضعت في عيني صبراً لما توفى أبو سلمة فقال النبي ﷺ إنه يَشبُّ الوجه " أي يزيد في لون الوجه " فلا تجعليه إلا بالليل وانزعيه في النهار ولا تمتشطي بالطيب والحناء فإنه خضاب قال: قلت بأي شئ أمتشط فقال بالسدر) ، فلها أن تمتشط بالسدر ونحوه مما لا يكون له رائحة طيبة، وهذا باتفاق أهل العلم. قال: [لا توتيا ونحوها] (لا توتيا) ؛ لا أعرف هذا، ولعله من الكحل المعروف عندهم قديماً، وكذلك ذكروا في الشرح كحل العنزروت، وهذه الأنواع ليست مما يكون فيه الجمال أي لا يعطي العين جمالاً ونضيره وحسياً، وهكذا إذا كان من الكحل شئ يتصف بهذا الوصف وهذا لا شك غير الأسود أي ليس فيه نضرة ولا جمال ولا حسن فلا بأس للمرأة أن تضعه، وأما الكحل الأسود فلا. قال: [ولا نقاب] أي لا تمنع من لبس النقاب وكذلك البُرقع، وهذا ينبني على أن النقاب والبرقع، وعندهم وليس من لباس الجمال والزينة، والذي يظهر أنه عندنا من لباس الجمال والزينة، وأن المرأة تلبسه تجملاً وتزيناً، وعليه فيمتنع من ذلك. والخزفي من الحنابلة منع المرأة في إحدادها أن تنتفي وهذا هو القول الراجح. فالمرأة - لاسيما النساء عندنا اللاتي تلبسه تجملاً وتزيناً وهو الجمال في حقهن وزينة – فإنها تمنع منه، بخلاف المرأة التي هو من عادتها كنساء البادية ونحوهن فليس من لباس الجمال من حقهن فلا يمنعن منه.

стр. 2931

قال: [وأبيض ولو كان حسناً] فإذا لبست ثوباً أبيض ولو كان حسناً فلا يأس بذلك، قالوا: لأن طبيعته الحسن فليس الحسن طارئاً عليه وهذا فيه نظر ظاهر. والقول الثاني في المسألة وهو قول في المذهب وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن المرأة تمنع منه. وهو القول الصحيح في المسألة وذلك لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلا فرق بين أن يكون مصبوغاً بالبياض الذي يعطي هذا الثوب حسناً ونضرة أو أن يكون البياض أصلياً فيه. فصل قال: [وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت] فتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت العدة، فإذا كانت في منزل من منازل زوجها وهي في ذلك المنزل فيجب عليها أن تعتد في ذلك المنزل، ففي السنن ومسند أحمد بإسنادٍ صحيح عن فريعة بنت مالك؛ (أن زوجها خرج في طلب –أعبد له فقتلوه، قالت: قسألت النبي ﷺ أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يترك لي مسكناً يملكه ولا نفقة فقال لها ﷺ : نعم، فلما كانت في الحجرة ناداها النبي ﷺ فقال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً، ثم قضى بذلك عثمان ﵁ . وهذا الحديث فيه أنه يجب على المرأة أن تعتد في بيت زوجها الذي توفي وهي فيه سواء كان هذا البيت ملكاً له أو مستأجراً أو إعارة، فيجب عليها أن تمكث فيه. مسألة: إذا كان البيت مستأجراً أو كان مملوكاً فهل يخرج ذلك من تركة الرجل فإن كان مملوكاً فإن الورثة يلزمون بإبقاء المرأة فيه ولا يحل لهم أن يخرجوها منه، وإذا كان مستأجراً فيؤخذ من تركته ما يدفع لصاحب الدار لتبقى فيه، أم ليس كذلك؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: هو مذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على الورثة أن يدعوها لتمكث فيه، ويشرع لهم ذلك لأنه من باب الإحسان. وإذا كان البيت مستأجراً فلا يخرج من تركته شيئاً لتسكن فيه.

