إلى المدينة! وهذه هي الجزيرة العربية تتسمع في لهفة إلى أبنائهم، وتترقب باهتمام بالغ نتيجة زحفهم.
إنها تجربة لها ما وراءها من نتائج وآثار، فلو قدر لهؤلاء الأحزاب أن ينتصروا فتلكم الضربة القاصمة التي لا تقوم بعدها للمسلمين قائمة، أما لو قدر لهم أن يرجعوا مجللين بالخزي والعار، وإن يفجعوا فيما علقوه على هذه المحاولة من آمال كبار، فتلك -حينئذٍ- مصيبة الدهر وفضيحة العمر. وهيهات ثم هيهات أن تتجمع لهم مثل هذه الأحزاب، وأن تتوافر لها الظروف والأسباب.
أجل، لقد أدرك المسلمون جميعًا في المدينة عظم الخطب، وفداحة المسئولية، وعرفوا أن الأمر مع المشركين في هذه المرة، إما إلى النصر، وإما إلى القبر، أو كما يقول القائل:
فإما إلى صدَّاحة تطرب الورى ... وإما إلى نواحة في المآتم١
وقد جمع أعداء الإسلام لأول مرة في تاريخهم مع المسلمين جموعهم وجاءوا في عدة وعديد لم يسبق لها مثيل في حروب العرب جميعًا.
لقد كان عددهم في العام الثاني من الهجرة حينما التقوا مع المسلمين في يوم بدر ألفًا أو أقل من الألف، ثم أصبح عددهم في غزوة أحد في العالم الثالث من الهجرة ثلاثة آلاف، فما بالهم الآن بعد عام واحد من غزوة أحد يصبحون عشرة آلاف؟!
وماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة هذه الألوف المؤلفة من الرجال والخيل والإبل والأسلحة والذخيرة؟!
إن الأمر يحتاج إلى مزيد من اليقظة والحذر والشجاعة والإيمان، وإن الواجب يحتم على كل جندي من جنود المسلمين أن يتعاون في إخلاص مع قائده الأعلى
стр. 317
ليسيروا جميعًا في منهج سليم، وسبيل قويم، حتى يفرج الله كربهم، ويكشف عنهم هذا الضر والبلاء.
стр. 318
حفر الخندق:
وكانت هذه الأنباء المثيرة التي ترامت إلى مسامع المهاجرين والأنصار في المدينة حول هذا الجيش الجرار الزاحف عليهم هي كل شيء يشغل تفكير الرسول ﷺ والمسلمين، ماذا يصنعون أمام هذه القوة الطاغية التي تسرع نحوهم؟ أيمكثون بالمدينة ويتحصنون في دورها؟ أم يخرجون للقاء العدو مهما احتملوا من المتاعب والآلام، ومهما بذلوا من التضحيات الجسام؟
وجلس رسول الله ﷺ يستشير أصحابه ويستطلع أراءهم في هذه المحنة. وكان من عادته -صلوات الله وسلامه عليه- أن يستشير أصحابه فيما يعرض له من مشاكل، فإذا اقتنع بعد هذه المشورة برأي أمضاه متوكلًا على الله، وقدر علمه الله بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ١.
وهنا، وفي وسط هذا الظلام الذي يخيم على النفوس يطلع سلمان الفارسي ﵁ على الرسول ﷺ والمسلمين برأي سديد وفكرة صائبة تشرق لها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، ذلك أنه أشار عليهم بحفر الخندق في الجهة التي يخشى منها خطر الزحف على المدينة.
وكانت فكرة حفر الخندق فكرة عجيبة لم يعرفها العرب قبل ذلك، وإنما عرفها الفرس في حروبهم، وأخذها عنهم سلمان الفارسي ﵁ وحينما رأى الرسول الكريم ﷺ قوة هذا الرأي واقتنع بصوابه، أمر بوضعه موضع التنفيذ
стр. 319
وقام يباشر بنفسه هذا العمل الكبير.
ويقع المكان الذي اختاره الرسول ﷺ ليحفر فيه هذا الخندق في شمال المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية١، وهذه هي الجهة التي كانت عورة يمكن أن تؤتى المدينة من قبلها، أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل ولا يتمكن العدو من الحرب في جهتها، وبهذا يتبين لنا أن فكرة الخندق عمل حربي ناجح، وسهم رائش٢ صوبه المسلمون إلى قلب أعدائهم فنفذ إلى الصميم.
وبدأ المسلمون يعملون في حفر الخندق، وكان رسول الله ﷺ يعمل معهم بيديه، وكان يتمثل بقول القائل٣:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزل سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
وكان دائم التشجيع للمسلمين، فإذا رأى ما حل بهم من التعب والجوع يذكرهم بالآخرة، وما أعد للمؤمنين فيها من السعادة والنعيم، قائلًا:
"اللهم إن العيش عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة".
فيرد عليه المسلمون -وقد امتلأت نفوسهم بالإيمان، ونسوا ما هم فيه من الآلام والمتاعب- قائلين:
стр. 320
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
وهكذا يتجاوب القائد الأعلى مع جنوده المخلصين، ويتجاوب الجنود المخلصون مع قائدهم الأمين، وهكذا القيادة الرشيدة إنما تثبت أصولها في جوٍّ من الإخلاص والتسامح، ويقوم بنيانها على دعائم من الإخاء والمساواة، ولقد عود الرسول ﷺ أصحابه هذا اللون الكريم من المعاملة الكريمة.
