﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وكمثل عيسى إذ يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وأما عمر فمثله في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من الله والنقمة على أعداء الله. ومثله في الأنبياء كمثل نوح إذ يقول:
﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ ٣.
وكمثل موسى إذ يقول:
﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٤.
стр. 282
ثم أخذ الرسول ﷺ برأي أبي بكر وترك رأي عمر، وقبل الفداء من الأسرى، وقال لأصحابه: "لا يفلتن أحد من أسراكم إلا بفداء". فنزل قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
وكان ذلك عتابًا من الله لرسوله وتبيانًا للمنهج القويم الذي كان يجب أن يسير عليه.
وبعد فقد كانت غزوة بدر درسًا عمليًّا تجلت فيه ثمرة الإيمان فنصر الله المسلمين وهم قلة، لأنهم آمنوا بالله وأخلصوا الإيمان، وخذل المشركين وهم كثرة، لأنهم حادوا عن الحق وابتعدوا عن الإيمان.
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
стр. 283
غزوة أحد ١
مضى عام كامل على قريش بعد هزيمتهم في عزوة بدر وهم يتوجعون على قتلاهم، ويهيئون أنفسهم ليوم آخر يستردون فيه كرامتهم، ويأخذون بثأرهم ويسترجعون هيبتهم بين قبائل العرب، ويؤمنون طريق تجارتهم إلى الشام حتى لا يتعرض لها المسلمون إذا لاحت لهم فرصة ثانية للانتقام.
وفي خلال هذه الفترة كانت الجزيرة العربية كلها تغلي بالحقد على المسلمين، وتتسمع إلى أنبائهم بمزيد من العجب والدهشة، وتحاول بين الحين والحين أن تنال منهم، حتى تضعف من شوكتهم وتقلل من خطرهم.. ولكن يقظة المسلمين وقوة عزيمتهم أفسدت كل هذه المحاولات.
стр. 284
غزوة السويق:
ومن أمثلة ذلك ما فعله أبو سفيان حينما تجهز بمائتي فارس من مكة، وقرر أن يباغت محمدًا ﷺ وأصحابه في خلال نشوة النصر التي يعيشون فيها، فقد استطاع أن يصل إلى أطراف المدينة في ظلام الليل وأن يحرق بيتين ويقتل رجلين
стр. 285
أحدهما من الأنصار والثاني حليف له -وكانا في حرث لهما- ثم ولوا هاربين.
وحينما أحس المسلمون بهم ندب محمد ﷺ أصحابه فخرجوا في أثرهم، فألقى أبو سفيان وأصحابه ما معهم من الأمتعة، ليتخففوا من أثقالهم ويستطيعوا النجاة بأنفسهم، وكان أكثرها من السويق، فأخذها المسلمون غنيمة باردة، وسميت هذه الغزوة: غزوة السويق١.
ومن ذلك ما فعلته قبائل بني ثعلبة ومحارب وقبائل بني سليم، إذ كانوا يتجهزون لقتال محمد ﷺ وأصحابه، ولكن المسلمين خرجوا للقائهم قبل أن يهاجموهم في المدينة ففروا إلى رءوس الجبال، وكفى الله المؤمنين القتال.
стр. 286
استعداد قريش وخروجها للمعركة:
وكانت العير التي جاء بها أبو سفيان من الشام، والتي كانت سببًا في غزوة بدر قد ربحت نحوًا من خمسين ألف دينار فجمعت كلها، وقال أصحابها لأبي سفيان: إن محمدًا قد قتل خيارنا، وإنا رضينا أن نترك ربح أموالنا فيها استعدادًا لحرب محمد وأصحابه. وقد رضي بذلك كل من له فيها نصيب، ثم عبأت قريش قوتها وأرسلت إلى قبائل البدو المحالفة لها لتشترك معها وتعينها، فاجتمع
стр. 287
من ذلك كله ثلاثة آلاف رجل١ ومعهم ما يلزمهم من العدة والسلاح.
وكان العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ واقفًا على ما تدبره قريش للنبي ﷺ ومطلعًا على كل صغير وكبيرة من أمرهم، وكان لا يزال مشركًا، ولكن عاطفة القرابة جعلته يرسل كتابًا إلى النبي ﷺ قبل أن يفاجئه أعداؤه، فكان هذا الموقف الكريم عملًا جليلًا للعباس يضاف إلى أعماله الجليلة السابقة التي قام بها قبل إسلامه حبًّا في ابن أخيه محمد ﵊.
