← Общие книги

Общие книги · id 8538

المجتمع والأسرة في الإسلام

محمد طاهر الجوابي

Полный текст (179 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

معاجلة بعض المشكلات الاجتماعية رغم اهتمام الإسلام بجانبي الروح والجسد في الإنسان، وربط العقيدة والعبادة بالسلوك، وتشريعه الأحكام المقننة للتعامل، والأخلاق المصاحبة له، ليتم بأسلوب سمح، وجعله تقوى الله تعالى أولى أهدفه، فإن الطبائع البشرية ميالة إلى مخالفة الشرع، واتباع الهوى، إضافة إلى ما في البيئة من مغريات، لذلك اهتم الإسلام بالوقاية من الانحراف، وفتح باب التوبة للمخطئين، وسن أحكاما زجرية لمن لم يتب زجرا له، ولغيره. ومن المشاكل التي قد تحدث في المجتمع المسلم، الانقطاع عن الدارسة، والفهم الخاطئ للعقيدة، والمشاكل الجنسية، والمخدرات والرشوة. وسنجمل القول فيها إن شاء الله تعالى. الانقطاع عن الدارسة يعالج هذا المشكل القضاء على أسبابه بما يناسبها، فإن نشأ عن ضعف استعداد التليمذ للدراسة فالأولى في هذه الحالة توجيهه إلى التكوين المهني. وإذا نشأ عن ظروف خاصثة كقلة وسائل النقل، وبعد المدرسة، أو عن فقر التلميذ فالواجب إزالة السبب، وتوفير الظروف الملائمة لإرجاع التلميذ إلى المدرسة أو توجييه إلى ما يحقق ميوله الإيجابية، ويبعده عن الانحراف.

стр. 72

الفهم الخاطئ للعقيدة أكثر ما ينشأ هذا المشكل عن الفهم الخاطئ لعنصر من عناصر العقيدة, أو عن الشبهات التي يوجهها أعداء الإسلام ضده. والعلاج يكون توضيح العقيدة توضيحًا كافيًا مناسبًا لمستوى المخطئ، وبيان الخطأ الذي وقع فيه، والأخطاء التي تنجم عنه، واقناعه بالطرق المناسبة بوجوب تخلصه مما حصل له من لبس، أو ضلال. المشاكل الجنسية من هذه المشاكل الزنا، وما يؤدي إليه، أو يترتب عليه، وقد عالجه الشرع بالوقاية منه، وفرض عقوبة على مرتكبه. الوقاية من الزنا تمثلت الوقاية منه في منع أسبابه، والنهي عنه، ومعاقبة مرتكبه والترغيب في الزواج. ١ منع أسبابه: حرم الإسلام على الرجال والنساء النظر غير المباح إلى الجنس الآخر، وأمرهما باللباس الساتر، وبالعفة، وحرم على النسوة التبرج اتقاءً للفتنة. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ﴾

стр. 73

أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. في هذه الآية -إضافة إلى ما ذكرته في التمهيد لها- تفصيل كامل للباس المرأة الساتر، وتعداد للرجال الذي تظهر أمامهم زينتها، وهم زوجها، ومحارمها، وما ملكت يمنيها, ومن كانوا من أتباع بيتها ممن يترددون عليها، وليس لهم رغبة في النساء لمرض أو لعجز، والأطفال ما قبل المراهقة من خلا بالهم من شهوة النساء. ٢ النهي عنه وبيان مخاطره: نهى الإسلام عن الزنا نهى تحريم إبقاء للعفة، وحفظًا للأنساب من الاختلاط وحماية لحقوق الأبناء في ثبوت نسبهم، واتقاءً للأمراض الخطيرة كالزهري والسفلس وفقدان المناعة وغيرها. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ ٢. ٣ عقوبته: هي جلد الزاني البكر غير المتزوج ورجم المحصن. ثبت الجلد بالقرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. وثبت الرجم بالسنة الشريفة نصًا وتنفيذاً. عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من أسلم جاء إلى أبي بكر الصديق فقال له: إن الآخر زني. فقال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري؟

стр. 74

فقال: لا، فقال له أبو بكر: فتب إلى الله واستتر بستر الله. فإن الله يقبل التوبة عن عباده. فلم تقرره نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب. فقال له مثل ما قال لأبي بكر. فقال له عمر مثل ما قال له أبو بكر. فلم تقرره نفسه حتى جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال له إن الآخر زنى. فقال سعيد: فأعرض عنه رسول الله ﷺ ثلاث مرات. كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ حتى إذا أكثر عليه بعث رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: "أيشتكي أم به جنة؟ "، فقالوا: يا رسول الله، والله إنه لصحيح، فقال رسول الله ﷺ : "أبكر أم ثيب"؟ فقالوا: بل ثيب يا رسول الله. فأمر به رسول الله ﷺ فرجم"١. هذا الحديث يقرر التحري الكامل الذي يجب أن يقع قبل تنفيذ العقوبة، فقد أراد أبو بكر، ثك عمر ﵄ أن يسترا عن المذنب، ودعواه إلى التوبة قبل أن ينتشر خبره، ويصل إلى رسول الله ﷺ ، ولكنه أبى، وأخبر الرسول ﷺ ، فأعرض عنه ثلاثًا ليدفعه إلى التأكيد مما يقوله عن نفسه، فاصر على قوله بإلحاح. فبعث ﵊ إلى أهله يسألهم عما إذا كان به مرض أو جنون؟ فنفوا ذلك وشهدوا بسلامته. فسألهم هل هو متزوج؟ فأجابوا بالإثبات فرجمه. هكذا ينبغي التحري في إثبات كل حد على مرتكبه وفي تنفيذه. ٤ الترغيب في الزواج وتيسيره: سنبحث هذه المسألة عند الحديث عن الأسرة.

стр. 75

المخدرات المخدرات آفة عالمية نشرتها عوامل كثيرة، ومنها: ١) سعى العصابات المجرمة في العالم لإفساد عقيدة الشباب وعقولهم ليسهل إغراؤهم واستلاب أموالهمم. ٢) ضعف حصانة الشباب، واستغلال فترة مراهقتهم، وعدم اكتمال نضجهم. ٣) قلة وعي الناس. ٤) جهلهم بأحكام الشريعة - مخاطرها: من مخاطرها: ١) إضعاف وظيفة العقل أو إزالتها. ٢) إتلاف المال. ٣) تفكك بعض الأسر. ٣) وجود عصابات ضالة ومضلة. ٥) انتشار الجرائم. - مقاومتها: القضية خطيرة جدًا، والقائمون بها أشرار، غايتهم تحقيق أهدافهم بكل الوسائل، لذلك ينبغي أن تكون مقاومتهم أقوى من وسائلهم لتحول بينهم وبين إفساد المجتمع.

стр. 76

ومن وسائل مقاومتهم: ١) بيان تحريم الشرع الإسلامي للمخدرات واعتبارها من أكبر الكبائر لشدة خطرها. ٢) تخصيص حصص تعليمية في المدارس لشرح أخطاهرا العقلية والصحية، والمالية، والعائلية، والاجتماعية. ٣) تركيز وسائل الإعلام على بيان أضرارها. ٤) تشديد العقوبة على مروجيها ومتناوليها.

стр. 77

الرشوة ١ - تعريفها: الرشوة مثلثة الراء. وهي مال يدفع لصاحب مسؤولية ليمكن صاحب المال من أمر ليس من حقه، أو ليسرع له بإتمام أمر على حساب شخص آخر، أو ليعينه على افتكاك حق غيره مباشرة". ويعتبر إعطاء المال رشوة إذا كان من أخذه لا وجه له في أخذه، وجر منفعة لمقدمه، وخالف الشرع، وألحق ضررًا بالغير. - حكمها: حكمها التحريم لأن فيها مخالفة للشرع وإضرارًا بالغير. - دليل التحريم: قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢ الصيغة ﴿وَلا تَأْكُلُوا﴾ صيغة نهي، والنهي يقتضي التحريم.

стр. 78

والمنهي عنه أكل مال بدون وجه شرعي، وإعطاؤه الحكام لأخذ حق الغير بالباطل. ولفظ الحكام صريح في الدلالة على القضاة، ويشمل في هذه المسألة أصحاب المسئوليات عمومًا كما يشمل النهي كل مال يعطى لأخذ حق الغير. ومن الأدلة من السنة، عن عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي١. وعند ابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو نفسه قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الراشي والمرتشي" ٢. وعند الإمام أحمد٣ والحاكم أبي عبد الله النيسابوري لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش. الراشي هو دافع الرشوة، والمرتشي آخذها، والرائش الوسيط. واللعن يقتضي الوعيد. - الحكمة من تحريمها: ١ ضمان الحقوق للجميع. ٢ صيانة الأموال. ٣ تطبيق أحكام الشرع. ٤ تقرير مبدأ الإخلاص في العمل.

стр. 79

- أسبابها: ١ ضعف الوازع الديني. ٢ طمع المرتشي. ٣ الأنانية سبب مشترك بين الراشي والمرتشي. ٤ ضعف الرقابة الإدارية. - آثارها السيئة في المجتمع: ١ انتشار الحقد بين الناس. ٢ تشجيع الظلم ونشره. ٣ أكل المال بالباطل. ٤ مخالفة الشرع. ٥ أهدار القيم الإسلامية العليا كالعدل ٦ إسناد المهمات والوظائف لغير أهل الكفاءات. ٧ فقدان الثقة بالمسؤليين. ٨ استيلاء اليأيس على قلوب الضعفاء. - مقاومتها: ١ توعية الناس ببيان حكمها، وحكمة تحريمها. ٢ تقوية الرقابة الإدراية. ٣ تشديد العقوبة على مرتكبيها.

стр. 80

خصائص المجتمع المسلم ١ يستمد المجتمع المسلم خصائصه من مضمون الدين الإسلامي الحنيف. وهذه الخصائص هي: - التزام المجتمع بعقيدة التوحيد. - عبادته الله تعالى وحده. - ارتفاع الأذان من مآذن المساجد. - اجتماع أهل الحي والبلد في صلاة الجماعة، والجمعة، والعيدين، وحضور المسلمين من كل أنحاء العالم في الحج. - تطبيق الشريعية الإسلامية. - العمل للدنيا والآخرة. - الترابط العائلي ممثلًا في بر الوالدين وصلة الرحم والنفقة على الأقارب. - الترابط الاجتماعي ممثلًا في حقوق الجوار، وتحابب الناس، وتعاونهم، وتضامنهم، وتراحمهم، وتناصحهم، ومشاركة بعضهم في مناسبات الزواج، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، والوفاء بحقوق الفرد، والجماعة.

стр. 81

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا أنتم فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" ١. عن تميم الداري: أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة" قلنا لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم" ٢. - التسامح في كل المجالات مع الحفاظ على الأحكام. - طلب العلم ونشره. وذكرت من قبل أحاديث في كثير من هذه الخصائص.

стр. 82

القسم الثاني: الأسرة في الإسلام الأسرة ... الأسرة - أهمية الأسرة في الإسلام: تتمثل هذه الأهمية في كون الأسرة هي الخلية الأولى التي تنشأ فيها الأجيال، وتربى إلى أن يصير الأفراد أصحاب أسر، وتسند إلى بعضهم مهام اجتماعية متفاوتة بحيث يتولون كل المسئوليات. ويمكن تلخيص هذه الأهمية فيما يلي: ١ تكوين مجموع الأسر للمجتمع. ٢ تربيتها لأفراده. ٣ تولي هؤلاء الأفراد المسئوليات الاجتماعية. ٤ تأثيرهم بما تلقوه من تربية في أسرهم، وهم يمارسون مسئولياتهم. ولتؤدي الأسرة هذه الوظيفة التربوية ينبغي توفّر الشروط التالية: ١ صلاح مؤسييها: الزوج والزوجة ومن معهما. ٢ اعتمادهما في تربية الأطفال على التربية الإسلامية بدءًا من العقيدة إلى الإعداد للحياة. ٣ توجيه المجتمع مجموع الأسر إلى اعتماد الإسلام عقيدة ومنهج حياة. ٤ تعاون الأسرة مع المؤسسات الأخرى كالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام، على تربية النشء.

стр. 83

فإذا توافرت هذه الشروط، وتمسك المجتمع المسلم بثوابته من إسلام، ولغة، ومصالح، وأهداف مشتركة، وغيرها، انتجت الأسر أجيالًا متعاقبة تلتزم بالقيم الإسلامية الثابتة علمًا وتطبيقًا، وتطلب العلم وتتصف بالوعي، فتكون ثابتة متطورة. وبما أن الأسرة تنطلق من الزواج فإن مسائلهما، وأحكامهما واحدة، لذلك سنتحدث عنه بتفصيل لهذا الاعتبار.

стр. 84

الزواج: - الترغيب فيه: وردت آيات وأحاديث ترغب في الزواج. قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ١. تضمنت هذه الآية الأمر بالزواج وجاء الترغيب فيه في آيات أخرى كثيرة. ووردت في السنة عدة أحاديث منها ما جاء عن عبد الله بن مسعود، قال: قال النبي ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، واحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء "٢ ففي هذا الحديث خطاب للشباب، لأنهم في حاجة إلى الزواج وأمر للمستطيع منهم، وبيان لأهدافه، ونصح للعاجز عنه بالصوم، ليعينه على الاستعفاف.

стр. 85

- حكمه: الأصل أنه مندوب، وقرن الرسول- ﷺ الأمر به بالاستطاعة الجنسية والمالية. فهو واجب على القادر عليه الذي يخاف على نفسه الوقوع في الزنا، لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرم، ويكون ذلك بالزواج. ومستحب للقادر عليه الذي له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور١. ومكروه أو حرام في حق من لا رغبة له في النساء، لأنه خلق كذلك أو لفقده رغبته تلك بسبب المرض أو الكبر. فهذا زواجه يضر بالزوجة، وبقدر الضرر يكون الحكم. ومن أسباب الكراهة والتحريم الحالة المالية للراغب في الزواج، فقد أشار إليها الحديث بقوله ﵊: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج". وفسرت الباءة بالقدرة الجنسية والمالية، وتعرض الفقهاء للحالة المالية في أحكام الطلاق، فكان منها الطلاق بالإعسار. ومن الأولى اعتبار هذه الحالة في حكم الزواج، وارتباط الكراهة، أو التحريم بها، حماية للأسرة من أن تنحل بسبب عجز عائلها عن الإنفاق. ويباح الزواج في حق من لا رغبة له فيه، ولا مانع يمنعه منه. النهي عن التبتل التبتل هو الانقطاع عن النساء، وقد منعه الرسول ﷺ . حدث سعد بن أبي وقاص، قال: "رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا"٢.

стр. 86

رد هنا بمعنى نهى. وحكمة النهي الترغيب في الزواج حفاظًا على التناسل، وصيانة لخصائص الرجولة، ووقاية من الألم بسبب الخصاء ومنعًا من تحريم ما أحل الله من الطيبات. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١. وقد نزلت هذه الآية بسبب استئذان بعض الصحابة الرسول في الاختصاء. الغاية من الزواج رغب الشرع في الزواج تحقيقًا لمصحلة الزوجين، وأبنائهما، والمجتمع بالوصول إلى الغايات التالية: ١ تلبية مطلب الغريزة الجنسية بطريقة شرعية، وفي ذلك وقاية من النظر المحرم، وحماية للمجتمع من مشاكل الزنا، والأولاد اللقطاء، وما شابه ذلك. قال رسول الله ﷺ : "...... فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج". ٢ الحماية من الأمراض التي تنشأ عن العلاقات الجنسية غير الشرعية كالزهري، والسّفلس وفقد المناعة، وغيرها. ٣ حفظ نسب الأولاد إلى آبائهم. ٤ استمرار النوع الإنساني بالتناسل عن طريق الزواج. وينشأ عن هذه الغاية عمارة الأرض، واستثمارها، وتحقيق الإنسان لخلافته فيها. ٥ تحقيق الرغبة البشرية في الإنجاب، والتنعم بالأولاد.

стр. 87

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ ١. ٦ استقرار الحياة الزوجية في ظروف هادئة مناسبة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢. وتأكيدًا للتلاحم بين الزوجين، قال تعالى: ﴿هُنّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ﴾ ٣. ٧ تحمل الزوجين لمسئوليتهما بقيام كل منهما بواجباته. عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم. والعبد راعٍ على مال سيده، وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته" ٤. ٨ تربية النشء الصالح في أسرة صالحة، ومنه تنشأ الأسر الصالحة، فيصلح للمجتمع. ٩ ترابط الأسر بالمصاهرة. من خلال هذه الغايات وغيرها يتبين أنه ينبغي التثبت عند الإقدام على الزواج، وتوفير ظروف استمراره كالانسجام بين الزوجين المتمثل في التقارب في البيئة، والمستوى، والسن، والتخلص من النظرة التي تقصره على الناحية الجنسية، أو التي لا تراعي حقوق الزوجة التي ضمنها الشرع.

стр. 88

أسس الزواج نذكر من هذه الأسس ثلاثة هي: ١ اختيار الزوج. ٢ اختيار الزوجة. ٣ الخطبة. ١- اختيار الزوج عن أبي حاتم المزني، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاءكم من ترضون دينه، وخلقه فِأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد"، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه" ثلاث مرات١. تضمن هذا الحديث صفتين من الصفات المطلوبة من المؤهَّل للزواج وهما: ١ الإسلام، فلا تزوج مسلمة بكافر. ٢ الالتزام به عقيدةً، وعملًا، وأخلاقًا، فإن الفاسق غير مرغوب في تزويجه.

стр. 89

وتضمن الحديث السابق: "يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... " صفة الأهلية، وتتمثل في القدرة الجنسية والمالية، وفي تحمل المسئولية في تكوين الأسر ورعايتها ماديًّا وأدبيًّا. فإذا توفرت هذه الصفات في الراغب في الزواج كان أهلًَا له. وللزوجة أن تطلب من الصفات الأخرى ما لا يتعارض مع الإسلام ولا يثقل على الزوج ولا يكبده المشقة. ٢- اختيار الزوجة الزوجة ركن فعّال في الأسر بسبب مهامها المتعددة. فهي طرف كبير في تحقيق طمأنينتها وتوفير الظروف الملائمة لكل أفرادها. وهي التي تربي الأولاد، وترعاهم، وتوجههم. من أجل هذا فإن التأني في اختيارها أمر أساسي ينبني عليه ما بعده. ومن اللازم معرفة الصفات التي أمر بالشرع بالبحث عنها في المرأة المراد تزوجها. وبالنظر في الحديث التالي يمكن الوقوف على بعضها. عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" ١. عدد هذا الحديث أربع خصال يرغب في الزواج بالمرأة من أجلها، هي: المال، والحسب، والجمال، والدين، ولكنه أوردها بعد لفظ "تنكح" المبني للمجهول مما يعني أن هذه الخصال هي التي يبحث عنها الناس في المرأة، وليست المطلوبة شرعًا، فالحديث حكاية عما في الواقع لا أنه وقع الأمر بمضمونه كله، يدل على ذلك الأمر الوراد في آخر باختيار.

стр. 90

ذات الدين "فاظفر بذات الدين" ووصفه من لم يخترها يضعف العقل والافتقار من العلم لأنه لم يحسن الاختيار. واستفيد هذا من عبارة "تربت يداك". وفي نفس الوقت فإن ظاهر الحديث أجاز اختيار الزوجة للصفات الأربع الواردة فيه أو لبعضها. وعليه فما يستخلص منه أن الصفة التي تجب مراعاتها في الزوجة عند الاختيار هي الدين. وأنه بالإمكان بعد ذلك البحث عن بقية الصفات الورادة فيه، وهي الحسب، والمال، والجمال، كلها أو بعضها. والمتتبع لآراء الأئمة يجدهم أجمعوا على صفة الدين، واختلفوا في أولوية الصفات الأخرى بعده، لأن الدين صفة جامعة للاعتقاد، وطيب المعاشرة، والوفاء بالواجبات، وكل مكارم الأخلاق. وطلب الزوج صفة أخرى يقرها الدين أمر جائز، سواء كانت مما ذكره في الحديث أو مما لم يذكر فيه كالتقارب في السن، والمستوى التعليمي، والمهارة في الاقتصاد البيتي وتحمل المسئولية العائلية، أو كل هذه وغيرها. ٣- الخطبة الخطبة بكسر الخاء، وسكون الطاء، وفتح الباء: طلب الرجل الزواج ممن يرغب فيها من وليها. وتحصل بالتعارف، والرؤية، وتتم بالرضا. ولا مانع من أن يكون إعلان الرغبة في الزواج من الفتاة، ولكن الخطبة تكون من الرجل. ويجتمع الخاطب بمخطوبته بحضور أسرتها أو أحد محارمها لتحصل الرؤية، وتحرم الخلوة بها. وسمح الشرع بالرؤية في غير خلوة، ويمكن أن تكون عند الخطبة أو قبلها بطريقة شرعية، وهو أفضل حتى لا يقع التراجع عندها أو بعدها فتكون له آثار سلبية.

стр. 91

وعلى من تراجع أن يخبر بذلك الطرف الثاني بأدب واحترام، وأن لا يشهر تراجعه. - الدليل على جواز رؤية الخاطب للمخطوبة: عن أبي هريرة، قال: "كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : "أنظرت إليها؟ " قال: "لا" قال: "فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا" ١. شيئًا: صغر أو زرقة أو حول. وعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : "أنظرت إليها؟ " قلت: لا. قال: "فانظر إليها. فإنه أجدر أن يؤدم بينكما" ٢. في الحديث استحباب النظر إلى من يريد تزوجها وهو مذهب كافة أئمة أهل السنة. - موضع النظر: أكثر الأقوال أن ينظر إلى وجهها وكفيها لدلالة الوجه على الجمال أو ضده والكفين على خصوبة البدن أو عدمه، وقال الأوزاعي: يجتهد، وينظر إلى ما يريد منها إلا العورة. وقال ابن حزم: ينظر إلى جميع بدنها. وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين٣.

стр. 92

وقال أحمد في رواية ابنه صالح: ينظر إلى الوجه، ولا يكون عن طريق لذة، وله أن يردد النظر إليها، ويتأمل محاسنها لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك. وفي رواية حنبل: لا بأس أن ينظر إليها وإلى ما يدعوه إلى نكاحها من يد أو جسم، ونحو ذلك١. وأجاز مالك النظر إلى الوجه والكفين فقط٢. الخطبة على الخطبة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" ٣. وفي رواية البخاري عن عبد الله بن عمر نفلسه ﵄ قال: نهى النبي ﷺ أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب٤. الشرح: قال مالك: وتفسير قول رسول الله ﷺ فيما نرى والله أعلم: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه، ويتفقان على صداق واحد معلوم، وقد تراضيا، فهي تشترط عليه لنفسها، فتلك التي نهى أن يخطبها الرجل على خطبة أخيه، ولم يعن بذلك إذا خطب الرجل المرأة فلم يوافقها أمره، ولم تركن إليه أن لا يخطبها أحد، فهذا باب فساد يدخل على الناس ٥.

стр. 93

- حكم الخطبة على الخطبة: الخطبة على الخطبة محرمة على الخاطب، وعلى من استجابت للثاني وهي مخطوبة. وحكمة التحريم منع إثارة التباغض بين المسلمين. - حكم الزواج الحاصل من الخطبة على الخطبة: إذا حصلت الخطبة الثانية بعد ركون الخاطبين إلى بعضهما فالزواج الناتج عنها يفسخ عند داود، ولا يفسخ عند أبي حنيفة، والشافعي. وعن مالك القولان، وقول ثالث وهو أن يفسخ قبل الدخول، ولا يفسخ بعده١. العدول عن الخطبة العدول عن الخطبة هو إعلان الخاطب أو المخطوبة عن تراجعه على استمرار الخطبة، ويترتب عليه أمران أدبي ومادي. أما الأدبي: فهو توقيف رابطة الخطبة بين الخاطبين، ومن شأنها أن تحدث تساؤلًا عند أقاربهما وأصدقائهما. وقد يتأثر بها من وقع العدول عنه. وأما الأثر المادي فموضوعه الهدايا التي قدمت، فهل ترجعها المخطوبة للخاطب أم تبقيها عندها؟ اختلف الفقهاء فيها، فالمذهب الحنفي يرى استرجاع الخاطب لما قدمه من الهدايا إن كانت على حالتها لم تتغير. ويفصل المذهب المالكي في المسألة فيرى أن تسترد الهدايا إن كان العدول من المخطوبة، ولا تسترد إن كان من الخاطب. ويكون الاسترداد بإرجاع ما بقي بعينه، وتقويم ما أتلف وإرجاع قيمته. ولا يبحث الشافعية عمن عدل، ويوجبون رد الهدايا، فإن كانت قائمة ردت أعيانها، وإن أتلفت ردت قيمتها.

стр. 94

عقد الزواج - أركانه وشروطه: بالرجوع إلى كثير من مصادر الفقه ومراجعه لاحظت أن العديد منها لم ينص على أركان وشروط عقد الزواج، وبحثها في غير هذا العنوان. وبين المعاصرين اختلاف فيها، فإذن المتزوجة شرط عند البعض، وركن عند الآخر، والصداق من مقدمات الزواج عند مؤلف، ومن حقوق الزوجة عند غيره. وسأبحثها على النحو التالي: الأركان أركان عقد الزواج في عمومها لا تخرج عن أركان كل عقد، وهي: العاقدان، والمعقوج عليه، والصيغة. ١- العاقدان: هما الزوج أو من ينوبه، وولي الزوجة، أو الزوجة نفسها عند من يرخص لها في تولية عقد زواجها بنفسها إذا كانت راشدة، وشروطهما عندما يعقدان زواجهما بغير ولي الأهلية، وهي الإسلام، والبلوغ، والعقل، وتعفى المرأة من شرط الإسلام عندما تكون كتابية.

стр. 95

٢- المعقود عليه: هو محل العقد، وخصه كثير من الفقهاء بالزوجة، وأرى أنه يشمل الزوجين لأنهما يلتزمان معًا بمضمون العقد، وينتفعان به. وشرطهما في الانعقاد رضاهما وخلوهما من أسباب تحريم الزوج بينهما. ٣- الصيغة: تسمى الإيجاب والقبول. والإيجاب اللفظ الدال على إرادة التزويج بأن يقول الأب أو من يقوم مقامه لخاطب ابنته: زوجتك ابنتي، أو انكحتك ابنتي، والقبول موافقة الخاطب على التزويج بأن يقول: قبلت هذا التزويج، أو رضيت به، أو تزوجتها. ويشترط أن يتما في مجلس واحد دون فاصل بينهما بكلام في غير الموضوع. واختلف في لفظ الهبة والصدقة والبيع والتمليك فأجازها بعض العلماء ومنعها آخرون. ويتم القبول بكل لفظ يدل عليه كقبلت، ووافقت، ورضيت، وأمضت، ونحوها١. الشروط من الشروط ما يتعلق بأركان عقد الزواج، وقد ذكرناها معها، ومنها ما يتعلق بصحته، وهي استئذان المرأة ورضاها، والمهر، والوالي، والإشهاد.

стр. 96

استئذان المرأة ورضاها يستأذن الزوج في تزويجه ليصرح برضاه بمن اقترحت عليه إن لم يكن هو الذي اختارها، أو برفضه لها، وتستأذن الثيب من النساء في تزويجها لتصرح بالرضا أو الرفض لفظًا. وتستأذن البكر، ويقبل منها السكوت عند الرضا، وتطالب باللفظ عند الرفض. ويلزم الشافعي البكر باللفظ في الحالتين إذا كان وليها غير أبيها أو غير جدها. ويرى الفقهاء أن للأب جبر ابنته البكر غير البالغ، ولعلهم رأوا الجبر لصغرها، والأولى أن لا تزوج أن كانت غير واعية، ويؤجل تزويجها إلى البلوغ لتتمكن من الأفصاح عن قبولها أو رفضها. وهناك تفصيلات في جبر الأب لابنته البكر البالغة والثيب غير البالغة والقول الفصل في نص الحديث. عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تنكح البكر حتى تُستأذن"، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" ١. الأيم: الثيب التي فارقت زوجها بموت، أو طلاق. وقد تطلق على من لا زوج لها مطلقًا.

стр. 97

والاستئمار: طلب الأمر. شرط هذا الحديث رضا المرأة عند تزويجها. وهو ما تفيده الترجمة التي ترجم بها الإمام البخاري له. إذ قال: باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما. فهي صريحة في منع تزويج البكر والثيب بغير رضاهما، سواء كان الولي الأب أو غيره. هذا ما اقتضاه ظاهر الحديث، وما فهمه الإمام البخاري، وأكده ابن حجر، فقال: إن الترجمة معقودة لاشتراط رضا المزوجة بكرًا كانت ثيبًا، صغيرة كانت أو كبيرة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، لكن نستثني الصغيرة من حيث المعنى لأنها لا عبارة لها١. ومن الأحادث في هذه المسألة: ما رواه عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها" ٢. - حكم زواج المكرهة: عن خنساء بنت خدام الأنصارية "أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فردّ نكاحها"٣.

стр. 98

ظاهر هذا الحديث رد زواج الثيب إذا أكرهت عليه، وهو موضع إجماع إلا من شذ١. وترجمة الإمام البخاري باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود عامة، تشمل البكر والثيب وفي الحديث النص على الثيب فقط فلعل البخاري استند في تعميمه إلى ما في بعض طرق هذا الحديث من ذكر البكر، ومن المطلوب رضاهم في عقد الزواج الولي إلا عند الإمام أبي حنيفة إذا كانت البنت راشدة، ورغبت في عقد زواجها بنفسها، وتزوجت كفؤًا. وكذلك يستحب رضا أم البنت.

стр. 99

المهر - تعريفه: هو مال يمنح للمتزوجة من الراغب في زواجها يسميه لها عند عقده عليها. - حكمه: أمر به القرآن فقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ ١. افتتحت الآية بصيغة الأمر، ومن معانيه الوجوب، وهو المراد هنا لأنه يجوز التواطؤ على ترك المهر. ودلت عليه السنة فقد أصدق الرسول ﷺ كل زوجاته، وأكد عليه في أحاديثه، فقال -لمن لم يكن عنده مال-: "اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد". وهو من شروط صحة الزواج عند بعض الفقهاء.

стр. 100

- وقت وجوبه: يسمى عند العقد، ويجب كله بالدخول أو الموت بالإتقاق، وللمطلقة بعد العقد، وقبل البناء نصفه لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ١. - أنواع: المهر قسمان: ١ ما يقع الاتفاق عليه. ٢ مهر المثل. يراد ما تعوده الناس بالنظر إلى الوضع الاجتماعي للمتزوجة. ويحتاج إليه عند عدم تسمية المهر، فيمنح عندئذٍ لمن لم يسمِّ مهرها. - ملكيته: المهر حق خالص للزوجة تتصرف فيه -في حدود الشرع- بنفسها، أو توكل عنها من ينوبها فيه، ولها أن تمنح بعضه، أو كله لمن تشاء، كما اقتضت ذلك الآية التي ذكرناها أولًا. - مقداره: ليس لأكثره حد لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ٢.

стр. 101

ففي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً﴾ جواز كثرة الصداق، وللعلم فإن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يقللونه١. واختلفوا في أقله، فقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وفقهاء المدينة من التابعين، وابن وهب من أصحاب مالك: ليس لأقله حدّ، وكل ما جاز أن يكون ثمنًا وقيمة لشيء جاز أن يكون صداقًا، وحدده أبو حنيفة بعشرة دراهم فضة، ومالك بربع دينار ذهبًا٢ قال: لا أرى أن تنكح المرأة بأقلّ من ربع دينار٣. ونظرًا إلى وجوبه فالأولى اعتماد الرأي القائل بتحديد أقله حتى لا يدفع مالًا يساوي قيمته. - النهي عن المغالاة فيه: المغالاة منهي عنها في كل شيء للأضرار التي تترتب عليها، منها إرهاق المتزوج بالديون، وعزوف الكثيرين من الشباب عن الزواج، وفي هذا أخطاء اجتماعية كبيرة. - حكمته: حقيقة حكمته يعلمها الله تعالى، مما يمكن أن يفسر به أنه دليل على قدرة الزوج المالية، وأنه قد يمنعه من الطلاق بسبب ما قدمه من مال لمن يرغب في تطليقها، وما سيقدمه من مهر جديد لمن سيتزوجها، وأنه إكرام للمرأة.

стр. 102

- تأجيله: يجوز أن يكون الصداق، معجلًا، ومؤجلًا، ويجوز أن يعجّل بعضه، ويؤجّل بعضه، فإن أطلق ذكره اقتضى الحلول، وأن شرطه مؤجلًا إلى وقتٍ فهو إلى أجله، وإن أجله ولم يذكر أجله فقيل: إن المهر صحيح، ومحلّه الفرقة. قيل: إن الأجل يبطل، ويكون حالًّا، وقيل: إن المهر فاسد، ولها مهر المثل، وفي المسألة خلاف كبير١.

стр. 103

الولاية في الزواج - تعريف الولي: يرى جمهور الفقهاء أن الولي في الزواج يكون من العصبة، ويقدَّم أبو المرأة أنه لا ولاية لأحد معه عليها، ثم وصيه في تزويج ابنته، ثم الجد للأب، ثم الأبن، ثم الأخ الشقيق، ثم للأب، ثم أبناء الإخوة، ثم العم الشقيق للأب، ثم أبناء العم، ولا ولاية لأخ من أم، ولا خال، ونحوه من ذوي الأرحام١. وعن الحنفية هم من الأولياء٢. - استراطه في الزواج: اشتراطه الجمهور، وقالوا: لا تزوّج المرأة نفسها أصلًا، ولا غيرها، ولا توكّل عير وليها في تزويجها٣. ومن أدلتهم الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ٤ فقد ورد في سبب نزولها ما يلي: عن الحسن، قال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها

стр. 104

جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك، وافرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: "فزوجها إياه" ١. فهذه الآية أصرح دليل على اشتراط الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولو كان لمن نزلت فيها الآية أن تزوج نفسها لما احتاجت إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه، ولا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. وفي حديث معقل هذا أن الولي إذا عضل لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل فإن أجاب فذاك، وإن أصر زوج عليه الحاكم٢. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط الولي أصلًا، ويجوز للمرأة أن تزوج نفسها، ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤًا، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغير وخص بهذا القياس عمومها، وهو عمل سائغ في الأصول وهو جواز تخصيص العموم بالقياس، لكن حديث معقل المذكور رفع هذا القياس، ودل على اشتراط الولي في النكاح دون غيره ليندفع عن موليته العار باختيار الكفء٣. ومن الأحاديث الدالة على اشتراط الولي ما جاء عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي " ٤.

стр. 105

ويشهد له من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ ١. وقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ٢. فقد وجه النهي عن تزويج المشركين في الآية الأولى، والأمر بتزويج الأيامى في الآية الثانية إلى الأولياء. - شروطه: هي الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورة، واختلف في العدالة٣. - عضل الأولياء: ليس للولي أن يعضل موليته إذا طلبت من كفء وبصداق مثلها، ولها أن ترفع أمرها إلى السلطان ليزوجها إذا عضلت إلا إذا كان الأب هو الولي ففي هذه المسألة خلاف. وللبكر أن ترفض تزويج والدها لها من فاسق، وللحاكم أن يفرق بينهما إن حصل ذلك، ومما أثير في موضوع الكفاءة الدين، وأجمع على اعتباره، خالف في ذلك محمد بن الحسن الشيباني، ومما اختلف فيه من صفات الكفاءة: النسب، واليسار، والسلامة من العيوب٤.

стр. 106

الشهادة المنقول عن كثير من الصحابة والتابعين، وعن الأئمة الأربعة، والثوري، والأوزاعي التأكيد على الشهادة على عقد الزواج. وفي رواية عن أحمد أنه يصح بغير شهود مع الرواية عنه أنه لا ينعقد إلا بشاهدين١. وعن أبي حنيقة، ومالك، والشافعي أن الشهادة من شرط النكاح، واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عنه الدخول، أو شرط صحة يؤمر به عند العقد، واتفقوا على أنه لا يجوز زواج السر، وعلى اشتراط الإسلام في الشاهدين، واختلفوا في العدالة٢ ومع الشهادة على العقد يستحب إعلان الزواج. قال أحمد بن حنبل: يستحب أن يظهر النكاح، ويضرب فيه بالدف حتى يشتهر ويعرف٣

стр. 107

النسوة المحرمات هناك عدد من النساء حرم الله تعالى الزواج بهن، بعضهن حرمتهن تأبيدية على من له بهن صلة قرابة، أو رضاع، أو مصاهرة، وبعضهن حرمتهن مؤقتة لعوامل أخرى. المحرمات حرمة تأبيدية: هن المحرمات بالنسب، أو الرضاع، أو المصاهرة، وذكرت الآية التالية كل المحرمات بالنسب، واغلب المحرمات بالمصاهرة، وبعض المحرمات بالرضاع. قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيمًا﴾ المحرمات بالنسب: ذكرن في أول هذه الآية في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ .

стр. 108

وعددهن سبع، وهن الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. المحرمات بالرضاع: ذكرت هذه الآية اثنتين منهن، هما: الأم والأخت ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ . ونص الحديث علهيم جميعًا بالوصف، فعن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" ١. فيكون عدد المحرمات بالرضاع سبعًا أيضًا، وهن - إضافة إلى الأم والأخت - البنت، وابنتها، وابنة الأخ، والعمة، والخالة. واختلف الفقهاء في مسائل تتعلق بالرضاع، منها: مقدار اللبن المحرم، فبعضهم حدده، بعدد من المصّات، وبعضهم أطلقه. والرضاع في الحولين بعد استغناء المولود بالغذاء عن اللبن، فاعتبره بعضهم سببًا للتحريم، ولم يعتبره البعض، ورضاع الكبير. واعتبار زوج المرضعة أبًا للمرضع كأب النسب أم لا، واتفقوا على أن الرضاع يحرم في الحولين. المحرمات بالمصاهرة: المحرمات بالمصاهرة هن اللاتي نشأ تحريمهن بسبب علاقة المصاهرة بين الراغب في الزواج والمرأة التي يرغب في الزواج بها كأن تكون زوجة لابنه أو بنتًا لزوجته، وسوى ذلك. قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾

стр. 109

ذكرت هذه الآية ثلاثة من المحرمات بالمصاهرة، وهن: - أم الزوجة: الجمهور انها تحرم على زوج ابنتها بعقده على البنت حصل الدخول بها أم لم يحصل. وذهب قوم إلى أن الأم لا تحرم إلا بالدخول على ابنتها١. - بنت الزوجة التي تم الدخول بأمها الجمهور على أنه ليس من شرط التحريم الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها. - زوجة الابن تحرم على الأب منذ أن يعقد عليها الابن بشرط أن يكون الابن صلب، لأن المتبنى ليس بابن، وانما ادعى متبنيه بنوته. - زوج الأب وورد النص على تحريم زوجة الأب في الآية التالية: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ ٢ وتحرم على الابن منذ عقد أبيه عليها. المحرمات حرمة مؤقتة أسباب التحريم المؤقت متعددة ولا يجمع بينها جامع، لذلك أذكر كل سبب مستقل عن البقية. ١- الجمع بين الأختين: قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ .

стр. 110

لا يحل لزوج أن يتزوج أخت زوجته ما دامت الأولى في عصمته، فإن فارقها بموت فله زواج أختها. قلت: فارقها بموت، ولم أقل موت أو طلاق، لأن الأخت لا تتزوج عرفًا مكان أختها المطلقة. ٢- الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها: لا يحل الجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها للحديث التالي: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها" ١. ٣- الزوجة المعتدة: الزوجة المعتدة تعتبر زوجةً لمطلقها حتى تنقضي عدتها، فلا يجوز خطبتها، ولا التزوج بها أثناء العدة. قال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ ٢. ٤- المطلقة ثلاثًا: لا يحل لمن طلق زوجته ثلاثًا أن يعقد عليها بعد طلاقها إلا إذا تزوجت من جديد، وطلقت وانقضت عدتها. قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٣. وقال في الآية الموالية: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ .
следующие страницы →