وأمام الغار وعلى بعد ما يقرب من عشرة أمتار توجد صخرة مرتفعة، وهي التي وقف عليها المشركون حينما كانوا يبحثون عن رسول الله ﷺ .
وقد قضينا في هذا المكان نصف يوم، كان في تقديرنا نصف العمر أو العمر كله. ورجعنا بعد ذلك من نفس الطريق الذي جئنا منه؛ حيث ضربت لنا خيمة بسفح الجبل فاسترحنا في ظلها، وتناولنا أقداح الشاي وأقداح اللبن.
قلت لصاحبي -وأنا أجول في أعماق الماضي البعيد: ليت هذه الخيمة كانت خيمة أم معبد؟ وليت هذا اللبن الذي شربناه كان من شاة أم معبد.١ فأجابني قائلا: يا ليت ثم يا ليت، ولكن هيهات هيهات أن يرجع ما فات.
وبعد ثلاثة أيام قضاها الصاحبان في غار ثور، وبعد أن هدأ الطلب وسكن الناس عنهما، أتاهما الدليل: عبد الله بن أريقط، ببعيرين لهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بطعامهما.
فلما ارتحلا لم تجد ما تعلق به الطعام والماء في رحالهما، فشقت نطاقها وعلقت الطعام بنصفه وانتطقت بالنصف الآخر، فسميت ذات النطاقين. وتتحدث السيدة أسماء عما أخذه أبوها من ماله في يوم الهجرة، فتقول: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر معه خمسة آلاف درهم، وكانت هي كل ماله.
فدخل علينا جدِّي أبو قحافة -وقد ذهب بصره- فقال:
стр. 212
والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
فقلت له: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.
قالت: ثم أخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدل على هذا المال.
قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، ثم تقول السيدة أسماء: ولا والله ما كان قد ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك١.
стр. 213
قصة أم معبد
وتعيد إلينا قصة أم معبد الخزاعية قصة حليمة السعدية مرضعة الرسول ﷺ فلقد كان قدوم محمد ﷺ خيرًا وبركة، وظهر ذلك فيما منحها الله من رزق وفير، وكان ذلك في أيام رضاعه وطفولته.
وكذلك كان قدوم محمد ﷺ على أم معبد الخزاعية في طريق هجرته إلى المدينة وفي أيام كهولته خيرًا وبركة، وظهر ذلك بما أفاء الله عليها من خير بيمن قدومه، ومن حيث لم تكن هناك أسباب يتوقع منها هذا الخير، وإليكم ما رواه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى١ عن ذلك: "عن أبي معبد الخزاعي أن
стр. 214
رسول الله ﷺ لما هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت المرأة١ جلدة برزة٢ تحتبي وتقعد بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرًا أو لحمًا يشترونه. فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وإذا القوم مرملون٣، مسنتون٤.
فقلت والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى.
فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد"؟
قالت: هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال "هل بها من لبن"؟
قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "تأذنين لي أن أحلبها"؟
قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله، وقال: "اللهم بارك لها في شاتها"، قال:
стр. 215
فتفاجت١ ودرت واجترت فدعا بإناء لها يُربض الرهط٢ فحلب فيه ثجًّا حتى غلبه الثمال٣ فسقى لها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى ارتووا، وشرب ﷺ آخرهم، فشربوا جميعًا عللا بعد نهل٤ثم حلب فيه ثانيًا عَودا على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد.
فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: والله، إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: ذاك والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر ولو كنت وافقته يا أم معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.٥
وتروي كتب السيرة ٦ أن هاتفًا من الجن أخبر أهل مكة بما وقع في خيمة أم معبد، فكان مما قال:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم ترحلَا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد٧
لِيَهْنِ بني كعب مقامُ فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد٨
стр. 216
سلو أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد١
وقد أجابه حسان بن ثابت بعد ذلك:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد٢
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلوا كتاب الله في كل مشهد
لِتَهْنِ أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد٣
стр. 217
حديث سراقة:
وكانت قريش قد رصدت مائة ناقة مكافأة ناجزة لمن يأتيهم بمحمد ﷺ حيا أو ميتا، وهي مكافأة يسيل لها لعاب الباحثين عن الثروة وطلاب المال، وقد تطلع إليها الكثيرون من الشبان الأقوياء والفرسان الشجعان، فبحثوا عن محمد ﷺ في
стр. 218
كل مكان، وتتبعوا آثاره وأخباره حتى كادوا ينبشون الجبال، ويسألون الحصى والرمال.
وكان من أكثرهم حرصًا وتلهفًا على الظفر بهذه الجائزة الكبرى رجل من بني مدلج يقال له: سراقة بن مالك، وكان قد سمع من بعض المسافرين القادمين من مكة أمارات واضحة تدل على الطريق الذي يسير فيه محمد وأصحابه، وكان عددهم أربعة، فأخذ يضلل السامعين ويعمي عليهم حتى يظفر وحده بالإبل المائة، ويظفر إلى جوار ذلك بالفخر أمام أهل مكة الذين أعياهم البحث عن محمد ﷺ واستسلموا في النهاية إلى اليأس والفشل.
