← Сира

Сира · id 8530

القول المبين في سيرة سيد المرسلين

محمد الطيب النجار

Полный текст (529 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بيعة الرضوان: ثم كانت بيعة الرضوان وهي البيعة الخالدة في تاريخ الإسلام، وقد ﵂ ورضي عن المسلمين بها، وأنزل ذلك في كتابه الكريم حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ١. وقد كشفت هذه البيعة المباركة عن مدى تضامن المسلمين وإخلاصهم وحبهم لنبيهم ﷺ وتضحيتهم في سبيل العزة الإسلامية وإعلاء كلمة الحق والدين، ويكفي أن نعلم أن المسلمين كانوا يتسابقون إلى هذه البيعة، ويعاهدون الله وهم يضعون أيديهم في يد الرسول ﷺ أن يستقبلوا الموت وهم راضون، حتى يأخذوا بثأر عثمان ويرغموا قريشًا على الخضوع لهم والاستجابة لما يريدون.. وحسبنا -كذلك- أن نعلم أن هذه الروح القوية المؤمنة قد أفزعت قريشًا، وألقت الرعب في قلوبهم في الوقت الذي لم يكن المسلمون فيه قد حملوا معهم عدة الحرب والقتال التي تكفي لمواجهة قريش، وكان من أثر ذلك أن بدأ القرشيون يفكرون من جديد في طريقة يتخلصون بها من هذه المشكلة التي تورطوا فيها بسفههم وعنادهم، فماذا عسى أن يكون؟

стр. 387

صلح الحديبية: وقد بدأت قريش من جانبها تفتح طريقًا جديدًا يقرب المسافة بين الطرفين، وكان الرسول ﷺ على استعداد للتفاهم مع قريش على أساس عادل سليم، لأنه يؤمن بأن السلم في هذا الجو أنفع بكثير من حرب لم تكتمل لها العدة اللازمة، والظروف الملائمة، ومن أجل ذلك فرح واستبشر حينما أرسلت قريش رسولها الأخير، سهيل بن عمرو، وتيمن باسمه وقال لأصحابه: "قد سهل الله لكم من أمركم". وقد بدأ سهيل كلامه فقال: يا محمد إن الذي حصل ليس من رأي عقلائنا، بل شيء قام به السفهاء منا.. ثم عرض سهيل الشروط التي ترضى عنها قريش وهي: ١- أن توقف الحرب بين المسلمين وبين قريش عشرة أعوام. ٢- أن من جاء إلى المسلمين من قريش يردونه، ومن جاء قريش من المسلمين لا تلزم قريش برده. ٣- أن يرجع النبي ﷺ والمسملون من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه، بعد أن تخرج منها قريش فيقيمون بها ثلاثة أيام، ليس معهم إلا القوس والسيف في القراب١. ٤- من أراد أن يدخل في عهد محمد دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.

стр. 388

وهذه الشروط التي تبدو في ظاهرها مجحفة بالمسلمين كانت موضع الرضا والقبول من رسول الله ﷺ ومن بعض أصحابه، وقد رأى رسول الله ﷺ أساسًا متينًا يمكن أن يُبنى عليه المستقبل العظيم الذي يرجوه للإسلام عمّا قليل من الزمان. وأما الغالبية العظمى من المسلمين فقد داخلهم منها همٌّ عظيم وقالوا سبحان الله! كيف نرد إليهم من جاءنا مسلمًا، ولا يردون إلينا من جاءهم مرتدًا؟ وقد أجاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله١ ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا". وأما الشرط الذي يمنع المسلمين من العمرة هذا العام ويؤجلها إلى العام الذي يليه، فقد ظن البعض من المسلمين أنه يخالف الرؤيا التي رآها الرسول ﷺ ووعد أصحابه تحقيقها، وهي أنهم سوف يدخلون المسجد الحرام -إن شاء الله- آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين، وغفل هؤلاء عن أمر مهم وهو أن رسول الله ﷺ لم يحدد زمنًا خاصًّا لدخول المسلمين إلى المسجد الحرام.. ومهما يكن من شيء فقد كتبت شروط الصلح بين الطرفين، وكان الكاتب علي بن أبي طالب، فأملاه ﵇: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: اكتب باسمك اللهم. فأمره الرسول ﷺ بذلك، ثم قال: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك اكتب، محمد بن عبد الله. فأمر ﵇ عليًّا بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد الله. فامتنع فمحاها النبي ﷺ بيده، وكتبت نسختان: نسخة لقريش ونسخة للمسلمين.

