وهذا الحديث حجة على الشافعي، حيث شرط لانعقاد الجمعة حضور أربعين رجلًا، ومن ههنا شرط مالك حضور اثني عشر رجلًا، فافهم، انتهى.
(٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)
قال الحافظ (١) ما حاصله: كأنه أشار إلى أن لا فرق بين الظهر والجمعة في ذلك، وقدم البعدية لثبوتها صريحًا.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): حديث الباب ساكت عن إثبات راتبة قبل الجمعة. وقال القسطلاني: إنه يعلم راتبة قبل الجمعة من حديث الباب بالقياس على راتبة الظهر، انتهى. والمؤلف اكتفى على حديث الباب؛ لأن راتبة قبل الجمعة قد علم سنِّيتها سابقًا صريحًا من حديث جابر أنه [قال:] دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، الحديث، انتهى.
قلت: وعلى القول الأول تكون الترجمة من الأصل الثالث والخمسين، وعلى القول الثاني تكون من السابع والعشرين.
وقال الحافظان ابن حجر والعيني (٣) في مناسبة الحديث بالباب: كأنه أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب عن ابن عمر ﵄: أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين. وعلى هذا تكون الترجمة من الأصل الحادي عشر. وأنكر ابن القيم (٤) الرواتب قبل الجمعة، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على إثباتها كما بسط في "الأوجز" (٥).
стр. 964
(٤٠ - باب قول الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة: ١٠])
قال الحافظ (١): أشار بذلك إلى أن الأمر في قوله: "فانتشروا" و"ابتغوا" للإباحة لا للوجوب لاشتغالهم في حوائجهم، خلافًا للداودي وبعض الظاهرية، انتهى.
(٤١ - باب القائلة بعد الجمعة)
سكتوا عن غرض المصنف، والأوجه عندي: أنه تأييد لما في الترجمة السابقة من عدم وجوب الانتشار والابتغاء، ثم براعة الاختتام نبَّه عليها الحافظ بقوله: ثم تكون القائلة، وهو كذلك عندي، فإن النوم أخو الموت.
* * *
стр. 965
١٢ - أبواب صلاة الخوف
عقبها الجمعة؛ لأن كلًّا منهما بدل الصلاة المكتوبة إلا أنَّ التغير في الأول أخف، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: وههنا ثمانية أبحاث لطيفة لا بدّ لطالب الحديث النظر فيها، بُسطت في "الأوجز" (٢)، وأشير إليها في هامش "اللامع".
(١ - [باب صلاة الخوف] وقول الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النساء: ١٠١])
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): حملت الحنفية هذه الآية على السفر، وقيدُ الخوف عندهم اتفاقي، والشافعي ﵀ حملها على الظاهر، وجرى المؤلف على ذلك، وهو الظاهر من سياق كلامه، انتهى.
قلت: يشكل عليه استدلال الشافعية على إباحة القصر دون الوجوب بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ فكيف يقال: إنهم حملوها على الخوف؟ وفسَّر الآية صاحب "الجلالين" (٤) وغيره من الشافعية بالسفر، وبسطه في "التفسير الكبير" (٥)، وذكر في تفسيره ثلاثة أقوال، لكن لم ينسب قول الخوف إلى الشافعية، وكذا لم أجد التفريق في الشروح الثلاثة من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني". ثم الظاهر عندي أنّ المصنف اختار من صور صلاة الخوف الصورة التي ذكرت في حديث ابن عمر حديث الباب، وهذه
стр. 966
الصورة أقرب إلى قول الحنفية؛ لأنهم ذكروا هذا الحديث في مستدلاتهم، والله تعالى أعلم.
(٢ - باب صلاة الخوف رجالًا وركبانًا)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني: إذا اشتد الخوف فلم يقدروا على أدائها كما شُرعت، ولا كما ذكرت في الآية، يصلون فرادى رجالًا أو ركبانًا، يومِئون بالركوع والسجود، وأما في حالة القتال فلا تتأدى بل تؤخر، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٢): قيل: مقصوده أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول من الدابة ولا تؤخر عن وقتها، بل تصلّى على أيّ جهة حصلت القدرة عليه، بدليل الآية، انتهى.
والأوجه عندي في غرض الترجمة: أنها إشارة إلى تفسير قوله عزَّ اسمه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] أن المراد بقوله: رجالًا قيامًا لا ماشيًا، ورد على من أباح الصلاة ماشيًا، كما قال به أحمد، وبه قال الشافعي في المطلوب كما سيأتي، فإن لفظ الرجال يطلق على المشاة أيضًا كما في "سورة الحج": ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] الآية، فنبَّه الإمام البخاري بالترجمة على أن المراد في آية صلاة الخوف بالرجال: القائمون، ولذا قال: راجل: قائم، وذكر فيه أثر مجاهد: "إذا اختلطوا قيامًا"، وأيَّدّه بالمرفوع: "فليصلوا قيامًا وركبانًا"، فتأمل. ويؤيده ما قال الحافظ: وفي "تفسير الطبري" بسند صحيح عن مجاهد: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾: إذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائمًا أو ركبانًا، انتهى.
لكن في هذا الغرض أنه سيأتي قريبًا "باب صلاة الطالب والمطلوب"،
стр. 967
ويمكن التفصِّي عنه بأن ما سيأتي مقيد بـ "راكبًا"، فالجواز في حالة الركوب، وههنا الرد على كونه ماشيًا.
(٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا)
قال الحافظان ابن حجر والعيني (١): قال ابن بطال: محلُّ هذه الصورة إذا كان العدوُّ في جهة القبلة ولا يفترقون، والحالة هذه، بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن عمر. وقال الطحاوي: ليس هذه بخلاف القرآن، لجواز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ [النساء: ١٠٢] إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه ﷺ ، ثم بَيَّنَ كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): لم أتحصل هذه الترجمة، فإن الحراسة مرعية في الصفات كلها، ولا اختصاص لها بصفة دون صفة، ولقائل أن يقول: إنه ترجم به لذكر الحراسة في متن الحديث، فهذه الترجمة نظرًا إلى لفظ الحديث لا إشارة إلى مسألة، أو دفعًا لمغلطة، ثم إن الصورة المذكورة أنفع فيما لو كان العدو إلى القبلة، انتهى.
وسكت عن غرض الترجمة صاحب التيسير وشيخ الإسلام وغيرهما. وما ظهر لهذا العبد الفقير: أن الإمام البخاري لم يرد بالترجمة صورةً خاصةً، بل نَبَّهَ بالترجمة على أمرٍ مهمٍّ في صلاة الخوف مستدلًّا عليه بلفظ الحديث: "يحرس بعضهم بعضًا"، وهو أنّ ما ورد في الروايات الكثيرة من الإقبال إلى الصلاة والنظر فيها إلى مواضع خاصة، وأن الالتفات فيها اختلاس من الشيطان، وأنّ الله تعالى لا يزال مقبلًا ما لم يلتفت، وغير ذلك، فصلاة الخوف مستثناة من هذه الأمور، فإن الغرض من شرعيتها أن
стр. 968
يحرس بعضهم بعضًا، فلو صلى أحد غير ملتفت إلى شيء آخر ضاعت فائدة هذه الصلاة التي أبيحت فيها الأفعال الكثيرة من المشي وغيره، وشُرعت على غير هيئة الصلاة كلّها، حتى أمر في الآية بحمل السلاح في الصلاة ندبًا عند الحنفية، ووجوبًا عند الآخرين، وغير ذلك من الأمور الكثيرة، انتهى من هامش "اللامع" (١) والبسط فيه.
(٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): أي: يجوز الصلاة بالإيماء عند ذلك إن لم يقدروا على الصلاة بالركوع والسجود، ولا يكفي التكبير فقط عندما لم يقدروا على ذلك أيضًا، بل يؤخِّرونها ويقضونها، انتهى.
قلت: ظاهر صنيع المؤلف وما أورد فيه من الآثار والرواية يدل على أنه رأى رأي الحنفية أن تؤخر الصلاة، ففي هامش "اللامع" (٣) تحت قول الشيخ: ولا تجوز الصلاة في حالة القتال عندنا، انتهى. وهذا معروف من مذهب الحنفية أن صلاة المسايفة لا تجوز عندهم، وتجوز عند الأئمة الثلاثة ماشيًا مع الكر والفر.