وقد جهز الرجل عدته وسلاحه وامتطى فرسه وانطلق يعدو ميممًا الطريق والمكان الذي توقع فيه ضالته المنشودة، حتى أصبح على مرمى البصر من محمد ﷺ ومرافقيه. ويقول سراقة إن فرسه عثرت به ثلاث مرات، وفي المرة الثالثة ساخت قوائمها في الرمال، فانتزعها من الأرض فتصاعد منها دخان كالإعصار وحينئذ فزع سراقة، وأدرك أن سرًا عجيبًا وعناية خاصة تحيط بهؤلاء الناس، وأنه إن استمر في طلبهم فسوف يسعى إلى حتفه بظلفه، فناداهم قائلا: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أرينكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فقال الرسول ﷺ لأبي بكر: قل له: "وماذا تبتغي منا"؟ فقال ذلك أبو بكر، فأجابه سراقة: أريد أن تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر. فكتب له كتابا بما طلب ثم ألقاه إليه١.
стр. 219
ورجع سراقة إلى مكة مأخوذًا بما وقع له ومصمما على تنفيذ ما تعهد به من إبعاد الأذى عن محمد ﷺ وصاحبه، وتضليل كل من يريد بهم الشر والسوء.
ويذكر الرواة١: أن أبا جهل وجه اللوم إلى سراقة حينما رجع دون أن يتحقق له شيء. فقال له سراقة -وكان شاعرا:
أبا حكم والله لو كنت شاهدًا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت٢ -ولم تشكك- بأن محمدا ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه؟
عليك بكف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه
بأمر يود الناس فيه بأسرهم٣ ... لو أن جميع الناس طرًا يسالمه
وسواء أكان هذا الشعر لسراقة نفسه أم أنه من كلام غيره، فإنه -بلا شك- تعبير صادق عما يجيش في صدره، بعد ما رأى تلك العناية التي تحيط بمحمد ﷺ وتحول بين أعدائه وبين ما يشتهون.
وقد واصل الرسول ﷺ سيره في هذا الركب موليا وجهه شطر يثرب، ولكن الدليل سلك بهم طريقًا غير مألوف حتى يمعن في تضليل الأعداء والاستخفاء عن أعينهم، فاتجه إلى تهامة على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وهو على أمكنة يصعب فيها السير. ولكنه اختارها لبعدها عن الطريق المعروف، فمر بعسفان -وسميت بذلك لتعسف السير فيها- ومر بالجداجد، وهو مكان كثير الصخور. ومر بالعرج، وهو مكان ينعرج فيه الطريق. وهكذا حتى وصلوا إلى
стр. 220
قباء بعد رحلة في صحراء الجزيرة العربية استمرت اثني عشر يومًا١، لقي الرسول ﷺ وأصحابه خلالها من وعثاء السفر ووحشة الطريق وكيد الأعداء ما ينوء به الأبطال.
وقد أقام الرسول ﷺ أربعة أيام في قباء٢ وفيها أسس مسجدها المبارك الذي وصفه الله بقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٣.
стр. 221
ثم غادر رسول الله ﷺ قباء، واتجه إلى المدينة، حيث كان الأوس والخزرج -وهم الأنصار- يحيطون به عن يمين ويسار وقد تقلدوا سيوفهم وامتلأت نفوسهم بالبشر والسرور، فكانت لحظات خالدة في تاريخ المدينة، وكان يومًا عظيمًا في تاريخ الإسلام، وخرج النساء والصبيان في جو من النشوة والفرح تتردد فيه الأناشيد الجميلة.
ثم سار في المدينة في موكب من النور، وكلما مر الرسول ﷺ على دار من دور الأنصار، دعاه أهلها للنزول عندهم، وأخذوا بزمام ناقته فيقول لهم الرسول ﷺ : "دعوها فإنها مأمورة".
ولم تزل سائرة حتى بركت في محلة من محلات أخواله بني النجار أمام دار أبي أيوب الأنصاري، فقال رسول الله ﷺ : "ههنا المنزل إن شاء الل هـ، ﴿رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون: من الآية: ٢٩] ". فاحتمل له أبو أيوب رحله فوضعه في منزله وخرجت ولائد من بني النجار يقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال ﵇: "أتحببنني"؟ فقلن: نعم. فقال الرسول ﷺ : "إن قلبي يحبكن". واختار ﵊ النزول في الدور الأسفل من بيت أبي أيوب ليكون أريح لزائريه. ولكن أبا أيوب ﵁ كره ذلك وأبى إلا أن ينزل الرسول ﷺ في الطابق الأعلى إكراما وإعزازًا لشأنه١.
стр. 222
وكان الأنصار يتسابقون في إكرام الرسول ﷺ فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاثُ أو الأربعُ من جفان الثريد يأكل منها ﵊ هو وأضيافه من الأنصار والمهاجرين.
стр. 223
بناء الدولة الإسلامية:
ومنذ أول يوم استقر فيه الرسول ﷺ في يثرب بدأ يؤسس الدولة الإسلامية الكبرى التي أذن الله لها -فيما بعد- أن تمتد في كل اتجاه وتضم بين ذراعيها أقوى دولتين كانتا تتحكمان في هذا العالم، وهما: دولة الفرس ودولة الروم.
