سبب الغزوة:
وكانت الظروف التي أحاطت بقريش، وروح الشر التي بدأت منهم، هي السبب المباشر الذي يحتم على الرسول ﷺ غزوهم حتى لا يستفحل الشر ويتفاقم الخطر، وذلك أن قريشًا نقضت ما تعهدت به في صلح الحديبية مع رسول الله ﷺ فنصرت قبيلة بكر الموالية لها على قبيلة خزاعة الموالية للرسول ﷺ وكان العهد القائم بين الرسول ﷺ وقريش أنه من أحب أن يدخل في حلف محمد فهو آمن. فدخلت بكر في حلف قريش، ودخلت خزاعة في حلف الرسول ﷺ .
ولو أن قريشًا احترمت عهودها مع رسول الله ﷺ لما فكر الرسول ﷺ في فتح مكة، ولقدر لهذا البلد الأمين أن يقضي فترة أخرى في ظلمات الشرك والوثنية.
ولكن الله أبى أن يتم نوره، فأبت قريش إلا أن تغدر وتظلم وتنتهك حقوق الضعفاء، وأبى رسول الله ﷺ إلا أن يقاوم الظلم والغدر ويكون رمزًا للإنصاف والوفاء.
وكانت خزاعة قد تعرضت لعدوان قبيلة بكر، بتأييد ومعونة من قريش فقتل منهم عدد كبير، عند ماء لهم يقال له الوتير١ دون ذنب إلا أنهم مسلمون، وداخلون في حلف مع الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وحينئذ خرج زعيمهم عمرو بن سالم الخزاعي٢ حتى وصل إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، فقال مستجيرًا بالرسول ﷺ :
стр. 422
يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدًا وكنا والدا ... ثم أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرًا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إلى أن قال:
إن قريشًا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعًا وسجدا
فأجابه الرسول ﷺ قائلًا:
"نصرت يا عمرو بن سالم".... ١.
ثم قام من فوره ليعد للأمر عدته، وليقوم بواجب الوفاء نحو خزاعة -وبين هذا الوفاء من جانب الرسول ﷺ والغدر من جانب بكر وقريش ستكون الحكمة البالغة والآية الكبرى، حيث يريد الله أن ينتصر الحق ويؤتي ثماره الطيبة، ويتداعى الباطل وتزلزل بنيانه، وإن في ذلك لعبرة.
إن الوفاء بالعهود والمواثيق يكاد يكون في حياة الأمم والشعوب حبرًا على ورق، بل إنه لأقرب إلى الوهم والخيال منه إلى الحقيقة والواقع.
وهذا هو الذي جعل الإنسانية تشقي دائمًا بالثورات والفتن والمعارك الدامية،
стр. 423
ولو عرفت كل أمة ما لها وما عليها، واحترمت عهودها مع غيرها من الأمم، وألزمت نفسها بروح الإنصاف والوفاء ... لأمكن أن تهدر نار البغضاء والشحناء، وأن تجف الأرض من الدماء والدموع، لكي تشرق السعادة بين الناس، ويعيشوا في جوٍ مزدهر بالأمن والسلام.
стр. 424
موقف غريب لصحابي جليل:
أما ذلك الصحابي الجليل فهو حاطب بن أبي بلتعة ﵁ وأما موقفه فقد كان غريبًا لأنه لا يتلاءم مع تاريخه المجيد وماضيه الكريم، إذ كانت له في هذا اليوم كبوة كبيرة وزلة مشينة١، وذلك أن الرسول ﷺ لما عزم على فتح مكة، عمل على إخفاء مسيره، ووصى أصحابه بكتمان هذا الأمر وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها" ... وتلك خطة حربية ناجحة، فإن الحرب خدعة، ومباغتة الأعداء سلاح قوي لا يفل حده.
ولكن حاطبًا المؤمن زلت به القدم في لحظة من اللحظات، وكم للنفس البشرية من زلات يتغلب فيها الشيطان على الإنسان٢ فيغطي الحقائق ويعمي المسالك، ويظهر الشر والقبح في مظهر الحسن والجمال، وهذا هو من سمات الضعف البشري والعجز الإنساني الذي عناه الرسول ﷺ بقوله: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" ٣.
