اليهودي من قتلهم، فواجب عليه أن يتسبب في هلاكهم في أي وقت وبأية طريقة ممكنة.
نحن١ شعب الله في الأرض، وقد فرقنا لمنفعتنا، ذلك لأن الله سخر لنا الحيوان الإنساني، وأهل كل الأمم والأجناس، سخرهم لنا لأننا نحتاج نوعين من الحيوانات: نوع أخرس كالدواب والأنعام والطيور، ونوع ناطق كالمسيحيين والبوذيين والمسلمين وغيرهم من أمم الشرق والغرب.
وهذا جزء يسير من تعاليم التلمود ومبادئه وهي -كما ترون- تعاليم فاسدة ومبادئ هدامة، تدل كل الدلالة على ما يحمله هؤلاء الناس من عداوة للأمم جميعًا، وحقد ضار على البشرية جمعاء وعلى سائر الأمم في هذا الوجود ما عدا أمة واحدة هي أمة اليهود.
وهكذا ترون تلكم الصفحة من تاريخ اليهود، وهذه النماذج من تعاليمهم ومبادئهم، وإنها لصفحة سوداء مظلمة، وتعاليم هدامة منكرة، توارثوها جيلًا بعد جيل، وقبيلًا في إثر قبيل، وحملوها معهم في تجوالهم ومسيرتهم الطويلة بين أمم العالم.
ولقد هاجر الرسول ﷺ إلى يثرب في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي حيث كان جماعات منهم يعيشون مع الأوس والخزرج في نفس المدينة، أو على مقربة منها، وهم يهود بني قينقاع، ويهود بني النضير، ويهود بني قريظة.
وكان المنطق السليم والتفكير القويم يحتمان على الرسول ﷺ أن يبسط يده إليهم بالمودة والتعاون، فتمت بينه وبينهم تلك المعاهدة التي أشرنا إليها في الفصل الخامس من هذا الكتاب، وهي معاهدة حكيمة قوامها التضامن الكامل
стр. 352
بين المسلمين واليهود، والتعاون التام بين الفريقين إذا نزلت شدة بأحدهما أو كليهما.
وكان من الطبيعي -وهذه أخلاقهم، وتلك مبادئهم- ألا يكون هناك مجال لتعاون أو تضامن أو إخلاص من جانبهم، وأن تكون عهودهم ومواثيقهم مرتبطة بمنفعتهم العاجلة كلما لاحت لهم، أو ومضت في سمائهم.
أما الخلق في ذاته والمبادئ في ذاتها فلا وزن لها عندهم، ومن أجل ذلك تراهم يظهرون المودة للرسول ﷺ في أول جوار لهم مع المسلمين. فلما بدأت المطامع تدب في نفوسهم من طرق أخرى سارعوا بالغدر والخيانة، ونقضوا العهود والمواثيق. فكان ذلك البغي من جانبهم شؤمًا عليهم وشرًّا ووبالًا حاق بهم.
فيهود بني قينقاع نكثوا أيمانهم ونقضوا عهدهم مع رسول الله ﷺ وبدءوا المسلمين بالعدوان.
ومن ذلك أن امرأة من نساء الأنصار قدمت إلى سوق اليهود من بني قينقاع ومعها حلية لكي تعرضها على صائغ منهم، فجلست إلى صائغ في تلك السوق، فجعل اليهود يريدونها على كشف وجهها وهي تأبى، فجاء يهودي من خلفها في غفلة منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها. فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحك اليهود، وصاحت المرأة صيحة هي مزيج من الحزن والندم والخجل والاستغاثة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، واجتمعت اليهود على المسلم فقتلوه.
وحينئذٍ دعا رسول الله ﷺ رؤساءهم وطلب إليهم أن يكفوا عن أذى المسلمين. وأن يحفظوا عهد المودة والسلام حتى لا يصيبهم ما أصاب قريشًا في
стр. 353
غزوة بدر، ولكنهم استخفوا بوعيده وأجابوه:
لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة إنا -والله- لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس١، ثم تظاهروا بالعداوة وتحصنوا في حصونهم فلم يكن هناك بد من مقابلة الشر بمثله، وإلا تعرض مركز المسلمين للتداعي والانهيار.
ويهود بني النضير -أيضًا- نقضوا العهد والميثاق مع المسلمين وبدأ الغدر والعدوان من جانبهم، فهموا بأن يلقوا على الرسول ﷺ صخرة، وهو مستند إلى جدار في محلتهم بالقرب من قباء مع نفر من أصحابه، ثم اجتمع الرسول ﷺ بالمسجد وعرض الأمر عليهم، فانتهى الرأي إلى اتخاذ الحزم والصرامة معهم، فأرسل الرسول إليهم محمد بن مسلمة وقال له: "اذهب إلى يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي، وقد أجّلتكم عشرًا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه" ٢.
ويهود بني قريظة -كذلك- نقضوا العهد مع المسلمين في غزوة الأحزاب٣، وقد كان ذلك في أحرج الظروف وأعنف الأزمات، وفي وقت
стр. 354
تآمرت عناصر الشر فيه ضد المسلمين، وتآلب الطغيان عليهم من كل مكان، وهو الوقت الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً، وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ ١.
وحسبنا في تصوير مدى حقد اليهود على الإسلام والمسلمين أنهم تناسوا ما تنطوي عليه مبادئ الديانة اليهودية في أساسها من التوحيد، وفضلوا الوثنية على دين محمد ﷺ وفي ذلك يروي المؤرخون أن قريشًا قالت لليهود: يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول، وأصحاب العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟
قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه٢.
стр. 355
وإلى ذلك يشير الله بقوله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾ ١.
وقد بلغ من إساءتهم إلى الحق في هذه الناحية أن رجلًا منهم أفزعه ذلك فأنحى عليهم باللائمة وسفه ما قالوه، وهذا الرجل يسمى: إسرائيل ولفنسون، وهو مؤلف كتاب: تاريخ اليهود في جزيرة العرب.
يقول ذلك الرجل اليهودي:
كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، لأنهم بالتجائهم إلى عبادة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوارة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام والوقوف معهم موقف الخصومة.
ويتضح لنا من ذلك مدى الكراهية الشديدة والحقد العنيف الذي تنطوي عليه نفوس اليهود نحو المسلمين، ويا له من حقد بالغ ذلك الذي يدفع أصحابه إلى مخالفة العقائد الموروثة، وتغيير الحقائق المعلومة، وتتضح لنا -كذلك- نفسية اليهود وما عرف من أخلاقهم، وهو أن الغاية عندهم تبرر الوسيلة، فأما الأخلاق والمثل والمعاني الإنسانية إلى غير ذلك، فهذه كلمات لا معنى لها في نظرهم، إن لم توصلهم إلى مآربهم وغاياتهم مهما انحدرت تلك المآرب والغايات.
وحينما اطمأن اليهود وعلى رأسهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق،
стр. 356
وعرفوا أن قريشًا ستؤازرهم من أجل القضاء على محمد ﷺ واستئصال دعوته وأخذوا منهم موعدًا قريبًا لتنفيذ ذلك، مضوا في طريق الكيد والخصومة إلى نهايته، وأحكموا أطراف المؤامرة، فخرجوا إلى القبائل العربية التي لا تزال تحقد على محمد ﷺ وأصحابه تتربص بهم الدوائر، ومنهم قبيلة غطفان، وقد حرض اليهود رجالها وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، ومنهم بنو مرة وبنو أشجع، وبنو سليم وبنو أسد. وقد حرض اليهود رجالهم -كذلك- على حرب محمد ﷺ والمسلمين، ووجدوا منهم قبولًا وارتياحًا، واستعدادًا للانضواء تحت لواء قريش في سبيل ذلك الهدف الذي عقدوا عليه الآمال، وظنوه يسيرًا قريب المنال.
وقد لقي اليهود جزاء غدرهم، وحل بهم سوء صنيعهم، وجنوا عاقبة خيانتهم خسرانًا ونكالًا أصابهم في أموالهم وأنفسهم، وهم أحرص الناس على المال والحياة.
فأما بنو قينقاع فقد حاصرهم المسلمون في دورهم خمسة عشر يومًا متتابعة لا يخرج منها أحد، ولا يدخل عليهم بطعام أحد، حتى لم يبق لهم إلا النزول على حكم محمد ﷺ فانتهى الأمر بإخراجهم من المدينة ولهم النساء والذرية، وللمسلمين الأموال، فذهبوا إلى أذرعات بالشام١.
وأما بنو النضير فقد طردوا -كذلك- من ديارهم، على أن يكون لكل ثلاثة بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال، أو طعام أو شراب، وأفاء الله ما بقي من أموالهم على المسلمين، وقد ذهب بعضهم إلى خيبر، وسار الآخرون إلى أذرعات بالشام.
стр. 357
وكان جزاء بني قريظة -وهم الذين خذلوا المسلمين في وقت الشدة بانضمامهم إلى المشركين في غزوة الأحزاب -ولولا لطف الله لهلك المسلمون عن آخرهم- كان جزاؤهم أن يقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم.
وقد أسلم أربعة من بني قريظة فنجوا من القتل، وضربت أعناق الباقين١.
وما ظلمهم الله ولكن كانوا لأنفسهم من الظالمين٢.
стр. 358
بين يهود الأمس ويهود اليوم:
وها هي ذي إسرائيل اليوم تمثل دور اليهود القديم مع المسلمين -دور الخديعة والمكر، والخيانة والغدر، والجبن والخور- فهي تعمل في العلن وفي الخفاء كما كانوا يعملون، وتستعين ببعض الدول الكبرى على العرب والمسلمين، كما استعان بنو النضير بقريش على المسلمين، وتؤلب على العروبة والإسلام الأحزاب، كما فعل اليهود مع المسلمين في غزوة الأحزاب، ومن عجب أن تجد إسرائيل أعوانًا من بعض العرب والمسلمين، وهم أولئك الذين نرى مخازيهم وفضائحهم والذين يحاربون الفدائيين من العرب والمسلمين وجهًا لوجه وهم أهلهم وعشيرتهم، والذين سفكوا الدماء العربية المسلمة -وهم عرب ومسلمون- فكانوا أشد ضررًا وأعظم خطرًا من الإسرائيليين والمستعمرين..
