← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه؟ فردهم أبو طالب ردًّا جميلًا، ولكن محمدًا مضى في طرق إعلان دعوته، وازداد مضيه وإقدامه يومًا بعد يوم، فمشت قريش إلى أبي طالب مرة ثانية وأخذوا معهم عمارة بن الوليد بن المغيرة، وكان أنهد فتى في قريش وطلبوا إليه أن يسلم إليهم محمدًا ويتركوا له عمارة ليتخذه ولدًا، فسخر أبو طالب من رأيهم ولم يجبهم إلى طلبهم. ولما نفد صبرهم وأعيتهم الحيل وطفح الكيل ذهبوا إلى أبي طالب مرة ثالثة منذرين متوعدين. فقال له: يا أبا طالب إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا، وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإننا والله لا نصبر على هذا من شَتمِ آباءنا وتسفيهِ أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين. وقد وجم أبو طالب أمام هذا الموقف الخطير الذي صممت عليه قريش وأصابه هم عظيم. ولا غرو فقد أصبح بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن يترك ابن أخيه لقريش تنزل عليه النقمة والعذاب، وتفعل ما تشاء حتى تقضي على دعوته، وإما أن يقف وجهًا لوجه أمام قريش في حرب دامية لا يدرك مداها، ولا تعرف نهايتها ... ومن أجل ذلك كله فإنه استدعى محمدًا ﷺ وقص عليه الموقف الأخير الذي انتهت إليه قريش، ثم قال له: فأبق علي وعلى نفسك يابن أخي ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. وهنا يتجلى الإيمان في أروع صوره وأسمى مظاهره، ذلك بأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم

стр. 142

توقع أن عمه سيخذله أمام هذا الضغط العنيف من قريش ويسلمه إليهم، فنظر في هذا الأمر من خلال المعاني العميقة التي انطبعت في نفسه بعد نزول الوحي عليه، والحصانة القوية التي أفرغتها العناية الإلهية في قلبه، وحينئذٍ هان كل شيء في هذا الوجود أمام أداء تلك الرسالة الكبرى التي كرمه الله بها وقال كلمته المأثورة: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته". وقد عجب أبو طالب لهذا الموقف الرائع من ابن أخيه، وثارت في نفسه عاطفة قوية غلابة لمؤازرته في هذه المحنة الأليمة، فقال له -وقد رآه يخرج وينصرف: أقبل. ثم قال له: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت. فوالله لا أسلمك لشيء تكرهه أبدًا. أجل، أصر أبو طالب على الدفاع عن ابن أخيه، محمد ﷺ وأخبر بني هاشم وبني المطلب عن قول محمد ﷺ وموقفه ثم دعاهم إلى حمايته، وطلب منهم أن يمنعوه من قريش، فاستجابوا له جميعًا، إلا أبا لهب فإنه أمعن في غيه وضلاله وصارحهم بالعداوة للدعوة الإسلامية وصاحبها وأنصارها. وفي ذلك يقول أبو طالب من قصيدة طويلة: ولما رأيت القوم لا ودّ فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول

стр. 143

وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل١

стр. 144

هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة: ١ بدأت هذه الهجرة في السنة الخامسة من البعثة النبوية، وذلك بأن النبي ﷺ قد عز عليه أن يرى أتباعه يتعرضون للسخرية والازدراء حينًا، وللتعذيب والاضطهاد

стр. 145

حينًا آخر، فأشار عليهم بأن يتفرقوا في الأرض فرارًا بدينهم. فسألوه: أين نذهب؟ فأشار إلى الحبشة لأن فيها ملكًا لا يظلم أحد عنده. فخرج إليها بعض المسلمين، وكان خروجهم على مرتين، ففي المرة الأولى خرج أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، ومنهم عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة النبي ﷺ وعبد الرحمن ابن عوف وعثمان بن مظعون والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وقد خرجوا متسللين سرًّا، ولما وصلوا إلى البحر الأحمر ركبوا سفينة أوصلتهم إلى الحبشة فأقاموا في خير جوارٍ من النجاشي، ولكنهم رجعوا بعد ثلاثة أشهر إلى مكة لأن الإقامة لم تيسر لهم، ولأنهم علموا أن المسلمين في مكة قد أصبحوا في مأمن من قريش بعد إسلام حمزة وعمر.... وكانت هذه الفترة القصيرة التي قضاها هذا العدد القليل من المسلمين في الحبشة ذات أثر بالغ في مستقبل الدعوة الإسلامية، فلقد أقنعت المشركين أن أتباع محمد ﷺ يقابلون الصعاب بصدر رحب من أجل دينهم، وأنهم مصممون على التضحية مهما عظمت في سبيل الله ورسوله ﷺ .

