قوله: (اللهم اجعلها سنين) كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصتان جمعهما المؤلف لما ذكره أستاذه إياهما جميعًا، وإلا فشأنه أرفع من أن يخفى عليه مثل ذلك، فكان وقوع دعاء السَّنَة في مكة، ودعوته لهؤلاء المسلمين كانت بالمدينة، انتهى.
وهذا إيراد معروف على الإمام البخاري، أورده شيخنا السهارنفوري شارح أبي داود صاحب "بذل المجهود"، وهكذا ذكر الشرَّاح كلهم، لكنهم ذكروه في حديث ابن مسعود الآتي في "باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين"، ويؤيد الشيخ ما قال العيني (٢) في الباب المذكور تحت قوله: "فجاءه أبو سفيان. . ." إلخ: وكان مجيئه قبل الهجرة لقول ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، ولم يُنقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن الأوجه عند هذا العبد الفقير إلى الله الغني، أن ههنا أربعة وقائع معروفة:
الأولى: دعاؤه ﷺ على قريش بمكة قبل الهجرة بعد طرحهم على ظهره ﷺ سلا جزورٍ، المذكور في حديث ابن مسعود، وفيها دعاؤه ﷺ بسبع سنين.
والثانية: دعاؤه ﷺ على مضر خاصة بهذا الدعاء أيضًا في القنوت وهي بالمدينة سنة أربع من الهجرة، وكان بدء القنوت في هذه السَّنة.
والوقعة الثالثة: خروجه ﷺ للاستسقاء إلى المصلى، وكان في رمضان سنة ست من الهجرة.
والرابعة: دعاؤه ﷺ في خطبة الجمعة المذكورة في حديث أنس ﵁، وكان بعد مرجعه من غزوة تبوك، وقد اختلط في هذه الوقائع كلام الشرَّاح، وأدخلوا قصة في قصة أخرى بمجرد اتحاد ألفاظ الدعاء، والله أعلم.
стр. 999
(٣ - باب سؤال الناس الإمام. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال ابن رُشيد: لو أدخل تحت هذه الترجمة حديث ابن مسعود الذي قبله لكان أوضح مما ذكر، انتهى. ويظهر لي أنه لما كان من سأل قد يكون مسلمًا، وقد يكون مشركًا، وقد يكون من الفريقين، وكان في حديث ابن مسعود المذكور مشركًا ناسب أن يذكر فيما بعده ما يدل على ما إذا كان الطلب من الفريقين كما سأبينه، ولذلك ذكر لفظ الترجمة عامًا لقوله: "سؤال الناس" إلى أن قال: وقد اعترض الإسماعيلي فقال: حديث ابن عمر خارج عن الترجمة؛ إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقي له ولا في قصة العباس، وأجاب ابن المنيِّر عن حديث ابن عمر بأن المناسبة تؤخذ من قوله فيه: "يستسقى الغمام بوجهه"؛ لأن فاعله محذوف، وهم الناس، وعن حديث أنس ﵁ بأن في قول عمر: "كنا نتوسل إليك بنبيك" دلالة على أن للإمام مدخلًا في الاستسقاء، وقال ابن رُشيد: يحتمل أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى؛ لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال، انتهى. وهو حسن، انتهى من "الفتح".
وقال فيما سيأتي من "باب إذا استشفعوا إلى الإمام. . ." إلخ (٢): قال ابن المنيِّر: تقدم له "باب سؤال الناس الإمام. . ." إلخ، والفرق بين الترجمتين أن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا إلى الاستسقاء، والثانية لبيان ما على الإمام من إجابة سؤالهم، انتهى.
(٤ - باب تحويل الرداء في الاستسقاء)
قال الحافظ (٣): ترجم لمشروعيته خلافًا لمن نفاه، ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته كما سيأتي، وقال أيضًا: واستحب الشافعي في الجديد تنكيس الرداء
стр. 1000
مع التحويل، وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك، واستحب الجمهور أيضًا أن يحول الناس بتحويل الإمام، وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده.
فائدة: ذكر الواقدي (١): أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع (٢)، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين، انتهى.
(٥ - باب انتقام الرب -)
قال الحافظ (٣): هكذا وقعت هذه الترجمة في رواية الحموي وحده خالية من حديث ومن أثر، قال ابن رُشيد: كأنها كانت في رقعة مفردة فأهملها الباقون، وكأنه وضعها ليدخل تحتها حديثًا، وأليق شيء بها حديث عبد الله بن مسعود المذكور في ثاني باب من الاستسقاء، وأخر ذلك ليقع له التغيير في بعض سنده كما جرت به عادته غالبًا، فعاقه عن ذلك عائق، والله أعلم، انتهى.
قلت: ولعل الغرض من الترجمة الإشارة إلى البحث الثاني من المباحث السبعة المشار إليها في أول "كتاب الاستسقاء"، ففي هامش "اللامع" (٤) من "الأوجز": الثاني في سببه، وتقدم عن القاري سببه حاجة الناس بسبب قلة الأمطار، ويكون ذلك لكثرة المعاصي غالبًا، وإليه أشار البخاري في "صحيحه"، إذ قال: "باب انتقام الرب . . ." إلخ، وفي "كتاب الزهد" لابن ماجه (٥) في حديث طويل عن ابن عمر مرفوعًا: "ولم
стр. 1001
يمنعوا زكاة أموالهم إلّا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا"، ونحو ذلك من الروايات التي ذكرت في "الأوجز".
(٦ - باب الاستسقاء في المسجد الجامع)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أراد بذلك إثبات أن الاستسقاء هو الدعاء فقط، وأن ليس شيء من الصلاة والتحويلة وغيرهما داخلًا في الاستسقاء، إذ لو كان كذلك لم يتركها النبي ﷺ مع أنه اكتفى ههنا بالدعاء فقط دون أن يحول رداءً ويصلي صلاة، وأيضًا فعقد الباب رد لما يتوهم من كراهة الاستسقاء في المسجد سيما الجامع؛ لأنه محل ذكر ودعاء لا عرض حوائج دنيوية بأنه دعاء أيضًا لا يتمحض للدنيا، بل فيه منافع أخروية كثيرة، انتهى.
وفي هامشه: وهذا على مسلك الإمام أبي حنيفة.
وقال الحافظ (٢): أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج ليس بشرط في الاستسقاء؛ لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس، وذلك حاصل في المسجد الأعظم بناءً على المعهود في ذلك الزمان من عدم تعدد الجامع بخلاف ما حدث في هذه الأعصار، انتهى.
وأنت ترى أن ما أفاده الشيخ أوجه مما قاله الحافظ؛ لأن الملحوظ في الخروج لما كان المبالغة في الاجتماع، وذلك حاصل في المسجد الأعظم، فأيّ حاجة بقيت إلى الخروج؟
ثم قال الحافظ: وقد ترجم له المصنف بعد ذلك "من اكتفى بصلاة الجمعة في [خطبة] الاستسقاء"، وترجم له أيضًا "الاستسقاء في خطبة الجمعة"، فأشار بذلك إلى أنه إن اتفق وقوع ذلك يوم الجمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، انتهى.
стр. 1002
(٧ - باب الاستسقاء في خطبة الجمعة. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): لما كان بعض ما يرد أولًا يرد ههنا أيضًا دفعه مع زيادة أنه لا يشترط له الاستقبال، وإن كان دعاء ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فلما لم يكن الاستقبال داخلًا في الاستسقاء كيف يدخل فيه الصلاة وتحويل الرداء وغيرهما من الأمور، انتهى.
وقد عرفت قريبًا ما قال الحافظ في هذه التراجم الثلاثة، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه التراجم المختلفة إلى أنواع الاستسقاء، ففي "الأوجز" (٢) في مسلك الشافعية: لها ثلاث مراتب، أدناها الدعاء مطلقًا فُرادى ومجتمعين، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وخطبة الجمعة، وأعلاها يصلى بهم ركعتين، أي: على الهيئة المخصوصة المتقدمة في أول أبواب الاستسقاء.
وهكذا في مسلك الحنابلة، ففي "المغني" (٣): قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، ثم ذكر نحو ما تقدم، ولا يبعد عندي أن الإمام قيد الترجمة بقوله: غير مستقبل القبلة دفعًا لما يتوهم من روايات استقبال القبلة في دعاء الاستسقاء أنه ﷺ استقبلها ههنا أيضًا، فدفعه بذلك من أن الاستقبال لا يكون في خطبة الجمعة، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (إن رجلًا دخل المسجد. . .) إلخ، وأورد صاحب "التيسير" بأنه ﵊ مع كمال رأفته وشفقته على الناس لم يبتدئ بالاستسقاء، وأيضًا لم يستدع له أحد من أهل المدينة، حتى جاء رجل من أهل البادية. وأجاب بأنه ﵇، وكذلك أهل المدينة ببركة صحبته كانوا في حالة الرضاء والتوكل على أقصى مراتبه، وأهل البادية لم يبلغوا إلى هذه المرتبة، فألحُّوا للاستسقاء، انتهى معربًا.
стр. 1003
(٨ - باب الاستسقاء على المنبر)
لعله إشارة إلى أن المنبر إن كان موجودًا فلا بأس به، بخلاف ما سيأتي في "باب الدعاء في الاستسقاء" عن عبد الله بن يزيد: "على غير منبر"، واختلفت الأئمة في ذلك، فعند الحنفية والمالكية يخطب على الأرض، وعند الشافعية والحنابلة على المنبر، كما في "الأوجز" (١) عن كتب فروعهم، وفي "البذل" (٢): قال ابن القيم: "فلما وافى المصلى صعد المنبر" إن صح، وإلّا ففي القلب منه شيء، انتهى.
(٩ - باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء)
قد عرفت قريبًا ما قال الحافظ في هذه التراجم الثلاثة، وقال أيضًا (٣): أورد فيه الحديث المذكور، وفيه تعقب على من استدل به لمن يقول: لا تشرع الصلاة للاستسقاء؛ لأن الظاهر ما تضمنته الترجمة، انتهى.
قلت: وهذا التعقب مبني على مسلك الشافعية وغيرهم؛ فإنهم يأولونه بهذا التأويل، وليس للحنفية أن يلتزموا بهذا التأويل.
(١٠ - باب الدعاء إذا تقطعت السبل. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (٤): أي: كما أن الدعاء لطلب المطر الذي هو من رحمة الله مشروع عند قحطه وحبسه، كذلك الدعاء مشروع عند كثرته وطغيانه لرفع مضرته عن العباد، انتهى.
قال الحافظ: قوله: "من كثرة المطر"، ظاهره أن الدعاء بذلك متوقف على سبق السقيا، وكلام الشافعي في "الأم" يوافقه، وزاد: أنه لا يسن الخروج للاستصحاء ولا الصلاة ولا تحويل الرداء، بل يدعى بذلك في
стр. 1004
خطبة الجمعة أو في أعقاب الصلاة. وفي هذا تعقب على من قال من الشافعية: إنه ليس قول الدعاء المذكور في أثناء خطبة الاستسقاء؛ لأنه لم ترد به السُّنَّة، انتهى.
قلت: قوله: "ليس قول الدعاء. . ." إلخ، كذا في نسختي "الفتح" من الميرية والخيرية، والظاهر أن فيه تحريفًا، والصواب بدله: "يسن"، والظاهر أن المراد بقوله: "من قال من الشافعية" هو الإمام أبو إسحاق الشيرازي، فقد قال النووي في "شرح المهذب" (١): وأما قول المصنف - يعني: أبا إسحاق الشيرازي - في التنبيه في أثناء دعاء الاستسقاء لطلب المطر: "اللهم حوالينا ولا علينا" فممّا أنكروه عليه، وإنما يقال هذا عند كثرة المطر وحصول الضرر بها كما صرَّح به في الحديث، ونص عليه الشافعي والأصحاب ﵏، انتهى.
(١١ - باب ما قيل: إنّ النبي ﷺ لم يحوِّل رداءه. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): إنما عبَّر عنه بلفظ: "قيل" مع صحة الخبر؛ لأن الذي قال في الحديث: "ولم يذكر أنه حوَّل رداءه" يحتمل أن يكون هو الراوي عن أنس أو من دونه، فلأجل هذا التردد لم يجزم بالحكم، وأيضًا فسكوت الراوي عن ذلك لا يقتضي نفي الوقوع، وأما تقييده بقوله: "يوم الجمعة" فليبين أن قوله فيما مضى "باب تحويل الرداء في الاستسقاء" أي: الذي يقام في المصلى، انتهى.
قلت: وبهذا الفرق يندفع توهم التكرار، وتقدم في الباب السابق اختلافهم في حكم تحويل الرداء، وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): قوله: "باب ما قيل. . ." إلخ، يعني له أيضًا أصل، وكلٌّ من التحويل وعدمه ثبت عن النبي ﷺ ، انتهى. وليس في الحديث ذكر الجمعة.
стр. 1005
قال الحافظ: وهذا السياق مختصر جدًا، وسيأتي مطولًا من الوجه المذكور بعد اثني عشر بابًا، وفيه: "يخطب على المنبر يوم الجمعة"، انتهى. وهكذا في "العيني" (١)، ولا يبعد عندي أن يقال: إن الترجمة شارحة، فلعل الإمام أشار بالترجمة إلى أن ما ورد من أنه لم يحوِّل فهو في الجمعة.
(١٢ - باب إذا استشفعوا إلى الإمام. . .) إلخ
تقدَّم كلام الحافظ في "باب سؤال الإمام الناس" من الفرق بين الترجمتين، وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٢): قوله: إذا استشفعوا. . . إلخ، أي: التمسوا منه وطلبوا أن يدعوَ لهم، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٣): الأولى خروج الإمام معهم، وإن خرجوا بإذنه أو بغير إذنه جاز، انتهى.
(١٣ - باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط)
قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: ظاهر هذه الترجمة منع أهل الذمة من الاستبداد بالاستسقاء، كذا قال، ولا يظهر وجه المنع من هذا اللفظ، وأشكل بأن الترجمة أعم من الحديث؛ لأن الاستشفاع كان عقب دعاء النبي ﷺ .
وأجيب: بأن الجامع بينهما ظهور الخضوع منهم والذلة للمؤمنين في التماسهم منهم الدعاء لهم، أو يقال: إن جواب إذا محذوف، فيقدر: أجابهم بشرط أن دعا عليهم، أو لم يجبهم إلى ذلك أصلًا، ويمكن أن يقال: إذا رجا إمام المسلمين رجوعهم عن الباطل أو وجود نفع عام للمسلمين شرع دعاؤه لهم، فحذف جواب إذا لوجود هذه الاحتمالات،
стр. 1006
ولا دلالة فيما وقع من النبي ﷺ في هذه القصة على مشروعية ذلك لغيره، إذ الظاهر أن ذلك من خصائصه لاطلاعه على المصلحة في ذلك، بخلاف من بعده ﷺ من الأئمة، انتهى.
(١٤ - باب الدعاء إذا كثر المطر. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): كأن غرضه حصر الدعاء عند كثرة المطر في هذه الألفاظ وأمثالها، وذلك لأن المطر رحمة من الله ﵎، فطلب إمساكه مطلقًا ليس بمناسب، بل المناسب استجلاب منافعه واستدفاع مضاره، وهو معنى قوله ﷺ : "اللهم حوالينا ولا علينا".
(١٥ - باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا)
قال الحافظ (٢): أي: في الخطبة وغيرها، قال ابن بطال (٣): الحكمة فيه كونه حال خشوع وإنابة فيناسبه القيام، وقال غيره: القيام شعار الاعتناء والاهتمام، والدعاء أهم أعمال الاستسقاء فناسبه القيام، ويحتمل أن يكون قام ليراه الناس فيقتدوا بما يصنع، انتهى.
(١٦ - باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): وهو مما ذهب إليه الإمام أيضًا، فإنه قال: إن الصلاة وإن لم تكن داخلة في الاستسقاء، لكن الإمام إن صلى جهر بالقراءة، انتهى.
قال العلامة العيني (٥): من فوائد الحديث الجهر بالقراءة في الاستسقاء، وهو مما أجمع عليه الفقهاء، انتهى.
стр. 1007
(١٧ - باب كيف حوَّل النبي ﷺ ظهره إلى الناس)
وهذه هي الترجمة السابعة بلفظ كيف، كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): أراد بالكيفية ههنا بيان بعض أحواله لا أنها على أيّ كيفية كانت التحويلة، فيصح إيراد الرواية التي فيها بيان وقت التحويلة متى كانت، فعلم أن تحويله ظهره كان قبل الدعاء، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقد استشكل؛ لأن الترجمة لكيفية التحويل، والحديث دال على وقوع التحويل فقط.
وأجاب الكرماني (٣) بأن معناه حوَّله حال كونه داعيًا، وحمل ابن المنيِّر قوله: "كيف" على الاستفهام فقال: لما كان التحويل المذكور لم يتبين كونه من ناحية اليمين أو اليسار احتاج إلى الاستفهام عنه.
قال الحافظ: والظاهر أنه لما لم يتبين من الخبر ذلك كأنه يقول: هو على التخيير، لكن المستفاد من الخارج أنه التفت بجانبه الأيمن لما ثبت أنه كان يعجبه التيمُّن في شأنه كله، ثم إن محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء.
(١٨ - باب صلاة الاستسقاء ركعتين)
مجرور على البدل من الصلاة بإضافة الباب أو عطف بيان أو منصوب بمقدر، انتهى. كذا في "الفتح" (٤).
قال القسطلاني (٥): أراد به بيان كميتها، وأشار إليها بقوله: "ركعتين"، انتهى. والمسألة وفاقية أن السُّنَّة أن يصلي الإمام ركعتين، واختلفوا في صفتها، هل فيها تكبيرات الزوائد أم لا؟ وأيضًا الخطبة قبل الصلاة أو بعدها؟ وغير ذلك بسط في هامش "اللامع".
стр. 1008
(١٩ - باب الاستسقاء في المصلّى)
قال الحافظ (١): هذه الترجمة أخص من الترجمة المتقدمة أول الأبواب، وهي "باب الخروج إلى الاستسقاء"؛ لأنه أعم من أن يكون إلى المصلّى، ووقع في رواية هذا الباب تعيين الخروج إلى الاستسقاء إلى المصلَّى بخلاف تلك، فناسب كل رواية ترجمتها، انتهى.
(٢٠ - باب استقبال القبلة في الاستسقاء)
قال الحافظ (٢): أي: في أثناء الخطبة التي تقع من أجله في المصلّى، انتهى.
وقال القسطلاني: "باب استقبال القبلة" أي: في الدعاء "في الاستسقاء" في أثناء الخطبة الثانية، وهو نحو ثلثها، كما قاله النووي في دقائقه، انتهى مختصرًا.
(٢١ - باب رفع الناس أيديهم مع الإمام. . .) إلخ
قال الحافظ قُدِّس سرُّه (٣): تضمَّنت هذه الترجمة الرد على من زعم أنه يُكتفى بدعاء الإمام في الاستسقاء، انتهى.
قال القسطلاني (٤): قال أصحابنا الشافعية وغيرهم: السُّنَّة في دعاء القحط ونحوه من رفع بلاء، أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، وهي صفة الرهبة، وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السماء، والحكمة أن القصد رفع البلاء بخلاف القاصد حصول شيء، أو تفاؤلًا ليقلب الحال ظهر البطن، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصبَّ ما فيه من المطر، انتهى.
стр. 1009
(٢٢ - باب رفع الإمام يده في الاستسقاء)
قال الحافظ (١): ثبتت هذه الترجمة في رواية الحموي والمستملي.
قال ابن رُشيد: ومقصودٌ بتكرير رفع الإمام يده - وإن كانت الترجمة التي قبلها تضمنته - لتفيد فائدة زائدة، وهي أنه لم يكن يفعل ذلك إلّا في الاستسقاء، قال: ويحتمل أن يكون قصد التنصيص بالقصد الأول على رفع الإمام يده كما قصد التنصيص في الترجمة الأولى بالقصد الأول على رفع الناس، وإن اندرج معه رفع الإمام، قال: ويجوز أن يكون قصد بهذه الكيفية رفع الإمام يده لقوله: "حتى يرى بياض إبطيه"، انتهى.
وقال الزين ابن المنيِّر ما محصله: لا تكرار في هاتين الترجمتين؛ لأن الأولى لبيان اتباع المأمومين الإمام في رفع اليدين، والثانية لإثبات رفع اليدين للإمام في الاستسقاء، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): المقصود من هذه الترجمة إثبات أنه إلى ما يرفع به الإمام يديه، والمقصود من الترجمة السابقة إثبات أصل الرفع فلا تكرار، انتهى.
وهذا التوجيه تقدم في كلام ابن رُشيد.
(٢٣ - باب ما يقال إذا مطرت. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): يحتمل أن تكون ما موصولة أو موصوفة أو استفهامية، وقوله: "قال ابن عباس: ﴿كَصَيِّبٍ﴾: المطر. . ." إلخ، قال ابن المنيِّر: مناسبته لحديث عائشة لما وقع في حديث الباب المرفوع.
قوله: (صيبًا) قدم المصنف تفسيره في الترجمة، وهذا يقع له كثيرًا، وقال أخوه الزين: وجه المناسبة أن الصيِّب لما جرى ذكره في القرآن قرن
стр. 1010
بأحوال مكروهة، ولما ذكر في الحديث وصف بالنفع، فأراد أن يبين بقول ابن عباس أنه المطر، وأنه ينقسم إلى نافع وضار، انتهى.
قلت: وعلى الأول هو من الأصل الحادي والسبعين من أصول التراجم، وهو أن من دأب الإمام البخاري شرح الألفاظ القرآنية المناسبة للحديث.
قال الحافظ في مبدأ "كتاب الأنبياء" (١): جرت عادته أن الحديث إذا وردت فيه لفظة غريبة وقعت أو أصلها أو نظيره في القرآن، أن يشرح اللفظة القرآنية فيفيد تفسير القرآن وتفسير الحديث معًا، انتهى.
وهذا الأصل قد أضيف على الأصول السبعين المذكورة في المقدمة بعد الطبع الأول.
(٢٤ - باب من تمطَّر في المطر. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): لعله أشار إلى ما أخرجه مسلم عن أنس قال: "حسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه المطر، وقال: لأنه حديث عهد بربه"، وكأن المصنف أراد أن يبيّن أن تحادر المطر على لحيته ﷺ لم يكن اتفاقًا وإنما كان قصدًا، فلذلك ترجم بقوله: "من تمطَّر"، أي: قصد نزول المطر عليه؛ لأنه لو لم يكن باختياره لنزل عن المنبر أول ما وكف السقف، لكنه تمادى في خطبته حتى كثر نزوله بحيث تحادر على لحيته ﷺ ، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): قوله: "باب من تمطر"، أي: أخذ المطر على جسده، وهذه سُنَّة عند الشافعية، وقال البعض: إذا مطر أول مطر، انتهى.
стр. 1011
(٢٥ - باب إذا هبت الريح)
قال الحافظ (١): قيل: وجه دخول هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء أن المطلوب بالاستسقاء نزول المطر، والريح في الغالب تعقبه، وسيأتي إيضاح ما يصنع عند هبوبها في أوائل "بدء الخلق" عن عائشة، وفيه: أقبل وأدبر وتغير وجهه، انتهى. وهكذا في "العيني" (٢).
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): من السُّنَّة أن تظهر عليه علامات الخوف، ويبادر إلى الاستعاذة من نزول العذاب إلى أن يمطر كما كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك عند الغيم، انتهى.
(٢٦ - باب قول النبي ﷺ : نُصرت بالصَّبا)
قال ابن المنيِّر (٤): في هذه الترجمة إشارة إلى تخصيص حديث أنس الذي قبله بما سوى الصبا من جميع أنواع الريح؛ لأن قضية نصرها له أن يكون مما يُسَرَّ بها دون غيرها، ويحتمل أن يكون حديث أنس على عمومه، إما بأن يكون نصرها له متأخرًا عن ذلك؛ لأن ذلك وقع في غزوة الأحزاب، وإما بأن يكون نصرها له بسبب إهلاك أعدائه فيخشى من هبوبها أن تهلك أحدًا من عصاة أمته، وهو كان بهم رءوفًا رحيمًا ﷺ ، وأيضًا فالصَّبا تؤلف السحاب وتجمعه، فالمطر في الغالب يقع حينئذ، انتهى.
(٢٧ - باب ما قيل في الزلازل والآيات)
قال الحافظ (٥): قيل: لما كان هبوب الريح الشديد يوجب التخوُّف المفضي إلى الخشوع والإنابة كانت الزلزلة ونحوها من الآيات أولى بذلك، لا سيما وقد نص في الخبر على أن أكثر الزلازل من أشراط الساعة.
стр. 1012
وقال ابن المنيِّر: وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء أن وقوع الزلزلة ونحوها يقع غالبًا مع نزول المطر، وقد تقدم لنزول المطر دعاء يختصه، فأراد المصنف أن يبيِّن أنه لم يثبت على شرطه في القول عند الزلازل ونحوها شيء، انتهى.
وهل يصلى عند وجودها؟ مختلف فيه، قال الموفق (١): قال أصحابنا: يصلي للزلزلة كصلاة الكسوف، وقال أصحاب الرأي: الصلاة لسائر الآيات حسنة؛ لأن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه آية من آيات الله، وقال مالك والشافعي: لا يصلي لشيء من الآيات سوى الكسوف؛ لأنه ﷺ لم يصل لغير الكسوف، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع" (٢).
(٢٨ - باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] قال ابن عباس ﵄: شكركم)
قال العيني (٣): وجه إدخال هذه الترجمة في أبواب الاستسقاء؛ لأن هذه الآية فيمن قالوا: الاستسقاء بالأنواء، انتهى.
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: " ﴿رِزْقَكُمْ﴾ " أي: حظكم وقسطكم، انتهى. وفي هامشه: ذكر هذا التفسير القسطلاني (٥) أيضًا، إذ قال: الرزق بمعنى الشكر في لغة، أو أراد شكر رزقكم الذي هو المطر، ففيه إضمار ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بمعطيه، وتقولون: مُطرنا بنوء كذا، أو تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به، انتهى.
قال الحافظ (٦): قوله: "قال ابن عباس. . ." إلخ، يحتمل أن يكون مراده أن ابن عباس قرأها كذلك، ويشهد له ما رواه سعيد بن منصور: أن
стр. 1013
ابن عباس كان يقرأ: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون".
وروى مسلم عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ ، فذكر نحو حديث زيد بن خالد، وفي آخره: فأنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]، وعُرف بهذا مناسبة الترجمة وأثر ابن عباس لحديث زيد بن خالد.
وقد روي نحو أثر ابن عباس المعلق مرفوعًا من حديث علي، لكن سياقه يدل على التفسير. وقد قيل: في القراءة المشهورة حذف، تقديره: وتجلعون شكر رزقكم، وقال الطبري: المعنى تجعلون الرزق الذي وجب عليكم به الشكر تكذيبكم به، انتهى.
(٢٩ - باب لا يدري متى يجيء المطر إلَّا الله)
قال الحافظ (١): عقَّب الترجمة الماضية بهذه؛ لأن تلك تضمنت أن المطر إنما ينزل بقضاء الله، وأنه لا تأثير للكواكب في نزوله، وقضية ذلك أنه لا يعلم أحد متى يجيء إلا هو، انتهى.
قلت: والظاهر عندي أنه أشار به إلى رد من قال: إن القول بتأثيره ممنوع، والقول لكونها دالًّا على المطر وعلامة عليه لا بأس به، فأشار البخاري بهذا الباب الرد عليه، ويستأنس هذا مما قاله الحافظ تحت حديث الباب: قوله: "وما يدري أحد. . ." إلخ، زاد الإسماعيلي: إلّا الله، وفيه رد على من زعم أن لنزول المطر وقتًا معينًا لا يتخلف عنه، انتهى.
ثم براعة اختتام "كتاب الاستسقاء" في قوله: "بأي أرض تموت" ظاهر، وبه جزم الحافظ قُدِّس سرُّه، كما تقدم في مقدمة "اللامع".
* * *
стр. 1014
١٦ - أبواب الكسوف
ذكر في "الأوجز" (١) ههنا عشرة مباحث مفيدة مبسوطة، وعنه في هامش "اللامع" مختصرًا: الأول: في لغته، والثاني: ما زعمه أهل الهيئة من أنه لا حقيقة له، والثالث: ما هو المشهور في أيام الجاهلية أنه يكون لحدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، والرابع: في حكمه وفوائده، ذكرت منها عشرة في "الأوجز"، والخامس: في زمن وقوع الكسوف في عهده ﷺ ، والسادس: فيما قال أهل الهيئة: إن الكسوف لا يكون إلّا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين، والسابع: في تعدد الكسوف ووحدته في زمنه ﷺ ، والثامن: في صلاة الكسوف وحكمها وكيفيتها ووقتها وجهر القراءة وسرها وأدائها بالجماعة والخطبة بعدها وغير ذلك من المسائل، والتاسع: في خسوف القمر، والعاشر: في صلاة خسوف القمر، والأبحاث المتعلقة بها بسطت في "الأوجز"، وأجملت في هامش "اللامع"، فارجع إليه لو شئت، وسيأتي بعض هذه المباحث في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.
(١ - باب الصلاة في كسوف الشمس)
قال الحافظ (٢): أي: مشروعيتها، وهو أمر متفق عليه، لكن اختلف في الحكم، فالجمهور على أنها سُنَّة مؤكدة، وصرَّح أبو عوانة بوجوبها، ولم أره لغيره إلّا ما حكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، انتهى.
وفي هامش "اللامع": هي سُنَّة غير مؤكدة في فروع الحنفية، وحكي عنهم الوجوب.
стр. 1015
ثم قال الحافظ: ابتدأ البخاري أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة في الصلاة بغير تقييد بصفة؛ إشارة منه إلى أن ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل، وبهذا قال أكثر العلماء، انتهى.
قلت: بل لم يبوِّب لتعدد الركوع مطلقًا، وذكر في باب الصلاة أحاديث مطلق الصلاة، بل بدأ بحديث أبي بكرة، وهو مستدل الحنفية، قال القسطلاني (١): قوله: "فصلى بنا ركعتين" زاد النسائي: "كما تصلون"، واستدل به الحنفية على أنها كصلاة النافلة، وحمله ابن حبان والبيهقي من الشافعية على أن المعنى: كما كانوا يصلون في الكسوف، وتعقبه العيني (٢) بأن حمل ابن حبان والبيهقي على أن المعنى: كما كانوا يصلون في الكسوف بعيد، وظاهر الكلام يرده، إلى آخر ما قال، انتهى مختصرًا.
قوله: (ولكنهما آيتان من آيات الله)، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): وذلك لا ينافي وقوعهما على حسب ما بينه أصحاب الهيئة من حيلولة الأرض وغيره، فإن الآية هي العلامة، وهما تدلان على كمال قدرته وتمام تمكنه من سلب أنوارهما كيفما كان، انتهى.
وفي هامشه: وقد تقدمت الإشارة في البحث الثاني من الأبحاث المتقدمة في أول الباب أن ابن العربي والعيني وغيرهما أبطلوا قول أهل الهيئة، وأجمل الكلام على ذلك في "الأوجز" (٤)، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
(٢ - باب الصدقة في الكسوف)
قال الحافظ (٥): أورد فيه حديث عائشة من رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها، ثم أورده بعد باب من رواية ابن شهاب عن عروة، ثم بعد بابين
стр. 1016
من رواية عمرة عن عائشة، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وورد الأمر في الأحاديث التي أوردها في الكسوف بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء وغير ذلك، وقد قدم منه الأهم فالأهم، ووقع الأمر بالصدقة في رواية هشام دون غيرها، فناسب أن يترجم بها، ولأن الصدقة تالية للصلاة، فلذلك جعلها تلو ترجمة الصلاة بالكسوف، انتهى.
(٣ - باب النداء بـ "الصلاة جامعة" في الكسوف)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قاس عليه صلاتَي العيدين فقال فيهما بالنداء، ولكن الحنفية لم يعدّوا هذا الحكم فيهما؛ لأن الكسوف قلّما يتنبه له كل أحد إلّا إذا اشتد، فأمّا العيدان فلا يخفى يومهما ولا وقت صلاتيهما على أحد، مع أنه ورد في بعض الروايات أنه لم يكن لصلاة العيدين أذان ولا إقامة ولا شيء، فقوله هذا لا شيء ينفي كلّ شيء، وقولهم: الصلاة جامعة شيء لا محالة، انتهى.
وفي هامشه: ظاهر ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه ههنا هو تفرد الإمام الشافعي بذلك فيما بين الأئمة الأربعة، وهو الظاهر من مراجعة كتب الفروع، إلى آخر ما ذكر فيه من نصوص الفروع.
وقوله: (جامعة) قال الحافظ (٢): هو بالنصب فيهما على الحكاية، ونصب الصلاة في الأصل على الإغراء، وجامعة على الحال، أي: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة. وقيل برفعهما على أن الصلاة مبتدأ وجامعة خبره، ومعناه: ذات جماعة. وقيل: جامعة صفة والخبر محذوف، تقديره: فاحضروها، انتهى.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن صلاة الكسوف ليس فيها أذان ولا إقامة إلّا أن الشافعي قال: لو نادى مناد: "الصلاة جامعة" ليخرج
стр. 1017
الناس بذلك إلى المسجد لم يكن بذلك بأس، انتهى من هامش "اللامع" (١).
(٤ - باب خطبة الإمام في الكسوف)
ذكر في هامش "اللامع" (٢) مما يتعلق بصلاة الكسوف ستة مباحث:
الأول: في حكمها وقد تقدم، والثاني: في وقتها، والثالث: في كيفيتها، والرابع: في جهر القراءة وسرَّها، والخامس: أدائها بالجماعة، والسادس: أنهم اختلفوا في الخطبة بعدها، قال الشافعي وإسحاق بسُنِّية الخطبة بعدها خلافًا للأئمة الثلاثة وصاحبَي أبي حنيفة، إذ قالوا: لا خطبة بعدها، كما بسط في "الأوجز" (٣)، انتهى.
ودليل الجمهور ما قال العيني (٤): إن النبي ﷺ أمرهم بالصلاة والتكبير والصدقة ولم يأمرهم بالخطبة، ولو كانت سُنَّة لأمرهم بها، ولأنها صلاة كان يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة، وإنما خطب ﷺ بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، فكأنه مختص به، وقيل: خطب بعدها لا لها، بل ليردهم عن قولهم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم. وقال بعضهم - أي: الحافظ -: والعجب أن مالكًا روى حديث هشام هذا، وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه، قلت: ليس بعجب ذلك، فإن مالكًا وإن كان قد رواها فيه وعلَّلها بما قلنا فلم يقل بها، انتهى.
وفي "الفيض" (٥): لا خطبة فيه عندنا، وإنما كانت خطبته ﷺ من الخطب العامة لا من متعلقات الصلاة كما يعلم من سياق البخاري، انتهى.
قوله: (أخطأ السُّنَّة) كتب الشيخ في "اللامع" (٦): فيه دلالة ظاهرة لمذهب الإمام، فإن عروة يحدث عن غيره وإنه تابعي وأخوه عبد الله هذا
стр. 1018
صحابي بنفسه، ولا يمكن أنه تقدم على القوم وأمَّهم دون أن يحقق أمر صلاة الكسوف، كيف هي؟ وقد كانت معه جماعة من الصحابة ولم ينقل عن أحد منهم إنكار على ما فعله، ولو أنكروا عليه لنقل كما نقل إنكار أخيه الأصغر منه سنًا وعلمًا، فكان ذلك حجة قوية على أنهم سلموا ذلك منه واستحسنوه.
وأما إنكار عروة فإن مبناه أنه سمع من عائشة ما يخالف صلاة ابن الزبير، فظن أنه خالف السُّنَّة، مع أن عائشة لم تكن حين الصلاة إلا في حجرتها، فلا تدري الأمر على ما هو عليه في نفس الأمر، كيف! وقد رواه غيرها ممن شهد الوقعة وتحرَّى فعل النبي ﷺ فيها كما هو مذكور في روايات أبي داود ولم ينقلوا إلّا ما اختاره الأحناف ﵃، ومع ذلك كله فهي مترددة في رواية القصة، فقد روي عنها أربع ركوعات وستة، فهذا أدلّ حجة على أنها لم يتعين عندها أحد الأمرين وإلا لما اختلفت الروايات عنها، فعلم أنها مع ترددها في تعيين عدد الركوع روت كل واحد من الراويين على حسب ما ترجح عندها من الاحتمال حين روايتها لتلك الرواية، والله تعالى أعلم، وبسط في هامشه في تأييد كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
(٥ - باب هل يقول: كسفت الشمس. . .) إلخ
ترجم الإمام البخاري بلفظ: "هل"، قال الزين ابن المنيِّر: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء.
قال الحافظ (١): ولعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري عن عروة قال: "لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت"، وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى
стр. 1019
عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح.
وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلَّطه لثبوته بالخاء في القمر، وكان هذا هو السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة.
وقيل: يقال في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغير إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل في الشمس: خسفت أو كسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنهما مترادفان، إلى آخر ما في هامش "اللامع"، وفيه: مال العيني (١) إلى أن الاستفهام في الترجمة ليس للنفي والإنكار.
والأوجه عندي: أن الترجمة من الأصل الثاني والثلاثين، وأشار بلفظ: "هل" في الترجمة إلى مجرد الاحتمال الناشئ من قول عروة، والمقصود استعمال كل من اللفظين في كل منهما، كما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه، إذ قال (٢): قوله: فقال في كسوف الشمس والقمر، فيه الترجمة حيث ذكر الراوي أوّلًا لفظ الكسوف لهما، ثم ذكر بلفظ: "لا يخسفان"، فعلم جواز إطلاق اللفظتين معًا، وإن كان الغالب في القمر الخسوف كما ورد في الآية، وفي الشمس الكسوف، والله أعلم.
ثم ذكر الإمام ﵀ في الترجمة الآية الشريفة، قال الحافظ (٣): في إيراده لهذه الآية احتمالان، أحدهما: أن يكون أراد أن يقال: خسف القمر كما جاء في القرآن، ولا يقال: كسف، وإذا اختص القمر بالخسوف أشعر باختصاص الشمس بالكسوف، والثاني: أن يكون أراد أن الذي يتفق
стр. 1020
للشمس كالذي يتفق للقمر، وقد سُمي في القرآن بالخاء في القمر، فليكن الذي للشمس كذلك، انتهى.
(٦ - باب قول النبي ﷺ : يخوِّف الله عباده. . .) إلخ
قال الحافظ (١) تحت حديث الباب: فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر، وقد ردّ ذلك عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الآتي حيث قال: "فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة"، قالوا: فلو كان الخسوف (٢) بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى. ومما نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. . . إلى آخر ما بسط فيما اعتقدوا من ذلك والرد عليهم، فارجع إليه لو شئت.
قال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: وربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: "يخوِّف الله بهما عباده"، وليس بشيء؛ لأن لله أفعالًا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك، فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.
وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى، انتهى.
стр. 1021
قوله: (تابعه أشعث. . .) إلخ، بسط الكلام على ذكر من قال: "يخوِّف" ومن لم يقل، لما فيه من الرد على ما تقدم من أهل قول الهيئة: إنه أمر عادي فلا تخويف فيه. وبسط الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" في توضيح هذه المتابعات لاختلاف نسخ البخاري في ذكر قوله: "تابعه أشعث"، ففي النسخ التي بأيدينا ذكره بعد ذكر متابعة موسى، ورجح الحافظ تقديمه، وباختلاف ذلك يختلف غرض المتابعة، وبسط الكلام على ذلك الحافظان ابن حجر والعيني (١)، وسكت عنه الكرماني، ولخص القسطلاني كلام الحافظ، كما ذكر في هامش "اللامع" (٢)، فارجع إليه لو شئت.
(٧ - باب التعوذ من عذاب القبر. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: مناسبة التعوّذ عند الكسوف: أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه ظلمة القبر وإن كان نهارًا، والشيء بالشيء يذكر، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة، انتهى.
قلت: أو: لما أن عذاب القبر أوحي إليه ﷺ إذ ذلك، كما يشير حديث الباب، وبه جزم الحافظ (٤) في "باب ما جاء في عذاب القبر" من "كتاب الجنائز"، ويشكل عليه ما تقدم من عذاب القبر في الرجلين يعذبان في كبير: النميمة والبول، فإن ظاهره أنه كان في مقدم المدينة، وغير ذلك من الروايات التي ذكرها البخاري في "باب عذاب القبر"، ومع ذلك جزم الحافظ بأن عذاب القبر أعلم به النبي ﷺ في سنة الكسوف، وأول ما خالف ذلك، وقال: فانتفى التعارض.
стр. 1022
(٨ - باب طول السجود في الكسوف)
قال الحافظ (١): وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من أنكره، واستدل بعض المالكية على ترك إطالته بأن الذي شُرع فيه التطويل شرع تكراره كالقيام والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود فلا يشرع تطويله، وهو قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار، انتهى.
قال القسطلاني (٢): واختلف في استحباب إطالة السجود في الكسوف، وصحح الرافعي عدم إطالته كسائر الصلوات، وعليه جمهور أصحاب الشافعي، وصحح النووي التطويل وقال: إنه المختار بل الصواب، وعليه المحققون من أصحابنا، انتهى.
قلت: وهكذا يستحب التطويل عند الأئمة الثلاثة الباقية مالك وأحمد وأبي حنيفة كما بسط في "الأوجز" (٣) عن متونهم.
(٩ - باب صلاة الكسوف جماعة. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): أي: وإن لم يحضر الإمام الراتب فيؤم لهم بعضهم، وبه قال الجمهور. وعن الثوري: إن لم يحضر الإمام صلّوا فرادى، انتهى.
وما تعقب عليه العيني (٥) بقوله: قلت: إذا لم يكن الإمام حاضرًا كيف يصلون جماعة؟. . . إلخ، فليس بوجيه، فإن الحافظ ﵀ قيَّد الإمام بقوله: الراتب، ولم ينف الإمام رأسًا. وفي هامش "اللامع": وأداؤها بالجماعة سُنَّة عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، وقال بعضهم: لا تشرع لها الجماعة، انتهى.
وقال العيني: قال صاحب "الذخيرة" من أصحابنا: الجماعة فيها
стр. 1023
سُنَّة، ويصلي بهم الإمام الذي يصلي الجمعة والعيدين، وفي "المرغيناني": يؤمهم فيها إمام حيّهم بإذن السلطان، ولا يصلون في مساجدهم بل يصلون جماعة واحدة، ولو لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى، انتهى.
(١٠ - باب صلاة النساء مع الرجال. . .) إلخ
قال الحافظ (١): أشار بهذه الترجمة إلى رد قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى، وهو منقول عن الثوري وبعض الكوفيين. وفي "المدونة": تصلي المرأة في بيتها وتخرج المتجالَّة، وعن الشافعي: يخرج الجميع إلا من كانت بارعة الجمال، انتهى.
وقال العيني (٢): وأبو حنيفة يرى بخروج العجائز فيها غير أنهن يقفن وراء صفوف الرجال، وعند أبي يوسف ومحمد: يخرجن في جميع الصلوات لعموم المصيبة، فلا يختص ذلك بالرجال، انتهى.
(١١ - باب من أحبّ العتاقة في كسوف الشمس)
العتاقة بفتح العين المهملة، قيَّده بالكسوف نظرًا إلى لفظ حديث أورده في الباب، وإلا فكذلك حكم الخسوف كما يأتي في "كتاب العتق" بلفظ: "كنا نؤمر عند الخسوف بالعتاقة".
قال القسطلاني (٣): وهل يقتصر على العتاقة، أو هي من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ الظاهر الثاني لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وإذا كانت من التخويف فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البر، كل على قدر طاقته، ولما كان أشد ما يتوقع من التخويف النار، جاء الندب بأعلى شيء يتقي به النار؛ لأنه قد جاء: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار"،
стр. 1024
فمن لم يقدر على ذلك فليعمل بالحديث العام وقوله ﵊: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، ويأخذ من وجوه البر ما أمكنه، قاله ابن أبي جمرة، انتهى.
(١٢ - باب صلاة الكسوف في المسجد)
لعله إشارة إلى ردِّ ما يتوهم من بعض الروايات من الخروج إلى المصلَّى، ويحتمل أنه نَبَّهَ بذلك على أنها تخالف في هذا صلاة العيد والاستسقاء، ثم ليس في الحديث ذكر المسجد، نعم يؤخذ من قوله: "بين ظهراني الحجر"، إذ كانت لاصقة بالمسجد، وقد ورد في حديث الباب عند مسلم (١) بلفظ: "فخرجت في نسوة بين ظهراني الحجر في المسجد" الحديث.
(١٣ - باب لا تنكسف الشمس لموت أحد. . .) إلخ
هذا هو البحث الثالث من المباحث المذكورة في أوّل "كتاب الكسوف"، قال الحافظ (٢): قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خَلْقان مسخَّران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدفع من أنفسهما. وفيه ما كان النبي ﷺ عليه من الشفقة على أمته وشدة الخوف من ربه ﵎، انتهى.
(١٤ - باب الذكر في الكسوف)
صنيع المؤلف ظاهر في أنه أراد عقد التراجم على جميع ما ورد في الأحاديث من العبادات والمعالجات لدفع الكسوف، وقد تقدم ما قال الحافظ في "باب الصدقة في الكسوف" (٣): ورد الأمر في الأحاديث التي
стр. 1025
أوردها في الكسوف بالصلاة والصدقة والذكر والدعاء وغير ذلك، وقد قدم منها الأهم فالأهم، انتهى.
(١٥ - باب الدعاء في الكسوف. . .) إلخ
قال الحافظ (١): وورد الأمر بالدعاء أيضًا من حديث أبي بكرة وغيره، ومنهم من حمل الدعاء والذكر على الصلاة لكونهما من أجزائها، والأول أولى؛ لأنه جمع بينهما في حديث أبي بكرة حيث قال: "فصلوا وادعوا"، انتهى. وهو الظاهر من التراجم؛ إذ المصنف ترجم لكل واحد منها على حدة.
(١٦ - باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد!. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): ذكر فيه حديث أسماء مختصرًا معلقًا، وقد تقدم مطولًا من هذا الوجه في "كتاب الجمعة"، انتهى.
قلت: سكتوا عن غرض الترجمة، والأوجه عندي في الغرض ما تقدم في "كتاب الجمعة"، وذكر هذه الترجمة ههنا أيضًا اهتمامًا بشأنها، وتنبيهًا على أن هذه اللفظة تكون في كل خطبته ﷺ من الجمعة والكسوف وغيرهما.
(١٧ - باب الصلاة في كسوف القمر)
قال الحافظ (٣): أورد فيه حديث أبي بكرة من وجهين مختصرًا ومطولًا، وليس في المختصر ذكر القمر لا بالتنصيص ولا بالاحتمال، والجواب أنه أراد أن يبين أن المختصر بعض الحديث المطول، وبه تحصل المطابقة، وحكى ابن التين أنه وقع في رواية الأصيلي: "انكسف القمر"
стр. 1026
بدل الشمس، وهذا تغيير لا معنى له، وكأنه عسرت عليه مطابقة الحديث بالترجمة، فظن أن لفظه مغير، فغيره هو إلى ما ظنه صوابًا، وليس كذلك، انتهى.
وذكر القسطلاني كلام ابن التين ولم يتعقب عليه بشيء، بل قال (١): وروى ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: "انكسفت الشمس أو القمر"، وفي رواية هشيم: "انكسفت الشمس والقمر"، انتهى.
قال العيني (٢): أشار الكرماني إلى المطابقة بأن معرفة الصلاة في كسوف الشمس تغني عن معرفة الصلاة في كسوف القمر، فمن ذلك حصل الاستغناء بذكر أحدهما عن الآخر.
قلت: هذا ليس بسديد، ثم ذكر العيني كلام الحافظ المتقدم وتعقب عليه، فارجع إليه لو شئت.
ثم ذكر في هامش "اللامع" في خسوف القمر بحثين:
الأول: أن الخسوف وقع مرتين في زمنه ﷺ ، والكسوف لم يقع إلّا مرة واحدة، كما قال العشماوي، وفي "شرح الإحياء": إن الخسوف وقع في السنة الرابعة في جمادى الآخرة، ولم يشتهر أنه ﷺ جمع له الناس، وفي "سيرة ابن حبان": إن القمر خسف في السنة الخامسة، وهكذا في "تاريخ الخميس".
والبحث الثاني: هل صلى النبي ﷺ صلاة الخسوف؟ فقال مالك: لم يبلغنا أنه ﷺ صلى إلا في خسوف الشمس، وبه جزم ابن القيم، وحكى القاري عن الدارقطني بسنده عن ابن عباس أنه ﷺ صلى في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات في أربع سجدات، وسنده جيد.
وأما عند الأئمة الأربعة، فعندنا الحنفية وكذا المالكية: صلاة الخسوف كسائر النوافل بدون تكرار الركوع وبدون الخطبة، إلّا أن الجماعة
стр. 1027
مكروهة فيها عند مالك، وغير مسنونة عند الحنفية، وعند الشافعي: هي كصلاة الكسوف بتكرار الركوع بالجماعة جهرًا، وكذا عند أحمد، إلّا أنهما إختلفا في الخطبة بعدها، ثابتة عند الشافعي دون أحمد، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع".
(١٧ م - باب صب المرأة على رأسها الماء. . .) إلخ
ليس هذا الباب في نسخة الحافظ ولا القسطلاني، ولا في المصرية التي عليها حاشية السندي، نعم هو موجود في نسخة العيني، قال القسطلاني (١): وقع في رواية المستملي: "باب صب المرأة على رأسها. . ." إلخ، بدل قوله: "باب الركعة الأولى في الكسوف أطول" الثابت في رواية الكشميهني والحموي، والظاهر أن المصنف ترجم لها وأخلى بياضًا ليذكر لها حديثًا كعادته، فلم يتفق، فضم بعضهم الكتابة بعضها إلى بعض، فوقع الخلط، ووقع في رواية أبي علي ابن شبويه عن الفربري أنه ذكر "باب صب المرأة" أوّلًا، وقال في الحاشية: ليس فيه حديث، ثم ذكر "باب الركعة الأولى أطول"، وأورد فيه حديث عائشة هذا، وكذا في "مستخرج الإسماعيلي".
قال الحافظ ابن حجر (٢): فعلى هذا فالذي وقع من صنيع شيوخ أبي ذر من اقتصار بعضهم على إحدى الترجمتين ليس بجيد، أما من اقتصر على الأولى وهو المستملي فخطأ محض، إذ لا تعلق لها بحديث عائشة، وأما الآخران فمن حيث إنهما حذفا الترجمة أصلًا، وكأنهما استشكلاها فحذفاها، انتهى.
قلت: ذكر الترجمة من غير ذكر حديث أصل مستقل من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وهو الأصل السابع والعشرون، فارجع إليه لو شئت.
стр. 1028
(١٨ - باب الركعة الأولى في الكسوف أطول)
قال القسطلاني (١): والركعة الثانية أطول من الثالثة، وهي أطول من الرابعة، قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامَيْها وركوعَيْها أطول من الركعة الثانية بقيامَيْها وركوعَيْها، واتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأول وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه، وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: "وهو دون القيام الأول" هل المراد به الأول من الثانية، أو يرجع إلى الجميع، فيكون كل قيام دون الذي قبله، ورواية الإسماعيلي بلفظ الأولى، فالأولى أطول بدل قوله: الأول، والأول أطول تعيين هذا الثاني، انتهى مختصرًا.
(١٩ - باب الجهر بالقراءة في الكسوف)
قال الحافظان ابن حجر والعيني (٢): سواء كان للشمس أو للقمر، قلت: فعلى هذا ميل المصنف إلى الجهر فيهما، ولعل استدلاله بعموم اللفظ، فإن لفظ الخسوف يستعمل فيهما كما تقدم، والمسألة خلافية، فعند أبي يوسف يجهر، وبه قال أحمد، وقالت الأئمة الثلاثة بالسر في كسوف الشمس، وبالجهر في الخسوف، وقول محمد مختلف فيه، قال النووي: مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنه يُسر في الكسوف ويجهر في الخسوف، وما حكاه النووي عن مالك هو المشهور عنه، بخلاف ما حكاه عنه الترمذي من الجهر، قال المازري: ما حكاه الترمذي عنه رواية شاذة، قلت: ويقال: عن مالك روايتان، والمشهور السر، والبسط في "الأوجز" (٣)، انتهى من هامش "اللامع".
стр. 1029
وقال الحافظ تحت الحديث الأول (١): استدل به على الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير بذلك على خسوف القمر، وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر بلفظ: "كشف الشمس" الحديث، انتهى.
ثم براعة الاختتام سكت الحافظ عنه، والظاهر عندي أن وقت الكسوف يشبه بما يراه الميت في القبر أول ما يوضع فيه من بقية ضوء النهار، ففي "المشكاة" برواية ابن ماجه (٢): عن جابر ﵁: "إذا أدخل الميت القبر مثلت له الشمس عند غروبها"، الحديث، ولذا تعوذ ﵊ عند الكسوف من عذاب القبر، أو يقال: إن المعروف عندهم أن الكسوف يكون لموت عظيم، فإنه وإن كان باطلًا عند الشرع لكنه مذكِّر له.
* * *
стр. 1030
١٧ - أبواب سجود القرآن
قال الحافظ (١): كذا للمستملي، ولغيره: "باب ما جاء في سجود القرآن وسُنَّتها"، انتهى. قلت: وهكذا في النسخ الهندية التي بأيدينا.
قوله: (وسُنَّتها) في هامش "اللامع" (٢): لم يتعرض الشرَّاح لغرض هذا اللفظ في الترجمة نصًا، وما يظهر من كلامهم أنهم حملوه على إثبات كون السجدة سُنَّة ردًا على من قال بوجوبه. وهكذا يفهم من كلام شيخ المشايخ في "تراجمه" (٣).
وهذا الغرض ليس بوجيه عندي لوجهين، الأول: أن الإمام البخاري لم يتعرض في الباب لشيء يناسب هذا المعنى، والثاني: أن الإمام البخاري أشار إلى هذا المعنى فيما سيأتي قريبًا في "باب من رأى أن الله تعالى لم يوجب السجود"، فلو أراد إثبات السُّنِّية ههنا تكرر الترجمة.
فالأوجه عندي في غرض الترجمة أن المراد بالسُّنَّة معناها اللغوي، أي: طريقتها، وعلم من الرواية أنها بعد قراءة الآية كما يدل عليه لفظ: فسجد، ولذا قال القسطلاني (٤): لو سجد قبل تمام الآية ولو حرفًا لم يعتبر، ويمكن أن يقال: إن المراد به بدء سُنِّيتها ومشروعيتها، فالترجمة حينئذ من الأصل التاسع والخمسين من أصول التراجم، وعلم من الحديث أن مبدءها من سورة النجم.
قال الحافظ (٥): أفاد المصنف في رواية إسرائيل الآتية في تفسير سورة النجم: أن النجم أول سورة أنزلت فيها سجدة، وهذا هو السر في بداءة
стр. 1031
المصنف في هذه الأبواب بهذا الحديث، وأما سورة "اقرأ" وإن كان أول السور نزولًا وفيها أيضًا سجدة، لكن السابق منها أوائلها، وأما بقيتها فنزل بعد ذلك، انتهى.
(٢ - باب سجدة ﴿تَنْزِيلُ﴾ السجدة)
قال الحافظ (١): قال ابن بطال: أجمعوا على السجود فيها، وإنما اختلفوا في السجود بها في الصلاة، انتهى. كما تقدم في "باب ما يقرأ في صلاة الفجر" من "كتاب الجمعة" من مذهب مالك أنه كره أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وستأتي المسألة في باب مستقل.
قال الحافظ (٢): وقد اختلف تعليل المالكية بكراهته، فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض، وقيل: لخشية التخليط على المصلين، وقيل: لخشية اعتقاد العوام أنها فرض، إلى آخر ما بسط من الرد على تلك الوجوه.
وفي هامش الهندية (٣) عن "الخير الجاري": لم يذكر في الحديث أنه ﷺ سجد فيها أم لا؟ فلعله استفاد ذلك من تسمية السورة بتنزيل السجدة، أو يقال: إن الترجمة شارحة للحديث، ويكون إشارة إلى ما جاء في طريق لغيره، انتهى.
(٣ - باب سجدة ص)
الظاهر أن المصنف ﵀ مال إلى السجود فيها؛ لأن في الرواية سجوده ﷺ ، قال العلامة العيني (٤): فِعْله ﷺ أولى من قول ابن عباس، وقد روى ابن المنذر عن علي أن العزائم: حم، والنجم، واقرأ، والم تنزيل. وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأُخر، انتهى من "الفتح" (٥).
стр. 1032
واختلفوا في عدد سجود القرآن على اثني عشر قولًا، بسطت في "الأوجز" (١)، والمعروفة منها أربعة:
الأول والثاني: مذهب الحنفية والشافعية إذ قالوا: إنها أربع عشرة سجدات إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم في سجدة ص، فقالت بها الحنفية والمالكية، ولم يقل بها الشافعية، وهما روايتان عن أحمد، وفي السجدة الثانية من الحج، إذ قالت بها الشافعية والحنابلة، ولم يقل بها الحنفية والمالكية.
والمذهب الثالث: مذهب الإمام مالك المعروف عنه أنه قال بإحدى عشر سجدات، بإسقاط الثلاثة من المفصل وثانية الحج، وهو القول القديم للشافعي.
والرابع: المعروف المشهور في شروح الحديث من مذهب الإمام أحمد أنه قال بخمس عشرة سجدات، يعني: مع سجدة ص وثانية الحج، لكن المعروف في متون الحنابلة موافقته للشافعية.
(٤ - باب سجدة النجم. . .) إلخ
أسقطها مالك في ظاهر الرواية والشافعي في القديم إذ قالا: ليس في المفصَّل سجدة، وكذا قال جماعة، ذكر أسماءهم العيني (٢) في المذهب الثاني من المذاهب العشرة في السجود، وأسقط النجم خاصة أبو ثور كما في المذهب الخامس، وتقدم مذاهب الأئمة الأربعة في الباب السابق.
(٥ - باب سجود المسلمين مع المشركين)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): أراد بذلك إثبات أنه لا يتوقف السجود على الطهارة، والاستدلال بالرواية من حيث إنه ذكر فيها سجود
стр. 1033
المشركين، ومن الظاهر أنهم لم يكونوا على وضوء، ولم ينههم النبي ﷺ عنه، وأيضًا فإن المذكور فيها سجود المشركين والمسلمين، ولم يذكر فيها أن المسلمين كانوا على وضوء أو على غير وضوء، فيستوي الأمران فيها، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (١): قوله: "كان ابن عمر ﵄ يسجد على غير وضوء"، كذا لأكثر الرواة، وفي رواية الأصيلي بحذف "غير"، والأول أولى، ولم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلّا الشعبي، انتهى.
قلت: وظاهر ترجمة البخاري أنه ذهب أيضًا إلى جواز السجدة بلا وضوء، وقال السندي (٢): أراد أن اختلاط المشركين بالمسلمين لا يضر في سجود المسلمين، مع أن المشرك نجس غير متوضئ، وقوله: "كان ابن عمر. . ." إلخ، بمنزلة الترقي في ذلك، أي: بل كان ابن عمر لا يوجب الوضوء للسجود، فكيف يضر اختلاط المشرك النجس؟ ولم يرد اختيار قول ابن عمر، والاستدلال عليه بسجود المشركين ضرورة أن فعل المشرك ما كان إلّا صورة السجود لا معناه، فلا وجه للاستدلال به، انتهى.
قال الحافظ: اعترض ابن بطال (٣): إن أراد البخاري الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة، وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله: والمشرك نجس، فهو أشبه بالصواب، وأجاب ابن رُشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود مع عدم أهليته، فالمتأهل لذلك أحرى، ويؤيده الحديث بأن من لم يسجد عوقب عليه، انتهى.
وما ذكر الشرَّاح ههنا في سبب سجود المشركين من قصة الغرانيق
стр. 1034
بسط الكلام عليه شيخنا في "البذل" (١)، وهذا العبد في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت، وفيه: والذي اختاره الشيخ الكَنكَوهي في "الكوكب" هو الذي اختاره شيخ المشايخ في "تراجمه" (٢)، إذ قال: ذكر المفسرون في هذه القصة أنه جرى على لسانه ﷺ من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينهم؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه ﷺ ، والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره من المحدثين، وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلَّط عليه الشيطان، حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم حاشا هذا، وقد قال الله تعالى في حق عامة الصلحاء: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع يوم المحشر الذي أقسم الله بعمره فقال: "لعمرك يا حبيبي"، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٦ - باب من قرأ السجدة ولم يسجد)
قال الحافظ (٣): يشير بذلك إلى الرد على من احتج بحديث الباب على أن المفصَّل لا سجود فيه كالمالكية، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور؛ لأن ترك السجود فيها لا يدل على تركه مطلقًا لاحتمال أنه كان إذ ذاك بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة، أو ترك لبيان الجواز، وبه جزم الشافعي، انتهى.
وعلى هذا فتكون الترجمة شارحة بأن عدم سجوده ﷺ كان لعارض، وأيضًا فيه تأييد لظاهر الرواية عن الحنفية أن وجوبها على التراخي، ورواية
стр. 1035
التاتارخانية على الفور شاذة كما في "الفيض" (١).
ويمكن أن يقال: إن غرض المصنف أن السجدة سواء كانت واجبة أو سُنَّة ليست على الفور، وحديث الباب استدل به من لم يرَ السجدة واجبة كما استدل به الزرقاني عليه كما في "الأوجز"، ومن أوجبها حمله على ما تقدم من الوجوه في كلام الحافظ.
(٧ - باب سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾)
فيه تعريض على المالكية؛ لأنه ليس عندهم في المفصَّل سجدة، كذا في "الفيض" (٢).
(٨ - باب من سجد لسجود القارئ)
إشارة إلى مسألة خلافية كما ستأتي، وظاهر لفظ الترجمة أن ميل المؤلف إلى مسلك الحنابلة والمالكية، وبه جزم الحافظ، إذ قال (٣): وفي الترجمة إشارة إلى أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد السامع، انتهى.
والصحيح من مسالك الأئمة الأربعة ما في هامش "اللامع" (٤)، إذ قال: والجملة أن السجدة واجبة عندنا الحنفية على التالي والسامع مطلقًا قولًا واحدًا، سواء قصد السماع أم لا؟ وسواء كان التالي أهلًا للإمامة أم لا؟ وهكذا عند الشافعية في المرجح عندهم كما في فروعهم، إلا أن السجدة ليست بواجبة عندهم بل سُنَّة، كما سيأتي مفصلًا، فقالوا: إنها سُنَّة للسامع ومؤكدة على المستمع، وعند الحنابلة السجدة على السامع مشروط بثلاثة شروط: الاستماع، أي: قصد السماع، وأهلية التالي الإمامة للسامع، وسجدة التالي، وهكذا عند المالكية مع شرط رابع أن لا يقصد بتلاوته إسماع الناس، انتهى.
стр. 1036
(٩ - باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): لعله قصد بذلك إثبات أن السجود حتم لا يترك لعذر، والذي ترجم بعد ذلك بهذا العنوان لا يعنيه، فالغرض منه بيان الحكم لمن لم يجد موضعًا للسجود للزحمة ماذا يفعل، هل يؤخر إلى وقت غير وقته هذا، أو يسجد على ظهر آخر، أو يسقط عنه على حسب اختلافهم في ذلك؟ ولعدم تعيين إحدى الاحتمالات ترك الخبر مبهمًا، ولا يظهر من الرواية المذكورة ثمة شيء، انتهى.
وفي هامشه: وهذا واضح جيد، والعجب أن الشرَّاح كلهم سكتوا عن غرض الترجمة ههنا، وكذا سكتوا عن بيان الفرق بين الترجمتين، انتهى.
(١٠ - باب من رأى أن الله لم يوجب السجود)
أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى المسألة الخلافية الشهيرة في سجدة التلاوة، هل هي واجبة أم لا؟ وكأن الإمام البخاري لم يوافق قول من أنكر الوجوب، ولذا ترجم بلفظ: "من رأى" كما قالوا في مثل هذه التراجم، كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٢).
والحاصل: أنها واجبة عند الحنفية، وسُنَّة مؤكدة عند الشافعية والحنابلة، وفضيلة أو سُنَّة قولان مشهوران للمالكية، وعن أحمد: أنها واجبة في الصلاة لا خارجها، انتهى من هامش "اللامع" (٣).
(١١ - باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها)
أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي قراءة السجدة في الصلاة، بسط الكلام عليها في "الأوجز" (٤)، والجملة أنها
стр. 1037
جائزة بلا كراهة عند الشافعية إلّا أنهم قالوا: لا يقصد بقراءته السجدة في غير صبح جمعة، وإلا فتبطل صلاته لو سجد عالمًا بتحريمه، وعند الحنابلة مكروه في السرية دون الجهرية، فلو قرأ لم يسجد، وعند الحنفية كما في "الدر المختار" (١): يكره للإمام أن يقرأها في مخافتة، ونحو جمعة وعيد، وإلّا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو بسجودها، وأما مذهب المالكية فقد تقدم في "باب سجدة تنزيل السجدة".
(١٢ - باب من لم يجد موضعًا للسجود. . .) إلخ
تقدم الفرق بين هذا الباب وبين ما سبق من "باب ازدحام الناس. . ." إلخ، قال الحافظ (٢): أي: ماذا يفعل؟ قال ابن بطال (٣): لم أجد هذه المسألة إلّا في سجود الفريضة، وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة، واختلف السلف، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون وأحمد، وقال عطاء: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك والجمهور، وظاهر صنيع البخاري أنه يذهب إلى أنه يسجد بقدر استطاعته ولو على ظهر أخيه، انتهى من هامش "اللامع" (٤).
ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، ولا يبعد عندي أن يقال: إن السجود هبوط إلى الأرض شبيه بالهبوط إلى القبر، أو يقال: إنه يستأنس من قوله: ما يجد أحدنا مكانًا. . . إلخ، ففيه إشارة إلى كثرة الأموات حتى لا يجد موضعًا للدفن.
* * *