← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1033–1072 · переход к 1038.

стр. 1033

المشركين، ومن الظاهر أنهم لم يكونوا على وضوء، ولم ينههم النبي ﷺ عنه، وأيضًا فإن المذكور فيها سجود المشركين والمسلمين، ولم يذكر فيها أن المسلمين كانوا على وضوء أو على غير وضوء، فيستوي الأمران فيها، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (١): قوله: "كان ابن عمر ﵄ يسجد على غير وضوء"، كذا لأكثر الرواة، وفي رواية الأصيلي بحذف "غير"، والأول أولى، ولم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلّا الشعبي، انتهى. قلت: وظاهر ترجمة البخاري أنه ذهب أيضًا إلى جواز السجدة بلا وضوء، وقال السندي (٢): أراد أن اختلاط المشركين بالمسلمين لا يضر في سجود المسلمين، مع أن المشرك نجس غير متوضئ، وقوله: "كان ابن عمر. . ." إلخ، بمنزلة الترقي في ذلك، أي: بل كان ابن عمر لا يوجب الوضوء للسجود، فكيف يضر اختلاط المشرك النجس؟ ولم يرد اختيار قول ابن عمر، والاستدلال عليه بسجود المشركين ضرورة أن فعل المشرك ما كان إلّا صورة السجود لا معناه، فلا وجه للاستدلال به، انتهى. قال الحافظ: اعترض ابن بطال (٣): إن أراد البخاري الاحتجاج لابن عمر بسجود المشركين فلا حجة فيه؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة، وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله: والمشرك نجس، فهو أشبه بالصواب، وأجاب ابن رُشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود مع عدم أهليته، فالمتأهل لذلك أحرى، ويؤيده الحديث بأن من لم يسجد عوقب عليه، انتهى. وما ذكر الشرَّاح ههنا في سبب سجود المشركين من قصة الغرانيق

стр. 1034

بسط الكلام عليه شيخنا في "البذل" (١)، وهذا العبد في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت، وفيه: والذي اختاره الشيخ الكَنكَوهي في "الكوكب" هو الذي اختاره شيخ المشايخ في "تراجمه" (٢)، إذ قال: ذكر المفسرون في هذه القصة أنه جرى على لسانه ﷺ من قبل الشيطان الكلمات المشهورة، فلذلك سجد المشركون معه حيث زعموا أنه لا اختلاف بعد ذلك بيننا وبينهم؛ لأنه يثني على آلهتنا، لكن لا أصل لهذه القصة عند المحدثين، بل الحق أن هذه الكلمات ما جرت على لسانه ﷺ ، والقصة موضوعة كما قال الذهبي وغيره من المحدثين، وكيف يظن مثل هذا بأكرم الرسل خير المخلوقات أنه تسلَّط عليه الشيطان، حاشا جنابه عن نسبة أمثال هذه الواهيات، ثم حاشا هذا، وقد قال الله تعالى في حق عامة الصلحاء: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فما ظنك بسيد البشر والشفيع المشفع يوم المحشر الذي أقسم الله بعمره فقال: "لعمرك يا حبيبي"، بل الحق أن المشركين إنما سجدوا لغلبة جلاله وجبروته. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". (٦ - باب من قرأ السجدة ولم يسجد) قال الحافظ (٣): يشير بذلك إلى الرد على من احتج بحديث الباب على أن المفصَّل لا سجود فيه كالمالكية، أو أن النجم بخصوصها لا سجود فيها كأبي ثور؛ لأن ترك السجود فيها لا يدل على تركه مطلقًا لاحتمال أنه كان إذ ذاك بلا وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة، أو ترك لبيان الجواز، وبه جزم الشافعي، انتهى. وعلى هذا فتكون الترجمة شارحة بأن عدم سجوده ﷺ كان لعارض، وأيضًا فيه تأييد لظاهر الرواية عن الحنفية أن وجوبها على التراخي، ورواية

стр. 1035

التاتارخانية على الفور شاذة كما في "الفيض" (١). ويمكن أن يقال: إن غرض المصنف أن السجدة سواء كانت واجبة أو سُنَّة ليست على الفور، وحديث الباب استدل به من لم يرَ السجدة واجبة كما استدل به الزرقاني عليه كما في "الأوجز"، ومن أوجبها حمله على ما تقدم من الوجوه في كلام الحافظ. (٧ - باب سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾) فيه تعريض على المالكية؛ لأنه ليس عندهم في المفصَّل سجدة، كذا في "الفيض" (٢). (٨ - باب من سجد لسجود القارئ) إشارة إلى مسألة خلافية كما ستأتي، وظاهر لفظ الترجمة أن ميل المؤلف إلى مسلك الحنابلة والمالكية، وبه جزم الحافظ، إذ قال (٣): وفي الترجمة إشارة إلى أن القارئ إذا لم يسجد لم يسجد السامع، انتهى. والصحيح من مسالك الأئمة الأربعة ما في هامش "اللامع" (٤)، إذ قال: والجملة أن السجدة واجبة عندنا الحنفية على التالي والسامع مطلقًا قولًا واحدًا، سواء قصد السماع أم لا؟ وسواء كان التالي أهلًا للإمامة أم لا؟ وهكذا عند الشافعية في المرجح عندهم كما في فروعهم، إلا أن السجدة ليست بواجبة عندهم بل سُنَّة، كما سيأتي مفصلًا، فقالوا: إنها سُنَّة للسامع ومؤكدة على المستمع، وعند الحنابلة السجدة على السامع مشروط بثلاثة شروط: الاستماع، أي: قصد السماع، وأهلية التالي الإمامة للسامع، وسجدة التالي، وهكذا عند المالكية مع شرط رابع أن لا يقصد بتلاوته إسماع الناس، انتهى.

стр. 1036

(٩ - باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة) كتب الشيخ في "اللامع" (١): لعله قصد بذلك إثبات أن السجود حتم لا يترك لعذر، والذي ترجم بعد ذلك بهذا العنوان لا يعنيه، فالغرض منه بيان الحكم لمن لم يجد موضعًا للسجود للزحمة ماذا يفعل، هل يؤخر إلى وقت غير وقته هذا، أو يسجد على ظهر آخر، أو يسقط عنه على حسب اختلافهم في ذلك؟ ولعدم تعيين إحدى الاحتمالات ترك الخبر مبهمًا، ولا يظهر من الرواية المذكورة ثمة شيء، انتهى. وفي هامشه: وهذا واضح جيد، والعجب أن الشرَّاح كلهم سكتوا عن غرض الترجمة ههنا، وكذا سكتوا عن بيان الفرق بين الترجمتين، انتهى. (١٠ - باب من رأى أن الله لم يوجب السجود) أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى المسألة الخلافية الشهيرة في سجدة التلاوة، هل هي واجبة أم لا؟ وكأن الإمام البخاري لم يوافق قول من أنكر الوجوب، ولذا ترجم بلفظ: "من رأى" كما قالوا في مثل هذه التراجم، كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٢). والحاصل: أنها واجبة عند الحنفية، وسُنَّة مؤكدة عند الشافعية والحنابلة، وفضيلة أو سُنَّة قولان مشهوران للمالكية، وعن أحمد: أنها واجبة في الصلاة لا خارجها، انتهى من هامش "اللامع" (٣). (١١ - باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها) أشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي قراءة السجدة في الصلاة، بسط الكلام عليها في "الأوجز" (٤)، والجملة أنها

стр. 1037

جائزة بلا كراهة عند الشافعية إلّا أنهم قالوا: لا يقصد بقراءته السجدة في غير صبح جمعة، وإلا فتبطل صلاته لو سجد عالمًا بتحريمه، وعند الحنابلة مكروه في السرية دون الجهرية، فلو قرأ لم يسجد، وعند الحنفية كما في "الدر المختار" (١): يكره للإمام أن يقرأها في مخافتة، ونحو جمعة وعيد، وإلّا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو بسجودها، وأما مذهب المالكية فقد تقدم في "باب سجدة تنزيل السجدة". (١٢ - باب من لم يجد موضعًا للسجود. . .) إلخ تقدم الفرق بين هذا الباب وبين ما سبق من "باب ازدحام الناس. . ." إلخ، قال الحافظ (٢): أي: ماذا يفعل؟ قال ابن بطال (٣): لم أجد هذه المسألة إلّا في سجود الفريضة، وإذا كان هذا في سجود الفريضة فيجري مثله في سجود التلاوة، واختلف السلف، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال الكوفيون وأحمد، وقال عطاء: يؤخر حتى يرفعوا، وبه قال مالك والجمهور، وظاهر صنيع البخاري أنه يذهب إلى أنه يسجد بقدر استطاعته ولو على ظهر أخيه، انتهى من هامش "اللامع" (٤). ثم براعة الاختتام سكت عنه الحافظ، ولا يبعد عندي أن يقال: إن السجود هبوط إلى الأرض شبيه بالهبوط إلى القبر، أو يقال: إنه يستأنس من قوله: ما يجد أحدنا مكانًا. . . إلخ، ففيه إشارة إلى كثرة الأموات حتى لا يجد موضعًا للدفن. * * *