أقول: من عجب أن تجد إسرائيل أعوانًا من العرب والمسلمين، كما وجد اليهود على عهد الرسول ﷺ أعوانًا من المنافقين وهم أولئك الذين تحدث الله
стр. 359
عنهم بقوله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ١.
ألا إن التاريخ ليعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة، إن اليهود ليسيرون الآن في ضلالهم القديم، وإن الهوان الذي أصابهم على عهد الرسول ﷺ لينتظرهم.
وإنه لحق على المسلمين أن يستضيئوا في هذه المحنة بمبادئ الإسلام، وأن ينفذوا تعاليم الدين القويمة وآدابه الحكيمة فيما بينهم، كما نفذها الرسول ﷺ وأصحابه، حتى تتحقق للمسلمين الأخوة الكاملة، والإخلاص الشامل. وحينئذٍ يأتي اليوم الموعود، والنصر المبين، ويخرب اليهود بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.
ولا غرو، فإن الظلم لا يدوم، ومرتع البغي وخيم.
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ ٢.
стр. 360
غزوة بني المصطلق ١
كانت هذه الغزوة من النتائج المباشرة لغزوة الأحزاب، لأن رجوع الأحزاب خاسرين هو الذي شجع المسلمين على أن يتجهوا لتأديب هؤلاء الأعداء، ويتوغلوا إلى هذه الأعماق البعيدة في الطريق إلى مكة، حتى يصلوا إلى بني المصطلق٢ على مقربة من قريش.
стр. 361
وإذا كان جمهور المؤرخين يقللون من الأهمية الحربية لهذه الغزوة١ حيث لم تسفر إلا عند عدد قليل من القتلى، وحيث لم يقع فيها صدام عنيف بين المسلمين وأعدائهم، فإننا -لدى التحقيق والتأمل- نراها من أعظم الغزوات في تاريخ الرسول ﷺ وذلك لما تضمنته من عبر وعظات.
وقد كان من خبرها أن رسول الله ﷺ بلغه: أن الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق يجمع الجموع لحربة، فخرج له ﵇ في جيش كبير بلغ عدده ألف مقاتل بين راكب وراجل، وقد أراد الرسول ﷺ أن يهاجمهم قبل أن يهاجموه حتى يلقي الرعب في قلوبهم، وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر، ولواء الأنصار لسعد بن عبادة.
ولما وصل المسلمون إلى بني المصطلق وأصبحوا أمامهم وجهًا لوجه، عرض الرسول ﷺ الإسلام، فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد٢، فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالًا للهرب، بل قتلوا منهم عشرة وأسروا باقيهم مع النساء والذرية واستاقوا الإبل والشياه، وكانت
стр. 362
الإبل وألفي بعير، والشياه خمسة آلاف.
وكان من الأسرى بريرة بنت الحارث سيد بني المصطلق، وكان معها من نساء بني المصطلق مائتا أسيرة وزعت على المسلمين.
وقد تزوج الرسول ﷺ من بريرة وسماها جويرية، فلما علم المسلمون بزواج الرسول ﷺ من بني المصطلق أرادوا أن يكرموا جميع نساء القبيلة من أجل هذه المصاهرة الكريمة فقالوا: هؤلاء أصهار رسول الله ﷺ ولا ينبغي أسرهم في أيدينا، ومنوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها، كما قالت السيدة عائشة ﵂.
وترتب على هذا التكريم العظيم وهذه المعاملة الحسنة، أن أسلم بنو المصطلق عن آخرهم وأصبحوا قوة تنشر الإسلام وتدافع عنه وتحميه، بعد أن كانوا قوة تناوئ الإسلام وتحاربه وتعاديه.
стр. 363
آفة النفاق:
وكان يمكن أن تنتهي هذه الغزوة بهذه النتيجة الطيبة المباركة، إلا أن حادثين خطيرين عكرا هذا الصفاء، وأشعلا فتنة عمياء كادت تعصف بالمسلمين وتهددهم بالدمار والانهيار، لولا لطف الله وحكمة رسول الله ﷺ .
فأما أولهما فهو ما وقع من عبد الله بن أُبيّ زعيم المنافقين، وكان مع المسلمين يتظاهر بالإخلاص والإيمان هو ومن على شاكلته من المنافقين، ويحلفون أغلظ الأيمان يتخذون منها ستارًا يخفون وراءه حقيقتهم، فإذا عصفت الأخطار انكشف هذا الستار وظهر مكرهم وغدرهم.
وقد حدث أن أجيرًا لعمر بن الخطاب اختصم مع رجل من حلفاء الخزرج
стр. 364
فضربه حتى سال دمه، فاستصرخ الخزرجي بقومه، واستصرخ الأجير بالمهاجرين. يقول الخزرجي: يا معشر الأنصار. ويقول أجير عمر: يا معشر المهاجرين١. فأقبل الذعر بين الفريقين وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " ثم قال: "دعوها فإنها منتنة". ثم أنهى هذا الخصام بحكمته، فرجع المتخاصمان أخوين متحابين.