وخرجت قريش من مكة في شوال من السنة الثالثة للهجرة مع حلفائهم من بني كنانة وأهل تهامة، حتى إذا بلغوا الأبواء ومروا بقبر آمنة بنت وهب، دفعت الحمية بعض الطائشين منهم إلى التفكير في نشبه، لولا أن العقلاء منهم تداركوا هذا الأمر، حتى لا ينبش المسلمون موتاهم إذا تهيأت لهم فرصة الانتقام، ثم تابعت قريش مسيرها حتى نزلت عند بعض السفوح من جبل أحد على بُعد خمسة أميال من المدينة.
стр. 288
موقف الرسول ﷺ والمسلمين:
وعلم الرسول ﷺ والمسلمون بذلك المكان الذي نزل فيه المشركون، فجمع الرسول ﷺ أصحابه واستشارهم وقال: "إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا. فإن أقاموا، أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قتلناهم فيها". فرضي الكبار والشيوخ منهم بهذا الرأي: وقال قائلهم: تقيم بالمدينة يا رسول الله وتتركهم. فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم
стр. 289
ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا خائبين كما جاءوا.
ولكن الشبان وخصوصًا من لم يشهد بدرًا من المسلمين لم يرضوا بهذا الرأي وقالوا: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا حتى لا يرو أنا جبنا عنهم وضعفنا، وما زال هؤلاء برسول الله ﷺ حتى اتبع رأيهم، لأنهم الأكثرون عددًا والأقوون جلدًا.
فصلى الجمعة في اليوم العاشر من شوال وحثهم في خطبتها على الثبات والصبر، وقال: "لكم النصر ما صبرتم".
ثم عقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير١، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر٢ ولواء الأوس لأسيد بن الحضير.
ثم سار الجيش وكان عدده يقرب من الألف رجل حتى إذا كان بالشوط -وهو بستان بين جبل أحد والمدينة- رجع عبد الله بن أُبي٣ بثلاثمائة من أصحابه، وبقي مع الرسول ﷺ سبعمائة رجل من المؤمنين المخلصين، فمضوا في طريقهم حتى وصلوا إلى الشعب من جبل أحد على مقربة من المشركين، ثم جعلوا ظهورهم للجبل ووجوههم للمدينة.
стр. 290
بدء المعركة: ١
كان جيش المشركين يبلغ ثلاثة آلاف -كما ذكرنا من قبل- وكان جيش المسلمين لا يزيد على سبعمائة، وقد رتب رسول الله ﷺ الجيش ونظمه تنظيمًا دقيقًا، ووضع خمسين رجلًا من الرماة٢ على شعب في الجبل وراء جيش المسلمين، وقال لهم: "احموا لنا ظهورنا، فإننا نخاف أن يجيئنا من ورائنا، والزموا مكانكم ولا تبرحوه، وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقبل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل".
ثم التقى الجمعان، وبدأ القتال أولًا بالمبارزة، فكان النصر في جانب المسلمين، ثم حملت خيالة المشركين على المسلمين ثلاث مرات، وفي كل مرة ينضحهم المسلمون بالنبل فيتقهقرون.
стр. 291
ثم حمي القتال وكان نساء قريش يمشين خلال الصفوف يضربن بالطبول والدفوف، وعلى رأسهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهن يقلن:
ويْها بني عبد الدار ... ويها حماة الأدبار
ضربًا بكل بتار
ويقلن:
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
فيشتد حماس الرجال إذا سمعوا نشيد النساء. ويتذكرون إخوانهم الذين قتلوا في يوم بدر، فتزداد حميتهم وإقبالهم على القتال، وكان ﵇ كلما سمع نشيد النساء يقول: "اللهم بك أجول، وبك أصول، وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".
ولم يكن المسلمون بحاجة إلى من ينشد لهم الأشعار ليدفعهم إلى القتال، وإنما كانوا يندفعون بإيمانهم العميق، ويقبلون على الموت في سبيل الله، لأن الله وعدهم إحدى الحسنيين: إما النصر، وإما الشهادة، وفي كل منهما خير وسعادة.
стр. 292
صور من البطولة والإيمان
صور من البطولة والإيمان
...
صور من البطولة والإيمان:
وهناك أمثلة كثيرة من البطولة والإيمان في هذه الغزوة، وحسبنا أن نسجل الآن بعضها عسى أن يكون في ذلك ذكرى وتبصرة ...