стр. 1038

١٨ - أبواب تقصير الصلاة ههنا خمسة أبحاث: الأول: في حكم القصر، والثاني: في المسافة التي يقصر فيها، والثالث: في السفر الذي يقصر فيه، والرابع: في الموضع الذي يبدأ منه القصر، والخامس: في مقدار الزمان الذي يقصر فيه المسافر إذا قام في موضع، بسط الكلام على هذه المباحث في "الأوجز" (١)، وسيأتي أكثر هذه المباحث في الأبواب الآتية. (١ - باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر) قال الحافظ (٢): في هذه الترجمة إشكال؛ لأن الإقامة ليست سببًا للقصر، ولا القصر غاية للإقامة، فقيل: إنه انقلب اللفظ، والمعنى: كم يقصر حتى يقيم؟ وقيل: كم مدة يقيم حتى يقصر؟ وعدد الأيام المذكورة سبب لمعرفة جواز القصر فيه فيها، انتهى من "الفيض" (٣). ثم الترجمة مشتملة على جزئين: الأول: قوله ما جاء في التقصير، ولعل المصنف أشار به إلى حكم التقصير من كونه واجبًا أو مباحًا، فإن المسألة خلافية شهيرة كما ستأتي، ولما لم يكن له حديث عند المؤلف على شرطه لم يورده، بل أشار في الترجمة إلى الاختلاف، وأوجه منه أنه أشار به إلى مبدأ القصر كما هو دأبه في جميع كتابه. والجزء الثاني من الترجمة: هو قوله: "وكم يقيم حتى يقصر"، وأشار

стр. 1039

بذلك إلى مسألة أخرى خلافية أيضًا، وهي اختلافهم في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه الإتمام. أما المسألة الأولى ففي هامش "اللامع" (١): اختلفوا في حكم القصر، أما الحنفية فقالوا بوجوبه قولًا واحدًا. واختلفت الروايات عن الإمام الشافعي، وأشهرها أنه رخصة، والإتمام أفضل. وكذلك اختلفت الروايات عن الإمام مالك، فروى عنه أشهب أنه فرض، وأشهرها أنه سُنَّة عنده. وكذلك اختلفت الروايات عن الإمام أحمد، فرُوي عنه أنه فرض، وعنه أنه سُنَّة، وعنه أنه أفضل، وعنه: إني أحب العافية عن هذه المسألة. وأما المسألة الثانية، أعني: مبدأ القصر، فالذي يظهر لهذا العبد الضعيف، وبه تجتمع الأدلة، أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء الثانية ركعتين إلّا المغرب، ثم زيد عقيب الهجرة إلا الصبح، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية نصف منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. قال الحافظ (٢): ذكر ابن الأثير أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة للهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول الآية كان فيها، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدولابي، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا، انتهى من هامش "اللامع". وأما المسألة الثالثة: ففي "الأوجز" (٣): بلغ ابن عبد البر في "الاستذكار" أقوال العلماء في ذلك إلى أحد عشر قولًا، وذكر العيني في "شرح البخاري" (٤) اختلاف الأقوال في ذلك على اثنين وعشرين قولًا، نتركها اختصارًا، قال ابن رشد في "البداية" (٥): الأشهر منها هو ما عليه

стр. 1040

فقهاء الأمصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم، والثاني: مذهب أبي حنيفة والثوري أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يومًا أتمّ، والثالث: مذهب أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتمّ، انتهى. وذلك بأن ينوي الإقامة إلى إحدى وعشرين صلاة. وفي "فيض الباري" (١): اعلم أنه لم يبلغ حديث مرفوع في تحديد مدة القصر إلى مرتبة الصحة، وحديث ابن عباس في فتح مكة، ومدة الإقامة فيه تسعة عشر، على اختلاف فيه، وحديث أنس ثاني حديث الباب في حجة الوداع ومدة الإقامة فيها، انتهى. قلت: والظاهر أن ميل المصنف في هذه المسألة إلى ما ذهب إليه ابن عباس. (٢ - باب الصلاة بمِنى) قال الحافظان ابن حجر والعيني (٢): لم يذكر حكم المسألة لقوة الخلاف فيها، انتهى. قلت: اختلفوا في القصر بمنى وعرفات أنه للسفر أو للنسك، فعند الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنه للسفر، ولذا قالوا: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء مسافة القصر، وأما عند الإمام مالك فالمشهور على الألسنة بل في أكثر الشروح أن القصر عنده للنسك لا للسفر. وهو غير صحيح كما بسط في "الأوجز" (٣) عن فروع المالكية. وفي هامش "اللامع" (٤): الأوجه عندي أن القصر عند مالك أيضًا لا للسفر كما صرح به في "الموطأ"، لكن يكفي عنده مطلق السفر لا السفر

стр. 1041

الشرعي، ولذلك لا يقصر أهل مكة بمكة، وأهل منى بمنى عنده؛ لأنهم مقيمون في أوطانهم، ولو كان القصر للنسك عنده ليقصرون، انتهى من "جزء حجة الوداع" (١). (٣ - باب كم أقام النبي ﷺ في حجته ؟) قال القسطلاني (٢) تبعًا للحافظ تحت حديث الباب: قوله: لصبح رابعة، أي: من ذي الحجة، وخرج إلى منى في الثامن فصلى بمكة إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر الرابع، إلى آخر ظهر الثامن، فهي أربعة أيام ملفقة، وهذا موضع الترجمة وإن لم يصرح في الحديث بغاية فإنها معروفة في الواقع، أو المراد - أي: في الترجمة - إقامته إلى أن توجه إلى المدينة، وهي عشرة أيام سواء كما مر في حديث أنس، انتهى. (٤ - باب في كم تقصر الصلاة. . .) إلخ هذا هو البحث الثاني من المباحث الخمسة المشار إليها في أول الباب، ففي "الأوجز" (٣): اختلف العلماء في مقدار السفر المبيح للقصر على ما قاله الزرقاني إلى نحو عشرين قولًا. قال الحافظ (٤): هي من المواضع التي انتشر فيها الخلاف جدًا، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، وبلغ العلامة العيني (٥) الأقوال فيها إلى اثنين وعشرين. قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٦): ذهب مالك والشافعي إلى أن الصلاة لا يقصرها المسافر إلا في سيره اليوم التام بالبغل الحسن السير،

стр. 1042

وهو قول أحمد وإسحاق، وقدَّره مالك بأربعة بُرد وثمانية وأربعين ميلًا، وقال الشافعي: ستة وأربعون ميلًا، والأمر متقارب، وقال الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه: لا يقصر المسافر إلّا في المسافة البعيدة المحتاجة إلى الزاد من الأفق إلى الأفق، قال أبو حنيفة: أقل ذلك ثلاثة أيام لا يقصر مسافر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام، وقالت طائفة من أهل الظاهر: يقصر الصلاة كل مسافر في كل سفر، قصيرًا كان أو طويلًا ولو ثلاثة أميال، انتهى. وهكذا ذكر المذاهب ابن رشد في "البداية" (١). قال الشوكاني (٢): وعند ابن حزم ميل واحد، وهو أقل ما قيل فيه، انتهى مختصرًا من "الأوجز". (٥ - باب يقصر إذا خرج من موضعه) هذا هو البحث الرابع من المباحث المتقدمة، وميل المؤلف إلى مسلك الجمهور، والغرض من الترجمة تأييد الجمهور والرد على ما نقل عن عطاء وبعض الكوفيين كما سيأتي، قال الإمام مالك في "موطئه": لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية، انتهى. قال الزرقاني (٣): هذا مجمع عليه، وفي الحاشية عن "المحلى": وبه قال أبو حنيفة والشافعي والجمهور، وقال الشوكاني (٤): قال ابن المنذر: أجمعوا على أن مريد السفر يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها، واختلفوا فيما قبل الخروج من البيوت، فذهب الجمهور إلى أنه لا بدّ من مفارقة جميع البيوت وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله، ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء، انتهى. وفي "البذل" (٥) عن العيني: عندنا إذا فارق بيوت المصر يقصر، وقال

стр. 1043

الشافعي: في البلد يشترط مجاوزة السور لا مجاوزة الأبنية المتصلة بالسور خارجة، ورجح الرافعي القول الأول، مختصرًا من "الأوجز" (١)، وحكي عن مجاهد إذا بدأ السفر بالنهار لا يقصر حتى يدخل في الليل، وكذا العكس، قال العيني (٢): وعن عطاء وسليمان بن موسى أنهما كانا يبيحان القصر في البلد لمن نوى السفر، انتهى. قوله: (فلما رجع قيل له. . .) وهذا مجمع عليه عند الأئمة الأربعة وأهل الحديث كما في "الأوجز" عن ابن عبد البر. (٦ - باب يصلي المغرب ثلاثًا في السفر) قال الحافظ (٣): أراد المصنف أن الأحاديث المطلقة كان يصلي في السفر ركعتين محمولة على المقيدة بأن المغرب بخلاف ذلك، انتهى. (٧ - باب صلاة التطوع على الدواب. . .) إلخ اعلم أن في الصلاة على الدابة خلافيات من أنها هل يعم الفرض والنفل؟ وعلى كليهما هل يعم الحضر والسفر؟ وعلى كليهما يختص بالضرورة أم لا؟ وأيضًا يشترط استقبال القبلة عند التحريمة أم لا؟ فهذه الصور كلها طويلة الباع، سيأتي الكلام على بعضها في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى. وفي "الأوجز" (٤): قال الباجي: وأكثر العلماء على جواز تنفل المسافر بالليل والنهار على راحلته وعلى الأرض، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل، انتهى.

стр. 1044

قال الحافظ (١): قال ابن رُشيد: أورد فيه الصلاة على راحلته، فيمكن أن يكون ترجم بأعم ليلحق الحكم بالقياس، ويمكن أن يستفاد ذلك من إطلاق حديث جابر المذكور في الباب، قال الحافظ: وقد تقدم في أبواب الوتر قول ابن المنيِّر: إنه ترجم بالدَّابة تنبيهًا على أن لا فرق بينها وبين البعير في الحكم، انتهى. قوله: (حيث ما توجهت) قال الحافظ (٢): وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلا أن أحمد بن حنبل وأبا ثور استحبَّا أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، انتهى. وذكر الباجي الإمام الشافعي مع أحمد بن حنبل، وكذا ذكر أهل الفروع من الحنفية اشتراط الاستقبال عند الشافعي، والظاهر أنه وهم؛ لأن الحافظ أعلم بمذهبه، لم يذكر الاستقبال إلا عن أحمد، وفي "المغني" (٣): إن أمكن افتتاحها إلى القبلة ففيه روايتان: أحدها: يلزمه، والثانية: لا يلزمه، انتهى. وهكذا في الفرض عند أحمد روايتان كما صرَّح به في "المغني"، وفي "شرح الإقناع": يجوز ترك القبلة في حالتين: الحالة الأولى: في شدة الخوف فرضًا كانت أو نفلًا، والحالة الثانية: في النافلة في السفر، انتهى. وفي "الأوجز" (٤): لكن مما يجب التنبيه عليه أن قوله: "حيث توجهت به" قيد احتراز، لا يجوز الصلاة على الدابة إلّا إلى حيث توجهت به، فلو صلَّى إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز، صرح به أصحاب الفروع من المالكية والحنابلة والحنفية كما بسط في "الأوجز".

стр. 1045

(٨ - باب الإيماء على الدابة) قال القسطلاني تحت حديث الباب (١): أي: يشير برأسه إلى الركوع والسجود من غير أن يضع جبهته على ظهر الراحلة، وكان يومئ بالسجود أخفض من الركوع تمييزًا بينهما، انتهى. وفي "المغني" (٢): قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه جائز لكل من سافر سفرًا يقصر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت، يومئ بالركوع والسجود، انتهى. وقال في موضع آخر: فإن كان على الراحلة في مكان واسع يدور فيه كيف شاء، ويتمكن من الصلاة إلى القبلة والركوع والسجود، فعليه استقبال القبلة في صلاته، ويسجد على ما هو عليه إن أمكنه ذلك؛ لأنه كراكب السفينة، انتهى. وما حكى العيني (٣) في الباب السابق من مذهب الشافعية حيث قال: وجزم أصحاب الشافعي بترخيص الماشي في السفر بالتنفل إلى جهة مقصده، إلا أن مذهبه اشتراط استقبال القبلة في تحريمه، وعند الركوع والسجود، ويشترط كونهما على الأرض، انتهى، لم أجده بعد. (٩ - باب ينزل للمكتوبة) تخصيص لعموم الروايات السابقة، قال الحافظ (٤): قال ابن بطال: أجمع العلماء على اشتراط ذلك، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر، حاشا ما ذكره في صلاة شدة الخوف، انتهى.

стр. 1046

(١٠ - باب صلاة التطوع على الحمار) قال الحافظ (١): قال ابن رُشيد: مقصوده أنه لا يشترط في التطوع على الدابة أن تكون الدابة طاهرة الفضلات، بل الباب في المركوبات واحد بشرط أن لا يماس النجاسة، انتهى. قلت: وهذا مبني على مسلك من قال بطهارة فضلات المأكول من الحيوان، فإن المسألة خلافية تقدمت في "كتاب الطهارة". وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): عقد الباب لذلك بعد عقده لصلاة التطوع على الدابة، إما لبيان الأسانيد المتكررة للحديث في هذا الباب فإيراد لفظ: "الحمار" في الترجمة لكونه واردًا في الحديث، وإما لزيادة اهتمام بذلك؛ لأن الحمار بعيد من الرحمة قريب من الشيطان، عسى أن يتوهم فيه أنه لا يجوز النافلة عليه. . . إلى آخر ما بسطه. قلت: أو لأن الحمار قاطع للصلاة كما ورد في الروايات. وعلى ما أفاده شيخ المشايخ من الاحتمال الأول تكون الترجمة من الأصل السابع عشر من أصول التراجم، وعلى الاحتمال الثاني تكون من الأصل الثاني والعشرين. وفي "فيض الباري" (٣): اختلف العلماء في ثبوت صلاته ﷺ على الحمار مع اتفاقهم على جوازها، وأما ترجمة المصنف فمبنية على أثر أنس، انتهى. قلت: وفيه أن الاستدلال بالموقوف ليس من دأبه الشريف. (١١ - باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): الظاهر أنه أراد بذلك عدم التأكد، وإلا فقد ثبت عنه خلافه كما مر، ويمكن أن يكون المراد أنه لم يكن يتطوع

стр. 1047

السنن القبلية والبعدية وإن كان يتنفل غيرها من نافلة الإشراق والتهجد وغيرها، انتهى. وفي هامشه: اعلم أولًا: أن الروايات في صلاة التطوع في السفر مختلفة جدًا، يظهر من الروايات الكثيرة أنه ﷺ كان يتطوع في السفر، وفي كثير منها أنه ﷺ لا يتطوع في السفر، فأراد البخاري بهاتين الترجمتين - هذه والآتية بعدها - الجمع بين مختلف ما ورد في ذلك. وثانيًا: أن نُسخ البخاري مختلفة في ذكر هاتين الترجمتين في لفظ: "قبلها"، ففي نسخ الهندية لفظ: "قبلها" موجودة في البابين، وعليه بنى الشيخ كلامه، وعلى هذه النسخة، فالجمع بين الروايات المختلفة أن روايات الإثبات مبنية على غير الرواتب، وروايات النفي على الرواتب، سواء كانت قبلية أو بعدية، ويشكل على هذا ذكر ركعتي الفجر في الترجمة الثانية، فيؤول بأن ذكرهما بمنزلة الاستثناء، يعني: أن النفي في الرواتب القبلية لما عدا ركعتي الفجر، فإنهما لتأكدهما مستثناة عن ذلك، والنسخة الثانية حذف لفظ: "قبلها" عن البابين معًا، وعلى هذه النسخة بنى الحافظان ابن حجر والعيني شرحيهما، وعلى هذه النسخة لا إشكال في ذكر ركعتي الفجر في الباب الآتي؛ لأنهما أيضًا من جملة غير الدبر، ولذلك رجح الحافظ هذه النسخة، وعلى هذا فالجمع بين الروايات المختلفة أن النفي محمول على السنن البعدية، والإثبات على السنن القبلية. وههنا نسخة ثالثة ذكرها القسطلاني (١)، إذ قال بعد الترجمة الثانية: وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر والأصيلي لفظ: "في غير دبر الصلاة وقبلها"، انتهى. ثم قال الحافظ (٢): نقل النووي أن العلماء اختلفوا في التنفل في السفر على ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا، والجواز مطلقًا، والفرق بين الرواتب

стр. 1048

والمطلقة، وهو مذهب ابن عمر، وأغفلوا قولًا رابعًا، وهو: الفرق بين الليل والنهار في المطلقة، وخامسًا: الفرق بين البعدية وغيرها، وزاد في "الأوجز" (١) قولًا سادسًا، وهو مختار ابن القيم في "الهدي"، وهو: التطوع بالوتر وركعتي الفجر دون غيرهما من الرواتب، وذكر في "الفيض" (٢) قولًا آخر: قال محمد بن الحسن: يتركها إن كان سائرًا، ويصليها إن كان نازلًا، وحكى في "الأوجز" عن النووي استحباب الرواتب عن الشافعي والجمهور. (١٢ - باب من تطوع في السفر. . .) إلخ تقدم الكلام عليه في الباب السابق. (١٣ - باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء) لم يتعرض أحد من الشرَّاح إلى أن المصنف في التبويب غيّر سياق الجمعين، فذكر جمع المغربين مطلقًا، وفرّق جمع العصرين في بابين كما سترى، وأيضًا قدم جمع العشائين على العصرين، ولا يبعد عندي أنه أشار بتغيير السياقين إلى مسلكه في الجمع بين الصلاتين من أنه يجوز عنده الجمع بين العشائين مطلقًا، سواء كان جمع تقديم أو تأخير. وأما العصرين فيجوز فيهما الجمع تأخيرًا لا تقديمًا، فهذا مذهب سابع سوى المذاهب الستة المشهورة في الجمع بين الصلاتين. الأول: لا يجوز المجمع الزماني، والأحاديث محمولة على الجمع الصوري، وهو مذهب الحنفية. والثاني: يجوز مطلقًا، وهو مذهب الشافعي وأحمد. والثالث: يجوز إذا جدّ به السير، قاله مالك. والرابع: يجوز الجمع تأخيرًا لا تقديمًا، وبه قال ابن حزم. والخامس: يجوز إذا أراد به قطع الطريق، قاله ابن حبيب المالكي. والسادس: أنه مكروه كما روي عن مالك، انتهى

стр. 1049

مختصرًا من "الأوجز" (١). (١٤ - باب هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء) قال الحافظ (٢): قال ابن رُشيد: ليس في حديثَي الباب تنصيص على الأذان، لكن في حديث ابن عمر منهما "يقيم للمغرب فيصليها"، ولم يرد بالإقامة نفس الأذان، وإنما أراد يقيم للمغرب. وعلى هذا فكأن مراده بالترجمة: هل يؤذن أو يقتصر على الإقامة؟ وجعل حديث أنس مفسرًا بحديث ابن عمر؛ لأن في حديث ابن عمر حكمًا زائدًا. قال الحافظ: ولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق حديث ابن عمر كما في الدارقطني بلفظ: "وكان لا ينادي بشيء من الصلاة في السفر". وقال الكرماني (٣): لعل الراوي لما أطلق لفظ الصلاة استفيد منه أن المراد بها التامة بأركانها وشرائطها وسننها، ومن جملتها الأذان والإقامة، انتهى. قلت: ولأجل عدم كون حديثَي الباب نصًّا في الأذان زاد المؤلف في الترجمة لفظة: "هل" كما هو دأبه في أمثال هذه الأبواب، ثم لم أر المذاهب في هذه المسألة في الشروح التي بأيدينا ولا في "المغني"، والاختلاف في صلاة المزدلفة وعرفة معروف مصرَّح، وهو أيضًا جمع سفر، فلعل المذاهب هناك هو المذاهب ههنا. (١٥ - باب يؤخر الظهر إلى العصر. . .) إلخ تقدم بعض ما يتعلق بهذا الباب والآتي بعده في "باب الجمع بين العشائين"، وقال الحافظ (٤): فيه إشارة إلى أن جمع التأخير عند المصنف يختص بمن ارتحل قبل أن يدخل وقت الظهر، انتهى.

стр. 1050

(١٦ - باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس. . .) إلخ قال الحافظ (١): أورد فيه حديث أنس المذكور قبله، وفيه: "فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب"، كذا فيه الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم، ثم بعد ذلك أثبت الحافظ الرواية التي فيها جمع التقديم تأييدًا لمسلكه، فارجع إليه لو شئت، لكن التحقيق أنه لم يثبت في جمع التقديم حديث كما أقر به أبو داود في "سننه" وبسط الكلام عليه الشيخ في "البذل" (٢). (١٧ - باب صلاة القاعد) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): إيراد هذه الأبواب ههنا لمناسبة أن تلك العوارض كثيرًا تعرض للمصلي وهو مسافر، أو لأنهما معًا، أي: السفر والمرض من أسباب التخفيف، فناسب أحدهما الآخر، انتهى. وقال الحافظ (٤): أورد المصنف في أبواب التقصير أبواب الجمع؛ لأنه تقصير بالنسبة إلى الزمان، ثم أبواب صلاة المعذور قاعدًا؛ لأنه تقصير بالنسبة إلى بعض صور الأفعال، ويجمع الجميع الرخصة للمعذور، انتهى. والأوجه عندي: أن ذكر الجمع بين الصلاتين لتكملة أبواب تقصير الصلاة في السفر، وأما ذكر صلاة القاعد فإن الكثرة منها للنوافل ويتنصف فيها الأجر، فهو تقصير بالنسبة إلى الأجر، وذكر صلاة القاعد المعذور - كما سيأتي - فلتكملة صلاة القاعد، انتهى. قوله: (ومن صلى نائمًا. . .) إلخ، في هذا الحديث إشكال، وهو أنه لا يصح حمله على الفرض ولا النفل، أما الأول فلأن الفرض لا يصح

стр. 1051

قاعدًا بدون العذر فضلًا عن نصف الأجر، وأما المعذور فلا ينتصف أجره بل يعطى كاملًا، وأما النفل فلا يصح نائمًا بدون العذر عند الجمهور، حتى قال الخطابي وابن عبد البر وغيرهما: أجمعت الأمة على المنع من ذلك، فوجَّهوا الحديث بعدة توجيهات، كما في "الكوكب" (١) وهامشه، وحمله السندي على بيان الضابطة إذ قال (٢): فالوجه أن يقال: ليس الحديث بمسبوق لبيان صحة الصلاة وفسادها، وإنما هو لبيان تفضيل إحدى الصلاتين الصحيحتين على الأخرى، وصحتهما تعرف من قواعد الصحة من خارج، فحاصل الحديث: أنه إذا صحت الصلاة قاعدًا فهي على نصف صلاة القائم فرضًا كانت أو نفلًا، وكذا إذا صحت الصلاة نائمًا فهي على نصف الصلاة قاعدًا في الأجر، وقولهم: إن المعذور لا ينتقص أجره، ممنوع. . . إلى آخر ما قال. (١٨ - باب صلاة القاعد بالإيماء) قال الحافظ (٣): ليس في الحديث ذكر الإيماء، فقيل: كأنه صحَّف قوله: "نائمًا"، يعني: بنون على اسم الفاعل من النوم، فظنه بإيماء، يعني: بموحدة مصدر أومأ، فلهذا تراجم بذلك، قال الحافظ: ولم يصب في ظنه أن البخاري صحَّفه، والظاهر أن المصنف مال إلى مسلك المالكية من أنه يجوز له الإيماء إذا صلى نفلًا قاعدًا مع القدرة على الركوع والسجود، انتهى. والأوجه عندي: أن المصنف أشار إلى جواز الصلاة جالسًا بالإيماء عند عدم القدرة على الركوع والسجود، واستدل عليه بجوازها نائمًا بالإيماء فثبت جواز الإيماء قاعدًا بالطريق الأولى.

стр. 1052

(١٩ - باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب) لعله أشار بذلك إلى أن الصلاة مضطجعًا مقيدة بعدم القدرة، وهو ليس كالقعود في النوافل. قال الحافظ (١): قوله: "وقال عطاء: إذا لم يقدر. . ." إلخ، مطابقته للترجمة من جهة أن الجامع بينهما أن العاجز عن أداء فرض ينتقل إلى فرض دونه ولا يترك، وهو حجة على من زعم أن العاجز عن القعود في الصلاة تسقط عنه الصلاة، انتهى. (٢٠ - باب إذا صلى قاعدًا ثم صح. . .) إلخ قال الحافظ (٢): في هذه الترجمة إشارة إلى الرد على من قال: من افتتح الفريضة قاعدًا لعجزه عن القيام، ثم أطاق القيام وجب عليه الاستئناف، وهو محكي عن محمد بن الحسن، وخفي ذلك على ابن المنيِّر حتى قال: أراد البخاري بهذه الترجمة دفع خيال من تخيل أن الصلاة لا تتبعض، فيجب الاستئناف على من صلى قاعدًا ثم استطاع القيام، وقال ابن بطال (٣): هذه الترجمة تتعلق بالفريضة، وحديث الباب يتعلق بالنافلة ووجه استنباط أنه لما جاز في النافلة القعود لغير علة مانعة من القيام، وكان ﵊ يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي لا يجوز القعود فيها إلا بعدم القدرة على القيام أولى، انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الترجمة ليست مختصة بالفريضة، بل قوله: "ثم صح" يتعلق بالفريضة، وقوله: "أو وجد خفة" يتعلق بالنافلة، وهذا الشق مطابق للحديث، ويؤخذ ما يتعلق بالشق الآخر بالقياس عليه، انتهى مختصرًا، ثم البراعة في قولها: "وإن كنت نائمة اضطجع"، وبه جزم الحافظ قُدِّس سرُّه.

стр. 1053

١٩ - كتاب التهجّد قال الكرماني (١): التهجد التيقظ من النوم بالليل، والهجود النوم، فمعناه: التجنب عن النوم، انتهى. ولا اختلاف بينهم في أن بدء فرضية التهجد كان بنزول سورة المزمل، واختلف في نسخها متى وقع؟ كما ذكره البخاري في "باب ما نسخ من قيام الليل" وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ الآية، قال الحافظ في الباب المذكور (٢): كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم عن عائشة قالت: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى أنزل الله في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضته، ولم يذكره البخاري لكونه على غير شرطه، ومقتضى ذلك أن النسخ وقع بمكة؛ لأن الإيجاب متقدم على فرض الخمس ليلة الإسراء، وكانت قبل الهجرة بأكثر من سنة، وحكى الشافعي عن بعض أهل العلم أن آخر السورة نسخ [افتراض] قيام الليل إلّا ما تيسر منه، ثم نسخ فرض ذلك بالصلوات الخمس. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٣). (١ - باب التهجد بالليل. . .) إلخ اختلفوا في غرض الترجمة، قال الحافظ: قصد البخاري إثبات مشروعية قيام الليل مع عدم التعرض لحكمه، وقد أجمعوا إلّا شذوذًا من القدماء على أن صلاة الليل ليست مفروضة على الأمة، واختلفوا في كونها من خصائص النبي ﷺ ، وسيأتي تصريح المصنف بعدم وجوبه على الأمة قريبًا، انتهى.

стр. 1054

والأوجه عندي: أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الاختلاف المشهور في تهجده ﷺ ، هل كان واجبًا عليه أو مندوبًا كما يدل عليه تبويبه بالآية الشريفة، وكلا الفريقين لما كانوا تمسكوا بالآية الشريفة على اختلاف بينهم في معنى قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] فجعل البخاري الآية ترجمة للتنبيه على الاختلاف في معناه، فقيل: معناه: أنها كانت واجبة عليه ﷺ ، ثم نسخت فصارت نافلة، أي: تطوعًا؛ لأن الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة تكون زيادة في كثرة الثواب، فلهذا سمي نافلة، وأما الذين قالوا: إنها كانت واجبة عليه قالوا: معنى كونها نافلة لك، أي: فريضة زائدة لك، خصِّصت بها من بين الأمة، انتهى من هامش "اللامع" (١). (٢ - باب فضل قيام الليل) قال الحافظ (٢): أورد فيه حديث ابن عمر في رؤياه، وكأن المصنف لم يصح عنده حديث صريح في هذا الباب فاكتفى بحديثه، وقد أخرج فيه مسلم حديث أبي هريرة: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، وكأن البخاري توقف فيه للاختلاف في وصله وإرساله، وفي رفعه ووقفه، انتهى. (٣ - باب طول السجود في قيام الليل) قال القسطلاني (٣): أي: للدعاء والتضرع إلى الله ﵎، إذ هو أبلغ أحوال التواضع والتذلل، ومن ثمّ كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، انتهى. ولا يبعد أن يكون إشارة إلى رد من قال: إن الأفضل في النهار كثرة السجود، وفي الليل طول القيام. لكن يشكل عليه أنه سيأتي قريبًا "باب

стр. 1055

طول القيام في صلاة الليل"، فالأوجه أنه أشار بالترجمة إلى تعيين أحد الاحتمالين في هذه السجدة المذكورة في حديث الباب بأنها كانت سجدة الصلاة لا بعدها سجدة منفردة، وعلى هذا تكون الترجمة شارحة. وفي "الفيض" (١): إن النسائي بوّب على الحديث بأن تلك السجدة الطويلة كانت على حدة لا في ضمن الصلاة، قلت: وهو بعيد عن الصواب، بل كانت من أركان الصلاة، أما السجدة المفردة فاستحبها الشافعية في أوقات مختلفة بأن يسجد بها متى شاء، وهذا في غير موضع الشكر أيضًا، قلت: ولا أصل لها عندنا، نعم في الكتب في سجدة الشكر قولان، ولا بدّ من القول بالجواز، وأما ما اعتاد بها الناس بعد الوتر والتراويح فمنع عنها في "الكبيري" شرح "المنية"، انتهى. وقال الشيخ في "البذل" (٢): وكونها سجدة الصلاة مبني على لفظ الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، وأما لفظ رواية أبي داود "ويوتر بواحدة، ويمكث في سجوده. . ." إلخ، فهو محتمل لسجدة الشكر وسجدة الصلاة. . . إلى آخر ما قال. (٤ - باب ترك القيام للمريض) قال القسطلاني (٣): أي: ترك قيام الليل للمريض، انتهى. قوله: (اشتكى) قال الحافظ (٤): أي: مرض، ولم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تفسير هذه الشكاية. وقال أيضًا: استشكل أبو القاسم ابن الورد مطابقة حديث جندب - ثاني حديثي الباب - للترجمة، وتبعه ابن التين فقال: احتباس جبريل ليس ذكره في هذا الباب في موضعه، انتهى. وقد ظهر بسياق تكملة المتن وجه المطابقة، وذلك أنه أراد أن ينبه

стр. 1056

على أن الحديث واحد لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفًا لكنه في قصة واحدة، انتهى مختصرًا. وإلى هذا الإشكال والجواب أشار شيخ المشايخ في "تراجمه" (١)، وتقدم في الأصل التاسع والعشرين من أصول التراجم المذكورة في المقدمة. قال القسطلاني تحت حديث جندب (٢): هذا الحديث قد رواه شعبة عن الأسود بلفظ آخر أخرجه المصنف في "التفسير"، قال: "قالت امرأة: يا رسول الله! ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك"، قال في "الفتح" (٣): وهذه المرأة فيما يظهر لي غير المرأة المذكورة في حديث سفيان؛ لأن هذه عبَّرت بقولها: صاحبك، وتلك عبَّرت بقولها: شيطانك، وهذه عبَّرت بقولها: يا رسول الله، وتلك عبرت بقولها: يا محمد، وسياق هذه يشعر بأنها قالته توجعًا وتأسفًا، وتلك قالته شماتةً وتهكمًا، انتهى. (٥ - باب تحريض النبي ﷺ على قيام الليل. . .) إلخ قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: اشتملت الترجمة على أمرين: التحريض، ونفي الإيجاب، فحديث أم سلمة وعلي رضي الله تعالى عنهما للأول، وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها للثاني، قال الحافظ: بل يؤخذ من الأحاديث الأربعة نفي الإيجاب، ويؤخذ التحريض من حديثي عائشة من قولها: "كان يدع العمل وهو يحبه"؛ لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه، لولا ما عارضه من خشية الافتراض، انتهى. قال القسطلاني (٥) تبعًا للحافظ: يحتمل أن يكون قوله: "على قيام الليل" أعم من الصلاة والقراءة والذكر والشكر وغير ذلك، وحينئذ يكون قوله: "والنوافل" من عطف الخاص على العام، انتهى.

стр. 1057

وقال الحافظ: وتقدم حديث أم سلمة والكلام عليه في "كتاب العلم"، قال ابن رُشيد: كأن البخاري فهم أن المراد بالإيقاظ الإيقاظ للصلاة لا لمجرد الإخبار؛ لأنه لو كان لمجرد الإخبار لكان يمكن تأخيره إلى النهار؛ لأنه لا يفوت. . . إلى آخر ما قال. وتقدم في أول أبواب التهجد قول الحافظ: وسيأتي تصريح المصنف بعد وجوبه على الأمة، انتهى. وتقدم بيان الاختلاف هناك. (٦ - باب قيام النبي ﷺ حتى تَرِم قدماه. . .) إلخ قوله: (ترم) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء من الورم، وسقط هذا اللفظ من بعض الروايات، قاله القسطلاني (١) وغيره. والغرض من الترجمة عندي أن ما تقدم في الباب السابق من قوله: "من غير إيجاب" ليس بمعنى قلة المبالاة، فإنه ﷺ بالاه حتى ترم قدماه. أو يقال: إن ما سيأتي من الكراهة في التشديد في العبادة حيث كان محتملًا للملال، أما إذ لا فلا. (٧ - باب من نام عند السحر) لا يبعد عندي في غرض الترجمة أن ظاهر قوله عزَّ اسمه: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وما ورد من الروايات من نزوله تعالى في الثلث الآخِر من الليل يشير إلى أن النوم في هذا الثلث يكون خلاف الأولى، فدفعه المصنف بهذا. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢) وقوله: "ينام سدسه"، فيه الترجمة؛ لأن المراد بالسدس السدس الآخِر، ولا يكون إلا سحرًا، انتهى. وبسط الكلام على هذا الباب في هامشه.

стр. 1058

(٨ - باب من تسحَّر فلم ينم حتى صلَّى الصبح) قال الحافظ (١) في الباب السابق تحت حديث عائشة: "ما ألفاه السَّحَر عندي إلا نائمًا": قال ابن التين: قولها: "إلّا نائمًا"، تعني: مضطجعًا على جنبه؛ لأنها قالت: في حديث آخر: "فإن كنت يقظانة حدثني وإلا اضطجع"، وتعقبه ابن رُشيد بأنه لا ضرورة لحمل هذا التأويل؛ لأن السياق ظاهر في النوم حقيقة، وظاهر في المداومة على ذلك، ولا يلزم من أنه كان ربما لم ينم وقت السحر هذا التأويل، فدار الأمر بين حمل النوم على مجاز التشبيه، أو حمل التعميم على إرادة التخصيص، والثاني أرجح، وإليه ميل البخاري؛ لأنه قد ترجم بقوله: "من نام عند السحر"، ثم ترجم عقبه بقوله: "من تسحَّر فلم ينم"، فأومأ إلى تخصيص رمضان من غيره، فكأن العادة جرت في جميع السنة أنه كان ينام عند السحر إلّا في رمضان؛ فإنه كان يتشاغل بالسحور في آخر الليل، ثم يخرج إلى صلاة الصبح عقبه. وقال ابن بطال (٢): النوم وقت السحر كان يفعله النبي ﷺ في الليالي الطوال وفي غير شهر رمضان، كذا قال، ويحتاج في إخراج الليال القصار إلى دليل، انتهى ما في "الفتح". (٩ - باب طول الصلاة في قيام الليل) وفي نسخة الحافظ: "طول القيام في صلاة الليل"، وهو الأوجه لموافقة الرواية، لكن العجب عن الحافظ، إذ قال (٣): إن الحديث موافق لطول الصلاة لا لطول القيام، فتأمل. قوله: (يشوص فاه بالسواك) أشكل إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة، فقيل: من الناسخ، وقيل: كان بياضًا للترجمة فخلطه الكاتب،

стр. 1059

وقيل: أعجلته المنية، وقيل: أشار إلى ما فيه من الاهتمام والتهيؤ، والتخفيف لا يتهيأ له، وقيل: الترجمة في قوله: "قام" وكان معلومًا من دأبه ﷺ طول القيام، ورجح هذا التوجيه الحافظ، وقيل: أراد به استحضار حديث حذيفة الذي رواه مسلم عنه: "أنه صلَّى مع النبي ﷺ ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وكان إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبَّح، ثم ركع نحوًا مما قام، ثم قام نحوًا مما ركع"، الحديث، فلعلَّه ﷺ أحيا تلك الليلة كلّها، فيقتضي تلك تطويل الصلاة، وإنما لم يخرجه لكونه على غير شرطه، فإما أن يكون أشار إلى أن الليلة واحدة، أو نَبَّه بأحد حديثي حذيفة على الآخر. وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: "يشوص" فيه الترجمة؛ لأن شوص الفم يحصل به شرح الدماغ والتيقظ اللذين يسهل معهما طول القيام. وقال العلامة السندي (١) ما حاصله: من يهتم بهذا وهو أدب، فلا بدّ أن يهتم بالطول، وهو أفضل منه، انتهى من هامش "اللامع" (٢) مختصرًا. (١٠ - باب كيف صلاة الليل. . .) إلخ وهذا باب ثامن من التراجم المصدرة بلفظ: "كيف"، وهذه الترجمة تشتمل على جزئين، الأول: الكيفية، والثاني: عدد ركعات صلاة الليل، فالحديث الأول يطابق الجزء الأول منها، والأحاديث الباقية للجزء الثاني. واختلفت الروايات في عدد الركعات، ففي "الأوجز" (٣) عن الباجي تحت حديث عائشة: وروايتها تحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان ﷺ تختلف صلاته بالليل؛ لأنه لا حدّ لصلاة

стр. 1060

الليل، فمرّةً كانت تخبر بما شاهدت منه في وقتٍ ما، ومرةً كانت تخبر بما شاهدت منه ﷺ في غيره، وإنما قالت: "إنه ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"، تريد صلاته المعتادة الغالبة، وإن كان ربما يزيد في بعض الأوقات على ذلك، فقصدت في تلك الروايات الإخبار عن غالب صلاته ﷺ ، وذكرت في هذه الرواية أكثر ما كانت تنتهي إليه صلاته ﷺ في الأغلب. والوجه الثاني: أن تكون رضي الله تعالى عنها تقصد في بعض الأوقات الإخبار عن جميع صلاته في ليلة، وتقصد في وقت ثان إلى ذكر نوع من صلاته في الليل، وجميع صلاة النبي ﷺ بالليل في رواية عائشة خمس عشرة مع الركعتين الخفيفتين وركعتي الفجر، فعائشة كانت تخبر بالأمر على وجوه شتى، ولعله أن يكون ذلك على قدر أسباب السؤال، انتهى. (١١ - باب قيام النبي ﷺ بالليل. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): الظاهر من الترجمة أن قيام الليل منسوخ من النبي ﷺ والأمة جميعًا، انتهى. وفي هامشه: كما يدل عليه لفظ الترجمة: "وما نسخ من قيام الليل" بالإطلاق بعد ذكر قيام النبي ﷺ ، وهو ظاهر حديث عائشة عند مسلم قالت: "إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة - يعني: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ -، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضية"، فهذا الحديث أيضًا بظاهره يعم النبي ﷺ والأمة، وقد تقدم الخلاف في ذلك في أول "كتاب التهجد".

стр. 1061

قال الحافظ (١): استغنى البخاري عن إيراد هذا الحديث - لكونه على غير شرطه - بما أخرجه عن أنس - يعني: حديث الباب -، فإنه يدل على أنه كان ربما نام كل الليل، وهذا دليل التطوع، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، ثم يشكل على الترجمة التكرار بما تقدم من "باب تحريض النبي ﷺ على قيام الليل من غير إيجاب" اللهم إلا أن يقال: إنه محمول في حق الأمة بدون التعرض عن حاله ﷺ . (١٢ - باب عقد الشيطان على قافية الرأس. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (٢): الظاهر أن الشيطان يعقد على قافية كل نائم، فمن صلى انحلت عقده ومن لا فلا، انتهى. قلت: يشكل قوله في الترجمة: "إذا لم يصل"؛ لأن الحديث عام، وأجيب بأن المراد بقاء العقد إذا لم يُصَلِّ. واختار الحافظ (٣) في مراد المصنف: أن عقد الشيطان مقيد بمن لم يصلِّ العشاء، أي: المراد بالصلاة المنفية صلاة العشاء، ويؤيده ثاني حديثي الباب. وتعقب العلامة العيني على الحافظ، إذ قال (٤): لا قرينة لتقييدها بالعشاء، فظاهر الحديث يدل على أن العقد يكون عند النوم، سواء صلى قبله أو لم يصل، ثم ذكر الروايات الدالة على العموم. ومال القسطلاني (٥) إلى قول الحافظ، ومال صاحب "الفيض" (٦) إلى أن البخاري مال إلى وجوب التهجد، فالمراد صلاته، وأخذه من كلام ابن العربي في شرح الترمذي: قد اختلف الناس في صلاة الليل، ومال البخاري إلى وجوبها، وتعلق بقوله ﷺ : "يعقد الشيطان"، الحديث. قلت: وفيه أنه يخالف تصريح البخاري بما سبق قوله: من غير إيجاب.

стр. 1062

(١٣ - باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشيطان في أذنه) قال الحافظ (١): الترجمة للمستملي وحده، وللباقين باب فقط، وهو بمنزلة الفصل من الباب، وتعلقه بالذي قبله ظاهر، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "باب إذا نام ولم يصل" المراد به الصلاة المكتوبة، وإيراد الرواية لما فيه من ذكر النوم ليلته جمعاء، وإن كان الجزاء المذكور ههنا لم يترتب على ترك التهجد بل على كونه ترك المكتوبة، انتهى. وفي تقرير المكي: قوله: "ولم يصل"، يعني: الصلاة مطلقًا لا التهجد ولا المكتوبة، وإنما قلنا كذلك؛ لأن حديث: "بال الشيطان" إنما هو في الفرض لا في التهجد، لكن النوم الكذائي يستلزم فوت التهجد أيضًا، فلذلك جعل الحديث أعم من التهجد والفرض، ورتب بول الشيطان في أذنه على فوت كليهما بالنوم، وإن كان هو في الحقيقة مرتبًا على فوت الفرض فقط. . . إلى آخر ما فيه. واختلف في بول الشيطان فقيل: هو على حقيقته إذ لا مانع منه؛ لأن الشيطان يأكل ويشرب وينكح، وقيل: كناية عن سدّ الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة لا يسمع الذكر، وقيل: معناه أنه ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر، وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه: أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعدّ للبول إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه، وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام لثقل النوم؛ كمن وقع البول في أذنه فثقل أذنه وأفسد حسه، انتهى مختصرًا من "الفتح".

стр. 1063

(١٤ - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. . .) إلخ وفي رواية أبي ذر: "باب الدعاء في الصلاة" وليس في الحديث ذكر الصلاة، قال الحافظ (١): زاد يونس في روايته: "ولذلك كانوا يفضلون صلاة آخر الليل على أوله"، أخرجها الدارقطني، وبهذه الزيادة تظهر مناسبة ذكر الصلاة في الترجمة، ومناسبة الترجمة التي بعد هذه لهذه، انتهى. أو يقال: الصلاة دعاء. (١٥ - باب من نام أول الليل وأحيا آخره) قال القسطلاني (٢): بالصلاة أو القراءة أو الذكر ونحوها، انتهى. وقال الحافظ: تقدم في الباب الذي قبله ذكر مناسبة الحديث بالباب، انتهى. (١٦ - باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره) لعله أشار به إلى أنّ ما ورد في حديث عائشة المراد به التهجد، ولذا أدخله في أبوابه، وأيضًا ذكر في الترجمة: "في رمضان وغيره"، فإن التراويح لا يكون في غير رمضان. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): ومما ينبغي التنبه له أن عائشة لم تذكر ههنا إلّا ما كانت عادته في صلاته بالليل وكان دوامه عليها، فأما ما وقع أحيانًا ونادرًا؛ كصلاته بالقوم في ليالي رمضان فغير متعرض به نفيًا ولا إثباتًا، وذلك كثير في الكلام، فلا يمكن الاحتجاج بمقالتها هذه أنه ﷺ لم يزد في تلك الليالي الثلاث أيضًا، فإذا ورد بعد ذلك عدد العشرين في شيء من الروايات ولو ضعيفة لم يكن مخالفًا لتلك الروايات الصحاح، فوجب قبولها لعدم المخالفة، انتهى.

стр. 1064

وفي هامشه: ما أفاده الشيخ واضح جدًا، ولذلك ترى المحدثين بأسرهم يبوّبون بصلاة الليل منفردًا وبقيام رمضان [على حدة]، وفي "الأوجز" (١): قال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان التراويح، وبه جزم النووي، إلى آخر ما بسط فيه. (١٧ - باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة عند الطهور. . .) إلخ قال الحافظ (٢): كذا ثبت في رواية الكشميهني، ولغيره "بعد الوضوء"، واقتصر بعضهم على الشق الثاني من الترجمة، وعليه اقتصر الإسماعيلي وأكثر الشرَّاح، والشق الأول ليس بظاهر في حديث الباب إلا إن حمل على أنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث من حديث بريدة عند الترمذي وابن خزيمة بلفظ: "ما أصابني حدث قط إلّا توضأت عندها"، ولأحمد من حديثه: "ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين"، فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أيِّ وقتٍ كان، انتهى. قوله: "سمعت دفَّ نعليك" أشكل بوجهين، الأول: دخوله الجنة قبل الموت، والثاني: دخول بلال قبله ﷺ ، ورجح الحافظ أن الرواية كانت في النوم، ونوم الأنبياء وحي، ففيه أيضًا فضيلة لبلال بلا مرية، ومشيه بين يدي النبي ﷺ كان من عادته في اليقظة فاتفق مثله في المنام، ولا يلزم من ذلك دخوله قبل النبي ﷺ ؛ لأنه في مقام التابع، انتهى مختصرًا. وفي "الأوجز" (٣) تحت قوله ﵊: "رأيت أكثر أهلها النساء" الحديث: حمله الشاه ولي الله المحدث الدهلوي على الرؤية المثالية، فقال في ذكر عالم المثال: دلَّت الأحاديث على أن في العالم

стр. 1065

وجودٌ غير عنصري تتمثل فيه المعاني بأجسام مناسبة لها في الصفة تتحقق هناك الأشياء قبل وجودها في الأرض. . . إلى آخر ما قال، انتهى. وأجاب شيخ المشايخ عن الإشكال الثاني في "تراجمه" (١) بالبسط، وحاصله: أنه تخييل خال عن إحساس نفسه ومنزلته، فارجع إليه لو شئت التوضيح. (١٨ - باب ما يكره من التشديد في العبادة) قال الحافظ (٢): قال ابن بطال: إنما يكره ذلك خشية الملال المفضي إلى ترك العبادة، انتهى. وتقدمت الإشارة إلى هذا الباب في "باب قيام النبي ﷺ حتى ترم قدماه". (١٩ - باب ما يكره من ترك قيام الليل) لا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى أن الفتور والملال المذكور هو الغاية القصوى، وإلا فمجرد التواني والتكاسل والترك لأجله مكروه غير مرضي. قال الحافظ (٣): قوله: "باب ما يكره. . ." إلخ، أي: إذا أشعر ذلك بالإعراض عن العبادة، وما أحسن ما عقب المصنف هذه الترجمة بالتي قبلها؛ لأن الحاصل منهما الترغيب في ملازمة العبادة، والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها؛ لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم، انتهى. وأجاد صاحب "الفيض" (٤) بحثًا طويلًا يستنبط منه أن الأحكام ثلاثة: الغرائم كما في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] وقد صلى ﵇ حتى ترم قدماه، والرخص، والقصد. والطبائع أيضًا ثلاثة:

стр. 1066

الأقوياء، والضعفاء، والأوساط. فكل نوع منها يميل إلى ما يناسب طبعه، فارجع إليه لو شئت توضيحه. (٢٠ - باب) بغير ترجمة، في الهامش عن العيني (١): إن المطابقة بترك التشديد، انتهى. فكأنه رجوع إلى ما سبق. والأوجه عندي: أن الحاصل من ملاحظة الترجمتين السابقتين الاعتدال، وهذا الباب كالنص فيه، أو يقال: إنه إشارة إلى سبب الباب السابق، فإن الإكثار قد يكون سبب الترك، والأوجه منه أن يقال: إن هذا الباب لأشتات ما ورد في فضل التهجد من الروايات المتفرقة، وينتهي هذا الباب إلى المداومة على ركعتي الفجر، والباب الآتي من قبيل باب في باب. (٢١ - باب فضل من تعار من الليل) التعار اليقظة مع صوت، والتقلب على الفراش ليلًا مع كلام، والمراد في الحديث: استيقظ؛ لأنه قال: "من تعار فقال" فعطف القول على التعار، ويحتمل أن تكون الفاء تفسيرية لما صوّت به المستيقظ؛ لأنه قد يصوت بغير ذكر، فخص الفضل المذكور بمن صوت بما ذكر من ذكر الله تعالى، وهذا هو السر في اختيار لفظ تعار دون استيقظ، وإنما يتفق ذلك لمن تعود الذكر، انتهى. ومناسبة الحديث الأول للباب ظاهرة، وأما الحديثان الآخران فمناسبتهما خفية، واكتفى العلامة العيني على المناسبة بفضل صلاة الليل فقط، ويحتمل عندي ما تقدم قريبًا أنه باب في باب.

стр. 1067

(٢٢ - باب المداومة على ركعتي الفجر) أي: شدة اهتمامهما، وسيأتي حكمهما في باب مستقلًا. (٢٣ - باب الضجعة على الشق الأيمن. . .) إلخ اختلفوا فيه على عدة أقوال (١): أحدها: سُنَّة، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه. والثاني: مستحب، روي ذلك عن جماعة من الصحابة. والثالث: أنها واجب مفترض، وهو قول ابن حزم. والرابع: أنها بدعة، ومن قال به من الصحابة عبد الله بن مسعود. والخامس: أنه مكروه، روي ذلك عن النخعي ومالك. والسادس: أنها خلاف الأولى، روي ذلك عن الحسن. والسابع: أنها للفصل بين ركعتي الفجر وبين الفريضة، وهو محكي عن الشافعي. والثامن: أنها للاستراحة، وهو مؤدى قول الحنفية. والتاسع: ما نقل عن ساداتنا الصوفية أنها كانت للنزول عن العرش إلى الفرش. وفي هامش "البذل" (٢): قال ابن العربي: قال مالك: لا بأس به ما لم ير فيه الفضل، وأحمد لا يفعله ولا يمنعه، انتهى. وأثبت ابن القيم كونها بعد الوتر قبل السُّنَّة.

стр. 1068

(٢٤ - باب من تحدث بعد الركعتين. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن الضجعة ليست بواجبة ولا مؤكدة، انتهى. وفي "هامشه": وبذلك احتجت الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الوارد بذلك في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجد، وبه جزم ابن العربي، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". (٢٥ - باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى) قال السندي (٢): أي: مطلقًا ليلًا أو نهارًا فقط، وأما ليلًا فغني عن البيان أو قد بيّن سابقًا، انتهى. والمسألة خلافية، وقد اختلط كلام الشرَّاح ونقلة المذاهب في ذكر مسالك الأئمة ههنا، وذلك لأن ههنا مسألتين طالما اختلطت إحداهما بالأخرى، الأولى: مسألة النهي عن البتيراء، اتفقت فيها الحنفية والمالكية في أنه لا يجوز التنفل بركعة واحدة، ويجوز عند الشافعية والحنابلة، والثانية: مسألة الأفضل في ركعات التطوع، فالأفضل عند الشافعية والحنابلة، مثنى مثنى مطلقًا ليلًا كان أو نهارًا، وتجوز الزيادة على الركعتين عندهما، وأما عند المالكية فالمثنى متعين، تكره الزيادة عليهما، وعندنا الحنفية فالأفضل عند الإمام أبي حنيفة أربع أربع في الليل، وعند صاحبيه في النهار أربع أربع، وفي الليل مثنى مثنى، إذا عرفت ذلك فترجمة البخاري تحتمل أن تكون بيانًا للأفضل، فتكون موافقة للشافعية مخالفة للحنفية والمالكية، ويحتمل أن تكون نهيًا عن الأقل من الركعتين فتكون موافقة للحنفية والمالكية مخالفًا لغيرهم (٣).

стр. 1069

(٢٦ - باب الحديث بعد ركعتي الفجر) أشار بذلك إلى الرد على من كرهه، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ولم يثبت عنه، كذا في "الفتح" (١). وفي "الفيض" (٢) في "باب من تحدث بعد الركعتين": كرهه الحنفية حتى قال بعضهم: إنه لو تكلم بعد سُنَّة الفجر يعيدها، ورأيت في "المدونة" أن مالكًا رحمه الله تعالى بعد سُنَّة الفجر لم يكن ينحرف عن القبلة حتى يصلي الفرض ولم يكن يتكلم بينهما، انتهى. وقال الدردير (٣): كره الكلام قبل طلوع الشمس لا قبل صلاة الفجر، انتهى. وأخرج البيهقي (٤) عن مالك: "أدركت الناس وما يتكلمون حتى تطلع الشمس". (٢٧ - باب تعاهد ركعتي الفجر) أشار بذلك إلى أنهما ليستا بواجبتين خلافًا لمن قاله، واستدل عليه بإطلاق التطوع عليه في الحديث. (٢٨ - باب ما يقرأ في ركعتي الفجر) كتب الشيخ في "اللامع" (٥): دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنهما لما كانتا خفيفتين لا تكون القراءة فيهما إلا قليلة ما كانت وإن لم تتعين السورة، انتهى. وفي هامشه: قال السندي (٦): لم يذكر في الباب ما يدل على تعيين المقروء في ركعتي الفجر، بل ذكر ما يدل على تخفيف القراءة فيهما،

стр. 1070

فلذلك قيل: كلمة "ما" استفهامية عن صفة القراءة، أي: هل هي طويلة أو قصيرة؟ قال الحافظ (١): أشار بذلك إلى خلاف من زعم أنه لا يقرأ في ركعتي الفجر أصلًا عن أبي بكر الأصم وإبراهيم ابن علية، فنبَّه على أنه لا بدّ من القراءة، واقتصر عليه؛ لأنه لم يثبت عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيهما. واختلف العلماء في القراءة فيهما على أربعة مذاهب حكاها الطحاوي: أحدها: لا قراءة فيهما، كما ذهب إليه جماعة، منهم ابن الأصم وابن علية وطائفة من الظاهرية. الثاني: يخفف القراءة فيهما بأم القرآن خاصة، روي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو مشهور مذهب مالك. الثالث: يخفف بقراءة أم القرآن وسورة قصيرة، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول الشافعي. الرابع: لا بأس بتطويل القراءة فيهما، روي ذلك عن النخعي، وعن أبي حنيفة: ربما قرأت فيهما حزبين من القرآن، وهو قول أصحابنا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". (٢٩ - باب التطوع بعد المكتوبة) قال الحافظ (٢): ترجم أولًا بما بعد المكتوبة، ثم ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة، انتهى. ولم يذكر الحافظ وجهه، ولعله لتأكد ما بعدها، فتأمل. والأوجه عندي ما مر. وقال العيني (٣): إنه ذكر ترجمة البعدية مع أن في الحديث القبلية

стр. 1071

أيضًا لشدة اهتمامها، أو من باب الاكتفاء بأحدهما، انتهى. (٣٠ - باب من لم يتطوع بعد المكتوبة) قال الحافظ (١): أورد فيه حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين، ومطابقته للترجمة أن الجمع يقتضي عدم التخلل بين الصلاتين بصلاة راتبة أو غيرها، فيدل على ترك التطوع بعد الأولى وهو المراد، وأما التطوع بعد الثانية فمسكوت عنه، وكذا التطوع قبل الأولى، انتهى. (٣١ - باب صلاة الضحى في السفر) اختلفت الروايات جدًا في صلاة الضحى إثباتًا ونفيًا، وأراد الإمام البخاري الجمع بين هذه الروايات بتعدد التراجم كما ترى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قصد المؤلف بإيراد الروايتين المثبتة لها والنافية إياها دفعًا لما يتوهم من تعارض الروايات. وحاصله: أن النفي والإثبات راجعان إلى شيئين، فالمثبت هي الصلاة مطلقًا، والذي نفاه الراوي هو الدوام أو أداؤها على وجه الإعلان، ثم إن زيادة لفظ: "في السفر" في الترجمة إشارة إلى توجيه آخر لدفع هذا التعارض بأن المنفي في حديث ابن عمر هو الدوام عليها في السفر، وهي المثبتة أيضًا في حديث أم هانئ، فصار الحاصل أنه كان يصليها في سفره أحيانًا ولا يصليها أحيانًا، انتهى. قلت: ويحتمل أن المصنف أراد إثباتها في السفر، فذكر حديث ابن عمر الدال على النفي بالظن حيث قال: لا إخاله، ثم ذكر بعده حديث أم هانئ المثبت إياها بالجزم.

стр. 1072

(٣٢ - باب من لم يصلِّ الضحى ورآه واسعًا) كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "من لم يصل" أي: على وجه التأكد، "ورآه واسعًا" أي: عدم الصلاة أو رأى الصلاة جائزة مع كونها غير متأكدة عنده، انتهى. وبهذين الاحتمالين شرح الترجمة شرَّاح البخاري، ولأجل اختلاف الروايات فيها اختلفت أقوال السلف والأئمة في حكمها، فبلغت ستة: الأول: إنها مستحبة، واختلف في عددها، قيل: أقلها ركعتان وأكثرها ثنتا عشر، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: ركعتان، وقيل: أربع ركعات، وقيل: لا حدّ لأكثره. والقول الثاني: إنها لا تشرع إلا بسبب. الثالث: لا تستحب أصلًا. الرابع: يستحب فعلها تارةً وتركها تارةً بحيث لم يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد. الخامس: تستحب صلاتها والمواظبة عليها في البيوت. السادس: إنها بدعة، صحّ ذلك عن رواية عروة عن ابن عمر ﵄، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٢). وبسط الكلام عليها في "الأوجز" (٣)، وذكر فيه مسالك الأئمة عن كتب فروعهم، وجملتها: أن الأئمة الأربعة متفقة على استحبابها إلّا أن المرجح عند متأخري الحنابلة من روايتي الإمام عدم المداومة، وأما عند المالكية فتتأكد صلاة الضحى، وأقلّها ركعتان، وعند الشافعية سُنَّة مؤكدة، وعند الحنفية فندب أربع فصاعدًا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: أنها صلاة واحدة عند الفقهاء والمحدثين، وأما عند مشايخ
следующие страницы →