ولا يزال المسلمون يذكرون موقف نبيهم في بناء مسجد المدينة وكيف كان يمل بنفسه، ويحمل الأحجار بيديه، وكيف كان هذا العمل الكريم يحفز المسلمين ويقوي من عزائمهم، حتى ليقول بعضهم لبعض:
لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل١
وسيظل المسلمون على توالي الأجيال والقرون يذكرون موقف الرسول ﷺ من أصحابه، حينما أرادوا أن يصلحوا شاة لطعامهم وهم -حينئذٍ- في سفر، فقال واحد منهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: وعليَّ سلخها، وقال الثالث: وعليَّ طبخها، فقال الرسول ﷺ : "وعلي جمع الحطب"، قالوا: يا رسول الله، إنا نكفيك العمل، قال: "علمت أنكم تكفونني إياه، ولكني أكره أن أتميز عليكم" ٢.
ألا إن هذه المثل العالية من طاعة الجند لقائدهم، ومن إخلاص القائد لجنوده وحسن معاملته لهم وتعاونه معهم تعاونًا كاملًا بعيدًا عن الكبرياء والغرور.
ألا إن ذلك لهو النور الذي يضيء لنا السبيل إذا غشيتنا ظلمات المحن والخطوب.
стр. 321
وإنه لمن الحق علينا أن نفتح قلوبنا لهذا التاريخ الخالد، وأن نأخذ من عبره وعظاته ما يجنبنا الزلل، ويقينا شر العثرات والسقطات.
стр. 322
من المعجزات النبوية:
تعالوا فانظروا معي تلك الفيوضات الإلهية، والمنح الربانية التي أفاضها الله ومنحها لرسوله ﷺ في تلكم الفترة، التي عمل المسلمون فيها في حفر هذا الخندق.
وقد جرت سنة الله بأن يظهر على أيدي أنبيائه من المعجزات ما يثبت به القلوب القلقة، والنفوس الحائرة، ويزيد المؤمنين إيمانًا وتثبيتًا.
ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري١، عن جابر ﵁ قال: إنّا في يوم الخندق نحفر، فعرضت لنا كدية٢ شديدة، فجاءوا النبي ﷺ وقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحجر -وكنا قد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا- فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فذهبت فقلت لزوجتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي كادت أن تنضج، فقلت: قم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا، فقام المهاجرون
стр. 323
والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك. جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويقرب إلى أصحابه، ولم يزل هكذا حتى شبعوا جميعًا وبقيت بقية، فقال لزوجة جابر: "كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة".
وهناك رواية أخرى يذكرها الإمام البخاري عن جابر ﵁ فيقول: "لما علم النبي ﷺ بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعًا: "قوموا إلى جابر". فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله وقلت: جاءنا بخلق كثير على شاة وصاع من شعير، ودخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله ﷺ بأهل الخندق أجمعين. فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت: نعم فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فكشف عني غمًّا شديدًا. قال: فدخل رسول الله ﷺ فقال: "خدمي ودعيني من اللحم". وجعل رسول الله ﷺ يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ مما كانا، ثم قال رسول الله ﷺ : " كلي وأهدي". فلم نزل نأكل ونهدي بقية اليوم.
стр. 324
ألا إن في هذا الحادث العجيب لعبرة !
فهذه الصخرة الكبيرة التي تعترض الجنود المسلمين، وهم يعملون في حفر الخندق فيعجزهم جميعًا أمرها، ما بالها الآن تصير رمادًا يتطاير من ضربة واحدة بمعول الرسول ﷺ ، إنها إذن عناية الله التي يفيضها أبدًا على رسول الله ﷺ والتي لا تقف أمامها الحواجز والعقبات، بل يلين لها الحديد وتذوب أمامها الصخور الجلاميد.
стр. 325
وهكذا الصاع من الشعير تخبزه زوجة جابر، والشاة الصغيرة يذبحونها ليأكل منها النبي ﷺ مع نفر قليل من أصحابه فما بالهم الآن يفاجئون برسول الله ﷺ ومعه أهل الخندق أجمعون؟ إنهم خمسمائة رجل خماص البطون، وأقل ما يكفيهم في مثل هذه الظروف عشرون صاعًا وعشرون شاة، فكيف يكفيهم صاع واحد من الشعير، وشاة واحدة؟!
إنها إذن عناية الله، ومعجزة خالدة لرسول الله ﷺ .
وقد أطمأنت بها قلوب المؤمنين، ففرحوا واستبشروا، وصبروا وصابروا وكافحوا وثابروا، وسيظل لنا من ذكراها ما يشد أزرنا، ويقوي عزائمنا، على توالي الأجيال والقرون.
стр. 326
الأحزاب أمام الخندق
استمر العمل في حفر الخندق ستة أيام متتابعة١، وكان المسلمون يعملون طوال النهار، فإذا جنّ عليهم الليل آووا إلى بيوتهم، وفي هذه الأثناء حصنت جدران المنازل التي تواجه مأتى العدو، وأخليت المساكن التي كانت وراء الخندق، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حصنت، ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة، لتكون سلاحًا يرمى به العدو إذا سولت له نفسه اقتحام الخندق.