قال الموفق (٤): إذا اشتد الخوف والتحم القتال، فلهم أن يصلُّوا كيفما أمكنهم رجالًا وركبانًا، ولا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يصلي مع المسايفة. . . إلى آخر ما بسط فيه من "الأوجز" (٥). ولا يذهب عليك الفرق بين صلاة المسايفة وبين صلاة الطالب والمطلوب، فإن الثانية مختلفة بينهم كما سيأتي.
стр. 969
(٥ - باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): أي: الذي يطلب العدو ويعدو عَقِبَه، أو يطلبه العدو ويأتي عقبه، إن أدركته الصلاة يصلي بالإيماء إن لم يقدر على الركوع والسجود، انتهى.
واختلفت الأئمة في صلاة الطالب والمطلوب، قال القسطلاني (٢): قد اتفقوا على صلاة المطلوب راكبًا، واختلفوا في الطالب، فمنعه الشافعي وأحمد، وقال مالك: يصلي راكبًا إذا خاف فوت العدو إن ترك (٣)، انتهى. وهكذا قال العيني وغيره.
وأما عند الحنفية فتجوز صلاة المطلوب راكبًا فقط دون الطالب، ولا تجوز عندهم الصلاة ماشيًا بحال. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٤). وظاهر صنيع البخاري أنه أيضًا لم يجوِّز الصلاة ماشيًا، ولذا لم يبوِّب ههنا ماشيًا كما تقدمت الإشارة إليه.
قوله: (صلاة شرحبيل بن السمط)، كتب الشيخ في "اللامع" (٥): وكانوا قد صلوا على ظهور دوابّهم، وأنكروا على من نزل منهم، ثم إن قصته لم تُستوف حتى يُعلم هل كان طالبًا أو مطلوبًا، ثم إن الاحتجاج بما وقع للسائرين إلى بني قريظة غير تام لتوقفه على ثبوت أنهم صلّوا راكبين ولم يثبت، وإنما ثبت أنهم صلّوا في الطريق، والظاهر صلاتهم نازلين؛ إذ لو كانوا قد صلوا ركبانًا يومئون لما اطلع على ذلك أصحابهم الذين أنكروا عليهم، وقالوا: لم يروا منا ذلك. ولو ثبت منهم أنهم صلوا ركبانًا فكان ذلك على احتمال أنهم أمروا بإعادة الصلاة بعدها. ولو سلم أنهم لم يؤمروا بذلك لكان سقوط فرض الوقت عنهم بذلك الإيماء لخطئهم في فهم
стр. 970
بعض ما ورد به النص، فكانوا خاطئين في الاجتهاد، فوقعت صلاتهم حسبما أدّى إليه رأيهم، انتهى.
قلت: هو كذلك، فإني لم أجد في الشروح قصة صلاتِه مفصلةً إلّا ما قال العيني عن ابن بطال (١) أنه قال: طلبت قصة شرحبيل بتمامها لأتبيَّن هل كانوا طالبين أو مطلوبين؟. . . إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع".
قلت: إن كانوا مطلوبين، فالجزء الثاني من الترجمة ثابتة نصًّا، وإلّا فبالأولوية.
قوله: (لا يصلِّيَنَّ أحد العصر إلّا في بني قريظة) قال الحافظ (٢): قيل في الاستدلال بأن بعضهم أخّروا الصلاة، فلما سوّغ لهم التأخير عن الوقت المفروض ساغ لهم ترك إتمام الأركان والانتقال إلى الإيماء. وقيل: صلى بعضهم على الدّوابِّ، وهذا لو ثبت لكان أبين في الاستدلال. قال الحافظ: لم أر في رواية التصريح بصلاتهم راكبًا، انتهى.
قلت: وأيضًا لا يوافق مذهب أحد؛ لأن الذين أباحوا صلاة الطالب راكبًا قيدوا الإباحة بخوف فوت العدو كما قال به الأوزاعي ومالك وأحمد في رواية، أو الانقطاع عن الرفقة كما قال به الشافعي، ولا يوجد شيء من ذلك ههنا.
ثم لا يذهب عليك أن في الحديث إشكالًا قويًّا، وهو أنه وقع ههنا بلفظ: "العصر"، وهكذا وقع في جميع النسخ عند البخاري، ووقع في جميع النسخ عند مسلم "الظهر" مع اتحاد سندهما، وقد وافق مسلمًا أبو يعلى وآخرون، وأما أصحاب المغازي فاتفقوا على أنها العصر، وبسط الحافظ (٣) في نقل كلامهم، وقد جمع بعض العلماء باحتمال أن بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر وبعضهم لم يصلِّها، فقيل للثاني ما في مسلم،
стр. 971
وللأول ما في البخاري، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللثانية: العصر، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١).
(٦ - باب التكبير والغلس بالصبح. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): بتقديم الكاف في الأكثر، وفي بعضها بتقديم الموحدة وهو أوجه، وهو إشارة إلى أنّ صلاة الخوف لا يشترط فيها التأخير إلى آخر الوقت كما شرطه مَن شَرَطه في صلاة شدة الخوف عند التحام المقاتلة، ويحتمل أن يكون للإشارة إلى تعيُّن المبادرة إلى الصلاة في أوّل وقتها قبل الدخول في الحرب والاشتغال بأمر العدو، وأما التكبير فلأنه ذكر مأثور عند كل أمر مهول، وعند كل حادث سرور، انتهى.
قلت: لا يبعد عندي استثناؤه مما ورد في أبي داود في "باب فيما يؤمر به من الصمت عند اللقاء" من "كتاب الجهاد" من النهي عن رفع الصوت عند القتال بلفظ: كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصوت عند القتال، والله أعلم، ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، ولعله لظهوره، فإن قوله: "فقتل المقاتلة" نص في ذلك.
* * *
стр. 972
١٣ - كتاب العيدين
أي: الفطر والأضحى.
وذكر في "الأوجز" وهامش "اللامع" (١) ههنا عدة مباحث لطيفة في اشتقاقه، وفي مبدئه، وفي حكمه، وفي شرائطه، وفي كونه من خصائص هذه الأمة، وفي أن أحدهما أفضل من الآخر أم لا؟ من شاء التفصيل فليرجع إليهما.
(١ - باب ما جاء في العيدين والتجمل فيهما)
قد تقدم في "الجمعة" "باب ما يلبس أحسن ما يجد"، وذكر المصنف في البابين حديثًا واحدًا، لكن تغاير في السياق، إذ ذكر ههنا بلفظ: "ابتع هذه تجمّل بها للعيد"، وفي "الجمعة": "لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة" الحديث، وهذا مشعر إلى أنه لا بأس في شراء الثياب للتجمُّل في العيد بخلاف الجمعة فيلبس فيها المشتراة قبل ذلك، كما تشير إليه فاء التعقيب في "الجمعة"، وههنا بلفظ: "ابتع هذه تجمَّل بها"، فتأمل؛ فإنه لطيف، وخاطري أبو عذره، انتهى من هامش "اللامع" (٢).
(٢ - باب الحراب والدرق يوم العيد)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٣): أي: اللعب بهما في الجملة مباح في يوم العيد بهذا الحديث، وقد استحسن بعض العلماء ذلك إظهارًا لشوكة المسلمين وقوّتهم، واشتغالًا بإعداد آلات الحرب، انتهى.
стр. 973
قال الحافظ (١): الحراب جمع حربة، والدرق جمع درقة، وهي الترس، ومراد البخاري الاستدلال على أن العيد يُغتفر فيه من الانبساط ما لا يُغتفر في غيره، انتهى.
(٣ - باب سُنَّة العيدين لأهل الإسلام)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): السُّنَّة ههنا بمعنى: الاستنان؛ يعني: باب استنان العيدين لأهل الإسلام وما يباح لأجلهما مما يحظر في سائر الأيام، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "هذا عيدنا"، أشار المؤلف بإيراد الحديث في هذا الباب إلى أن يوم العيد يجوز فيه لكافة أهل الإسلام كلّ ما اشتهوا من المباحات من اللعب، وما فيه تعلل ما لم يكن إثمًا، انتهى.