стр. 389

وقد شاء الله أن يبدأ التطبيق العملي لشروط هذا الصلح من جانب المسلمين منذ اللحظات الأولى لإتمامه وذلك أن أبا جندل بن سهيل جاء إلى المسلمين وهو يتعثر في قيوده، وكان من المسلمين الممنوعين من الهجرة، فانتهز فرصة وجود المسلمين عند الحديبية وهرب إليهم ليحموه. فقال له الرسول ﷺ : "اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. إنا قد عقدنا العزم بين القوم صلحًا، وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا فلا نغدر بهم ... ". وطبق الطرفان شرطًا آخر من شروط هذا الصلح منذ اللحظات الأولى كذلك حيث دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ودخلت قبيلة بكر في عهد قريش. ولما انتهى الأمر، أمر ﵇ أصحابه أن يحلقوا رءوسهم وينحروا الهدي ليتحللوا من عمرتهم، فكان ذلك صدمة عنيفة للمسلمين في جملتهم، إذ كانوا مدفوعين بحماس بالغ ضد قريش. وكانوا يرون أن شروط الصلح لا تحقق العدل والإنصاف لرسول الله والمسلمين، ولذلك لم يبادروا بالامتثال لأمر الرسول ﷺ فدخل ﵇ على أم سلمة ﵂ وقال لها: "هلك المسلمون، أمرتهم فلم يمتثلوا"، فقالت: يا رسول الله: اعذرهم، فقد حملت نفسك أمرًا عظيمًا في الصلح. ورجع المسلمون من غير فتح، فهم لذلك مكروبون. ولكن اخرج يا رسول الله وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك فعلت تبعوك. فتقدم ﵇ إلى هديه فنحره، ودعا بالحلاق فحلق رأسه، فلما رآه المسلمون توثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا، ثم رجع المسلمون إلى المدينة وهم مؤمنون بأن الله قد أراد الخير بهم، حيث لم يتعرضوا للحرب والقتال في مثل هذه الظروف القاسية.

стр. 390

استثناء النساء من شروط الصلح: وقد أراد الله أن تُستثنى النساء من بعض هذه الشروط خوفًا عليهم من الفتنة، لأن المرأة يسهل التأثير عليها وتغيير رأيها إذا تعرضت لعوامل الرغبة أو الرهبة، وكان من ذلك: أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان لأمه، جاءت إلى المسلمين عقيب صلح الحديبية فارة من المشركين. فطلبها المشركون تنفيذًا للعقد المبرم بينهم وبين الرسول ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة وإن رجعت إليهم فتنوني في ديني. فلم يشأ الرسول ﷺ أن يخالف العهد الذي التزمه، ولكن الله وجه الرسول ﷺ في هذه المسألة للطريق الذي يسير عليه، فأنزل هذه الآيات الكريمة: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١. وتنفيذًا لهذا الأمر الإلهي كانت المرأة المهاجرة تستخلف: أنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، ولا بغضًا في زوج، ولا لالتماس دنيًا، وأنها ما خرجت إلا حبًّا في الله ورسوله، ومتى حلفت لا ترد، بل يعطي لزوجها المشرك ما أنفقه عليها، ويجوز للمسلم أن يتزوجها.

стр. 391

مناقشة شروط الصلح: تبدو هذه الشروط أول الرأي وكأنها مجحفة بحقوق المسلمين، وهذا هو الذي دفع عمر بن الخطاب ﵁ إلى أن يستفسر من الرسول ﷺ بطريقة تتجافى عن الأسلوب الرقيق الذي تعوده الرسول ﷺ من أصحابه المخلصين، فلقد ذكر الرواة١: أن عمر بن الخطاب حينما تم الصلح بين الرسول ﷺ وقريش يوم الحديبية، تألم لقبول الرسول ﷺ هذه الشروط ودارت بينه وبين الرسول ﷺ مناقشة يرويها عمر فيقول: "أتيت نبي الله ﷺ فقلت: يا نبي الله، ألست بنبي الله حقًّا؟ قال: " بلى". قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: " بلى"، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: "إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري"، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: " بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه هذا العام؟ " قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به ... " والحق أن هذه الشروط تعتبر مغنمًا للمسلمين، ونقطة تحول في حياتهم، ومبدأ عهد جديد وضحت فيه قوتهم، إذ أصبحوا يقفون من قريش موقف الند للند، واعترفت لهم قريش بذلك ... وأصبحت القبائل في سائر الجزيرة العربية لا تتهيب الانضمام إلى المسلمين ما دامت قريش قد التزمت بتأمين من يدخلون في حماية الرسول ﷺ وحلفه.

стр. 392

وأما رجوع المسلمين دون أن يؤدوا نسك العمرة في هذا العام، وتأخيرهم إلى العام الذي يليه، فهو حل متوسط ليس فيه ميل إلى أحد الجانبين. وأما الشروط التي يلزم المسلمين برد من ذهب إليهم مسلمًا من قريش، ولا يلزم قريشًا برد من ارتد عن الإسلام إلى المدينة، فهو شرط في مصلحة المسلمين، لأن من يرتد عن الإسلام يصبح وجوده في صفوف المسلمين كالمرض في الجسم السليم، فالشر في وجوده لا ريب فيه، والتخلص منه خير من بقائه.. وأما من يسلم من قريش فإن رجوعه إليهم بعد إسلامه خير للمسلمين وضرر على القرشيين، ولا غرو، فقد يهدي الله به قومًا آخرين إلى الحق، على أنه مهما طال الزمن، فإن الله سوف يجعل له مخرجًا من دار الكفر إلى دار الإسلام. وقد كشف المستقبل القريب بعد ذلك على أن هذا الشرط الذي فرحت به قريش قد سبب لها كثيرًا من المتاعب، حتى أرسلت إلى محمد ﷺ طالبة إليه أن يبطله، وألا يرد إليهم من جاءه مسلمًا. وذلك أن أبا بصير بن أسيد الثقفي ﵁ تمكن من الفرار من قريش بعد إسلامه، فلما وصل إلى الرسول ﷺ بالمدينة أرسلت قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه، فأمره ﵇ بالرجوع معهما، فقال: يا رسول الله أتردني إلى الكفار يفتنوني في ديني بعد أن خلصني الله منهم؟ فقال: "إن الله جاعل لك ولإخوانك فرجًا". فلم يجد بدًّا من اتباعه. فرجع مع الرجلين، فلما قارب ذا الحليفة عدا على أحدهما فقتله، وهرب الآخر منه ١. وحينئذٍ رجع أبو بصير إلى المدينة وقال: يا رسول الله وفت ذمتك، أما أنا