وكانت قريش وأحزابها تظن أنها -وقد خرجت في هذه الجموع الغفيرة-
стр. 327
ستنتهي من الرسول ﷺ والمسلمين في ساعات معدودة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون سفرًا عاديًّا، أو رحلة تجارية يرجعون بعدها وقد قضوا على قوة المسلمين، وغنموا منهم عدتهم وعتادهم وكل شيء لديهم، ولكنهم كانوا يبنون الآمال على شفيرٍ هارٍ، ويقدرون فتضحك الأقدار.
ولقد وقفوا أمام الخندق وقفة المشدوه، وتملكهم العجب واشتدت بهم الحيرة، ولا غرو فهذا العمل كان مفاجأة غير منتظرة، وهذا السلاح جديد في نوعه لم يتعوده العرب من قبل في حروبهم.
وكان الرسول ﷺ والمسلمون -وعددهم حينئذٍ ثلاثة آلاف- يجعلون الخندق بينهم وبين أعدائهم حدًّا فاصلًا، وينظرون إلى تحركاتهم وتجمعاتهم من الجهة المقابلة، وقد أعدوا لكل احتمال عدته، واتخذ كل جندي أهبته، وكانوا يشددون الحراسة على الأماكن الضعيفة ويتبادلونها، حتى لقد كانت للرسول ﷺ نوبته، فكان يخرج إليها أحيانًا في الليل المظلم والبرد القارس.
ولقد عرفت قريش والأحزاب أن الأمد سيطول بهم، وأنهم سيقيمون أمام هذا الخندق ما وسعتهم الإقامة، ولكنهم لن يستطيعوا اقتحامه، وهذه الخيام التي نصبوها قريبًا من الخندق سوف لا تجيدهم فتيلًا إذا فاجأهم ريح عاصف أو سيل جارف. عرفت قريش والأحزاب ذلك كله فتملك نفوسهم همّ بالغ وحزن عظيم، وبدأوا يفكرون ويفكرون ويسيحون في أودية الأوهام والظنون.
стр. 328
موقف رائع لعلي بن أبي طالب
وكان عمرو بن عبد ودّ قد استطاع أن يقتحم فرسه الخندق من ناحية ضيقة فيه، فنادى وهو مقنع بالحديد: من يبارز؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي الله.
стр. 329
فقال له النبي ﷺ : "إنه عمرو، اجلس".
ثم نادى عمرو: ألا رجل منكم يبرز؟ أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلًا.
فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال له الرسول ﷺ : "اجلس" ولكن عمرًا تمادى في غيه، وأخذ يصيح وينشد قائلًا:
ولقد بححت من الندا ... ء لجمعهم: هل من مبارز؟
وقفت إذا جبن المشجع ... موقف القرن المناجز
إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز
فقام علي فقال: يا رسول الله: أنا لها.
فقال له ﷺ : "إنه عمرو".
قال: وإن كان عمرًا!
فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز
في نية وبصيرة ... والصدق ينجي كل فائز
ني لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز
من ضرب نجلاء يبقى ... ذكرها عند الهزاهز١.
стр. 330
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟
قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال: يابن أخي مِن أبناء أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أريق دمك.
فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أريق دمك.
فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبًا، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه.
فاندفع علي نحوه في شجاعة وإيمان، وضربه على حبل عاتقه فسقط يتخبط في دمائه، وذهب صريع بغيه وعدوانه.
وسمع الرسول ﷺ التكبير، فعرف أن عليًّا قد قتله، ثم أقبل علي نحو رسول الله ووجهه يتهلل.
فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها؟
فقال: استحييت أن أسلبه درعه وسوءته مكشوفة.
وفي هذا الموقف الرائع يتغنى علي بن أبي طالب بنصر الله له، على هذا العدو الماكر.
ويتحدث بنعمة الله عليه، فيقول:
عبد الحجارة من سفاهة رأيه ... وعبدت رب محمد بصواب١
стр. 331
فصدرت حين تركته متجندلًا ... كالجذع بن دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المجندل بزَّني أثوابي
لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب
وكان في جيش المسلمين جماعة من المنافقين لا يعلمهم الرسول ﷺ وقد وقف هؤلاء المنافقون -كعادتهم من المسلمين- موقف اللؤم والخيانة، ولا ريب أن عمر النفاق قصير، وأساليبه وحيله لا تخفى على العقلاء أمدًا طويلًا، ومهما بالغ المنافقون في ستر حقيقتهم فإنهم لدى الاختبار يخفقون في الميدان، ولا يثبتون أمام الشدائد.
وها هم أولاء في تلكم الغزوة يفزعون حينما يرون الأحزاب، وقد جمعوا جموعهم وتهيئوا للحرب والقتال، وتظلم نفوسهم، فيسخرون من وعود الرسول ﷺ لهم بالنصر على أعدائهم، ويقولون: كان محمد يعدنا كنز كسرى وقيصر، فما بالنا لا يأمن أحدنا على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقد سجل الله ذلك القول منهم في تلكم الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ١.
ثم يتمادى المنافقون في غدرهم وخيانتهم فينسحبون من صفوف المؤمنين ويثبطون الهمم والعزائم ويقولون: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ ٢.
ويعتذرون عن رجوعهم بالأعذار الكاذبة التي أظهر الله حقيقتها بقوله:
стр. 332
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ ١.
ولكن هل تحقق لهؤلاء المنافقين ما كانوا يريدون؟ إنهم أرادوا أن يخفوا حقيقتهم عن الرسول ﷺ فكشف الله سترهم، وفضح أمرهم، وأرادوا أن يضعفوا شوكة المسلمين بانسحابهم، فأمد الله المسلمين بقوته، وكانوا يطمعون في الغنائم فأفاءها الله على المؤمنين، وباء المنافقون بالخسران والحرمان.
стр. 333
مؤامرة بني قريظة على الرسول ﷺ والمسلمين
...
مؤامرة بني قريظة على الرسول ﷺ والمسملين:
وفي هذه المحنة الشديدة التي أصابت المسملين بتجمع الأحزاب عليهم وانسحاب المنافقين من صفوفهم، انتهز يهود بني قريظة وكانوا يساكنون المسلمين بالمدينة- هذه الفرصة واستجابوا لتحريض بني النضير لهم، فنقضوا العهود التي بينهم وبين المسلمين وانقلبوا عليهم.
وكأنما رأى يهود بني النضير -وعلى رأسهم حيي بن أخطب- أن حصار الأحزاب للمسلمين ووقوفهم أمام الخندق سيطول أمده، وربما انتهى الأمر بفشلهم، وذلك خزي الدهر وعار الأبد.
وعرف هؤلاء اليهود من بني النضير أنه ما دام إخوانهم من يهود بني قريظة لا يزالون على ولائهم لمحمد ﷺ فإن الأمر -في أغلب الأحوال- لن ينتهي بالخير الذي يتوقعونه، إذ تصبح هزيمة محمد ﷺ والمسلمين بعيدة المنال، ومن يدري إذا انتصر محمد ﷺ : ماذا يفعل بهم جميعًا؟
стр. 334
ومن أجل ذلك دبروا أمرهم وأحكموا مكرهم، وتفننوا في أساليب الإغراء والترغيب حتى خدعوا يهود بني قريظة، وأخرجوهم عن الولاء لمحمد ﷺ والمسلمين، فبدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.
ويروي المؤرخون في ذلك: أن حيي بن أخطب زعيم بني النضير أتى كعب بن أسد القرظي زعيم بني قريظة.. فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دونه.
فاستأذن حيي عليه فأبى أن يفتح لها فناداه: ويحك يا كعب، افتح لي يا كعب، افتح لي. قال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله ما أغلقت بابك إلا خوفًا على جشيشتك أن آكل معك منها فغضب كعب حينما سمع هذه الكلمة وفتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئت بعز الدهر وبحر طام، قال: وما ذاك؟ قال: جئتك بقريش على قادتها وسادتها وبغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني -والله- بذل الدهر. وبجهام١ قد أريق ماؤه، يرعد ويبرق، وليس فيه شيء ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا وفاءً وصدقًا.
وقد ظل حيي يستميل كعبًا إليه بشتى الحيل والأساليب ويحرك فيه عاطفته الدينية حتى غلبته يهوديته، بل غلبته شقوته فنقض العهد، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ من إخاء وولاء، وتبعه في ذلك يهود بني قريظة جميعًا.
стр. 335
ولما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين، بعث سعد بن معاذ وهو -يومئذٍ- سيد الأوس، وسعد بن عبادة وهو -يومئذٍ- سيد الخزرج، ومعهما رجلان، وقال:
"انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنتظروا: أحق ما بلغنا عنهم؟ فإن إن كان حقًّا فالحنوا لي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس".
قال: فدخلوا حتى أتوهم فدخلوا معهم حصنهم ودعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف، ولكنهم قابلوهم بالسباب والمشاتمة، ونالوا من رسول الله ﷺ وأساءوا، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد.
فلما رجعوا إلى الرسول ﷺ وأخبروه، هاله الآمر وآلمه، ولكنه كان مطمئنًا إلى نصر الله وتأييده، وما دام هؤلاء اليهود من بني قريظة قد بدءوا بالغدر والخيانة فسوف يحيق بهم مكرهم ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ ١.
وقد عظم الكرب واشتد بلاء المسلمين حينما عرفوا ذلك الموقف من هؤلاء اليهود وحينما رأوا أنهم بدءوا فعلًا يقطعون معاونتهم للمسلمين، وحينما وجدوا أن الأحزاب قد انتهزوا فرصة نقض هؤلاء اليهود لعهدهم وبدءوا يستعدون لهجوم عنيف من فوق الوادي، ومن جنبه، ومن جهة الخندق.
أجل لقد عظم الكرب واشتد البلاء بالمسلمين، ومرت بهم لحظات مريرة وأوقات عصيبة، وأخذت الوساوس والظنون تطوف بنفوسهم، وبل تملأ نفوس البعض منهم، حتى لقد خيل إليهم أن الأحزاب عمّا قليل سيدخلون المدينة
стр. 336
فيغيب عنها نور الإسلام وتعود إلى عهود الظلام.