قال الحافظ (٤): قوله: "باب سُنة العيدين. . ." إلخ، كذا للأكثر، وزاد أبو ذر عن الحموي في أول الترجمة: "الدعاء في العيد"، قال ابن رُشيد: أراه تصحيفًا، وكأنه كان فيه اللعب في العيد، فيناسب حديث عائشة، ويحتمل أن يوجه بأن الدعاء بعد صلاة العيد يؤخذ حكمه من جواز اللعب بعدها بطريق الأولى، أو إشارة إلى أنّ الدعاء لا يثبت، ولم يصح فيه شيء، وأما مناسبة حديث عائشة للترجمة التي اقتصر عليها الأكثر، فقيل: من قوله: وهذا عيدنا، والإشعار بالندب إلى ذلك، ويحتمل أن يكون المراد أن تقديم العبادة على اللعب سُنَّة أهل الإسلام، أو تُحمل السُّنَّة في الترجمة على المعنى اللغوي، انتهى مختصرًا.
قال العيني (٥): وإنما ذكر قوله: "لأهل الإسلام" إيضاحًا أنّ سُنَّة أهل
стр. 974
الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام؛ لأن لهم أيضًا أعيادًا، انتهى.
قلت: يعني كون العيدين مسنونًا لأهل الإسلام، فعلى هذا فيه تأييد لما في "السنن" واللفظ لأبي داود (١) عن أنس قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما. . ." الحديث، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر".
(٤ - باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج)
ذكر المصنف فيه حديثًا مثبتًا للترجمة نصًّا، ثم ذكر بعده "باب الأكل يوم النحر"، ولم يذكر فيه الحكم نصًّا، فاختلفوا في أن غرض المصنف استحباب الأكل بعد العيد كما عليه الجمهور أو خلافه، ورأى الشيخ في "اللامع" (٢) أنّ البخاري أراد بالترجمة جواز الأكل قبل العيد كما سيأتي.
وقال الحافظ في "باب الأكل يوم النحر" (٣): قال ابن المنيِّر ما محصله: لم يقيد المصنف الأكل يوم النحر بوقت معين كما قيّده في الفطر، ووجه ذلك أنّ في أحاديث الباب لم يقيد ذلك بوقت، قال الحافظ: لعل المصنف أشار بذلك إلى تضعيف ما ورد في الترمذي وغيره من مغايرة يوم الفطر ليوم النحر من استحباب البداية بالصلاة يوم النحر قبل الأكل، انتهى.
وميل القسطلاني (٤) إلى أنّ الإمام البخاري أراد موافقة القوم في الأكل بعد النحر. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وفيه: ومذهب الفقهاء في ذلك ما قال الموفق (٥): السُّنَّة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: مالك والشافعي وغيرهما، لا نعلم فيه خلافًا، قال أحمد: والأضحى
стр. 975
لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان ذبح، وإذا لم يكن له ذبح لم يبالِ أن يأكل، انتهى.
وفي "الدر المختار" (١): يندب تأخير أكله عنها، وإن لم يضح في الأصح، انتهى.
(٥ - باب الأكل يوم النحر)
تقدَّم الكلام عليه في الباب السابق، وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) أي: أنه لا بأس به، والأولى لمن قصد التضحية أن يكون أول طعامه من أضحيته، ودلالة الرواية على الترجمة من حيث إنه ﷺ لم ينكر على أبي بردة أكله وإطعامه، وإنما أنكر عليه وقوع ذبيحته من الأضحية، لو كان في الأكل نوع كراهة لردّ عليه أيضًا، انتهى.
وفي تقرير المكي: "باب الأكل يوم النحر" أي: في أيّ وقت هو؟ فأثبت في الحديثين من تقريره ﷺ أنه قبل الصلاة جائز، لكن الأكل من النسك مستحب، والنسك لا يكون إلّا بعد الصلاة، فالأكل المستحب أيضًا كان بعد الصلاة، انتهى.
(٦ - باب الخروج إلى المصلَّى بغير منبر)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٣): يعني ما كان في زمانه ﵊ هو الخروج إلى المصلَّى بلا منبر، وأما ما شرع بعد ذلك في زمان بني أمية من حمل المنابر للأئمة إلى المصلَّى في يوم العيد فهو أمر مُحدث، واستدل المؤلف على ذلك بظاهر لفظ الحديث؛ أعني قوله: "ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس"؛ لأنه لو كان هناك منبر لقال: فيرتقي المنبر، ومع ذلك فقد ورد في بعض الطرق أنه ﵊ خطب يوم العيد على
стр. 976
رجليه، لعل ذلك ليس على شرط المؤلف، ولهذا لم يورده، واكتفى على ظاهر الحديث، انتهى.
قال الحافظ (١): يشير إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي سعيد، وهو ما أخرجه أحمد وغيره قال: أخرج مروان المنبر يوم عيد وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل فقال: يا مروان خالفت السُّنَّة. . . الحديث، انتهى.
(٧ - باب المشي والركوب إلى العيد. . .) إلخ
في "تراجم شيخ المشايخ" (٢): قد استشكل بثبوت جواز الركوب من أحاديث الباب، ولعله جاء في بعض الروايات، وإلا فلا حاجة لإثبات ذلك بحديث الباب، وقد نقل الشارح القسطلاني وجهًا لإثبات جواز الركوب بعذر، وهو الاستدلال بلفظ: "وهو يتوكأ على [يد] بلال"، فمحمل بعيد، انتهى.
قال الحافظ (٣): ذكر المصنف في هذه الترجمة ثلاثة أحكام:
الأول: صفة التوجه بالمشي والركوب، ولعله أشار إلى تضعيف ما ورد في الترمذي عن علي ﵁: "من السُّنَّة أن يخرج إلى العيد ماشيًا"، لكن ليس في حديث الباب ما يدل على الركوب إلّا أن يستنبط من قوله: "ويتوكأ على بلال".
الحكم الثاني: الصلاة قبل الخطبة، والروايات فيه ظاهرة، واختلف في أول من غيَّر ذلك، فرواية مسلم صريحة في أنه مروان، وقيل: وسبقه إلى ذلك عثمان، وقيل: معاوية، وقيل: زياد.
الحكم الثالث: كون صلاة العيد بغير أذان ولا إقامة، وليس في
стр. 977
الأحاديث ما يدل عليه إلّا حديث ابن عباس في الأذان، ولعله إشارة إلى بعض ما ورد في الروايات من لفظ: "بغير أذان ولا إقامة" في مسلم وأبي داود والنسائي، ولفظه: "فصلى بغير أذان ولا إقامة"، انتهى.
قال السندي (١): والذي يظهر أن محط الترجمة هو قوله: "بغير أذان ولا إقامة"، فالمقصود بيان الفرق بين الجمعة والعيد بأن المشي والركوب إلى الجمعة معلق بالنداء، وكذا الصلاة تكون بأذان وإقامة بخلاف العيد؛ فإن السعي إليها بلا نداء، وكذا الصلاة، وحينئذ لا تكرار بالترجمة الآتية، فإن قوله: "الصلاة قبل الخطبة" ليس مقصودًا، انتهى ملخصًا.
قلت: وهذا على نسخة السندي وغيره، فإن في نسخته "باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة وبغير أذان ولا إقامة"، وأما على النسخة الهندية التي بأيدينا فلا إيراد.
(٨ - باب الخطبة بعد العيد)
تقدَّم بعض ما يتعلَّق به في الباب السابق، ويشكل ههنا التكرار كما تقدم في كلام السندي.
قال الحافظ (٢): وهذا الباب مما يرجح رواية الذين أسقطوا قوله: "والصلاة قبل الخطبة" من الترجمة السابقة، وهم الأكثر، وقيل: أعاده اهتمامًا بشأنه لكونه في السابق تبعًا، انتهى.
ولعل المقصود من هذا الباب الرد على ما أحدثه بنو أمية، ومناسبة الحديث الثالث بالترجمة بأنه من تتمة الخطبة، قاله الكرماني (٣)، وجزم به الحافظ، ويبعد ما قال العيني (٤): مطابقته للترجمة تأتي بتكلف من أن
стр. 978
الترجمة مشتملة على العيد، والمراد منه صلاة العيد، وأشار بالحديث إلى أنّ صلاة العيد ركعتان، انتهى.
قال الحافظ: وأما حديث البراء فظاهره يخالف الترجمة؛ لأن قوله: "أول ما نبدأ به. . ." إلخ، مشعر بأنه وقع قبل الصلاة، وهذا الكلام كان من الخطبة فيستلزم تقديم الخطبة على الصلاة، والجواب: أنّ المراد أنه ﷺ صلَّى العيد ثم خطب، فقال هذا الكلام.