стр. 393

فنجوت، فقال له: اذهب حيث شئت ولا تُقم بالمدينة. فذهب إلى محل بطريق الشام تمر به تجارة قريش فأقام به واجتمع معه عدد من المسلمين الذين فروا -كذلك- من قريش، واجتمع إليهم عدد من الأعراب وقطعوا طريق التجارة على قريش وأثاروا الرعب بينهم. فأرسلت قريش تستغيث بمحمد ﷺ وتطلب منه إبطال هذا الشرط، وتعطيه الحق في إمساك من جاءه مسلمًا، فقبل الرسول ﷺ منهم، وأراح الله المسلمين من هذا الشرط الذي كانوا متألمين منه.. وعلموا أن رأي الرسول ﷺ أعظم وأفضل من رأيهم. وبذلك يتبين لنا أن شروط الصلح في حقيقتها نصر للمسلمين وفتح مبين، حتى قال أبو بكر الصديق ﵁: ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية. ولكن الناس قصر رأيهم عمّا كان بين محمد ﷺ وربه، والعباد يعجلون، والله لا يعجل لعجلة العباد، حتى تبلغ الأمور ما أراد ... وصدق الله العظيم، فلقد سمي صلح الحديبية: فتحًا مبينًا وأنزل في شأنه سورة الفتح، وقال في أولها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ .

стр. 394

عمرة القضاء ١: ولما استدار العام بعد الحديبية، وأهل شهر ذي القعدة، نادى الرسول ﷺ في

стр. 395

المسلمين: أن استعدوا لعمرة القضاء. فلبى المسلمون النداء وساروا إلى مكة وفق صلح الحديبية، والسيوف في قربها، وساقوا الهدي أمامهم وتقدمهم محمد ﷺ راكبًا ناقته القصواء، وقلوبهم تكاد تطير من الفرح والسرور، ولا غرو فهم سيدخلون أم القرى، ويطوفون بالبيت العتيق، ويتنسمون عرف هذا الوطن المقدس الأثير لديهم، والعزيز عليهم. ولما سمع أهل مكة بمقدم الرسول وأصحابه، ورأوا أنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من مكة، ترك الكثير منازلهم إلى التلال والجبال المشرفة عليها، وأخذوا ينظرون إلى الرسول وأصحابه، وهم يحيطون به إجلالًا وإكبارًا.. وحينما ظهر للمسلمين البيت الحرام انطلقت ألسنتهم بالدعاء: لبيك اللهم لبيك، حتى إذا بلغوا المسجد الحرام اضطبع١ الرسول ﷺ بردائه وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: "اللهم ارحم امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة" ٢. ثم طاف بالبيت سبعًا، والصحابة يطوفون معه، ثم انتقل إلى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعة، ثم نحر الهدي عند المروة وحلق رأسه. وبذلك أتم فرائض العمرة -كل هذا وعيون قريش تنظر إليهم من فوق أبي قبيس في حسرة بالغة وألم عميق، وأخذ المسلمون يجوسون خلال مكة، والمهاجرون يزورون دورهم ويصحبهم أصحابهم من الأنصار وهم جميعًا فرحون مستبشرون، واثقون من نصر الله الذي وعد به المؤمنين من عباده. وانقضت الأيام الثلاثة التي سمح للمسلمين بأن يقيموها في مكة عملًا باتفاق

стр. 396

الحديبية.. وفي ظهر اليوم الرابع جاء سهيل بن عمرو بطل معاهدة الحديبية من قبل قريش يقول للرسول ﷺ : ننشدك العهد بأن تخرج من أرضنا عملًا بالاتفاق! فلم يتردد ﷺ في تنفيذ عهده مع قريش، وأذن في المسلمين بالرحيل، فعادوا إلى المدينة سالمين مغتبطين. ولا شك أن دخول المسلمين مكة، وظهورهم بهذا المظهر الرائع أثر في نفوس الكثير من أبنائها، ولا أدل على ذلك من موقف خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وحارس الكعبة عثمان بن طلحة، فقد أسلموا وأسلم معهم الكثير، وعلت كلمة المسلمين في الحجاز، وكتب الله للمسلمين عزة ونصرًا، وللإسلام خلودًا وانتشارًا.

стр. 397

من صلح الحديبية إلى فتح مكة مدخل ... من صلح الحديبية إلى فتح مكة هذه الفترة من الزمان التي تشمل على اثنين وعشرين شهرًا من حياة الرسول ﷺ حيث تبدأ في شهر ذي القعدة من العام السادس، وتنتهي في شهر رمضان من العام الثامن الهجري، تعتبر من أهم الفترات وأخطرها في تاريخ الإسلام والمسلمين، وذلك لما تضمنته من الأحداث الكبرى التي تغيرت بها موازين القوى في الجزيرة العربية، وما يحيط بها من الدول الكبرى التي كانت تملك زمام النفوذ والسلطان في العالم. وتبدأ هذه الأحداث بغزوة خيبر، حيث تم القضاء فيها على آخر معقل مهم لليهود في الجزيرة العربية، ثم نرى بعد ذلك موقف الرسول ﷺ من العالم الخارجي وكيف تطلع إلى تحقيق الهدف الأسمى للرسالة، وهو الهدف الذي تميزت به عن سائر الرسالات السابقة، وأعني به تبليغ الدعوة إلى الناس كافة، فعمد إلى إرسال الكتب للملوك والأمراء خارج الجزيرة يدعوهم إلى الإسلام، ويأمرهم بنبذ ما عداه من سائر الأديان.. والتفسير الطبيعي لهذا العمل هو أن الرسول ﷺ بعد أن أمن جانب قريش بصلح الحديبية شعر بالقوة التي تمكنه من أن يرفع صوته حتى يجتاز آفاق الجزيرة إلى الدول الكبرى المجاورة، ثم كانت سرية مؤتة وفيها اصطدم المسلمون بالروم لأول مرة، ومهما كانت نتيجة تلك السرية فإنها تدل على أن وضع المسلمين قد تغير في هذه الفترة عمّا كان عليه من قبل، وأنه قد انتقل من الخوف والضعف إلى الأمن والقوة، وسوف نتحدث الآن عن هذه الأحداث المهمة بشيء من التفصيل.

