← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل يده" ١. وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان زكريا ﵇ نجارًا" ٢. وكان رسول الله ﷺ يشتغل بالتجارة ويشتغل كذلك برعي الغنم، وقد ذكر ذلك عن نفسه وعن بعض الأنبياء، فقال: "بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد" ٣. فالإسلام لا يحارب الفقر بدعوة الأغنياء الموسرين إلى البر والإحسان فحسب، ولكنه يحاربه -كذلك- بدعوة الفقراء إلى العمل، ونبذ البطالة والكسل، حتى لا يكونوا عالة على المجتمع وسوسًا ينخر في عظامه، وبهذا العلاج القوي الفعال يمكن أن يستأصل ذلك الداء إذ تجتمع ضده قوتان، ويهاجم من ناحيتين، ويقع فريسة بين عدوين: الأموال التي ينفقها الأغناء في

стр. 247

سبيل الله، وكفاح الفقراء وعملهم في سبيل الحياة، فلا يلبث الفقر أن يزمع الرحيل إلى غير مآب تاركًا وراءه مجتمعًا نظيفًا قويًّا ينعم بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. ومن ذلك نرى أن الأساس الذي وضعه الرسول ﷺ لإصلاح المجتمع من الناحية الاقتصادية هو القضاء على الفقر وتذويب الفوارق بين الطبقات ١ والتجاوب الكامل بين الأغنياء والفقراء في سبيل التعاون والتضامن، حتى يبرأ المجتمع من المتاعب والآلام، ويسود في أرجائه الصفاء والوئام.

стр. 248

الفصل الخامس: القتال في الاسلام القتال في الاسلام وغزوات الرسول ﷺ قبل الفتح الأعظم مدخل ... الفصل الخامس: القتال في الإسلام وغزوات الرسول ﷺ قبل الفتح الأعظم ولابد لنا الآن من كلمة عن القتال في الإسلام، لأنه أهم الأسباب في نمو المجتمع العربي١ وتطوره، ومن أقوى دعائم الدولة الإسلامية الكبرى، فلولا القتال الذي وقع بين المسلمين وبين المشركين من العرب، لما دانت الجزيرة العربية بالولاء والطاعة للرسول ﷺ ولظل المجتمع العربي على وضعه الذي تحدثنا عنه قبل الإسلام منحل العرى متفكك الأجزاء تسود بين قبائله المختلفة العداوة والبغضاء، ولظل المجتمع العربي٢ الجديد الذي أسسه الرسول ﷺ في المدينة حبيسًا في هذه الدائرة الضيقة لا يتعداها إلى غيرها من المدن والقرى وسائر الجهات. ومن يتتبع الآيات القرآنية التي تعرضت للقتال يتجلى له أنها تهدف إلى غرضين: أولهما الدفاع عن النفس ورد الظلم والعدوان، وثانيهما الدفاع عن الدعوة إذا وقف أحد في سبيلها بفتنة من آمن، أو بصد من أراد الدخول في الإسلام، أو بمنع الداعي عن تبليغ دعوته. وفي ذلك يقول الله في سورة الحج:

стр. 249

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ١. وفي هذه الآيات يظهر السبب الذي من أجله فرض القتال على المسلمين، وهو أنهم ظلموا، وأخرجوا من ديارهم بغير حق ... ثم تنبه الآيات المؤمنين الذين أذن لهم في القتال إلى ما يجب أن يفعلوه إذا هم انتصروا على عدوهم. وهو أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ... ليكونوا خير دعاية لهذا الدين الحنيف. ثم ينتقل الله بالمسلمين إلى مرحلة أخرى، فيأمرهم بعد أن ردوا الظلم والعدوان الذي أصابهم من قريش، بأن يقاتلوا كل من يتعرض بسوء أو يبدؤهم بشر، فيقول في سورة البقرة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ٢. ثم يأمرهم بالقتال لتقرير حرية العقيدة والبعد بها عن الأغراض والأهواء كي يكتمل له الجو الملائم فينضوي تحت لوائها من يشاء دون خوف من اضطهاد

стр. 250

وفتنة، وذلك بقوله في السورة نفسها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ١. وقوله في سورة الأنفال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢. ثم يأمرهم الله بالجنوح للسلم متى جنح لها أعداؤهم٣ حتى ولو كانوا يريدون به الخداع ويخفون وراءه الأطماع، لأن الغرض هو تأمين الدعوة وألا تكون فتنة، والسلام كفيل ذلك ... وفي ذلك يقول الله في سورة الأنفال أيضًا: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤. ويبين الكتاب الكريم أن المسلمين لا سبيل لهم على من يعتزل الفتنة من المشركين، ويترك القتال، ويلقي للمسلمين بالسلام. أما إذا لم يكن ميلهم للسلام حقيقيًّا، بل كانوا مذبذبين مخادعين، فعلى المسلمين أن يقاتلوهم حتى يستأصلوا الشر ويقطعوا دابر الفتنة، وفي ذلك يقول سبحانه:

