← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والسخرية والإزدراء، بل لما ذكره الله في مقام التكريم والامتنان على رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. وقد حاول بعض العلماء المحدثين أن يستدل على إمكان الإسراء والمعراج أو يقرب إمكان وقوعه إلى الأذهان بما وصل إليه العلم من مخترعات حديثة، تطوي المسافات الشاسعة في زمن قليل، كالطائرات النفاثة التي تسبق سرعتها سرعة الصوت. وكالصوراريح التي تحمل الإنسان إلى القمر ثمر ترجع به إلى الأرض.. إلى غير ذلك ... ولكننا لا نذهب مثل هذا المذهب، فإن هذه المخترعات الحديثة مهما بلغت من عظمة لها مقومات من الأسباب والمسببات، وكل شيء يقوم وجوده على سبب فهو أمر لا يدعو إلى العجب. والمعجزات التي اختص الله بها الرسل والأنبياء، إنما هي أمور خارقة تدعو إلى العجب ولا تخضع -فيما نعلم- لسبب. وما دمنا نحن المسلمين نؤمن بأن عيسى ابن مريم ﵇ كان يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمة والأبرص بإذن الله، ونؤمن بأن الله سخر لسليمان الريح تحمله وتجري بأمره -غدوها شهر ورواحها شهر- ونؤمن بغير ذلك من المعجزات لجميع الرسل والأنبياء، فلماذا يصعب علينا أن نؤمن بأن الإسراء والمعراج آية خالدة كرم الله بها خاتم الرسل والأنبياء؟ أجل، لقد كان الإسراء والمعراج رحلة حقيقية بالروح ولا جسد، ولقد رأى

стр. 177

رسول الله ﷺ ما رأى من الآيات الكبرى، ثم رجع بعد تلكم الرحلة المباركة إلى مكة المكرمة، تحف به السكينة، ويغمره الرضا والطمأنينة. فلما أصبح الصابح، وأخبر الناس بحادث الإسراء، وأيقن الكثير منهم أن هذا كذب وافتراء، أو جنون هذيان، بل لقد ارتد عن الإسلام قوم لم يدخل الإيمان في قلوبهم وقالوا: هذا والله الأمر البين! والله إن العير لتطرد شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرًا مقبلة، فكيف يذهب محمد إلى بيت المقدس ويرجع إلى مكة في ليلة واحدة؟! ولقد طلبوا منه أن يصف لهم بيت المقدس، ولم يكن رآه قبل هذه الليلة فأخذت الحيرة والألم، فجلاه الله فصار يصفه وصفًا شاملًا لا شك فيه ... وسألوه عن آية أخرى على صدق كلامه! فقال: "مررت بعير بني فلان بوادي كذا فأنفرهم حس الدابة، فند لهم بعير، فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان -جبل بتهامة- مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نيامًا، ولهم إناء فيه ماء وقد غطوا عليه بشيء، فكشف غطاؤه وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان ... وآية ذلك: أن عيرهم الآن عند ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء". فأسرع القوم إلى الثنية، فوجدوا الجمل كما وصفه لهم. وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءًا ماءً ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين بعد ذلك فقالوا: صدق والله، لقد ندَّ لنا بعير بالمكان الذي

стр. 178

أخبركم عنه، فسمعنما صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه١ ... وهكذا ذكر لهم من الأمارات والعلامات ما لا سبيل إلى الطعن فيه، ولكنهم على الرغم من ذلك كله لم يزدادوا إلا كفرًا وعنادًا، ولم يزدد الرسول ﷺ بإزاء ذلك العناد منهم إلا صبرًا وجهادًا ... وأما أقوياء العقيدة من المؤمنين المخلصين، فقد زادهم هذا الحادث العجيب إيمانًا على إيمانهم. وحسبنا في ذلك موقف أبي بكر الصديق ﵁ فلقد ذهب إليه أناس وقالوا له: ما تقول يا أبا بكر في صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال لهم أبو بكر في ثقة المؤمن المخلص: والله لئن كان قال لكم ذلك، لقد صدق، والله إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليلٍ أو نهارٍ فأصدقه، فهذا أبعد ما تعجبون منه! ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فأخبره الرسول بما وقع له من ذلك الحادث العجيب، فلم يزدد الصديق المؤمن إلا إيمانًا بالرسول ﷺ وتصديقًا، حتى لقد سمِّي منذ ذلك اليوم صديقًا٢.

стр. 179

وهكذا الإيمان القوي لا تضعفه الفتن مهما عصفت ريحها، وهكذا الصداقة المخلصة تعظم في المحن قيمتها، وتظهر عند الشدائد ثمرتها.

стр. 180

السموات السبع: قد يتساءل بعض الناس عن حقيقة السموات السبع وهل هي من الكواكب الموجودة في هذا الكون الذي تتجدد -على مدى الأيام- عجائبه؟ أم أنها أجسام شفافة مبنية لها حوائط ونوافذ وأبواب، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام؟ أم هي طبقات من الفضاء بعضها فوق بعض؟ أم هي شيء وراء ذلك كله؟ ومن الخير لنا أن نقف عند النصوص القاطعة وحدها، وألا نطلق العنان للخيال، أو نمعن في بحث ليس لنا فيه مجال، فالسموات حقيقة ثابتة لا ريب فيها، ولكن من أي شيء بنيت؟ وبأي كيفية رفعت؟ وعلى أية صورة رسمت؟ إلى غير ذلك من التفصيلات الدقيقة. كل ذلك لا داعي إلى الخوض فيه، فإن الإحاطة به مردها إلى العليم الحكيم الذي بناها، ورفع سمكها فسواها ... فقف أيها السائل عند حدك، ولا تخض لجة البحر العميق فتهلك ... فكم من أناس تمادوا مع هذا التيار فغرقوا، وكم من فلاسفة حاولوا أن يكشفوا هذه الأستار فاحترقوا، وتذكر أيها السائل قول القائل: تاه الأنام بسكرهم ... فلذاك صاحي القوم عربد من أنت يا رسطو١ ومن ... أفلاط قبلك قد تفرد ما أنتم إلا الفرا ... ش رأى السراج وقد توقد

стр. 181

فدنا فأحرق نفسه ... ولو اهتدى رشدًا لأبعد

стр. 182

لقاء الأنبياء: كما يتساءل بعض الناس -كذلك- عن كيفية المقابلة التي تمت بين رسول الله ﷺ وبين الأنبياء في هذا الملأ الأعلى؟ وإذا كان المعراج لم يثبت إلا لمحمد ﷺ فيكف يمكن أن تنتقل أجساد هؤلاء الأنبياء ويعرج بها من الأرض إلى السماء؟ ولقد أجاب العلامة ابن القيم في كتابه زاد المعاد١ على هذا السؤال فقال: إن أرواح الأنبياء مستقرة في السماء، ولكن لها إشراف على البدن في الأرض وإشراق وتعلق. وبهذا التعلق رأى محمد ﷺ أخاه موسى ﵇ قائمًا يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، ومعلوم أنه لم يعرج بموسى من قبره ثم رد إليه، بل ذلك مقام روحه واستقرارها، وقبره مقام بدنه واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها، فرآه يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة. كما أنه ﷺ في أرفع مكان في الرفيق الأعلى مستقر هناك، وجسده في ضريحه غير مفقود، ومن كثف إدراكه وغلظت طباعه عن إدراك هذا فلينظر إلى الشمس في علو محلها، وتعلقها بالأرض وتأثيرها فيها، وحياة النبات والحيوان بها، وهذا شأن الروح فوق هذا فلها شأن وللأبدان شأن. وهذه النار تكون في محلها، وحرارتها تؤثر في الجسم البعيد عنها، ومع أن الارتباط الذي بين الروح والبدن أقوى وأكمل من ذلك وأتم، فشأن الروح أعلى

стр. 183

من ذلك وألطف: فقل للعيون الرمد إياك أن تري ... سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا

стр. 184

بيعتا العقبة: كان بين الأوس والخزرج منذ استقروا في مدينة يثرب صراع قوي على المجد المادي والأدبي، أوجدته العصبية الجاهلية التي كانت تمشي في أرجاء الجزيرة العربية كما يمشي الوباء. وتسري بين القبائل والبطون كما تسري النار في الهشيم١. وكثيرًا ما أدت هذه العصبية بين الأوس والخزرج إلى حروب دامية لم تكن تهدأ حينًا إلا لتبدأ من جديد قوية عنيفة، وكان آخر هذه الأحداث ما وقع بين الفريقين في يوم بعاث٢، وهو يوم مشهور في تاريخ الأوس والخزرج، هلك فيه قادتهم ورؤساؤهم، وتصدعت قوتهم، وتعرض مركزهم في يثرب للدمار والانهيار. وكان يجاورهم في يثرب جماعات من اليهود، وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. وطالما كان هؤلاء اليهود يثيرون العداوة والبغضاء بين الأوس والخزرج حتى يأكل بعضهم بعضًا، وحينئذٍ يقيم اليهود على أنقاض هذا الضعف قوة لهم. وقد أدرك الأوس والخزرج هذا الشعور من اليهود، فأخذوا يعضون بنان الندم، ويحسون بالخطر الداهم يحيط بهم، ويتطلعون ذات اليمين وذات الشمال إلى قائد وزعيم يوحِّد كلمتهم ويجمع شملهم. وكان يزيد من خوف الأوس والخزرج أن اليهود كانوا يتوعدونهم بين الحين

стр. 185

والحين بظهور نبي من العرب يُبعث، قد قَرُب زمانه يعرفونه بأوصاف ذُكِرت في كتبهم، ويتمنون لقاءه والالتفاف حوله حتى يقوي أمرهم ويطردوا الأوس والخزرج من المدينة١. وهذا الشعور الذي امتلأت به نفوس الأوس والخزرج هو الذي جعل قلوبهم مستعدة لقبول الإسلام، والخضوع لقيادة محمد ﵊. وقد شاء الله أن يلتقي جماعة من الخزرج بمحمد ﷺ في مكة، وكان ذلك في موسم الحج سنة ٦٢٠م، فسألهم الرسول ﷺ عن أحوالهم وعن علاقتهم باليهود، وحدثهم عن الدين الجديد، وبين لهم أصوله وتعاليمه، ودعاهم إلى الدخول فيه، وتلا عليهم بعض آيات من القرآن، فتأثروا إلى حدٍّ كبير بما سمعوا. ونظر بعضهم إلى بعض وقالوا: والله إنه النبي الذي تتحدث عنه اليهود وتهددنا به. فأسلم ستة منهم، ووعدوه بنشر الإسلام بين أهلهم٢.