стр. 2932

القول الثاني: وهو مذهب المالكية، وهو رواية عن الإمام أحمد وقول في نذهب الشافعي: ان لها حقاً في ذلك، فإذا له مال فإنه يؤخذ من تركته ما يستأجر له به هذا البيت الذي توفي زوجها وهي فيه، وإن كان له ورثة فإن الورثة يلزمون بترك زوجة أبيهم حتى تحد في البيت، وهذا هو القول الراجح في المسألة. وذلك لقول الله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويدرون أزوجاً وصيةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج﴾ . فنهى الله الأولياء أن يخرجوهن، والآية إنما نسخت المدة فيها، وأما النهي عن الإخراج فلم ينسخ، وهذا دليل من الأثر. وأما من النظر، فلأن هذه المرأة معتدة لحق زوجها فوجب لها في تركته ذلك. وعلى القول الأول - وهو قول الجمهور – هل يلزمها أن تستأجر هي من مالها أم لا يلزمها ذلك؟ فلو توفي عنها زوجها وهي في دار فهل يلزمها أن تستأجر هذه الدار أربعة أشهر وعشراً سواء كان المستأجر منه الورثة أو غيرهم أم لا يلزمها ذلك. المشهور في المذهب: أن ذلك لا يلزمها وأن الواجب عليها هو السكن لا تحصيل المسكن. والقول الثاني في المسألة وهو مذهب أبي حنيفة وهو قول في المذهب: أن ذلك يلزمها. ...وذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ...فالأرجح وهو المشهور في المذهب أن ذلك لا يلزمها، وذلك لأن الله إنما أوجب عليها السكن، وأمر الأولياء أن يحصلوا لها المسكن فقال سبحانه: ﴿غير إخراج﴾ . ...هذا القول هو الأصح من هذين القولين، وإلا فالراجح من أصلي القولين ما تقدم وهو مذهب المالكية وأنه لا يجوز للأولياء أن يخرجوهن، وليس لهن أن يخرجن إذا كان البيت مستأجراً، فإنه يؤخذ من التركة ما يدفع به الإيجاز ثم تسكن فيه هذه المرأة مدة العدة. قال: [فإن تحولت خوفاً] . أي تحولت من هذا البيت خوفاً من هدم أو لص أو غير ذلك. قال: [أو قهراً] . أي تخرج بظلم كأن يخرجها الأولياء حيث قلنا إنه ليس للأولياء أن يخرجوها. قال: [أو بحق] . كأن تؤذي فتخرج بحق.

стр. 2933

قال: [انتقلت حيث شاءت] . فمتى ما كان لها عذر في ترك هذه الدار فإنها تنتقل حيث شاءت قرب الموضع من الدار أم لم يقرب. وذلك لأن الواجب عليها قد سقط بالعذر وليس هناك مكان معين آخر، فكان لها أن تعتد في أي موضع شاءت. قال: [ولها الخروج لحاجتها نهاراً لا ليلاً] . اتفق العلماء على أن المرأة المحادة ليس لها أن تخرج ليلاً إلا لضرورة وذلك لأن الخروج في الليل مظنة الفساد. وأما النهار فلها أن تخرج قال المؤلف هنا: " لحاجتها " قالوا: كأن تشتري أو تبيع، ولو كان هناك من يقوم بمصالحها لأن هذه حاجة وليست ضرورة. ودليل ذلك ما روى ابن أبي شيبة في مصنفه: "أن ابن عمر رخّص للمتوفي عنها أن تخرج إلى أهلها في بياض النهار" في مصنف ابن أبي شيبة أيضاً: أن النساء شكين إلى بن مسعود الوحشة فأجاز لهن أن يجتمعن في بيت إحداهن إلى الليل، فإذا كان الليل ذهبن كل واحدة منهن إلى بيتها". وهذا باتفاق العلماء. لكن في ذكر الحاجة نظر ظاهر، كما قرر هذا الزركشي من الحنابلة فإنه من المعلوم والمتقرر أن المرأة تمنع من الخروج من بيتها إلا لحاجة لقوله تعالى: ((وقرن في بيوتكن)) ، عادة فلا حاجة إلى هذا الاشتراط، وليس هذا الاشتراط مذكوراً من كلام الإمام أحمد، بل أجاز ذلك في النهار مطلقاً وهذا يترجح لي ولم أر دليلاً يدل على منع المرأة من أن تخرج من بيتها وهي محادة نهاراً. والحنابلة كما تقدم يجيزون خروجها للحاجة كأن تشتري أو تبيع أو أن تجد وحشة فتحتاج إلى الخروج. والذي يترجح أن لها الخروج مطلقاً لكن إن كان لغير حاجة فإن ذلك يكره وهو قول في مذهب الإمام أحمد وهو رواية عن الإمام أحمد بل ذكر الزركشي أن هذا الشرط لا حاجة إليه لأن المرأة يكره لها أن تخرج بلا حاجة سواء كانت في حداد أو غيره. قال: [وإن تركت الإحداد أثمت، وتمت عدتها بمضي زمانها] . إذا تركت المرأة الإحداد في عدتها فلم تحد، فإنها تأثم لتركها الواجب.