стр. 251

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ ١. وكان الأمر مقصورًا على قتال قريش ومن يجاريهم ويحالفهم من يهود المدينة، فلما اتحدت قبائل العرب المختلفة على المسلمين أمر الله المسلمين بقتال المشركين من كافة القبائل، فقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٢. وبهذه الآيات التي سقناها من الكتاب الكريم يتبين لنا أن الإسلام لم يشرع القتال للمسلمين إلا للدفاع عن أنفسهم ولتأمين الدعوة من أن تقف الفتنة في طريقها.. وحسبنا برهانًا على تلك الروح الطيبة المسالمة أن الإسلام لا ينهى عن البر والإحسان لمن يخالفوننا في الدين ما داموا هادئين مسالمين: وفي ذلك يقول الله في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣. وأما من الناحية العملية في حياة الرسول ﷺ فهي تطبيق دقيق لما أمره الله به

стр. 252

من الهدوء والمسالمة للمسلمين والعدوان على الظالمين المعتدين.. ونحن إذا استقصينا كل مواقف الرسول ﷺ مع أعدائه فإنا لا نجد فيها بدءًا بهجوم١ أو عدوانًا، وإنما نراها جميعًا ردًّا للظلم والعدوان ... فغزوة بدر مثلًا -وهي الغزوة الكبرى الأولى في الإسلام- لم تكن عدوانًا من جانب المسلمين، وإنما كانت لرد الظلم والعدوان السابقين، وهي -في واقع الأمر- دفاع عن النفس والمال والوطن. ولا غرو فقد أخرج المسلمون من ديارهم بغير حق، إلا أنهم قالوا: ربنا الله، وكان عليهم بعد أن اكتملت لهم أسباب القوة في المدينة أن يثبتوا وجودهم يردوا الظلم الذي أصابهم، ولذا أمرهم الله بالقتال، ووصفهم بأنهم يقاتلون -أي: يقاتلهم غيرهم- ووصفهم كذلك بأنهم ظلموا، لأن العدوان قد أصابهم من قبل. فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢. ثم تتابعت غزوات الرسول ﷺ وكان المشركون هم الذين يبدءون دائمًا بالشر

стр. 253

والعدوان كما وقع في غزوة أحد، وفي غزوة الأحزاب، حتى إذا كان العام السادس الهجري تم صلح الحديبية بين قريش والمسلمين، وأعلنت بهذا الصلح الهدنة بين الفريقين إلى عشر سنوات ما دام كلا الفريقين يحترم العهود والمواثيق، ولكن قريشًا هي التي غدرت وخانت فحاربت قبيلة خزاعة التي كانت حليفة للمسلمين، فكانت هذه الخيانة عدوانًا صريحًا من جانب مشركي قريش لا يصح السكوت عليه ... ومن أجل ذلك تجهز الرسول ﷺ في عشرة آلاف من المسلمين ليغزو قريشًا في مكة، فسلمت إليه مكة وأذعنت، وكان ذلك في العام الثامن الهجري. ومثل هذا الموقف العدائي الذي بدأ بالشر والعدوان كان موقف اليهود من الرسول ﷺ كما تبين لنا فيما تقدم- ذلك بأنهم لم يحترموا العهود والمواثيق التي أبرمها الرسول ﷺ معهم، فحاق بهم سوء صنيعهم، حيث كتب الله على فريق منهم الجلاء، وقضى على الفريق الآخر بالهلاك والفناء: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١.

стр. 254

غزوة بدر الكبرى كانت غزوة بدر الكبرى تطبيقًا عمليًّا وضحت به مشروعية القتال في الإسلام وهي الدفاع عن النفس ورد الظلم والعدوان، كما كانت الغزوات التي جاءت بعدها في حياة الرسول ﷺ دفاعًا عن النفس وردًّا للظلم وتأمينًا لطريق الدعوة حتى تقف في سبيلها الحواجز، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

стр. 255

السرايا قبل بدر: ١ ولقد سبقت هذه الغزوة بعض السرايا التي مهدت الطريق للمسلمين، وأظهرت إخلاصهم لقائدهم، وعودتهم لقاء الأعداء والوقوف أمامهم وجهًا لوجه في معارك صغيرة خاطفة، قويت بها الروح المعنوية للمسلمين، بقدر ما ألقي في قلوب أعدائهم من رعب وفزع. ومن هذه السرايا سرية حمزة بن عبد المطلب: وكانت هذه السرية مكونة من ثلاثين راكبًا من المهاجرين بقيادة حمزة بن عبد المطلب. وقد اتهجت إلى ساحل البحر الأحمر على الطريق التجاري بين مكة والشام، واعترضت قافلة لقريش كان

стр. 256

يحميها ثلاثمائة راكب، فألقت الرعب في قلوبهم، ومع أنها لم تشتبك معهم في قتال إلا أنها نبهت قريشًا إلى أن المسلمين بدأوا يتحركون لإثبات وجودهم ١.