وإلى ذلك الموقف الرهيب يشير الله بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ ١.
стр. 337
الخدعة في الحرب:
وفي وسط هذا الشر المطبق والبلاء المحدق، ينبت الله الفرج من الضيق، ويسوق الخير للمسلمين من أيسر طريق، وذلك هو ما قام به نعيم بن مسعود الأشجعي من خدعة محكمة لهؤلاء الأحزاب فرق بها جمعهم، وأفسد عليهم مكرهم.
وكان نعيم بن مسعود ﵁ من قبيلة غطفان، وكان صديقًا لقريش وصديقًا لليهود، وقد شاء الله أن يدخل هذا الرجل في الإسلام في الوقت العصيب الذي أحاط فيه الأعداء بالمسلمين، فجاء إلى الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وقومي لا يعلمون بإسلامي، فمرني بأمرك حتى أساعدك. فقال الرسول: "أنت رجل واحد، وماذا عسى أن تفعل؟ ولكن خذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة".
فخرج من عنده وتوجه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع المسلمين. فلما رأوه أكرموه لصداقته معهم. فقال: يا بني قريظة تعرفون ودي لكم وخوفي عليكم، وإني محدثكم حديثًا فاكتموه عني. قالوا: نعم، فقال: قد رأيتم ما وقع لبني قينقاع وبني النضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم، وإن قريشًا وغطفان
стр. 338
ليسوا مثلكم، فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا لبلادهم، وأما أنتم فتساكنون الرجل -يريد محمدًا، ﷺ ولا طاقة لكم بحربه وحدكم، فأرى ألا تدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم، وذلك بأن تأخذوا رهائن عندكم سبعين شريفًا منهم..
فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك.
ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال: أنتم تعرفون ودي لكم ومحبتي إياكم، وإني محدثكم حديثًا فاكتموه عني. قالوا: نفعل، فقال لهم: إن بني قريظة ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعًا من أشرافهم ونعطيهم لك، وترد جناحنا التي كسرت -يعني: ترجع يهود بني النضير إلى ديارهم- فرضي بذلك منهم، وهاهم أولاء سيرسلون إليكم فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفًا ... ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشًا، فاضطربت نفوسهم، وأخذ زعماؤهم يتشاورون مع زعماء قريش كي يلتمسوا طريقًا لحل هذه المشكلة، وأرادوا أن يتأكدوا من كلام نعيم، فأرسل أبو سفيان زعيم قريش وفدًا لبني قريظة يدعوهم للقتال غدًا -وكان ليلة سبت- فأجابوا: إننا لا يمكننا أن نقاتل في السبت، وإنه لم يصبنا ما أصابنا من البلاء إلا بالتعدي فيه، ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم، حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم!!
وحينئذٍ لم يبق لدى قريش وغطفان شك في صدق كلام نعيم بن مسعود، وتحققوا أن اليهود من بني قريظة يريدون لهم الشر والوبال، فتفرقت القلوب وخاف بعضهم بعضًا.
وهكذا نرى أن الخدعة في الحروب هي أمضى سلاح ينال به العدو من
стр. 339
عدوه، فنتعلم من ذلك كيف نسدد الرمية بهذا السلاح في وقتها المناسب، ونتعلم من ذلك كيف نتقي هذا السلاح الخطير إذا صوبه إلينا أعداؤنا، وذلك إنما يكون بشدة الحيطة والحذر، وإساءة الظن بكل ما يشيعه العدو من أقوال، والتثبت في الشيء إلى أقصى درجة قبل أن يصدر الرأي فيه.
стр. 340
الفرج بعد الشدة:
"اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم".
هذا هو دعاء الرسول، صلى الله عليه وسلم١ توجه به إلى الله حينما حاضر الأعداء، واشتد به وبالمسلمين الكرب والبلاء.
وقد تعود المسلمون أن يسمعوا مثل هذه الضراعة إلى الله من نبيهم ﷺ في ظلمات الشدة، ثم لا يلبثوا إلا قليلًا حتى يشرق عليهم فرج الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه.
وها هم أولاء يرون عناية الله بهم، إذ يسوق إليهم نعيم بن مسعود فيحبط بخديعته مؤامرة اليهود ويفسد عليهم تدبيرهم.
ثم يرون عناية الله بهم إذ يسوق إلى أعدائهم الرياح العاصفة، والأمطار الغزيرة، والبرد القارس، حتى اقتلعت تلك الرياح والأمطار خيامهم، وكفأت قدورهم، وأدخلت الرعب إلى نفوسهم، وخيل إليهم -وكان الليل حالك الظلام- أن المسلمين قد انتهزوها فرصة ليهاجموهم ويوقعوا بهم، فقاموا يتحسسون
стр. 341
الطريق إلى الفرار، وقام طليحة بن خويلد وقال: إن محمدًا قد بدأكم بالشر. فالنجاة النجاة. وقال أبو سفيان: يا معشر قريش: إنكم وما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف١، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا فيهم ما نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل. وقد بلغ من خوفهم أن أبا سفيان كان يقول لهم: ليتعرف كل منكم أخاه وليمسك بيده حذرًا من أن يدخل بينكم عدو.