стр. 398

غزوة خيبر ١ أقام الرسول ﷺ شهرًا واحدًا بالمدينة بعد عودته من الحديبية٢ ثم تحرك بأصحابه الذين بلغ عددهم ألفًا وأربعمائة٣، وهم الذين حضروا صلح الحديبية، ليحول بين قبائل غطفان وبين ما صمموا عليه من الانضمام إلى يهود خيبر ... وقد استطاع الرسول ﷺ أن يلقي الرعب في قلوب غطفان حيث أوهمهم أن القتال موجه ضدهم، فلما تفرقوا عن يهود خيبر ورجعوا إلى ديارهم انتهز الرسول ﷺ الفرصة واتجه إلى اليهود في آخر معقل من معاقلهم ليتخلص من خطرهم الذي يلاحقه بين الحين والحين. وحينما وصل جيش المسلمين إلى خيبر رفعوا أصواتهم بالتكبير والدعاء، فقال ﵇: "أرفقوا بأنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمًّا ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". وقد وصلوها ليلًا وبيتوا أمام حصونها. فلما

стр. 399

أصبح الصباح وغدا عمال خيبر خارجين إلى مزارعهم ورأوا جيش المسلمين صاحوا يقولون: محمد والجيش معه، وولوا الأدبار، فقال رسول الله ﷺ : "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين" ثم انتظم جيش المسلمين، ووقف أمام الحصون بكامل معداته ينتظر أمر قائده. أما اليهود فقد أشار عليهم سلام بن مشكم بجمع أموالهم وعيالهم في حصن الكتيبة وحشد المقاتلة في حصن نطاة الحصين، ودخل عليهم يحثهم ويحرضهم على القتال والصبر. وقد أمر النبي ﷺ بقطع النخيل المحيط بحصن النطاة، لأن كثرته تحول دون تحركات القوات العسكرية، فخرج اليهود للقائهم واستماتوا في الدفاع عن حصونهم، لأن في هزيمتهم القضاء الأخير على بني إسرائيل في بلاد العرب، وانتهى اليوم الأول ولم ينل أحد من الطرفين نصرًا نهائيًّا، واستؤنف القتال في الغداة واستمر ثلاثة أيام واليهود يحاربون أمام حصونهم، فزعين من الحرب في الميدان، فإذا انهزموا عادوا إليها وأغلقوها دونهم، وفي اليوم السادس، قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية غدًا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" وأخذ كل من الصحابة يتمنى أن تكون الراية من نصيبه، وفي الغد بعث إلى علي بن أبي طالب وسلمه الراية. وتقدم علي ﵁ فلما قرب من حصن الناعم خرج إليه أهله، ودارت رحى معركة هائلة قتل فيها قائد الحصن الحارث بن أبي زينب فتولى بعده أخوه مرحب وهو من أبطال اليهود، وخرج يرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطلٌ مجرب

стр. 400

أطعين حينًا وحينًا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرب١ إن حماي للحمى لا يقرب ... يحجم عن صولتي المجرب٢ وقد تقدم له علي بن أبي طالب يريد مبارزته ٣، وكاد مرحب أن يقتله ولكن عليًّا في النهاية سدد إليه ضربة فلقت هامته فوقع قتيلًا، ثم هجم المسلمون على الحصن وفتحوه، ثم سقطت حصونهم الواحد بعد الآخر وطلبوا الصلح، واتفقوا أخيرًا على أن يحقن المسلمون دماء المقاتلين من اليهود ويتركوا الذرية وأن تجلوا اليهود من خيبر وأراضيها بذراريهم ولا يأخذ أحدهم أكثر من ثوب واحد. وهكذا تم الصلح واستولى المسلمون على خيبر ٤، وجلا عنها اليهود إلى بلاد الشام.

стр. 401

النتيجة في غزوة خيبر: ظهر نصر الله وتأييده للمسلمين ووضحت شجاعتهم وإيمانهم، فلم يزد قتلاهم عن العشرين، بينما كان القتلى من اليهود يزيدون عن التسعين١.

стр. 402

وقد غنم المسلمون في هذه الغزوة ألف رمح وأربعمائة سيف ومائة درع وخمسمائة فرس، وكميات كبيرة من الحاصلات الزراعية والمتاع والماشية. وكان مما غنمه المسلمون صحفًا من التوراة. وقد سلمها الرسول ﷺ إليهم حينما طلبوها منه فضرب بذلك أعظم الأمثال في الصفح والتسامح. ومن النتائج المباشرة لهذه الغزوة أن أهل فدك ١ وقع الرعب في قلوبهم فبعثوا إلى النبي ﷺ وفدًا يعرض عليه طاعتهم، وأن يدفعوا له نصف حاصلاتهم من غير قتال، فوافق الرسول ﷺ على ما عرضوه. وما وقع بعد ذلك في حصار وادي القرى ٢، وقد أُجبروا على التسليم والولاء. وهكذا ساد سلطان النبي ﷺ على جميع اليهود، وانتهى كل ما كان لهم من نفوذ في شبه الجزيرة.

стр. 403

كتب الرسول إلى الملوك والرؤساء مدخل ... كتب الرسول إلى الملوك والرؤساء تمتاز دعوة محمد ﷺ عن غيرها من دعوات الرسل السابقين، بأنها دعوة عالمية لا تقتصر على أناس بعينهم، ولا على زمن بعينه ولكنها تشمل الناس جميعًا، وتعم الأزمنة والعصور منذ أعلن الرسول ﷺ دعوته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولقد كان صلح الحديبية فاتحة عهد جديد، شعر فيه الرسول ﷺ والمسلمون بمزيد من الطمأنينة على مستقبل الدعوة الإسلامية، وأخذ الرسول ﷺ يتطلع إلى آفاق جديدة يعلن فيها دعوته تحقيقًا لعالمية هذه الدعوة كما أمره فأرسل الكتب إلى الملوك والأمراء خارج الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده. ولقد كانت الكتب التي أرسلها محمد ﷺ إلى الملوك والرؤساء متحدة في جوهرها، وإن اختلفت بعض الاختلاف في أسلوبها وذلك لأن الفكرة التي تهدف لها هذه الكتب، واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، ولأن شخص الداعي واحد، وهو محمد ﷺ . وقد كان الرسول ﷺ ينفذ أمر الله حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ١. فالأمر بالتبليغ في هذه الآية مطلق، لا تحده حدود، ولا تحبسه قيود، وإنما يمتد عرضًا إلى جميع الناس ويمتد طولًا إلى جميع الأزمنة، وتأكيدًا فهذا المعنى يقول الرسول ﷺ : "كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة" ٢.

стр. 404

كتاب الرسول ﷺ إلى قيصر الروم: وجه الرسول ﷺ دحية الكلبي بكتاب إلى قيصر الروم، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليوصله إليه، وقد جاء في هذا الكتاب١: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" ٢. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٣.

стр. 405

موقف هرقل من كتاب الرسول: ولما وصل هذا الكتاب إلى هرقل قال١: انظروا لنا من قومه أحدًا نسأله عنه وكان أبو سفيان بن حرب بالشام مع رجال من قريش في تجارة -فجاءت رسل قيصر لأبي سفيان ودعوه لمقابلة الملك، فأجاب، ولما قدموا عليه في القدس قال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبًا بهذا لرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا: لأنه لم يكن في الركب من بني عبد مناف غيره: فقال الملك له:

стр. 406

ادن مني. ثم أمر بأصحابه فجعلوا خلفه. ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه: إنما قدمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، وقد جعلتكم من خلفه كيلا تخجلوا من رد كذبه إذا كذب، ثم سأله: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟.. قال: هو فينا ذو نسب. قال: هل تكلم بهذا القول أحد منكم قبله؟ قال: لا. فقال الملك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قال: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فأجاب أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال الملك: فهل يزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم سخطة١ لدينه؟ قال: لا. قال: هل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، ونحن الآن منه في ذمة٢ لا ندري ما هو فاعل فيها. قال الملك لأبي سفيان: فهل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال، مرة لنا ومرة علينا. قال: فبِمَ يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهى عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمر الصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة ... وبعد أن انتهى الملك من أسئلته لأبي سفيان وجه إليه الكلام قائلًا إني سألتك عن نسبه، فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها ... وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فزعمت: أن لا، فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتم بقولٍ قيل قبله. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت: أن لا، فقلت: ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فقلت: لا. فلو

стр. 407

كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: ضعفاؤهم. وهؤلاء هم أتباع الرسل. وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلت: بل يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ فقلت: لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل قاتلتموه؟ فقلت: نعم، وإن الحرب بينكم وبينه سجال. وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة. وسألتك: بماذا يأمر؟ فزعمت: أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت: أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. فعلمت أنه نبي. وقد علمت أنه مبعوث، ولم أظن أنه فيكم، وإن كان ما كلمتني به حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، ولو أعلم أني أخلص إليه لتكلفت ذلك. قال أبو سفيان: فعلت أصوات الذين عنده وكثر لغطهم، فلا أدري ما قالوا وأُمر بنا فأخرجنا ... فلما خرج أبو سفيان مع أصحابه قال: لقد بلغ أمر ابن أبي كبشة١ أن يخافه ملك بني الأصفر. ولما سار هرقل إلى حمص أذن لعظماء الروم أن يلتقوا به، ثم أمر بالأبواب، فأغلقت، ثم قال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها مغلقة. فلما رأى الملك نفرتهم قال: ردوهم علي، فقال لهم: إني قلت مقالتي كي أختبر بها شدتكم على دينكم.

стр. 408

فسكتوا له ورضوا عنه.. وهذا غلبة حب مُلكه على الإسلام، فذهب بإثمه وإثم رعيته. وأما الرسول الذي كان يحمل رسالة النبي ﷺ وهو دحية الكلبي، فقد رده هرقل ردًّا جميلًا. وقد أرسل الرسول ﷺ كتبًا أخرى إلى أمير بصرى، وإلى أمير دمشق، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى أمير مصر، وإلى ملك الحبشة، ولكننا اكتفينا بذكر كتابه إلى هرقل رعاية للمقام١.

стр. 409

سرية مؤتة ١: كانت هذه السرية في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، وكان أعظم ما يلفت النظر فيها أنها موجهة إلى أمير بصرى، وهي إمارة كانت تابعة لدولة الروم، ومعنى ذلك أن المسلمين سوف يلتقون وجهًا لوجه بهذه الدولة الكبرى، التي كانت -حينئذٍ- إحدى دولتين تملكان زمام العالم وتسيطران على أممه وشعوبه، وكان الغرض منها الانتقام للحارث بن عمير الأزدي، وهو الرسول الذي كان يحمل كتاب النبي ﷺ إلى هذا الأمير فأساء أنصاره إليه وقتلوه ظلمًا وبغير حق، وخالفوا بذلك أبسط القواعد المعروفة لدى جميع الأمم، وهي

стр. 410

أن الرسل لا تقتل، لأن في قتلهم إهانة وقتلًا لمن أرسلهم. ومن هنا يتضح لنا أن هذه السرية من وجهة النظر السياسية ليست سرية انتحارية، وليست تهورًا، ولا إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وإنما هي سرية خرجت للتضحية والجهاد، ولتدفع ضريبة الشرف والعزة والكرامة، ولترفع صوت الإسلام، أمام هؤلاء الذين تمادوا في غيهم وضلالهم مهما بذلت من ثمن وتحملت من أعباء. وكانت هذه الحملة مكونة من ثلاثة آلاف مقاتل، وقد أمر الرسول ﷺ عليها زيد بن حارثة، وقال لهم: "إن أصيب فالأمير: جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة".

стр. 411

خروج الجيش: خرج الجيش ومعه خالد بن الوليد، وودعه الناس، وسار النبي ﷺ معهم إلى خارج المدينة١ يدعو لهم بالنصر ويوصيهم ألا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا المكفوفين، وألا يهدموا المنازل، وألا يقطعوا الأشجار. لكن العدو قد علم بمسير الجيش، فقام شرحبيل الغساني واستنجد بمن حوله من قبائل العرب المسيحيين- كما أمده هرقل بجيش كبير حتى بلغ عددهم حوالي مائة ألف أو أكثر. وتقدمت الجيوش الإسلامية حتى إذا وصلوا إلى أرض الشام٢، علموا أخبار

стр. 412

تجمعات الأعداء ومدى استعدادهم، فعقد زيد مجلسًا حربيًا للنظر والتشاور، فقال قائل منهم: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بكثرة الأعداء، فإما أن يرسل إلينا مددًا. وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، فوقف عبد الله بن رواحة وأخذ يشجع الناس على المضي والتقدم قائلًا: انطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما نصر وإما شهادة. فأثرت كلماته في نفوسهم ودفعتهم إلى التقدم حتى وصلوا مؤتة. والتقت قوة المسلمين القليلة بعددها، القوية بإيمانها، بقوة الأعداء، واندفع زيد بن حارثة في صدر العدو يصد الهجمات تارة، ويتقدم تارة أخرى، حتى مزقته رماح العدو، فوقع قتيلًا في ميدان الاستشهاد. ثم انتقلت رياسة الجيش لجعفر بن أبي طالب، كما أوصى النبي ﷺ فقاتل حتى أحاط العدو بفرسه فنزل عنها وتقدم راجلًا القوم يحصد الرءوس ويضرب الرقاب، وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لاقيتها ضرابها وظل هكذا حتى قُطعت يده، فاحتضن الراية بعضديه حتى قتل بعد أن أصيب بأكثر من سبعين جُرحًا، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح. وعند ذلك انتقلت القيادة لعبد الله بن رواحة فنزل الميدان وهو يقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه ... ما لي أراك تكرهين الجنة

стр. 413

وسرعان ما سقط شهيدًا في سبيل الله وهو فرح مستبشر غير مدبر. وهكذا استشهد هؤلاء الثلاثة في سبيل إعلاء كلمة الحق والدين، فكانوا مثلًا خالدًا من أمثلة البطولة والتضحية والإيمان، وأصبحوا قدوة كريمة على مدى الزمان لكل مؤمن يريد أن يكتب لأمته تاريخًا، ولوطنه خلودًا١. وبعد استشهاد الأبطال الثلاثة اتفق الناس على تولية خالد بن الوليد، فاستطاع أن يوحد الصفوف ويجمع الشمل، وصار يناوش العدو حتى أقبل الليل فأخذ في تدبير الخطة وتنظيم الجيش من جديد، فجعل الساقة مقدمة والمقدم ساقة، والميمنة ميسرة والميسرة ميمنة. فلما أصبح الصباح ظن العدو أن مددًا لحق بالمسلمين فلم يهاجموهم، وفرحوا حين سكت المسلمون عن قتالهم وتمنوا أن يعودوا دون اشتباك. أما خالد فقد آثر المحافظة على المسلمين بالانسحاب، وكانت مهارة بارعة حيث استطاع أن ينقذ الجيش الإسلامي من خطر محقق وعاد إلى المدينة. وقد بلغ الأسى من نفس رسول الله مقتل القواد الثلاثة مبلغًا كبيرًا. فعن أسماء بنت عميس ﵂ زوج جعفر بن أبي طالب ﵁ قالت: "دخل رسول الله ﷺ يوم أصيب جعفر وأصحابه فقال: "ائتني ببني جعفر"، فأتيته بهم، فضمهم وذرفت عيناه بالدمع. قالت أسماء في لهفة وقد أدركت ما أصابه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: " نعم، أصيبوا هذا اليوم"، وفاضت عيناه بالدمع. قالت: فقمت أصيح. واجتمع علي النساء، وجعل رسول الله ﷺ يقول لي: "يا أسماء لا تقولي هجرًا ولا تضربي خدًّا".

стр. 414

ثم خرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: "لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم " ١. وهكذا.. وبمثل هذا البر والوفاء كانت مواساته لأبناء الشهداء.

стр. 415

العبرة من غزوة مؤتة: ١- أتيح لنا في هذه الغزوة أن نلمس عن كثب سماحة الإسلام وسمو مبادئه وحرصه على صيانة المجتمع الإنساني من الذلة والهوان، ولا غرو، فهذه الوصية التي وجهها النبي ﷺ للجيش وهو ذاهب إلى مؤتة بعدم التعرض للعجزة والمرضى والمنازل والمزارع، وتلك التعاليم التي تميزت بها حروب المسلمين في القرن الأول الهجري -السابع الميلادي- هذه الوصية وتلك التعاليم يتيحان لنا فرصة المقارنة بين هذه الحالة، وبين ما نراه في هذه الأيام التي نعيشها، وما يقع بين سمعنا وبصرنا من غارات وحشية على السُّكان الآمنين في فيتنام، وفي الشرق الأوسط١، وكيف تزهق الأرواح البريئة، وتدمر المساجد، والكنائس، والمصانع والمساكن، فتهدم في لحظات، ما بنته المدينة والحضارة في سنوات. ٢- هذا الإيمان العميق الذي جعل المسلمين يتقدمون لملاقاة جيش يفوق جيشهم، في غير تردد أو خوف من الموت في سبيل الله يحفزنا إلى الجهاد والكفاح وبذل الأرواح فداء للدين والوطن٢، واقتداء بأسلافنا الأماجد الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، وألقوا بها في وجه كل من يقف في سبيل الدعوة

стр. 416

﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ٣- موقف الرسول ﷺ من أسر الشهداء، فيه توجيه للمسلمين إلى ما يجب عليهم نحو المحزونين من مواساة لهم وإعداد طعام يبعثون به إليهم، لأنهم قد شغلوا بأنفسهم. أما ما عليه المسلمون الآن من إقامة حفلات أحيطت بإسراف ممقوت، فهذا ليس من السُّنة النبوية في شيء٢. ٤- موقف خالد بن الوليد ومهارته الحربية غيرت الوضع في هذه المعركة، من خوف إلى أمن، ومن هزيمة إلى نصر، لأن إنقاذ الجيش من فناء محقق والنجاة في مثل هذا الظرف العصيب يوم مقامه النصر وزيادة٣. وحسبنا دليلًا على ذلك ما فعله الرسول ﷺ مع الجند المسلمين لدى عودتهم من مؤتة، فلقد قابلهم المسلمون في المدينة يسخرون منهم ويحثون التراب في وجوههم، ويقولون لهم: يا فرار، فررتم من الجهاد في سبيل الله، فأنكر

стр. 417

الرسول ﷺ عليهم هذه السخرية والاستهزاء، وحياهم تحية طيبة، وقال: بل هم الكرار، وأثنى على خالد في مهارته وحسن حيلته، في إنقاذ الجيش من الهلاك١.

стр. 418

الفصل السادس: غزوات الرسول يوم الفتح مدخل ... الفصل السادس: يوم الفتح ويوم حنين يومان خالدان في حياة الرسول ﷺ وفي تاريخ المسلمين، وهما: فتح مكة، وغزوة حنين.. ولقد وقعت هاتان الغزوتان في شهرين متتابعين من العام الثامن الهجري، لم تزد المسافة بينهما عن خمسة عشر يومًا، إذ كان فتح مكة في اليوم العشرين من رمضان، وكانت غزوة حنين في اليوم الخامس من شوال. ولا شك أن غزوة حنين هي الصدى الطبيعي والامتداد الحتمي الذي كانت تفرضه الظروف على المسلمين بعد فتح مكة، وذلك بأن مكة بعد هذا الفتح الأعظم كانت مكشوفة الظهر لأولئك الأعراب الذين يطلون عليها من القبائل المجاورة، فهي -حينئذٍ- وادٍ لم تطهر مسالكه وشعابه، وبيت لا تؤمن نوافذه وأبوابه، هذا فضلا عن أن القبائل المجاورة لقريش قد أزعجها أن ينتصر محمد ﷺ وتدين له مكة بالولاء والطاعة، ورأوا في ذلك خطرًا يهددهم فتجمعوا للزحف على المسلمين في مكة وعقدوا العزم على ذلك، فكان من مظاهر العزة الإسلامية أن يخرج المسلمون إليهم ويفاجئوهم قبل أن تكتمل قوتهم ويعظم خطرهم. وهذا يفسر لنا سر إسراع الرسول ﷺ بالخروج إلى حنين، قبل أن يقضي المسلمون في مكة الفترة الطبيعية اللازمة لراحتهم واستجمامهم، وتدعيم

стр. 419

استقرارهم في مكة المكرمة بعد أن تم لهم هذا الفتح العظيم ... وسوف نتحدث الآن عن هاتين الغزوتين واحدة بعد الأخرى.

стр. 420

غزوة الفتح ١: وحينما أراد الله أن يتم نوره٢ ويعلي كلمته جاء نصر الله والفتح، وأقبل الحق يسعى إلى البلد الأمين، كما يقبل الصيب٣ الهتون، فاهتزت له بطحاء مكة وربت، واخضر به الوادي الجديب٤، وتفتحت لاستقباله القلوب، وبدأت مكة عهدًا جديدًا توارى فيه شبح الوثنية البغيض إلى غير مآب٥، ودخل الناس في دين الله أفواجًا ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ ٦.

стр. 421

سبب الغزوة: وكانت الظروف التي أحاطت بقريش، وروح الشر التي بدأت منهم، هي السبب المباشر الذي يحتم على الرسول ﷺ غزوهم حتى لا يستفحل الشر ويتفاقم الخطر، وذلك أن قريشًا نقضت ما تعهدت به في صلح الحديبية مع رسول الله ﷺ فنصرت قبيلة بكر الموالية لها على قبيلة خزاعة الموالية للرسول ﷺ وكان العهد القائم بين الرسول ﷺ وقريش أنه من أحب أن يدخل في حلف محمد فهو آمن. فدخلت بكر في حلف قريش، ودخلت خزاعة في حلف الرسول ﷺ . ولو أن قريشًا احترمت عهودها مع رسول الله ﷺ لما فكر الرسول ﷺ في فتح مكة، ولقدر لهذا البلد الأمين أن يقضي فترة أخرى في ظلمات الشرك والوثنية. ولكن الله أبى أن يتم نوره، فأبت قريش إلا أن تغدر وتظلم وتنتهك حقوق الضعفاء، وأبى رسول الله ﷺ إلا أن يقاوم الظلم والغدر ويكون رمزًا للإنصاف والوفاء. وكانت خزاعة قد تعرضت لعدوان قبيلة بكر، بتأييد ومعونة من قريش فقتل منهم عدد كبير، عند ماء لهم يقال له الوتير١ دون ذنب إلا أنهم مسلمون، وداخلون في حلف مع الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وحينئذ خرج زعيمهم عمرو بن سالم الخزاعي٢ حتى وصل إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، فقال مستجيرًا بالرسول ﷺ :

стр. 422

يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدًا وكنا والدا ... ثم أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرًا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا إلى أن قال: إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعًا وسجدا فأجابه الرسول ﷺ قائلًا: "نصرت يا عمرو بن سالم".... ١. ثم قام من فوره ليعد للأمر عدته، وليقوم بواجب الوفاء نحو خزاعة -وبين هذا الوفاء من جانب الرسول ﷺ والغدر من جانب بكر وقريش ستكون الحكمة البالغة والآية الكبرى، حيث يريد الله أن ينتصر الحق ويؤتي ثماره الطيبة، ويتداعى الباطل وتزلزل بنيانه، وإن في ذلك لعبرة. إن الوفاء بالعهود والمواثيق يكاد يكون في حياة الأمم والشعوب حبرًا على ورق، بل إنه لأقرب إلى الوهم والخيال منه إلى الحقيقة والواقع. وهذا هو الذي جعل الإنسانية تشقي دائمًا بالثورات والفتن والمعارك الدامية،

стр. 423

ولو عرفت كل أمة ما لها وما عليها، واحترمت عهودها مع غيرها من الأمم، وألزمت نفسها بروح الإنصاف والوفاء ... لأمكن أن تهدر نار البغضاء والشحناء، وأن تجف الأرض من الدماء والدموع، لكي تشرق السعادة بين الناس، ويعيشوا في جوٍ مزدهر بالأمن والسلام.

стр. 424

موقف غريب لصحابي جليل: أما ذلك الصحابي الجليل فهو حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأما موقفه فقد كان غريبًا لأنه لا يتلاءم مع تاريخه المجيد وماضيه الكريم، إذ كانت له في هذا اليوم كبوة كبيرة وزلة مشينة١، وذلك أن الرسول ﷺ لما عزم على فتح مكة، عمل على إخفاء مسيره، ووصى أصحابه بكتمان هذا الأمر وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها" ... وتلك خطة حربية ناجحة، فإن الحرب خدعة، ومباغتة الأعداء سلاح قوي لا يفل حده. ولكن حاطبًا المؤمن زلت به القدم في لحظة من اللحظات، وكم للنفس البشرية من زلات يتغلب فيها الشيطان على الإنسان٢ فيغطي الحقائق ويعمي المسالك، ويظهر الشر والقبح في مظهر الحسن والجمال، وهذا هو من سمات الضعف البشري والعجز الإنساني الذي عناه الرسول ﷺ بقوله: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" ٣.

стр. 425

أجل، زلت قدم حاطب فأرسل كتابًا إلى قريش يخبرهم فيه بما اعتزمه الرسول ﷺ من السير إليهم، ثم أعطاه امرأة من مزينة وجعل لها جعلًا على أن تبلغه لقريش، فوضعته في شعرها وفتلت عليه قرونها، وكان في هذا الخطاب: أن النبي ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم: فإنه منجز له ما وعده١. وقد جاء الخبر إلى الرسول ﷺ بوحي من الله فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ وقال لهما: "أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم فيه ما قد أجمعنا له في أمرهم". فخرجا حتى أدركاها في الطريق، استخرج علي بن أبي طالب منها الكتاب، ثم أتى به رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا فقال: "يا حاطب: ما حملك على هذا"؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أصحاب بدر
следующие страницы →