قال ابن بطال (١): غلط النسائي إذ بوَّب عليه الخطبة قبل الصلاة، وخفي عليه أن العرب قد تضع المستقبل مكان الماضي، وكأنه ﵇ قال: أول ما يكون به الابتداء في هذا الصلاة التي قدمنا فعلها، انتهى.
(٩ - باب ما يكره من حمل السلاح. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): إثبات الكراهة في يوم العيد بالرواية مبني على تعدية الحكم بوجود العلة وهو الزحام، فإن السلاح في الترجمة لا يؤمن عليه الهلاك، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): هذه الترجمة تخالف في الظاهر الترجمة المتقدمة، وهي "باب الحراب والدرق"؛ لأن تلك دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها، وهذه دائرة بين الكراهة والتحريم، ويُجمع بينهما بحمل الحالة الأولى على وقوعها بالدّربة، وعهدت منه السلامة من الإيذاء، والحالة الثانية تحمل على وقوعها ممن حملها بطرًا وأشرًا، أو لم يتحفظ حال حملها وتجريدها من إصابتها أحدًا من الناس، ولا سيما عند المزاحمة، انتهى.
وما يظهر لهذا العبد الفقير أن لا تَخالُفَ بين الترجمتين أصلًا،
стр. 979
ولا تعلُّق لإحداهما بالأخرى، فالغرض من الأولى اللعب بها يوم العيد، ولا تعلق له بالمصلّى، وغرض هذه الترجمة أخذ السلاح معه في المصلّى لصلاة العيد، ولذا ترجم أولًا بيوم العيد، وههنا بحملها في العيد، أي: في المصلّى، انتهى.
(١٠ - باب التبكير للعيد. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١) تحت قوله: "من ذبح قبل أن يصلي. . ." إلخ: فيه دلالة على الترجمة، حيث كان التقديم بالذبح منهيًّا عنه، والبداءة بالصلاة مأمورًا بها، وذلك لما في الاشتغال بالذبح من تأخير الصلاة، فعلم أن التبكير مندوب، ثم إن هذا الأمر لا يتناول إلّا من كان مصليًا منهم، فأما من لم يصلّ كأهل القرى فإنهم يجوز لهم أن يضحوا قبل فراغ أهل المصر من صلاتهم؛ لأن أهل القرى ليست لهم صلاة حتى يُخِل اشتغال التضحية بأمر الصلاة، ولأن النهي عن التقدم بالتضحية على الصلاة يقتضي وجود الصلاة، وحيث لا صلاة لا تُقدَّم، فيضحُّون متى شاءوا قبل صلاة أهل المصر أو بعدها، والله تعالى أعلم، انتهى.
وقريب منه ما قال الحافظان ابن حجر والعيني (٢): من أنه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيء غير التأهب للصلاة والخروج إليها، ومِن لازِمه أن لا يُفعل قبلها شيء غيرها، فاقتضى ذلك التبكير إليها، انتهى.
(١١ - باب فضل العمل في أيام التشريق)
قال الحافظ (٣): قال ابن بطال: المراد بالعمل في أيام التشريق التكبير فقط؛ لأنه ثبت أنها أيام أكل وشرب وبعال وإباحة اللهو بالحراب وغيره،
стр. 980
وثبت تحريم صومها، فدل على تفريغها لذلك مع الحض على الذكر المشروع منه فيها التكبير فقط، ومن ثم اقتصر المصنف على الآثار المتعلقة بالتكبير، وقال الكرماني (١): العمل لا ينحصر في التكبير بل المتبادر منه أنه المناسك من الرمي وغيره؛ لأنه لو حمل على التكبير وحده لزم التكرار بالباب الآتي، انتهى.
ورجح الحافظ قول ابن بطال، وأجاب عن التكرار بأن الترجمة الأولى لفضل التكبير، والثانية لمشروعيته وصفته، أو أراد تفسير العمل المجمل في الأولى بالتكبير المصرح به في الثانية فلا تكرار، انتهى.
قال القسطلاني (٢): أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، وقيل: يوم النحر أيضًا من أيام التشريق؛ لأن لحوم الأضاحي كانت تُشرق فيها [بمنى]، أي: تقدد، أو لأنها إنما تصلى بعد أن تشرق الشمس، فصارت تبعًا ليوم النحر، أو من قول الجاهلية: "أشرق ثبير كيما نغير"، وحينئذ فإخراجهم يوم النحر منها إنما هو لشهرته بلقب خاص، وهو يوم العيد، وإنما هو في الحقيقة تبع له في التسمية، انتهى.
قال ابن رشد في "البداية" (٣): لا خلاف بينهم في أن أيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، إلّا ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: يوم النحر من أيام التشريق، انتهى.
قوله: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان. . .) إلخ، قالوا: هذا وما بعده لا يناسب الترجمة، إلّا أنّ المصنف كثيرًا ما يضيف إلى الترجمة أشياء لأدنى مناسبة.
وقال الحافظ (٤): الظاهر أنه أراد تساوي أيام التشريق بأيام العشر، انتهى من القسطلاني.
стр. 981
والأوجه عندي يمكن أن يكون يوم النحر عند المصنف داخلًا في أيام التشريق، ويوم النحر داخل في أيام العشر أيضًا، فثبتت المناسبة، والله أعلم.
(١٢ - باب التكبير أيام منى)
تقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق من كلام الحافظ، وقال أيضًا (١): قال الخطابي: الحكمة في التكبير في هذه الأيام أن أهل الجاهلية كانوا يذبحون في هذه الأيام لطواغيتهم، فشرع إشارة إلى تخصيص الذبح له وعلى اسمه . وفي هامش أبي داود عن النووي: فيه عشرة أقوال للعلماء، منها قول للشافعي: إنها من صبيحة عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، انتهى.
قال القسطلاني (٢): الصحيح من مذهب الشافعية أن استحبابه يعمُّ الصلاة فرضًا ونفلًا ولو جنازة لكل مصلٍّ، مقيم أو مسافر، ذكرٍ أو أنثى، من صبح عرفة إلى عقيب عصر آخر أيام التشريق، وخصَّه المالكية بالفرائض، وهو عندهم من ظهر يوم النحر، إلى آخر صبح اليوم الرابع.
قال الموفق (٣): المشروع عند إمامنا التكبير عقيب الفرائض في الجماعات في المشهور عنه من صبح عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، انتهى. وقال الإمام أبو حنيفة: إنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عقيب العصر يوم النحر؛ فيكون بعد ثمان صلوات. وقال صاحباه: إنه يختم عقب صلاة العصر من آخر أيام التشريق، انتهى من هامش "اللامع" (٤) و"الأوجز".
стр. 982
(١٣ - باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد)
تقدمت هذه الترجمة في أبواب السترة، والظاهر عندي أن المصلَّى لما لم يكن مبنيًا في زمنه ﷺ وتكون الصلاة في الصحراء، نَبَّه بهذه الترجمة إلى اهتمام السترة في صلاة العيد، وليست الحربة بمقصودة ههنا بخلاف ما تقدم، بل الغرض اتخاذ السترة بأي شيء كان، والتقييد بالحربة في الترجمة رعاية للفظ الحديث.
(١٤ - باب حمل العَنَزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): وهذا بمنزلة الاستثناء مما تقدم من استصحاب السلاح مع ما فيه من التنبيه على علتي الجواز والنهي، فإن السبب في النهي عنه لما كان خوف الهلاك جاز أخذ السلاح معه إذا حصل الأمن منه بسبب، مثل أن يتقدم الحامل على القوم، فإن المتقدم على الإمام متقدم على القوم لكونهم خلفه، انتهى.
قال الحافظ (٢): أفرد له ترجمة ليشعر بمغايرة الحكم؛ لأن الأولى تبين أن سترة المصلِّي لا يشترط فيها أن تواري جسده، والثانية تثبت مشروعة المشي بين يدي الإمام بآلة من السلاح، انتهى.
قلت: والأوجه عندي: أن الترجمة من الأصل الرابع عشر من أصول التراجم، فإن حمل السلاح بين يدي الملوك في العيدين وغيرهما لما صار ديدنًا لهم في زمن البخاري أشار بالترجمة إلى مأخذه، وأن ذلك كان في الأصل اتخاذها للسترة، فجعله السلاطين ديدنًا لهم لإظهار العز والجاه، فقد أخرج أبو داود (٣) عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم
стр. 983
العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلِّي إليها [والناس وراءه]، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء، انتهى من هامش "اللامع".
(١٥ - باب خروج النساء والحيَّض إلى المصلَّى)
وقد مرّ الكلام على المسألة في "باب والحائض العيدين" من "كتاب الحيض"، ولا يشكل التكرار، ففيما تقدم لمناسبة الحيض، وههنا لمناسبة المصلَّى.
(١٦ - باب خروج الصبيان إلى المصلَّى)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: آثر المصنف في الترجمة قوله: "إلى المصلَّى" على قوله: "صلاة العيد" ليعم من يتأتى منه الصلاة ومن لا يتأتى، انتهى.
قال الحافظ: وليس في الحديث بيان كونه صبيًا، لكن أشار على عادته إلى ما ورد في بعض الطرق بلفظ: "ولولا مكاني من الصغر ما شهدته"، انتهى.
(١٧ - باب استقبال الإمام الناس. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر ما حاصله: إن إعادة هذه الترجمة بعد أن تقدم نظيرها في الجمعة؛ لرفع احتمال من يتوهم أن العيد يخالف الجمعة في ذلك، وأن استقبال الإمام في الجمعة يكون ضروريًا لكونه يخطب على منبر، بخلاف العيد فإنه يخطب فيه على رجليه، فأراد أن يبيّن أن الاستقبال سُنَّة على كل حال، انتهى.
ويمكن عندي في غرض المصنف الاحتراز عما سيأتي في أبواب الاستسقاء من "باب استقبال القبلة في الاستسقاء"، ففيه يبدأ بالخطبة ويتوجه إلى القبلة ويشتغل بالدعاء.
стр. 984
(١٨ - باب العَلَم بالمصلَّى)
في "تراجم شيخ المشايخ" (١): اعلم أنه ثبت في الروايات الصحيحة أنه ما كان له ﷺ عَلَم في مصلَّاه، ولما كان ظاهر لفظ الحديث يحتمل أن يكون في زمانه ﷺ بنى المؤلف عقد الباب عليه، والأظهر عندي أنه إشارة إلى الجواز بتقرير ابن عباس فإنه ذكره بلا إنكار عليه، انتهى.
وقال الحافظ (٢): ظهر من هذا الحديث أنهم جعلوا لمصلَّاه شيئًا يعرف به وهو المراد بالعَلَم، أي: الشيء الشاخص، انتهى.
(١٩ - باب موعظة الإمام النساء)
قال الحافظ (٣): أي: إذا لم يسمعن الخطبة مع الرجال، انتهى.
ولا يبعد عندي أن المصنف أشار إلى أن هذه لم تكن خطبة بل موعظة، فقد قال القاضي عياض: إن وعظه للنساء كان في أثناء الخطبة، وأن ذلك كان في أول الإسلام، وأنه خاص به ﷺ ، وتعقَّبه النووي (٤) برواية الباب بأنه كان بعد الخطبة كما بسطه الحافظ.
(٢٠ - باب إذا لم يكن لها جِلْباب. . .) إلخ
قال الحافظ (٥): بكسر الجيم وسكون اللام وموحدتين، قال ابن المنيِّر: لم يذكر الجواب اكتفاءً لما في الحديث، قال الحافظ: والذي يظهر لي أن حذفه لما فيه من الاحتمال، فيحتمل أن يكون للجنس، أي: تعيرها من جنس ثيابها، ويحتمل أن يكون المراد تشركها معها في ثوبها، وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة، أي: يخرجن على كل حال ولو اثنتين في جلباب، انتهى.
стр. 985
(٢١ - باب اعتزال الحيَّض المصلَّى)
قال الحافظ (١): كأنه أعاد هذا الحكم للاهتمام به، وقد تقدم مضمومًا إلى الباب المذكور في "كتاب الحيض"، انتهى.
قال العيني (٢): واعتزال الحيّض المصلَّى اختلفوا فيه، فقال الجمهور: هو منع تنزيه؛ وسببه الصيانة والاحتراز عن مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس بمسجد، انتهى.
قال النووي (٣): حكى أبو الفرج من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه يحرم المكث في المصلَّى على الحائض، كما يحرم المكث في المسجد، والصواب الأول، انتهى.
وتقدم شيء من الكلام عليه في "كتاب الحيض".
(٢٢ - باب النحر والذبح يوم النحر بالمصلَّى)
في "تراجم شيخ المشايخ" (٤): يعني: أنه هو السُّنَّة، وأمّا ما يفعله الناس في زماننا من النحر والذبح في دورهم ومنازلهم بعد الرجوع من المصلى فهو أمر مُحدَث، وصدر عنهم تهاونًا وتكاسلًا، انتهى.
قال الحافظ (٥): قال ابن المنيِّر: عطف الذبح على النحر في الترجمة، وإن كان في الحديث ورد بـ "أو" للتردد، إشارةً إلى أنه لا يمتنع أن يجمع يوم النحر بين نسكين، أحدهما: مما ينحر، والآخر: مما يذبح، وليفهم اشتراكهما في الحكم.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض الطرق بواو الجمع كما يأتي في "كتاب الأضاحي"، انتهى.
стр. 986
قلت: وعلى هذا، فلعل المصنف أشار بالترجمة إلى أنّ لفظ "أو" ليس لشك الراوي، بل للتنويع، انتهى من هامش "اللامع" (١).
(٢٣ - باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): في هذه الترجمة حكمان، وظنّ بعضهم أن فيها تكرارًا، وليس كذلك، بل الأول أعم من الثاني، ولم يذكر المصنف الجواب استغناء بما في الحديث، ووجهه من حديث البراء أن المراجعة الصادرة بين أبي بردة وبين النبي ﷺ دالة على الحكم الأول، وسؤال أبي بردة عن حكم العناق دال على الحكم الثاني، انتهى.
(٢٤ - باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد)
قال الحافظ (٣): قال الترمذي: أخذ بهذا أهل العلم فاستحبه للإمام، وبه يقول الشافعي، والذي في "الأم": يستحب للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعية، وبالتعميم قال أكثر أهل العلم، انتهى.
قال العيني (٤): جمهور العلماء على استحباب ذلك، وقال أبو حنيفة: يستحب له ذلك، فإن لم يفعل فلا حرج عليه، انتهى.
قال الحافظ: واختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولًا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٥).
(٢٥ - باب إذا فاته العيد يصلِّي ركعتين)
كتب الشيخ في "اللامع" (٦): وهذا عندنا على الاستحباب والتنفل لا حقيقة القضاء، وأما أنس فإنما كان يصلي لكونه في فناء البصرة، وهو
стр. 987
حجة لمن جوَّز تعدد الصلاة، أي: جوَّزه في أمكنة متعددة، وأما قول عطاء فاجتهاد منه لا يجب تسليمه، وكذلك ما قاله عكرمة، والاحتجاج بالرواية لعموم قوله: "أيام عيد" من غير تقييد بقوم، انتهى.
وفي هامشه: ههنا مسألتان مختلفتان طالما يلتبس إحداهما بالأخرى لنقلة المذاهب، إحداهما: فوت صلاة العيد للإمام والمأمومين كلهم لعارض، وليست بمراد البخاري، ذكرها أبو داود في "سننه" وترجم عليها "باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد"، وأورد فيه حديث بعض الصحابة أنهم جاؤوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم.
وقال الشيخ في "البذل" (١) بعد بسط الكلام على الحديث: وإلى ذلك ذهب الأوزاعي وأحمد وأبو حنيفة وصاحباه، انتهى.
لكن حكى الطحاوي ذلك مذهب أبي يوسف وحده، وقال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: إذا فاتت الصلاة يوم العيد حتى زالت الشمس من يومه لم يصل بعد ذلك في ذلك اليوم ولا فيما بعده، وممن قال بذلك أبو حنيفة، انتهى.
وأما المسألة الثانية: وهي فوات العيد بمعنى عدم الشركة في الجماعة، أي: عدم إدراكها، وهذه المسألة هي مراد الإمام في الباب كما تدل عليها الآثار الواردة في الباب، وهي أيضًا خلافية عند الأئمة.
ففي "الأوجز" (٢): للمالكية أربع روايات، والراجح منها: إذا فاته العيد يندب له صلاة العيد فذًّا لا جماعةً، فيكره مع الجماعة، وعند الحنابلة: يسن لمن فاتته [صلاة] العيد قضاؤها يومها قبل الزوال وبعده على صفتها، لكن شرَّاح الحديث قاطبة نقلوا عنهم قضاء الأربعة، وقالت الشافعية: تشرع للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر، فلا تتوقف على شروط
стр. 988
الجمعة، وأما عندنا الحنفية ففي "الدر المختار" (١): ولا يصليها وحده إن فاتت مع الإمام، انتهى.
(٢٦ - باب الصلاة قبل العيد وبعدها. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: أنها تكره في المصلَّى قبلها وبعدها، ولا تكره بعدها في غيره، انتهى.
قال الحافظ: لم يجزم بالحكم؛ لأن الأثر يحتمل أن يراد نفي الراتبة، وعلى المنع فهل هو لكونه وقت كراهة أو لا؟ أعم من ذلك، ويؤيد الأول الاقتصار على القبل، وأما الحديث فليس فيه ما يدل على المواظبة فيحتمل اختصاصه بالإمام دون المأموم، أو بالمصلَّى دون البيت، وقد اختلف السلف في ذلك، فذكر ابن المنذر عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قالت الحنفية، وبالثاني قالت جماعة، وبالثالث قال أحمد، وأما مالك فمنعه في المصلَّى، وعنه في المسجد روايتان، وعند الشافعي: يجب للإمام أن لا يتنفل قبلها ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: لم يصل قبلها ولا بعدها، وعند هذا العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى أن الخروج إلى مصلّى العيد شبيه بالخروج إلى مصلّى الجنائز، وأيضًا فيه خروج إلى الفضاء الذي هو محل المقابر.
* * *
стр. 989
١٤ - أبواب الوتر
قال العلامة العيني (١): المناسبة بين أبواب الوتر وأبواب العيد كون كل واحد من صلاة العيدين والوتر واجبًا ثبوتهما بالسُّنَّة، انتهى.
قال الحافظ (٢): الوتر بالكسر الفرد، وبالفتح الثأر، وفي لغة مترادفان، وقال ابن التين: اختلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة.
قال الحافظ: وفي قضائه والقنوت فيه وغير ذلك تبلغ ستة عشر، بسطها الحافظ.
(١ - باب ما جاء في الوتر)
قال الحافظ (٣): ولم يتعرض المصنف لحكمه، لكن إفراده عن التهجد والتطوع يقتضي أنه غير ملحق بهما عنده، ولولا أنه أورد حديث الوتر على الدابة لكان إشارةً إلى أنه يقول بوجوبه، انتهى.
والمسألة خلافية، فعند الأئمة الثلاث وصاحبَيْ أبي حنيفة سُنَّة، وعند الإمام أبي حنيفة واجب.
والظاهر أن المصنف مال في ذلك إلى التوسع من الوحدة إلى إحدى عشر ركعة، ولذا ذكر في الباب الروايات المختلفة، وكأنه رجح قول الشافعية في الوتر موصولًا ومفصولًا، وهو مذهب أحمد، وعند الإمام مالك: الوتر ركعة واحدة لكن لا بد له من تقدم شفع عليه، ويكره الاقتصار
стр. 990
على الواحدة، وعند الحنفية ثلاث ركعات بسلام واحد لا وكس ولا شطط. قال ابن العربي: وهو قول مالك في الصيام، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من دلائل الحنفية وغيرها.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: صلَّى ركعة واحدة، أي: مضمومة إلى اثنتين، والحق أن الوتر كانت واحدة، ثم نسخ بالنهي عن البُتيراء، فلا يجب إرجاع جميع الروايات إلى الثلاث، ولا يخلو إرجاعها إليه عن تكلف مستغنًى عنه، انتهى.
وفي هامشه: فعلى ما أفاده الشيخ، لا حاجة إلى تأويل روايات وحدة الوتر كلها، فإن الإيتار بواحدة كان أولًا ثم نُسخ.
(٢ - باب ساعات الوتر)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: في أيّ ساعة يصلَّى الوتر؟ ودلالة الرواية على هذا المعنى لورود الليل مطلقًا، ولما ورد أنه انتهى وتره إلى السحر، ولأمره أبا هريرة أن يوتر قبل النوم، فأفاد مجموع الثلاثة جواز الوتر أيّ ساعةٍ شاء من الليل، غير أنا لما أُمرنا أن نجعل الوتر آخر ما نصلي من الفرائض لم يجز تقديمه على فريضة العشاء، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): محصَّل ما ذكره أن الليل كله وقت الوتر، لكن أجمعوا على أن ابتداءه مغيب الشفق بعد صلاة العشاء، لكن أطلق بعضهم أنه يدخل بدخول العشاء، إلى آخر ما قال.
قلت: ههنا مسألتان: ابتداء وقت الوتر وانتهاؤه.
أما الأولى: ففيه قولان كما قال الحافظ، قال الموفق (٤): وقته ما بين العشاء وطلوع الفجر الثاني، فلو أوتر قبل العشاء لم يصح وتره. وقال
стр. 991
أبو حنيفة: إن صلّاه قبل العشاء ناسيًا لم يُعِدْه، وخالفه صاحباه قالا: يعيد، وكذلك قال مالك والشافعي.
وأما الثانية: فعند الحنفية آخر وقته إلى طلوع الفجر، وهو رواية عن الشافعي وأحمد، وقال الدردير (١): وقته المختار ينتهي لطلوع الفجر، وضروريه من طلوع الفجر للصبح، أي: لتمامها، وهو وجه للشافعية والحنابلة، انتهى مختصرًا.
ولا يبعد عندي في غرض المصنف أن ما ورد في بعض الروايات من قوله: "وانتهى وتره إلى السحر حتى مات"، كما في رواية لأبي داود يوهم أن آخر فعله ﷺ الوتر في السحر، فهو ناسخ للأول، فدفعه المصنف بأنه ليس بنسخ.
(٣ - باب إيقاظ النبي ﷺ أهله بالوتر)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أن مداومة الإيقاظ للوتر، وتوكيد الأمر فيه ما ليس في شيء من النوافل، من أظهر أمارات الوجوب، انتهى.
وفي هامشه: وتبويب البخاري بالإيقاظ للوتر خاصة يشير أيضًا إلى أنه إن لم يذهب إلى وجوب الوتر فقد ذهب إلى قريب من ذلك، قال الحافظ (٣) كما تقدم قبل: لم يتعرض البخاري لحكمه، لكن إفراده بترجمة عن أبواب التهجد والتطوع يقتضي أنه غير ملحق بها عنده، ولولا أنه أورد حديث الوتر على الدابة لكان إشارة إلى أنه يقول بوجوبه، انتهى.
وأنت خبير بأن مجرد تبويبه بالوتر على الدابة لا يدل على أنه لم ير بوجوبه مع الأمارات العديدة الدالة على أنه يرى بوجوبه، فإنه يحتمل أنه ﵁ مع القول بوجوبه يبيح أداءه على الدابة وينزله بمنزلة القصر في السفر، فإنهم صرَّحوا بوجوب الوتر على النبي ﷺ مع أدائه إياه على الدابة.
وفي "المشكاة" (٤) عن ابن عباس وابن عمر ﵄ أنهما قالا: الوتر في
стр. 992
السفر سُنَّة، فلا مانع من أن البخاري مع قوله بوجوبه يرى التخفيف فيه في السفر، انتهى.
(٤ - باب ليجعل آخر صلاته وترًا)
اختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ بنقض الوتر، وهو الذي ذهب إليه إسحاق، وقال بعض أهل العلم: إنه لا ينقض وتره ويدع وتره على ما كان، وهو قول مالك وأحمد وغيرهما، وهذا أصح، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١).
(٥ - باب الوتر على الدابة)
كتب الشيخ في "اللامع (٢): محمله عندنا الضرورة المجوِّزة للصلاة المفروضة على ظهر الدابة من خوف التلف بعَدُوٍّ أو سبُع أو غير ذلك، انتهى. وهذا أيضًا من المسائل الخلافية في أبواب الوتر بسط في هامش "اللامع" و"الأوجز" (٣).
قال الزرقاني (٤): استشكل بأن من خصائصه ﷺ وجوب الوتر عليه فكيف صلَّاه راكبًا؟ وأجيب بأن محل الوجوب الحضر بدليل إيتاره ﷺ راكبًا في السفر، وهذا مذهب مالك ومن وافقه، والقائل بوجوبه عليه ﷺ مطلقًا قال: يحتمل الخصوصية، وبُعده لا يخفى، انتهى.
قلت: ولا حجة فيه على الحنفية؛ لأنهم قالوا: إن الوتر كان قبل الإيجاب مستحبًا فيمكن حمله على ذلك الوقت، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
стр. 993
قال العيني (١): احتج بحديث الباب مالك والشافعي وأحمد على أن للمسافر أن يصلي الوتر على دابته، وكان مالك يقول: لا يصلي على الراحلة إلا في سفر يقصر فيه الصلاة، وقال الشافعي: قصير السفر وطويله في ذلك سواء، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز الوتر إلّا على الأرض، انتهى مختصرًا.
(٦ - باب الوتر في السفر)
قال الحافظ (٢): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: إنه لا يسن في السفر، وهو منقول عن الضحاك، انتهى. وهكذا قال العيني.
(٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده)
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: أثبت بهذه الترجمة مشروعية القنوت، إشارة إلى الرد على من روي عنه أنه بدعة كابن عمر، ولم يقيده في الترجمة بصبح ولا غيره مع كونه مقيدًا في بعض الأحاديث بالصبح، وأوردها في أبواب الوتر أخذًا من إطلاق أنس، كذا قال.
ويظهر لي أنه أشار بذلك إلى قوله في الحديث الرابع: "كان القنوت في الفجر والمغرب"؛ لأنه ثبت أن المغرب وتر النهار، فإذا ثبت القنوت فيها ثبت في وتر الليل بجامع ما بينهما من الوترية، انتهى.
قلت: لكن الظاهر من صنيع الإمام البخاري أنه قائل بقنوت الوتر، وليس بقائل بدوام القنوت في الفجر، ولذا أورد الباب في أبواب الوتر، ولم يورده في أبواب الفجر مع كون الرواية المصرِّحة بقنوت الفجر عنده، وأثبته بحديث أنس كما سيأتي في كلام الشيخ، فإن قنوت الفجر الذي كان
стр. 994
بعد الركوع كان في شهر فقط، فأيّ قنوت كان قبل الركوع الذي لم يقيده بزمان؟ فتأمل، انتهى من هامش "اللامع".
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أما القنوت في الفجر فكان في النازلة، ولا حاجة إلى القول بنسخه، بل هو معمول عند النازلة، فلا ينافي مذهبنا لو ورد في شيء من الروايات أنه ﷺ دام على قنوته في الفجر وبعد الركوع، إلى آخر أيام حياته؛ لأنا نقول كذلك إذا نزلت بالمسلمين نازلة، ثم إن رواية أنس ﵁ هذه مصرِّحة بما اختاره الأحناف، فإنه لما سُئل عن القنوت في الصبح أجاب عنه بأنه بعد الركوع، ثم لما سأله آخر، وأطلق السؤال عن التقييد بشيء من الصلوات، كان الظاهر منه السؤال عما هو المعمول دائمًا، فأجاب أنه قبل الركوع وهو قنوت الوتر المعمول به في كل سنة، فاعترض السائل على أنس بما أجاب به أولًا أنه بعد الركوع فقال: كذب، فعلم بتصريح أنس ههنا أن قنوت الفجر الذي هو بعد الركوع كان العارض، والدوام إنما هو على قنوت الوتر الذي هو قبل الركوع، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه: اختلف العلماء في القنوت في عدة مسائل، الشهيرة منها أربعة:
الأولى: اختلافهم في قنوت الوتر هل يقرأ أم لا؟ فمنعه مالك وأجازه الشافعي في أحد قوليه في النصف الآخر من رمضان، وعند الحنفية والحنابلة يكون في جميع السَّنة.
والثانية: اختلافهم في قنوت غير الوتر، فمشروع عند الشافعية والمالكية في الفجر خاصةً في جميع السَّنة، وعند الحنفية والحنابلة مشروع عند النازلة.
والثالثة: اختلافهم في محله، فعند الشافعية والحنابلة بعد الركوع
стр. 995
مطلقًا، وعند المالكية قبله مطلقًا، وأما عندنا الحنفية فقنوت الوتر قبل الركوع، وقنوت الفجر بعد الركوع.
والرابعة: اختلافهم في ألفاظ القنوت، وهو مبسوط في الفروع، انتهى مختصرًا.
ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، والظاهر عندي أنه في قوله: "يدعو على رعل وذكوان".
* * *
стр. 996
١٥ - أبواب الاستسقاء
ههنا سبعة أبحاث لطيفة: الأول: في لغته، والثاني: في سببه، والثالث: في بدء شرعية صلاته، والرابع: في حكمها، والخامس: في وقتها، والسادس: في مختار الأئمة في كيفيتها، والسابع: في تكرار صلاته إذا لم يمطروا، بسطت هذه المباحث كلها في "الأوجز" (١) وهامش "اللامع".
أما بدء شرعيتها ففي "الأنوار الساطعة" (٢): شرعت في رمضان سنة ست من الهجرة، وفي هذه السنة من "مجمع البحار" (٣) وفيها: صلى صلاة الاستسقاء فمطروا سبعة أيام حتى قال: "حوالينا"، وفي هذه السنة ذكرها صاحب "التلقيح" (٤) وصاحب "الخميس"، وذكره الحافظ (٥) عن ابن حبان.
(١ - باب الاستسقاء وخروج النبي ﷺ . . .) إلخ
قال الحافظ (٦): قوله: "خروج" أي: إلى المصلَّى كما سيأتي التصريح به، وزاد فيه: "وصلى ركعتين"، انتهى.
وقال القسطلاني (٧): قوله: "خروج" أي: إلى الصحراء، انتهى.
وهو الأوجه مما قدره الحافظ ﵀ من قوله: إلى المصلى، كما سيأتي في كلام الحافظ بنفسه في "باب الاستسقاء في المصلى" من الفرق
стр. 997
بين الترجمتين؛ إذ فرق بينهما بالعموم والخصوص، وقد اتفق فقهاء الأمصار على مشروعية صلاة الاستسقاء، وأنها ركعتان إلّا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: يبرزون للدعاء والتضرع، وإن خطب لهم فحسن، ولم يعرف الصلاة، هذا هو المشهور عنه، ونقل أبو بكر الرازي عنه التخيير بين الفعل والترك، وحكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء، والبروز إلى ظاهر المصر، لكن حكى القرطبي عن أبي حنيفة أيضًا أنه لا يستحب الخروج، وكأنه اشتبه عليه بقوله في الصلاة، انتهى من "الفتح".
وقد وردت الروايات في الاستسقاء بدون الصلاة كما في "الأوجز" (١) فارجع إليه لو شئت. والخروج إلى المصلَّى مستحب عندنا أيضًا كما تقدم، ففي "الطحطاوي على المراقي" (٢) وغيره: ويستحب الخروج للاستسقاء ثلاثة أيام للاتباع، انتهى. وهكذا في "الدر المختار" (٣).
(٢ - باب دعاء النبي ﷺ : اجعلها سنين. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): وجه إدخاله في أبواب الاستسقاء التنبيه على أنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين، ويمكن أن يقال: إن المراد أن مشروعية الدعاء على الكافرين في الصلاة تقتضي مشروعية الدعاء للمؤمنين فيها، فثبت بذلك صلاة الاستسقاء خلافًا لمن أنكرها، انتهى.
وبالأول شرح العيني، وكذا شيخ المشايخ في "تراجمه"، وأجاد السندي (٥) فقال: ذكره؛ لأنه دعاء بقحوط المطر على من يستحقه، ففيه إشارة إلى أنه لا بد من النظر في الاستسقاء إلى أهلية من يُدعى لهم، انتهى.
стр. 998
قوله: (اللهم اجعلها سنين) كتب الشيخ في "اللامع" (١): قصتان جمعهما المؤلف لما ذكره أستاذه إياهما جميعًا، وإلا فشأنه أرفع من أن يخفى عليه مثل ذلك، فكان وقوع دعاء السَّنَة في مكة، ودعوته لهؤلاء المسلمين كانت بالمدينة، انتهى.
وهذا إيراد معروف على الإمام البخاري، أورده شيخنا السهارنفوري شارح أبي داود صاحب "بذل المجهود"، وهكذا ذكر الشرَّاح كلهم، لكنهم ذكروه في حديث ابن مسعود الآتي في "باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين"، ويؤيد الشيخ ما قال العيني (٢) في الباب المذكور تحت قوله: "فجاءه أبو سفيان. . ." إلخ: وكان مجيئه قبل الهجرة لقول ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، ولم يُنقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر، انتهى.
ثم لا يذهب عليك أن الأوجه عند هذا العبد الفقير إلى الله الغني، أن ههنا أربعة وقائع معروفة:
الأولى: دعاؤه ﷺ على قريش بمكة قبل الهجرة بعد طرحهم على ظهره ﷺ سلا جزورٍ، المذكور في حديث ابن مسعود، وفيها دعاؤه ﷺ بسبع سنين.
والثانية: دعاؤه ﷺ على مضر خاصة بهذا الدعاء أيضًا في القنوت وهي بالمدينة سنة أربع من الهجرة، وكان بدء القنوت في هذه السَّنة.
والوقعة الثالثة: خروجه ﷺ للاستسقاء إلى المصلى، وكان في رمضان سنة ست من الهجرة.
والرابعة: دعاؤه ﷺ في خطبة الجمعة المذكورة في حديث أنس ﵁، وكان بعد مرجعه من غزوة تبوك، وقد اختلط في هذه الوقائع كلام الشرَّاح، وأدخلوا قصة في قصة أخرى بمجرد اتحاد ألفاظ الدعاء، والله أعلم.
стр. 999
(٣ - باب سؤال الناس الإمام. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال ابن رُشيد: لو أدخل تحت هذه الترجمة حديث ابن مسعود الذي قبله لكان أوضح مما ذكر، انتهى. ويظهر لي أنه لما كان من سأل قد يكون مسلمًا، وقد يكون مشركًا، وقد يكون من الفريقين، وكان في حديث ابن مسعود المذكور مشركًا ناسب أن يذكر فيما بعده ما يدل على ما إذا كان الطلب من الفريقين كما سأبينه، ولذلك ذكر لفظ الترجمة عامًا لقوله: "سؤال الناس" إلى أن قال: وقد اعترض الإسماعيلي فقال: حديث ابن عمر خارج عن الترجمة؛ إذ ليس فيه أن أحدًا سأله أن يستسقي له ولا في قصة العباس، وأجاب ابن المنيِّر عن حديث ابن عمر بأن المناسبة تؤخذ من قوله فيه: "يستسقى الغمام بوجهه"؛ لأن فاعله محذوف، وهم الناس، وعن حديث أنس ﵁ بأن في قول عمر: "كنا نتوسل إليك بنبيك" دلالة على أن للإمام مدخلًا في الاستسقاء، وقال ابن رُشيد: يحتمل أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى؛ لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال، انتهى. وهو حسن، انتهى من "الفتح".
وقال فيما سيأتي من "باب إذا استشفعوا إلى الإمام. . ." إلخ (٢): قال ابن المنيِّر: تقدم له "باب سؤال الناس الإمام. . ." إلخ، والفرق بين الترجمتين أن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا إلى الاستسقاء، والثانية لبيان ما على الإمام من إجابة سؤالهم، انتهى.
(٤ - باب تحويل الرداء في الاستسقاء)
قال الحافظ (٣): ترجم لمشروعيته خلافًا لمن نفاه، ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته كما سيأتي، وقال أيضًا: واستحب الشافعي في الجديد تنكيس الرداء
стр. 1000
مع التحويل، وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك، واستحب الجمهور أيضًا أن يحول الناس بتحويل الإمام، وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده.
فائدة: ذكر الواقدي (١): أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع (٢)، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين، انتهى.
(٥ - باب انتقام الرب -)
قال الحافظ (٣): هكذا وقعت هذه الترجمة في رواية الحموي وحده خالية من حديث ومن أثر، قال ابن رُشيد: كأنها كانت في رقعة مفردة فأهملها الباقون، وكأنه وضعها ليدخل تحتها حديثًا، وأليق شيء بها حديث عبد الله بن مسعود المذكور في ثاني باب من الاستسقاء، وأخر ذلك ليقع له التغيير في بعض سنده كما جرت به عادته غالبًا، فعاقه عن ذلك عائق، والله أعلم، انتهى.
قلت: ولعل الغرض من الترجمة الإشارة إلى البحث الثاني من المباحث السبعة المشار إليها في أول "كتاب الاستسقاء"، ففي هامش "اللامع" (٤) من "الأوجز": الثاني في سببه، وتقدم عن القاري سببه حاجة الناس بسبب قلة الأمطار، ويكون ذلك لكثرة المعاصي غالبًا، وإليه أشار البخاري في "صحيحه"، إذ قال: "باب انتقام الرب . . ." إلخ، وفي "كتاب الزهد" لابن ماجه (٥) في حديث طويل عن ابن عمر مرفوعًا: "ولم
стр. 1001
يمنعوا زكاة أموالهم إلّا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا"، ونحو ذلك من الروايات التي ذكرت في "الأوجز".
(٦ - باب الاستسقاء في المسجد الجامع)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أراد بذلك إثبات أن الاستسقاء هو الدعاء فقط، وأن ليس شيء من الصلاة والتحويلة وغيرهما داخلًا في الاستسقاء، إذ لو كان كذلك لم يتركها النبي ﷺ مع أنه اكتفى ههنا بالدعاء فقط دون أن يحول رداءً ويصلي صلاة، وأيضًا فعقد الباب رد لما يتوهم من كراهة الاستسقاء في المسجد سيما الجامع؛ لأنه محل ذكر ودعاء لا عرض حوائج دنيوية بأنه دعاء أيضًا لا يتمحض للدنيا، بل فيه منافع أخروية كثيرة، انتهى.
وفي هامشه: وهذا على مسلك الإمام أبي حنيفة.
وقال الحافظ (٢): أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج ليس بشرط في الاستسقاء؛ لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس، وذلك حاصل في المسجد الأعظم بناءً على المعهود في ذلك الزمان من عدم تعدد الجامع بخلاف ما حدث في هذه الأعصار، انتهى.
وأنت ترى أن ما أفاده الشيخ أوجه مما قاله الحافظ؛ لأن الملحوظ في الخروج لما كان المبالغة في الاجتماع، وذلك حاصل في المسجد الأعظم، فأيّ حاجة بقيت إلى الخروج؟
ثم قال الحافظ: وقد ترجم له المصنف بعد ذلك "من اكتفى بصلاة الجمعة في [خطبة] الاستسقاء"، وترجم له أيضًا "الاستسقاء في خطبة الجمعة"، فأشار بذلك إلى أنه إن اتفق وقوع ذلك يوم الجمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، انتهى.
стр. 1002
(٧ - باب الاستسقاء في خطبة الجمعة. . .) إلخ
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): لما كان بعض ما يرد أولًا يرد ههنا أيضًا دفعه مع زيادة أنه لا يشترط له الاستقبال، وإن كان دعاء ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، فلما لم يكن الاستقبال داخلًا في الاستسقاء كيف يدخل فيه الصلاة وتحويل الرداء وغيرهما من الأمور، انتهى.
وقد عرفت قريبًا ما قال الحافظ في هذه التراجم الثلاثة، والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه التراجم المختلفة إلى أنواع الاستسقاء، ففي "الأوجز" (٢) في مسلك الشافعية: لها ثلاث مراتب، أدناها الدعاء مطلقًا فُرادى ومجتمعين، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وخطبة الجمعة، وأعلاها يصلى بهم ركعتين، أي: على الهيئة المخصوصة المتقدمة في أول أبواب الاستسقاء.
وهكذا في مسلك الحنابلة، ففي "المغني" (٣): قال القاضي: الاستسقاء ثلاثة أضرب، ثم ذكر نحو ما تقدم، ولا يبعد عندي أن الإمام قيد الترجمة بقوله: غير مستقبل القبلة دفعًا لما يتوهم من روايات استقبال القبلة في دعاء الاستسقاء أنه ﷺ استقبلها ههنا أيضًا، فدفعه بذلك من أن الاستقبال لا يكون في خطبة الجمعة، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (إن رجلًا دخل المسجد. . .) إلخ، وأورد صاحب "التيسير" بأنه ﵊ مع كمال رأفته وشفقته على الناس لم يبتدئ بالاستسقاء، وأيضًا لم يستدع له أحد من أهل المدينة، حتى جاء رجل من أهل البادية. وأجاب بأنه ﵇، وكذلك أهل المدينة ببركة صحبته كانوا في حالة الرضاء والتوكل على أقصى مراتبه، وأهل البادية لم يبلغوا إلى هذه المرتبة، فألحُّوا للاستسقاء، انتهى معربًا.