وهكذا تم رحيلهم في ظلام الليل، حتى إذا تنفس الصباح نظر المسلمون فوجدوا تلك الغمة الكثيفة وقد أزاحها الله عنهم: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ ٢.
وهكذا صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
стр. 342
عاقبة الظلم ومصير بني قريظة:
وحينما أتم الله نعمته على المسلمين بهزيمة الأحزاب ورجوعهم خاسرين، كان لا بد للظالم أن يذوق وبال أمره، ويجني عاقبة ظلمه وغدره.
ومن أجل ذلك نادى رسول الله ﷺ في نفس اليوم الذي تم فيه رحيل الأحزاب فقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" ١ فساروا مسرعين، وكان عددهم ثلاثة آلاف٢.
стр. 343
وقد تحصن يهود بني قريظة بحصونهم حينما رأوا أنهم قد أحيط بهم، فحاصرهم المسلمون خمسًا وعشرين ليلة١ ... ولما اشتد الضيق بهم لم يجدوا بدًّا من التسليم والخضوع.
ثم صدر الحكم من سيد الأوس سعد بن معاذ ﵁ وكان يقضي بقتل الرجال وسبي النساء والذرية.
وقد اطمأن الرسول ﷺ لهذا الحكم، وقال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد" ٢.
وقد أمر رسول الله ﷺ فحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم جيء بهم مكتفين بالحبال فضربت أعناقهم ودفعوا في تلك الخنادق، وكان عددهم نحوًا من ستمائة رجل٣، ثم قسمت أموالهم وأبناؤهم على المسلمين.
وهذا بلا ريب عدل القضاء، وحكم السماء أراده الله لهؤلاء اليهود من بني قريظة جزاءً وفاقًا لظلمهم وبغيهم. أجل، لقد ضربوا أسوأ مثل في الخيانة، فخذلوا المسلمين في أشد أوقات الحرج والضيق، ولولا لطف الله لتمكن الأحزاب من اقتحام المدينة وإفناء المسلمين، فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله
стр. 344
وأراح المسلمين من شرهم. ولا غرو فالظلم لا يدوم ومرتع البغي وخيم.
стр. 345
من العبر في غزوة الأحزاب
ما أعظم النصر بعد الصبر، وما أجمل الفرج بعد الشدة، وما أجل العبرة التي يجدها المؤمنون حينما يرون الأحزاب وهم في مثل هذه الجموع الحاشدة والعدة الهائلة، يرجعون خاسرين أمام الفئة القليلة المؤمنة دون حرب أو قتال، لقد عرفوا الله فأمدهم بعنايته، وآمنوا به فأيدهم بقوته: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ١.
ويا لها من عبرة بالغة يجدها المؤمن حينما يرى موقف اليهود من بني النضير وبني قريظة لقد تبددت أحلامهم وآمالهم في القضاء على المسلمين، وانعكست الآية٢ فارتد يهود بني النضير خائبين مع أحزابهم، وانهار الأساس الذي أقاموه بالعرق والدموع والكفاح المرير، وبذلوا في سبيله كل نفيسٍ وغالٍ.
أما يهود بني قريظة الذين كانوا يريدون الموت والفناء للمسلمين فقد قضي عليهم بالموت والفناء، وارتدت سهامهم المسمومة إلى صدورهم، وحاق بهم سيئ مكرهم. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٣.
فيا باغي الشر أقصر، فعلى الباغي تدور الدوائر.
ويا ساعيًا إلى الظلم حسبك، فإنك تظلم نفسك قبل أن تظلم غيرك، وإن عدل القضاء يتعقبك في الدنيا والآخرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ
стр. 346
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ ١.
ويا أيها المكروب الذي أظلمت أمامه السبل وأحاطت به الحيرة:
إن الصبر والإيمان والثقة بالله، ذلكم هو المنارة الهادية التي تؤنس المستوحش، وترشد الحائر، وتهدي الضال في دياجير الحياة.
﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
стр. 347
اليهود بين التوراة والتلمود وموقف الرسول ﷺ منهم
نزلت التوراة على نبي الله موسى بن عمران ﵇ فبلغها للناس كما أنزلها الله سليمة من التحريف، نقية من الزيف والبهتان، وفيها موعظة وتفصيل لكل شيء، وبها من الآداب الاجتماعية والمثل الأخلاقية ما يطهر النفوس ويحيي القلوب، وتسعد في ظلاله الأمم والشعوب. وفي ذلك يقول الله لنبيه موسى بعد رسالته: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
وعاش قوم موسى مع نبيهم بعد ذلك يعبدون الله ويتمسكون بما جاء في التوراة من هدى ونور، وسموا حينئذٍ باليهود لأنهم هادوا -أي: رجعوا إلى الله- وفي ذلك يقول موسى ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ٢، أي: رجعنا إلى الحق وتبنا مما فرط منا من عثرات وأخطاء.
وقد ظلت اليهودية على حقيقتها النقية الصافية حينًا من الزمن، ثم دبت إليها عقارب السوء فعكرت صفاءها، ولوثت طهارتها، وهدمت كل معاني الخير والفضيلة فيها.