стр. 293
فهذا أبو دجانة يلبس عصابته الحمراء -وكان يسميها عصابة الموت ويمشي بين صفوف المجاهدين مشية الخيلاء، ويراه الرسول ﷺ فيقول: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
وقد نزل إلى الميدان بعد أن أخذ السيف من رسول الله ﷺ وأخذ ينشد:
أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول
وهو يقصد بالكيول مؤخرة الصفوف، فكأنه يقول: لن أكون أبدًا إلا في المقدمة ما دمت أضرب بسيف الله والرسول، وقد أعمل سيفه في المشركين فألقى في قلوبهم الرعب، وحينما انكشف ظهر المسلمين في آخر المعركة، وأصبح رسول الله ﷺ هدفًا لنبال المشركين تترس عليه أبو دجانة، فظل النبل يقع على ظهره -وهو منحنٍ على جسم الرسول ﷺ حتى انجلت المعركة، وهكذا آثر رسول الله على نفسه وأحب رسول الله ﷺ أكثر من حبه لنفسه.
وهذا أبو خيثمة، قُتل ابنه في معركة بدر فجاء إلى رسول الله ﷺ يقول: لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت -والله- عليها حريصًا، حتى ساهمت ابني في الخروج في القرعة فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول لي: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقًّا، ثم قال: وقد أصبحت يا رسول الله مشتاقًا إلى مرافقته وقد كبرت سني ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة ابني في الجنة. فدعا الرسول له، فنال نعمة الاستشهاد في هذه المعركة.
стр. 294
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله ﷺ فلما توجه الرسول ﷺ إلى أحد، أراد أن يخرج معه فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو رسول الله ﷺ فقال: إن بني هؤلاء يمنعوني أن أجاهد معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال له رسول الله: "أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد". وقال لبنيه: "وما عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة". فخرج رسول الله ﷺ فقتل يوم أحد شهيدًا، وحقق الله له ما طلبه وتمناه.
وكان نعيم بن مالك يقول في ذلك اليوم: "فوالذي نفسي بيده لأدخلن الجنة. فيقول له الرسول ﷺ : "بم؟ " أي بأي شيء تستحق دخول الجنة؟ فيقول بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف. فيقول له الرسول ﷺ : "صدقت ... " وكتب الله له الشهادة في هذا اليوم ودخل الجنة، وهكذا أقسم على الله فأبره.
وقد حمل المسلمون على لواء المشركين فكان إذا سقط اللواء من يد واحد أخذه من خلفه، فيحمل عليه المسلمون فيقتلونه، فيأخذ اللواء رجل آخر حتى قتل حملة اللواء من المشركين، ولما لم يقدر أحد على الدنو منه ولوا الأدبار، ونساؤهم يبكين ويولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الأسلاب والغنائم.
стр. 295
الرماة يتسببون في تغيير الوضع:
ولما رأى الرماة الذين أوقفهم الرسول ﷺ فوق الجبل ليحموا ظهور المسلمين لما رأوا المسلمين قد بدأوا يجمعون الأسلاب والغنائم، نسوا١ أمر الرسول
стр. 296
- ﷺ لهم، فتركوا موقفهم الحصين ونزلوا إلى مكان القتال ليجمعوا ما يستطيعون من تلك الأموال التي خلفها المشركون!.
وقد نصحهم رئيسهم عبد الله بن جبير بألا يتركوا مكانهم حرصًا على أوامر الرسول ﷺ فلم يستمع إليه سوى نفر دون العشرة.
وانتهز خالد بن الوليد١ هذه الفرصة، وكان على فرسان مكة٢، فشد برجاله على مكان الرماة فقتل من ثبت منهم، وفاجأ المسلمين من ورائهم وهم مشغولون بدنياهم، فاستولى عليهم الرعب والفزع وسادت الفوضى في صفوفهم، حتى صار يضرب بعضهم بعضًا وانعكست الآية٣، فبعد أن كان المسلمون يقاتلون صفًّا كأنهم بنيان مرصوص، إذا بهم الآن يقاتلون مبعثرين متناكرين دون رئيس يوجههم أو قائد يرعاهم ... وشاع بين الناس أن محمدًا ﷺ قد قتل، فعظمت البلية بين المسلمين، وفرح المشركون.
ولكن المسلمين عرفوا بعد ذلك أن الرسول ﷺ لا يزال حيًّا فأحاطوا به يدرءون عنه الأذى والعدوان، ويفتدونه بأنفسهم حتى ضربوا بذلك أروع الأمثال في الإيمان، ولكن الرسول ﷺ على الرغم من ذلك أصيبت رباعيته، وشج في جبهته، وجرحت شفته، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته، واستمات المسلمون بعد ذلك في القتال ولكن دون جدوى، فاضطروا
стр. 297
إلى الانسحاب والصمود في الجبل بعد أن قتل منهم سبعون شهيدًا، وقد قتل في هذه الغزوة حمزة بن عبد المطلب، ومثلت به هند زوج أبي سفيان بعد قتله ﵁ فبقرت بطنه وأخرجت كبده فمضغتها بأسنانها ثم لفظتها. وقد حزن الرسول ﷺ على عمه أشد الحزن وسجاه ببردته ﷺ وصلى عليه ثم دُفن ودُفن معه سائر الشهداء حيث لقوا مصارعهم.
