(٢٤ - باب من تحدث بعد الركعتين. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: أن الضجعة ليست بواجبة ولا مؤكدة، انتهى.
وفي "هامشه": وبذلك احتجت الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الوارد بذلك في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره على الاستحباب، وفائدة ذلك الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجد، وبه جزم ابن العربي، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٢٥ - باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى)
قال السندي (٢): أي: مطلقًا ليلًا أو نهارًا فقط، وأما ليلًا فغني عن البيان أو قد بيّن سابقًا، انتهى.
والمسألة خلافية، وقد اختلط كلام الشرَّاح ونقلة المذاهب في ذكر مسالك الأئمة ههنا، وذلك لأن ههنا مسألتين طالما اختلطت إحداهما بالأخرى، الأولى: مسألة النهي عن البتيراء، اتفقت فيها الحنفية والمالكية في أنه لا يجوز التنفل بركعة واحدة، ويجوز عند الشافعية والحنابلة، والثانية: مسألة الأفضل في ركعات التطوع، فالأفضل عند الشافعية والحنابلة، مثنى مثنى مطلقًا ليلًا كان أو نهارًا، وتجوز الزيادة على الركعتين عندهما، وأما عند المالكية فالمثنى متعين، تكره الزيادة عليهما، وعندنا الحنفية فالأفضل عند الإمام أبي حنيفة أربع أربع في الليل، وعند صاحبيه في النهار أربع أربع، وفي الليل مثنى مثنى، إذا عرفت ذلك فترجمة البخاري تحتمل أن تكون بيانًا للأفضل، فتكون موافقة للشافعية مخالفة للحنفية والمالكية، ويحتمل أن تكون نهيًا عن الأقل من الركعتين فتكون موافقة للحنفية والمالكية مخالفًا لغيرهم (٣).
стр. 1069
(٢٦ - باب الحديث بعد ركعتي الفجر)
أشار بذلك إلى الرد على من كرهه، وقد نقله ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ولم يثبت عنه، كذا في "الفتح" (١). وفي "الفيض" (٢) في "باب من تحدث بعد الركعتين": كرهه الحنفية حتى قال بعضهم: إنه لو تكلم بعد سُنَّة الفجر يعيدها، ورأيت في "المدونة" أن مالكًا رحمه الله تعالى بعد سُنَّة الفجر لم يكن ينحرف عن القبلة حتى يصلي الفرض ولم يكن يتكلم بينهما، انتهى.
وقال الدردير (٣): كره الكلام قبل طلوع الشمس لا قبل صلاة الفجر، انتهى.
وأخرج البيهقي (٤) عن مالك: "أدركت الناس وما يتكلمون حتى تطلع الشمس".
(٢٧ - باب تعاهد ركعتي الفجر)
أشار بذلك إلى أنهما ليستا بواجبتين خلافًا لمن قاله، واستدل عليه بإطلاق التطوع عليه في الحديث.
(٢٨ - باب ما يقرأ في ركعتي الفجر)
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): دلالة الرواية على هذا المعنى من حيث إنهما لما كانتا خفيفتين لا تكون القراءة فيهما إلا قليلة ما كانت وإن لم تتعين السورة، انتهى.
وفي هامشه: قال السندي (٦): لم يذكر في الباب ما يدل على تعيين المقروء في ركعتي الفجر، بل ذكر ما يدل على تخفيف القراءة فيهما،
стр. 1070
فلذلك قيل: كلمة "ما" استفهامية عن صفة القراءة، أي: هل هي طويلة أو قصيرة؟
قال الحافظ (١): أشار بذلك إلى خلاف من زعم أنه لا يقرأ في ركعتي الفجر أصلًا عن أبي بكر الأصم وإبراهيم ابن علية، فنبَّه على أنه لا بدّ من القراءة، واقتصر عليه؛ لأنه لم يثبت عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيهما.
واختلف العلماء في القراءة فيهما على أربعة مذاهب حكاها الطحاوي:
أحدها: لا قراءة فيهما، كما ذهب إليه جماعة، منهم ابن الأصم وابن علية وطائفة من الظاهرية.
الثاني: يخفف القراءة فيهما بأم القرآن خاصة، روي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو مشهور مذهب مالك.
الثالث: يخفف بقراءة أم القرآن وسورة قصيرة، رواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول الشافعي.
الرابع: لا بأس بتطويل القراءة فيهما، روي ذلك عن النخعي، وعن أبي حنيفة: ربما قرأت فيهما حزبين من القرآن، وهو قول أصحابنا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٢٩ - باب التطوع بعد المكتوبة)
قال الحافظ (٢): ترجم أولًا بما بعد المكتوبة، ثم ترجم بعد ذلك بما قبل المكتوبة، انتهى.
ولم يذكر الحافظ وجهه، ولعله لتأكد ما بعدها، فتأمل.
والأوجه عندي ما مر.
وقال العيني (٣): إنه ذكر ترجمة البعدية مع أن في الحديث القبلية
стр. 1071
أيضًا لشدة اهتمامها، أو من باب الاكتفاء بأحدهما، انتهى.
(٣٠ - باب من لم يتطوع بعد المكتوبة)
قال الحافظ (١): أورد فيه حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين، ومطابقته للترجمة أن الجمع يقتضي عدم التخلل بين الصلاتين بصلاة راتبة أو غيرها، فيدل على ترك التطوع بعد الأولى وهو المراد، وأما التطوع بعد الثانية فمسكوت عنه، وكذا التطوع قبل الأولى، انتهى.
(٣١ - باب صلاة الضحى في السفر)
اختلفت الروايات جدًا في صلاة الضحى إثباتًا ونفيًا، وأراد الإمام البخاري الجمع بين هذه الروايات بتعدد التراجم كما ترى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قصد المؤلف بإيراد الروايتين المثبتة لها والنافية إياها دفعًا لما يتوهم من تعارض الروايات.
وحاصله: أن النفي والإثبات راجعان إلى شيئين، فالمثبت هي الصلاة مطلقًا، والذي نفاه الراوي هو الدوام أو أداؤها على وجه الإعلان، ثم إن زيادة لفظ: "في السفر" في الترجمة إشارة إلى توجيه آخر لدفع هذا التعارض بأن المنفي في حديث ابن عمر هو الدوام عليها في السفر، وهي المثبتة أيضًا في حديث أم هانئ، فصار الحاصل أنه كان يصليها في سفره أحيانًا ولا يصليها أحيانًا، انتهى.
قلت: ويحتمل أن المصنف أراد إثباتها في السفر، فذكر حديث ابن عمر الدال على النفي بالظن حيث قال: لا إخاله، ثم ذكر بعده حديث أم هانئ المثبت إياها بالجزم.
стр. 1072
(٣٢ - باب من لم يصلِّ الضحى ورآه واسعًا)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "من لم يصل" أي: على وجه التأكد، "ورآه واسعًا" أي: عدم الصلاة أو رأى الصلاة جائزة مع كونها غير متأكدة عنده، انتهى.
وبهذين الاحتمالين شرح الترجمة شرَّاح البخاري، ولأجل اختلاف الروايات فيها اختلفت أقوال السلف والأئمة في حكمها، فبلغت ستة:
الأول: إنها مستحبة، واختلف في عددها، قيل: أقلها ركعتان وأكثرها ثنتا عشر، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: ركعتان، وقيل: أربع ركعات، وقيل: لا حدّ لأكثره.
والقول الثاني: إنها لا تشرع إلا بسبب.
الثالث: لا تستحب أصلًا.
الرابع: يستحب فعلها تارةً وتركها تارةً بحيث لم يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد.
الخامس: تستحب صلاتها والمواظبة عليها في البيوت.
السادس: إنها بدعة، صحّ ذلك عن رواية عروة عن ابن عمر ﵄، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٢).
وبسط الكلام عليها في "الأوجز" (٣)، وذكر فيه مسالك الأئمة عن كتب فروعهم، وجملتها: أن الأئمة الأربعة متفقة على استحبابها إلّا أن المرجح عند متأخري الحنابلة من روايتي الإمام عدم المداومة، وأما عند المالكية فتتأكد صلاة الضحى، وأقلّها ركعتان، وعند الشافعية سُنَّة مؤكدة، وعند الحنفية فندب أربع فصاعدًا، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: أنها صلاة واحدة عند الفقهاء والمحدثين، وأما عند مشايخ
стр. 1073
السلوك فهي صلاتان، الأولى: صلاة الإشراق، والثانية: صلاة الضحى، إلى آخر ما فيه.
(٣٣ - باب صلاة الضحى في الحضر. . .) إلخ
تقدم بعض ما يتعلق به سابقًا، والظاهر عندي أن الإمام أشار بقوله: "قاله عتبان" أنه غير الرجل الضخم المذكور في حديث أنس الآتي، وإلّا فلا وجه لذكره ههنا إلى أن الحافظ جزم بأن القصة الآتية لعتبان لتوافق ترجمة الباب، وبه جزم الشيخ في "اللامع" (١) إذ كتب: قوله: "قاله عتبان"، يعني بذلك أن يشير إلى إسناد غير ما هو مذكور ههنا، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): قوله: "رجل من الأنصار" قيل: هو عتبان بن مالك، أو بعض عمومة أنس، وقد يقال: إن عتبان عم أنس مجازًا لكونهما من الخزرج، لكن كل منهما من بطن، انتهى.
ومطابقة الحديث الأول من الباب من حيث إنه حمله على الحضر جمعًا بين الروايات كما تقدم، أو لما فيه من صوم ثلاثة أيام علامة للحضر أو الوتر على النوم، فإن في السفر لا حاجة إليه لما فيه من سهر الليل عادة على أن السفر مظنة التخفيف، من "الفتح" (٣).
(٣٤ - باب الركعتين قبل الظهر)
قال الحافظ (٤): ترجم أولًا بالرواتب التي بعد المكتوبة، ثم أورد ما يتعلق بما قبلها، انتهى.
اختلفوا في الراتبة قبل الظهر هل هي ثنتان أو أربعة؟ فنبه المصنف بالترجمة على مختاره من الركعتين، وذكر في الباب حديث الأربعة استطرادًا لكونه مستدلًا لبعض الأئمة.
стр. 1074
وجملة الخلاف: أن الرواتب ليست بمؤكدة عند المالكية غير ركعتي الفجر، والأئمة الثلاثة الباقية متفقة على تأكد الرواتب المعروفة للفرائض، ولا خلاف بينهم إلّا في الراتبة القبلية للظهر، فإنها ركعتان عند الشافعي وأحمد، وهي أربع ركعات عند أبي حنيفة وصاحبيه، وهي رواية عن الشافعي غير مرجحة.
(٣٥ - باب الصلاة قبل المغرب)
لعلّها مندوب عند المصنف إذ ذكرها على صنيع الترجمة السابقة، إلا أن الروايات الواردة فيه ليست كالروايات التي فيها.
قال الحافظ (١): لم يذكر المصنف الصلاة قبل العصر، وقد ورد فيها حديث لأبي هريرة مرفوعًا لفظه: "رحم الله امرأ صلى أربعًا قبل العصر" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، لكن ليس على شرط البخاري، انتهى.
والتطوع قبل المغرب مختلف فيه عند الأئمة، ففي هامش "الكوكب" (٢): واختلف فيه السلف أيضًا، وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى الاستحباب، والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على عدم الاستحباب إلا ما حكى الترمذي عن أحمد من الاستحباب، فلعله رواية عنه، وصرح أصحاب الفروع من المالكية والشافعية بكراهتهما، وظاهر كلام أحمد أنهما جائزتان، واختلفت الرواية عن الحنفية في الإباحة والكراهة، انتهى ملخصًا.
وتقدم تبويب المصنف "بين كل أذانين صلاة" في "كتاب الأذان".
(٣٦ - باب صلاة النوافل جماعة)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع": وعلماؤنا الحنفية ﵏ لم يجوِّزوا من الجماعة إلا ما ثبت كالكسوف والعيدين، وفي النوافل التي لم
стр. 1075
تثبت الجماعة فيها لا يجوز التداعي لها والاجتماع فيها، نعم يرخص في قيام اثنين أو ثلاثة، وذلك لأنه ثابت كما ورد في صلاته ﷺ مع أنس وأمه واليتيم وغير ذلك، وذلك لأن في رخصة الصلاة بالجماعة لزوم مفاسد، فلا يقدم عليها إلا لورود نص، مع أن النص مشير إلى خلافه، وهو قوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته"، ويفوت ذلك عند التداعي والاجتماع على إمام معين ولو في بيت أحد منهم، انتهى.
والمسألة خلافية، ففي "المنهل" في حديث انفكاك قدمه ﷺ ولفظه: "فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة يسبّح جالسًا قال: فقمنا خلفه" الحديث، قال صاحب "المنهل" (١): دل الحديث على جواز الجماعة في النافلة ولو كثرت، وقيَّده المالكية في غير التراويح والعيد ونحوهما بأن تكون الجماعة قليلة كالاثنين والثلاثة، وبأن يكون المكان غير مشتهر، وذهبت الحنفية إلى الكراهة مطلقًا إلا في التراويح والوتر في رمضان، وذهبت الحنابلة والشافعية إلى الجواز مطلقًا، إلا أن الشافعية قالوا بالانفراد فيما عدا التراويح والعيدين ونحوهما، انتهى.
قلت: والصحيح في مذهب الحنفية ما تقدم في كلام الشيخ قُدِّس سرُّه.
(٣٧ - باب التطوع في البيت)
أشار الإمام البخاري بالترجمة إلى اختلاف آخر في أن المراد بالصلاة في حديث الباب النوافل فقط، أو تدخل فيه الفرائض أيضًا.
* * *
стр. 1076
[٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة]
(١ - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)
لم يذكر في الترجمة بيت المقدس لما سيبوِّب له مستقلًا، والظاهر أن شد الرحال للصلاة، فثبتت المطابقة، فلا يشكل بأن الحديث ليس فيه فضل الصلاة، ثم إيراد المصنف الباب في أبواب التطوع يدل على أن الفضل للتطوع، ويحتمل الأعم، وبه قال الجمهور خلافًا للطحاوي إذ خصه بالفرض.
قوله: (إلا المسجد الحرام) في الاستثناء ثلاثة أوجه، تفضيل كل واحد منهما، والتساوي بسطت في "الأوجز" (١)، وأورد في "تراجم شيخ المشايخ" (٢) على الإمام الغزالي إذ قدر في المستثنى منه المساجد خاصة، وقال: الأوجه عندي العموم من المساجد والمقابر والأماكن المقدسة.
(٢ - باب مسجد قباء)
قال الحافظ (٣): أي: فضله، وقباء - بضم القاف ثم موحدة ممدودة - هو على ثلاثة أميال من المدينة، وسمي باسم بئر هناك، وهو أول مسجد أسَّسه رسول الله ﷺ ، انتهى.
(٣ - باب من أتى مسجد قباء. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): أراد بهذه الترجمة بيان تقييد ما أطلق في التي قبلها؛ لأنه قيَّد فيها في الموقوف بخلاف المرفوع فأطلق، انتهى.
стр. 1077
والغرض عندي من الترجمة أنه لا بأس في تخصيص بعض الأيام ببعض القربات، أو يقال: المقصود بيان سبب تخصيص ابن عمر ذلك في الحديث الماضي.
(٤ - باب إتيان مسجد قباء راكبًا وماشيًا)
قال الحافظ (١): أفرد هذه الترجمة لاشتمال الحديث على حكم آخر غير ما تقدم، وقال أيضًا في فوائد الحديث: وفيه إشارة إلى أن النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة ليس على التحريم، وتعقب بأن مجيئه ﷺ قباء إنما كان لمواصلة الأنصار وتفقد حالهم وحال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه، وهذا هو السر في تخصيص ذلك بالسبت، انتهى.
(٥ - باب فضل ما بين القبر والمنبر)
قال الحافظ (٢): لما ذكر فضل الصلاة في مسجد المدينة أراد أن ينبِّه على أن بعض بقاع المسجد أفضل من بعض، وترجم بذكر القبر، وأورد الحديثين بلفظ البيت؛ لأن القبر صار في البيت، انتهى.
(٦ - باب مسجد بيت المقدس)
أي: فضله، واقتصر عليه الحافظ، ولم يتعرض من أن المصنف ترجم على المسجدين الأولين بفضل الصلاة كما تقدم، ولم يذكر الصلاة ههنا، ولا يبعد أن يكون رأيه التفريق بينه وبينهما كما نقل الحافظ عن ابن المنذر أنه قال: من نذر إتيان أحد من هذه الثلاثة يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا؛ لحديث جابر: "أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: صل ههنا".
ثم براعة الاختتام عندي وكذا عند الحافظ في قوله: "حتى تغرب الشمس".
стр. 1078
٢١ - أبواب العمل في الصلاة
أجمعت الأمة على أن العمل الكثير مفسد للصلاة، والقليل منه ليس بمفسد، ولم ترد في الروايات ضابطة تفصل بينهما، فأئمة الحديث ﵃ يذكرون الروايات الواردة في فعل بعض الأعمال غير المانعة عن صحة الصلاة، والروايات التي وردت في الأعمال المانعة عن صحتها، ولذا ذكر الإمام البخاري الأبواب المختلفة في هذا المعنى.
وعند هذا العبد الضعيف من هنا إلى "كتاب الجنائز" جميع الأبواب داخلة في هذا المعنى، وأبواب السهو داخلة في ذيلها، كما سأوضحه هناك.
واختلف الفقهاء في الحد الفاصل بين القليل والكثير، فعندنا الحنفية فيه خمسة أقوال، أصحها: ما لا يشك الناظر من بعيد في فاعله أنه ليس في الصلاة، والثاني: أن ما يعمل عادة باليدين كثير وإن عمل بواحدة كالتعميم وشد السراويل، وما عمل بواحدة قليل وإن عمل بهما كحل السراويل ولبس القلنسوة، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١).
(١ - باب استعانة اليد في الصلاة. . .) إلخ
قال العيني (٢): أراد به وضع اليد على شيء في الصلاة إذا كان ذلك في أمر الصلاة، كما وضع النبي ﷺ يده على رأس ابن عباس وفتل أذنه وأداره، فترجم بما ذكره مستنبطًا منه في استعانة المصلي بما يتقوى به على صلاته، وقيد بقوله: "إذا كان من أمر الصلاة"؛ لأنه إذا استعان بها في غير أمر الصلاة يكون عبثًا، والعبث في الصلاة مكروه، انتهى.
стр. 1079
قال الحافظ (١): ظاهر هذه الآثار - المذكورة في الترجمة - يخالف الترجمة؛ لأنها مقيدة بما إذا كان العمل من أمر الصلاة وهي مطلقة، وكأن المصنف أشار إلى أن إطلاقها مقيد بما ذكر ليخرج العبث، ويمكن أن يقال: لها تعلق بالصلاة؛ لأن دفع ما يؤذي المصلي يعين على دوام خشوعه المطلوب في الصلاة، ويدخل في الاستعانة التعلق بالحبل عند التعب والاعتماد على العصا ونحوهما، وقد رخص فيه بعض السلف، إلى أن قال: قال ابن بطال (٢): استنبط البخاري منه أنه لما جاز للمصلي أن يستعين بيده في صلاته فيما يختص بغيره، كانت استعانته في أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته إذا احتاج إليه أولى، انتهى.
قوله: (إلا أن يحك جلدًا. . .) إلخ، ليس من الترجمة كما توهمه الإسماعيلي وتبعه مغلطاي حيث قال: إنه مستثنى من قوله: إذا كان من أمر الصلاة، بل هو من بقية أثر علي، كذلك رواه مسلم بن إبراهيم أحد مشايخ البخاري بسنده بلفظ: "كان علي ﵁ إذا قام إلى الصلاة فكبر ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحك جلدًا أو يصلح ثوبًا"، من "الفتح" و"العيني".
(٢ - باب ما ينهى من الكلام في الصلاة)
قال الحافظ (٣): في الترجمة إشارة إلى أن بعض الكلام لا ينهى عنه، انتهى.
وفي "الأوجز" (٤): الأئمة الأربعة بعد أن أجمعوا على أن من تكلم في صلاته عالمًا عامدًا - وهو لا يريد إصلاح صلاته - أن صلاته فاسدة كما نقل عليه الإجماع ابن المنذر وغيره، اختلفوا في أنواع الكلام التي لا تفسد
стр. 1080
الصلاة، وجعل الكلام في "المغني" (١) خمسة أقسام، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" من كتب فروع الأئمة إلى أن قال: والحاصل: أن الكلام في الصلاة بأنواعه المتقدمة مفسد للصلاة عند الحنفية، والراجح عند الإمام أحمد، وعند الأئمة الثلاثة قليل الكلام لا يفسدها بالتفصيل المذكور قبل، فعند الإمام أحمد في الراجح عند بعض أصحابه، والمشهور من الإمام مالك: أنه لا يفسدها قليل التكلم لمصلحة الصلاة، وعند الشافعية: قليل التكلم ناسيًا لا يبطلها بشرط أن لا يطيل الفصل، انتهى ملخصًا.
(٣ - باب ما يجوز من التسبيح والحمد. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قال ابن رُشيد: قيده بالرجال؛ لأن ذلك عنده لا يشرع للنساء، وقد أشعر بذلك تبويبه بعد حيث قال: "باب التصفيق للنساء"، ثم إثبات التسبيح من الحديث قيل: إلحاقًا له بالحمد بجامع الذكر، والصواب أن الحديث مختصر تقدم في "باب من دخل ليؤم الناس" من أبواب الإمامة، وسيأتي في آخر أبواب السهو.
(٤ - باب من سمى قومًا أو سلّم في الصلاة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك: أدن الصلاة لما كانت يفسدها الكلام يتوقف فسادها على كون اللفظ كلامًا، فمن سمى رجلًا أو سلّم عليه وهو غير مخاطب به لم تفسد صلاته؛ لأن الكلام لم يتحقق، فأما التسمية فقد تحققت في قوله ﷺ : "اللهم أنج الوليد بن الوليد"، وأما السلام ففي قولهم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، انتهى.
وفي هامشه: قال العيني (٤): لم يبين في الترجمة حكم الباب ما هو؟ لاشتباه الأمر فيه، قيل: الظاهر الجواز، وفيه نظر؛ لأن هذا منسوخ، فقد
стр. 1081
كان ذلك مقررًا عندهم، ثم منعهم ﷺ عن ذلك، وأمرهم بما يقولون، فنسخ هذا ذاك، انتهى.
واختلف في جواز الدعاء للمعين، كما بسط في هامش "اللامع".
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): يعني: أن السلام على مواجهة رجل يفسد الصلاة، لكن إذا كان على غير مواجهة كما يكون قولنا في الصلاة: السلام عليك أيها النبي فليس بقاطع للصلاة، انتهى.
(٥ - باب التصفيق للنساء)
قال القسطلاني (٢) تحت حديث الباب: هذا مذهب الجمهور للأمر به في رواية بلفظ: "فليسبح الرجال ولتصفق النساء" خلافًا لمالك حيث قال: التسبيح للرجال والنساء جميعًا، وأما قوله: التصفيق للنساء، أي: من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة الذم له، انتهى.
(٦ - باب من رجع القهقرى في صلاته. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): يشير بذلك إلى حديث سهل الماضي قريبًا ففيه: "فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ثم رجع القهقرى"، وأما قوله: "أو تقدم" فهو مأخوذ من الحديث أيضًا، ويحتمل أن يكون المراد بحديث سهل ما تقدم في "الجمعة" من صلاته ﷺ على المنبر ونزوله القهقرى، انتهى مختصرًا.
(٧ - باب إذا دعت الأم ولدها. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): والاستدلال بالرواية على المدعى من حيث إن عدم إجابتها صار سببًا لإجابة دعائها عليه، فعلم أنه لم يكن محقًا في إتمام صلاته إذ لولا ذلك لما استجيب دعاؤها لعدم كونها
стр. 1082
مظلومة مجابة الدعاء حينئذ، وأنت تعلم ما فيه، انتهى.
وحاصل ما في "الفيض" (١): أن جريجًا كان محقًا، ولذا برئه الصبي وإلّا لم يبرئه، لكن باب الدعاء غير باب التشريع، فيمكن إجابة الدعاء مع كون المسألة عدم الإجابة أيضًا، انتهى.
قال الحافظ (٢) تحت الباب: أي: هل يجب إجابتها أم لا؟ وإذا وجبت هل تبطل الصلاة أو لا؟ وفي المسألتين خلاف، ولذلك حذف المصنف جواب الشرط، انتهى.
قال العيني (٣): وفي الحديث دلالة على أن الكلام لم يكن ممنوعًا في الصلاة في شريعتهم، ولذا استجيبت دعوة أمه عليه، وقد كان الكلام مباحًا أولًا في شريعتنا أيضًا، فأما الآن فلا يجوز للمصلي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطع صلاته، لكن العلماء يستحبون أن يخفف صلاته ويجيب أبويه، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٤): ويجب قطعها لإغاثة ملهوف، لا لنداء أحد أبويه بلا استغاثة إلا في النفل، انتهى.
وفي "شرح الإقناع" (٥): لا تجب إجابة الأبوين في الصلاة بل تحرم في الفرض، وتجوز في النفل، انتهى ملخصًا من هامش "اللامع".
وأما إجابة النبي ﷺ في الصلاة فواجبة عند الجمهور من العلماء، ففي "الأوجز" (٦) تحت قوله: "نادى رسول الله ﷺ أُبي بن كعب" الحديث: صرَّح به جماعة من الفحول، وهل تبطل الصلاة بهذه الإجابة أم لا؟ مختلف عند الفقهاء، وصرَّح جماعة بأن الصلاة لا تبطل بذلك، وهو المعتمد عند الشافعية والمالكية، وعند الحنفية مختلف، انتهى.
стр. 1083
قوله: (أمي وصلاتي) قال مولانا شيخ الهند رحمه الله تعالى: وفي "الأدب المفرد": أنه قاله في نفسه لا أنه تكلم بلسانه؛ فاندفع الاضطراب، انتهى من "الفيض" (١).
(٨ - باب مسح الحصى في الصلاة)
قال الحافظ (٢): ترجم بالحصى، والمتن الذي أورده في التراب لينبِّه على إلحاقه به، وأشار بذلك أيضًا إلى ما ورد في بعض الطرق بلفظ: الحصى، كما أخرجه مسلم، وقال الكرماني: ترجم بالحصى؛ لأن الغالب أنه يوجد في التراب، فيلزم من تسويته مسح الحصى، قال الحافظ: وفي رواية أبي داود بلفظ: "فإن كنت لا بدّ فاعلًا فواحدة تسوية الحصى"، انتهى مختصرًا.
(٩ - باب بسط الثوب في الصلاة. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): هو من جملة العمل اليسير في الصلاة، انتهى.
(١٠ - باب ما يجوز من العمل في الصلاة)
قال الحافظ: أي: غير ما تقدم، انتهى.
(١١ - باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤) تحت قوله الوارد في حديث الباب: "وإني إن كنت أن أرجع. . ." إلخ: إثبات المدعى بهذه القصة باعتبار قياسه عليها، فإنه لما جاز اتباعه إياها جاز تركه الصلاة أيضًا إذا خاف أن تنفلت فلا تبقى عليها يد، انتهى.
وفي هامشه: وعلى هذا إثبات الترجمة يكون بالقياس، وهذا إذا لم
стр. 1084
يترك صلاته، وما يظهر من بعض الطرق أنه ترك صلاته فالإثبات أوضح، وسيأتي الحديث في "كتاب الأدب" في "باب قول النبي ﷺ : "يسِّرا ولا تعسِّرا"، وهو نص في ترك الصلاة.
ثم الإمام البخاري ترجم بقوله: (إذا انفلتت) ولم يذكر جوابها، وذكر فيه أثر قتادة الدال على ترك الصلاة وحديث الكسوف الدال على الاستمرار في الصلاة، وحديث أبي برزة محتمل لكليهما، فإن ظاهر رواية عمرو بن مرزوق كما قاله الحافظ بقاء الصلاة، ونص رواية حماد ترك الصلاة كما تقدم، وعادة الإمام البخاري الاستدلال بكلا المحتملين كما تقدم في الأصول الموضوعة، فلا يبعد عند هذا العبد الضعيف المبتلى بالسيئات أن الإمام البخاري ترك الجواب تنبيهًا وإشارةً إلى التفصيل في ذلك من أن المشي القليل غير مفسد كما في حديث الكسوف، والكثير مفسد كما هو مؤدى أثر قتادة، فتأمل. . . إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" من حيث الفقه وشرح الترجمة من تقرير المكي وغيره.
وحديث عائشة ثاني حديث الباب الاستدلال منه بالتقدم والتأخر، وأغرب الكرماني فقال: وجه تعلقه بها أن فيه مذمة تسييب الدواب مطلقًا سواء كان في الصلاة أو خارجها، كذا في "الفتح" (١).
(١٢ - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة)
قال السندي (٢): كلمة "ما" يحتمل أن تكون استفهامية، أي: أيّ قسم يجوز من أقسام البصاق والنفخ، أو موصولة، أي: باب القسم الذي يجوز منهما، لكن فيه أن ما ذكره في الكتاب وإن علم منه في البصاق ما يجوز وهو ما في اليسار، وما لا يجوز، لكن لم يعلم في النفخ ذلك، فالوجه أن يجعل النفخ عطفًا على ما يجوز لا على البصاق، أي: وباب النفخ، أو يجعل "ما" موصولة، و"من" في قوله: "من البصاق" بيانية، ويعتبر الجواز في مقابلة
стр. 1085
الفساد لا في مقابلة الحرمة. . . إلى آخر ما في هامش "اللامع" (١).
قال الحافظ (٢): وجه التسوية بينهما أنه ربما ظهر من كل منهما حرفان وهما أقل ما يتألف منه الكلام، وأشار المؤلف إلى أن بعض ذلك يجوز وبعضه لا يجوز، فيحتمل أنه يرى التفرقة بين ما إذا حصل من كل منهما كلام مفهوم أم لا، أو الفرق بين ما إذا كان حصول ذلك محققًا ففعله يضر وإلا فلا، انتهى.
واختلف الفقهاء في النفخ في الصلاة، فكرهه طائفة، روي ذلك عن ابن مسعود والنخعي، وهو قول مالك وأبي يوسف وأحمد، وقيل: هو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة، روي ذلك عن مالك في "المدونة"، وقيل: النفخ إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع وإلّا فلا، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، انتهى. كذا في "العيني".
وفي "الفيض" (٣): في "البحر" قولان: قيل: إن كان النفخ مهجأ أفسد الصلاة، وإلّا لا. وقيل: إن كان مسموعًا أفسدها، وإلا لا، انتهى.
وفي هامش "اللامع" عن العيني: وقد فسّر النفخ في الحديث بقوله: أف أف، وبهذا استدل أبو يوسف على أنه لا تفسد صلاته خلافًا لهما، وأجابا بأنه كان ثم نسخ، انتهى.
قلت: يشكل عليه أن هذه القصة كانت سنة عشر من الهجرة، والنسخ كان قبله بكثير، فالأوجه عندي في الجواب أن التأوه بذكر النار لا يفسد كما هو معروف في الفقه، والله أعلم.
(١٣ - باب من صفق جاهلًا من الرجال. . .) إلخ
لم يذكر الحديث في الترجمة وأشار بقوله: "فيه سهل بن سعد. . ." إلخ، إلى حديثه الآتي بعد بابين، وسيأتي في آخر باب من أبواب السهو
стр. 1086
بلفظ التصفيق، ومناسبته للترجمة من جهة أنه لم يأمرهم بالإعادة، انتهى من "الفتح" (١).
وهذا هو الباب الخامس من الأبواب التي لم يذكر فيها حديث مسند كما تقدم في الجزء الأول من جداول شيخ الهند قُدِّس سرُّه.
(١٤ - باب إذا قيل للمصلي: تقدم أو انتظر. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): هو عندنا مفسد إذا عمل به المصلي إلا أن يكون عمله مستندًا إلى علمه وناشئًا منه ولو بهذا العلم الحاصل له في الصلاة، ولعل المصنف تمسك فيه بعمومه وإطلاقه، والمقام يقتضي تفصيلًا وتنقيحًا، انتهى مختصرًا.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): استنباط المؤلف مستصعب عند الشرَّاح لاحتمال أمر النساء قبل شروعهن في الصلاة، وحمله عندي أن دأب البخاري أن يستدل بكلا احتماليه على الحكم، وهذا في كتابه كثير، وهو من هذا القبيل، انتهى.
وهذا أصل مطرد من أصول التراجم، وقال السندي (٤): لا يلزم منه أن يقال له ذلك في الصلاة حتى يقال: لا دلالة في الحديث على ذلك، بل هو أعم من القول له في الصلاة أو خارجها، والمقصود أن مراعاة المصلي في الصلاة حال غيره أو إطاعته بعض أوامره في الصلاة لا يبطل الصلاة، انتهى.
وبه جزم الحافظ، إذ قال (٥): قال الإسماعيلي: كأنه ظن المخاطبة للنساء وقعت بذلك وهُنَّ في الصلاة، وليس كما ظن، بل هو شيء قيل لهن قبل أن يدخلن في الصلاة.
стр. 1087
قال الحافظ: والجواب عن البخاري أنه لم يصرح بكون ذلك قيل لهن وهن داخل في الصلاة، بل مقصوده يحصل بقول ذلك لهن داخل الصلاة أو خارجها، والذي يظهر أنه ﷺ وصَّاهن بنفسه أو بغيره بالانتظار المذكور قبل أن يدخلن في الصلاة ليدخلن فيها على علم، ويحصل المقصود من حيث انتظارهن الذي أمرن به؛ فإن فيه انتظارهن للرجال ومن لازمه تقدم الرجال عليهن، ومحصل مراد البخاري أن الانتظار إن كان شرعيًا جاز وإلا فلا، انتهى.
وتعقب العلامة العيني (١) على كلام الحافظ ثم قال: الظاهر أنهن كن مع الناس في الصلاة وإن كان يحتمل أن يكون هذا القول لهن عند شروعهن في الصلاة مع الناس، انتهى.
(١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة)
قال الحافظ (٢): أي: باللفظ المتعارف؛ لأنه خطاب آدمي، واختلف فيما إذا رده بلفظ الدعاء كأن يقول: اللهم اجعل على من سلَّم علي السلام، انتهى.
قال الحافظ تحت الثاني من حديثي الباب: ومن فوائد هذا الحديث كراهة ابتداء السلام على المصلي، وبه قال عطاء ومالك في رواية. وقال في "المدونة": لا يكره، وبه قال أحمد والجمهور، وقالوا: يرد إذا فرغ من الصلاة أو وهو فيها بالإشارة. وسيأتي الاختلاف في الإشارة في أواخر أبواب السهو، انتهى.
(١٦ - باب رفع الأيدي في الصلاة. . .) إلخ
قال الحافظ بعد ذكر الحديث (٣): يؤخذ منه أن رفع اليدين للدعاء في
стр. 1088
الصلاة لا يبطلها ولو كان في غير موضع الرفع؛ لأنها هيئة استسلام وخضوع، وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر على ذلك.
(١٧ - باب الخصر في الصلاة)
لعله ترجم بلفظ الحديث لمكان الاختلاف في معناه من اختصار القراءة أو الركوع والسجود، أو وضع اليد على الخاصرة، أو الاعتماد على المخصر.
(١٨ - باب تفكر الرجل الشيء. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال المهلب: التفكر أمر غالب لا يمكن الاحتراز منه في الصلاة ولا في غيرها لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن يفترق الحال في ذلك، فإن كان في أمر الآخرة والدين كان أخف مما يكون في أمر الدنيا، انتهى.
قوله: (إني لأجهز جيشي. . .) إلخ، قال الحافظ: روى صالح بن أحمد بن حنبل من طريق همام أن عمر رضي الله تعالى عنه صلى المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قالوا: يا أمير المؤمنين! إنك لم تقرأ، فقال: إني حدثت نفسي وأنا في الصلاة بِعيرٍ جهزتها من المدينة حتى دخلت الشام. ثم أعاد وأعاد القراءة، انتهى.
قلت: وهذا يبطل ما قيل في معنى قول عمر هذا: أجهز جيشي وقلبي متعلق بالصلاة. وأجاد الشيخ محمد مظهر جان جانان قُدِّس سرُّه في مكتوباته معنى يليق بشأنه ما حاصله: إن الصلاة في العلم الحضوري وهو في مرتبة الفناء، وتجهيز الجيش في مرتبة العلم الحصولي فلا تَنافي.
ثم لا يذهب عليك أن الشرَّاح قاطبة ختموا أبواب العمل على هذا الباب، واستأنفوا أبواب السهو مستقلة، والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن
стр. 1089
الإمام البخاري ذكر أبواب السهو ثمرة لهذا الباب، وهو تفكر الرجل في الصلاة، فإن التفكر قد يفضي إلى السهو، وأما أبواب العمل فتنتهي إلى أبواب الجنائز، فلا يشكل بالبابين الآتيين قبيل الجنائز من "باب إذا كلم وهو يصلي" و"باب الإشارة في الصلاة" فإنهما من أبواب العمل.
* * *
стр. 1090
[٢٢ - كتاب السهو]
(١ - باب ما جاء في السهو. . .) إلخ
قال الحافظ (١): السهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، وفرَّق بعضهم بين السهو والنسيان، وليس بشيء. واختلف في حكمه، فقالت الشافعية: مسنون كله، وعن الحنفية: واجب كله، وعن المالكية: السجود للنقص واجب دون الزيادة، وعن الحنابلة: التفصيل بين الواجبات غير الأركان فيجب لتركها سهوًا، وبين السنن القولية فلا يجب.
(٢ - باب إذا صلَّى خمسًا)
قال الحافظ (٢): قيل: أراد البخاري التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان أو الزيادة، ففي الأول يسجد قبل السلام كما في الترجمة الماضية، وفي الزيادة يسجد بعده، انتهى.
قلت: وهذا مبني على نسخة الحافظ فإن فيها: "باب إذا صلى خمسًا فسجد سجدتين بعدما سلم"، وليست هذه الزيادة (٣) في النسخ الهندية، فالظاهر عندي أنه أشار بذلك إلى مسألة خلافية بين الجمهور والحنفية، إذ قالوا فيه بالتفصيل بين الجلوس في الرابعة وعدمه.
قال الشيخ في "البذل" (٤) تحت حديث الباب: قال الشوكاني (٥): والحديث يدل على أن من صلى خمسًا ساهيًا ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد، وقال أبو حنيفة والثوري: إنها تفسد وإن لم يجلس في
стр. 1091
الرابعة، وقال أبو حنيفة: فإن جلس في الرابعة ثم صلى خامسًا فإنه يضيف إليها ركعة أخرى وتكون الركعتان له نافلة، وإلى العمل بمضمون الحديث ذهب الجمهور، إلى آخر ما بسط في "البذل"، وفيه: وتأويل الحديث عند الحنفية أنه ﵊ كان قعد قدر التشهد في الرابعة بدليل قول الراوي: صلى الظهر خمسًا، والظهر اسم لجميع أركان الصلاة، ومنها العقدة، وإنما قام إلى الخامسة على ظن أنها الثالثة حملًا لفعله ﵇ على ما هو أقرب إلى الصواب، انتهى مختصرًا.
(٣ - باب إذا سلم في ركعتين. . .) إلخ
ليس في الحديث ذكر الثلاث، قال الحافظ (١): ورد التسليم في الثلاث عند مسلم في حديث عمران بن حصين، وسيأتي البحث في كونهما قصتين أو لا، انتهى.
قلت: لعله مبني على أن هذا وقصة عمران عند البخاري واحد.
(٤ - باب من لم يتشهد في سجدتي السهو. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أي: إذا سجدهما بعد السلام من الصلاة، وأما قبل السلام فالجمهور على أنه لا يعيد التشهد، واختلف فيه عن المالكية، وأما من سجد بعد السلام فحكى الترمذي عن أحمد أنه يتشهد، وهو قول بعض المالكية والشافعية، انتهى. وعند الحنفية يتشهد مطلقًا.
وتعقب العلامة العيني (٣) كلام الحافظ فقال بعد ذكر كلامه: لم يشر البخاري إلى هذا التفصيل أصلًا، لا في الترجمة ولا في الحديث، وإنما أراد بهذه الترجمة الإشارة إلى بيان من لا يرى التشهد فيهما، وهو مذهب ابن سيرين وابن أبي ليلى وغيرهما، فإنهم قالوا: من عليه السهو يسجد ويسلم ولا يتشهد، انتهى مختصرًا.
стр. 1092
(٥ - باب يكبر في سجدتي السهو)
قال الحافظ (١): اختلف في سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفى بتكبيرة السجود، فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث، وحكى القرطبي عن مالك أنه لا بدّ من تكبيرة الإحرام، ويؤيده رواية أبي داود، وفيه: "فكبر ثم كبر وسجد للسهو"، وأشار الإمام أبو داود إلى شذوذها، انتهى.
(٦ - باب إذا لم يدر كم صلَّى. . .) إلخ
الظاهر أن غرض المؤلف من هذه الأبواب العديدة الإشارة إلى جميع ما ثبت عنه ﷺ فيما يتعلق بالسهو، ونبَّه على كل جزء بباب مستقل كما تقدم في "باب حك المخاط بالحصى" من أبواب القبلة، وهو الأصل السابع عشر من أصول التراجم، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى مذهب الحسن البصري وطائفة من السلف حيث قالوا بظاهر حديث الباب، وقالوا: إذا شكَّ المصلي فلم يدر زاد أو نقص فليس عليه إلا سجدتان فقط، وعند الجمهور لزمه البناء على اليقين أو التحري.
(٧ - باب السهو في الفرض والتطوع)
قال الحافظ (٢): أي: هل يفترق حكمه أم يتحد؟ وإلى الثاني ذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن سيرين وقتادة فإنهما قالا: لا سجود في التطوع، ووجه أخذه من حديث الباب من جهة قوله: "وإذا صلى" أي: الصلاة الشرعية، وهو أعم من أن تكون فريضة أو نافلة، انتهى بزيادة من القسطلاني.
стр. 1093
(٨ - باب إذا كلَّم وهو يصلي. . .) إلخ
قال الحافظ في الترجمة الآتية (١): قال ابن رُشيد: هذه الترجمة أعم من كونها مرتبة على استدعاء ذلك، أو غير مرتبة، بخلاف الترجمة السابقة؛ فإن الإشارة فيها لزمت من الكلام واستماعه فهي مرتبة، انتهى.
وعلى هذا فلا تكرار بين الترجمتين، والأوجه عندي: أن يقال: المقصود ههنا الاستماع، وفي الآتي الإشارة.
(٩ - باب الإشارة في الصلاة)
تقدم الكلام عليه، وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): وكانت إشارة النبي ﷺ لأبي بكر بعد ما أخذ خلفه في الصلاة، فصحت الترجمة، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (٣): شاهد الترجمة قوله: "فأخذ الناس في التصفيق"؛ فإنه ﷺ وإن كان أنكره عليهم لكنه لم يأمرهم بإعادة الصلاة.
وقال العيني (٤): ويمكن أن يؤخذ من قوله: "التفت" أي: أبو بكر؛ لأن الالتفات في معنى الإشارة، انتهى.
ولله درّ الشيخ إذ استدل على الترجمة بفعله ﷺ ، وهو مناسب لدقة نظر الإمام البخاري قُدِّس سرُّه أيضًا، والظاهر أن الشرَّاح لم يأخذوا بذلك لحملهم فعله ﷺ على ما قبل الصلاة، ونبَّه الشيخ قُدِّس سرُّه بتوجيهه على أن فعله ﷺ كان بعد الشروع في الصلاة.
ثم اعلم أنه كان حق هاتين الترجمتين أن تذكرا قبل أبواب السهو في ذيل أبواب العمل، فلذا اخترت أن أبواب العمل انتهت إلى كتاب الجنائز كما تقدم.
ثم البراعة عند الحافظ في قوله: "أشار إليهم أن اجلسوا"، والأوجه
стр. 1094
عندي في قوله: "وهو شاك"؛ فإن المرض مذكر للموت، ويحتمل أن يكون في قوله: "في بيته" فإن البيت يطلق على القبر كما تقدم قريبًا في حديث: "ما بين بيتي ومنبري روضة" الحديث، وفي رواية أبي داود من "كتاب الفتن": "كيف بك إذا كان البيت بالوصيف".
* * *
стр. 1095
٢٣ - كتاب الجنائز
قال الحافظ (١): الجنائز بفتح الجيم لا غير جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان، وقيل بالكسر للنعش، وبالفتح للميت، ولا يقال: نعش إلا إذا كان عليه الميت، وبسط الكلام على لغته في "الأوجز" (٢)، وفيه عن "الأنوار": شرعت صلاة الجنازة بالمدينة المنورة في السنة الأولى من الهجرة، فمن مات بمكة المكرمة لم يصل عليه، انتهى.
وفي "الإقناع" (٣): هي من خصائص هذه الأمة، وفي هامشه: لكن يخالفه ما روي أن آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما توفي أتي له بحنوت وكفن من الجنة ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته في وتر من الثياب، وتقدم ملك منهم فصلَّى. . . إلى آخر ما فيه.
(١ - باب ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه. . .) إلخ
قال السندي (٤): عطف على الجنائز بمنزلة التفسير فصار المعنى "باب ما جاء فيمن كان آخر كلامه" وقيل: مراده بقوله: "من كان. . ." إلخ، ذكر حديث رواه أبو داود والحاكم إلا أنه حذف جواب من. قلت: ولا يخفى بُعْده.
ثم إنه جعل هذه الترجمة كالشرح لأحاديث الباب، وأشار بها إلى حمل أحاديث الباب على من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وطريق حمله أن يجعل قوله: "لا يشرك بالله" كناية عن التوحيد بالقول، وهي جملة حالية فتفيد مقارنة الموت بالتوحيد باللسان، وطريق تلك المقارنة هو أن يكون
стр. 1096
آخر كلامه لا إله إلا الله، وهذا مسلك دقيق لتأويل أحاديث الباب يغني عما ذكروا في تأويلها عن حمل قوله: "دخل الجنة" على دخوله ولو بالآخرة وهو بعيد. . . إلى آخر ما بسطه العلامة السندي.
قال الحافظ (١): أشار بهذه الترجمة إلى حديث التلقين، لكن لما لم يكن على شرطه فاستشهد عليه بحديث الباب، وحديث التلقين أخرجه مسلم (٢): من حديث أبي هريرة بلفظ: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"، انتهى.
والتلقين على نوعين، أحدهما: قبل الدفن للمحتضر، والثاني: بعد الدفن، والأول لا خلاف فيه.
قال النووي (٣) تحت الحديث المذكور: أجمع العلماء على استحبابه. وحمل النووي هذا التلقين على تلقين المحتضر.
والنوع الثاني مختلف بين الأئمة، ففي "الدر المختار" (٤): لا يلقن بعد تلحيده، وإن فعل لا ينهى عنه، انتهى مختصرًا.
وفي "المغني" (٥): فأما التلقين بعد الدفن لم أجد فيه عن أحمد شيئًا، ولا أعلم فيه قولًا إلى أن قال: واستحبه القاضي وأبو الخطاب، ثم ذكر مستندهما في ذلك من رواية الطبراني.
(٢ - باب الأمر باتباع الجنائز)
اعلم أن الشرَّاح قاطبة حملوا الترجمة على المشي خلف الجنازة، قال الحافظ (٦): يأتي الكلام على اتباع الجنائز في "باب فضل اتباع الجنائز" في وسط "كتاب الجنائز"، والمقصود ههنا إثبات مشروعيته فلا تكرار، انتهى.
стр. 1097
قلت: وهذا ليس بصحيح عندي بوجهين:
الأول: أن الميت لم يغسل ولم يكفن بعد، وسيأتي بيانهما مفصلًا في الأبواب الآتية، فيكون ذكر المشي خلفه في غير محله.
والثاني: لأن باب فضل اتباع الجنائز سيأتي في محله بعد الغسل والتكفين وغيرهما، فالأوجه عند هذا العبد الضعيف أن غرض الترجمة ههنا الاهتمام والإسراع في تجهيز الميت، فالأمر بالاتباع محمول على السعي لأجله كما يقال: الجيش يتبع السلطان، وعلى هذا المعنى حمل القسطلاني حديث الباب لكونه مخالفًا لمسلكه إذ قال (١): قالت الشافعية: حديث الباب محمول على الأخذ في طريقها، والسعي لأجلها، انتهى.
فكأن الإمام البخاري أشار كدأبه بالترجمة إلى ما ذكره أبو داود في "باب تعجيل الجنازة" من حديث طلحة بن البراء بلفظ (٢): "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجّلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله"، الحديث.
(٣ - باب الدخول على الميت. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): قال ابن رُشيد: لما كان الموت سبب تغيير محاسن الحي كان ذلك مظنة للمنع من كشفه حتى قال النخعي: ينبغي أن لا يطلع عليه إلا الغاسل له ومن يليه، فترجم ردًا على قوله، وأشار إلى جوازه، انتهى.
قال العيني (٤): الاستدلال من الحديث بقوله: "مسجى" فإن كشفه بعد التسجية كالكشف بعد التكفين، انتهى.
стр. 1098
قال السندي (١): كأن البخاري أراد بالترجمة أن يكون مدرجًا حقيقةً أو في حكم المدرج، والمقصود أنه لا ينبغي الدخول عليه بلا ساتر خشية أن يطلع منه على ما يكره الاطلاع عليه، فلا يشكل أن دخول أبي بكر كان قبل التكفين وقبل الغسل، فلا يوافق الترجمة، انتهى.
(٤ - باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه)
قال العيني (٢): قوله: "ينعى إلى أهل الميت" أي: يظهر خبر موته إليهم، والنعي من باب فعل يفعل بفتح العين فيهما، وذكر الحافظ في قوله: "ينعى" احتمال الضم أيضًا، إذ قال (٣): أو ينعى بضم أوله، ثم ذكر معناه، فارجع إليه لو شئت.
وغرض الترجمة كما يظهر من كلام الحافظ إثبات جواز النعي وأنه ليس ممنوعًا كله ردًا على ما كان عليه أهل الجاهلية من أن يبعث رجلًا على الحمار ينعى الناس، ويحتمل أن يكون الغرض أن ما ورد من النهي عن النعي ليس بمطلق خلافًا لما نقل عن حذيفة من أنه إذا مات أحد يقول: لا تخبروا أحدًا، أو لدفع توهم أن هذا من إيذاء أهل الميت وإدخال المساءة عليهم.
وحاصله: أن محض الإعلام لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا.
وفي "شرح الإقناع" (٤): ولا بأس بالإعلام بموته، بل يستحب قصد كثرة المصلين بخلاف نعي الجاهلية، وهو النداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره، انتهى.
وبه جزم الشيخ في "اللامع" كما سيأتي في الباب الآتي.
وقال القسطلاني (٥): والأوجه حمل النهي عن النعي على ما يظهر فيه
стр. 1099
تبرم، أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار منه، أو على ما يُجَدِّد الحزن دون ما عدا ذلك، فما زال كثير من الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه، انتهى.
ويشكل مطابقة حديث النجاشي بالترجمة؛ فإن النجاشي كان غريبًا ليس له أهل إلا المسلمين في دارنا، ويحتمل أن يكون في المدينة له أقارب كما يظهر من بعض الروايات. وقال العيني (١): المطابقة بمجرد النعي.
(٥ - باب الإذن بالجنازة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن مجرد الإعلام غير منهي عنه، وإنما ينهى من إعلام ما كان على حسب الجاهلية، وإلا فلا كراهة في مجرد الإعلام الخالي عن شوائب الجهل والجاهلية، انتهى.
والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن الترجمة الأولى متعلقة بأخبار الموت، وهذه متعلقة بأخبار التهيّؤ ليصلى عليها لا سيما للمقتدى به والكبير.
قال الحافظ (٣): هذه الترجمة تغاير التي قبلها من جهة أن المراد بالأولى الإعلام بالنفس، وبهذه الإعلام بالنفس وبالغير، وقال ابن المنيِّر: هذه الترجمة مرتبة على التي قبلها؛ لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإذن إعلام من علم بتهيئة أمره وهو حسن، انتهى. واختاره العيني والقسطلاني (٤).
قلت: لكن لم يعلم من الحديث أنه ﵊ أعلم قبل قوله عن ابن عباس، مال الحافظ إلى أن هذه القصة غير القصة المذكورة في حديث أبي هريرة، كذا في "الفيض" (٥).
стр. 1100
(٦ - باب فضل من مات له ولد)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: عبَّر المصنف بالفضل ليجمع بين مختلف الأحاديث الثلاثة التي أوردها؛ لأن في الأول: دخول الجنة، وفي الثاني: الحجب عن النار، وفي الثالث: تقييد الولوج بتحلة القسم، وفي كل منها ثبوت الفضل، ثم ذكر المصنف في الترجمة الولد، وفي الحديث ذكر الثلاثة؛ لما ورد في بعض الطرق ذكر الواحد، أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢) عن جابر بن سمرة، والترمذي (٣) عن ابن مسعود ﵁، وقال: غريب، انتهى مختصرًا.
(٧ - باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري)
قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: عبّر بقوله: "الرجل"، ليوضح أن ذلك لا يختص بالنبي ﷺ ، وعبّر بالقول دون الموعظة ونحوها لكون ذلك الأمر يقع على القدر المشترك من الوعظ وغيره. قال: وموضع الترجمة من الفقه: جواز مخاطبة الرجال النساء في مثل ذلك بما هو أمر بمعروف أو نهي عن منكر [أو موعظة] أو تعزية، وأن ذلك لا يختص بعجوز دون شابة لما يترتب عليه من المصالح الدينية، انتهى.
(٨ - باب غسل الميت ووضوئه)
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): أراد بإيراد الرواية ههنا إثبات أن غسل الميت ليس لتنجسه، فإيراد الآثار لهذا المعنى ظاهر، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٦): نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور عند المالكية
стр. 1101
حتى إن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سُنَّة، ولكن الجمهور على وجوبه، انتهى.
وقال العيني (١): هذه الترجمة مشتملة على أمور، الأول: في غسل الميت، هل هو فرض أو واجب أو سُنَّة؟ فقال أصحابنا: هو واجب على الأحياء للسُّنَّة وإجماع الأمة، وفي "شرح الوجيز": الغسل والتكفين والصلاة فرض الكفاية بالإجماع، وكذا نقل النووي الإجماع على أن الغسل فرض كفاية، وقد أنكر بعضهم على النووي فقال: هو ذهول شديد. . . إلخ.
قلت: هذا ذهول أشد من هذا القائل حيث لم ينظر إلى معنى الكلام، فإن معنى قوله - أي: القرطبي -: سُنَّة، أي: سُنَّة مؤكدة، وهي في قوة الوجوب، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٢) فارجع إليه لو شئت.
ثم ليس في الحديث ذكر الوضوء، قال العيني (٣): قيل: المعهود من الغسل هو مع الوضوء، انتهى.
وفي "الفتح" (٤): المراد وضوء الغاسل وإن لم يكن له ذكر، لكن غسل الميت لا يمكن بدون الغاسل، فكأنه ذكر، وقيل: أشار إلى بعض طرق الحديث بلفظ: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" فكأنه أراد أن الأمر بالوضوء ليس بمجرده، بل مع الغسل، أو أن الوضوء المجرد لا يكفي أو ليس الأمر بالوضوء، بل الأمر بالبدء بالوضوء، انتهى.
قلت: والظاهر عندي إرجاع الضمير إلى الغاسل المفهوم من لفظ الغسل؛ لأنه أجدر بدأب البخاري، كأنه أشار إلى رد ما ورد في الغسل من غسل الميت ووضوء من حمله، وقد اختلف العلماء في الغسل والوضوء
стр. 1102
كما ذكره الحافظان ابن حجر والعيني في أثر ابن عمر الآتي. وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (١).
وما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه من أن غسل الميت ليس للتنجس، وأشار به إلى مسألة خلافية شهيرة من أن غسل الميت تعبدي، أو للنظافة، أو للطهارة، وفي "الأوجز" (٢): اختلفوا في علة الغسل، وتفرع على ذلك الخلاف بينهم في فروع مختلفة عديدة، ففي "الشرح الكبير" من فروع المالكية: غسل تعبدًا، وقيل: للنظافة، قال الدسوقي: كونه تعبدًا هو قول مالك وأشهب، وكونه للنظافة، لم يقل به إلا ابن شعبان، انتهى مختصرًا.
قال ابن عابدين (٣): آدمي حيوان دموي فيتنجس بالموت كسائر الحيوانات، وهو قول عامة المشايخ، انتهى. لكن من خصائصه أنه يتطهر بالغسل كرامةً له.
قوله: (وحنّط ابن عمر. . .) إلخ، قيل: ذكر هذه الآثار لبيان أن الغسل المذكور تعبد، لا لأن المؤمن يتنجس، كذا في "الفتح" (٤).
وقال العيني (٥): مطابقته للترجمة تؤخذ من موضعين: الأول: من قوله: "حنط"؛ لأن التحنيط يستلزم الغسل، والثاني: من قوله: "ولم يتوضأ" فإنه يدل على أن الغاسل ليس عليه وضوء، انتهى.
(٩ - باب ما يستحب أن يغسل وترًا)
قال الحافظ (٦): قال ابن المنيِّر: يحتمل أن تكون "ما" مصدرية أو موصولة، والثاني أظهر، كذا قال، وفيه نظر؛ لأنه لو كان المراد ذلك لوقع التعبير بمن التي لمن يعقل، انتهى.
стр. 1103
قلت: لعل الغرض من التبويب الإشارة إلى رد من قال: إن الوتر افتقروا فيه إلى السبع لا بعد ذلك، ففي "الأوجز" (١): إذا حصل الإنقاء بمرتين كانت الغسلة الثالثة مستحبة، وإن حصل بأربع أو ست كانت الخامسة والسابعة مستحبة، ثم بعد السبع فالمقصود الإنقاء دون الإيتار، إذ الإيتار ينتهي ندبه للسبع، فلا تندب التاسعة إذا حصل الإنقاء بثمان وهكذا، انتهى.
(١٠ - باب يبدأ بميامن الميت)
قال الحافظ (٢): أي: عند غسله، وكأنه أطلق في الترجمة ليشعر بأن غير الغسل يلحق به قياسًا عليه، انتهى.
ولا يبعد عندي أن يكون الغرض أن العبرة لميامن الميت لا الغاسل.
(١١ - باب مواضع الوضوء من الميت)
قال الحافظ (٣): أي: يستحب البداية بها، انتهى.
ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يكون أشار به إلى الرد لما حكي عن أبي قلابة من أنه يبدأ بالرأس ثم باللحية، كما في "الفتح" (٤)، ويحتمل أيضًا بيان شرف مواضع الوضوء إذ يبدأ بها، والحكمة فيه تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل.
(١٢ - باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل)
قال الحافظ (٥): قال ابن رُشيد: أشار بقوله: "هل" إلى تردد عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنبي ﷺ ؛ لأن المعنى
стр. 1104
الموجود فيه من البركة ونحوها قد لا يكون في غيره، ولا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم، ولكن الأظهر الجواز، وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك، لكن لا يلزم من ذلك التعقب على البخاري؛ لأنه إنما ترجم بالنظر إلى سياق الحديث، وهو قابل للاحتمال، وقال ابن المنيِّر نحوه، وزاد احتمال الاختصاص بالمحرم أو بمن يكون في مثل إزار النبي ﷺ وجسده من تحقق النظافة وعدم نفرة الزوج وغيرته أن تلبس زوجته لباس غيره، انتهى.
وهل من ههنا بداية أبواب التكفين كما يظهر من كلام الحافظ في الباب الآتي محتمل، لكن الأظهر عندي أن هذه الأبواب كلها من تتمة الغسل، وهذه الترجمة ليست بمستقلة، بل لما كان في أحاديث الغسل هذه المسألة نبَّه عليها بلفظ: "هل يكفن. . ." إلخ.
وفي هامش "اللامع" (١): الأوجه عند هذا العبد الضعيف أن أبواب الكفن لم تشرع بعد، بل بدأها من "باب كيف الإشعار للميت"، ولذا ترى أن الشرَّاح كلهم قالوا في الباب الآتي "باب نقض شعر المرأة": أي: قبل الغسل، فهو أيضًا من أبواب الغسل، وأما هذا الباب "باب هل تكفن المرأة" فليس من أبواب الكفن، بل من الأصل الثاني والأربعين، لما كان في حديث أم عطية مسألة لطيفة، وهي تكفين المرأة في إزار الرجل، نبَّه بالترجمة على ذلك، وزاد لفظ: "هل" إشارة إلى الاحتمال كما جزم به الشرَّاح، ولو ذكر الإمام البخاري في هذا الباب حديث حفصة عن أم عطية لدخل الباب في الأصل السادس وكان أوجه، لكنه لما لم يذكر فيه حديث حفصة، بل ذكر حديث محمد عن أم عطية لا يدخل في الأصل السادس لما قال الحافظ (٢): إن البداءة بالميامن وبمواضع الوضوء، مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، انتهى.
стр. 1105
(١٣ - باب يجعل الكافور في الأخيرة)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: لم يعين حكم ذلك لاحتمال صيغة "اجعلن" للوجوب والندب، انتهى.
وأشكل ذكر هذا الباب في ما بين أبواب الكفن، وأجاب عنه الحافظ عن ابن المنيِّر بأن العرف تقديم ما يحتاج إليه الميت قبل الشروع في الغسل أو قبل الفراغ منه ليتيسر غسله، ومن جملة ذلك الحنوط، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى خلاف من قال: إن الكافور يختص بالحنوط، ولا يجعل في الماء، وهو عن الأوزاعي وبعض الحنفية، أو يجعل في الماء، وهو قول الجمهور، ولفظة: "الأخيرة" صفة موصوف محذوف، فيحتمل أن يكون التقدير الغسلة، وهو الظاهر، ويحتمل الخرقة التي تلي الجسد، انتهى.
واكتفى القسطلاني على توجيه الزين بن المنيِّر، ولم يتعرض له العيني، وعلى ما اخترته لا إشكال على الترجمة أصلًا، ثم إدخال الكافور في الغسلة متفق عليه عند الأئمة الأربعة كما صرح بذلك في "الأوجز" (٢) عن كتب فروعهم، وتقدم الخلاف للنخعي في كلام الحافظ.
(١٤ - باب نقض شعر المرأة. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي: قبل الغسل، انتهى.
قلت: فهذا أشد إشكالًا من الترجمة الأولى على رأي الحافظ، ولا إشكال على ما اخترته كما تقدم.
وكتب الشيخ (٤): قوله: "باب نقض شعر المرأة. . ." إلخ، يعني بذلك: جواز النقض وتركها ضفائر، انتهى.
стр. 1106
وفي هامشه: لعل الشيخ قُدِّس سرُّه استنبط ذلك بأن الإمام البخاري ذكر في الباب قول ابن سيرين بلفظ: لا بأس، وأورد في الباب حديث أم عطية بلفظ: نقضنه، وهذا فعل منهن لا أمره ﷺ بذلك.
ولا يذهب عليك أن ههنا مسألتين:
الأولى: نقض الشعر عند الغسلة، ذكرها البخاري في هذا الباب، ولا خلاف فيه بين الأئمة.
والمسألة الثانية: ضفر شعرها، ذكرها البخاري فيما يأتي قريبًا في " باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون ؟ ".
(١٥ - باب كيف الإشعار للميت)
من ههنا عند هذا العبد الضعيف بداية أبواب الكفن كما تقدم، قال الحافظ (١): إنما أفرد له هذه الترجمة لقوله في هذا السياق: "وزعم أن الإشعار: الففنها فيه"، وفيه اختصار، والتقدير: وزعم أن معنى قوله: "أشعرنها إياه": "الففنها"، وهو ظاهر اللفظ؛ لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب، انتهى.
قوله: (نغسل ابنته. . .) إلخ، بسط الحافظ في "الفتح" (٢) الكلام على مسمى البنت، وكذا في "الأوجز" (٣)، والأكثر على أنها زينب، وقيل: أم كلثوم، ومال أبو الطيب في "شرح الترمذي" إلى الجمع بينهما، وبسط في ذكرها صاحب الخميس أيضًا، انتهى من هامش "البذل" (٤).
(١٦ - باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون)
قال الحافظ (٥): استدل بالحديث على ضفر شعر المرأة خلافًا لمن
стр. 1107
منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر، وعن الأوزاعي والحنفية: يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقًا، انتهى.
قال الشيخ في "البذل" (١): وعندنا الحنفية: يُسْدَلُ شعرها بين ثدييها من الجانبين جميعًا تحت الخمار، ولا يُسدل شعرها خلف ظهرها، وعند الشافعي: يُسدل خلف ظهرها، ولنا أن ضفرها ومشطها وإلقاءها خلف ظهرها من باب الزينة، وهذه ليست بحال الزينة، ولا حجة في حديث أم عطية؛ لأن ذلك كان فعلها، وليس في الحديث أن النبي ﷺ علم ذلك، انتهى.
وفي هامشه: قال الأبي (٢): فيه مشط الرأس وضفره، وبه قال الشافعي وأحمد وابن حبيب، ولم يعرف ابن القاسم الضفر، انتهى.
وبسط في هامش "اللامع" (٣) عن العيني: تحقيق مذهب الحنفية، وفيه: فإن قلت: جاء في حديث ابن حبان: "واجعلن لها ثلاثة قرون". قلت: هذا أمر بالتضفير، ونحن لا ننكره حتى يكون الحديث حجة علينا، وإنما ننكر جعلها خلف ظهرها؛ لأنها زينة، والميت ممنوع عنها، ألا ترى أن عائشة ﵂ قالت: "علام تنصون ميتكم"، أخرجه عبد الرزاق (٤) في "مصنفه".
وقال الموفق (٥): أما التسريح فكرهه أحمد لقول عائشة يعني المذكور، انتهى.
وفي "مختصر الخليل": لف شعرها ولا يضفر، قال الشارح: المعتمد أنه يندب ضفره، انتهى من هامش "اللامع". وفيه: لعل الإمام البخاري زاد لفظ "هل" في النسخ التي بأيدينا إشارة إلى الخلاف في ذلك، قال