ومن العجيب أن يظل كتابهم يسمى بالتوراة بعدما وقع فيه من التغيير والتبديل، وما أصابه من التحريف والتزييف، وأعجب من ذلك كله أن يظل
стр. 348
كتابهم المحرف موضع فخرهم ومناط شرفهم، مع ما يتضمنه من مبادئ تبعد بهم عن كل فضيلة، وتغريهم بالدس والكذب والاختيال والفسق والفجور، والانحلال والجبن والذلة والمسكنة، والغدر والخيانة والانحرافات الدينية والخلقية والاجتماعية، والسرقة والسلب والنهب وعبادة الذهب، فهم يستبيحون ذلك كله ما داموا يحققون لذاتهم ويرضون نهمهم ومطامعهم في جمع المال من أي طريق، وبأية وسيلة١.
ولم يكتف اليهود بما ورد في تلكم التوراة التي وضعوها بأيديهم كما يشاءون. بل أخذوا يفسرونها -وهي الزائفة المحرفة- حسب أهوائهم وشهواتهم وتوسعوا في شرحها وحولوها إلى تعاليم محددة وقد أخذوا هذه التفسيرات من مصدرين أساسيين هما: تلمود أورشليم وكان موجودًا في فلسطين سنة ٢٣٠م، والثاني تلمود بابل وكان موجودًا في بابل سنة ٥٠٠م، وقد زيد عليهما بعد ذلك، وتتوالى الزيادة بتوالي الأزمنة والعصور. وهم يقدسون التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة، ويقولون فيه: إن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت وأنه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود وتمسك بالتوراة وحدها، لأن أقوال علماء التلمود -كما يزعمون- أفضل ما جاء في شريعة موسى.
стр. 349
من تعاليم التلمود
ونرى من واجبنا -الآن- أن نذكر بعض التعاليم التي تضمنها التلمود الذي كان شريعة اليهود، أو دستورهم قبل الإسلام، ولا يزال شريعتهم ودستورهم إلى هذا الوقت الذي نعيش فيه!
стр. 350
تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله كما أن الابن جزء من أبيه، وأرواح اليهود عزيزة عند الله بالنسبة لباقي الأرواح. لأن الأرواح غير اليهودية هي أرواح شيطانية تشبه أرواح الحيوانات.
النعيم مأوى أرواح اليهود ولا يدخل الجنة إلا اليهود، أما الجحيم فمأوى الكفار١ مهما اختلفت أسماء دياناتهم. الإسرائيلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة، فإذا ضرب رجل غير إسرائيلي إسرائيليًّا فكأنه ضرب العزة الإلهية ويستحق الموت.
لو لم يخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض.
الفرق بين الإنسان والحيوان كالفرق بين اليهودي وباقي الشعوب.
النطفة المخلوقة منها باقي الشعوب هي نطفة الحصان.
الأجانب كالكلاب، والأعياد المقدسة لم تخلق للأجانب ولا للكلاب بل الكلب أفضل من الأجنبي٢ لأنه مصرح لليهودي في الأعياد أن يعطم الكلب وليس له أن يطعم الأجنبي.
الأمم الخارجة عن دين اليهود أشبه بالحمير، ويعتبر اليهود بيوتهم أشبه بزرائب الحيوانات.
مسموح لليهودي أن يغش غير اليهودي وأن يأخذ منه الربا الفاحش.
قتل غير اليهودي من الأفعال التي يكافئ عليها الله، وإذا لم يتمكن
стр. 351
اليهودي من قتلهم، فواجب عليه أن يتسبب في هلاكهم في أي وقت وبأية طريقة ممكنة.
نحن١ شعب الله في الأرض، وقد فرقنا لمنفعتنا، ذلك لأن الله سخر لنا الحيوان الإنساني، وأهل كل الأمم والأجناس، سخرهم لنا لأننا نحتاج نوعين من الحيوانات: نوع أخرس كالدواب والأنعام والطيور، ونوع ناطق كالمسيحيين والبوذيين والمسلمين وغيرهم من أمم الشرق والغرب.
وهذا جزء يسير من تعاليم التلمود ومبادئه وهي -كما ترون- تعاليم فاسدة ومبادئ هدامة، تدل كل الدلالة على ما يحمله هؤلاء الناس من عداوة للأمم جميعًا، وحقد ضار على البشرية جمعاء وعلى سائر الأمم في هذا الوجود ما عدا أمة واحدة هي أمة اليهود.
وهكذا ترون تلكم الصفحة من تاريخ اليهود، وهذه النماذج من تعاليمهم ومبادئهم، وإنها لصفحة سوداء مظلمة، وتعاليم هدامة منكرة، توارثوها جيلًا بعد جيل، وقبيلًا في إثر قبيل، وحملوها معهم في تجوالهم ومسيرتهم الطويلة بين أمم العالم.
ولقد هاجر الرسول ﷺ إلى يثرب في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي حيث كان جماعات منهم يعيشون مع الأوس والخزرج في نفس المدينة، أو على مقربة منها، وهم يهود بني قينقاع، ويهود بني النضير، ويهود بني قريظة.