стр. 425
أجل، زلت قدم حاطب فأرسل كتابًا إلى قريش يخبرهم فيه بما اعتزمه الرسول ﷺ من السير إليهم، ثم أعطاه امرأة من مزينة وجعل لها جعلًا على أن تبلغه لقريش، فوضعته في شعرها وفتلت عليه قرونها، وكان في هذا الخطاب: أن النبي ﷺ قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم: فإنه منجز له ما وعده١.
وقد جاء الخبر إلى الرسول ﷺ بوحي من الله فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ وقال لهما: "أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم فيه ما قد أجمعنا له في أمرهم". فخرجا حتى أدركاها في الطريق، استخرج علي بن أبي طالب منها الكتاب، ثم أتى به رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا فقال: "يا حاطب: ما حملك على هذا"؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق.
فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أصحاب بدر
стр. 426
فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ١.
إلا أن في هذا الحادث لعبرة بالغة، فرسول الله ﷺ يلقي على العالمين درسًا نافعًا في تقدير الأعمال ووزن الخير والشر بميزان سليم، والتماس المعذرة للمخطئ إذا وضحت له الحقيقة فرجع وتاب وأناب، وكثير من الناس يختلط الأمر عليهم فلا يغفرون السيئة الصغيرة مهما تقدمها من الحسنات الكبار، ولكن رسول الله ﷺ وقد عرف طبيعة الإنسان وتسلط الشيطان عليه ٢، ثم عرف ما ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ ٤ وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ ٥، قد وضع ذلك كله في الميزان، فغفر لذلك الصحابي الجليل زلته الطارئة أمام بلائه السابق في خدمة الإسلام وحضوره غزوة بدر ابتغاء مرضاة الله وجهادًا في سبيله.
стр. 427
الرسول ﷺ والمسلمون في الطريق إلى مكة:
وتهيأ المسلمون -وعلى رأسهم قائدهم الأمين- ليتخذوا طريقهم إلى مكة، وقد أراد الرسول ﷺ ألا يترك لقريش فرصة يتجهزون فيها للحرب حتى يأخذهم على حين غفلة فيستسلموا دون أن تزهق الأرواح وتسفك الدماء، لذلك أصدر أمره بالتعبئة العامة، فتسابق المسلمون إلى تلبية النداء والانضمام تحت اللواء.
стр. 428
ثم تحرك جيش المسلمين في الثامن من رمضان١، من السنة الثامنة للهجرة، وقد انضم في الطريق جماعات من قبيلة أسلم ومزينة وغطفان، حتى بلغ عددهم عشرة آلاف٢، وظلوا سائرين حتى وصلوا بعد سبعة أيام إلى مر الظهران وهو وادٍ على مقربة من مكة.
وقد أمر رسول الله ﷺ أن يوقد كل فرد نارًا لتظهر قوة الجيش الإسلامي القريب من مكة، فيلقي الرعب في قلوب قريش فتأتي صاغرة للتسليم، وكان أبو سفيان بن حرب خرج يتلمس الأخبار٣، ويستطلع الخطر الذي شاعت أنباؤه في مكة.
وفي جنح الظلام وعلى مقربة من نيران المسلمين لاقاه العباس بن عبد المطلب فناداه، فوقف له أبو سفيان وقال: ما وراءك؟ قال العباس: هذا رسول الله ﷺ أتاكم بما لا قبل لكم به. قال أبو سفيان: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟
قال العباس: أنصحك بأن تركب ورائي -وكان يركب بغلة رسول الله، ﷺ فآتيه بك وأستأمن لك.
وأردف العباس أبا سفيان وسار نحو خيمة رسول الله ﷺ .
يقول العباس: فلما مررت بنار عمر بن الخطاب عرف أبا سفيان فأسرع إلى
стр. 429
خيمة النبي ﷺ وطلب أن يضرب عنقه.
فقال العباس: إني قد أجرته.
فقال ﷺ : "اذهب به يا عباس إلى رحلك. فإذا أصبحت فأتني به". فلما كان الصباح جاء به العباس إلى النبي ﷺ فقال له الرسول ﷺ : "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ " قال أبو سفيان: ما أحلمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره، لقد أغنى عني شيئًا. فتدخل العباس، وقال له: ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك. فأسلم١، فقال العباس: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا.
قال رسول الله ﷺ : "نعم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".
стр. 430
الجيش يدخل مكة:
وبعد ذلك أمر الرسول ﷺ العباس أن يقف مع أبي سفيان على الطريق الضيق المؤدي إلى مكة، حتى تمر عليه جنود المسلمين، ومرت القبائل بأبي سفيان وهو يسأل عنها العباس. حتى قال: يا عباس، ما لأحدٍ بهؤلاء قبل ولا طاقة. وأسرع إلى مكة يصيح بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وركب الرسول ﷺ ناقته القصواء، وأصدر الأوامر إلى قادة الجيش، ألا تقاتل
стр. 431
إلا إذا أكرهت على القتال، وساروا حتى دخلوا مكة، ولم يحدث إلا مناوشات خفيفة وأهمها ما لاقاه خالد بن الوليد قائد الجناح الأيمن، فقد قتل حوالي عشرين رجلًا١ ممن وقفوا في طريقه، ولم يقتل من المسلمين سوى اثنين.
ولما تم للمسلمين الاستيلاء على مكة نظر الرسول ﷺ إلى البلد الأمين وإلى الجبال التي كان يأوى إليها حين يشتد به أذى قريش، فترقرقت في عينيه دمعة شكر لله، ثم سار حتى بلغ البيت الحرام فطاف به سبعًا ثم استلم الحجر، وتكاثر الناس حوله في المسجد فخطبهم وتلا عليهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢.
ثم قال: "يا معشر قريش ويا أهل مكة: ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" وبهذه الكلمة صدر العفو العام عن أهل مكة جميعًا. وهكذا سقط أكبر معقل للوثنية في بلاد العرب، وكان ذلك في اليوم العشرين من رمضان.
стр. 432
تطهير الكعبة من الأصنام:
ثم دخل رسول الله الكعبة، وكان بداخلها وخارجها أصنام تعبدها قريش، فأخذ يشير إليها بقضيب في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ١ وأمر بإخراجها وتحطيمها وتطهير البيت الحرام منها.
стр. 433
وبعد أن استتب الأمن بوجه عام أخذ النبي ﷺ يرسل السرايا إلى القبائل المجاورة لمكة يدعوها إلى الإسلام وتحطيم الأصنام، فهدمت العزى ومناة وسواع١.
وبذلك ذهبت هيبة الأوثان من النفوس وزال سلطانها، واستنار العالم العربي بنور التوحيد الوضاء.
وهكذا قضى الإسلام على الوثنية والشرك في أغلب جزيرة العرب، وأنشأ لها تشريعات جديدة كانت أساس الخير والبركة.
ثم شرع الناس يبايعون رسول الله ﷺ فكان ممن أسلم في هذا اليوم: معاوية بن أبي سفيان، وأبو قحافة والد أبي بكر الصديق، وقد فرح الرسول ﷺ كثيرًا بإسلامه.
ولما تمت بيعة الرجال، بايعه النساء وكن يبايعن: على ألا يشركن بالله شيئًا، ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين الرسول في معروف.
ثم أمر الرسول ﷺ بلالًا أن يؤذن على ظهر الكعبة، فكان يومًا مجموعًا له الناس وكان يومًا مشهودًا، وكان من الحق على المسلمين أن يتخذوا هذا اليوم عيدًا، يحمدون الله فيه على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم.
بعد أن تم فتح مكة، واجتمع الناس حول رسول الله ﷺ وكان منهم من ائتمروا به ليقتلوه، ومن قاتلوه في بدر، وفي أحد، وحاصروه في غزوة الخندق،
стр. 434
وعذبوه وأصحابه، نظر إليهم وهم جميعًا في قبضة يده: أمره نافذ في رقابهم، وحياتهم رهن كلمة ينطق بها، فلم يأخذه العجب والغرور بما وصل إليه من مجد وسلطان، ولم يطف بنفسه ما يتملك نفوس الناس ساعة النصر والظفر من ظلم وطغيان، بل وحتى لم يفكر في الانتقام لنفسه والمسلمين عمّا أصابهم على أيدي قريش من الأذى والعدوان، ولكنه نظر إلهم نظرة كلها عفو ورحمة وقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فكان مثلًا كريمًا في سمو النفس، والعفو عند المقدرة.
كما ضرب المثل في المحافظة على الدماء، بإصدار الأوامر إلى قادة الجيوش ألا تسفك دمًا إلا إذا أكرهت إكراهًا.
وقد كان من أثر هذه السياسة أن كسب الرسول ﷺ قلوب أهل مكة، فأقبل على الإسلام فتيان قريش وشيوخها ونساؤها، ولم يحجم عنه إلا نفرًا أكل الحقد قلوبهم، ثم لم يلبثوا إلا قليلًا حتى شرح الله صدورهم للإسلام.
стр. 435
غزوة حنين
مدخل
...
غزوة حنين
كانت هذه الغزوة هي الجولة الطبيعية للمسلمين بعد أن أتم الله عليهم النعمة بفتح مكة لأن القبائل المجاورة لقريش كقبيلتي هوازن وثقيف، وما يتفرع عنهما من بطون وأفخاذ وفصائل، قد أزعجهما أن تستسلم قريش -وهي أعظم قبائل العرب- لمحمد ﷺ وكانت قريش قبل الفتح الإسلامي لمكة هي أقوى خصومه وألد أعدائه، وكان وجودها في هذا المكان المتوسط بينهم وبين محمد ﷺ هو صمام الأمان بالنسبة لهم، ومن أجل ذلك تجمعت هذه القبائل واتفقت كلمتها على غزو محمد ﷺ قبل أن يغزوهم وعلى مفاجأتهم بهذا الغزو قبل أن يأخذ جيش المسلمين حظه من الراحة والاستقرار ... وحينما علم الرسول ﷺ والمسلمون بذلك كانت نفوسهم مستعدة لتلقي هذه الأنباء حيث كانوا يتوقعون هذا الخطر، ويفكرون في طريقة سريعة لاستئصاله قبل أن يزحف عليهم.
стр. 436
استعداد هوازن وثقيف ١ للقاء المسلمين:
أرسلت هوازن وثقيف إلى بطونها وفروعها تطلب إليها أن تجتمع بخيلها ورجلها عند وادي قرب الطائف٢، وأسندت الرياسة إلى مالك بن عوف، وكان شابًا في الثلاثين من عمره قوي الإرادة ماضي العزيمة، فاجتمع إليه عدد كبير منهم بنو سعد الذين كان الرسول ﷺ مسترضعًا فيهم، ومعهم دريد بن الصمة، وكان شيخًا كبيرًا عمي بصره، وصار لا ينتفع إلا برأيه وتجاربه في الحروب، وأمر مالك رجال القبائل أن يسوقوا معهم إلى الحرب المواشي والأموال والنساء والأطفال وجعلهم في مؤخرة الجيش ليثيروا الرجال إلى الاستماتة في الدفاع عن متاعهم وحريمهم، فلما سمع دريد رغاء البعير وبكاء الصغير، وصوت النساء، سأل مالكًا لم ساق هذه مع المحاربين؟ فأجابه بأنه أراد بذلك تشجيع المحاربين، قال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك، فلم يقبل مالك رأي الشيخ، وتخطى احتجاجه ورماه بضعف الرأي لكبر سنه، ثم صف جموعه وكانت تبلغ عشرين ألفًا في كمين عند مضيق الوادي، وانتظر قدوم الجيش الإسلامي.
стр. 437
موقف المسلمين:
أما المسلمون فغادروا مكة يوم السبت السادس من شوال سنة ثمانٍ هجرية إلى وادي حنين في اثني عشر ألفًا من المقاتلين، منهم عشرة آلاف هم الذين فتحوا
стр. 438
مكة وألفان ممن أسلم من قريش١، وسار المسلمون وسط صهيل الخيل وبريق السيوف معجبين بكثرتهم، فخورين بقوتهم، حتى لقد تحدث بعضهم إلى بعض قائلين: لن نغلب اليوم من قلة، ونزلوا حنينًا قرب المساء على أبواب واديها.
وقبيل الفجر تحرك الجيش الإسلامي، ولم تكد الطلائع تتقدم إلى مدخل الوادي حتى خرج لهم الكمين وشدوا عليهم شدة رجل واحد وأمطروهم بوابل من النبال، وانقضوا على أولى صفوف المسلمين التي ارتجت لهذه المفاجأة العنيفة فلوت أعنة خيلها متقهقرة، واصطدمت في الظلام بما وراءها من صفوف المسلمين، ولجأ الكل إلى الفرار، وتحدث بعض من ضعاف الإيمان في شماتة قائلًا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر.
كان هذا والنبي ﷺ ثابت في مكانه، ومعه جماعة من المهاجرين والأنصار منهم العباس بن عبد المطلب، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد٢، فأخذ النبي ﷺ ينادي في القوم بالثبات وهو راكب بغلته البيضاء يركضها نحو العدو وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا عبد المطلب".
стр. 439
الانتصار بعد الهزيمة:
وأمر رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب، وكان جهوري الصوت١،
стр. 440
ينادي في الناس، فنادى: يا معشر الأنصار الذين آووا ونصروا، يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، هلموا. هذا رسول الله ﷺ . وأخذ يكرر النداء الذي هز أوتار قلوبهم، فرجعوا يتصايحون من كل جهة لبيك لبيك حتى انتظم عقدهم.
وكانت هوازن قد انحدرت من مكانها وأصبحت وجهًا لوجهٍ أمام المسلمين، وهجم الأنصار واشتد القتال. فنظر إليهم الرسول ﷺ وهم يطيحون برءوس الأعداء قائلًا: "إن الله لا يخلف رسوله وعده"، فلما رأت هوازن أنهم معرضون للفناء، وأن كل أمل في النصر قد غض، ولّوا الأدبار منهزمين، فتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وغنموا مؤخرة جيشهم كلها، وكانت غنائم المسلمين ٢٥٠٠٠ من الإبل، و ٤٠٠٠٠ من الشياه، ٤٠٠٠ أوقية من الفضة، و ٦٠٠٠ من الأسرى، وقد نقلت كلها في حراسة قوية إلى وادي الجعرانة١.
стр. 441
حصار الطائف: ١
أما النبي ﷺ والمسلمون قد تابعوا مطاردة العدو حتى ألجئوهم إلى صياصي الجبال، وإلى الطائف، وحاصر الرسول ﷺ الطائف، ولكنها استعصت عليه لسورها الحصين، فآثر تركها٢؛ لأنه ليس من مصلحة المسلمين بذل ضحايا كثيرة ٣، وعاد إلى الجعرانة حيث الغنائم والأسرى. ثم لم يلبث أهل
стр. 442
الطائف أن شرح الله صدورهم للإسلام بعد ذلك.
стр. 443
تقسيم الغنائم:
أعطى رسول الله ﷺ الجانب الكبير من الأموال لحديثي الإسلام من قريش الأعراب الذين كانوا إلى أيام قريبة أشد الناس عداوة له.
فكان ما أخذه فعل معاوية، ويزيد ابني أبي سفيان، فقال له أبو سفيان: بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب. وأعطى حكيم بن حزام مثل ما أعطى أبا سفيان، فاستزاده فأعطاه، ثم استزاده فأعطاه مثلها، وقال له: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى" ١.
فاهتزت نفس حكيم لما سمع من كلام الرسول ﷺ ونفض يده من كل ما أخذه بعد العطاء الأول، فأخذ المائة الأولى وترك ما عداها، وأقسم ألا يأخذ عطاء من أحد بعد هذا العطاء، وبر بيمينه، فكان الخلفاء يعرضون عليه العطاء الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه.
بل لقد بلغ العطاء لبعض الذين أراد الرسول ﷺ أن يؤلف قلوبهم للإسلام مبلغًا لا يخطر بالبال، ولا يجول في الخيال ... وذلك هو صفوان بن أُمية فلقد رآه الرسول ﷺ يرمق شعبًا مملوءًا نعمًا وشاءً فقال له: "هل يعجبك هذا؟ " قال:
стр. 444
نعم، قال: "هو لك". فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفس أحد. وكان ذلك سبب إسلامه.
ثم أمر ﵊ زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم وقسمه على الغزاة، فاجتمعوا عليه وتسابقوا في الحصول على تلك الأموال حتى ألجئوه إلى شجرة فتعلق بها رداؤه فقال: "ردوا ردائي أيها الناس. فوالله إن كان لي مثل شجرة تهامة نعمًا لقسمته عليكم. ثم ما ألفيتموني بخيلًا ولا جبانًا ولا كدودًا. ثم قام إلى بعيره وأخذ وبرة من سنامه وقال: والله ما لي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس. والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط١. فإن الغلول٢ يكون على أهله عارًا وشنارًا٣ ونارًا إلى يوم القيامة".
وقد أثمرت هذه النصيحة الغالية ثمرتها المرجوة، ففاء كل من لعب الشيطان برأسه إلى نفسه. ورد ما أخذه بغير حق مهما كان زهيدًا.. ثم شرع الرسول ﷺ يقسمها، فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة.
стр. 445
موقف الأنصار بعد توزيع الغنائم:
وعلى أثر تقسيم الغنائم، والفوارق الفادحة التي بدت في تمييز البعض عن البعض، وعدم إعطاء الأنصار من هذه الغنائم شيئًا، ساد بين الأنصار لغط شديد وذهبت الظنون بنفوسهم كل مذهب، وكاد الأمر يؤدي إلى كارثة محققة، لولا أن رسول الله ﷺ تدارك الشر قبل استفحاله، فجمع الأنصار وبين لهم وجهة نظره في هذا التقسيم الذي يعترضون عليه فقال:
стр. 446
"يا معشر الأنصار، ما قالة١ بلغتني عنكم، موجدة٢ وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلالًا فهداكم الله؟ وعالة٣ فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ " قالوا: بلى، لله ورسوله أمنُّ وأفضل. ثم قال: "ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ ". قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل.
قال رسول الله ﷺ : "أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تآلفت بها قومًا ليسلموا.. ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار ... " فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم٤ وقالوا رضينا برسول الله قسمًا وحظًّا.
стр. 447
إسلام هوازن:
وبعد ذلك ببضع عشرة ليلة جاءت وفود قبيلة هوازن يعلنون الطاعة والولاء يطلبون من رسول الله ﷺ أموالهم ونساءهم وأولادهم، فخيرهم الرسول ﷺ بين أمرين يتجاوز عن أحدهما: إما السبي وإما المال، فاختاروا السبي -أي النساء والذرية- وقالوا: اردد علينا نساءنا وأبناءنا ولا نتكلم في شاة ولا بعير.
стр. 448
فردها عليهم. وقد أسلموا بعد ذلك وحسن إسلامهم.
وهكذا كان رسول الله ﷺ في سياسته وحسن تقديره للأمور فلم يكن يزدهيه النصر ويبطره فينسى جانب العطف والرحمة في مثل هذه الظروف القاسية، وقد أثمرت هذه السياسة ثمرتها المرجوة وكانت مصدر الهدى والنور على توالي الأزمنة والعصور.
стр. 449
عودة الرسول ﷺ إلى المدينة:
وذهب الرسول ﷺ بعد ذلك إلى المدينة آمنًا مطمئنًا فائزًا غانمًا، فوصلها لستٍّ بقين من ذي القعدة سنة ثمانٍ هجرية١.
ولقد أنزل الله في هذه الغزوة من سورة التوبة:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وبانتصار المسلمين في حنين زالت آخر مقاومة كبيرة كانت العرب تستطيع توجيهها ضد الإسلام والمسلمين، وتم فتح الحجاز عمليًّا، كما أقبلت بعد ذلك وفود كثيرة من القبائل تعلن دخولها في الدين الإسلامي، وخضوعها للدولة الإسلامية.
стр. 450
ومن غزوة حنين وما وقع فيها من الأمن بعد الخوف، والنصر بعد الهزيمة، يتبين لنا أن الغرور كان ولا يزال أساس الشر والبلاء، فالمسلمون حينما اغتروا بكثرتهم يوم حنين حاقت بهم الهزيمة. فلما نزعوا ثوب الغرور واعتمدوا على الله، ولجئوا إلى قوته، جعل الله لهم مع العسر يسرًا، وبدل هزيمتهم نصرًا.
كما يتجلى لنا أن كثرة العدد والعُدد في ميادين الحروب لا تغني فتيلًا إن لم تؤسس على القعيدة والإيمان.. إذ لا قيمة للسيف في يد الجبان، وإن في ذلك لعبرة!!.
стр. 451
غزوة تبوك وما تلاها من أحداث
مدخل
...
غزوة تبوك ١ وما تلاها من أحداث
وضحت قوة المسلمين بعد فتح مكة، وغزوة حنين وتغلغل نفوذهم في أرجاء الجزيرة العربية، ولم تبق فيها ناحية من النواحي إلا أحست بسلطان المسلمين، ولم تحاول أية قبيلة من القبائل أن تقاوم هذا السلطان، وبينما كان ﷺ يعمل على تثبيت دعائم الدولة الإسلامية المظفرة، إذ جاءته أخبار من بلاد الروم أنها تجمعت لغزو بلاد العرب الشمالية، لذلك عزم ﷺ على مواجهة هذه القوى بنفسه، والقضاء عليها قضاء يبدد كل أمل في الهجوم على المسلمين، على الرغم من أن الوقت كان شديد الحرارة، والمسافة طويلة تحتاج إلى الصبر، وكثرة الزاد.
стр. 452
دعوة الرسول ﷺ إلى الجهاد، وإخلاص الصحابة:
فاتح الرسول ﷺ الناس بعزمه على الخروج لقتال الروم، ولم يخف الجهة عن المسلمين كما كانت عادته في كثير من الغزوات، بل أفضى إليهم بالغرض منها ليتأهبوا ويأخذوا العدة، وأرسل إليهم يستنفرهم ويحثهم على التبرع، كما
стр. 453
حض أثرياء المسلمين على المشاركة في تجهيز الجيش بما آتاهم الله من فضله.
واستجابت الكثرة من المسلمين لهذه الدعوة، فأقبلوا جماعات حتى ضاق بهم فضاء الصحراء، يسوقون أمامهم خيلهم وإبلهم مدرعين بأسلحتهم، لم تمنعهم مشقة الطريق ولا شدة الحر، وتبارى كبارهم في الإنفاق وشراء السلاح، فجاء أبو بكر ﵁ بكل ماله، فقال له الرسول ﷺ : "هل أبقيت لأهلك شيئًا؟ ".
قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
كما أسرع عثمان بن عفان ﵁ بتجهيز ثلث الجيش من ماله١.
وأقبل كثير من الفقراء يطلبون من رسول الله ﷺ أن يحملهم معه، فحمل بعضهم واعتذر إلى الباقين، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا على حرمانهم من نعمة الجهاد، فبين الله أنهم لا لوم عليهم حيث قال: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ ٢.
وجاءت جماعة من المنافقين يلتمسون الأعذار، ويحلفون بالله قائلين: لو استطعنا لخرجنا معكم. والله يعلم أنهم لكاذبون، كما كانوا يمنعون بعضهم من هذا الغزو في الجو المحرق، ففضح الله أمرهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي
стр. 454
الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
ومع هذا فقد بلغ عدد الجيش الإسلامي ثلاثين ألفًا تقريبًا، فيهم عشرة آلاف من الفرسان ٢.
стр. 455
مسير الحملة:
اجتمع الجيش الإسلامي وأعطى الرسول ﷺ لواءه لأبي بكر الصديق ثم تحرك صوب الشام مخترقًا الصحراء وسط صهيل الخيل، ورغاء الإبل حتى وصل إلى تبوك فلم يجد فيها جيشًا للروم فعسكر فيه حوالي عشرين يومًا١، ولم ير الرسول ﷺ محلًا لتتبعهم داخل بلادهم، وأقام عند الحدود ينازل من يشاء أن ينازله متحديًا أية قوة تأتيه.
стр. 456
موقف أمراء الحدود:
وكان يوحنا بن رؤية أمير أيلة١ واليًا على القبائل المسيحية واليهودية في هذه المنطقة، فوجه إليه النبي رسالة يخبره فيها: إما بالإذعان وإما بالحرب، فآثر الأولى وأقبل على الرسول ﷺ معلنًا الطاعة، وعقد الرسول ﷺ معه معاهدة اتفق فيها على أن يدفع جزية قدرها ثلاثمائة دينار كل عام٢. كما وفد عليه
стр. 457
أميرا قبيلتي أذرح وحرباء١، يطلبان تأمينهما ومحالفة المسلمين، فصالحهما الرسول ﷺ على الجزية.
ولم يكن أمام الرسول ﷺ إلا أمير دومة الجندل الذي كان يتوقع منه العداء، فبعث إليه خالد بن الوليد في قرابة خمسمائة فارس، وجاء هو بعد ذلك المدينة.
وأسرع خالد عائدًا إلى دومة الجندل، فانقض عليها في حين غفلة من أميرها، فلم يلق مقاومة تذكر، وفتحت له المدينة أبوابها، بعد أن وقع أميرها في الأسر، وغنم منها ألفي بعير، وثمانمائة شاة، وأربعمائة درع، وقدرًا كبيرًا من البر، ثم عاد إلى المدينة ومعه الغنائم والأسرى. فعرض الرسول ﷺ على أمير دومة الجندل، فأسلم وأصبح أميرًا على قومه١.
стр. 458
الثلاثة الذين خلفوا: ١
أولئك هم: كعب بن مالك، وهلال بن أُمية، ومرارة بن الربيع، وهم: ثلاثة نفر أخلصوا لله وجاهدوا في سبيله وشهدوا مع رسول الله ﷺ كثيرًا من المشاهد والغزوات، وكان لهم في تاريخ الإسلام بلاء مشكور، وجهاد مبرور..
ولكن الله الذي يمتحن عباده بالبلاء والمحن قد ابتلى هؤلاء الثلاثة بمحنة، لولا لطف الله لعصفت بإيمانهم وطوحت بهم في مهاوي الشقاء، وكثيرًا ما يبتلي الله عباده ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر الزائف من الصحيح.
стр. 459
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ١.
وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إلى هذه الغزوة حيث كان الحر شديدًا والسفر بعيدًا، والعدو قاسيًا عنيدًا، وناهيكم بجيش جرار من الروم يتربص الدوائر بالمسلمين ويستعد للهجوم عليهم.. وقد استجاب لدعوة الحق رجال من المسلمين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فنفروا للجهاد سراعًا يضربون في البيداء المترامية بين الحر المرمض والسموم اللافح، لا يكترثون بوعثاء السفر ووعورة الطريق، ولا يثنيهم عن غايتهم ما يحيط بهم إذ ذاك من المتاعب والمخاوف والأراجيف التي يذيعها المنافقون، بل يجدون في طاعة الله ورسوله ﷺ أمنًا وسلامًا وظلًّا ظليلًا دائمًا، يغنيهم عن ظلال الدنيا الزائلة، ومتاعها الفاني القليل.
ولعل ما يصور لنا عظمة الروح وقوة العقيدة في نفوس أولئك المؤمنين، ما وقع لأبي خيثمة الأنصاري أحد أصحاب الرسول ﷺ فلقد تخلف عن المسير مع إخوانه المجاهدين أيامًا، ثم رجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريش لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منها عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا.
فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله ﷺ في الضحى والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم. ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ .. فهيئا لي زادًا ففعلتا.
стр. 460
ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك١.
وقعد عن الجهاد قوم من المنافقين كانوا قد أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. وكانوا بضعة وثمانين رجلًا غلبت عليهم شقوتهم، وأصاخوا٢ لدعوة الشيطان فتركوا دون عذر ميدان الجهاد، لأنهم يحبون العاجلة، وهم أحرص الناس على حياة، ويظنون أن أمرهم سيخفى على رسول الله ﷺ حتى إذا رجع المسلمون من ميدان الجهاد قاسموهم في السراء دون الضراء، وشاركوهم في المغانم دون أن يشاركوهم في المغارم.
ولم يتخلف عن الجهاد من المؤمنين المخلصين سوى هؤلاء الثلاثة الذين نتحدث الآن عنهم، وهم الذين سماهم الله في كتابه العزيز: ﴿الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ٣. ومعنى خلفوا أن الرسول ﷺ خلفهم، أي أرجأ أمرهم إلى أن يقضي الله فيهم بأمره٤.
ولقد أخطأ هؤلاء الثلاثة، ثم لم يلبثوا أن تابوا ورجعوا الله الله وأنابوا، فقبل الله توبتهم وغفر لهم خطيئاتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ٥.
فقد روى لنا كعب بن مالك قصته وقصة صاحبيه، منذ تخلفوا عن ركاب إخوانهم المؤمنين المجاهدين إلى أن انجلى ليل محنتهم، وآذن الله رسوله ﷺ بقبول توبتهم.