стр. 186

ثم عاد هؤلاء الستة إلى المدينة -يثرب- وذكروا لقومهم أمر ملاقاتهم لمحمد ﷺ وعرضه عليهم الإسلام، فصدقوا به وآمنوا برسالته، فسارع بعضهم إلى الدخول في هذا الدين قبل اليهود، ولم تبق دار من دورهم إلا وفيها ذكر محمد عليه الصلاة والسلام١. وفي تلك الأثناء كان النبي ﷺ في مكة ينتظر أخبار هؤلاء الستة الذين وعدوه المجيء في الموسم القادم، ليرى أثر دعوتهم في المدينة.

стр. 187

بيعة العقبة الأولى ... البيعة الأولى: ومضت الأيام وأقبل موسم الحج عام ٦٢١م وفيه وفد اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب، فأزالت أخبارهم السارة كل هموم النبي ﷺ عندما لاقاهم في المكان المتفق عليه مع الستة الذين أسلموا في الموسم الماضي "عند العقبة بالقرب من منى".

стр. 188

وحينما التقى رسول الله ﷺ بوفد المدينة، حدثوه بأن أهل بلدهم ينتظرونه ليلتفوا حوله ويعتنقوا رسالته حتى يمكنهم أن ينتصروا على اليهود ويتخلصوا مما يحيط بهم من الخلاف والشقاق. وفرح رسول الله ﷺ بلقاء الوفد، فلقد زاد عدد المسلمين إلى اثني عشر رجلًا، ومن ورائهم أهل يثرب، مستعدين لقبول الدعوة الإسلامية وحماية صاحبها، وفي هذه المقابلة تمت بيعة العقبة الأولى. وقد تحدث عن هذه البيعة عبادة بن الصامت ﵁ فقال: بايعنا رسول الله ﷺ على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. ثم قال: "فإن وفيتم فلكم الجنة" ١. وتُسمى هذه البيعة في التاريخ: بيعة النساء، لأنها توافق الشروط التي ورد ذكرها في سورة الممتحنة خاصة بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وتعرف أيضًا بيعة العقبة، نسبة إلى المكان الذي عقدت عنده، وبعد أن تمت هذه البيعة واستعد القوم للرحيل والعودة إلى يثرب، بعث النبي ﷺ معهم مصعب بن عمير ﵁ يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويجمع المسلمين ويصلي بهم، ولقد كان للتعاليم الإسلامية التي شرحها لهم مصعب أثر عظيم في

стр. 189

إقبال الناس على الدخول في الدين الإسلامي، لأنهم لم يروا فيه عنتًا أو مشقة، وإنما وجدوا يسرًا وفضائح يصلح بها حالهم ويستقيم أمرهم في الدنيا والآخرة، مع ما كان لهم من استعداد وترقب لرسول تحدثت به اليهود وأخبرت عنه الكتب السماوية، ولذلك زاد عدد الداخلين في الإسلام بيثرب زيادة واضحة، وأسلم على يد مصعب عدد كبير حتى لم تبق دار إلا وفيها مسلمون. وكان النبي ﷺ هادئ النفس، ولا تبدو عليه آثار التحمس للدعوة في الفترة التي كان الإسلام يتغلغل فيها في المدينة، وظنت قريش أن هدوء النبي ﷺ ما هو إلا أمارة من أمارات الانصراف عن الدعوة، بعد أن لقي من قريش وثقيف أنواع العذاب، ولذلك رأت أن تخفف من اضطهادها له. ولكن الحقيقة هي أن محمدًا ﷺ حول اهتمامه من قريش في مكة إلى أهل يثرب الذين كانوا دعاة صادقين وأنصارًا متحمسين، لأن نفوسهم كانت متلهفة إلى دين يوحد كلمتهم ويجمع صفوفهم، ويطهر نفوسهم من العداوة والبغضاء والفرقة والاختلاف، فجاءت تعاليمه على يد أولئك الذين أسلموا وكأنها الدواء الشافي لأمراضهم وعللهم. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ ١. وكان الرسول ﷺ يفكر في مصعب أثناء غيبته ويفكر في أهل المدينة، ويدعو لمصعب بالتوفيق، ولأهل المدينة بالخير والهداية. وقد أخذ يتحرى أخباره، وما لاقاه من الأوس والخزرج، هل لبوا النداء؟ وهل أجابوا داعي الله؟

стр. 190

وهل تكون يثرب مشرق النور الإلهي وينبوع الخير الأبدي؟ ١ وظل هكذا، حتى عاد مصعب إلى مكة في موسم الحج بعد إقامة دامت هناك حوالي عام تقريبًا، وقص على النبي ﷺ خبر المسلمين بالمدينة وأنهم في ازدياد وقوة، وأنهم بعد أيام سيجيئون في موسم الحج أكثر عددًا وأعظم إيمانًا بالله ورسوله.