стр. 2934

لكن عدتها تتم، بمضي زمانها إذ ليس من شروط العدة الإحداد، فالعدة تصح بلا احداد، وذلك لأنه كما تقدم لا يشترط للعدة النية فأولى من ذلك ألا يشتراط فيها الإحداد. " باب الإستبراء" الاستبراء: مشتق من البراءة، وهو عند الحنابلة تربص يقصد منه العلم ببراءة رحم ملك اليمين. فخصوه بملك اليمين. والراجح ما تقدم وأن الاستبراء يكون لنكاح الشبهة ويكون للزنا وللمختلعة وغيره مما تقدم ذكره. وأما الحنابلة فخصوه بملك اليمين فإذا اشترى أمةً وهي توطأ فلا يحل له أن يسقي ماءه زرع غيره، فلا بد وأن يستبرئ المرأة بحيضة أو أن تضع حملها. قال: [من ملك أمة يوطأ مثلها من صغيرٍ وذكر وضدهما حرم عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها] . من ملك أمةً يوطأ مثلها من صغير، ليس هنا المالك الجديد هو الصغير بل المالك القديم هو الصغير. فإذا اشترى رجل أمةً مملوكة لصغيرة أو ذكر أو صدهما بأن تكون لكبير أو امرأة فإذا اشترى أمة من امرأة عجوزٍ حرم عليه وطؤها حتى يستبرئها وهذا قول ضعيف. ولذا عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام، أنها إذا كانت مملوكة لمن لا يطأ كالطفل، والمرأة فإنه لا يجب عليه الاستبراء وذلك للعلم ببراءة الرحم. قال: [ومقدماته] فليس له الوطء ولا مقدماته، كأن يباشرها أو يقبلها أو نحو ذلك وهذا خلاف الراجح. فعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن القيم أن له أن يباشرها وله أن يستمتع بها دون الوطء وذلك لأن النهي عن الوطء فقط، فلا دليل على المنع من مباشرتها والاستمتاع بها دون وطئها. وكذلك العلة لا تثبت فالعلة هي ألا يسقي ماءه غيره وحيث استمتع بها دون الفرج فالعلة ليست ثابتة والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. قال: [واستبراء الحامل بوضعها، ومن تحيض بحيضة] . لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (لا توطأ حامل حتى تضع،، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) .

стр. 2935

فإذا كانت حاملاً فلا يحل وطئوها حتى تضع سواء كانت عند من يطأ أو عند من لا يطأ كصغير وأنثى، لأن الحمل قد ثبت فيها وقد يكون من زنا أو شبهة أو غير ذلك. وإذا كانت غير ذات حمل فحتى تحيض حيضة إن كانت عند من يطأ. قال: [والآيسة والصغيرة بمضي شهر] . وذلك لأن الاستبراء بحيضة، والشهر يقابل الحيضة وعن الإمام أحمد وهو القول الثاني في المسألة، وذكر الموفق أنه المشهور في المذهب، أنها تستبرأ بثلاثة أشهر وهذا هو الظاهر وكما تقدم بقليل مسألة سابقة وأن العلم ببراءة الرحم لا يكفي فيه الشهر ولا الشهران بل يحتاج إلى ثلاثة أشهر، فهنا لا يكفي في الاستبراء بشهر بل لابد من ثلاثة أشهر لأن التربص ثلاثة أشهر يعلم به براءة الرحم. وهنا مسألتان: ١) المسألة الأولى: أن الرجعية في حكم المحادة في مسألة المكث في البيت. قال تعالى: ((واتقوا الله لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) . فالرجعية كالمتوفي عنها في وجوب المكث في البيت. ٢) المسألة الثانية: وأما البائن فليست كذلك، لأن البائن ليست بزوجة لكن إن أحب زوجها تحصناً لفراشه أن تمكث في بيته حيث لا محذور في ذلك، أي حيث كان مأموناً وكان الموضع مأموناً منه ومن غيره، فإنها تلزم بذلك وذلك لرفع الضرر (ويراجع قول آخر) . والمذهب أنه لا يلزم بالنفقة. واختار شيخ الإسلام أن له ذلك بشرط أن يلتزم بالنفقة وهذا الأظهر وذلك لأنها محبوسة لأجله ولحقه. إذن للزوج الذي قد طلق امرأته طلاقاً بائناً أن يمنعها من أن تخرج إلى أهلها أو إلى بيت آخر وأن يأمرها أن تمكث في البيت لكن ذلك بشرطين: ١) ألا يكون هناك محذور في ذلك. ٢) أن ينفق عليها في الأصح. " كتاب الرضاع " الرضاع: بفتح الراء وكسرها. وهو في اللغة: مصّ الثدي. وفي اصطلاح فقهاء الحنابلة: هو مصُّ من دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه، هذا تعريفه في اصطلاح فقهاء الحنابلة ويأتي ما فيه من النظر.

стр. 2936

وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على ثبوت الرضاع. قال تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة)) وقال ﷺ من حديث عائشة: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) متفق عليه. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وقد أجمع أهل العلم على ثبوت الرضاع في الجملة. قال: [يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] . لما تقدم من حديث ابن عباس وحديث عائشة وما تقدم من الكتاب والإجماع. قال: [والمحرم خمس رضعات] . فالمحرم خمس رضعاتٍ في المشهور في مذهب أحمد ومذهب الشافعي. ودليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يتلى من القرآن". أي أن بعض الناس لم يطلّع على النسخ فبقي يتلو هذه الآيات ولا يعلم أنها منسوخة. وعليه فالآية الناسخة والمنسوخة كلاهما، يتفقان في النسخ اللفظي، والآية الثانية التي فيها التحريم بخمس رضعات لم ينسخ حكمها وأما الآية الأولى التي فيها أن التحريم بعشر رضعات فقد نسخ لفظها وحكمها. وذهب المالكية والأحناف إلى أن مجرد الرضاع يحرم، فلو امتص شيئاً قليلاً من اللبن فإن الرضاع يثبت من غير أن ينظر إلى عدد واستدلوا: بالإطلاق في قوله تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)) فالآية مطلقة فبمجرد الرضاع يثبت الحكم. واستدلوا: بحديث عقبة بن الحارث وأنه تزوج أم يحي بنت إهاب، فأتته امرأة فقالت: إني أرضعت عقبة والتي تزوج، فأتي النبي ﷺ فقال له ذلك، فقال النبي ﷺ : (كيف وقد قيل) ففارقها عقبة فنكحت رجلاً غيره) رواه البخاري. فقد أثبت النبي ﷺ هذا الحكم بمجرد ثبوت الرضاع وأجاب أهل القول الأول عن هذه الأدلة: بأنها مطلقة وأن السنة قد قيدتها وبينت أن الرضاع المحرم هو خمس رضعات.

стр. 2937

وذهب أهل الظاهر وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الرضاع المحرم هو ثلاث رضعات. أدلتهم هي: ما ثبت في مسلم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (لا تحرم المصة والمصتان) ومن حديث أم الفضل: " لا يحرم الإملاجة أو الإملاجتان" وهذه من الأدلة التي يرد بها على أهل القول الثاني. وأما الجواب عن استدلالهم أي أهل الظاهر، فأن يقال: ما ذكرتموه مفهوم، فإن قوله: " لا تحرم المصة والمصتان" فمفهومه أن الثلاث تحرم، وكذلك "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان" فإن مفهومه أن الثلاث تحرم. لكن عندنا منطوق وهو حديث عائشة وأن الرضاع المحرم هو خمس رضعات معلومات. والمنطوق مقدم على المفهوم، كما هو مقرر في أصول الفقه إذن الصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية من أن الرضاع المحرم هو خمس رضعات معلومات. واختلف أهل العلم فيما يسمى رضعة: فالمشهور في المذهب أنه إذا مص الثدي فتركه باختياره أو بغير اختياره فإنها تحسب رضعة. فلو أنه امتص الثدي ثم انتقل إلى الثدي الآخر، أو قطعه لتنفس أو لعطاس، ونحو ذلك فإنها تحسب رضعة أخرى. والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الشافعية وهو وجه في مذهب الإمام أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي أن الرضعة المحرمة هي الرضعة الكاملة التي يترك معها مص الثدي باختياره. وأما إذا تركه بغير اختياره كأن ينتقل من ثدي إلى ثدي آخر أو أن يتركه لتنفس أو نحو ذلك فإن مجموع ذلك يسمى رضعة واحدة فرجوعه إلى الثدي بين التنفس أو العطاس لا يعتبر رضعة ثانية بل كلاهما رضعة واحدة. وهذا هو القول الراجح وهو الذي يدل عليه العرف فإن الرجل لا يعد قد أكل أكلتين أو ثلاثاً إذا كان قطع أكله لتنفس أو لانتقال إلى طعام آخر أو لشرب ماء أو عطاس أو نحو ذلك بل لائق في العرف إلا أكلاً أكلةً واحدة. قال: [في الحولين] . فالرضاع المحرم إنما يكون في الحولين.

стр. 2938

قالوا: لقوله تعالى: ((والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)) . ولما روى الدارقطني أن النبي ﷺ قال: (لا رضاع إلا في الحولين) وهذا هو مذهب الجمهور. واختار شيخ الإسلام وهو قول بعض السلف أن الرضاع المحرم ما يكون قبل الفطام سواء كان ذلك في الحولين أو بعدهما فلو أنه فطم بعد سنة من ولادته ثم رضع فإن هذا الرضاع ليس بمعتبر عند شيخ الإسلام. ولو أنه تأخر فطامه إلى ما بعد الحولين فرضع بعد الحولين فإن الرضاع معتبر إذن العبرة بالفطام سواء كان هذا في الحولين أو بعدهما وهذا هو القول الراجح، ويدل عليه أدلة منها:- ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (انظرن إخوتكن فإنما الرضاعة من المجاعة) أي حيث كان اللبن يسد جوعته وينشر عظمه وينبت لحمه. ويدل عليه أيضاً وهو أصرح دلالة، ما ثبت في سنن الترمذي بإسناد صحيح وصححه الترمذي وغيره، أن النبي ﷺ قال: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام) . والشاهد قوله: (وكان قبل الفطام) . وقوله: (في الثدي) أي في زمن الرضاع، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن إبراهيم ﵁ مات في الثدي فجعل الله له مرضعاً في الجنة) . والجواب عما استدل به أهل القول الأول:- أن قوله: (يرضعن أولادهن حولين كاملين) هذا بناءً على الغالب، فالغالب في الرضاع أن يكون في الحولين. وأما حديث: (لا رضاع إلا في الحولين) فالصواب وقفه على ابن عباس ﵁ كما رجح ذلك الدارقطني وابن عدي. فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام. وذهب أهل الظاهر إلى أن رضاع الكبير مؤثر، فلو رضع ابن عشر أو ابن ثلاثين فإن الرضاع مؤثر. وهو قول أم المؤمنين عائشة.

стр. 2939

ودليله: ما رواه مسلم في صحيحه، أن إبنة سهل زوج أبي حذيفة سألت النبي ﷺ فذكرت له أن سالماً مولى أبي حذيفة قد بلغ مبلغ الرجال وعقل ما عقلوا، وأنها ترى أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً) وفي رواية: أنه ذو لحية " فقال النبي ﷺ ارضعيه تحرمي عليه". قالوا: فهذا يدل على أن رضاع الكبير مطلقاً مؤثر. وهو قول أم المؤمنين عائشة وأبى ذلك سائر أزواج النبي ﷺ كما في صحيح مسلم، وقلن: ما نرى إلا أنها رخصة أرخصها النبي ﷺ لسالم خاصة) . وما أجابته نساء النبي ﷺ هو جواب الجمهور، فقالوا: هذا الحديث خاص بسالم. إذن هي عندهم: خصوصية عين. واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن الخصوصية خصوصية وصف لا عين. وهو القول الراجح في المسألة إذ الأصل عدم الخصوصية ولو أن امرأة أخذت لقيطاً فربته عندها فبلغ مبلغ الرجال واعتاد على الدخول عليها وشق عليه أن يستغني عنهم فلها أن ترضعه وإن كان ابن عشرين سنة كما هو اختيار شيخ الإسلام وهو القول الراجح. قال: [والسعوط والوجور] . السُعوط: أن ينقط الحليب في الأنف. والوجور: هو أن يصب الحليب في فيه أي في الطفل فيثبت الحكم. وكذلك لو جُِبن عند الجمهور. وفي أصح قولي العلماء وهو مذهب الشافعية ووجه عند الحنابلة قالوا: ولو حقن في دبره، فكل ذلك يثبت به التحريم وذلك لأن هذا الفعل من سعوط أو وجور أو حقنة أو تجبين يحصل به ما يحصل بالرضاع من الفائدة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. قال: [ولبن الميتة] . كذلك لبن الميتة يثبت به التحريم كما هو مذهب الجمهور خلافاً للشافعي وذلك لأنه رضاع. فلو أنه رضع أربع رضعات وهي حيه، ثم رضع منها الخامسة وهي ميتة فغن هذا الرضاع مؤثر لأنه يسمى رضاع ولأنه يحصل بهذا اللبن من الميتة ما يحصل من لبن الحية. وهذا القول هو الراجح وهو مذهب جمهور العلماء.

стр. 2940

قال: [والموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد] . فإذا وطئت المرأة بشبهة كأن يطأ الرجل امرأة يظنها زوجته فينتج عن هذا الوطء حمل وثاب من هذا الحمل لبن، فإذا رضع طفل من هذا اللبن، فإن هذه الموطوءة بشبهة تكون أماً له، والواطء يكون أباً له. كذلك الموطوءة بعقد فاسد، وذلك لأنه لبن ويحصل منه ما يحصل من لبن الموطوءة بنكاح صحيح. ولأن النسب يثبت فيثبت الرضاع فإن الرضاع يتفرع عن النسب. قال: [أو باطل] . فالموطوءة بعقد باطل كمن نكح امرأة في عدتها فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن، فرضع منه الطفل فالحكم يثبت لأنه قد رضع من هذه المرأة وهي ذات لبن ويحصل من لبنها ما يحصل من لبن غيرها. قال: [أو زنا محرم] . فلو زنى بامرأة فحملت فثاب عن هذا الحمل لبن فكذلك. يثبت حكم الرضاع. لكن في المسألتين الأخيرتين لا يكون الزاني ولا الناكح نكاحاً باطلاً لا يكون أباً له من الرضاع عن الثيب فكما أن النسب لا يثبت فكذلك الرضاع. قال: [وعكسه البهيمة] . اتفاقاً: فلبن البهيمة لا يثبت به التحريم باتفاق أهل العلم. قال: [وغير حبلى ولا موطوءة] . إذا رضع من امرأة بكر لم توطأ، أو رضع من امرأة موطوءة وهي غير حبلى إذن فيها لبن لكنه لم يثب من حمل، فإنه لا يثبت به التحريم هذا هو المشهور في المذهب. وذهب الجمهور وهو راوية عن الإمام أحمد أنه مؤثر للتحريم قالوا: لأنه رضاع فيدخل في قوله تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)) . وأما الحنابلة: فقالوا: ليس بلبن بل هو رطوبة متولدة فلا يكون قد امتص لبناً بل امتص رطوبة متولدة، فلا ينبت لحماً ولا ينشز عظماً ومرجع هذه المسألة إلى أهل الخبرة. وإن كان من حيث النظر، ما ذهب إليه الحنابلة هو الراجح في هذه المسألة فلا يثبت أن اللبن الذي يكون في المرأة غير الحامل لا يثبت أن فيه فائدة فينشز عظماً أو ينبت لحماً.

стр. 2941

لكن إن قرر أصحاب الخبرة من الأطباء أن اللبن الذي يكون في غير الحامل أن فيه النفع الذي يكون في لبن الحامل فيكون له نفس الحكم أي يكون مؤثراً للتحريم لأن الحكم يدور مع علة وجوداً وعدماً فالذي يترجح الآن هو ما ذهب إليه الحنابلة. قال المؤلف ﵀: [فمتى أرضعت امرأة طفلاً صار ولدها في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية] . فمتى أرضعت امرأة طفلاً بالشروط المتقدمة صار ولدها في النكاح أي في تحريم النكاح قال تعالى: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاع)) . ويصير ولدها أيضاً في إباحة النظر والخلوة والمحرمية لأنها فرع عن تحريم النكاح بسبب مباح. ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها بعد الحجاب قالت: فأبيت أن آذن له فلما جاء رسول الله ﷺ أخبرته بالذي صنعته فأمرني أن آذن له علي وقال: " إنه عمك". فهذا يدل على إباحة الخلوة ونحوها من النظر. إذن: يحرم النكاح ويباح له الخلوة، والنظر والمحرمية. ولا يترتب على الرضاع شيء من الأحكام التي تترتب على النسب من إرث أو نفقة أو ولاية أو غير ذلك بل لا يترتب عليه لا النكاح وما يتفرع عنه من جواز النظر والخلوة وثبوت المحرمية. قال: [وولت من نسب لبنها إليه بحمل أو طء] . أي وصار المرتضع ولد من نسب لبنها إليه. وفي مسلم من حديث عائشة المتقدم، أنها قالت يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فقال النبي ﷺ تربت يمينك: " فقد أنكر عليها النبي ﷺ ذلك فاللبن للرجل، وعليه فثبت له الأبوة من الرضاع، ولذا قال المؤلف هنا: " وولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطء" أي صار المرتضع ولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطء. مسألة:

стр. 2942

إذا كان له امرأتان فأرضعت إحداهما الطفل رضعتين، وأرضعت الأخرى الطفل ثلاثا، فمجموع إرضاعهما خمس رضعات، هنا: لا إشكال في أن الأمومة لا تثبت لأن كل واحدة منهما لم يرضع هذا الطفل خمس رضعات معلومات، لكن هل يثبت الأبوة من الرضاع أم لا؟. القول الأول: أن الأبوة لا تثبت. قالوا: لأنه رضاع لم يثبت الأمومة فلم يثبت الأبوة. القول الثاني: أن الأبوة تثبت وهو القول الراجح. وذلك لأن الأبوة إنما تثبت له لأن الطفل قد رضع من لبنه، فاللبن الذي في امرأته ليس له، وقد ثبت أن هذا الطفل راضع من لبنه خمس رضعات معلومات وليست الأبوة فرعاً عن الأمومة كما هو ظاهر القول الأول، بل الأبوة أصل منفرد، فليس ثبوت أبوته لثبوت أمومة المرأة وإنما لكون هذا الطفل قد رضع من لبنه. أما لو كان الرضاع من بناته، كأن يكون له خمس بنات مثلاً فترضع كل واحدة منهن الطفل رضعة واحدة، فإن الأمومة لا تثبت كما تقدم. وهل تثبت للأب الجدودة من الرضاع أم لا؟ هنا لا تثبت وذلك لأن اللبن ليس له، وثبوت الجدودة له من الرضاع متفرعة عن ثبوت الأمومة لبناته فالفرعية هنا متحققة بخلاف الفرعية في المسألة الأولى. مسألة: وهي المسألة المتقدمة. لو أن امرأة أرضعت طفلاً رضعتين من لبن زوجها ثم طلقها ثم تزوجت آخر فأرضعت هذا الطفل ثلاث رضعات من لبن الزوج الآخر هنا الأبوة لا تثبت وذلك لأن الزوجين كليهما لم يرتضع هذا الطفل من لبن أحدهما خمس رضعات معلومات. وأما المرأة فقد رضع منها خمس رضعات، فتكون المرضعة أماً له، وأما الزوجان فليس أحد منهما أباً له. مسألة: إذا طلق الرجل امرأته وفيها لبن فتزوجهاآخر، فرضع الطفل من لبنها بعد الزواج الجديد فهل يكون ابناً من الرضاع للأول أو الثاني؟ في هذه المسألة تفصيل فللمسألة أربعة أحوال. الحال الأولى: ألا يزيد اللبن ولا تلد المرأة حملت أو لم تحمل أو يزيد ولا تحمل.

стр. 2943

فلو أن رجلاً طلق امرأته وفيها لبن فتزوجت آخر ولم يزد اللبن على ما هو عليه بسبب النكاح الجديد سواء حملت أم لم تحمل ما لم تلد منه. أو زاد اللبن بعد الزواج الثاني لكنها لم تحمل. فهنا يكون ابناً من الرضاع للأول لأن اللبن على ما هو عليه. الحال الثانية: أن يزيد اللبن بسبب الحمل من الثاني. فهنا يكون ابناً لهما جميعاً لأن اللبن مشترك بينهما. الحالة الثالثة: أن تلد من الثاني، ويأتي اللبن بعد الولاد فهنا وقد اتفق العلماء على أن اللبن يكون للثاني، وأن الولادة فاصلة. الحال الرابعة: ألا تلد من الثاني لكنها قد حملت منه، واللبن قد انقطع قبل الحمل ثم نشأ بعد الحمل. بمعنى تزوجت الثاني فانقطع اللبن من الأول، ثم حملت من الثاني فنشأ لبن جيد. فهنا في المسألة قولان لأهل العلم هما وجهان في المذهب. القول الأول: أنه يكون لهما معاً، وأن الحمل يكون قد أعاد اللبن. القول الثاني: أنه يكون للثاني منهما دون الأول. وهذا هو الراجح وصوبه صاحب الإنصاف. وذلك لأن انقطاعه ظاهر في زوال حكمه، كما أن نشوءه بسبب الحمل ظاهر في أنه للثاني. قال: [ومحارمه محارمه] . أي وصار محارم الأب من الرضاع محارم المرتضع فالأب من الرضاع له محارم وهم آباؤه وأمهاته وأجداده وجداته وأعمامه وعماته وأخواله وخالته وأبناؤه وبناته وإخوانه وأخواته، فهؤلاء كلهم يكونون محارم للمرتضع. فإذا كان الأب من الرضاع له بنت، فإنها تكون أختاً لهذا المرتضع. وإذا كان لهذا الأب من الرضاع أخ فإنه يكون عماً للمرتضع وهكذا. قال: [ومحارمها محارمه] . محارم المرضعة محارم للمرتضع فأم المرضعة تكون جدته وأختها تكون خالته، وأخوها يكون خال وابنها يكون أخاه وهكذا. قال: [دون أبويه وأصولهما وفروعهما] .

стр. 2944

فلا يتأثر بالتحريم إلا المرتضع وفروعه، أما أبواه وأصولهما وفروعهما وهم الحواشي فلا يتأثرون بالتحريم فلا يتأثر بالتحريم إلا المرتضع وفروعه أبناؤه وبناته فابن المرتضع تكون المرضعة جدة له من الرضاع، ويكون صاحب اللبن جداً له من الرضاع. وأما إخوان المرتضع وأخواته، وأعمامه وعماته وآباؤه وأمهاته فلا دخل لهم بهذا الرضاع. وهذا باجماع العلماء. قال: [فتباح المرضعة لأبي المرتضع] . فأبو المرتضع هو من الأصول، فيجوز له أن يتزوج المرضعة التي أرضعت ابنه. قال: [وأخيه من النسب] . فيجوز لأخي المرتضع من النسب أن يتزوج أم المرتضع وابنتها أو خالتها أو عمتها. وذلك لأن التحريم لم يتعلق به ولم يتصل به. قال: [وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه من الرضاع] . فيجوز أن يتزوج أبوه من الرضاع أمه من النسب ونحوه أن يتزوج أخوه من الرضاع أخته من النسب وهكذا. فما ذكره المؤلف هنا من باب التمثيل. مسألة: هل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة أم لا؟ بمعنى: هل تحرم عليكم أم زوجتك من الرضاع أي لك زوجة ولها أم من الرضاع فهل تحرم عليك؟ وهل تحرم عليك زوجة أبيك من الرضاع وهل تحرم عليك زوجة ابنك من الرضاع وهل تحرم عليك ابنة زوجك من الرضاع؟ جماهير أهل العلم على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة وحكى ذلك إجماعاً. وتوقف في ذلك شيخ الإسلام فيه وقال: " إن كان أحد قد قال بعدم التحريم فهو أقوى". ونصر ذلك تلميذه ابن القيم أي القول بأنه لا يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة. وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة، وأن التحريم من الرضاع لا يتعدى إلى المصاهرة، وذلك لقوله تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم)) ولم يرد دليل أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة. والنبي ﷺ إنما قال: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وفرق بين النسب وبين المصاهرة، وقد قال تعالى: ((وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً)) .

стр. 2945

ومما يدل على هذا أن الله قال في كتابه الكريم: ((وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي من نسائكم)) وقوله: ((وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم)) وهذا الإطلاق لا يدخل فيه زوجة الابن من الرضاع ولا أم الزوجة من الرضاع ولا بنت الزوجة من الرضاع يدل على ذلك أن النية قال قبل ذلك: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة)) فلم يكتف بقوله، (حرمت عليكم أمهاتكم) عن قوله: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)) . ولم يكتف بقوله: ((وأخواتكم)) عن قوله: ((وأخواتكم اللاتي أرضعنكم)) . فدل على أن الأخت إذا أطلقت فلا تدخل فيها الأخت للرضاع وكذلك أمهات النساء إذا أطلقن فلا يدخل فيهن أمهات النساء من الرضاع، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة وقد نصر هذا القول ابن القيم، ونفى أن يكون فيه إجماع، وهو من الإجماع الظني، وغاية ما فيه عدم معرفة الخلاف. مسألة: اللبن المشوب بالماء هل يثبت به التحريم أم لا؟ الجواب: إن كان اللبن ظاهراً ويحصل به ما يحصل باللبن غير المشوب من كونه ينشز العظم وينبت اللحم فإنه يثبت به، فإذا شربه كانت رضعة. مسالة: كره الإمام أحمد ﵀ أن تسترضع الفاجرة والكافرة والحمقاء. وقد ورد عن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهما قالا: " اللبن يشبه" كما في سنن البيهقي. قال المؤلف ﵀: " كان يقال الرضاع يُغير الطباع". فلما يخشى من تأثر الرضيع بالمرضعة فإنها يكره أن تسترضع الحمقاء أو المشركة أو الفاجرة. وفي أبي داود والحديث مرسل أن النبي ﷺ نهى أن نسترضع الحمقاء. مسألة: المشهور في مذهب الإمام أحمد: أن الرضاع يثبت بشهادة امرأة ثقة. فإذا شهدت امرأة ثقة بالرضاع فإنه يثبت هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب أهل الظاهر. وقال الأحناف: لا يثبت إلا بشهادة رجل وامرأتين وقال الشافعية: لا يثبت إلا بشهادة أربع نسوة. وقال المالكية: لا يثبت إلا بشهادة امرأتين.
следующие страницы →