فلما وصل نبأ هذا الخصام إلى عبد الله بن أبي غضب، وكان عنده رهط من الخزرج فقال: ما رأيت كاليوم مذلة، أو قد فعلوها؟ نافرونا في ديارنا، والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأول: سمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل٢.
ثم التفت إلى من معه وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضًا للمنايا دون محمد، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عنده.
وقد سمع بعض المسلمين المخلصين٣ هذا الكلام فأسرع إلى الرسول ﷺ وأخبره.
وحينما تأكد الرسول ﷺ من صدق كلامه غضب وظهر الغضب في وجهه، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي يا رسول الله في قتله، أو مر أحدًا غيري بقلته.
стр. 365
فنهاه الرسول ﷺ عن ذلك، وقال: "كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
وأراد الرسول ﷺ أن يصرف أصحابه عن التفكير في هذا الأمر الخطير والانسياق إلى الخلاف والشقاق، فأذن في الناس بالرحيل.
ولم يكن الوقت مناسبًا، إذ كان الحر شديدًا ويصعب الرحيل فيه، وقد جاء أُسيد بن حضير وسأل رسول الله ﷺ عن سبب الارتحال في هذا الوقت؟ فقال: "أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل". قال: أنت -والله يا رسول الله- تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز.
ووصلت هذه الأنباء إلى ابن أُبيّ، فأسرع إلى الرسول ﷺ ينفي ما نسب عنه ويحلف بالله ما قاله ولا تكلم به.
ولكن رسول الله ﷺ أمضى قراره بالرحيل، وسار في طريق عودته ومعه المسلمون حتى أجهدهم المسير، وأنساهم التعب حديث ابن أُبي، وعادوا بعد ذلك إلى المدينة ومعهم ما حملوا من غنائم بني المصطلق وأسراهم وسبيهم، ومعهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد القوم وزعيمهم.
وفي هذه الأثناء نزلت سورة المنافقون تفضح أكاذيب ابن أُبي ومن على شاكلته وتظهر نواياهم الخبيثة للرسول ﷺ وأنهم يتظاهرون بالإسلام، وهم في واقع الأمر أبعد الناس عنه، وهم يحلفون الأيمان الكاذبة يتخذونها ستارًا لكذبهم، فيقول سبحانه:
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ
стр. 366
جُنَّةً ١ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ ٢.
ثم يتحدث الله عن مظهرهم الخادع الذي يختلف مع مخبرهم الخبيث ويحذر رسوله ﷺ منهم، ويبين أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى الحق واطلبوا المغفرة من الله أبوا وأعرضوا واستكبروا، وقد كتب عليهم أن يظلوا يتخبطون في هذا الشقاء والضلال فيقول:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
стр. 367
مثل رائع من الإيمان:
وكان للناس عجبًا أن يتفجر الهدى والإيمان من صخرة النفاق والطغيان، وأن يخرج من صلب عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ولد يسموا بإيمانه إلى مستوى الأبرار والصديقين.
ومن آيات هذا الإيمان الكامل موقفه حينما علم أن هناك تفكيرًا في قتل أبيه بما ظهر من نفاقه وسوء أخلاقه ... فلقد ذهب -وكان اسمه عبد الله بن عبد الله بن أُبي- إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل عبد الله ابن أُبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله
стр. 368
لقد علمت الخزرج ما كان بها من أحد أبر بوالده مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر فأدخل النار١.
ويا له من موقف رائع تتمثل في قوة العقيدة وسمو التفكير، وكيف يتغلبان على العاطفة والوجدان، ويا لها من محنة عصيبة وامتحان رهيب قدرهما الله على هذا الابن البار، فاجتاز المحنة ونجح في الاختبار.
وكانت إجابة الرسول ﷺ بعد ذلك هي المثل الأعلى في العفو والصفح الجميل، وهي النبراس الذي يضيء طرق الخير ويهدي إلى سواء السبيل، وهي خير مكافأة لكل مؤمن يرتفع بإخلاصه إلى هذا المستوى الكريم، ذلك بأنه قال له: " إنا لا نقتله، بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".
وهكذا أحسن الرسول ﷺ إلى من أساء إليه، وترفق بهذا الذي ألب أهل المدينة عليه وعلى أصحابه وعفا عنه، فكان رفقه وعفوه أبعد أثرٍ من عقوبته لو أنه أنزلها به، فقد كان عبد الله بن أُبي بعد ذلك يدين بالجميل لرسول الله ﷺ وكان إذا جد الجد لا يستطيع أن يرفع رأسه آمرًا أو ناهيًا متحكمًا في أحد من المسلمين، لأنهم جميعًا كانوا يشعرون بأن حياته هبة من محمد ﷺ وكان قومه كثيرًا ما يشعرونه بهذه المكرمة التي تفضل بها محمد ﷺ عليه.
وقد تحدث الرسول ﷺ مع عمر بن الخطاب في شأن عبد الله بن أُبي فقال له: "كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر: لقد -والله- علمت لأمر رسول الله ﷺ
стр. 369
أعظم بركة من أمري ١.