وكان المنطق السليم والتفكير القويم يحتمان على الرسول ﷺ أن يبسط يده إليهم بالمودة والتعاون، فتمت بينه وبينهم تلك المعاهدة التي أشرنا إليها في الفصل الخامس من هذا الكتاب، وهي معاهدة حكيمة قوامها التضامن الكامل
стр. 352
بين المسلمين واليهود، والتعاون التام بين الفريقين إذا نزلت شدة بأحدهما أو كليهما.
وكان من الطبيعي -وهذه أخلاقهم، وتلك مبادئهم- ألا يكون هناك مجال لتعاون أو تضامن أو إخلاص من جانبهم، وأن تكون عهودهم ومواثيقهم مرتبطة بمنفعتهم العاجلة كلما لاحت لهم، أو ومضت في سمائهم.
أما الخلق في ذاته والمبادئ في ذاتها فلا وزن لها عندهم، ومن أجل ذلك تراهم يظهرون المودة للرسول ﷺ في أول جوار لهم مع المسلمين. فلما بدأت المطامع تدب في نفوسهم من طرق أخرى سارعوا بالغدر والخيانة، ونقضوا العهود والمواثيق. فكان ذلك البغي من جانبهم شؤمًا عليهم وشرًّا ووبالًا حاق بهم.
فيهود بني قينقاع نكثوا أيمانهم ونقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ وبدءوا المسلمين بالعدوان.
ومن ذلك أن امرأة من نساء الأنصار قدمت إلى سوق اليهود من بني قينقاع ومعها حلية لكي تعرضها على صائغ منهم، فجلست إلى صائغ في تلك السوق، فجعل اليهود يريدونها على كشف وجهها وهي تأبى، فجاء يهودي من خلفها في غفلة منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها. فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحك اليهود، وصاحت المرأة صيحة هي مزيج من الحزن والندم والخجل والاستغاثة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، واجتمعت اليهود على المسلم فقتلوه.
وحينئذٍ دعا رسول الله ﷺ رؤساءهم وطلب إليهم أن يكفوا عن أذى المسلمين. وأن يحفظوا عهد المودة والسلام حتى لا يصيبهم ما أصاب قريشًا في
стр. 353
غزوة بدر، ولكنهم استخفوا بوعيده وأجابوه:
لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة إنا -والله- لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس١، ثم تظاهروا بالعداوة وتحصنوا في حصونهم فلم يكن هناك بد من مقابلة الشر بمثله، وإلا تعرض مركز المسلمين للتداعي والانهيار.
ويهود بني النضير -أيضًا- نقضوا العهد والميثاق مع المسلمين وبدأ الغدر والعدوان من جانبهم، فهموا بأن يلقوا على الرسول ﷺ صخرة، وهو مستند إلى جدار في محلتهم بالقرب من قباء مع نفر من أصحابه، ثم اجتمع الرسول ﷺ بالمسجد وعرض الأمر عليهم، فانتهى الرأي إلى اتخاذ الحزم والصرامة معهم، فأرسل الرسول إليهم محمد بن مسلمة وقال له: "اذهب إلى يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي، وقد أجّلتكم عشرًا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه" ٢.
ويهود بني قريظة -كذلك- نقضوا العهد مع المسلمين في غزوة الأحزاب٣، وقد كان ذلك في أحرج الظروف وأعنف الأزمات، وفي وقت
стр. 354
تآمرت عناصر الشر فيه ضد المسلمين، وتآلب الطغيان عليهم من كل مكان، وهو الوقت الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً، وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ ١.
وحسبنا في تصوير مدى حقد اليهود على الإسلام والمسلمين أنهم تناسوا ما تنطوي عليه مبادئ الديانة اليهودية في أساسها من التوحيد، وفضلوا الوثنية على دين محمد ﷺ وفي ذلك يروي المؤرخون أن قريشًا قالت لليهود: يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول، وأصحاب العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟
قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه٢.
стр. 355
وإلى ذلك يشير الله بقوله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾ ١.
وقد بلغ من إساءتهم إلى الحق في هذه الناحية أن رجلًا منهم أفزعه ذلك فأنحى عليهم باللائمة وسفه ما قالوه، وهذا الرجل يسمى: إسرائيل ولفنسون، وهو مؤلف كتاب: تاريخ اليهود في جزيرة العرب.
يقول ذلك الرجل اليهودي:
كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، لأنهم بالتجائهم إلى عبادة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوارة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام والوقوف معهم موقف الخصومة.
ويتضح لنا من ذلك مدى الكراهية الشديدة والحقد العنيف الذي تنطوي عليه نفوس اليهود نحو المسلمين، ويا له من حقد بالغ ذلك الذي يدفع أصحابه إلى مخالفة العقائد الموروثة، وتغيير الحقائق المعلومة، وتتضح لنا -كذلك- نفسية اليهود وما عرف من أخلاقهم، وهو أن الغاية عندهم تبرر الوسيلة، فأما الأخلاق والمثل والمعاني الإنسانية إلى غير ذلك، فهذه كلمات لا معنى لها في نظرهم، إن لم توصلهم إلى مآربهم وغاياتهم مهما انحدرت تلك المآرب والغايات.
وحينما اطمأن اليهود وعلى رأسهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق،