← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يثرب، وهو في السادسة من عمره لزيارة أخوال جده من بني عدي بن النجار١. وفي هذه الرحلة رأى محمد ﷺ قبر والده عبد الله في يثرب، فانطبعت في نفسه معانٍ عميقة ظل يشعرها طول حياته، ثم رأى والدته وهو عائد من يثرب إلى مكة يتخطفها الموت وتغيب عن عينيه في أعماق الثرى، ولا يرى معه في هذا الظرف العصيب إلا جاريته أم أيمن تضرب في البيداء المترامية، وبين الظلمات المتكاثفة من الخوف والحزن الذي ألم به بعد فراق أمّه الرءوم حتى تعود به إلى جده عبد المطلب فيتسلمه. ومنذ أن عاد محمد ﷺ إلى جده العظيم عبد المطلب بدأت تزول مخاوفه وأحزانه، لأنه رأى من عطفه وحنانه ما أنساه ألم اليتم وعوضه عن فقد والديه. ويذكر الرواة من مظاهر هذا العطف والحنان أن عبد المطلب كان له فراش في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ولا يجرؤ أحد أن يجلس عليه إجلالًا له واحترامًا، وكان محمد ﷺ يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عن فراش جده، فيقول عبد المطلب حين يرى ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا. ويجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما كان يصنع٢.

стр. 107

ولكن القدر لم يمهل عبد المطلب بعد وفاة آمنة سوى عامين ثم أدركته المنية ومحمد ﷺ لا يزال في الثامنة من عمره ١، وقد فزع محمد لفراق جده، وامتلأت نفسه بالحزن العميق حتى لقد لفت هذا الحزن أنظار الناس وهم يشيعون عبد المطلب إلى مقره الأخير حيث كانوا يرون محمدًا -وهو الطفل الصغير- يمشي في جنازة جده مطرق الرأس موزع الفكر دائم البكاء ٢. ومن ذلك سفره إلى الشام مع عمه أبي طالب الذي كفله بعد وفاة جده، وكان خير المثال للعمومة الكريمة والأبوة الرحيمة. وفي هذا الطريق التقى محمد ﷺ براهب نصراني يقال له: بحيرا، وكان محمد ﷺ حينئذٍ في الثانية عشرة من عمره، وكان ذلك بالقرب من بصرى وهي قرية في الحدود بين الشام وبلاد العرب. ويقال إن هذا الراهب أخذ يسأل محمد ﷺ عن كثير من أحواله، وإن محمدًا ﷺ أخبره عن كل ما سأل عنه. فوجد هذا الراهب أن هذه الأوصاف هي أوصاف النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل. وحينئذٍ قال لعمه أبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: إنه ابني. فقال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت.

стр. 108

وقد نصح هذا الراهب أبا طالب بألا يوغل بمحمد ﷺ في بلاد الشام خوفًا عليه من أذى اليهود وشرهم إذا رأوا فيه تلك الأمارات التي تدل على أنه النبي المنتظر١.

стр. 109

ولا شك أن هذه الرحلة كان لها أثر كبير في حياة الرسول ﷺ فلقد وسعت أفقه وزادت من تجاربه، وفتحت بين يديه أبوابًا من الأمل الواسع في مستقبل عظيم ومجد كبير. ومن ذلك شهوده حرب الفجار وحلف الفضول. أما حرب الفجار فقد شهدها محمد ﷺ مع أعمامه وكان عمره خمسة عشر عامًا١، فكان يناول أعمامه السهام أحيانًا ويقاتل معهم أحيانًا أخرى.. وكانت هذه الحرب بين كنانة وقيس. وقد انضمت قريش إلى كنانة دفاعًا عن قداسة الأشهر الحرم ومكانة أرض الحرم، واستمرت هذه الحرب أربعة أعوام، ثم انتهت بالصلح بين الفريقين٢. وأما حلف الفضول، فهو ميثاق كريم يدعو إلى الدفاع عن الحقوق وحماية المستضعفين. وقد عقدته قريش بعد رجوعها من حرب الفجار في دار عبد الله ابن جدعان بمكة، وتعاهدت فيه أن تحمي الضعفاء والمظلومين حتى يأمن كل إنسان على ماله وعياله، وقد رفع هذا الحلف مكانة قريش بين قبائل العرب،

стр. 110

وكان محمد ﷺ وقت حضوره هذا الحلف في العشرين من عمره١. وقد ترك هذا الحلف العظيم في نفس محمد ﷺ أعمق الآثار، لأنه حلف إنساني يدعو إلى الخير ومكارم الأخلاق، ثم تحدث ﷺ عنه بعد البعثة فأثنى عليه وقال: "لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في دار عبد الله بن جدعان ما أود لو أن لي به حمر النعم ٢، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت" ٣.

стр. 111

زواجه من السيدة خديجة ١: ثم نقف بعد ذلك عند العام الخامس والعشرين٢ من عمر الرسول ﷺ حيث يتغير به مجرى الحياة وتهيئ له الأقدار الزوجة المباركة التي تشاركه في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء، وهي السيدة خديجة ﵂ فما هي الظروف التي هيأت لذلك الحادث العظيم؟ يقول ابن هشام في سيرته: فلما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب. ثم يقول: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجل في مالها وتضاربهم٣ إياه بشيء تجعله لهم، فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها عن صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرًا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة٤، وقد قبل رسول الله ﷺ وخرج مع غلامها ميسرة حتى نزل

стр. 112

الشام وربحت التجارة ربحًا عظيمًا.. وظهرت له بركات قصها ميسرة على سيدته بعد عودتهما، فأحبت السيدة خديجة محمدًا ﷺ حبًّا جمًّا من أجل ما رأت منه وما سمعت عنه. ذلك بأنه كان وهو في طور الشباب ناضج العقل راشد الرجولة، وكان مع ذلك صادق الحديث أمينًا إلى أعلى ما تدل عليه هذه الكلمة من سمو وجلال. أجل كان أمينًا على نفسه فلم يستسلم إلى شر أو رذلة. وكان أمينًا على الناس، فلم ينتهك عرضًا ولم يظلم أحدًا ولم يفش سرًّا، ولم يخن في أمانة. ودارت مراسلات بدأت من جانب السيدة خديجة في جو من الأدب والحياء والطهر انتهت بالموافقة من الطرفين١ وتم عقد الزواج بإيجاب وقبول وصداق، فكان زواجها شرعيًّا متمشيًا مع ما بقي حينئذٍ من دين إبراهيم ﵇ وخطب أبو طالب في هذا الزواج فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية

стр. 113

إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بيتًا محجوجًا وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن محمدًا ابن أخي لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح عليه شرفًا ونبلًا، وفضلًا وعقلًا، وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وعارية مسترجعة. وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك١. وكانت خديجة حينئذٍ في سن الأربعين٢. وقد ظلت مع الرسول ﷺ إلى أن بلغت سن الخامسة والستين ثم ماتت في العام العاشر من البعثة النبوية٣.

стр. 114

بعض البشائر بنبوة محمد ﷺ من التوراة والإنجيل: وحسبنا أن نذكر في ذلك ما روي عن ثعلبة بن هلال، وكان من أحبار اليهود، حينما سأله عمر بن الخطاب ﵁ وقال له: أخبرني بصفات النبي ﷺ في التوراة. فقال: إن صفته في توراة بني هارون التي لم تغير ولم تبدل هي: أحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو آخر الأنبياء. وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح، ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة.

стр. 115

يولد بمكة، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب. وهو الحماد يحمد الله في الشدة والرخاء. صاحبه من الملائكة: جبريل، يلقى من قومه أذًى شديدًا، ثم تكون له الدولة عليهم، فيحصدهم حصيدًا، تكون الواقعات بيثرب منها عليه ومنه عليها، ثم له العاقبة، معه قوم هم أسرع إلى الموت من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، وقربانهم دماؤهم. ليوث النهار، رهبان الليل. وهو يعرب العدو مسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه، ثم يخرج ويحكم، لا حرس ولا حجاب، الله يحرسه، وجاء في إنجيل برنابا في الفصل التاسع والثلاثين: "إن آدم لما انتصب على قدميه رأى في الهواء كتابة تتألق كالشمس نصها لا إله إلا الله محمد رسول الله". فلما سأل عن محمد ﷺ قال الله له: إنه ابنك الذي سيأتي إلى العالم بعد آلاف السنين، والذي متى جاء سيعطي للعالم الهدى والنور١.

стр. 116

حياة التأمل: ومنذ استقرار حياة محمد ﷺ بعد زواجه من خديجة بدأ يفكر ويطيل التفكر فيمن حوله، فيراهم سادرين في غيهم، عاكفين على عبادة أصنامهم، فلا يعجبه

стр. 117

هذا الصنيع، ولا يروقه هذا المظهر الوضيع، فيتساءل في نفسه كيف يمكن أن يعيد الإنسان العاقل صنمًا لا يعقل ولا يفكر ولا يسمع ولا يبصر؟ وكيف يمكن أن يوجد هذا العالم بما يحويه من عجائب، وما يحيط به من أسرار، دون حاجة إلى موجد عظيم سميع بصير قوي قادر عليم حكيم. وأشرقت نفسه بهذه الرياضة الروحية العالية، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح١، أي وقعت كما رآها في المنام ليس فيها أوهام ولا أضغاث أحلام. ثم حببت إليه الخلوة والانقطاع عن الناس؛ فكأن يخلو بغار حراء ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ويحمل معه الطعام والماء. فإذا فرغ رجع إلى السيدة خديجة فحمل ما يحتاجه من الزاد، ثم ينطلق إلى الغار ليتعبد. وكانت هذه العبادة على دين إبراهيم، وقيل كان بالتأمل والتفكير في هذا الكون العجيب، وما يحيط به من أسرار دقيقة تدل على وجود إله قدير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٣. وقد لجأ محمد بن عبد الله ﷺ إلى العبادة عن طريق التأمل والتفكير، حينما وضح له أن مكة قد أحاطت بها ظلمات الشرك والضلال، وغرقت إلى الأذقان في عبادة الأصنام والأوثان، وأن البيت العتيق الذي هو موضع الطهر والقداسة

стр. 118

لدى العرب أجمعين، لا ينبغي أن تهفو إليه قلوب العقلاء ما دام محاطًا بهذه الأحجار التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، وما دام السفهاء من الناس يلتمسون الخير والبركة في ظل تلك الأحجار، ويعتقدون أنها تشع لهم عند الله، فتيسر على الفقير وتهب الصحة للمريض ويرونها الملاذ الآمن فيلجئون إليها في الشدائد والكروب، ويستنصرون بها إذا نزلت بهم الخطوب. أجل كان محمد صلوات الله وسلامه عليه -وهو الذي صنعه الله على عينه، ووهبه رجحان العقل وسداد الرأي ونفاذ البصيرة- ينظر إلى الملأ من قريش، فيعجب كل العجب حينما يراهم -وفيهم أفذاذ الرجال الذين صقلتهم التجارب والحوادث- ولكنهم على الرغم من ذلك كله يعكفون على أصنام لهم، ولئن سألتهم: لم تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر؟ فإنهم يتشبثون بمنطق زائف كليل، وحجة داحضة عمياء ويقولون: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: من الآية: ٥٣] . وكان من الطبيعي أن يضيق محمد ﷺ بهذا الجو الخانق، وينفر من هذه البيئة الفاسدة، ويلتمس له من هذا الضيق فرجًا ومخرجًا. وإذن فإلى أين المصير؟ وكيف يكون المخرج من هذا الفساد المستحكم والشر المستطير؟

стр. 119

في غار حراء: على بعد ساعة واحدة من مكة المكرمة بالسير على الأقدام، وعلى يسار الذاهب إلى منى تمتد سلسلة من الجبال والآكام المتلاصقة، ويلوح في وسطها جبل أحد يطل على تلك الفيافي الشاسعة والجبال الفارعة، وكأنه المنارة الساطعة. ذلكم هو الجبل الأشم الخالد على الزمن: جبل حراء. وقد طلع محمد ﷺ قبيل البعثة إلى هذه البقعة العالية، حينما رأى قريشًا قد

стр. 120

هوت إلى الحضيض، وانحدرت في عبادتها إلى الدرك الأسفل، فسما هو إلى هذا المكان وكان يخلو به كل عام في شهر رمضان١، أجل كان يخلو بغار في أعلى هذا الجبل الأشم، وهو كهف غريب جعله الله على وضع عجيب، يأخذه فيه الإنسان راحته الكاملة، وتنطلق فيه الروح من أسر المادة وعقال الشهوة، إلى حيث تسمو إلى العلياء، وتسبح في ملكوت السموات والأرض. فبابه يتسع لدخول الشخص الواحد وهو قائم، وقد غُطي سقفه بصخور مائلة، لذا كان وسطه أعلى من جانبيه. ويستطيع اثنان متجاوران أن يصليا فيه براحة كاملة، ومساحته من الداخل تسمح بنوم ثلاثة من الرجال متجاورين. وقد أسعدني الحظ بالرقي إلى هذا الغار في رفقة من الأصدقاء الأخيار، ومع نفر من أبنائنا الطلاب في كلية الشريعة بمكة. وكانوا جميعًا من الشباب الممتلئ بالقوة والفتوة، ولولا دافع قوي من الإيمان وشوق أقوى لرؤية أول مكان نزل فيه القرآن، لتحطمت قوتنا بين يدي تلكم الأحجار العاتية، ولما استطاع أحد منا أن يواصل السير والصعود على هذا المرتقى الوعر الشديد..

стр. 121

ولكن عند الصباح يحمد القوم السرى، وحينما تتحقق الآمال تضيع المتاعب وتنسى الآلام، ولقد نسينا ما لقينا من نصب ومشقة حينما انتهينا بحمد الله وتوفيقه إلى الغار، وأشرقت علينا من خلاله الأنور، وغمرتنا موجات متلاحقة من البِشر والسرور، وطاف بنا إشراق من صفاء النفس وسمو الروح، حتى لقد ذهلنا عن أنفسنا وخيل إلينا أن أجسامنا قد استبدلت بأطياف وأرواح، وأن أجسادنا لم يعد لها ثقل مادي، وأن في استطاعتنا أن نحلق في يسر وسهولة إلى الملإ الأعلى. ولقد تراءى بين أيدينا إذا ذاك سجل الزمن وكتاب الأيام، فقلبنا صفحاته إلى الوراء أربعة عشر قرنًا من الزمان، حيث وقفنا عند صفحة خالدة تشع بالأنور في تاريخ هذا الغار. ولعل الشاعر الحجازي الأستاذ السيد أحمد العربي قد عبر عما تجيش به نفوسنا جميعًا في قصيدته الرائعة عن غار حراء، وهي القصيدة التي يقول فيها: هذا حراء سائلوه يجبكم ... فلعله سفر من الأسفار واستلهموه مواقف الوحي التي ... شع الهدى منها على الأقطار وسلوه ماذا قد أقل من البطو ... لة والحجى؟ أعظم به من غار أخلق بغار حراء أن يزهى على ال ... أهرام والإيوان والآثار كم بين صاحبه وبين بناتها ... من فارق أربى على الأقدار شتان بين محرر الأقوام وال ... مستعبدين سلائل الأحرار فإلى هذا المكان الذي يشق العنان، كان يصعد محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم

стр. 122

قبيل بلوغه الأربعين١، وكان يحمل معه من الماء والطعام٢ ما يكفيه لقضاء جزء كبير من شهر رمضان في كل عام، وبين تلك الصخور والرجام، وفي هذا الصمت العميق، ومن خلال تلك الكوة٣ الضيقة كان يطل محمد ﷺ على الدنيا بأسرها، فيطالع عظمة الكون ونظامه ودقته وإحكامه، ثم ينظر مع ذلك إلى أهل مكة وما حولها، فيراهم في الغي سادرين فيستولي على نفسه الضيق والألم، ويتمنى أن لو جاء الحق الذي تسكن له النفوس، وتطمئن به القلوب، وتنجاب أمامه الغياهب والظلمات. وحينما أراد الله أن يعلي كلمته ويتم على العالمين نعمته، أذن للحق بالظهور لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، فجاء جبريل الأمين إلى محمد الأمين، وقد بلغ أشده وبلغ الأربعين. ودخل عليه الغار ومعه صحيفة، فضمه ضمة شديدة حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال له: اقرأ. فأجابه الرسول ﷺ : ما أنا بقارئ. وكرر جبريل هذا العمل والقول ثلاث مرات، والرسول ﷺ يجيبه بنفس الجواب، فقال له جبريل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٤.

стр. 123

وهكذا ابتدأت دعوة الحق نورًا أضاء في غار تقاس مساحته بالأشبار، ولكن لم يلبث هذا النور إلا قليلًا حتى ملأ الأقطار والأمصار، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وقد رجع رسول الله ﷺ عقب نزول الوحي عليه يرجف فؤاده، ودخل على زوجته خديجة، وقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم أخبر زوجته السيدة خديجة بما وقع له في غار حراء، وقال لها: "لقد خشيت على نفسي". فطمأنته السيدة خديجة، وبينت له أن وراء هذا الحادث خيرًا كثيرًا حيث قالت له: "والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق"١. ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان عنده علم بالكتب السماوية، فلما سمع من الرسول ﷺ خبر ما رأى أدرك أن هذا هو الوحي الذي كان ينزل على الأنبياء من قبل، فبشر محمدًا ﷺ بأنه سيكون نبي هذه الأمة ... وتمنى ورقة لو يطول به العمر حتى تظهر رسالة محمد ﷺ فيكون من أنصاره وأعوانه٢. ولكن شاء الله أن يموت ورقة قبل أن تتحقق أمنيته. وفتر الوحي بعد ذلك مدة من الزمان.

стр. 124

وقد اختلف العلماء في هذه الفترة. وأرجح الأقوال أنها أربعون يومًا فحسب١، ولكن هذه المدة على قصرها مرت على الرسول ﷺ وكأنها أربعون سنة. ولا عجب في ذلك، فقد اشتد به الشوق لنزول الوحي عليه، وخاف أن يكون الله قد حرمه من هذه النعمة الكبرى. ولكن الله تعالى رحم محمدًا ﷺ من هذه الحيرة الأليمة، فعاد إليه الوحي. ونزل عليه قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبرْ﴾ ٢.

стр. 125

الفصل الثالث من بدء الدعوة إلى الهجرة النبوية مدخل ... الفصل الثالث من بدء الدعوة إلى الهجرة النبوية كان لا بد أن يبلغ الرسول ﷺ تلك الرسالة الغالية التي حملها إلى الناس نذيرًا لمن خالف بالعقاب، وبشيرًا لمن أطاع بالثواب، ومبينًا للناس طريق الحق الذي يوصلهم إلى الخير وينأى بهم عن الشر والضلال، فاستجاب له جماعة من أقربائه وأصدقائه الذين أراد الله لهم الخير والهداية، وهؤلاء هم السابقون الأولون ومنهم خديجة بنت خويلد ﵂ وعلي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وزيد بن حارثة مولى الرسول ﷺ وأم أيمن حاضنته، وهؤلاء من عشيرة الرسول ﷺ وأقربائه، ومنهم أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، وغير هؤلاء ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه١.

стр. 126

وكانت الدعوة في مبدأ أمرها سرية تتم في الكتمان والخفاء، حتى لا يقاومها الأعداء وهي لم تزل في مهدها الصغير، ثم تطورت بعد ثلاثة أعوام من بدء الوحي، حينما نزلت الآية: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. واتخذت مظهر الجهرية الصريحة والإعلان العام، فأصبح محمد ﷺ يجمع القوم ويكاشفهم بأمر الدين الحنيف، وقد بدأ بعشيرته الأقربين؛ فكلف ابن عمه علي بن أبي طالب أن يصنع لهم طعامًا، ويدعو أهله إليه وفيهم عمومته بنو عبد المطلب وأولادهم نحو الأربعين رجلًا. فلما اجتمعوا كلمهم الرسول ﷺ في شأن الدعوة الإسلامية، وما ينادي به من نبذ معتقداتهم الفاسدة والإيمان بالله وحده، فغضبوا وقاطعوا كلامه وانصرفوا مسرعين٢.

стр. 127

ولكن الرسول ﷺ لم يفقد الأمل، ولم تضعف عزيمته فأعاد الوليمة ثانية في الغداة، فلما اجتمعوا قال لهم: "ما أعلم أن إنسانًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، لقد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني ربي أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر؟ ". فأعرضوا عنه، وهموا بتركه. وكان عجيبًا أن ينهض علي وهو لا يزال صبيًًّا، فيقول يا رسول الله، أنا حرب على من حاربت. وحينئذٍ ابتسم بنو هاشم وقهقه بعضهم، وأخذ نظرهم يتنقل بين أبي طالب وابنه، ويقولون لأبي طالب في سخرية: لقد أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه. ثم انصرفوا مستهزئين١. على أن استخفافهم هذا لم يقعده عن عزمه، ولم يسلمه إلى يأس؛ بل انتقل بدعوته من عشيرته الأقربين إلى أهل مكة جميعًا. واتجه رسول الله ﷺ نحو الصفا٢ يومًا، وصعد إلى أعلاه ونادى: "يا معشر قريش"، فقالت قريش: محمد على الصفا ينادي، وأقبلوا عليه يسألونه عن حاجته. فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم. أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة -وأخذ ينادي على باقي القبائل- إني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة

стр. 128

نصيبًا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله". وهنا صاح أبو لهب، وكان رجلًا بذيئًا سريع الغضب: تبًّا لك سائر هذا اليوم ألهذا جمعتنا؟. فسكت محمد ﷺ ونظر إليه نظرة يملؤها الأسى والأسف، ثم لم يلبث أن نزل الوحي عليه بقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَاراًً ذَاتَ لَهَ﴾ ١. وهكذا دمغه الوحي بهذه الآيات البينات التي كانت بمثابة التشجيع للنبي محمد ﷺ كما كانت سابقة فأل ومقدمة بشارة بأن الله سينصر الحق على الباطل، ويتم نوره ولو كره المشركون. ولم يكن ذلك الموقف العدائي من مشركي مكة ليهدئ من حماس الرسول ﷺ للدعوة والتفاني في سبيلها؛ بل كان حافزًا قويًّا على النشاط في إذاعتها والمضي في سبيل انتشارها، مؤمنًا كل الإيمان، واثقًا كل الثقة بأن يدي أبي لهب هالكتان، وأنه لن يتمكن من العبث بالدعوة والوقوف في سبيل انتشارها بين أهل مكة، ولقد أسلم من زهد في الدنيا، ومن لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن النظر في هذه الدعوة الجديدة، التي كانت قائمة على التسامح والمحبة والعطف والمودة، والتي كان شعارها الحرية الحبيبة إلى نفس كل عربي يسكن شبه الجزيرة العربية، فلا سلطان لغير الله وحده، أما هبل واللات والعزى وغيرها من الأصنام فهي لا تنفع ولا تضر، بل ولا تغني عن نفسها شيئًا.

стр. 129

قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ١. ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٣.

стр. 130

موقف قريش من النبي ﷺ وأصحابه: وكان من الطبيعي أن تقف قريش من الدعوة الإسلامية موقف العداء السافر، لأنها رأت فيها الخطر الداهم الذي يهدد كيانها المادي والأدبي، فلقد كانت الكعبة مركز عبادة الأصنام، وكانت محج العرب ومورد ثروتهم، وكان زعماء قريش يستمدون مجدهم وفخارهم وعزهم وعظمتهم على سائر الناس من صلتها بالبيت الحرام، وقيامهم على حراسة الأصنام وسقاية الحجاج، كما كانوا يعتبرونها مورد رزق وينبوع ثروة بالتجارة التي يحترفونها، فانتصار محمد ﷺ معناه ضياع سلطانهم الأدبي والمادي وهو أعز ما يعتمدون عليه في حياتهم، لذلك عظم الأمر واشتد، فصممت قريش على أن تقف من محمد ﷺ موقف

стр. 131

الحزم والصرامة، وأن تعمل على قتل الدعوة الإسلامية باضطهاد صاحبها ومن اتبعه. فأما موقفهم من الرسول ﷺ فقد أفاضت كتب السيرة في سرد المساءات التي لقيها الرسول ﷺ منهم١. ونضرب لذلك بعض الأمثلة عسى أن يكون فيها عبرة وتبصرة، وعسى أن تكون درسًا عمليًّا يعلم الناس كيف يكون الصبر على البأساء والضراء، وكيف تكون التضحية المخلصة من أجل المبدأ والعقيدة. فمن ذلك ما روي عن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في السوق يقول: "أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبه، ويقول: لا تطيعوا محمدًا فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد وعمه أبو لهب٢. وكذلك ما فعلته زوج أبي لهب وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، فكثيرًا ما كانت ترمي الشوك في طريقه، وتلقي بالقاذورات النجسة أمام بيته، ولم تترك عملًا فيه إيذاء للرسول ﷺ إلا وفعلته، حتى لم تكتف بهذا الإيذاء العملي، بل كانت تسب الرسول ﵊ وتذمه، وتوقع العداوة بينه وبين

стр. 132

الناس١. فأنزل الله في شأنها من كتابه الكريم ما يدل على ما ينتظرها يوم القيامة من سوء المصير، حيث يقول: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ ٢. أما أبو جهل -لعنه الله- فكثيرًا ما أساء إلى الرسول ﷺ وقد ألقى عليه مرة أثناء صلاته ورحم شاة مذبوحة، فتحمل الأذى، وذهب إلى بنته فاطمة ﵂ فأزالت عنه النجاسة والأقذار٣، ونهى الرسول ﷺ عن الصلاة في البيت الحرام. فلما لم ينته، تعرض له بالمنع. فقابل الرسول ﷺ عمله بالشدة وهدده. فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديًا ومنزلًا؟ فرد الله تعالى عليه تهديدًا ووعيدًا: ﴿كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَه، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ، كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ٤. وكان عقبة بن أبي معيط يجاور رسول الله ﷺ في منزله، ومما صنعه ذلك

стр. 133

الشقي: ما رواه البخاري١ في صحيحه قال: بينما يصلي النبي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله ﷺ فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر، حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُم﴾ ٢. وكان الأسود بن عبد المطلب ابن عم السيدة خديجة كان هو وحزبه إذا مر عليهم المسلمون يتغامزون بهم سخرية واستهزاء. وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ ٣. وكان الوليد بن المغيرة عم أبي جهل من أكابر قريش في المركز الاجتماعي والمادي، وكان كذلك من أكابر المجرمين الذين كادوا للرسول صلوات الله وسلامه عليه٤. سمع القرآن مرة من النبي ﷺ فقال لقومه: والله لقد سمعت من محمد كلامًا، ما هو من كلام الإنس ولا الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو وما يعلى عليه.

стр. 134

فقالت قريش: صبأ١ والله الوليد. لتصبأن قريش كلها. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه. ثم توجه إليه وجلس أمامه حزينًا، وكلمه بما حمسه ضد محمد ﷺ مما جعل الوليد يأتي القوم في ناديهم ويخاطبهم قائلًا: أتزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يهوس، وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن، وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا قط؟ وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟ فقالوا في ذلك: اللهم لا. ثم قالوا: فما هو؟ ففكر قليلًا ثم قال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه فرق بين الرجل وأهله وولده؟ فاهتز النادي فرحًا بهذا الرأي الذي سيفرق بين محمد وعشيرته، وسيباعد بينه وبين الناس، وأنزل الله ردًّا عليه في آيات بينات مخاطبًا الرسول ﷺ : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً، وَبَنِينَ شُهُوداً، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً، سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٢. وغير هؤلاء وهؤلاء، وممن عميت بصائرهم وطمس الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، وقد هلكوا جميعًا بعد الهجرة؛ فمنهم من قتل ومنهم

стр. 135

من ابتلاه الله بالأمراض الفتاكة فقضت عليه. وأما عن موقفهم من أصحاب الرسول ﷺ الذين اتبعوه وأيدوه، فقد كانوا أشد قسوة وعنفًا. وحسبنا ما روي عن بلال بن رباح ﵁ فقد لاقى من أميه بن خلف أنواعًا من الأذى، وألوانًا من التعذيب لا يصبر عليها إلا مؤمن قوي الإيمان، فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه سيده على وجهه وظهره، ثم يضع حجرًا على صدره، ويقول له: ستظل هكذا حتى تكفر بمحمد وتؤمن باللات.. ولكنه احتمل كل هذه الآلام، وصبر على الأذى والنكال، وكلما التمسوا منه جوابًا، لا يرد عليهم إلا بتلك الكلمة التي ملكت نفسه ومشاعره: أحد، أحد. وقد رآه أبو بكر يومًا يقاسي أشد العذاب. فقال لسيده أمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ فقال: أنت أفسدته وفتنته عن دين آلهتنا وعبادة أصنامنا.. فعرض عليه أبو بكر ثمنًا له، وما زال يساومه حتى اشتراه وأعتقه في سبيل الله بعد أن خلصه من تعذيب سيده١. وفي هذا نزل قول الله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى، لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٢.

стр. 136

والمقصود بكلمة الأشقى في الآية الكريمة هو أمية بن خلف، والأتقى هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه١. وقد نبه الله إلى أن بذل أبي بكر الصديق لماله في شراء بلال وغيره، لم يكن إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى وكفى بهذا شرفًا وفضلًا. وما روي عن عمار بن ياسر وأبيه وأمه -رضوان الله عليهم- فلقد كان أبوه ياسر حليفًا لبني مخزوم، ولما كان عمار وأبوه وأمه واقعين تحت نفوذ المشركين من بني مخزوم، فإنهم أوقعوا بهم من العذاب ما لا طاقة لأحد به، فكانوا إذا اشتدت حرارة الشمس ألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس.. ويا لها من قسوة بالغة إذا عرفنا حر مكة في فصل الصيف، ولقد مر بهم رسول الله ﷺ وهم في العذاب فقال لهم: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة. أبشروا آل عمار وآل ياسر، فإن موعدكم الجنة" ٢. وقد مات ياسر في العذاب، أما امرأته سمية فقد أغلظت القول لأبي جهل

стр. 137

مرة، فطعنها في قبلها بحربة في يده فماتت، وشددوا العذاب على عمار بتعريضه للشمس المحرقة بين صخور مكة ورمالها تارة، وبوضع الصخر على صدره تارة أخرى، قائلين له: لا تُترك حتى تسب محمدًا وتقول في اللات والعزى خيرًا ففعل فتركوه. فأتى النبي ﷺ يبكي، فقال: "ما وراءك؟ " قال: شر يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا، وقص عليه الخبر، فقال: "فكيف تجد قلبك؟ " قال: أجده مطمئنًا بالإيمان، فقال: "يا عمار إن عادوا فعد"، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ ١. وكذلك ما روي عن خباب بن الأرت ﵁ فلقد كان من السابقين في الإسلام، وكان رسول الله ﷺ يحبه ويألفه قبل النبوة، ولما أسلم أخذه الكفار وسحبوه على وجهه وعذبوه عذابًا شديدًا، فنزعوا ثوبه عن جسده وألقوه على الرمضاء وجاءوا بالحجارة المحماة ووضعوها على ظهره، ولووا رأسه، كل من أجل أن يعود في الكفر ولكنه لم يجبهم إلى شيء مما أرادوا، ولم يزده التعذيب إلا إيمانًا وتثبيتًا٢. ولقد اشتكى إلى الرسول ﷺ مما يقاسيه في سبيل الله طالبًا منه التوجه إلى الله

стр. 138

لكي يكشف عن المسلمين هذا الكرب والبلاء، فضرب له الرسول ﷺ مثلًا مما كان يصيب المؤمنين السابقين وطمأنه على مستقبله ومستقبل المسلمين، وفي ذلك يقول خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقلنا: يا رسول الله، ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له حفرة فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فوق رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" ١. بل لقد كان ممن أوذي في الله، أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- على الرغم من مكانته في قريش، فلقد وجه إليه المشركون كثيرًا من الأذى والعنت حتى خرج مهاجرًا إلى الحبشة، فلقيه ابن الدغنة وهو من سادات العرب، فسأله: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي. وإني أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. فقال: مثلك يا أبا بكر لا يخرج، وأنت في جواري وحماي. فرجع مع ابن الدغنة، وعرفت قريش أن أبا بكر في جواره وحماه فطلبت قريش من حامي الصديق أن يأمره بعبادة ربه في داره، ولا يجهر بصلاته وقراءاته، وقالوا: إنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فلبث أبو بكر في داره يعبد ربه، ثم بدا له أن يبني مسجدًا بفناء داره، فبناه وكان يصلي ويقرأ القرآن، فيهرع إليه نساء المشركين وأبناؤهم ينظرون إليه

стр. 139

ويستمعون إلى ما يقرأ -وكان أبو بكر رجلًا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن- فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة وقالوا له: إن أبا بكر قد أخل بالشروط، فابتنى مسجدًا، وأسمع الناس صلاته وقراءته، وقد خشينا الفتنة على نسائنا وأبنائنا. فأتى ابن الدغنة أبا بكر وقال له: إما أن تلتزم شرط الجوار وإما أن تُرجِعَ إليَّ ذمتي. فقال أبو بكر: إني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله١، وكان ذلك سببًا في أن لحق بأبي بكر الكثير من الأذى والاضطهاد. هذا إلى جانب ما كانوا يسمعونه من فحش القول واللغو من الكلام أينما كانوا، فلم يزدهم إلا استمساكًا بدينهم وحرصًا على عقيدتهم، ولا غرو، فهم لم يدخلوا في دين الله لغرض دنيوي يرجون حصوله، بل شرح الله صدورهم للإسلام، وخالطت بشاشته قلوبهم. وهكذا كانت تلك الفترة من أروع الفترات في تاريخ الإسلام والمسلمين. وكان هؤلاء الأبطال مُثلًا عليا في التضحية والفداء وقوة العزيمة وثبات الإرادة، فضربوا للناس الأمثال، وخلدوا ذكرهم بجلائل الأعمال، ورسموا لأصحاب المبادئ السامية كيف يجاهدون في سبيل الله، وكيف يعملون لنصرة الحق وهزيمة الباطل. ومن خلال هذه الفترة الرهيبة التي مرت بالرسول ﷺ لجأ المشركون إلى طريقة الإغراء والترغيب، وظنوا أنهم سوف يستطيعون أن يفتنوا محمدًا ﷺ عن دينه أو يحولوه عن وجهته.

стр. 140

ولكن لم يعبأ محمد ﷺ بكل ما قدموه من مغريات ومرغبات، بل لقد وضعها جميعًا تحت قدميه وآثر المضي في طريقه ما فيه من متاعب وآلام. ويروون في ذلك أن عتبة بن ربيعة جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: يابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم. فاسمع مني أعرض عليك أمورًا لعلك تقبل بعضها، إن كنت تريد بهذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تصير أكثرنا مالًا.. وإذا كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ. فلما فرغ من قوله تلا عليه محمد ﷺ سورة السجدة، وأنصت عتبة إلى هذا الكلام المعجز والأسلوب الفريد، ثم تأمل في شخص محمد ﷺ فرأى أمامه رجلًا مكتمل العقل ناضج الفكر لا مطمع له في مال ولا في تشريف ولا في ملك، وإنما يدلي بالحق ويدعو إلى الخير ويدفع بالتي هي أحسن، فانصرف عتبة إلى قريش مأخوذًا بجمال ما رأى وما سمع، مفتوحًا بعظمة هذا الرجل وسحر بيانه، فلما أفضى إليهم بما انطبع في نفسه نحو محمد من إعجاب وتقدير، غضبوا عليه وسخروا منه وقالوا له: سحرك محمد يا أبا الوليد١. وكما لجأوا إلى محمد ﷺ يستميلوه ويغرونه، فقد لجأوا إلى عمه أبي طالب يوغرون صدره على ابن أخيه حتى يتخلى عن نصرته - وذلك أن رجالًا من أشراف قريش وفي مقدمتهم أبو سفيان بن حرب مشوا إلى أبي طالب فقالوا: يا

стр. 141

أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه؟ فردهم أبو طالب ردًّا جميلًا، ولكن محمدًا مضى في طرق إعلان دعوته، وازداد مضيه وإقدامه يومًا بعد يوم، فمشت قريش إلى أبي طالب مرة ثانية وأخذوا معهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، وكان أنهد فتى في قريش وطلبوا إليه أن يسلم إليهم محمدًا ويتركوا له عمارة ليتخذه ولدًا، فسخر أبو طالب من رأيهم ولم يجبهم إلى طلبهم. ولما نفد صبرهم وأعيتهم الحيل وطفح الكيل ذهبوا إلى أبي طالب مرة ثالثة منذرين متوعدين. فقال له: يا أبا طالب إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا، وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإننا والله لا نصبر على هذا من شَتمِ آباءنا وتسفيهِ أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين. وقد وجم أبو طالب أمام هذا الموقف الخطير الذي صممت عليه قريش وأصابه هم عظيم. ولا غرو فقد أصبح بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن يترك ابن أخيه لقريش تنزل عليه النقمة والعذاب، وتفعل ما تشاء حتى تقضي على دعوته، وإما أن يقف وجهًا لوجه أمام قريش في حرب دامية لا يدرك مداها، ولا تعرف نهايتها ... ومن أجل ذلك كله فإنه استدعى محمدًا ﷺ وقص عليه الموقف الأخير الذي انتهت إليه قريش، ثم قال له: فأبق علي وعلى نفسك يابن أخي ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. وهنا يتجلى الإيمان في أروع صوره وأسمى مظاهره، ذلك بأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم

стр. 142

توقع أن عمه سيخذله أمام هذا الضغط العنيف من قريش ويسلمه إليهم، فنظر في هذا الأمر من خلال المعاني العميقة التي انطبعت في نفسه بعد نزول الوحي عليه، والحصانة القوية التي أفرغتها العناية الإلهية في قلبه، وحينئذٍ هان كل شيء في هذا الوجود أمام أداء تلك الرسالة الكبرى التي كرمه الله بها وقال كلمته المأثورة: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته". وقد عجب أبو طالب لهذا الموقف الرائع من ابن أخيه، وثارت في نفسه عاطفة قوية غلابة لمؤازرته في هذه المحنة الأليمة، فقال له -وقد رآه يخرج وينصرف: أقبل. ثم قال له: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت. فوالله لا أسلمك لشيء تكرهه أبدًا. أجل، أصر أبو طالب على الدفاع عن ابن أخيه، محمد ﷺ وأخبر بني هاشم وبني المطلب عن قول محمد ﷺ وموقفه ثم دعاهم إلى حمايته، وطلب منهم أن يمنعوه من قريش، فاستجابوا له جميعًا، إلا أبا لهب فإنه أمعن في غيه وضلاله وصارحهم بالعداوة للدعوة الإسلامية وصاحبها وأنصارها. وفي ذلك يقول أبو طالب من قصيدة طويلة: ولما رأيت القوم لا ودّ فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول

стр. 143

وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل١

стр. 144

هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة: ١ بدأت هذه الهجرة في السنة الخامسة من البعثة النبوية، وذلك بأن النبي ﷺ قد عز عليه أن يرى أتباعه يتعرضون للسخرية والازدراء حينًا، وللتعذيب والاضطهاد

стр. 145

حينًا آخر، فأشار عليهم بأن يتفرقوا في الأرض فرارًا بدينهم. فسألوه: أين نذهب؟ فأشار إلى الحبشة لأن فيها ملكًا لا يظلم أحد عنده. فخرج إليها بعض المسلمين، وكان خروجهم على مرتين، ففي المرة الأولى خرج أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، ومنهم عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة النبي ﷺ وعبد الرحمن ابن عوف وعثمان بن مظعون والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وقد خرجوا متسللين سرًّا، ولما وصلوا إلى البحر الأحمر ركبوا سفينة أوصلتهم إلى الحبشة فأقاموا في خير جوارٍ من النجاشي، ولكنهم رجعوا بعد ثلاثة أشهر إلى مكة لأن الإقامة لم تيسر لهم، ولأنهم علموا أن المسلمين في مكة قد أصبحوا في مأمن من قريش بعد إسلام حمزة وعمر.... وكانت هذه الفترة القصيرة التي قضاها هذا العدد القليل من المسلمين في الحبشة ذات أثر بالغ في مستقبل الدعوة الإسلامية، فلقد أقنعت المشركين أن أتباع محمد ﷺ يقابلون الصعاب بصدر رحب من أجل دينهم، وأنهم مصممون على التضحية مهما عظمت في سبيل الله ورسوله ﷺ .
следующие страницы →