وأما الحادث الثاني -الذي عكر الصفاء في هذه الغزوة- فهو ما وقع من حديث الإفك عن السيدة عائشة زوج الرسول ﷺ .
стр. 370
حديث الإفك:
وهو حديث الزور والبهتان في كل زمان ومكان، وقصة السيدة عائشة فيه هي قصة كل مظلوم يُرمى بالشر وهو بريء، وتنطلق حوله شائعات السوء وهو غير مسيء، حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه لجأ إلى ربه بالدعاء، فصعدت دعوته إلى الله لا يصدها حجاب، ولا تغلق دونها أبواب، وجعل الله له من الضيق فرجًا ومخرجًا.
ولا نجد في هذا المجال تعبيرًا أصدق، ولا تصويرًا أبلغ من تعبير السيدة عائشة نفسها وتصويرها لهذا الحادث الرهيب، وهذه المأساة العنيفة، وإليكم ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه عن ذلك١..
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين
стр. 371
أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله معه". قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها١ فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب٢ فكنت أُحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته تلك وقفل٣ ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش٤، فلما قضيت شأني٥ أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار٦ قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه٧، وأقبل الرهط، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذا ذاك خفافًا لم يغشهن اللحم فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل٨ فيممت منزلي٩ الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينما أنا جالسة في منزلي١٠ غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش١١، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب،
стр. 372
فاستيقظت باسترجاعه١ حين عرفني فخمرت بجلبابي. ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة٢ وهم نزول، قالت: فهلك من هلك٣، وكان الذي تولى كبره في الإفك عبد الله بن أُبي بن سلول.
ثم تقول عائشة: فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " ٤ ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت٥، فخرجت مع أم مسطح٦ فأخبرتني بقول أهل الإفك٧ فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: "كيف تيكم؟ " فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي.
قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما.
قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ .
فقلت: لأمي: يا أماه، ماذا يتحدث الناس؟
стр. 373
قالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة١عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها٢ ...
قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت أبكي.
قالت: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي٣، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه. فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا.
وأما علي فقال: يار رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. وقالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: "أي بريرة، وهل رأيت من شيء يريبك؟ " قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه -أي أعيبه- قالت: فقام رسول الله من يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبي وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا٤ ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي".
ثم تقول السيدة عائشة: فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها. فجعلت تبكي معي، فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا فسلم. ثم جلس، ولم يكن يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء.
стр. 374
قالت: "فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه. فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه ... " قالت عائشة: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي١، حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ؟ فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال. قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت: والله إني لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ٢.
ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم إني -حينئذٍ- بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن -والله- ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى، وإنما كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام٣ رسول الله ﷺ مجلسًا وخرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء٤ حتى إنه لينحدر منه العرق مثل الجمان٥ وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه ...
قالت: فسري٦ عن رسول الله وهو يضحك، فكانت أول كلمة أن قال: "يا عائشة: أما والله فقد برأك الله"..
فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله .
стр. 375
قالت: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
وهكذا تقص علينا السيدة عائشة ﵂ حديث الإفك، وتصور إحساسها ومشاعرها خلال الأيام العصيبة التي مرت بها منذ سمعت بما يتقوله الأفاكون عليها، إلى أن نزلت الآيات الكريمة ببراءتها، فكانت وسام الشرف الذي وضعته العناية الإلهية في تاريخها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 376
عمرة الحديبية وعمرة القضاء
كانت عمرة الحديبية مقدمة لعمرة القضاء، كما كانت عمرة القضاء، مكملة لعمرة الحديبية، فهما في واقع الأمر عمرة واحدة بدأت في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، فلما وقفت الحوائل في طريقها آثر الرسول ﷺ والمسلمون الرجوع دون أن يتموا عمرتهم، واكتفوا بصلح مع قريش يتيح لهم فرصة القضاء، وهذا هو الذي سوغ لنا أن نجعلهما في فصل واحد على ما بينهما من فترة زمنية امتدت إلى عام وقعت في خلاله أحداث لها أهميتها البالغة، في تاريخ الإسلام والمسلمين.
стр. 377
الحنين إلى مكة:
وكان المسلمون منذ هجرتهم من مكة إلى يثرب يحنون لرؤية وطنهم الذي أخرجوا منه ظلمًا وبغير حق، ويتشوقون لزيارة المسجد الحرام الذي تمتلئ نفوسهم بتقديسه وتعظيمه، وكان بلال بن رباح يتغنى بآثار مكة كلما لج به الشوق إليها فيقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفج١ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة؟ ... وهل يبدون لي شامة وطفيل٢
стр. 378
فلما سمع الرسول ﷺ منه هذا الكلام ورأى أثر الحنين إلى مكة في نفوس المسلمين قال: "اللهم حبب إلينا المدينة كمحبة مكة أو أشد" ١.