стр. 191

بيعة العقبة الثانية: وقد أعد الرسول ﷺ للأمر عدته، وفكر في بيعة ثانية أعظم من البيعة الأولى، وأوسع مما كان يدعو إليه أهل مكة ومن حولها. وجاء حجيج المدينة إلى مكة في الموسم: مؤمنهم وكافرهم، وكان فيهم خمسة وسبعون مسلمًا، ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان١. اثنان وستون من الخزرج، وأحد عشر من الأوس، وعلم الرسول ﷺ بمجيئهم ورغبتهم في لقائه، فاتصل سرًّا بزعمائهم حتى لا تعلم قريش بالأمر فتعمل على إلحاق الأذى بالنبي ﷺ وأتباعه، وتفسد على الرسول ﷺ والمسلمين خطة اجتماعهم، كما أخفى مسلمو يثرب أمرهم على من معهم من المشركين.

стр. 192

اجتماع الرسول ﷺ بمسلمي يثرب: وقد واعد النبي ﷺ مسلمي يثرب أن يقابلهم في آخر موسم الحج حتى لا

стр. 193

يكون هناك شبهة عند قريش، فهم في كل يومٍ يغدون ويروحون أمامهم، أما إذا غابوا عن الأنظار انكشف أمرهم، كما واعدهم أن تكون المقابلة ليلًا، وأن يكون مكانها عند العقبة، وانتظر مسلمو يثرب حتى انتهى أمر الحج وحان الموعد، فخرجوا من رحالهم بعد انقضاء ثلث الليل مستخفين حتى لا ينكشف أمرهم، ووصلوا العقبة وعلى رأسهم الاثنا عشر رجلًا الذين بايعوا النبي ﷺ البيعة الأولى وقاموا ينظرون مقدم صاحب الرسالة. وأقبل محمد ﷺ إلى المكان المحدد -العقبة- ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذٍ على دين قومه من الشرك، إلا أنه أحب أن يحضر مجلس ابن أخيه ليطمئن ويستوثق له، وكان ذلك قبل الهجرة بشهور وفي سنة ٦٢٢م. ولما تكامل المجلس كان العباس أول متكلم فقال: يا معشر الخزرج، إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، وهو في عزٍّ من قومه ومنعة في بلده، وقد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم خاذلوه بعد خروجه إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزٍّ ومنعة من قومه وبلده. قال اليثربيون -وقد سمعوا كلام العباس-: قد سمعنا ما قلت وإن عزائمنا معقودة على ما أتينا من أجله. فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. وعند ذلك تكلم ﵊ وبدأ حديثه بآيات من القرآن الكريم كما كانت عادته قبل البدء في الحديث، ثم دعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبناءكم". فأخذ سيدهم البراء بن معرور وكان له في تلك الليلة المقام الكريم بيد النبي ﷺ وقال: والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه ذرارينا؛ فبايعنا يا رسول الله، فنحن

стр. 194

-والله- أبناء الحرب ورثناها كابرًا عن كابرٍ. وتبعه الباقون، فمدوا أيديهم إلى الرسول ﷺ واحدًا بعد واحد يبايعون، وجاء بعدهم النساء يبايعن أيضًا. ولما فرغوا من البيعة قال لهم النبي ﷺ : "أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم أمراء". فاختار القوم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. فقال النبي ﷺ لهؤلاء النقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي" ١. وكذلك تمت البيعة الثانية وذهب كل إلى رحله في ظلام الليل، وهم على ثقة ويقين من أنه لا يعلم بهم أحد إلا الله. ولم يكد نور الصباح يظهر حتى كان أمر تلك البيعة حديث قريش فبدأت نفوسهم تضطرب لما سمعت، وقلوبهم تمتلئ فزعًا لهذا الحادث الخطير، وصمموا على أن يحولوا بين محمد ﷺ وبين الوصول إلى يثرب، حتى لا يعظم أمره فيها ويصبح خطرًا عليهم. وهذا التحول في أمر الدعوة وصاحبها محمد ﷺ حيث أجمعوا أمرهم على أن

стр. 195

يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، فساروا إليهم وخاطبوهم قائلين: يا معشر الخزرج، بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه -والله- ما من حيٍّّ من العرب يغضبنا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم أكثر منكم. فلم يجبهم أحد ممن أسلم بكلمة. أما المشركون منهم فقد حلفوا لهم أنه لم يحدث من ذلك شيء وما علموا به، وقال عبد الله بن أُبي وهو سيد من سادات مشركي يثرب: إن هذا الأمر جسيم ما كان قومي ليتفقوا على مثل هذا وما أعلم به. فاعتقد رؤساء قريش صدق قوله وانصرفوا١. وبعد ذلك بقليل بدأت قوافل الحجاج تعود إلى أوطانها، ولما مضى على رحيل أهل يثرب بضعة أيام تأكد لدى قريش أن ما علموه من أمر البيعة صحيح، وأن حديث عبد الله بن أُبيّ حديث غير العارف بها، ووقفت على تفاصيل ما دار في بيعة العقبة، فعرفت عدد الذين بايعوا ولم يخف عليهم كذلك ما تعاهدوا عليه من حمايتهم للرسول ﷺ والدفاع عنه، لذلك قامت قيامتهم وخرجوا يتعقبون الركب المدني للإيقاع به، فلم يدركوا منهم إلا سعد بن عبادة وكان قد تأخر عن القافلة، فأخذوه وردوه إلى مكة مسحوبًا من شعره الطويل وعذبوه حتى أجاره جبير بن مطعم بن عدي، وأطلق سراحه ثم عاد إلى المدينة٢.

стр. 196

الفصل الرابع: الهجرة النبوية وتأسيس الدولة الإسلامية هجرة المسلمين إلى المدينة: أصبح الرسول ﷺ والمسلمون بعد بيعة العقبة الثانية يشعرون بأن قوة جديدة تقف إلى جانبهم، وأن أرضًا طيبة تتهيأ لاستقبالهم، وأخذ الأوس والخزرج -بعد رجوعهم إلى يثرب- يبشرون بالدعوة الإسلامية بين أهليهم وذويهم، فتقع من نفوسهم موقع الرضا والقبول، ويمدون أيديهم لتأكيد البيعة التي التزم بها إخوانهم الذين سبقوهم إلى لقاء محمد ﷺ . وهكذا أشرقت يثرب بنور الحق وانتشرت فيها مبادئ الإسلام وأصبحت مكانًا مناسبًا يأمن فيه المسلمون على أنفسهم من أذى المعتدين وطغيان الظالمين. أما مكة فقد اشتد فيها الأذى بالمسلمين والتضييق عليهم، حتى أصبح عيشهم فيها جحيمًا لا يطاق. ومن أجل ذلك أمر الرسول ﷺ أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسللون ويخرجون من مكة في ظلام الكتمان والخفاء، يحذرون قريشًا ويخشون خطرها ويرجون ألا تحول بينهم وبين الانتقال من هذا

стр. 197

الوسط الخبيث، وتلك البيئة الفاسدة، إلى جوٍّ المدينة الطاهر الجميل. وأول من خرج، أبو سلمة المخزومي زوج أم سلمة رضي الله عنهما١، ثم تتابع المهاجرون بعد أبي سلمة، فرارًا بدينهم ليتمكنوا من عبادة الله الذي امتزج حبه بنفوسهم. ولم يبق منهم إلا أبو بكر وعلي، وقليلون من المستضعفين الذين لم تمكنهم أحوالهم من الهجرة. وقد كان بقاء أبي بكر وعلي بأمر من رسول الله ﷺ ذلك أن أبا بكر أراد الهجرة. فقال له الرسول ﷺ : "علي رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك يا رسول الله، بأبي أنت؟ قال: "نعم". فحبس أبو بكر نفسه، انتظارًا لرسول الله ﷺ ليكون في شرف صحبته، وجهز راحلتين عنده استعدادًا لذلك اليوم الموعود٢. ولا شك أن هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة كانت مبعث سعادة نفسية كبرى لهم، لأنهم تنفسوا الصعداء، وشعروا بالحرية التي لم يكونوا يألفونها، وأخذوا يعبدون الله وينشرون دينه في جوٍّ بعيد عن الضغط والإرهاب والظلم والعدوان. كما كانت ضربة قاضية على المشركين في مكة، إذا خاب أملهم وأفلت

стр. 198

المسلمون من قبضتهم، وأصبحوا يتوقعون منهم خطرًا كبيرًا لا ريب فيه.

стр. 199

المؤامرة الكبرى: وكانت دار قصي بن كلاب هي ندوة قريش يجتمعون فيها للنظر فيما يعنيهم من الأمور وما يصادفهم من المشكلات، ولا شك أن أمر محمد بن عبد الله ﷺ قد أصبح شغلهم الشاغل ومشكلتهم الكبرى، وعلى الأخص بعدما تم من بيعتي العقبة وظهور الإسلام في المدينة. ومن أجل ذلك فإن قريشًا قد اجتمعوا بدار الندوة، ليتشاورا فيما يصنعون بمحمد بن عبد الله ﷺ بعد أن عظم أمره واشتد خطره. قال قائل منهم: نخرجه من أرضنا وننفيه إلى مكان بعيد كي نستريح منه فرفض هذا الرأي، لأنهم قالوا: إذا خرج إلى مكان آخر اجتمعت حوله الجموع، لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه. وقال آخر: نوثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت؛ فرفض هذا الرأي كذلك، لأنهم قالوا: لئن حبستموه كما تقولون ليظهرن أمره وليبلغن أصحابه، وليوشك هؤلاء أن يثبوا عليكم ليخلصوا محمدًا من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ... وأخيرًا قال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم قد وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًّا جلدًا نسيبًا وسيطًا، ثم نعطي كل

стр. 200

واحد منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، ويرضون بالدية فنعطيها لهم. وقد وقع هذا الرأي في نفوسهم موقع الرضا والقبول، فوافقوا عليه وتهيئوا للإسراع في تنفيذه١. وهذا هو مكرهم، ولكن الله الذي يكتب ما يبيتون ويعلم ما يفعلون لم يتخل عن رسوله ﷺ فأوحى إليه بما دبره له الأعداء في ندوتهم، وأمره بالهجرة من مكة إلى المدينة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢. ومما تقدم يتبين لنا أن أسباب الهجرة تتلخص فيما يأتي: ١- شدة إيذاء المشركين من قريش للرسول ﷺ وللمسلمين. وقد بلغ هذا الأذى نهايته في الفترة الأخيرة، أي بعد وفاة السيدة خديجة ﵂ ووفاة أبي طالب، عم الرسول ﷺ .

стр. 201

٢- بيعتا العقبة، وفي هاتين البيعتين وضح للرسول ﷺ أن الأوس والخزرج مخلصون له وللإسلام، وأنهم سيدافعون عنه وينصرونه، وأن المدينة قد أصبحت بعد إسلام الكثيرين من الأوس والخزرج مكانًا طيبًا يمكن أن تنمو فيه الدعوة الإسلامية وتترعرع. ٣- المؤامرة الكبرى، وهي تلك المؤامرة التي اتفق المشركون فيها على قتل رسول الله ﷺ والتخلص منه ليخلو الجو لهم، ويرجع المجد والسلطان لآلهتهم المزعومة، وعقائدهم الفاسدة.

стр. 202

بدء الهجرة النبوية: وتتحدث السيدة عائشة ﵂ عن يوم الهجرة النبوية فتقول١: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله ﷺ في الهجرة والخروج من مكة. ومن بين ظهري قومه أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ في هذه

стр. 203

الساعة المتأخرة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : "أخرج عني من عندك"، قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي؟ قال: "إن الله أذن لي في الخروج والهجرة". قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: "الصحبة". قالت: فوالله ما شعرت قط -قبل ذلك اليوم- أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذٍ يبكي. وقد بكى أبو بكر ﵁ من فرط السرور؛ لأنه أدرك مدى النعمة التي مَنّ الله بها عليه، إذ شرفه بصحبة الرسول ﷺ في هذا الوقت العصيب. وفي تلك الرحلة الخالدة التي ستكون حدًّا فاصلًا بين الحق والباطل وسيتقرر بها مصير الإسلام والمسلمين. وكان أبو بكر قد جهز راحلتين له وللرسول ﷺ ثم استأجر دليلًا خبيرًا بطرق الصحراء واسمه: عبد الله بن أريقط، وعلى الرغم من أن هذا الرجل كان كافرًا إلا أنهما وثقا من أمانته وإخلاصه، فواعده غار ثور بعد ثلاث ليال. وكانت الليلة التي خرج فيها رسول الله ﷺ من مكة في العشر الأواخر من شهر صفر. وفي السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، وكان المشركون قد ترصدوا للرسول ﷺ في تلك الليلة، وأحاطوا بداره لكي ينفذوا مؤامرتهم الغادرة. وقد أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ أن يبيت في مكانه وسجّاه ببردته، فكان المشركون إذا نظروا من ثقب الباب وجدوا شبحًا نائمًا وعليه بردة الرسول ﷺ فيعتقدون أنه محمد فيطمئنون، ثم خرج محمد

стр. 204

-صلوات الله وسلامه عليه- على المشركين وهو يقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١. فألقى الله النوم عليهم فلم يره أحد منهم٢ ثم تقابل الرسول ﷺ مع أبي بكر وسارا حتى بلغا غار ثور فاختبآ فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب عنهما، وتيأس قريش من مطاردتهما.

стр. 205

في غار ثور: وصل رسول الله ﷺ إلى غار ثور ومعه صاحبه الوفي الأمين أبو بكر الصديق ﵁ وقد سبق أبو بكر رسول الله إلى دخول الغار ليستبرئه. فلما اطمأن إلى سلامته من الهوام والحشرات، نادى الرسول ﷺ بالدخول ومكثا في ذلك الغار الموحش ثلاث ليال. وكان عبد الله بن أبي بكر قد عرف من أبيه حين الهجرة من مكة أنه سيلجأ مع النبي ﷺ إلى غار ثور ... فكان إذا جن الليل ينطلق إلى الغار فيقص على رسول الله ﷺ وعلى أبيه ما رأى من مشركي قريش وما سمع من تدبيرهم، ثم يأتي عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بأغنامه فينال الرسول ﷺ وأبو بكر من ألبانها ولحومها ما يشاءان، ثم يعود عبد الله بن أبي بكر، ويعود عامر بالقطيع وراءه ليعفي على أثره، ويعود اللاجئان إلى عزلتهما بالغار يؤنسهما الإيمان وتحيط بهما عناية الرحمن. وقد فزع مشركو قريش لهجرة رسول الله ﷺ وخروجه من مكة أشد الفزع، فطاردوه في كل مكان وقعدوا له كل مرصد، وتتبعوا آثاره وآثار صاحبه حتى

стр. 206

انتهى بهم المطاف إلى مقربة من غار ثور. وقد ساورهم الشك في أن يكون محمد ﷺ وصاحبه قد لجآ إلى ذلك الغار، فأخذوا يتشاورون فيما بينهم ويتساءلون، وكان على مقربة من الغار راعٍ ... فلما رآه المشركون سألوه: هل رأيت محمدًا وأبا بكر؟ وهل تعرف أين ذهبا؟ وأجاب الراعي: قد يكونان بالغار ... وإن لم أر أحدًا أمّه. وسمع الرسول ﷺ وأبو بكر هذا الحديث، وسمعا وقع أقدام المشركين وهم يتقدمون نحو الغار، فاستولى الخوف الشديد على أبي بكر الصديق حتى تصبب عرقًا وقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا. ولكن الرسول ﷺ كان يطمئنه ويقول له: "يا أبا بكر ما ظنك في رجلين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا". ثم تقدم واحد منهم نحو الغار، ودار حوله وأمعن النظر فيه، فلم يلبث أن عاد أدراجه. وسأله أصحابه: ماذا رأيت بالغار؟ فقال: إن العنكبوت عليه من قبل ميلاد محمد، وقد رأيت حمامتين وحشيتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، فاعتقد المشركون أن الغار مهجور ورجعوا خائبين١. وهكذا تتجلى عناية الله ورعايته للرسول ﷺ في كل خطوة من خطواته، وفي ذلك يقول الله :

стр. 207

﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وإذا كان القرآن الكريم لم يشر إلى نسيج العنكبوت، ولا إلى وجود حمامتين وحشيتين عند الغار، فإن كتب الحديث النبوي قد أشارت إلى شيء من ذلك، فقد ذكر أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵄: أن أهل مكة لما اقتفوا أثر الرسول ﷺ بعد خروجه من مكة وصلوا إلى جبل ثور، فصعدوا فيه فمروا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه٢. على أننا يمكن أن نستشف من قوله سبحانه: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أي أيده بعنايته، ومن قوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ أن نسيج العنكبوت ووجود الحمامتين الوحشيتين وإخفاء هذه الأشياء لمحمد ﷺ وصاحبه عن عيون الأعداء إنما هو أثر من عناية الله ورمز لجنود الله، إن جنود الله هي القوى التي يمتلئ بها الكون ويسخرها الله -إذا شاء- للقضاء على الظالمين، أو إعانة الضعفاء أو إغاثة الملهوفين، وقد يتمثل ذلك في إنسان أو حيوان أو طائر، أو أي كائن صغير أو كبير.

стр. 208

ومن عجب أن المفسرين حينما يفسرون قوله سبحانه: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ يقولون عنها: إنها الملائكة التي نزلت في يوم بدر وفي يوم حنين١، ولا شك أن الآية تتحدث عن الغار وما وقع فيه من رعاية إلهية لمحمد ﷺ وصاحبه وكل الأفعال الواردة في الآية الكريمة من إنزال السكينة وتأييد الرسول ﷺ بالجنود وجعل كلمة الذين كفروا هي السفلى وكلمة الله هي العليا.. كل ذلك إنما تتعلق به الظروف التي اختصها الله بالذكر في هذه الآية وأعني بها ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ ، و ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ، و ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ ٢.

стр. 209

ومن هنا يسوغ لنا أن نقول -والله أعلم- إن تأييد الله لرسوله ﷺ بالجنود يُقصد به في هذه الآية ما سخره الله من القوى لنصرة محمد ﷺ وتيسير طريقه إلى يثرب وإخفاء المعالم التي تدل عليه حتى يصل إلى غايته في أمن وسلام١، ولله قول شوقي حينما يسجل تلك العناية في قصيدته نهج البردة: سل عصبة الشرك حول الغار حائمة ... لولا مطاردة المختار لم تحم هل أبصروا الأثر الوطاء أم سمعوا ... همس التسابيح والقرآن من أَمَمِ؟ وهل تمثل نسج العنكبوت لهم ... كالغاب والحائمات الزغب كالرخم؟ فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم ... كباطل من جلال الحق منهزم لولا يد الله بالجارين ما سلما ... وعينه حول ركن الدين لم يقم تواريا بجناح الله واستترا ... ومن يَضُمُّ جناح الله لا يُضَمِ وكما أسعدني الحظ بالرقي إلى غار حراء، حيث بدأ نزول الوحي على النبي الأمين، فقد أسعدني الحظ -كذلك- بالرقي إلى غار ثور حيث لجأ الرسول ﷺ وصاحبه يحتميان من طغيان المشركين، ولقد كانت رحلة مباركة من طلاب كلية

стр. 210

الشريعة بمكة المكرمة. وعلى الرغم من متاعب الطريق الذي كانت تزحمه الرمال السافية والذي غاصت فيه السيارة مرة بعد مرة، ولم تتحرك إلا بعد أن نزل الجميع وعاونوها على المسير، فقد كنا نتجه في طريق الرسول ﷺ ونسير على الدرب الذي سلكه الرسول ﷺ ولذا عادت بنا الذاكرة من خلال القرون الماضية إلى يوم الهجرة النبوية، وتمثلنا رسول الله ﷺ خارجًا في ظلام الليل يطارده الظلم بجحافله الجرارة، ويضيء في قلبه الإيمان فيبدد هذا الظلم والظلام، وكنا نتطلع إلى الرمال عسى أن نرى أثرًا من آثاره، ونتسمع إلى الرياح عسى أن تروي لنا خبرًا من أخباره ... وهكذا حتى وصلنا -بحمد الله وتوفيقه- إلى جبل ثور. ولقد كان هذا الجبل يختلف عن جبل حراء، لأنه جبل تسلمك قمته إلى سفح جبل آخر. فكأن الصاعد إلى غار ثور سوف يتسلق جبلين، ويبذل من الجهد مثل ما بذل في جبل حراء مرتين. ولقد عاوننا بعض الطلاب المرافقين لنا على الصعود، وكأنما كانت تشدنا إلى غايتنا قوة سحرية حتى وصلنا إلى هذا المكان الخالد١، ووقفنا أمامه خاشعين متأملين. والناظر إلى هذا الغار لأول وهلة يروعه جلال عجيب، ويسيطر على نفسه شعور غريب، فهو قبة كبيرة من الصخر مجوفة من الداخل ويتسع لأكثر من ثلاثين رجلًا، وبابه ضيق لا يستطيع أحد أن يدخله إلا حبوًا، على يديه ورجليه، وسقفه منخفض لا يزيد ارتفاعه عن متر ونصف متر، وأمام الباب فتحة واسعة تبلغ ضعف فتحة الباب. وقد وسعها بعض الأمراء المسلمين ليدخل منها الضوء وتسهل دخول الناس، وكان هذا عملًا بعيدًا عن الصواب.

стр. 211

وأمام الغار وعلى بعد ما يقرب من عشرة أمتار توجد صخرة مرتفعة، وهي التي وقف عليها المشركون حينما كانوا يبحثون عن رسول الله ﷺ . وقد قضينا في هذا المكان نصف يوم، كان في تقديرنا نصف العمر أو العمر كله. ورجعنا بعد ذلك من نفس الطريق الذي جئنا منه؛ حيث ضربت لنا خيمة بسفح الجبل فاسترحنا في ظلها، وتناولنا أقداح الشاي وأقداح اللبن. قلت لصاحبي -وأنا أجول في أعماق الماضي البعيد: ليت هذه الخيمة كانت خيمة أم معبد؟ وليت هذا اللبن الذي شربناه كان من شاة أم معبد.١ فأجابني قائلا: يا ليت ثم يا ليت، ولكن هيهات هيهات أن يرجع ما فات. وبعد ثلاثة أيام قضاها الصاحبان في غار ثور، وبعد أن هدأ الطلب وسكن الناس عنهما، أتاهما الدليل: عبد الله بن أريقط، ببعيرين لهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بطعامهما. فلما ارتحلا لم تجد ما تعلق به الطعام والماء في رحالهما، فشقت نطاقها وعلقت الطعام بنصفه وانتطقت بالنصف الآخر، فسميت ذات النطاقين. وتتحدث السيدة أسماء عما أخذه أبوها من ماله في يوم الهجرة، فتقول: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر معه خمسة آلاف درهم، وكانت هي كل ماله. فدخل علينا جدِّي أبو قحافة -وقد ذهب بصره- فقال:

стр. 212

والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. فقلت له: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا. قالت: ثم أخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدل على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، ثم تقول السيدة أسماء: ولا والله ما كان قد ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك١.

стр. 213

قصة أم معبد وتعيد إلينا قصة أم معبد الخزاعية قصة حليمة السعدية مرضعة الرسول ﷺ فلقد كان قدوم محمد ﷺ خيرًا وبركة، وظهر ذلك فيما منحها الله من رزق وفير، وكان ذلك في أيام رضاعه وطفولته. وكذلك كان قدوم محمد ﷺ على أم معبد الخزاعية في طريق هجرته إلى المدينة وفي أيام كهولته خيرًا وبركة، وظهر ذلك بما أفاء الله عليها من خير بيمن قدومه، ومن حيث لم تكن هناك أسباب يتوقع منها هذا الخير، وإليكم ما رواه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى١ عن ذلك: "عن أبي معبد الخزاعي أن

стр. 214

رسول الله ﷺ لما هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت المرأة١ جلدة برزة٢ تحتبي وتقعد بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرًا أو لحمًا يشترونه. فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وإذا القوم مرملون٣، مسنتون٤. فقلت والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد"؟ قالت: هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال "هل بها من لبن"؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "تأذنين لي أن أحلبها"؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله، وقال: "اللهم بارك لها في شاتها"، قال:

стр. 215

فتفاجت١ ودرت واجترت فدعا بإناء لها يُربض الرهط٢ فحلب فيه ثجًّا حتى غلبه الثمال٣ فسقى لها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى ارتووا، وشرب ﷺ آخرهم، فشربوا جميعًا عللا بعد نهل٤ثم حلب فيه ثانيًا عَودا على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد. فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: والله، إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: ذاك والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر ولو كنت وافقته يا أم معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.٥ وتروي كتب السيرة ٦ أن هاتفًا من الجن أخبر أهل مكة بما وقع في خيمة أم معبد، فكان مما قال: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم ترحلَا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد٧ لِيَهْنِ بني كعب مقامُ فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد٨
следующие страницы →