وقد روى ابن إسحاق١ أن رسول الله ﷺ قال: "من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ " فقال رجل من الأنصار: أنا. فنظر فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق. فقال له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله
стр. 298
سلامي وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
ثم دفن الشهداء في أماكنهم التي قتلوا فيها، ورجع المسلمون بعد ذلك إلى المدينة يحز في نفوسهم الألم لما أصابهم، ويتطلعون ليوم قريب يشفي الله فيه صدورهم، ويذهب غيظ قلوبهم.
стр. 299
النتيجة في غزوة أحد:
أجمع المؤرخون على أن غزوة أحد كانت في نهايتها نصرًا للمشركين وهزيمة للمسلمين، ولكن مؤرخًا واحدًا١ خرج على هذا الإجماع واعتبر هذه الغزوة بالنسبة للمسلمين نصرًا لا هزيمة٢، ذلكم هو اللواء الركن الحاج
стр. 300
محمود شيت خطاب في كتاب الرسول القائد.
стр. 301
وإليكم ما قاله هذا المؤرخ الكبير١:
لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة غزوة أحد نصرًا للمشركين واندحارًا للمسلمين، لأن مناقشة المعركة عسكريًّا تظهر انتصار المسلمين، على الرغم من خسائرهم الفادحة بالأرواح في هذه المعركة ... وتبدأ المناقشات من الوجهة العسكرية البحتة لإظهار حقيقة نتائج غزوة أحد.
لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم، وتعفير لوائهم في التراب، ولكن التفاف خالد بن الوليد وراء المسلمين وقطع خط رجعتهم، وهجوم المشركين من الأمام جعل قوات المشركين تطبق من كافة الجوانب على قوات المسلمين، وهذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر، ولكن بقي النصر بجانبهم إلى الأخير، لأن نتيجة كل معركة عسكريًّا لا تقاس بعدد الخسائر بالأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي، وهو القضاء المبرم على العدو ماديًّا ومعنويًّا.
فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديًّا ومعنويًّا؟
إن حركة خالد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المقابل وإطباقهم على قوات المسلمين من كافة الجوانب وهم متفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين، لا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوقًا ساحقًا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة في المائة نصرًا، ولا يمكن اعتبار فشل القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديًّا ومعنويًّا، في مثل هذا الموقف الحرج للغاية إلا فشلًا
стр. 302
لها. ولم تستطع قريش أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضًا، وإلا لما استطاعوا الخروج لمطاردتها بعد يوم واحد من غزوة أحد١، دون أن تتجرأ قريش على لقائها بعيدًا عن المدينة، وخاصة وأن الرسول ﷺ قد خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت فعلًا بمعركة أحد، دون أن يستعين بغيرهم من الناس.
إن نجاة المسلمين من موقفهم الحرج الذي كانوا فيه بأحد نصر عظيم لهم، لأن أول نتائج إطباق المشركين عليهم من كافة الجهات كانت الفناء التام٢.
ونحن نؤيد رأي هذا العالم الجليل ونؤمن به كل الإيمان، ولنا من موقف الرسول ﷺ من المسلمين حينما رجعوا من غزوة مؤتة ما يؤكد ذلك. فلقد استطاع خالد بن الوليد أن ينقذ ما بقي من جيش المسلمين من الفناء التام، بما صنع من خطة حربية مكنته من تضليل الأعداء والانسحاب بانتظام، وحينما رجع الجيش إلى المدينة قابلهم المسلمون الذين نظروا نظرة سطحية إلى الموقف وحثوا في وجوههم التراب، وقالوا لهم: يا فرار فررتم من الجهاد في سبيل الله، ولكن الرسول ﷺ وقد نظر إلى الموقف من جميع نواحيه- اعتبرهم منتصرين، وحياهم أحسن تحية، فقال: "لا، بل هم الكرار وأنا فئتهم" ٣.
وبعد فإن خير ما نختم به غزوة أحد، هو ذلك الدعاء الذي قاله الرسول ﷺ بعد رجوعه من هذه الغزوة، فلقد روى الإمام أحمد٤: لما كان يوم أحد
стр. 303
وانكفأ١ المشركون قال رسول الله ﷺ : "استووا حتى أثني على ربي " فصاروا خلفه صفوفًا فقال: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين".
стр. 304
غزوة الأحزاب الخندق ١: مقدمات وأسباب
لم يهدأ للمسلمين بال بعد هزيمتهم في غزوة أحد في أواخر العام الثالث الهجري، فلقد عزّ عليهم وروعهم أن ينتصر الباطل على الحق في هذه المعركة، وأن يكون انتصار الباطل الذي يمثله المشركون من قريش، وهزيمة الحق الذي يمثله المسلمون في المدينة٢، أن يكون ذلك بسبب مخالفة بعض المسلمين في هذه الغزوة لأوامر الرسول ﷺ وهو القائد الأعلى، وخروجهم على التنظيم الدقيق الذي وضعه لهم وأوصاهم باتباعه.
стр. 305
ولقد كان هذا الانتصار المفاجئ الذي ظفر به المشركون مشجعًا لهم على المضي في طريق البغي، والإمعان في عداء الرسول ﷺ ومن اتبعه ويتبعه من المسلمين ...
ولا شك أنه قد جال في نفوسهم أن أصنامهم التي يعبدونها من دون الله قد باركت هذه الغزوة، وأنها ستبارك غيرها من الغزوات، حتى يظهر أمرهم وتعلوا كلمتهم، ولقد جرى ذلك على لسان قائدهم أبي سفيان حينما لمع له سراب البطل فاغتر به، ونادى في ظلمات الجهالة موجهًا خطابه للمسلمين قائلًا: اعل هبل، ناسيًا أن الله أعلى وأجل١.
أما القبائل العربية الأخرى في سائر الجزيرة العربية فكانوا -في جملتهم- يعبدون الأصنام، وقد بلغ بهم الحقد -كذلك- على المسلمين نهايته ومداه، فاتخذ بعضهم من الخيانة والخداع سبيلًا لإطفاء ما تنطوي عليه نفوسهم من الغل والضغينة، ومن ذلك ما وقع من قوم ينتسبون إلى بني الهون وكانوا يسكنون بالحجاز بين مكة والطائف. فلقد جاءوا إلى الرسول ﷺ في أوائل السنة الرابعة من الهجرة وقالوا: يا رسول الله: إنا فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام.
وقد استجاب الرسول ﷺ لهم، لأنه لم يكن يعلم الغيب، ولم يطلعه الله على ما تنطوي عليه قلوبهم من غدر وخيانة وكفر وضلال، ولأنه كان شديد الحرص على نشر الإسلام وإعلاء كلمته، وظن أن هذا الوفد قد جاء يلتمس النور ويبتغي الخير، فلم يضن عليهم بذلك -وما هو على الخير بضنين- وبعث معهم ستة نفر
стр. 306
من أصحابه، فكان لهم في تاريخ الإسلام بلاء أي بلاء، وفي ميدان التضحية الاستشهاد صفحة ناصعة بيضاء ... ذلك بأن هؤلاء القوم من بني الهون قد تحرك الغدر الكامن في نفوسهم، بعد أن خرجوا من المدينة وعاونهم في ذلك جماعة من هذيل، في عدد كبير يبلغ المائتين فقاتل الستة المسلمون قتال الأبطال، حتى قتل ثلاثة منهم واستسلم الثلاثة الباقون، وما كان استسلامهم من خور في العزيمة أو ضعف في العقيدة أو خوف من الموت، ولكنه استسلام الليث الهصور وقع في قبضة الغالب، وأطبقت عليه القوة الطاغية من كل جانب.
وقد قتل هؤلاء الثلاثة بأيدي المشركين بعد ذلك، وكان منهم زيد بن الدثنة وهو الذي قال له المشركون حينما قدموه ليقتلوه: ننشدك الله يا زيد أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي١.
فأية عظمة تنطوي عليها تلك النفس المؤمنة التي تستقبل الموت في سبيل الله بابتسامة الرضا والطمأنينة. والتي لو خيرت لاختارت القتل على ألا يصاب الرسول ﷺ بشوكة تؤذيه!
إنها التربية الإسلامية التي أسست على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا
стр. 307
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه﴾ ١.
وقول الرسول ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين" ٢.
وكان منهم: خبيب بن عدي، وقد حاولوا أن يردوه عن إسلامه إلى الكفر، فأبى عليهم ذلك، وقدم روحه فداء لدينه.
وقد روي عنه أنه قال حينما علم أن القوم قد أجمعوا أمرهم لصلبه:
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
وقد خيروني الكفر، والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... علي أي جنب كان في الله مصرعي٣
وكان أشد من ذلك عنفًا وقسوة ما أصيب به المسلمون في يوم بئر معونة فقد استشهد منهم في هذا اليوم سبعون، قتلوا غدرًا وغيلة بأيدي قبائل: رعل، وذكوان، والقارة، وقد حزن الرسول ﷺ على هؤلاء الشهداء الأبرار، ومكث شهرًا كاملًا يدعو على هؤلاء المعتدين الآثمين، الذين ارتكبوا هذه الجرائم المنكرة٤.
стр. 308
دور إيجابي لدرء الخطر:
ولم يقف الرسول ﷺ أمام أعدائه الذين يتربصون به الدوائر موقفًا سلبيًّا، ولم يكتف بمجرد الدعاء عليهم، ولكنه بدأ دوره الإيجابي في استئصال جذور الشر والقضاء على الفتن كلما اشتعلت نارها. وقد خرج من أجل ذلك في عدة غزوات صغيرة، وهي غزوة ذات الرقاع، وغزوة بدر الأخيرة، وغزوة دومة الجندل.
فأما غزوة ذات الرقاع فقد كان الغرض منها إحباط المحاولة التي قام بها بنو محارب حيث أرادوا غزو المدينة، وكان الغرض منها كذلك تأديب بعض القبائل التي كانت تعتدي على المسلمين بين الحين والحين.. وقد خرج الرسول ﷺ حينما علم بتجمع بني ثعلبة وبني محارب واتفاقهم على غزو المدينة، وكان معه أربعمائة١ ما بين راكب وراجل، وولى على المدينة عثمان بن عفان، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم في نجد على مرحلتين من المدينة، وقد أزعجتهم مباغتة الرسول ﷺ لهم فخافوا وتفرقوا في رءوس الجبال تاركين نساءهم وأموالهم، وعلى الرغم من ذلك كان الرسول ﷺ حذرًا وخائفًا من غدرهم وخيانتهم، فصلى بالمسلمين صلاة الخوف.
وقد ألقى المسلمون الرعب في قلوب أعدائهم ثم رجعوا إلى المدينة سالمين غانمين٢.
стр. 309
وأما غزوة بدر الآخرة: فقد كانت بعد غزوة أحد بعام كامل، وكانت ردًّا على أبي سفيان حيث توعد المسلمين بعد غزوة أحد، وقال: يوم بيوم بدر، والموعد العام المقبل في بدر.
وقد خرج المسلمون في ألف مقاتل ما بين راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ وكان خروجهم بنفس الوقت والموعد الذي وقعت فيه غزوة أحد، وإلى نفس المكان الذي توعدهم باللقاء فيه أبو سفيان له دلالته الواضحة على قوة المسلمين وثقتهم.
وأما أبو سفيان وقبيله فقد عاكسهم الحظ ولم يتمكنوا من تجهيز الجيش الذي يثقون به، فأرادوا أن يثبطوا همة المسلمين فأرسلوا رجلًا١ إلى المدينة يقول لهم: إن قريشًا قد جمعت جيشًا لا قبل لكم بمواجهته ... ولكن زادهم هذا القول إيمانًا على إيمانهم ... وخرجوا في شجاعة وإقدام حتى وصلوا إلى بدر، وأقاموا فيها ثمانية أيام يتحدون المشركين وينتظرونهم، ولكن المشركين وعلى رأسهم أبو سفيان- آثروا السلامة والعافية، فرجعوا إلى مكة يجللهم العار، وكانوا قد خرجوا وقطعوا من الطريق مرحلتين٢.
وهكذا كانت غزوة بدر الآخرة إعلانًا كريمًا للمسلمين، ووصمة عار في جبين المشركين، وقد محت هذه الغزوة كل أثر سيئ لمعركة أحد داخل المدينة وخارجها على حد سواء.
стр. 310
وإلى هذه الثروة يشير القرآن الكريم في قوله سبحانه:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
وأما غزوة دومة الجندل، فقد خرج الرسول ﷺ فيها بألف من المسلمين، وكان الغرض منها تأديب القبائل البدوية التي تقطن في منطقة دومة الجندل، وهي على الحدود بين الحجاز والشام.. وقد نجحت هذه الغزوة بإلقاء الرعب والفزع في قلوب هذه القبائل، ففروا من وجه المسلمين ولم يشتبكوا معهم في قتال٢.
стр. 311
أصابع اليهود
وفي هذه الظلمات المتكاثفة -من الشر والفتنة- أخذ اليهود يجوسون خلال الديار، وظنوا أنهم وسط هذا الظلام سيحكمون مؤامرتهم على المسلمين ويقضون القضاء الأخير عليهم.
стр. 312
وكان يهود بني النضير قد أخرجوا من ديارهم أمام قوة الحق وغلبته: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ﴾ ١.
وعلى الرغم من أنهم هم الذين بدءوا بالشر، وأن إخراجهم كان جزاءً وفاقًا لما سلف منهم من غدر وخيانة وظلم واستهتار إلا أن هذه النهاية الأليمة قد أفزعتهم، فأخذ سادتهم وكبراؤهم ينتقلون في أرجاء الجزيرة العربية لكي يؤلبوا قبائل العرب على محمد ﷺ وأصحابه، ولم يتركوا للكيد إلا وسلكوه، فخرجوا إلى القبائل العربية التي لا تزال تحقد على محمد ﷺ وأصحابه وتتربص بهم الدوائر، ومنهم قبيلة غطفان، وقد حرض اليهود رجالها وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب ومنهم: بنو مرة، وبنو أشجع، وبنو سليم، وبنو أسد.
وقد حرض اليهود رجالهم -كذلك- على حرب محمد ﷺ والمسلمين، ووجدوا منهم قبولًا وارتياحًا، واستعدادًا للانضواء تحت لواء قريش في سبيل ذلك الهدف الذي عقدوا عليه الآمال، وظنوه يسيرًا قريب المنال.
стр. 313
غزوة الأحزاب "الخندق ": ١
وكان من نتيجة تلك الجهود التي بذلها هؤلاء اليهود، أن تجهزت قريش
стр. 314
وعلى رأسهم أبو سفيان وعددهم أربعة آلاف١، ومعهم ثلاثمائة فرس وألف بعير، وتجهزت غطفان، ويرأسهم عيينة بن حصن، وكان معهم ألف فارس، وتجهزت بنو مرة يرأسهم الحارث بن عوف المري، وتجهزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود بن رخيلة، وتجهزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وتجهزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وعدة الجميع عشرة آلاف جندي، وقائدهم العام أبو سفيان صخر بن حرب، وكان -حينئذٍ- ألد الأعداء للرسول ﷺ وللمسلمين..
ثم خرجت هذه الأحزاب -على ما بينها من تنافر وتباعد وعصبية قبلية- ويؤلف بينهم هدف مشترك هو الانتقام من المسلمين، والرغبة في استئصالهم والقضاء على دينهم، وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة النبوية٢.
стр. 315
موقف المسلمين في المدينة من الأحزاب:
وكان المسلمون في المدينة -حينئذٍ- هم المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله وجهادًا في سبيله، والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين آووا رسول الله ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، كان موقفهم موقفا عصيبًا يحيط به الحرج والضيق ويسود فيه الخوف والرهبة، ولا غرو فهؤلاء هم أحزاب الشر، وأعداء الحق، وأنصار الشيطان يزحفون مسرعين
стр. 316
إلى المدينة! وهذه هي الجزيرة العربية تتسمع في لهفة إلى أبنائهم، وتترقب باهتمام بالغ نتيجة زحفهم.
إنها تجربة لها ما وراءها من نتائج وآثار، فلو قدر لهؤلاء الأحزاب أن ينتصروا فتلكم الضربة القاصمة التي لا تقوم بعدها للمسلمين قائمة، أما لو قدر لهم أن يرجعوا مجللين بالخزي والعار، وإن يفجعوا فيما علقوه على هذه المحاولة من آمال كبار، فتلك -حينئذٍ- مصيبة الدهر وفضيحة العمر. وهيهات ثم هيهات أن تتجمع لهم مثل هذه الأحزاب، وأن تتوافر لها الظروف والأسباب.
أجل، لقد أدرك المسلمون جميعًا في المدينة عظم الخطب، وفداحة المسئولية، وعرفوا أن الأمر مع المشركين في هذه المرة، إما إلى النصر، وإما إلى القبر، أو كما يقول القائل:
فإما إلى صدَّاحة تطرب الورى ... وإما إلى نواحة في المآتم١
وقد جمع أعداء الإسلام لأول مرة في تاريخهم مع المسلمين جموعهم وجاءوا في عدة وعديد لم يسبق لها مثيل في حروب العرب جميعًا.
لقد كان عددهم في العام الثاني من الهجرة حينما التقوا مع المسلمين في يوم بدر ألفًا أو أقل من الألف، ثم أصبح عددهم في غزوة أحد في العالم الثالث من الهجرة ثلاثة آلاف، فما بالهم الآن بعد عام واحد من غزوة أحد يصبحون عشرة آلاف؟!
وماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة هذه الألوف المؤلفة من الرجال والخيل والإبل والأسلحة والذخيرة؟!
إن الأمر يحتاج إلى مزيد من اليقظة والحذر والشجاعة والإيمان، وإن الواجب يحتم على كل جندي من جنود المسلمين أن يتعاون في إخلاص مع قائده الأعلى
стр. 317
ليسيروا جميعًا في منهج سليم، وسبيل قويم، حتى يفرج الله كربهم، ويكشف عنهم هذا الضر والبلاء.
стр. 318
حفر الخندق:
وكانت هذه الأنباء المثيرة التي ترامت إلى مسامع المهاجرين والأنصار في المدينة حول هذا الجيش الجرار الزاحف عليهم هي كل شيء يشغل تفكير الرسول ﷺ والمسلمين، ماذا يصنعون أمام هذه القوة الطاغية التي تسرع نحوهم؟ أيمكثون بالمدينة ويتحصنون في دورها؟ أم يخرجون للقاء العدو مهما احتملوا من المتاعب والآلام، ومهما بذلوا من التضحيات الجسام؟
وجلس رسول الله ﷺ يستشير أصحابه ويستطلع أراءهم في هذه المحنة. وكان من عادته -صلوات الله وسلامه عليه- أن يستشير أصحابه فيما يعرض له من مشاكل، فإذا اقتنع بعد هذه المشورة برأي أمضاه متوكلًا على الله، وقدر علمه الله بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ١.
وهنا، وفي وسط هذا الظلام الذي يخيم على النفوس يطلع سلمان الفارسي ﵁ على الرسول ﷺ والمسلمين برأي سديد وفكرة صائبة تشرق لها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، ذلك أنه أشار عليهم بحفر الخندق في الجهة التي يخشى منها خطر الزحف على المدينة.
وكانت فكرة حفر الخندق فكرة عجيبة لم يعرفها العرب قبل ذلك، وإنما عرفها الفرس في حروبهم، وأخذها عنهم سلمان الفارسي ﵁ وحينما رأى الرسول الكريم ﷺ قوة هذا الرأي واقتنع بصوابه، أمر بوضعه موضع التنفيذ
стр. 319
وقام يباشر بنفسه هذا العمل الكبير.
ويقع المكان الذي اختاره الرسول ﷺ ليحفر فيه هذا الخندق في شمال المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية١، وهذه هي الجهة التي كانت عورة يمكن أن تؤتى المدينة من قبلها، أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل ولا يتمكن العدو من الحرب في جهتها، وبهذا يتبين لنا أن فكرة الخندق عمل حربي ناجح، وسهم رائش٢ صوبه المسلمون إلى قلب أعدائهم فنفذ إلى الصميم.
وبدأ المسلمون يعملون في حفر الخندق، وكان رسول الله ﷺ يعمل معهم بيديه، وكان يتمثل بقول القائل٣:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزل سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
وكان دائم التشجيع للمسلمين، فإذا رأى ما حل بهم من التعب والجوع يذكرهم بالآخرة، وما أعد للمؤمنين فيها من السعادة والنعيم، قائلًا:
"اللهم إن العيش عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة".
فيرد عليه المسلمون -وقد امتلأت نفوسهم بالإيمان، ونسوا ما هم فيه من الآلام والمتاعب- قائلين:
стр. 320
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
وهكذا يتجاوب القائد الأعلى مع جنوده المخلصين، ويتجاوب الجنود المخلصون مع قائدهم الأمين، وهكذا القيادة الرشيدة إنما تثبت أصولها في جوٍّ من الإخلاص والتسامح، ويقوم بنيانها على دعائم من الإخاء والمساواة، ولقد عود الرسول ﷺ أصحابه هذا اللون الكريم من المعاملة الكريمة.
ولا يزال المسلمون يذكرون موقف نبيهم في بناء مسجد المدينة وكيف كان يمل بنفسه، ويحمل الأحجار بيديه، وكيف كان هذا العمل الكريم يحفز المسلمين ويقوي من عزائمهم، حتى ليقول بعضهم لبعض:
لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل١
وسيظل المسلمون على توالي الأجيال والقرون يذكرون موقف الرسول ﷺ من أصحابه، حينما أرادوا أن يصلحوا شاة لطعامهم وهم -حينئذٍ- في سفر، فقال واحد منهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: وعليَّ سلخها، وقال الثالث: وعليَّ طبخها، فقال الرسول ﷺ : "وعلي جمع الحطب"، قالوا: يا رسول الله، إنا نكفيك العمل، قال: "علمت أنكم تكفونني إياه، ولكني أكره أن أتميز عليكم" ٢.
ألا إن هذه المثل العالية من طاعة الجند لقائدهم، ومن إخلاص القائد لجنوده وحسن معاملته لهم وتعاونه معهم تعاونًا كاملًا بعيدًا عن الكبرياء والغرور.
ألا إن ذلك لهو النور الذي يضيء لنا السبيل إذا غشيتنا ظلمات المحن والخطوب.