وإذا كان كثير من المؤرخين قد درجوا على أن يجعلوا الأسس التي أقيمت عليها الدولة الإسلامية حينئذ ثلاثة فحسب، وهي: بناء المسجد، والمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، والمعاهدة بين الرسول وبين اليهود، فإننا لدى التأمل نستطيع أن نضيف إليها أسسا أخرى لها أهميتها الكبرى وهي: إلغاء العصبية القبلية بين الأوس والخزرج، حيث حول الإسلام قوتها المدمرة إلى قوة نافعة معمرة، وتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، إذ ترتب على هذا التحول ترغيب كثير من القبائل العربية في الإسلام الذي يقدس بيت الله الحرام، وتوجيه المسلمين إلى القتال في سبيل الله حتى يتطهر الجو الذي كان يحيط بهم من عوامل الشر والفساد، ويفتح المجال أمام الراغبين في الإسلام دون خوف من اضطهاد أو فتنة١.
وأخيرا وضع النظام الاقتصادي الذي سوف تقوم عليه الدولة الجديدة.
стр. 224
بناء المسجد
شرع رسول الله ﷺ منذ وصل إلى المدينة في بناء مسجده في المكان الذي بركت فيه ناقته، وكان هذا المكان مربدًا١ للتمر مملوكًا لغلامين يتيمين في المدينة٢، فدعا رسول الله ﷺ بالغلامين، وطلب إليهما المريد ليتخذه مسجدًا وتحدث معهما في شرائه ...
فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله.
فأبى ﵇ أن يقبله منها هبة، ولكنه ابتاعه منهما٣. وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر رسول الله ﷺ بالقبور فنبشت، وبالحفر فسويت، وبالنخل فقطع. ثم أمر بالبناء، وكان بناؤه باللبن٤، ولكن عضادتي الباب كانتا من الحجارة، وكان سقفه من الجريد، وأعمدته من جذوع النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلا القليل.
وقد اشترك رسول الله ﷺ وأصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم، وكانوا يروحون عن أنفسهم عناء الحمل والنقل والبناء فيرددون هذا الغناء:
стр. 225
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة١
وقد ضاعف من حماس الصحابة في العمل أنهم رأوا رسول الله ﷺ يعمل بنفسه كواحد منهم ويكره أن يتميز عليهم فارتجز بعضهم هذا البيت:
لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل٢
وهكذا تم بناء المسجد في جو يملؤه الإيمان وتشيع فيه الأخوة والمساواة.
ولم يكن المسجد على عهد الرسول ﷺ مكانا للصلوات فحسب، وإنما كان مدرسة للتعليم والتهذيب أستاذها ومعلمها رسول الله ﷺ وطلابها هم أصحابه الأبرار -رضوان الله عليهم- وكان محكمة للقضاء بما أنزل الله، يفصل فيها رسول الله ﷺ أو من ينيبه بين المتخاصمين، وكان دارا للشورى يتداول فيه الرسول ﷺ والمسلمون في أخص شئونهم وأمورهم، وكان مركزا لقيادة الجيش تعقد فيه الألوية للرؤساء والقواد ويزودون بالنصائح والتعليمات. وكان نزلا لاستقبال الوفود والرسل الذين توجههم الدول للقاء الرسول ﷺ وهكذا كانت رسالة المسجد في ذلك الوقت رسالة خير وإصلاح وتهذيب.
وقد وردت في فضل المسجد النبوي أحاديث كثيرة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلى إلا ثلاثة
стр. 226
مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" ١.
وجاء في الصحيحين أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ٢.
وقد بني بجانب المسجد حجرتان: إحداهما لسودة بنت زمعة، والأخرى لعائشة بنت أبي بكر. ولم يكن رسول الله ﷺ متزوجا غيرهما إذ ذاك، وكانت الحجرتان متجاورتين وملاصقتين للمسجد على شكل بنائه، ثم صارت تُبنى الحجرات كلما تزوج الرسول ﷺ على عدد زوجاته٣.
стр. 227
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:
وكان موقف الرسول ﷺ وأصحابه المهاجرين -بعد أن تركوا وطنهم وخرجوا من ديارهم وأموالهم- موقفا دقيقا يتطلب الإخلاص والتضامن، ويقتضي أن يسود التعاون بينهم وبين إخوانهم الأنصار.
وكان الأنصار -وهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم- يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان
стр. 228
بهم خصاصة١.
ولا غرو فقد شعروا بحاجة إخوانهم المهاجرين، وقدروا ظروفهم العصيبة، فأوَوْهُم ونصروهم، وضربوا في الإخلاص لهم والتفاني في خدمتهم أروع الأمثال، حتى لقد وصفهم الله بذلك الوصف الرائع حيث يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٢، أي يفضلون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، مهما كان فقرهم، ومهما اشتدت حاجتهم.
وكانت سياسة الرسول ﷺ في هذه الظروف القاسية سياسة القائد المحنك الرشيد، فقد عمل على تنظيم صفوف المسلمين وتوكيد وحدتهم، فربط بينهم برباط قوي متين، وذلك أنه عقد تلك الأخوة النادرة المثال بين الأنصار والمهاجرين، وجعل لها من الحقوق والواجبات ما لأخوة النسب٣، فكان أبو بكر الصديق أخا لخارجة بن زهير الأنصاري، وكان أبو عبيدة بن الجراح أخا لسعد بن معاذ الأنصاري، وكان عبد الرحمن بن عوف أخا لسعد بن الربيع الأنصاري، وكان عثمان أخا لأوس بن ثابت الأنصاري٤.. وهكذا أصبح المهاجرون والأنصار بنعمة الله إخوانا. وقد أظهر الأنصار من الكرم والتسامح ما خفف عنهم آلام الغربة، وعوَّضهم عن فراق الأهل والعشيرة، حتى ليروى أن سعد بن الربيع الأنصاري عرض عليه أخيه عبد الرحمن بن عوف -وكان لا يملك بيثرب شيئا- أن يشاطره ماله٥، فأبى عبد الرحمن
стр. 229
وطلب إليه أن يدله على السوق، وبدأ ببيع الزبد والجبن في سوق المدينة، فنما ماله واتسعت ثروته وأصبحت له قوافل تجارية عظيمة، وصنع غير عبد الرحمن من بعض المهاجرين الذين لهم خبرة بالتجارة كما صنع عبد الرحمن، فيسر الله عليهم وبارك لهم. أما المهاجرون الذين لم تكن لهم دراية في التجارة فقد عملوا في أراضي الأنصار، واشتغلوا بالزراعة بطريق المزارعة مع ملاك الأرض، وكانوا يلقون كثيرا من الشدة والتعب في حياتهم، ولكنهم يأبون أن يكونوا كلا وعالة على إخوانهم الأنصار، مهما كلفهم ذلك من جهد وآلام.
стр. 230
المعاهدة بين الرسول ﷺ واليهود
كانت المؤاخاة التي عقدها رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في المدينة أساسا لتقوية المسلمين، وتوكيدا لوحدتهم وألفتهم وضمانا لحياة كريمة صافية، وعيشة راضية.
وكان اليهود يقيمون بجوار المسلمين في المدينة وهم يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، وكان هؤلاء اليهود أعداء للأوس والخزرج -الأنصار قبل أن يدخلوا الإسلام- فلما دخلوا الإسلام وقوي أمرهم بمجيء إخوانهم المهاجرين ازدادت عدواتهم وحقدهم عليهم. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ١، فكان من سياسة الرسول ﷺ وحسن تدبيره أن يبدأ هؤلاء اليهود بالمودة، ويبسط لهم يد الأخوة، ويتفق معهم على التضامن والتعاون حتى تكون المدينة كلها صفًّا واحدًا وقوة واحدة، وحتى لا يطمع في المدينة طامع وينال منها عدو.
وقد كتب الرسول ﷺ معاهدة بين فيها حقوق المسلمين وواجباتهم وحقوق اليهود وواجباتهم، وكان أساس هذه المعاهدة الأخوة في السلم، والدفاع عن المدينة وقت الحرب، والتعاون التام بين الفريقين إذا نزلت شدة بأحدهما أو كليهما.
وقد جاء في هذه المعاهدة ٢: وأن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم
стр. 231
وللمسلمين دينهم، ومن ظلم أو أثِمَ منهم؛ فإنه لا يوتغ -لا يهلك- إلا نفسه وأهل بيته، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة١، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأن من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى".
وقد كتب رسول الله ﷺ بعد هذه المعاهدة معاهدات خاصة مع اليهود تتجه إلى هذه الأهداف، وتدور حول تلك الأغراض.
وقد دلت هذه المعاهدات الجلية على سمو تفكير الرسول ﷺ وحسن سياسته، فهي تقرر حرية العقيدة، وحرية الرأي، وحرمة المدينة، وتحرم الجرائم، وتحارب الظلم والإثم، وقد وضعها رسول الله ﷺ منذ قرابة أربعة عشر قرنا من الزمان، ولكن لا تزال إلى هذا العصر الذي نعيش فيه نبراسا يهتدي به الساسة والقادة إذا اضطربت الأمور وأظلم السبيل.
ولا شك أن هذه المعاهدات الخالدة٢ كانت ذات أثر كبير في تقوية عزائم المسلمين، وحفظ المدينة من مطامع المشركين المعتدين، ولولا أن اليهود غدروا وخانوا العهد والمواثيق، وبدأوا بالعدوان على المسلمين، لما وقف
стр. 232
رسول الله ﷺ والمسلمون منهم موقف العداء، ولظلت المدينة يغمرها الوئام والصفاء.
ولكن اليهود غدروا وخانوا وبدأوا بالعدوان، فرد الرسول ﷺ والمسلمون على إساءتهم وظلمهم بما جعلهم عبرة أمام القرون والأجيال، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ظالمين.
стр. 233
إعلاء العصبية ١ بين الأوس والخزرج:
يتجه الإسلام في علاج الأمراض الأخلاقية والمشكلات الاجتماعية إلى أقوم طريق، ويوجه الغرائز البشرية والطبائع الإنسانية إلى المنهج السوي الصالح، فهو لا يقاوم الرغبات، بل يقومها، ولا يناهض الطبائع والعادات بل ينهض بها، ولا يقتل الحيوية الموجودة في النفوس إذا ما جمحت، أو ينزل به إلى الدرك الأسفل، وإنما هو يحييها ويسموا بها ويعليها.
ولقد عالج الإسلام العصبية القبلية في نفوس العرب على هذا الأساس السليم، فوجهها إلى الناحية الصالحة المستقيمة، وحول ذلك التيار القوي الذي كان يغذيها إلى اتجاه يوصل إلى غاية مجيدة ... فبعد أن كانت غاية المرء في الجاهلية هي نصرة قبيلته، والدفاع عن أهله وعشيرته مهما نأوا عن الحق وتشبثوا بالباطل، أصبحت الغاية في الإسلام هي نصرة الحق على الباطل -ولو حارب المرء في هذا السبيل أهله وبنيه، وتبرأ من أمه وأبيه وفصيلته التي تؤويه، وبذلك صارت الحمية في الجاهلية عزة إسلامية وأخوة دينية، وأصبح التنافس القبلي البغيض تنافسا رشيدا يسعى إلى التعمير لا التدمير، ويهدف إلى الإنشاء.
стр. 234
والهناء، لا إلى الهدم والإفناء، وغدا التسابق على المادة أو الجاه والسلطان تسابقًا في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق ورفع لواء الإسلام.
ولقد كانت العصبية القبلية بين الأوس والخزرج قبل الإسلام معول هدم وتدمير يهدد القبيلتين بأسوأ مصير، وكان اليهود ينتهزون الفرصة فيشعلون النار كلما خمدت، ويحركون الفتنة كلما همدت، لينالوا من العرب، ويقيموا على أنقاض هذا الضعف قوة لهم. وفي وسط هذا الشر المطبق والفتن المتكاثفة، ومن خلال هذا الضباب المتراكم لاح بريق الأمل، وأقبل الحق المطارد في مكة يسعى إلى يثرب، يسوقه الباطل بجحافله كما تسوق الرياح العاتية الصيب الهتون، وجاء محمد بن عبد الله ﷺ إلى المدينة بالهدى والرشاد، فقضى على الفرقة وجمع الشتات، وأحيا الله به القلوب الموات: ﴿ ... وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وكان من الطبيعي أن يحول الإسلام ذلك التيار القوي الذي يغذي العصبية القبلية في نفوس الأوس والخزج إلى وجهة كريمة هي الغيرة المحمودة والتنافس الشريف الذي يسعى لأجَلِّ قصد وأنبل غاية، وهي إعلاء كلمة الإسلام والقضاء على أعدائه الألداء في كل مكان، فصار الأوس والخزرج يتجهون إلى هدف واحد هو إرضاء الله ورسوله ﷺ ولكن يتسابقون في هذا السبيل ويتنافسون، ويأبى كل فريق منهما أن يسبقه الآخر بميزة، أو يتقدم عليه بفضل أو يزيد عنه في تضحية وجهاد، وفي ذلك يقول ابن هشام: وكان مما صنع الله
стр. 235
لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار: الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين، ولا تصنع الأوس شيئًا فيه عن رسول الله ﷺ غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله ﷺ في الإسلام، فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئًا قالت الأوس مثل ذلك ١.
وكانت مظاهر هذه المنافسة كثيرة، وسوف نكتفي بتسجيل مظهر واحد منها يتجلى فيه كيف كان التنافس بين الأوس والخزرج في القضاء على زعيمين من زعماء اليهود، كانا من ألد أعداء الرسول ﷺ وأكبر خصوم الإسلام. وذلك أن الأوس كان لهم الفضل والشرف الأكبر في قتل عدو الله كعب بن الأشرف ٢، وإنما قتله الأوس جزاء غدره وخيانته وظلمه وعدوانه.
ومن ذلك أنه حينما علم بانتصار المسلمين في غزوة بدر جزع وحزن، وتألم وتبرم، وقال لمن معه من أصحابه: أترون محمداً قتل هؤلاء؟ يعني المشركين الذين قتلوا يوم بدر إنهم أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
ثم انطلق عدو الله حتى قدم مكة، وجعل يحرض على قتال رسول الله ﷺ وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر.
ولم يكتف ابن الأشرف بتحريض المشركين في مكة، بل إنه رجع إلى المدينة وأخذ يشبب بنساء المسلمين حتى أوذي المسلمون وضجروا، وحتى قال رسول
стр. 236
الله ﷺ : "من لي بكعب بن الأشرف؟ " فأجابه من الأوس محمد بن مسلمة قائلا: أنا لك يا رسول الله، أنا أقتله. قال: "فافعل إن قدرت على ذلك". ففكر ابن مسلمة في هذا الأمر وأعد له عدته مع طائفة من إخوانه، فاجتمع في قتله خمسة رجال من الأوس، هم: محمد بن مسلمة، وسلمان بن سلامة أبو نائلة، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعبدة بن بشر، والحارث بن أوس، وأبو عيسى بن جبر١. وقد ذهبوا إلى منزله واستدرجوه إلى الخارج حتى اطمأن إليهم -والحرب خدعة- ثم صاح أبو نائلة قائلا: اقتلوا عدو الله. فاختلف عليه أسيافهم حتى وقع صريع غدره وبغيه، وفي ذلك يقول القائل:
وغودر منهم كعب صريعًا ... فذلت بعد مصرعه النضير
وحينئذ عز على الخزرج أن يسبقهم الأوس إلى هذه التضحية، ويصلوا إلى مثل هذه الغاية دونهم، فقالوا: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا أبدًا، فبحثوا عن رجل من يهود بني النضير -كذلك- يوازي كعب بن الأشرف في عداوته للرسول ﷺ وللمسلمين، فوجدوا سلام بن أبي الحقيق٢ فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم.
وكان سلام قد رحل إلى خيبر بعد أن طرد الرسول ﷺ يهود بني النضير من ديارهم في السنة الرابعة من الهجرة، ومنذ ذلك الوقت أخذ سلام يثير النفوس ضد المسلمين حتى إنه ذهب على رأس وفد إلى مكة يحرض قريشا على قتال محمد ﷺ ويحزب الأحزاب عليه٣.
стр. 237
ولقد قالوا لقريش: إنا سنكون معكم على محمد حتى نستأصله.
فقالت قريش لهم: يا معشر يهود: إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد؛ أفديننا خير أم دينه؟
قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق.
وقد فرحت قريش بهذا القول من اليهود واستجابوا لدعوتهم، وجمعوا جموعهم وتجهزوا لحرب الرسول ﷺ .
ثم جاء اليهود إلى قبيلة غطفان وحرضوا رجالها وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، فوافقوهم على حرب المسلمين وتجهزوا لذلك وكانت غزوة الأحزاب ١، وفيها ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، ولولا لطف الله لاقتحم المشركون عليهم المدينة، ولقضوا عليهم القضاء الأخير.
فليس بغريب بعد هذا كله أن يرى الخزرج في ابن أبي الحقيق العدو المبين الذي لا يقل عن صاحبه كعب بن الأشرف في الكيد للإسلام والمسلمين.
وهنا تحركت الغيرة الكريمة في نفوسهم وأرادوا أن يلحقوا بإخوانهم الأوس فيما قدموا من تضحية وما سبقوهم به من فضل وشرف، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم.
وقد خرج إليه من الخزرج خمسة نفر أيضًا، هم: عبد الله بن عتيك ٢ ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، والحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود،
стр. 238
وقد أوصاهم الرسول ﷺ ألا يقتلوا وليدًا أو امرأة، فخرجوا حتى قدموا خيبر وأتو دار ابن أبي الحقيق ليلًا.
يقول قائلهم: فلما دخلنا عليه ابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة -قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكر نهي رسول الله ﷺ فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل.
وهكذا كانت نهاية ابن أبي الحقيق، كما كانت نهاية صاحبه ابن الأشرف من قبله، وهكذا تكون نهاية الغدر والخيانة والظلم والعدوان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت وهو يذكر قتل كعب بن الأشرف وسلام بن أبي الحقيق:
لله در عصابة لاقيتهم ... ابن الحقيق وأنت يابن الأشرف
ييسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحًا كأسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم ... فسقوكم حتفًا ببيض ذفف
مستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف١.
وبعد فهذه صورة واحدة من صور كثيرة تبين لنا حالة الأوس والخزرج، بعد أن صقل الإسلام نفوسهم وطهرها من شوائب العصبية القبلية البغيضة، وكيف أصبحوا إخوة متضامنين، ينافس بعضهم بعضًا في العمل الذي يعلي كلمة الحق، ويدعم بناء الدولة الإسلامية الكبرى.
стр. 239
تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة
اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون الكعبة قبلة للمسلمين بعد أن حازوا شرف التوجه إلى بيت المقدس؛ ليكونوا من أهل القبلتين، وليتميزوا عن المشركين قبل الهجرة وعن اليهود بعدها، فتطلع الرسول ﷺ وهو بالمدينة بعد الهجرة واشتد شوقًا إلى نزول الوحي عليه بالتوجه إلى بيت الله الحرام. وقد كان يتوقع ذلك من ربه لأن الكعبة أقدم القبلتين، ولأنها قبلة إبراهيم ﵇، ومفخرة العرب حيث كانت مثابة للناس وأمنًا ومزارًا ومطافًا، وذلك أدعى إلى دخول العرب في الإسلام، فنزل قول الله تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
ومعنى ذلك أن الله يقول لرسوله ﷺ : قد شاهدنا وعلمنا تردد وجهك وتسريح نظرك إلى جهة السماء، تطلعًا منك إلى نزول الوحي عليك، وتوقعًا لما ألقى في روعك من تحويل القبلة إلى الكعبة، سعيًا منك وراء استمالة العرب إلى دخولهم في الإسلام، ومخالفة لليهود الذين كانوا يقولون: إنه يخالفنا في ديننا ثم إنه يتبع قبلتنا، حتى روي أن رسول الله ﷺ قال لجبريل: "وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها". فقال له جبريل: أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسله".
стр. 240
ثم ارتفع جبريل وجعل الرسول ﷺ يديم النظر إلى السماء، رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل ربه١، وقد أقسم الله ليكونن عند ما سأل محمد ﷺ وليجيبنه إلى ما طلب، فوعده بقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ . أي لنعطينك ما تطلعت إليه نفسك، وأشرب حبه قلبك من استقبالك المسجد الحرام..
وما قصد الرسول ﷺ ذلك وأحبه عن سخط في التولي إلى بيت المقدس ومجرد هوى في النفس وشهوة في التولي إلى الكعبة، وإنما كان ذلك منه -صلوات الله عليه- لمقاصد دينية وأغراض سامية وافقت مشيئة الله تعالى ... ولذا فإن وعد الله للرسول ﷺ رتب عليه الإنجاز السريع والتنفيذ العاجل.
حيث قال سبحانه لرسوله ﷺ :
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٢.
وبذلك صدر الأمر الإلهي للرسول ﷺ وللمسلمين بالتحول من بيت المقدس إلى الكعبة، ثم يبين الله بعد ذلك أن الفريقين من اليهود والنصارى يعلمون أن أمر التحويل إلى الكعبة هو الحق، لأنه مسطور في كتبهم: أنه ﵊ يصلي إلى القبلتين، وليس
ذلك ابتداعًا من تلقاء نفس محمد ﷺ .
فيقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
стр. 241
وقد أكد الله الأمر بالتولية إلى الكعبة في آية ثانية، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقد أفادت هذه الآية فائدة جديدة، وهي أن الله يؤكد لرسوله ﷺ أن الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام هو الحق الذي أراده الله لحكمة وفائدة جرت بها مشيئته.
ثم كرر الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام في آية ثالثة وضحت فيها الحكمة التي أرادها الله من هذا الأمر، الذي تبلبلت فيه أفكار ضعفاء الإيمان والسفهاء من الناس، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢.
فقد أفادت هذه الآية في وضوح وصراحة أن الحكمة التي أرادها الله من أمره المسلمين بالتوجه إلى الكعبة هي أن يقطع الحجة على هؤلاء الناس -وهم الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى- فلقد كان اليهود يقولون عن أوصاف الرسول المذكورة في التوراة: إنه يتحول إلى الكعبة ... كانوا يقولون ذلك في الفترة التي كان الرسول ﷺ فيها متجهًا إلى بيت المقدس ... ولذا كان اتجاه الرسول ﷺ إلى الكعبة بعد ذلك مؤيدا لما كان مسطورا في كتابهم، وكان النصارى يقولون عن محمد ﷺ أيام توجهه إلى بيت المقدس: ما باله يدَّعي ملَّة إبراهيم ويخالف قبلته؟
стр. 242
ولذا كان اتجاهه إلى الكعبة موجبًا لقطع حجتهم وملزمًا لهم بتصديقه والاعتراف بنبوته، ولكنهم جميعًا جحدوا الحق وتمادوا في غيهم وضلالهم.
وفي ختام الآية يبين الله أن الحكمة في التوجه إلى الكعبة -فوق ذلك كله- أن يتم الله النعمة على المسلمين، فيجعل لهم شخصيتهم الدينية المستقلة عن اليهود، واتصالهم بدين أبيهم إبراهيم ﵇.
وبهذا يتضح لنا ... أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة كان عاملًا مهمًّا وأساسًا متينًا في بناء الدولة الإسلامية الكبرى بعد ذلك، فلقد ساعد على تأليف قلوب أهل مكة وسائر القبائل العربية في أرجاء الجزيرة -وهم الذين يعظمون البيت الحرام ويتوارثون تقديسه على توالي الأجيال- ساعد على تأليف قلوبهم نحو الإسلام رويدًا رويدًا حتى أشرقت به جزيرة العرب، ثم نفذ ضياؤه بعد ذلك إلى سائر الأرجاء، ليصبح دين العالمين ١.
стр. 243
الرسول ﷺ يضع أساس النظام الاقتصادي:
وقد وضع الرسول ﷺ أساس النظام الاقتصادي للمجتمع العربي١ الجديد مستضيئًا بما أنزل الله عليه من إرشاد وهداية.
وهو نظام كان -وما زال- كفيلًا بتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، فجعل للفقراء حقًّا معلومًا في أموال الأغنياء، وجعل الزكاة ركنًا من
стр. 244
أركان الإسلام١ لا يقوم الدين بغيره، وأوجب أداءها على كل مسلم مستطيع، وهو من يملك النصاب المعروف في الزروع والثمار، وفي الإبل والبقر والغنم، وفي عروض التجارة، وتوعد من يمتنع عن أدائها بالعذاب الأليم، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ٢.
وبين الله أن الإنفاق في سبيل الله هو التجارة الرابحة التي لا ينمو فيها رأس المال إلى عشرة أمثال فحسب، بل إلى سبعمائة، بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة، وذلك حيث يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ولما كان الفقر من المشاكل العالمية المعقدة، وهو داء عضال يقوّض صرح النظام الاقتصادي بين المجتمعات والشعوب، فقد جاءت الدعوة الإسلامية بالعلاج الناجع لهذا الداء. والمتأمل في نصوص القرآن الكريم وفي مبادئ الدين الإسلامي وآدابه الحكيمة. يراها قد أعلنت الحرب على الفقر، وسلكت في سبيل القضاء عليه جميع الأسباب، وأوصدت دون أضراره كل الأبواب. وحسبنا أن نعلم أن الإسلام جعل الإحسان إلى الفقراء والمساكين كفارة للخطايا والذنوب، فكفارة اليمين إذا ما حنث فيه الإنسان هي إطعام الفقراء والمساكين.
стр. 245
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ .. إلخ الآية١.
وكذلك كفارة الظهار تكون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، وكفارة الإفطار في نهار رمضان تكون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين.
وهكذا يكون البر والإحسان سبيلًا إلى غسل الخطايا والذنوب ومحو الآثام والعيوب.
وقد جاء في الحديث النبوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ... " ٢.
والإسلام حينما شرع هذه الأصول الحكيمة لمعالجة أمراض المجتمع قد اتخذ الحيطة الكافية التي تضمن نقاء الإنسان وصفاءه حتى لا يتخلص من شر ليقع في شر أكبر، أو يبرأ من داء لتحيط به أدواء.. أجل، فإن الإسلام يدعو القوي أن يساعد الضعيف، ويهيب بالغني أن يعاون الفقير، ولكنه في الوقت نفسه دين العزة، دعا إلى احترام النفس وحفظ للإنسان كيانه، وأشفق عليه من الذلة والمهانة، وضن بماء وجهه أن يراق على الرغام، ويتبدد بين أيدي الطغاة اللئام، فلقد دعا كل إنسان إلى أن يأكل من كسب يمينه وعرق جبينه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، من ذلك ما جاء في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 246
"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده" ١.
وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان زكريا ﵇ نجارًا" ٢.
وكان رسول الله ﷺ يشتغل بالتجارة ويشتغل كذلك برعي الغنم، وقد ذكر ذلك عن نفسه وعن بعض الأنبياء، فقال: "بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد" ٣.
فالإسلام لا يحارب الفقر بدعوة الأغنياء الموسرين إلى البر والإحسان فحسب، ولكنه يحاربه -كذلك- بدعوة الفقراء إلى العمل، ونبذ البطالة والكسل، حتى لا يكونوا عالة على المجتمع وسوسًا ينخر في عظامه، وبهذا العلاج القوي الفعال يمكن أن يستأصل ذلك الداء إذ تجتمع ضده قوتان، ويهاجم من ناحيتين، ويقع فريسة بين عدوين: الأموال التي ينفقها الأغناء في
стр. 247
سبيل الله، وكفاح الفقراء وعملهم في سبيل الحياة، فلا يلبث الفقر أن يزمع الرحيل إلى غير مآب تاركًا وراءه مجتمعًا نظيفًا قويًّا ينعم بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق.
ومن ذلك نرى أن الأساس الذي وضعه الرسول ﷺ لإصلاح المجتمع من الناحية الاقتصادية هو القضاء على الفقر وتذويب الفوارق بين الطبقات ١ والتجاوب الكامل بين الأغنياء والفقراء في سبيل التعاون والتضامن، حتى يبرأ المجتمع من المتاعب والآلام، ويسود في أرجائه الصفاء والوئام.
стр. 248
الفصل الخامس: القتال في الاسلام
القتال في الاسلام وغزوات الرسول ﷺ قبل الفتح الأعظم
مدخل
...
الفصل الخامس: القتال في الإسلام وغزوات الرسول ﷺ قبل الفتح الأعظم
ولابد لنا الآن من كلمة عن القتال في الإسلام، لأنه أهم الأسباب في نمو المجتمع العربي١ وتطوره، ومن أقوى دعائم الدولة الإسلامية الكبرى، فلولا القتال الذي وقع بين المسلمين وبين المشركين من العرب، لما دانت الجزيرة العربية بالولاء والطاعة للرسول ﷺ ولظل المجتمع العربي على وضعه الذي تحدثنا عنه قبل الإسلام منحل العرى متفكك الأجزاء تسود بين قبائله المختلفة العداوة والبغضاء، ولظل المجتمع العربي٢ الجديد الذي أسسه الرسول ﷺ في المدينة حبيسًا في هذه الدائرة الضيقة لا يتعداها إلى غيرها من المدن والقرى وسائر الجهات.
ومن يتتبع الآيات القرآنية التي تعرضت للقتال يتجلى له أنها تهدف إلى غرضين: أولهما الدفاع عن النفس ورد الظلم والعدوان، وثانيهما الدفاع عن الدعوة إذا وقف أحد في سبيلها بفتنة من آمن، أو بصد من أراد الدخول في الإسلام، أو بمنع الداعي عن تبليغ دعوته.
وفي ذلك يقول الله في سورة الحج:
стр. 249
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ١.
وفي هذه الآيات يظهر السبب الذي من أجله فرض القتال على المسلمين، وهو أنهم ظلموا، وأخرجوا من ديارهم بغير حق ... ثم تنبه الآيات المؤمنين الذين أذن لهم في القتال إلى ما يجب أن يفعلوه إذا هم انتصروا على عدوهم. وهو أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ... ليكونوا خير دعاية لهذا الدين الحنيف.
ثم ينتقل الله بالمسلمين إلى مرحلة أخرى، فيأمرهم بعد أن ردوا الظلم والعدوان الذي أصابهم من قريش، بأن يقاتلوا كل من يتعرض بسوء أو يبدؤهم بشر، فيقول في سورة البقرة:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
ثم يأمرهم بالقتال لتقرير حرية العقيدة والبعد بها عن الأغراض والأهواء كي يكتمل له الجو الملائم فينضوي تحت لوائها من يشاء دون خوف من اضطهاد
стр. 250
وفتنة، وذلك بقوله في السورة نفسها:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وقوله في سورة الأنفال:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.
ثم يأمرهم الله بالجنوح للسلم متى جنح لها أعداؤهم٣ حتى ولو كانوا يريدون به الخداع ويخفون وراءه الأطماع، لأن الغرض هو تأمين الدعوة وألا تكون فتنة، والسلام كفيل ذلك ...
وفي ذلك يقول الله في سورة الأنفال أيضًا:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤. ويبين الكتاب الكريم أن المسلمين لا سبيل لهم على من يعتزل الفتنة من المشركين، ويترك القتال، ويلقي للمسلمين بالسلام.
أما إذا لم يكن ميلهم للسلام حقيقيًّا، بل كانوا مذبذبين مخادعين، فعلى المسلمين أن يقاتلوهم حتى يستأصلوا الشر ويقطعوا دابر الفتنة، وفي ذلك يقول سبحانه: