← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1103–1142 · переход к 1108.

стр. 1103

قلت: لعل الغرض من التبويب الإشارة إلى رد من قال: إن الوتر افتقروا فيه إلى السبع لا بعد ذلك، ففي "الأوجز" (١): إذا حصل الإنقاء بمرتين كانت الغسلة الثالثة مستحبة، وإن حصل بأربع أو ست كانت الخامسة والسابعة مستحبة، ثم بعد السبع فالمقصود الإنقاء دون الإيتار، إذ الإيتار ينتهي ندبه للسبع، فلا تندب التاسعة إذا حصل الإنقاء بثمان وهكذا، انتهى. (١٠ - باب يبدأ بميامن الميت) قال الحافظ (٢): أي: عند غسله، وكأنه أطلق في الترجمة ليشعر بأن غير الغسل يلحق به قياسًا عليه، انتهى. ولا يبعد عندي أن يكون الغرض أن العبرة لميامن الميت لا الغاسل. (١١ - باب مواضع الوضوء من الميت) قال الحافظ (٣): أي: يستحب البداية بها، انتهى. ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن يكون أشار به إلى الرد لما حكي عن أبي قلابة من أنه يبدأ بالرأس ثم باللحية، كما في "الفتح" (٤)، ويحتمل أيضًا بيان شرف مواضع الوضوء إذ يبدأ بها، والحكمة فيه تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل. (١٢ - باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل) قال الحافظ (٥): قال ابن رُشيد: أشار بقوله: "هل" إلى تردد عنده في المسألة، فكأنه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنبي ﷺ ؛ لأن المعنى

стр. 1104

الموجود فيه من البركة ونحوها قد لا يكون في غيره، ولا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم، ولكن الأظهر الجواز، وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك، لكن لا يلزم من ذلك التعقب على البخاري؛ لأنه إنما ترجم بالنظر إلى سياق الحديث، وهو قابل للاحتمال، وقال ابن المنيِّر نحوه، وزاد احتمال الاختصاص بالمحرم أو بمن يكون في مثل إزار النبي ﷺ وجسده من تحقق النظافة وعدم نفرة الزوج وغيرته أن تلبس زوجته لباس غيره، انتهى. وهل من ههنا بداية أبواب التكفين كما يظهر من كلام الحافظ في الباب الآتي محتمل، لكن الأظهر عندي أن هذه الأبواب كلها من تتمة الغسل، وهذه الترجمة ليست بمستقلة، بل لما كان في أحاديث الغسل هذه المسألة نبَّه عليها بلفظ: "هل يكفن. . ." إلخ. وفي هامش "اللامع" (١): الأوجه عند هذا العبد الضعيف أن أبواب الكفن لم تشرع بعد، بل بدأها من "باب كيف الإشعار للميت"، ولذا ترى أن الشرَّاح كلهم قالوا في الباب الآتي "باب نقض شعر المرأة": أي: قبل الغسل، فهو أيضًا من أبواب الغسل، وأما هذا الباب "باب هل تكفن المرأة" فليس من أبواب الكفن، بل من الأصل الثاني والأربعين، لما كان في حديث أم عطية مسألة لطيفة، وهي تكفين المرأة في إزار الرجل، نبَّه بالترجمة على ذلك، وزاد لفظ: "هل" إشارة إلى الاحتمال كما جزم به الشرَّاح، ولو ذكر الإمام البخاري في هذا الباب حديث حفصة عن أم عطية لدخل الباب في الأصل السادس وكان أوجه، لكنه لما لم يذكر فيه حديث حفصة، بل ذكر حديث محمد عن أم عطية لا يدخل في الأصل السادس لما قال الحافظ (٢): إن البداءة بالميامن وبمواضع الوضوء، مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، انتهى.

стр. 1105

(١٣ - باب يجعل الكافور في الأخيرة) قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: لم يعين حكم ذلك لاحتمال صيغة "اجعلن" للوجوب والندب، انتهى. وأشكل ذكر هذا الباب في ما بين أبواب الكفن، وأجاب عنه الحافظ عن ابن المنيِّر بأن العرف تقديم ما يحتاج إليه الميت قبل الشروع في الغسل أو قبل الفراغ منه ليتيسر غسله، ومن جملة ذلك الحنوط، قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى خلاف من قال: إن الكافور يختص بالحنوط، ولا يجعل في الماء، وهو عن الأوزاعي وبعض الحنفية، أو يجعل في الماء، وهو قول الجمهور، ولفظة: "الأخيرة" صفة موصوف محذوف، فيحتمل أن يكون التقدير الغسلة، وهو الظاهر، ويحتمل الخرقة التي تلي الجسد، انتهى. واكتفى القسطلاني على توجيه الزين بن المنيِّر، ولم يتعرض له العيني، وعلى ما اخترته لا إشكال على الترجمة أصلًا، ثم إدخال الكافور في الغسلة متفق عليه عند الأئمة الأربعة كما صرح بذلك في "الأوجز" (٢) عن كتب فروعهم، وتقدم الخلاف للنخعي في كلام الحافظ. (١٤ - باب نقض شعر المرأة. . .) إلخ قال الحافظ (٣): أي: قبل الغسل، انتهى. قلت: فهذا أشد إشكالًا من الترجمة الأولى على رأي الحافظ، ولا إشكال على ما اخترته كما تقدم. وكتب الشيخ (٤): قوله: "باب نقض شعر المرأة. . ." إلخ، يعني بذلك: جواز النقض وتركها ضفائر، انتهى.

стр. 1106

وفي هامشه: لعل الشيخ قُدِّس سرُّه استنبط ذلك بأن الإمام البخاري ذكر في الباب قول ابن سيرين بلفظ: لا بأس، وأورد في الباب حديث أم عطية بلفظ: نقضنه، وهذا فعل منهن لا أمره ﷺ بذلك. ولا يذهب عليك أن ههنا مسألتين: الأولى: نقض الشعر عند الغسلة، ذكرها البخاري في هذا الباب، ولا خلاف فيه بين الأئمة. والمسألة الثانية: ضفر شعرها، ذكرها البخاري فيما يأتي قريبًا في " باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون ؟ ". (١٥ - باب كيف الإشعار للميت) من ههنا عند هذا العبد الضعيف بداية أبواب الكفن كما تقدم، قال الحافظ (١): إنما أفرد له هذه الترجمة لقوله في هذا السياق: "وزعم أن الإشعار: الففنها فيه"، وفيه اختصار، والتقدير: وزعم أن معنى قوله: "أشعرنها إياه": "الففنها"، وهو ظاهر اللفظ؛ لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب، انتهى. قوله: (نغسل ابنته. . .) إلخ، بسط الحافظ في "الفتح" (٢) الكلام على مسمى البنت، وكذا في "الأوجز" (٣)، والأكثر على أنها زينب، وقيل: أم كلثوم، ومال أبو الطيب في "شرح الترمذي" إلى الجمع بينهما، وبسط في ذكرها صاحب الخميس أيضًا، انتهى من هامش "البذل" (٤). (١٦ - باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون) قال الحافظ (٥): استدل بالحديث على ضفر شعر المرأة خلافًا لمن

стр. 1107

منعه، فقال ابن القاسم: لا أعرف الضفر، وعن الأوزاعي والحنفية: يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقًا، انتهى. قال الشيخ في "البذل" (١): وعندنا الحنفية: يُسْدَلُ شعرها بين ثدييها من الجانبين جميعًا تحت الخمار، ولا يُسدل شعرها خلف ظهرها، وعند الشافعي: يُسدل خلف ظهرها، ولنا أن ضفرها ومشطها وإلقاءها خلف ظهرها من باب الزينة، وهذه ليست بحال الزينة، ولا حجة في حديث أم عطية؛ لأن ذلك كان فعلها، وليس في الحديث أن النبي ﷺ علم ذلك، انتهى. وفي هامشه: قال الأبي (٢): فيه مشط الرأس وضفره، وبه قال الشافعي وأحمد وابن حبيب، ولم يعرف ابن القاسم الضفر، انتهى. وبسط في هامش "اللامع" (٣) عن العيني: تحقيق مذهب الحنفية، وفيه: فإن قلت: جاء في حديث ابن حبان: "واجعلن لها ثلاثة قرون". قلت: هذا أمر بالتضفير، ونحن لا ننكره حتى يكون الحديث حجة علينا، وإنما ننكر جعلها خلف ظهرها؛ لأنها زينة، والميت ممنوع عنها، ألا ترى أن عائشة ﵂ قالت: "علام تنصون ميتكم"، أخرجه عبد الرزاق (٤) في "مصنفه". وقال الموفق (٥): أما التسريح فكرهه أحمد لقول عائشة يعني المذكور، انتهى. وفي "مختصر الخليل": لف شعرها ولا يضفر، قال الشارح: المعتمد أنه يندب ضفره، انتهى من هامش "اللامع". وفيه: لعل الإمام البخاري زاد لفظ "هل" في النسخ التي بأيدينا إشارة إلى الخلاف في ذلك، قال

стр. 1108

القسطلاني (١): "باب يجعل. . ." إلخ، ولغير الأربعة: "هل يجعل"، انتهى. (١٧ - باب يلقى شعر المرأة خلفها. . .) إلخ تقدم الخلاف فيه في الباب السابق. ثم إن المصنف أورد حديث أم عطية هذا من باب غسل الميت ووضوئه إلى ههنا في عشرة أبواب على التسلسل، وهو الأصل السابع عشر من أصول التراجم كما تقدم. (١٨ - باب الثياب البيض للكفن) وقال العيني (٢): لما فرغ المصنف عن بيان أحكام الغسل شرع في بيان الكفن على الترتيب، انتهى. وعندي بداية الكفن من "باب كيف الإشعار للميت" كما تقدم. قال الحافظ (٣): أورد فيه حديث عائشة، وتقرير الاستدلال به أن الله ﵎ لم يكن ليختار لنبيِّه إلا الأفضل، وكأن المصنف لم يثبت على شرطه الحديث الصريح في الباب، وهو ما رواه أصحاب السنن (٤) من حديث ابن عباس بلفظ: "البسوا ثياب البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم"، صححه الترمذي والحاكم. (١٩ - باب الكفن في ثوبين) قال الحافظ (٥): كأنه أشار إلى أن الثلاث في حديث عائشة ليست شرطًا في الصحة، وإنما هو مستحب وهو قول الجمهور، واختلف فيما

стр. 1109

إذا شح بعض الورثة بالثاني أو الثالث، والمرجح أنه لا يلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق، انتهى. (٢٠ - باب الحنوط للميت) قال الكرماني (١): بفتح المهملة وبالنون الطِّيب الذي للموتى، انتهى. وقال الحافظ (٢): هو كل شيء يخلط من الطِّيب خاصة، انتهى. وفي "الأوجز" (٣): قال في "المجمع": الحنوط والحناط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصةً، ومخلوط من كافور وصندل ونحوهما، وفي "المحيط": لا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس في حق الرجال، ولا بأس بهما في حق النساء، فيدخل فيه المسك، وأجازه أكثر العلماء، وأمر به علي، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وكرهه عطاء والحسن؛ لأنها ميتة، واستعماله في حنوط النبي ﷺ حجة عليهم، انتهى. وفي "الدر المختار": ويجعل الحنوط وهو العطر المركب من الأشياء الطيبة غير الزعفران والورس لكراهتهما للرجال على رأسه ولحيته والكافور على مساجده، انتهى. فما نقل ابن الجوزي من مذهب أبي حنيفة من عدم استحباب الكافور ليس بصحيح، انتهى من هامش "اللامع". وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "باب الحنوط للميت" دلالة الرواية عليه من حيث إنه نهى المحرم عن الحنوط، فعلم جوازه لغيره، انتهى. وفي الحديث مسألة الميت المحرم وهي خلافية كما تأتي في الباب الآتي.

стр. 1110

(٢١ - باب كيف يكفن المحرم) سقطت هذه الترجمة للأصيلي، وثبتت لغير الأصيلي، قال ابن المنيِّر (١): تضمنت هذه الترجمة الاستفهام عن الكيفية مع أنها مبنية، لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكل محرم آثر المصنف الاستفهام. قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بقوله: "كيف يكفن" أي: كيفية التكفين ولم يرد الاستفهام، وكيف يظن به أنه متردد فيه، وقد جزم قبل ذلك بأنه عام في حق كل أحد حيث ترجم بجواز التكفين في ثوبين، انتهى. ومسألة الباب خلافية، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق: إن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي: إنه يصنع به ما يصنع بالحلال، وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاوس، كذا في "البذل" (٢)، انتهى من هامش "اللامع". (٢٢ - باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف. . .) إلخ وفي "تراجم شيخ المشايخ": الكفوف الذي ضم جانباه بالخياط. والغرض من الباب إثبات جواز التكفين بكليهما، انتهى. كتب الشيخ في "اللامع" (٣): لعل المعنى أن يكون مكفوفًا أو غير مكفوف، انتهى. وفي هامشه: اختلفوا في ضبط هذه الترجمة على أقوال، قال الحافظ (٤): قال ابن التين: ضبطه بعضهم "يكف" بضم أوله وفتح الكاف، وبعضهم بالعكس، والفاء مشدد فيهما. وضبطه بعضهم بفتح أوله وسكون الكاف وتخفيف الفاء وكسرها، والأول أشبه بالمعنى. وتعقبه ابن رُشيد بأن الثاني هو الصواب.

стр. 1111

قال: والذي يظهر لي أن البخاري لحظ قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] أي: أن النبي ﷺ ألبس عبد الله بن أُبي قميصه سواء كان يكف عنه العذاب أو لا يكف استسلامًا (١) للقلوب المؤلفة. فكأنه يقول: يؤخذ من هذا التبرك بآثار الصالحين سواء علمنا أنه مؤثر في حال الميت أو لا. قال: ولا يصح أنه يراد به سواء كان الثوب مكفوف الأطراف أو غير مكفوف؛ لأن ذلك وصف لا أثر له. قال: وأما الضبط الثالث فهو لحن إذ لا موجب لحذف الياء الثانية، وجزم المهلب أنه الصواب، وأن الياء سقطت من الكاتب غلطًا. قال ابن بطال: والمراد: طويلًا كان القميص سابغًا أو قصيرًا، فيجوز أن يكفن فيه، كذا قال. ووجه بعضهم بأن عبد الله بن أُبي كان مفرط الطول، وكان النبي ﷺ معتدل الخلق، وقد أعطاه مع ذلك قميصه ليكفن فيه فلم يلتفت إلى كونه ساترًا لجميع بدنه أو لا، وتعقب بأن حديث جابر دال على أنه كفن في غيره، فلا تنتهض الحجة بذلك. وأما قول ابن رُشيد: إن المكفوف الأطراف لا أثر له، فغير مسلم، بل المتبادر إلى الذهن أنه مراد البخاري كما فهمه ابن التين، والمعنى: أن التكفين في القميص ليس ممتنعًا سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف، انتهى. وما اختاره الشيخ قُدِّس سره في "اللامع" في توجيه الترجمة هو الظاهر، ولذا قال ابن التين: إنه أشبه، ورجحه الحافظ أيضًا كما ترى والقسطلاني (٢) أيضًا. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): ودلالة الحديث عليه باعتبار أن المذكور في الحديث مطلق عن التقييد، فيجوز التكفين بأي فرديه، أو يقال: إن قميصه ﷺ لا يخلو أن يكون مكفوفًا أو غيره، فيثبت الحكم في الآخر قياسًا.

стр. 1112

وقوله: (وألبسه قميصه) وهذا محل إثبات الجزء الثالث من الترجمة - وهو قوله: "ومن كفن بغير قميص" - وهو جواز التكفين من غير قميص، ولكنه يرد عليه أنه مناف للرواية المتقدمة وللواقع أيضًا، فإن تكفينه فيه إنما كان قبل الدفن لا بعده، كما هو مصرح في موضعه، والجواب أنه عطف على قوله: "أتى" لا على قوله: "نفث"، أو يقال: المعنى على المضي، أي: وكان ألبسه. . . إلخ، وعلى هذا لا يصح استدلال المؤلف على ما استدل عليه من الكفن في غير القميص، فإما أن يقال: إن استدلاله مبني على مجرد اللفظ، وإن كان المراد به غير ما هو الظاهر المقصود، وذلك لأن الراوي لم يورده كذلك إلا وقد جاز عنده الكفن بغير قميص، أو يستظهر في ذلك بالباب الوارد بعده، انتهى. وفي هامشه: قد تقدم قريبًا في كلام الحافظ أن المستملي لم يذكر الترجمة الآتية، بل ذكر حديث عائشة في كفنه ﷺ من غير قميص في هذا الباب، فعلى هذا إثبات الترجمة بحديث عائشة واضح، وما أفاده الشيخ من أن استدلاله مبني على مجرد اللفظ. . . إلخ، فتكون الترجمة على هذا من الأصل السادس عشر، وهو الاستدلال بكل المحتمل، ويحتمل عندي أن تكون من الأصل الثامن كما تقدم في المقدمة. وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): قوله: "أنا بين خيرتين. . ." إلخ، استشكل هذا القول؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، صريح في المنع عن الاستغفار بأوكد أوجه وأبلغه، والنبي ﷺ أعرف بمعاني القرآن، فما معنى قوله ﵇: "أنا بين خيرتين"؟ والتحقيق عندي في حل هذا القول منه ﷺ أنه من باب تلقي المخاطب المتكلم بغير ما أراده لكونه مرغوبًا له رجاءً لاستجابة ذلك عند المتكلم، وهذا التصنع في الكلام من صنائع البلاغة المقررة في موضعه فتدبر، انتهى.

стр. 1113

قوله في ثاني حديث الباب: (بعد ما دفن) لا يخفى عليك أنه يخالف جل الروايات، قال السندي (١): وتكلف بعضهم في التوفيق بما لا يدفع الإيراد بالكلية، انتهى. والبسط في هامش "اللامع" (٢) فارجع إليه لو شئت. (٢٣ - باب الكفن بغير قميص) قد تقدم أن هذه الترجمة سقطت للمستملي، لكنها ثبتت للأكثر كما قال الحافظ، ومسألة القميص في الكفن خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٣)، وجملتها: أن الكفن ثلاثة لفائف عند الشافعي وأحمد، ورداءان والقميص عند الحنفية، إلا أن القميص لا يكون كقميص الحي ذي الكمين والدخاريص، والكفن المندوب عند مالك خمسة أثواب: ثلاثة لفائف والقميص والعمامة. وقال الموفق (٤): الكفن في القميص والمئزر واللفافة جائز غير مكروه، وإنما الأفضل الأول، قال أحمد: إن جعلوه قميصًا فأحب إلي أن يكون مثل قميص الحي، له كُمّان ودخاريص ولا يُزَرُّ عليه القميص، انتهى. قال الدسوقي (٥): وهل يخيط القميص ويجعل له أكمام أو لا؟ والظاهر الأول، انتهى. قال الحافظ (٦): وأجاب بعض من خالف بأن قولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة" يحتمل نفي وجودهما جملة، ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود، أي: الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة، وقال بعض الحنفية: معناه: ليس فيها قميص، أي: جديد، وقيل: ليس فيها القميص الذي غسل فيه، أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف، انتهى.

стр. 1114

(٢٤ - باب الكفن بلا عمامة) قال الحافظ (١): كذا للأكثر، وللمستملي الكفن في الثياب البيض، والأول أولى لئلا تتكرر الترجمة بغير فائدة، فقد تقدم ما في هذا النفي - من الاحتمالات - في الباب الذي قبله، انتهى. وقد عرفت فيما سبق أنه لم يقل باستحباب العمامة إلا المالكية. (٢٥ - باب الكفن من جميع المال) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "الحنوط من جميع المال"، وكذا قوله: "أجر القبر. . ." إلخ، أوردهما للدلالة على أن المراد بالكفن في قولهم: الكفن من جميع المال، ليس هو الثوب الذي يكفن فيه فقط، بل المراد كل ما يفتقر إليه في تكفينه من أجرة الغسال والحافر وقيمة الأرض والحنوط وغير ذلك، انتهى. وفي هامشه: قال العيني (٣): ما ترجم به البخاري من أن الكفن من جميع المال هو قول الجمهور، قال الحافظ (٤): قوله: "من جميع المال"، أي: من رأس المال، وكأن المصنف راعى لفظ حديث مرفوع ورد بهذا اللفظ أخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديث علي، وإسناده ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم في "العلل" من حديث جابر، وحكى عن أبيه أنه منكر، قال ابن المنذر: قال بذلك جميع أهل العلم إلا رواية شاذة عن خلاس بن عمرو قال: "الكفن من الثلث"، وعن طاوس أنه من الثلث إن كان قليلًا، انتهى.

стр. 1115

(٢٦ - باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد) قال الحافظ (١): أي: اقتصر عليه ولا ينتظر بدفنه ارتقاب شيء آخر، انتهى. قال العيني (٢): وفي "المبسوط": ولو كفنوه في ثوب واحد فقد أساؤوا؛ لأن في حياته تجوز صلاته في إزار واحد مع الكراهة، فكذا بعد الموت إلا عند الضرورة بأن لم يوجد غيره، ومسألة حمزة ومصعب ﵄ من باب الضرورة، انتهى. (٢٧ - باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري رأسه أو قدميه. . .) إلخ قال الحافظ (٣): أي: رأسه مع بقية جسده إلا قدميه أو العكس، كأنه قال: ما يواري جسده إلا رأسه، أو جسده إلا قدميه، وذلك بيِّن من حديث الباب حيث قال: "خرجت رجلاه"، ولو كان المراد أنه يُغطي رأسه فقط دون سائر جسده لكان تغطية العورة أولى، ويستفاد منه أنه إذا لم يوجد ساتر البتة أنه يغطي جميعه بالإذخر، فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض، قال المهلب: وإنما استحب لهم النبي ﷺ التكفين في تلك الثياب التي ليست سابغة؛ لأنهم قتلوا فيها، انتهى. وفي هذا الجزم نظر، بل الظاهر أنه لم يجد لهم غيرها كما هو مقتضى الترجمة، انتهى. وفي هامش "اللامع": قال ابن بطال: في الحديث أن الثوب إذا ضاق فتغطية الرأس أولى من رجليه لأنه أفضل، انتهى. كذا في "العيني" (٤)، وبذلك جزم الموفق (٥) مستدلًا بحديث الباب،

стр. 1116

قال ابن عابدين (١): ما لا يستر البدن لا يكفي عند الضرورة أيضًا، بل يجب ستر باقيه بنحو حشيش، انتهى. (٢٨ - باب من استعد الكفن في زمن النبي ﷺ . . .) إلخ قال الحافظ (٢): قوله: "لم ينكر"، ضبط في روايتنا بفتح الكاف على بناء المجهول، وحكي الكسر على أن فاعل الإنكار النبي ﷺ ، وإنما قيد الترجمة بذلك ليشير إلى أن الإنكار الذي وقع من الصحابة كان على طلب البردة، فلما أخبرهم بعذره لم ينكروا على ذلك، فيستفاد منه جواز تحصيل ما لا بد للميت منه من كفن ونحوه في حال حياته. وهل يلتحق بذلك قبر؟ فيه بحث سيأتي، انتهى. قال القسطلانى (٣): قال أصحابنا: لا يندب أن يعد لنفسه كفنًا لئلا يحاسب على اتخاذه، أي: لا على اكتسابه؛ لأن ذلك ليس مختصًا بالكفن، بل سائر أمواله كذلك، ولأن تكفينه من ماله واجب، وهو يحاسب عليه بكل حال، إلا أن يكون من جهة حل، وأثر ذي صلاح، فحسن إعداده كما ههنا، ولو أعد له قبرًا يدفن فيه فينبغي أن لا يكره؛ لأنه للاعتبار بخلاف الكفن، قاله الزركشي. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): ثم إن الإعداد وإن ثبت في الكفن ولم يثبت في القبر فلا يحسن إعداد القبر إلا إذا نوى فيه أن يدفن فيه من مات من أهله، وذلك لأن الموت في هذا الموضع المعلوم غير معلوم، ولا كذلك الكفن؛ فإنه يمكن أخذه معه حيث شاء، انتهى. وفي هامشه عن ابن بطال (٥): قد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت، وتعقبه ابن المنيِّر بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة ولو كان مستحبًا لكثر فيه، انتهى.

стр. 1117

وفي "الدر المختار" (١): ويحفر قبرًا لنفسه، وقيل: يكره، والذي ينبغي أن لا يكره تهيئة نحو الكفن، بخلاف القبر، قال ابن عابدين: لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. (٢٩ - باب اتباع النساء الجنازة) قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: فصل المصنف بين هذه الترجمة وبين فضل اتباع الجنائز بتراجم كثيرة تشعر بالتفرقة بين النساء والرجال، وأن الفضل يختص بالرجال دون النساء؛ لأن النهي يقتضي التحريم أو الكراهة، والفضل يدل على الاستحباب، ولا يجتمعان، وأطلق الحكم هنا لما يتطرق إليه من الاحتمال، ومن ثم اختلف العلماء في ذلك، ومحل النزاع إنما هو حيث تؤمن المفسدة، انتهى. قلت: لو كان كذلك لكان حقه أن تذكر قريبًا منها لتصير كالمستثنى من الأول، ثم الظاهر في غرض المصنف بالنظر إلى الرواية التي أوردها في الباب أن النهي للتنزيه، ويؤيده أن المصنف ذكر فيما سيأتي قريبًا في "باب زيارة القبور" عدم إنكاره ﷺ على الزائرة، لكن اتباع الجنازة أمر آخر غير الزيارة، ولذا ذكر ههنا رواية المنع، وفي الآتية رواية الجواز. وفي هامش "الهندية" عن العيني (٣): قال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي أن النهي للتنزيه، وبه قال الجمهور، وعن أبي حنيفة: لا ينبغي ذلك، انتهى. وفي "البذل" (٤): قال النووي: مذهب أصحابنا أنه يكره، وليس بحرام لهذا الحديث: قال القاضي (٥): قال الجمهور بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، وأجازه مالك، وكرهه للشابة.

стр. 1118

قال في "الدر المختار" (١): ويكره خروجهن تحريمًا، قال الشامي: لقوله ﵊: "ارجعن مأزورات غير مأجورات"، إلى آخر ما فيه. قلت: اختلفت الروايات في ذلك عن مالك كما في "الأوجز" (٢)، وقال العيني: ولم يبين البخاري الحكم هل هو جائز أو لا، لاختلاف العلماء فيه؛ لأن قول أم عطية يحتمل أن يكون نهي تحريم أو نهي تنزيه، وقد ورد في الباب أحاديث تدل على الجواز، (٣) انتهى مختصرًا. (٣٠ - باب إحداد المرأة على غير زوجها) قال الحافظ (٤): قال ابن بطال: الإحداد بالمهملة امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما وكل ما كان من دواعي الجماع، وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال، وسيأتي في "كتاب الطلاق" بقية الكلام على مباحث الإحداد، وقوله في الترجمة: "على غير زوجها" يعم كل ميت غير الزوج سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، ودلالة الحديث له ظاهرة، ولم يقيِّده في الترجمة بالموت لأنه يختص به عرفًا، ولم يبيِّن حكمه؛ لأن الخبر دل على عدم التحريم في الثلاث، وأقل ما يقتضيه إثبات المشروعية، انتهى. قوله: (توفي أخوها) هذا مشكل جدًّا كما قاله الحافظان ابن جحر والعيني، قال العيني (٥): قال شيخنا زين الدين: فيه إشكال؛ لأن لزينب ثلاثة إخوة: عبد الله المكبَّر، وعبيد الله مصغرًا، وأبو أحمد مشهور بكنيته،

стр. 1119

واسمه عبد على الصحيح، ولا يمكن أن يكون مراده الأول؛ لأنه قتل بأُحد وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًا، ولا جائز أن يكون المراد الثاني؛ لأنه مات بالحبشة نصرانيًّا، ولا الثالث؛ لأنه توفي بعدها كما جزم به ابن عبد البر ونحوه، وأقرب الاحتمالات أن يكون عبيد الله الذي مات نصرانيا على بعد فيه. فإن قلت: مثلها لا يحزن على من مات كافرًا، قلت: ذاك الحزن بالجبلة والطبع فتعذر فيه ولا تلام به، وقيل: يحتمل أن يكون أخًا لزينب من أمها أو من الرضاع، انتهى. (٣١ - باب زيارة القبور) قال الحافظ (١): أي: مشروعيتها، وكأنه لم يصرح بالحكم؛ لما فيه من الخلاف كما سيأتي، وكأن المصنف لم يثبت على شرطه الأحاديث المصرحة بالجواز، وقد أخرجه مسلم من حديث بريدة وفيه نسخ النهي عن ذلك، ولفظه: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها" وزاد أبو داود والنسائي من حديث أنس: "فإنها تذكر الآخرة"، قال النووي (٢): اتفقوا على أن زيارة القبور جائزة كذا أطلقوا، وفيه نظر؛ لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي الكراهة مطلقًا حتى قال الشعبي: "لولا نهي النبي ﷺ لزرت قبر ابنتي"، فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به، واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب؛ لأنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر. وقيل: الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذب"، انتهى.

стр. 1120

وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): ميل المصنف إلى جوازها للنساء، انتهى. وفي هامش "المشكاة" عن "اللمعات" (٢): قوله: "فزوروها"، واختلف في النساء فقيل: الرخصة إنما هي للرجال، وأما النساء فباقية على النهي إلا في زيارة الرسول ﷺ ، وقيل: يعم الرخصة للرجال والنساء، انتهى. قلت: والأخير، أي: العموم هو مذهب مالك والشافعي وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وعن أحمد روايتان كما في "الأوجز" (٣)، وفي "الدر المختار" (٤): ولا بأس بزيارة القبور، قال ابن عابدين: بل تندب كما في "البحر" عن "المجتبى"، وتزار في كل اسبوع كما في "مختارات النوازل"، والأفضل يوم الجمعة والسبت والاثنين والخميس، فقد قال محمد بن واسع: الموتى يعلمون بزوّارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده، انتهى. وفي "شرح الإقناع" (٥): ويستحب الإكثار من الزيارة وأن يكثر الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل، انتهى. (٣٢ - باب قول النبي ﷺ : "يُعذَّب الميت ببعض بكاء أهله ") قال الحافظ (٦): قوله: "إذا، كان النوح. . ." إلخ، هذا تقييد من المصنف لمطلق الحديث وحمل منه لرواية ابن عباس المقيدة بالبعضية على رواية ابن عمر المطلقة كما ساقه في الباب عنهما، وتفسير منه للبعض المبهم في رواية ابن عباس بأنه النوح، ويؤيده أن المحذور بعض البكاء لا جميعه. وقوله: (إذا كان النوح. . .) إلخ، يوهم أنه بقية الحديث المرفوع، وليس

стр. 1121

كذلك بل هو كلام المصنف قاله تفقهًا، وهذا الذي جزم به هو أحد الأقوال في تأويل الحديث المذكور، انتهى. واختلف في ضبط قوله: "من سنته" فللأكثر في موضعين بضم المهملة وتشديد النون، أي: طريقته وعادته، وضبط بعضهم بفتح المهملة بعدها موحدتان الأولى مفتوحة، أي: من أجله، انتهى. واختلفوا في الترجيح بينهما فمنهم من رجح الأول ومنهم البخاري على رأي الحافظ حيث استشهد بالحديث الذي فيه؛ لأنه أول من سن القتل، ومنهم من رجح الثاني وأنكر الأول، وهو أبو الفضل، إذ قال: وأيّ سُنَّة للميت، انتهى. ثم اختلف العلماء في توجيه الحديث على أقوال عديدة بلغها في "الأوجز" (١) إلى أربعة عشر قولًا: أحدها: أن الحديث على ظاهره مطلقًا وهو رأي عمر وابنه، قال الحافظ: منهم من حمله على ظاهره وهو بَيِّنٌ من قصة عمر مع صهيب كما أخرجه البخاري، انتهى. الثاني: لا مطلقًا، قال الحافظ: ويقابل هؤلاء قول من رد هذا الحديث، وعارضه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، روي ذلك عن أبي هريرة. الثالث: أن الباء للحال؛ لأنه يعذب حال بكائهم عليه والتعذيب عليه من ذنب لا بسبب البكاء. الرابع: أنه خاص بالكافر، والقولان - أي: الثالث والرابع - عن عائشة، قاله السيوطي. الخامس: أنه خاص بمن كان النوح من سُنَّته وطريقته، وعليه البخاري.