стр. 257

وسرية عبيدة بن الحارث ١: وكانت مكونة من ستين راكبًا من المهاجرين بقيادة عبيدة بن الحارث، وكان الهدف منها تهديد تجارة قريش بين مكة والشام، وقد وصلت هذه السرية وادي رابغ، فلجأ إليهم رجلان من قريش كانا يكتمان إسلامهما وانضما إلى صفوف المسلمين، ورجع الفريقان دون قتال، ولكن وضح للمشركين بأن الوضع قد تغير وأن الزمن أصبح إلى جانب المسلمين يزيد في بأسهم وقوتهم. ووقعت بعد ذلك أربع محاولات بقيادة الرسول ﷺ وكان الرسول ﷺ يخرج في هذه المرات جميعًا على رأس مائتين من أصحابه بقصد التهديد للقرشيين في طريقهم التجاري المعروف بين مكة والشام وإلقاء الرعب في قلوبهم، وقد سميت هذه المحاولات غزوات، وهي تسمية لا تنطبق على الواقع، لأن الغرض منها لم يكن غزوًا، ولأنها كانت أشبه بدوريات استعراضية واستطلاعية، والأساس فيها هو إظهار قوة المسلمين وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، وهذه

стр. 258

الغزوات هي غزوة بواط، وغزوة ودّان، وغزوة العشيرة، وغزوة بدر الأولى أو غزوة بدر الصغرى١. ولم يحدث في هذه الغزوات قتال ولكنها تركت آثارًا قوية في نفوس القرشيين الذين أزعجهم أن يروا المسلمين قد اجترأوا على الخروج من يثرب، والوقوف في طريق تجارتهم، وبدأوا يتوقعون من محمد وأصحابه أعظم الأخطار٢. ووقعت بعد ذلك سرية يقال لها: سرية عبد الله بن جحش٣، ولقد كانت أقل عددًا من جميع السرايا التي سبقتها، ولكنها لها أهمية بالغة من مناحية نتيجتها إذ قتل المسلمون فيها رجلًا من المشركين يسمى عمرو بن الحضرمي، وأسروا رجلين، وكان ذلك في آخر يوم من شهر رجب، فانتهزت قريش الفرصة وأثارت الدعاية السيئة ضد المسلمين وقالت: قاتلوا في الشهر الحرام، وقد رد الله هذه الدعاية السيئة على ذويها بقوله في سورة البقرة:

стр. 259

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ ١. فسرّي عن الرسول ﷺ وعن المسلمين بهذه الآية الكريمة إذ التمست العذر للمسلمين وبينت أن هذا العمل ليس فيه مخالفة لأوامر الدين لأنه كان بسبب الضرورة القاهرة، ولأن الآثام الكثيرة التي ارتكبها المشركون في حق المسلمين تجعل المخالفة التي قام بها المسلمون هينة يسيرة وداخلة في نطاق عفو الله ورحمته. وبهذه الدوريات الاستطلاعية استطاع المسلمون التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمؤدية إلى مكة، وخاصة الطرق التجارية التي تعودت قريش أن تسلكها في رحلة الصيف، واستطاع المسلمون كذلك أن يشعروا أعداءهم من المشركين ومن اليهود ومن سائر القبائل العربية بقوتهم، وكان ذلك عاملًا شجع الراغبين في الإسلام على الدخول فيه.

стр. 260

غزة بدر الكبرى - ... غزوة بدر الكبرى ١: وجاءت بعد ذلك غزوة بدر الكبرى، وهي أول معركة في الإسلام قامت

стр. 261

بين الحق والباطل، وكان سببها أن قافلة تجارية لقريش بقيادة أبي سفيان كانت قادمة من الشام وفي طريقها إلى مكة، فأراد رسول الله ﷺ أن يعترض طريق هذه القافلة ليفجع قريشًا في أموالها كما فجعت قريش المسلمين من قبل في أموالهم وأنفسهم، وخرج الرسول ﷺ في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا١ من أصحابه في اليوم الثامن من رمضان٢ ومعهم سبعون بعيرًا وفرسان. وحينما علم أبو سفيان بخروج الرسول ﷺ وأصحابه فزع كل الفزع، وأرسل إلى قريش يطلب الغوث والنجدة، فثار القرشيون ثورة عصبية، ونفروا سراعًا، وعلى رأسهم سادتهم وكبراؤهم، وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين رجلًا٣، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، ومضى مشركو قريش في طريقهم لنجدة أبي سفيان وتخليص أموالهم من قبضة المسلمين، وبينما هم في الطريق وصلهم رسول من أبي سفيان يخبرهم بنجاته هو وقافلته، ويطلب إليهم الرجوع، ولكن أبا جهل تحمس للحرب والقتال، وأبى إلا أن يتقدم حتى يصل إلى بدر٤، وصاح قائل: والله لا نرجع حتى نصل إلى بدر ونقيم عليها ثلاثًا، ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان٥، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها. وتردد القوم بين اتباع أبي جهل مخافة أن يتهموا بالجبن والخور، وبين

стр. 262

الرجوع إلى مكة ما دامت العير قد نجحت وأموالهم قد سلمت، فلم يرجع إلا بنو زهرة الذين اتبعوا مشورة الأخنس بن شريق، وكان سيدًا مطاعًا فيهم، واتبعت سائر قريش رأي أبي جهل ومضوا في طريقهم حتى وصلوا وادي بدر، ونزلوا بالعدوة القصوى عن المدينة. وحينما علم الرسول ﷺ بأن قريشًا خرجوا بجموعهم ليمنعوا عيرهم جمع أصحابه واستشارهم فتكلم أبو بكر ثم عمر بما يؤيد الرسول ﷺ ويعضده، ثم تكلم المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. ثم تكلم سعد بن معاذ من الأنصار فقال: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. وهنا يجدر بنا أن نقف وقفة إعجاب وتقدير، فإن عظمة الجنود إنما تتركز على أساس من عظمة القائد، ولقد كان الرسول ﷺ يقود أصحابه إلى ميدان الجهاد مستضيئًا بهدى القرآن وتعاليم الإسلام التي تعد المجاهدين في سبيل الله إحدى الحسنيين، وتبشر الشهداء بالحياة السعيدة الخالدة حيث، يقول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

стр. 263

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١. ومن أجل ذلك نجحت تلك القيادة الرشيدة وسادت حتى علا لواء الإسلام في كل مكان، وانسابت كلمة الحق بين الأمم تحيي موات الأنفس والأرواح والقلوب، وإن في ذلك لعبرة. ثم مضى رسول الله ﷺ وأصحابه في طريقهم وقد أشرق وجه الرسول ﷺ بالمسرة لما رأى من قوة إيمان المسلمين وقال لهم: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين٢، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم". وهكذا ظلوا سائرين حتى نزلوا بعدوة الوادي الدنيا، أي القريبة إلى المدينة، وقد صدق الله وعده، فالتقى المسلمون بإحدى الطائفتين وهي الطائفة القوية ذات الشوكة، مع أنهم كانوا يريدون غير ذات الشوكة، وهي العير، ولكن الله أراد لهم أن يلتقوا بالنفير، وهو الجيش الكبير الذي نفر لإنقاذ العير، وكان ذلك لحكمة جليلة أرادها الله وسجلها في محكم كتابه، حيث قال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٣. وكان الحباب بن المنذر بن الجموح خبيرًا بهذه الأمكنة التي نزل فيها المسلمون، فلما رأى الموقع الذي استقر فيه المسلمون لم يرق في نظره ولم يطمئن إليه، فقال للرسول ﷺ : يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه

стр. 264

الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال محمد ﷺ : "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". فقال الحباب: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزل، ثم نعور١ ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون وحينئذٍ فكر الرسول ﷺ فاقتنع بهذا الرأي السديد، وأعلن أمام المسلمين أنه قد نزل على رأي الحباب، وأن في ذلك الحكمة والصواب. وهنا -أيضًا- ينبغي أن نقف وقفة إعجاب وإكبار، فلم يكن الرسول ﷺ برأيه ولا راكبًا متن الغرور، بل كان يتشاور مع أصحابه كي يتلمس وجه الخير والرشاد عملًا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢. وكان يحترم الرأي الصائب وينفذه ولو تعارض مع رأيه٣، فهل يكون في ذلك للناس عبرة وتبصرة؟ إن القادة والرؤساء كثيرًا ما يعميهم التعصب الممقوت والاستبداد بالرأي فينزلقون إلى الشر، ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الفناء، ولو استطاع هؤلاء القادة والرؤساء السادرون في عماية الكبرياء والأنانية أن ينتفعوا بهذا الدرس العملي من المربي الأول محمد٤ ﷺ وبمثله من الدروس التي ألقاها الزعماء والصالحون على الإنسانية، لتغير مجرى التاريخ في كثير من الأزمنة والعصور. ولما نفذوا رأي الحباب وبنو الحوض، قال سعد بن معاذ: يا نبي الله نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عند ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله

стр. 265

وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًّا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك. وقد أثنى الرسول ﷺ على سعد ودعا له بخير، ولأنه قدر الظروف وعرف أن مكان القائد هو الإشراف والتوجيه فلا ينبغي أن يتعرض للأخطار١، لأن في حياته حياة الأمة وكيانها وكرامتها، ثم بني العريش للنبي ﷺ حتى يكون في مأمن من العدو إذا لم يكن النصر في جانب المسلمين، وهكذا الإخلاص والإيثار: إخلاص الجندي الأمين لقائده الأمين، وإيثار المؤمن لنبيه على نفسه. وبمثل هذا الإخلاص والإيثار مَنَّ الله على المسلمين، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، وإن في ذلك لعبرة ...

стр. 266

في ميدان المعركة: وقد بدأت المعركة في اليوم السابع عشر من رمضان، وفي السنة الثانية من الهجرة النبوية، حيث وقف الحق أمام الباطل وجهًا لوجه، والتقى الجمعان فئة قليلة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وفئة كثيرة كافرة تقاتل في سبيل الشيطان ...

стр. 267

فانتصر الحق بفضل الله وعلا لواؤه، ولاذ الباطل بالفرار وقد أفل نجمه وطاش سهمه. وأخذ الرسول ﷺ ينظم صفوف المقاتلين من المسلمين، ثم أعلن بدء المعركة بهذه الكلمة القوية المؤمنة: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة". ولا ريب أن الكلمة المؤمنة إذا صادفت القلوب المؤمنة كانت كالغيث الهتون يصيب الأرض النقية الطيبة فينبت فيها الخير الكثير ... فلم يكد المسلمون المؤمنون يسمعون هذه الكلمة من نبيهم ﷺ حتى نسوا الدنيا بما فيها من سعادة ونعيم، حتى إن أحدهم -وهو عمير بن الحمام- كان يأكل بعض تمرات فألقاها، لأنه آثر عليها تمر الجنة، وكأنما يراه بعينيه ويلمسه بيديه، وينطلق مسرعًا للقتال لكي يحظى بنعمة الاستشهاد في سبيل الله وهو ينشد بقلبه ولسانه: ركضًا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد١ وظل يقاتلهم ويقتل منهم ما شاء الله أن يقتل حتى قُتل في سبيل الله، فشفى الله صدره بالجهاد وحقق له نعمة الاستشهاد، وهكذا: تردَّى ثياب الموت حمرًا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر ولقد تجلى في هذا اليوم وفي هذه المعركة عدل الله وقصاصه من الظالمين،

стр. 268

إذ لمسوا نتيجة ظلمهم وجنوا عاقبة غدرهم وإثمهم: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ١. فهذا أُمية بن خلف الجمحي القرشي رأس الكفر والضلال، وداعية الظلم والظلام، وباعث الشر والفتنة في مكة، والعدو الألد للإسلام منذ ظهوره تسلط بظلمه على بلال بن رباح -وكان مملوكًا له- فكان يخرج به وقت الظهيرة في الرمضاء٢ ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقابل بلال ذلك الأذى بالصبر الجميل والإيمان العميق، ويتنفس الصعداء من خلال الألم الممض والأسى المرمض، قائلًا: أحد أحد٣. أجل، هذا هو أُمية بن خلف في مكة وقبل يوم بدر ... ثم ها هو ذا الآن في يوم بدر يتنكر له الزمن وتدور عليه الأيام فماذا عسى أن يكون؟ لقد لمس هو والطغاة عاقبة ظلمهم وبغيهم، ونظروا إلى قوتهم فوجدوها متضائلة متخاذلة. وقد كانت إلى الأمس القريب صائلة وجائلة، واستصرخوا آلهتهم المتعددة فلم تسمع ولم تجب، بينما كان المسلمون ينادون إلههم الواحد فيرونه قريبًا ويجدونه سميعًا مجيبًا. ونظر أُمية بن خلف في صفوف المسلمين فرأى عبده القديم بلال بن رباح يمرح في ربيع الحرية، ويصول ويجول تحت ظلال العزة الإسلامية. ونظر بلال بن رباح في صفوف المشركين، فرأى أُمية بن خلف وقد ساقه الله

стр. 269

مع جند الباطل حتى أصبح أمامه وجهًا لوجه، فأدرك تمام الإدراك أن هذا اليوم يوم القصاص، وتذكر تاريخ أُمية الملطخ بالخزي والعار، فثارت نفسه وصاح قائلًا: أُمية بن خلف رأس الكفر والضلال لا نجوت إن نجا ... وحاول أُمية بن خلف أن يتوارى عن الأنظار ويلوذ بالفرار، ولكن القضاء العادل نفذ وحكم الله بأمره، فكان القصاص الرهيب في الدنيا قبل الآخرة، وذهب أُمية بن خلف صريع بغيه وعدوانه، على يدي بلال، ورأى بلال في أُمية ما أطفأ ألمه القديم، وداوى قلبه الكليم، وكان خير عوض عن حقه المهضوم، وإن في ذلك لعبرة. وعقبة بن أبي معيط عدو الله ورسوله، والنضر بن الحارث عدو الله ورسوله. وأبو جهل عدو الله ورسوله هؤلاء وغيرهم من أئمة الكفر والذين لا أيمان لهم، وقفوا في يوم بدر للقصاص، ورأوا بأعينهم نكال أمرهم وعاقبة بغيهم وظلمهم١، وكانت نهايتهم الأليمة عبرة وعظة سجل التاريخ فيها أن الظلم لا يدوم، وأن موقع البغي وخيم، وأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.

стр. 270

مشهد رهيب: وهذا مشهد رهيب في ميدان المعركة الكبرى، يتجلى فيه الصراع المرير بين العقيدة والعاطفة. إنه وَلَدٌ مسلمٌ مؤمنٌ يقفُ في صفوف المقاتلين المسلمين وأمامه والده المشرك يقف في صفوف المقاتلين المشركين، أما الوالد فهو عتبة بن ربيعة، وأما الولد فهو أبو حذيفة بن عتبة.. وها هو ذا أبو حذيفة ينظر إلى والده عتبة بعينين تفيضان بالأسى، وتقطران من الحزن واللوعة، إنه يعرف لأبيه فضله، ويقدر له رأيه وعقله، وكان يتمنى أن يفيق أبوه من سكرته، فيترك عبادة الأصنام، ولقد أخذ الولد يتوسل لأبيه ويناديه أن يفيء إلى الحق، ولكن الوالد الجاحد المعاند يظل سادرًا في الغي والضلالة، حتى يسلمه غيه وضلاله إلى

стр. 271

أسوأ مصير فيسقط صريعًا في صفوف المشركين. وحينما انجلت المعركة وتم النصر للمسلمين، أمر رسول الله ﷺ أن يلقى المشركون في القليب، فلما أُخذ عتبة بن ربيعة وسحب إلى القليب، نظر رسول الله ﷺ إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة فوجده قد تغير فقال له: "يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ ". فقال: لا، والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي حلمًا ورأيًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك، فدعا له الرسول ﷺ بخير وقال له خيرًا. ولا شك أن هذا الموقف العجيب من الولد نحو أبيه في تلكم المعركة التي قامت بين الحق والباطل، ليأخذ بأيدينا إلى عبرة بالغة ويسلمنا إلى حقيقة رائعة، وهي أن العقيدة إذا امتزجت بالنفوس واطمأنت بها القلوب فلن يخدعها هوًى أو رغبة، ولن تقف في سبيلها أية عاطفة في هذا الوجود.

стр. 272

اللجوء إلى الله: وحينما اشتدت المعركة وثار الغبار وحمي وطيس القتال، ورأى رسول الله ﷺ كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين، لجأ -كعادته- إلى الله ليجعل له من هذا الكرب والضيق فرجًا ومخرجًا، وتوجه إلى ربه بهذا الدعاء: "اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد ... ".

стр. 273

وما زال ماضيًا في دعائه، ورافعًا يديه إلى السماء طالبًا من الله ألا يردهما خاليتين من رحمته، وأبو بكر ﵁ من ورائه يهتف به قائلًا: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وهكذا يظل الرسول ﷺ مع ربه منيبًا خاشعًا حتى أخذته سِنة من النعاس، فرأى خلالها نصر الله يضيء ويملأ الآفاق، فاستيقظ وهو فرح مستبشر يتلو قول الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ١. وقد ابتدأت معركة بدر صباح يوم الجمعة ١٧ رمضان، من السنة الثانية للهجرة، وانتهت في مسائه بنصرٍ مبين للمسلمين، وهزيمة ساحقة للمشركين فولوا مدبرين بعد أن قتل منهم سبعون، وأُسر منهم مثل هذا العدد، واستشهد من المسلمين أربعة عشر٢، وبقي المسلمون في بدر ثلاثة أيام بعد المعركة، ثم رجعوا بعد ذلك إلى المدينة فرحين بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ...

стр. 274

دور الملائكة في يوم بدر: وكان يوم بدر يوم السماء نزلت فيه الملائكة إلى الأرض، تُثبت الذين آمنوا وتلقي في قلوب الذين كفروا الرعب، وفي ذلك يقول الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا

стр. 275

جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١. ويقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ٢. وقصة إمداد الله للمسلمين بالملائكة قصة عجيبة، قوامها قدرة الله الذي جعل الأرض جميعًا قبضته والسموات مطويات بيمينه. وقد اختلف العلماء في الغرض الذي من أجله أمد الله المسلمين بالملائكة فذهب بعضهم إلى أن الملائكة إنما نزلت للقتال، فهي جيش من السماء، أنزله الله لإضعاف شوكة الشرك والطغيان في الأرض. ويستدلون على ذلك بما يروى من أن رجلًا من المسلمين كان يطارد رجلًا من المشركين في يوم بدر، فسمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقيًا وشق وجهه، فلما أخبر الرسول ﷺ بذلك قال: "ذاك من مدد السماء" ٣. وما يروى عن أبي داود المازني حيث قال: تبعت رجلًا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي٤. وهم يقولون: إن الأمر في قوله تعالى:

стр. 276

﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١. هذا الأمر أمر للملائكة بالضرب والقتل. ومعنى ذلك أن الله إنما قضى بإنزالهم للضرب والقتال ... ويذهب البعض الآخر إلى أن الملائكة إنما نزلت لتثبيت قلوب المؤمنين وتقوية الروح المعنوية لديهم، وأنهم لم يشتركوا في القتال، وحجتهم في ذلك أن الملك الواحد يكفي لإهلاك أهل الأرض جميعًا٢ ... هذا الرأي هو الذي تميل إليه النفس، وتؤكده القرائن والدلائل التي لا يتطرق إليها الضعف والوهن٣، وذلك لأمور كثيرة: أولها: أن الملك الواحد يستطيع إهلاك الكفار جميعًا في لحظة واحدة فلماذا ينزل الله ألفًا من الملائكة٤؟ وثانيها: أن الله لو قدر للملائكة أن تشترك بالفعل في القتال، لما كان هناك

стр. 277

مزية للمسلمين الذين اشتركوا في هذه الغزوة١، ولما كان هناك داع للأخذ بالأسباب العادية في هذا الوجود، حيث يأمر الله المسلمين بإعداد العدة للقضاء على الكفار، فيقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٢. وثالثها: أن المعركة حينئذٍ ستكون بين فئتين: فئة قليلة وهم الكفار وفئة كثيرة وهم المسلمون بعد انضمام الملائكة إليهم، إذ يصبحون ألفًا وثلاثمائة. بل إذا نظرنا إلى ما ذكر في سورة آل عمران من أن الملائكة قد زادوا فأصبحوا ثلاثة آلاف، ثم زادوا حتى وصلوا إلى خمسة آلاف حيث يقول سبحانه: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ٣. إذا نظرنا إلى ذلك وجدنا أن المسلمين مع الملائكة سيزيدون على خمسة آلاف. وحينئذٍ لا ينبغي أن يقال: إن الفئة القليلة هي التي غلبت الفئة الكثيرة٤.

стр. 278

ورابعها: أن الملائكة لو اشتركت في القتال بهذا العدد الضخم ثم انجلت المعركة عن قتل سبعين من المشركين فحسب، لكان هذا موقفًا مخزيًا لملائكة الله، ولا اعتبر ذلك نصرًا للمشركين، وهزيمة للملائكة والمسلمين١. وبذلك يتبين لنا أن الملائكة لم تنزل لقتال٢، وإنما نزلت لتثبيت القلوب وتقوية الإيمان، ومما يزيد هذا المعنى تأكيدًا وقوة، قول الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ ٣. أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم ستنتصرون، ولتسكن وتطمئن بهذا الإمداد قلوبكم، حيث تدركون أن الله معكم، وأنكم أهل لرضاه، فيزاد إيمانكم وجهادكم. ويكون الأمر في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ . أمرًا موجهًا إلى المؤمنين لا إلى الملائكة٤، ويكون المعنى: إذ يوحي ربك

стр. 279

إلى الملائكة أني معكم بمعونتي، فثبتوا أيها الملائكة الذين آمنوا وشجعوهم وأخبروهم بأن الله معهم ... وأنه سيلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ... وإذا كان الأمر كذلك فاضربوا أيها المؤمنون فوق الأعناق، واضربوا منهم كل بنان ... وبهذا يتبين لا بما لا يقبل الشك والجدال ١ أن الملائكة إنما نزلت لتثبيت قلوب المؤمنين، ولم تشترك في القتال.

стр. 280

موقف الرسول ﷺ من الأسرى: وقد استشار الرسول ﷺ بعد أن أتم الله عليهم النعمة بالنصر، في أمر الأسرى من مشركي قريش، وكان عددهم سبعين أسيرًا ... فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله قد كذبوك وقاتلوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم فهم رءوس الكفر وأئمة الضلالة ... ووافقه على ذلك جماعة من الصحابة ... وقال أبو بكر: يا رسول الله: هؤلاء أهلك وقومك وقد أعطاك الله الظفر والنصر عليهم، وإني أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام فيكونوا لنا عضدًا. ووافق على الرأي كذلك جماعة من الصحابة. وقد تلطف الرسول ﷺ مع صاحبيه الكريمين أبي بكر وعمر يضرب لهما أمثلة من الملائكة والأنبياء. فأما أبو بكر فمثله في الملائكة كمثل ميكال ينزل برضى الله وعفوه عن عباده، ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم كان ألين على قومه من العسل، قدمه قومه إلى النار وطرحوه فيها فما زاد على أن قال:

стр. 281

﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وكمثل عيسى إذ يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. وأما عمر فمثله في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من الله والنقمة على أعداء الله. ومثله في الأنبياء كمثل نوح إذ يقول: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ ٣. وكمثل موسى إذ يقول: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٤.

стр. 282

ثم أخذ الرسول ﷺ برأي أبي بكر وترك رأي عمر، وقبل الفداء من الأسرى، وقال لأصحابه: "لا يفلتن أحد من أسراكم إلا بفداء". فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وكان ذلك عتابًا من الله لرسوله وتبيانًا للمنهج القويم الذي كان يجب أن يسير عليه. وبعد فقد كانت غزوة بدر درسًا عمليًّا تجلت فيه ثمرة الإيمان فنصر الله المسلمين وهم قلة، لأنهم آمنوا بالله وأخلصوا الإيمان، وخذل المشركين وهم كثرة، لأنهم حادوا عن الحق وابتعدوا عن الإيمان. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.

стр. 283

غزوة أحد ١ مضى عام كامل على قريش بعد هزيمتهم في عزوة بدر وهم يتوجعون على قتلاهم، ويهيئون أنفسهم ليوم آخر يستردون فيه كرامتهم، ويأخذون بثأرهم ويسترجعون هيبتهم بين قبائل العرب، ويؤمنون طريق تجارتهم إلى الشام حتى لا يتعرض لها المسلمون إذا لاحت لهم فرصة ثانية للانتقام. وفي خلال هذه الفترة كانت الجزيرة العربية كلها تغلي بالحقد على المسلمين، وتتسمع إلى أنبائهم بمزيد من العجب والدهشة، وتحاول بين الحين والحين أن تنال منهم، حتى تضعف من شوكتهم وتقلل من خطرهم.. ولكن يقظة المسلمين وقوة عزيمتهم أفسدت كل هذه المحاولات.

стр. 284

غزوة السويق: ومن أمثلة ذلك ما فعله أبو سفيان حينما تجهز بمائتي فارس من مكة، وقرر أن يباغت محمدًا ﷺ وأصحابه في خلال نشوة النصر التي يعيشون فيها، فقد استطاع أن يصل إلى أطراف المدينة في ظلام الليل وأن يحرق بيتين ويقتل رجلين

стр. 285

أحدهما من الأنصار والثاني حليف له -وكانا في حرث لهما- ثم ولوا هاربين. وحينما أحس المسلمون بهم ندب محمد ﷺ أصحابه فخرجوا في أثرهم، فألقى أبو سفيان وأصحابه ما معهم من الأمتعة، ليتخففوا من أثقالهم ويستطيعوا النجاة بأنفسهم، وكان أكثرها من السويق، فأخذها المسلمون غنيمة باردة، وسميت هذه الغزوة: غزوة السويق١. ومن ذلك ما فعلته قبائل بني ثعلبة ومحارب وقبائل بني سليم، إذ كانوا يتجهزون لقتال محمد ﷺ وأصحابه، ولكن المسلمين خرجوا للقائهم قبل أن يهاجموهم في المدينة ففروا إلى رءوس الجبال، وكفى الله المؤمنين القتال.
следующие страницы →