стр. 146

إسلام حمزة وعمر: وفي هذه الفترة العصيبة حيث كان المسلمون يحيط بهم الضعف والخوف ويئنون من ظلم المشركين وطغيانهم، ولا يجدون ملجأ من البأساء إلا إلى الضراء. في هذه الفترة أسلم حمزة بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ وأسلم من بعده بأيام معدودة عمر بن الخطاب ﵁ فكان إسلامهما فتحًا وأساسًا متينًا، أعز الله به الإسلام والمسلمين.

стр. 147

فأما عن إسلام حمزة: فقد كان في مبدأ أمره عن حمية واندفاع بسبب العصبية القبلية التي كانت تمتلئ بها نفوس العرب في ذلك الحين؛ ولكن لم يلبث أن شرح الله صدره للإسلام فمضى في طريق الحق لا يخشى فيه لومة لائم، وجاهد في سبيل الله حتى قضى نحبه ولقي ربه. وقد كان إسلام حمزة في السنة السادسة من البعثة النبوية، وذلك أن أبا جهل مر بمحمد ﷺ يومًا عند الصفا، فسبه وشتمه وأسمعه ما يكره فأعرض عنه النبي ﷺ ولم يرد عليه بكلمة، وكان حمزة رجلًا قويًا ذا ولع بالصيد ... فلما رجع من صيده في ذلك اليوم علم بما أصاب ابن أخيه من سفاهة أبي جهل، فامتلأ غضبًا وذهب إلى الكعبة ولم يقف مسلمًا على أحد ممن كان عندها، وقصد أبا جهل فهجم عليه وقال له: كيف تسب محمدًا وأنا على دينه؟ وضربه بقوسه وتحداه. وأراد رجال من بني مخزوم أن ينصروا أبا جهل، فمنعهم حسمًا للشر، معترفًا بما وقع منه لمحمد. ثم أعلن إسلامه وعاهد النبي ﷺ على النصرة والتضحية في سبيل الله حتى نهاية حياته١. تألمت قريش وأصابها هم عظيم بإسلام حمزة، فقد عرفت أن رسول الله ﷺ عز وامتنع بإسلام هذا البطل. وأما عن إسلام عمر: فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ في مبدأ أمره

стр. 148

من ألد أعداء الإسلام، وأشد الناس خصومة لرسول الله ﷺ وللمسلمين. ولقد صمم يومًا على قتل الرسول ﷺ ليقضي على الدعوة الإسلامية ولكن الله أراد به الخير فشرح صدره للإسلام. ثم لم يلبث أن صار من أحب الناس لرسول الله ﷺ وأشدهم تفانيًا في نصرة الحق وإعلاء الدين الحنيف، وإليك ما ذكره المؤرخون عن إسلامه: خرج عمر يومًا متوشحًا بسيفه يريد رسول الله ﷺ فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدًا هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامهم وعاب دينها وسبَّ آلهتها فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فقال: وأي أهل بيتي؟ قال: ابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب زوجته، فقد -والله- أسلما وتابعا محمدًا على دينه، فعليك بهما. فرجع عامدًا إلى أخته وزوجها وعندهما خباب ابن الأرت معه صحيفة فيها سورة طه يقرئهما إياها. فلما سمع صوت عمر اختفى خباب في البيت وأخفت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئًا. قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه. وبطش بسعيد بن زيد فقامت فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها. فلما فعل ذلك قالت أخته وزوجها: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من آثار الضرب، ندم على ما صنع، فارعوى وقال:

стр. 149

لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءونها، لأنظر ما هذا الذي جاء به محمد. فقالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال: لا تخافي. حلف لها بآلهته ليردنها إليها إذا قرأها؟ فقالت له أخته: إنك نجس ومشرك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر. فقام فاغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها سورة طه. فلما قرأ منها قدرًا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ﷺ فإني سمعته وهو يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب". فالله الله يا عمر. فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم؟ فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا ومعه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فضرب عليهم الباب. فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلل الباب فرآه متوشحًا بالسيف، فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع، فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحًا السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: فأذن له فإن كان يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان يريد شرًّا قتلناه بسيفه. فقال رسول الله ﷺ : "إئذن له". فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه بالحجرة، فأخذ بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة، وقال: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة". فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله.

стр. 150

فكبر الرسول تكبيرة عرف بها أهل البيت من أصحاب الرسول ﷺ أن عمر قد أسلم١. وهكذا تم إسلام عمر في جو مليء بالإخلاص والإيمان. ويتحدث عمر بن الخطاب عما فعله بعد ذلك فيقول: ثم جئت إلى خالي أبي جهل عمرو بن هشام -وكان شريفًا- فقرعت عليه الباب، فقال: ما هذا؟ فقلت: ابن الخطاب وقد صبأت -أي دخلت في الإسلام- فدخل وأغلق الباب دوني. فذهبت إلى رجل من عظماء قريش وأخبرته بدخولي في الإسلام فأغلق الباب دوني ولم يصبني بسوء، فقلت: ما هذا؟ إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب، فقال لي رجل: أتحب أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم. قال: فإذا جلس الناس في الحجر، فأتِ فلانًا فقل له، فإنه لا يكتم السر. فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر، فقلت لذلك الذي سماه لي الرجل: إني قد صبأت، قال: أو قد فعلت؟ قلت: نعم. فنادى بأعلى صوته: إن ابن الخطاب قد صبأ. فتبادروا إلي فما زلت أضربهم ويضربونني. واجتمع الناس. فأجارني خالي

стр. 151

أبو جهل، فرددت عليه جواره، وما زلت في نزاع وخصام مع أعداء الله حتى أعز الله الإسلام١. وتتعدد الروايات حول إسلام عمر. ولكنها تتفق جميعًا على أن عمر خرج يريد شرًّا لرسول الله ﷺ أو على الأقل لم يكن يريد الدخول في الإسلام ولكن الله وجهه وهداه، فكان إسلامه فتحًا ونصرًا كبيرًا وحدثًا قويًّا اهتزت له قريش خوفًا وفزعًا. وفي الحق لقد قوي المسلمون واشتد ساعدهم بدخول حمزة وعمر بن الخطاب ﵄ في الإسلام، لما كان عليه من الشجاعة والإقدام، ولما كان لهما في مكة من مكانة ممتازة، ولا سيما عمر، فقد كانت قريش تخافه وتهابه، ولذلك اهتزت قلوبهم هلعًا وضاقوا بإسلامهما ذرعًا، فسلكوا سياسة عنيفة مليئة بالأحداث الجسام للقضاء على هذه الفئة المسلمة مما أدى إلى الهجرة الثانية لبلاد الحبشة.

стр. 152

قصة الغرانيق: قصة الغرانيق قصة مشهورة، وقد كثر فيها كلام الكتاب والباحثين المعاصرين. ومن العجيب أن بعض المراجع المهمة كالطبري في تاريخه وابن سعد في طبقاته، وابن الأثير في كتابه الكامل: قد أثبتت هذه القصة دون أن تعلق عليها بما يدل على بطلانها وفساد، مع أنها تحمل في طياتها ما يوهنها، بل ما يهدمها من أساسها١.

стр. 153

ومجمل هذه القصة أن محمدًا ﷺ لما رأى تجنب قريش إياه وإيذاءهم له ولأصحابه تمنى ألا ينزل عليه شيء من القرآن ينفرهم، فجلس يومًا في أحد أنديتهم حول الكعبة، فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] . فقرأ بعد ذلك: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى"، ثم مضى إلى نهاية السورة كلها وسجد في آخرها عند قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] ، وهناك سجد القوم جميعًا، ولم يتخلف منهم أحد، وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبي ﷺ وقالوا له: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، أما إذا جعلت لها نصيبًا فنحن معك، وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك في الناس حتى بلغ أرض الحبشة، فقال المسلمون بها: عشائرنا أحب إلينا. ورجعوا إلى مكة. وتضيف الرواية أن محمدًا ﷺ قد كبر عليه قول قريش: أما إذا جعلت لنا

стр. 154

نصيبًا فنحن معك، وأنه جلس في بيته حتى إذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبي ﷺ سورة النجم. فقال جبريل: أو جئتك بهاتين الكلمتين؟ مشيرًا إلى: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى". فقال محمد ﷺ حينئذٍ: "لقد قلت على الله ما لم يقل ... "، ثم أوحى الله إليه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً، إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ ١. وبذلك عاد يذكر آلهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وإيذاء أصحابه. تلكم هي قصة الغرانيق في جملتها، وهي قصة واضحة الكذب، ولغة الوضع فيها ظاهرة ... ولذلك لم تنطل على كثير من العلماء والثقات أمثال محمد بن إسحق٢ والقسطلاني٣، فقالوا عنها: إنها من وضع الزنادقة. ولعل بعض المؤرخين الذين أثبتوها كانوا يؤمنون بفسادها، ولكنهم وضعوها في كتبهم لاستيفاء جميع الروايات التي وردت في الموضوع الذي يتعرضون له، مطمئنين إلى فطنة القارئ ويقظته. ولعلها دست إلى بعض هذه الكتب بعد موت أصحابها٤ ... وحسبنا في إبطال هذه القصة، أن نقرأ الآيات القرآنية في سورة النجم، لنرى

стр. 155

أنها أبلغ رد على ما تدل عليه الجملتان الموضوعتان، وذلك حيث يقول سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى، تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩-٢٣] . فكيف يعقل أن تحشر -في هذه الآيات التي وضحت دلالتها على حقارة الأصنام وسفه من يقدسونها- جملتان ترفعان من شأن هذه الأصنام وتجعلان لها شفاعة مرجوة؟ ١ وكيف يمكن أن يسجد المشركون بعد أن يسمعوا هذه الآيات، وفيها طعن صريح على آلهتهم حيث يقول الله عنها: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: من الآية: ٢٣] . وأما أن محمدًا ﵊ قد كبر عليه قول المشركين: إنهم معه ما دام قد جعل لآلهتهم نصيبًا من الشفاعة ... فهذا كلام لا يتفق مع جوهر الدعوة الإسلامية ومبادئها العامة التي تحارب الشرك بكل مظاهره، والتي تقوم على التوحيد الخالص البعيد عن كل الوسطاء والشفعاء ... ٢.

стр. 156

وأما أن الرسول ﷺ قد أوحى إليه بعد ذلك بتلك الآيات الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ ١. فلا شك أن هذه الآيات لا تؤيد مثل هذا الادعاء ولا تفيد وقوع مثل هذا الافتراء لأن الله يقول: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ٢. وما دام الله قد ثبته على الحق فقد حال بينه وبين الافتراء على الله والركون إلى أعداء الحق. وأما ما ساقه هؤلاء الكاذبون الذين وضعوا هذه القصة من الاستشهاد على وقوعها بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٣. وتفسيرهم التمني بالقراءة وتعزيزهم لهذا التفسير ببيت من الشعر يحكي قصة عثمان بن عفان ﵁ ليلة مقتله فيقول: تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر فهذه الآية الكريمة لا ينبغي أن يفسر التمني فيها بالقراءة؛ لأن هذا التفسير بعيد كل البعد عن المقصود، وليس له في الأساليب العربية وجود إلا في هذا البيت وحده، وفي ذلك دليل واضح على أن هذا البيت قد وضع لهذا

стр. 157

الغرض خاصة١، هذا ولو أننا فسرنا التمني بمعنى القراءة فإن معنى ذلك أن يلقي الشيطان في قراءة كل نبي كلامًا ليفتن به الناس ثم ينسخه الله بعد ذلك، وهذا ما لم يقع للأنبياء من قبل كما عرفنا من تاريخهم، وذلك فضلًا عن أن كثيرًا من الأنبياء لم تنزل عليهم كتب حتى يغير الشيطان فيها، ثم ينسخ الله بعد ذلك ما يفعله الشيطان. على أن سنة الله في رسله وأنبيائه أن يؤلف حولهم القلوب في مبدأ دعواتهم بإجراء المعجزات والخوارق على أيديهم، بدل أن يمكن الشيطان من إلقاء الفتنة وإشعالها بين أتباعهم بنسخ ما ينزل عليهم فينفر الناس منهم ويضعف الثقة بهم. والآية -حينئذ- تفسر على النحو الواضح المألوف في لغة العرب٢، ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هداية قومه ألقى

стр. 158

الشيطان في أمنيته، أي وضع الشيطان في طريق تحقيق أمنيته العقبات والعراقيل١، فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي فيذهب الله ما وضعه الشيطان من تلك العقبات، ثم يحكم الله آياته أي يظهر الحق ويرسي أسسه٢ ودعائمه، والله عليم حكيم، وصدق الله العظيم حيث يقول عن كتابه الكريم: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ٣. وبهذا تبين لنا أن قصة الغرانيق قصة مختلقة، دست إلى بعض الكتب القديمة٤. وإذن فليست هي السبب في رجوع المسلمين من الحبشة٥، وإنما رجع هؤلاء المسلمون إلى مكة بسبب ما علموا من إسلام حمزة وعمر واعتقادهم أن إسلام هذين البطلين سيعتز به المسلمون وتقوى شوكتهم٦.

стр. 159

ولكن قريشًا واجهت إسلام حمزة وعمر بتدبيرات جديدة يتجلى فيها المكر والدهاء من ناحية، والقسوة والعنف من ناحية أخرى، فزادت في أسلحة الإرهاب التي تستعملها ضد محمد ﷺ وأصحابه سلاحًا قاطعًا وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية، وكان من جراء ذلك الموقف العنيف أن رجع المسلمون إلى الحبشة مرة ثانية، وانضم إليهم عدد كبير ممن لم يهاجروا قبل ذلك.

стр. 160

الهجرة الثانية إلى الحبشة: وأما المرة الثانية فقد تمت بعد عام واحد من رجوع المسلمين الذين خرجوا في المرة الأولى، وذلك لأن المسلمين وجدوا أن موقف العنف والاضطهاد من قريش لم يتغير، بل ازداد شدة وخطورة، وتبين لهم أن إسلام حمزة وعمر قد زاد من حقد المشركين وطغيانهم. ولهذا فكر كثير ممن هاجر إلى الحبشة في المرة الأولى أن يعودوا مرة ثانية، كما رغب غيرهم من مرافقتهم، وعلى الأخص حينما علموا من إخوانهم بما فعله الأحباش معهم من إعزاز وتقدير، وما قاموا به نحوهم من تكريم. وقد رسم المسلمون لأنفسهم خطة السير إلى الحبشة، واستعدوا إلى الرحلة لإقامة كريمة ينعمون فيها بعبادة الله وحده آمنين حتى يأتي نصر الله ويعم نور

стр. 161

الإسلام، فخرج في هذه المرة الثانية ثلاثة وثمانون رجلًا وإحدى عشرة امرأة١، فوصلوا إليها وأقاموا فيها مدة طويلة، ثم عادوا بعدأن أذن الله لرسوله ﷺ بالهجرة إلى المدينة٢. وكان هذا العدد الكبير الذي هاجر في هذه المرة مقلقًا لقريش، فأخذت الظنون والوساوس الشيطانية تلعب بعقولهم، ففكروا في سد هذا الطريق على المسلمين، وأرسلوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد ومعهما الهدايا النفيسة إلى النجاشي لكي يرد المسلمين إلى مكة. فلما دخلا عليه قالا: أيها الملك إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا أشراف قومهم لتردهم إليهم. وقد أبى النجاشي أن يرد المسلمين الذين هاجروا إليه حتى يسمع مقالتهم ويبعث في طلبهم. فلما جاءوا سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟ فرد عليه جعفر بن أبي طالب قائلًا: أيها الملك: كنا قومًا نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ويأكل القوي الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الجوار، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، فصدقنا وآمنا برسالته فعذبنا قومنا ليردونا إلى عبادة الأصنام، فلما ظلمونا وضيقوا علينا خرجنا إلى بلادك واخترناك على سواك.

стр. 162

فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء تقرؤه علي؟ قال جعفر: نعم، وتلا عليه سورة مريم من أولها إلى قوله تعالى: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ ١. فقال النجاشي: إن هذا هو ما جاء به موسى، وسيدنا يسوع المسيح، انطلقا فوالله لا أسلمهم أبدًا٢. وحينئذٍ عاد عمرو وصاحبه إلى مكة دون أن ينجحا في مهمتهما. وعاش المسلمون إلى جوار النجاشي في أمن وسلام، واستقروا إلى أن كانت الهجرة الكبرى إلى المدينة.

стр. 163

مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب ١: وأمام هذا الخطر الزاحف الذي هدد قريشًا وأفزعها، وعلى الأخص بعد أن أسلم حمزة وعم واشتد بهما ساعد المسلمين. وبعد أن هاجر هذا العدد الكبير من المسلمين إلى الحبشة وعجزت قريش عن إرجاعه وأصبح وجوده في هذه البلاد مثارًا للقلق ومبعثًا للشكوك، ونواة

стр. 164

لشر منتظر عما قريب. أمام ذلك كله فكرت قريش في سلاح رهيب تقاوم به هذا الشر والخطر، وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية، فاتفقت على أن تقاطع بني هاشم وبني المطلب مقاطعة تامة، فلا يتزوجون من نسائهم، ولا يبيعون لهم شيئًا، ولا يشترون منهم، ولا يخالطونهم ولا يقبلون منهم صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل. وسجلوا هذه القرارات في صحيفة ختمت بأختام وعلقت في جوف الكعبة تأكيدًا لاحترامها١، فيكون الخروج عليها أو عدم الوفاء بما فيها بمثابة الخروج على العقيدة الموروثة. وكانوا يعتقدون أن سياسة التجويع والمقاطعة سيكون لها من الأثر ما يحقق أغراضهم. وإزاء هذه المقاطعة الجائرة الغاشمة انتقل كل بني هاشم وبني المطلب ومعهم الرسول ﷺ إلى شعب كان يطلق عليه شعب أبي طالب، بظاهر مكة، يعانون الحرمان ألوانًا، حتى لقد بلغ من سوء حالهم أن أكلوا أوراق الأشجار. ولم يتخلف عن الانضمام إلى محمد ﷺ من بني هاشم سوى عمه أبو لهب الذي أسرف في تعصبه للأصنام وفجر في بغضه للإسلام، ولم يرع للقرابة حرمة، ولا للرحم مودة.

стр. 165

واستمرت هذه المقاطعة المروعة ثلاثة أعوام متتابعة لم يجرؤ أحد من بني هاشم وبني المطلب خلالها أن يدخل مكة، ومع ذلك فقد ضربوا أروع الأمثال في الصبر والاحتمال، وكان أبو طالب يعلن قريشًا بأنه سوف يظل مؤيدًا لمحمد ﷺ مهما بلغت التضحيات وعظمت المتاعب، ويروى عنه أنه قال في وسط هذه المحنة: فلسنا ورب البيت نسلم أحمد ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ... ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى ... إذ طار أرواح الكماة من الرعب١ ثم أذن الله لهذا الليل الطويل بالانتهاء، فقام خمسة من كرام الرجال هم: هشام بن عمرو وزهير بن أمية والمطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود، فشقوا صحيفة هذه المقاطعة وأعلنوا نقضها٢.

стр. 166

وحينئذٍ خرج بنو هاشم وبنو المطلب من هذا السجن الضيق المميت إلى معترك الحياة، ضاربين في الإخلاص لمحمد ﷺ أروع الأمثال، محتملين من التضحية ما ينوء بالأبطال.

стр. 167

عام الحزن: ولم يشأ الله لرسوله ﷺ أن ينعم بعد خروجه من الشعب بفترة طويلة من الراحة والطمأنينة، إذ لم تمض عدة شهور على تمزيق صحيفة المقاطعة وخروجه مع أهله إلى الحياة، حتى فاجأت محمدًا ﷺ في عام واحد فاجعتان اهتز لهما قلبه، وهما: موت أبي طالب، وموت السيدة خديجة ﵂ ولقد حزن الرسول ﷺ عليهما حزنًا شديدًا لما كان لهما من أثر بالغ في نصرة الإسلام والدفاع عنه ضد أعدائه. فأبو طالب وإن كان قد مات مشركًا، ولكنه كافح وجاهد في مؤازرة محمد ﷺ ولم يتخل عن حمايته -كما رأينا- في أحرج الظروف وأعنف الأزمات، حتى قال الرسول ﷺ عنه: "والله ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب" ١. وأما خديجة ﵂ فحبسها ما قاله الرسول ﷺ عنها في مواجهة نسائه الأخريات: "لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني

стр. 168

بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء" ١. فلا عجب إذا سمى هذا العام في حياة الرسول ﷺ عام الحزن، لكثرة ما أصاب الرسول ﷺ فيه من الهموم والأحزان.

стр. 169

خروجه إلى الطائف: وكان موت أبي طالب وموت السيدة خديجة مشجعًا لقريش على المضي في عدائهم للرسول ﷺ بل لقد أخذوا يسرفون في العدوان والأذى حتى بلغ الأمر بهم أن ألقى بعض السفهاء الأقذار عليه، وهو في طريقه إلى بيته١، وهذا مثل من أمثلة كثيرة فعلها هؤلاء المشركون الآثمون مع محمد ﷺ في هذه الفترة. وكان ذلك من أهم الأسباب التي جعلته يخرج إلى الطائف لعله يجد من قبيلة ثقيف -وهي أهم قبائل العرب بعد قريش- من ينصره ويؤازره. ولكن -ويا للأسف- لم يجد منهم إلا الجحود والإعراض، والسخرية والاستهزاء، حتى لقد أغروا به عبيدهم وسفهاءهم يسبونه ويصيحون وراءه ويقذفونه بالحجارة، حتى ابتعد عن الطائف ولجأ لحديقة مملوكة لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فاحتمى بها وجلس في ظل شجرة من أشجارها، وقد أجهده التعب، ودميت عقبه وضاق صدره، واشتد به الكرب والبلاء، ثم لجأ إلى الله بهذا الدعاء:

стр. 170

"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي. ولكن عافيتك هي أوسع لي ... أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك". فلما رأى عتبة وشيبة ما أصاب محمدًا ﷺ من جهد وتعب: رقا له، وتحركت فيهما نخوة الكرم، فأرسلا إليه عبدهما المسيحي عداسًا بقطف من العنب فلما مد الرسول ﷺ يده قال: "بسم الله" ثم أكل. فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: إن هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد. فقال له الرسول ﷺ : "من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ " قال: نصراني من نينوى. قال: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ " فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال ﷺ : "ذاك أخي. أنا نبي وهو نبي" ١.

стр. 171

فأكب عداس على محمد ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. ولما رجع عداس إلى ابني ربيعة، قالا له: ويلك يا عداس، ما لك تقبل هذا الرجل؟ فأجابهما قائلًا: ما في الأرض خير من هذا الرجل. وقد رجع الرسول ﷺ بعد ذلك إلى مكة، فوجد قومه يقفون بالمرصاد لكي يمنعوه من الدخول، فاستجار بالمطعم بن عدي، فأجاره المطعم وتسلح هو

стр. 172

وبنوه لحمايته حتى دخل مكة والطاف، البيت، ثم انصرف إلى منزله في حراسة المطعم وأولاده١ ليعود إلى الكفاح من جديد، وليستأنف تبليغ الدعوة في هذا الجو العاصف المليء بالأخطار والمخاوف.

стр. 173

الإسراء والمعراج وبين هذه العواصف العنيفة والأخطار المخيفة التي كانت تحيط بمحمد ﷺ تمتد يد الرحمن بالرحمة والخير والحنان، وتحتضن العناية الإلهية محمد ﷺ لترتفع به إلى أسمى مكان ... ويقع حادث الإسراء والمعراج تكريمًا من الله لنبيه ﷺ ليكون في ذلك عوض أي عوض عما لحقه من أذى المشركين وعنتهم، وما أصابه من آلام ومتاعب في طريقه الشاقة إلى غايته الكريمة ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ ١. ولقد وقع الإسراء والمعراج في السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية، وفي الليلة السابعة والعشرين من شهر رجب كما هو المشهور٢. ولقد ثبت الإسراء بصريح القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى:

стр. 174

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. وثبت الإسراء والمعراج معًا بالأحاديث النبوية الصحيحة التي لا يتطرق إليها الضعف والوهن. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك٢ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتيت بالبراق وهو دابة فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء. ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن. فقال جبريل: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل. ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل. فقيل من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ابن مريم فرحبا بي ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأولى ففتح لنا. وإذا أنا بيوسف،

стр. 175

فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فذكر مثله. فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله. فإذا أنا بهارون. فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فذكر مثله. فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فذكر مثله. فإذا أنا بإبراهيم.. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة في كل يومٍ وليلة ... فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. يقول الرسول ﷺ : فما زلت أراجع ربي حتى جعلها خمس صلوات في اليوم والليلة، وقال: يا محمد هن خمس في العدد ولكنهن خمسون في الأجر والثواب: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: من الآية: ٢٩] ". هذه قصة الإسراء والمعراج كما ذكرها لنا رسولنا الصادق الأمين، وهي -كما تبين لنا- رحلة حقيقية بالجسد والروح معًا، ولم تكن رؤيا في منام كما وهم الواهمون، ولو كان الإسراء والمعراج بالروح فحسب لما كذبه المشركون من قريش وسائر العرب، ولما عجبوا له هذه العجب وقابلوه بالإنكار والجحود

стр. 176

والسخرية والإزدراء، بل لما ذكره الله في مقام التكريم والامتنان على رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. وقد حاول بعض العلماء المحدثين أن يستدل على إمكان الإسراء والمعراج أو يقرب إمكان وقوعه إلى الأذهان بما وصل إليه العلم من مخترعات حديثة، تطوي المسافات الشاسعة في زمن قليل، كالطائرات النفاثة التي تسبق سرعتها سرعة الصوت. وكالصوراريح التي تحمل الإنسان إلى القمر ثمر ترجع به إلى الأرض.. إلى غير ذلك ... ولكننا لا نذهب مثل هذا المذهب، فإن هذه المخترعات الحديثة مهما بلغت من عظمة لها مقومات من الأسباب والمسببات، وكل شيء يقوم وجوده على سبب فهو أمر لا يدعو إلى العجب. والمعجزات التي اختص الله بها الرسل والأنبياء، إنما هي أمور خارقة تدعو إلى العجب ولا تخضع -فيما نعلم- لسبب. وما دمنا نحن المسلمين نؤمن بأن عيسى ابن مريم ﵇ كان يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمة والأبرص بإذن الله، ونؤمن بأن الله سخر لسليمان الريح تحمله وتجري بأمره -غدوها شهر ورواحها شهر- ونؤمن بغير ذلك من المعجزات لجميع الرسل والأنبياء، فلماذا يصعب علينا أن نؤمن بأن الإسراء والمعراج آية خالدة كرم الله بها خاتم الرسل والأنبياء؟ أجل، لقد كان الإسراء والمعراج رحلة حقيقية بالروح ولا جسد، ولقد رأى

стр. 177

رسول الله ﷺ ما رأى من الآيات الكبرى، ثم رجع بعد تلكم الرحلة المباركة إلى مكة المكرمة، تحف به السكينة، ويغمره الرضا والطمأنينة. فلما أصبح الصابح، وأخبر الناس بحادث الإسراء، وأيقن الكثير منهم أن هذا كذب وافتراء، أو جنون هذيان، بل لقد ارتد عن الإسلام قوم لم يدخل الإيمان في قلوبهم وقالوا: هذا والله الأمر البين! والله إن العير لتطرد شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرًا مقبلة، فكيف يذهب محمد إلى بيت المقدس ويرجع إلى مكة في ليلة واحدة؟! ولقد طلبوا منه أن يصف لهم بيت المقدس، ولم يكن رآه قبل هذه الليلة فأخذت الحيرة والألم، فجلاه الله فصار يصفه وصفًا شاملًا لا شك فيه ... وسألوه عن آية أخرى على صدق كلامه! فقال: "مررت بعير بني فلان بوادي كذا فأنفرهم حس الدابة، فند لهم بعير، فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان -جبل بتهامة- مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نيامًا، ولهم إناء فيه ماء وقد غطوا عليه بشيء، فكشف غطاؤه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان ... وآية ذلك: أن عيرهم الآن عند ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء". فأسرع القوم إلى الثنية، فوجدوا الجمل كما وصفه لهم. وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءًا ماءً ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين بعد ذلك فقالوا: صدق والله، لقد ندَّ لنا بعير بالمكان الذي

стр. 178

أخبركم عنه، فسمعنما صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه١ ... وهكذا ذكر لهم من الأمارات والعلامات ما لا سبيل إلى الطعن فيه، ولكنهم على الرغم من ذلك كله لم يزدادوا إلا كفرًا وعنادًا، ولم يزدد الرسول ﷺ بإزاء ذلك العناد منهم إلا صبرًا وجهادًا ... وأما أقوياء العقيدة من المؤمنين المخلصين، فقد زادهم هذا الحادث العجيب إيمانًا على إيمانهم. وحسبنا في ذلك موقف أبي بكر الصديق ﵁ فلقد ذهب إليه أناس وقالوا له: ما تقول يا أبا بكر في صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال لهم أبو بكر في ثقة المؤمن المخلص: والله لئن كان قال لكم ذلك، لقد صدق، والله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليلٍ أو نهارٍ فأصدقه، فهذا أبعد ما تعجبون منه! ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فأخبره الرسول بما وقع له من ذلك الحادث العجيب، فلم يزدد الصديق المؤمن إلا إيمانًا بالرسول ﷺ وتصديقًا، حتى لقد سمِّي منذ ذلك اليوم صديقًا٢.

стр. 179

وهكذا الإيمان القوي لا تضعفه الفتن مهما عصفت ريحها، وهكذا الصداقة المخلصة تعظم في المحن قيمتها، وتظهر عند الشدائد ثمرتها.

стр. 180

السموات السبع: قد يتساءل بعض الناس عن حقيقة السموات السبع وهل هي من الكواكب الموجودة في هذا الكون الذي تتجدد -على مدى الأيام- عجائبه؟ أم أنها أجسام شفافة مبنية لها حوائط ونوافذ وأبواب، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام؟ أم هي طبقات من الفضاء بعضها فوق بعض؟ أم هي شيء وراء ذلك كله؟ ومن الخير لنا أن نقف عند النصوص القاطعة وحدها، وألا نطلق العنان للخيال، أو نمعن في بحث ليس لنا فيه مجال، فالسموات حقيقة ثابتة لا ريب فيها، ولكن من أي شيء بنيت؟ وبأي كيفية رفعت؟ وعلى أية صورة رسمت؟ إلى غير ذلك من التفصيلات الدقيقة. كل ذلك لا داعي إلى الخوض فيه، فإن الإحاطة به مردها إلى العليم الحكيم الذي بناها، ورفع سمكها فسواها ... فقف أيها السائل عند حدك، ولا تخض لجة البحر العميق فتهلك ... فكم من أناس تمادوا مع هذا التيار فغرقوا، وكم من فلاسفة حاولوا أن يكشفوا هذه الأستار فاحترقوا، وتذكر أيها السائل قول القائل: تاه الأنام بسكرهم ... فلذاك صاحي القوم عربد من أنت يا رسطو١ ومن ... أفلاط قبلك قد تفرد ما أنتم إلا الفرا ... ش رأى السراج وقد توقد
следующие страницы →