وعلى الرغم من الانتصارات التي تمت للمسلمين في كثير من الغزوات والمعارك التي خاضوها ضد قريش وغيرها من القبائل، والتي أشعرت المسلمين بعزتهم وكرامتهم، وألقت الرعب في قلوب أعدائهم، إلا أن قريشًا كانت تحول بين المسلمين وبين دخول مكة لزيارة المسجد الحرام، لأنها لا تراهم يستحقون هذا الشرف ما داموا يجعلون الآلهة إلهًا واحدًا، وما داموا لا يؤمنون بهبل، واللات والعزى، ومناة، ولأنها تخشى أن يدخل المسلمون مكة فيطيب لهم المقام بها، ويصعب إخراجهم منها.
وبينما كان المسلمون مجتمعين في المسجد النبوي ذات صباح إذ طلع عليهم النبي ﷺ وأنبأهم بما رآه في نومه من أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين، وأخبرهم أنه يريد أداء العمرة معهم، ففرحوا واستبشروا واستعدوا للخروج منتظرين ما يأمرهم به نبيهم الكريم٢.
стр. 379
خروج الرسول ﷺ والمسلمين للعمرة وموقف قريش: ١
وخرج الرسول وفي صحبته المهاجرون والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وكانت عدتهم ألفًا وأربعمائة٢،وقد ساقوا الهدي أمامهم ولم يحملوا السلاح إلا السيوف في أغمادها، وذلك لأنهم لا يريدون حربًا أو قتالًا، وإنما يريدون زيارة المسجد الحرام وأداء نسك العمرة، وكان ذلك في أول ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة٣.
وحينما علمت قريش بخروج الرسول ﷺ والمسلمين للعمرة، امتلأت نفوسهم بالغيظ والحقد على محمد ﷺ وداخلهم همّ عظيم وخوف شديد، لأنهم ظنوا أنها خدعة دبرها محمد ﷺ ليتمكن من دخول مكة بعد أن صدهم عن دخول المدينة وصمموا على منعهم والوقوف في سبيلهم، وجهزوا لذلك جيشًا قويًّا على رأسه خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل.
وقد علم الرسول ﷺ بذلك، فأراد أن يتجنب الشر والخطر، وأن يبعد
стр. 380
بالمسلمين عن القتال ما داموا لم يتهيئوا له، ولم يخرجوا من أجله، فقال لأصحابه: "هل من رجل أخذ بنا على غير طريقهم؟ " فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله. فسار بهم في طريق وعرة، ثم خرج بهم إلى سهل مستوٍ يحاذي مكة من أسلفها.. فلما رأى خالد ما فعل المسلمون رجع إلى قريش وأخبرهم الخبر، وبين لهم أن محمدًا لا ينوي شرًّا، وأن سلوكه هو ومن معه من أصحابه يدل على حبهم للسلام، ورغبتهم في تحقيق الغاية التي خرجوا من أجلها، وهي زيارة المسجد الحرام.
стр. 381
حابس الفيل:
وحينما وصل الرسول ﷺ إلى ثنية المرار١ بركت القصواء -وهي ناقة الرسول ﷺ فزجروها فلم تقم، فقالوا: خلأت القصواء٢، فقال ﷺ : "ما خلأت وما ذلك لها بخلق٣، ولكن حبسها حابس الفيل٤. والذي نفس محمد بيده: لا تدعوني قريش لخصلة٥ فيها تعظيم لحرمات الله إلا أجبتهم إليها".
ولا شك أن هذه الكلمة من الرسول ﷺ تشير إلى معنى كريم فطن إليه المسلمون واطمأنت إليه نفوس الكثير منهم، وهو أن الله لا يريد للمسلمين أن يؤدوا نسك العمرة في هذه المرة، ومن أجل ذلك حبس الناقة عن المضي إلى الكعبة، وبذلك كف أيدي قريش عن المسلمين، كيلا تنتهك حرمات البيت الذي
стр. 382
أراد الله أن يكون بعد عامين حرمًا آمنا، وأن يكون مثابة للمسلمين من كل فج يوطدون دعائم أُخوّتهم في ظلاله الوارفة.
стр. 383
تبادل الرسل بين قريش ومحمداً ﷺ
...
تبادل الرسل بين قريش ومحمدٍ ﷺ :
وقد بعثت قريش رسلها إلى محمد ﷺ واحدًا بعد الآخر تستطلع أخباره، وترى عن كثب حقيقة الهدف الذي يقصده، وكان أولهم بديل بن ورقاء الخزاعي. وقد أخبره الرسول ﷺ بأنه لا يريد بقريش شرًّا، وإنما جاء مع أصحابه لأداء العمرة. فلما رجع بديل إلى قريش وأخبرهم بذلك لم يثقوا به. ومن ناحية أخرى لم يوافقوا على تلبية طلب محمد ﷺ وقالوا: أيريد أن يدخل علينا في جنوده معتمرًا وتسمع العرب بأنه قد دخل علينا عنوة، وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا، والله لا يكون هذا أبدًا وفينا عين تطرف.
ثم أرسلوا بعد ذلك حليس بن علقمة، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا من قوم يعظمون الهدي، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه"، ففعلوا ذلك واستقبله الناس يلبون.
فلما رأى حليس ذلك رجع وقال: سبحان الله. ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا، أتحج لخم وجذام وحمير ويُمنع عن البيت ابن عبد المطلب؟ هلكت قريش ورب البيت إن القوم أتوا معتمرين ...
فلما سمعت قريش منه ذلك قالوا له:
اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك بالمكايد ... ثم أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف فتوجه إلى رسول الله وقال: يا محمد، قد جمعت أوباش الناس ثم جئت إلى أهلك وعشيرتك لتقضها بهم، إنها قريش قد خرجت
стр. 384
تعاهد الله ألا تدخلوا عليهم عنوة أبدًا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك أي تخلوا عن نصرتك.
فنال منه أبو بكر وقال: ويحك!! أنحن ننكشف عنه؟
وكان عروة يتكلم وهو يلمس لحية رسول الله ﷺ فكان المغيرة بن شعبة يقرع يده إذا أراد ذلك ...
ثم رجع عروة وقد رأى موقف أصحاب الرسول من نبيهم ﷺ وكيف كانوا يتنافسون على وضوئه يمسحون به أجسامهم، وإذا تكلموا أمامه لا يرفعون أصواتهم، ولا يحدون النظر إليه، فقال لقومه: والله لقد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في عظمته فما رأيت ملكًا في قومه مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، فانظرًا رأيكم واقبلوا ما عرض عليكم، وإني لكم ناصح، وأخشى إن قاتلتموه ألا تنصروا عليه. فقالت قريش: لا تتكلم بهذا ولكننا نرده في هذا العام ويرجع في العام الذي يليه.
وقد استشار الرسول ﷺ أصحابه، وانتهى الرأي إلى اختيار عثمان بن عفان رسولًا إلى قريش ومعه عشرة من المسلمين استأذنوا رسول الله ﷺ في زيارة أقاربهم، وحمل عثمان رسالة النبي ﷺ إلى قريش تفصح عن مقصده والغرض الذي خرج من أجله، ورسالة أخرى إلى المستضعفين من المسلمين يبلغهم فيها أن الحق آتٍ لا ريب فيه وأن نصر الله قريب ...
وحينما التقى عثمان بقريش، وبلّغهم الرسالة التي حملها إليهم، رفضوا السماح للرسول ﷺ بدخول مكة، وسمحوا لعثمان أن يطوف بالبيت، فرفض في حزم وإباء وقال: لا أطوف ورسول الله ﷺ ممنوع..
ثم إنهم حبسوه، فشاع عند المسلمين: أن عثمان قد قتل. فقال ﵇-
стр. 385
حينما سمع ذلك: "لا نبرح حتى نناجزهم الحرب ... ".
стр. 386
بيعة الرضوان:
ثم كانت بيعة الرضوان وهي البيعة الخالدة في تاريخ الإسلام، وقد ﵂ ورضي عن المسلمين بها، وأنزل ذلك في كتابه الكريم حيث قال:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ١.
وقد كشفت هذه البيعة المباركة عن مدى تضامن المسلمين وإخلاصهم وحبهم لنبيهم ﷺ وتضحيتهم في سبيل العزة الإسلامية وإعلاء كلمة الحق والدين، ويكفي أن نعلم أن المسلمين كانوا يتسابقون إلى هذه البيعة، ويعاهدون الله وهم يضعون أيديهم في يد الرسول ﷺ أن يستقبلوا الموت وهم راضون، حتى يأخذوا بثأر عثمان ويرغموا قريشًا على الخضوع لهم والاستجابة لما يريدون..
وحسبنا -كذلك- أن نعلم أن هذه الروح القوية المؤمنة قد أفزعت قريشًا، وألقت الرعب في قلوبهم في الوقت الذي لم يكن المسلمون فيه قد حملوا معهم عدة الحرب والقتال التي تكفي لمواجهة قريش، وكان من أثر ذلك أن بدأ القرشيون يفكرون من جديد في طريقة يتخلصون بها من هذه المشكلة التي تورطوا فيها بسفههم وعنادهم، فماذا عسى أن يكون؟
стр. 387
صلح الحديبية:
وقد بدأت قريش من جانبها تفتح طريقًا جديدًا يقرب المسافة بين الطرفين، وكان الرسول ﷺ على استعداد للتفاهم مع قريش على أساس عادل سليم، لأنه يؤمن بأن السلم في هذا الجو أنفع بكثير من حرب لم تكتمل لها العدة اللازمة، والظروف الملائمة، ومن أجل ذلك فرح واستبشر حينما أرسلت قريش رسولها الأخير، سهيل بن عمرو، وتيمن باسمه وقال لأصحابه: "قد سهل الله لكم من أمركم".
وقد بدأ سهيل كلامه فقال: يا محمد إن الذي حصل ليس من رأي عقلائنا، بل شيء قام به السفهاء منا..
ثم عرض سهيل الشروط التي ترضى عنها قريش وهي:
١- أن توقف الحرب بين المسلمين وبين قريش عشرة أعوام.
٢- أن من جاء إلى المسلمين من قريش يردونه، ومن جاء قريش من المسلمين لا تلزم قريش برده.
٣- أن يرجع النبي ﷺ والمسملون من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه، بعد أن تخرج منها قريش فيقيمون بها ثلاثة أيام، ليس معهم إلا القوس والسيف في القراب١.
٤- من أراد أن يدخل في عهد محمد دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.
стр. 388
وهذه الشروط التي تبدو في ظاهرها مجحفة بالمسلمين كانت موضع الرضا والقبول من رسول الله ﷺ ومن بعض أصحابه، وقد رأى رسول الله ﷺ أساسًا متينًا يمكن أن يُبنى عليه المستقبل العظيم الذي يرجوه للإسلام عمّا قليل من الزمان.
وأما الغالبية العظمى من المسلمين فقد داخلهم منها همٌّ عظيم وقالوا سبحان الله! كيف نرد إليهم من جاءنا مسلمًا، ولا يردون إلينا من جاءهم مرتدًا؟
وقد أجاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله١ ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا".
وأما الشرط الذي يمنع المسلمين من العمرة هذا العام ويؤجلها إلى العام الذي يليه، فقد ظن البعض من المسلمين أنه يخالف الرؤيا التي رآها الرسول ﷺ ووعد أصحابه تحقيقها، وهي أنهم سوف يدخلون المسجد الحرام -إن شاء الله- آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين، وغفل هؤلاء عن أمر مهم وهو أن رسول الله ﷺ لم يحدد زمنًا خاصًّا لدخول المسلمين إلى المسجد الحرام..
ومهما يكن من شيء فقد كتبت شروط الصلح بين الطرفين، وكان الكاتب علي بن أبي طالب، فأملاه ﵇: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: اكتب باسمك اللهم. فأمره الرسول ﷺ بذلك، ثم قال: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك اكتب، محمد بن عبد الله. فأمر ﵇ عليًّا بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد الله. فامتنع فمحاها النبي ﷺ بيده، وكتبت نسختان: نسخة لقريش ونسخة للمسلمين.
стр. 389
وقد شاء الله أن يبدأ التطبيق العملي لشروط هذا الصلح من جانب المسلمين منذ اللحظات الأولى لإتمامه وذلك أن أبا جندل بن سهيل جاء إلى المسلمين وهو يتعثر في قيوده، وكان من المسلمين الممنوعين من الهجرة، فانتهز فرصة وجود المسلمين عند الحديبية وهرب إليهم ليحموه.
فقال له الرسول ﷺ : "اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. إنا قد عقدنا العزم بين القوم صلحًا، وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا فلا نغدر بهم ... ".
وطبق الطرفان شرطًا آخر من شروط هذا الصلح منذ اللحظات الأولى كذلك حيث دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ودخلت قبيلة بكر في عهد قريش.
ولما انتهى الأمر، أمر ﵇ أصحابه أن يحلقوا رءوسهم وينحروا الهدي ليتحللوا من عمرتهم، فكان ذلك صدمة عنيفة للمسلمين في جملتهم، إذ كانوا مدفوعين بحماس بالغ ضد قريش. وكانوا يرون أن شروط الصلح لا تحقق العدل والإنصاف لرسول الله والمسلمين، ولذلك لم يبادروا بالامتثال لأمر الرسول ﷺ فدخل ﵇ على أم سلمة ﵂ وقال لها: "هلك المسلمون، أمرتهم فلم يمتثلوا"، فقالت: يا رسول الله: اعذرهم، فقد حملت نفسك أمرًا عظيمًا في الصلح. ورجع المسلمون من غير فتح، فهم لذلك مكروبون. ولكن اخرج يا رسول الله وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك فعلت تبعوك. فتقدم ﵇ إلى هديه فنحره، ودعا بالحلاق فحلق رأسه، فلما رآه المسلمون توثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا، ثم رجع المسلمون إلى المدينة وهم مؤمنون بأن الله قد أراد الخير بهم، حيث لم يتعرضوا للحرب والقتال في مثل هذه الظروف القاسية.
стр. 390
استثناء النساء من شروط الصلح:
وقد أراد الله أن تُستثنى النساء من بعض هذه الشروط خوفًا عليهم من الفتنة، لأن المرأة يسهل التأثير عليها وتغيير رأيها إذا تعرضت لعوامل الرغبة أو الرهبة، وكان من ذلك: أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان لأمه، جاءت إلى المسلمين عقيب صلح الحديبية فارة من المشركين. فطلبها المشركون تنفيذًا للعقد المبرم بينهم وبين الرسول ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة وإن رجعت إليهم فتنوني في ديني. فلم يشأ الرسول ﷺ أن يخالف العهد الذي التزمه، ولكن الله وجه الرسول ﷺ في هذه المسألة للطريق الذي يسير عليه، فأنزل هذه الآيات الكريمة:
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وتنفيذًا لهذا الأمر الإلهي كانت المرأة المهاجرة تستخلف: أنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، ولا بغضًا في زوج، ولا لالتماس دنيًا، وأنها ما خرجت إلا حبًّا في الله ورسوله، ومتى حلفت لا ترد، بل يعطي لزوجها المشرك ما أنفقه عليها، ويجوز للمسلم أن يتزوجها.