стр. 1122

السادس: أنه فيمن أوصى به، وهو قول الجمهور وسيأتي البسط فيه في آخر الأقوال. السابع: أنه فيمن لم يوص بتركه فتكون الوصية بذلك واجبة، قال العيني والنووي: حاصله إيجاب الوصية بترك البكاء والنوح، وهو قول داود وطائفة. الثامن: التعذيب بالصفات التي يبكون بها عليه وهي مذمومة شرعًا، كما كان أهل الجاهلية يقولون: يا مرمل النسوان، يا ميتم الأولاد، يا مخرب الدور، فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه ذلك، وهو اختيار ابن حزم وطائفة. التاسع: أن المراد به توبيخ الملائكة له بما يندب به أهله كما في رواية: "إذا قالت النائحة: وا عضداه وا ناصراه وا كاسياه، جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها؟! أنت ناصرها؟! أنت كاسيها؟! ". العاشر: قال الحافظ (١): وحكى الكرماني تفصيلًا آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الآية [الأنفال: ٢٥]، فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخ. الحادي عشر: أن المراد بالعذاب تألم الميت بسبب بكاء أهله عليه على وجه مذموم، كما يتألم بسائر المعاصي الصادرة عنهم، ويفرح بالأعمال الصالحة الكائنة منهم. الثاني عشر: أن المراد بالميت المحتضر مجازًا، وبالتعذيب التعذيب في الدنيا، أي: المحتضر يتألم ببكاء أهله عليه.

стр. 1123

الثالث عشر: وهو قريب بالقول الحادي عشر أن المراد تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهو اختيار الطبري، ورجحه ابن المرابط وابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له لحديث قيلة بنت مخرمة، ذكر في "الأوجز"، والفرق بين هذا وبين ما سبق أن تألم الميت في القول السابق كان لارتكاب الحي معصية، وفي هذا تألمه وبكاءه لتألم الحي، فتأمل. الرابع عشر: ما قيل: إن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معين كما قالت عائشة: "إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية" الحديث. قلت: هذا آخر ما ظفرت عليه من أقوال العلماء، وقد عرفت أن الجمهور على القول السادس حتى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي عن الجمهور، قالوا: وكان معروفًا للقدماء حتى قال طرفة بن العبد: إذا مت فانعيني بما أنا أهله … وشُقِّي عليَّ الجيب يا ابنة معبد قال العيني (١): هو أصح الأقوال. قلت: وبه قالت الحنفية كما في "الدر المختار" (٢)، وكذا عند الشافعية كما في "شرح الإقناع" (٣)، ثم ذكر في "الأوجز" (٤) مسألة البكاء على الميت وهي التي أشار إليها البخاري فيما سيأتي بقوله: "وما يرخص من البكاء" عن كتب فروع الأئمة الأربعة، فهو جائز على المذاهب الأربعة من غير ندب، وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت ومن غير نياحة، وهو رفع الصوت برنة، وأما البكاء معهما أو مع أحدهما فحرام عند الجمهور، انتهى.

стр. 1124

قوله: (لقول الله : ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦])، وجه (١) الاستدلال لما ذهب إليه من هذه الآية أن هذا الأمر عام في جهات الوقاية، ومن جملتها أن لا يكون الأصل مولعًا بأمر منكر لئلا يجري أهله عليه بعده، أو يكون قد عرف أن لأهله عادة بفعل أمر منكر وأهمل نهيهم عنه، فيكون لم يق نفسه ولا أهله، انتهى. وقس على هذا وجه الاستدلال من حديث: "كلكم راع. . ." إلخ. قوله: (لم يقارف الليلة) المشهور أنه تعريض على عثمان بأنه باشر في تلك الليلة، قال الكرماني (٢): يروى أن هذه البنت هي أم كلثوم امرأة عثمان، وعثمان في تلك الليلة باشر جارية له، فعلم رسول الله ﷺ بذلك فلم يعجبه حيث شغل عن المريضة المحتضرة بها، انتهى. لكن لم يرض به الشيخ قُدِّس سرُّه في تقريره ورجح بأن معناه لم يذنب الليلة ولو صغيرة، وجزم أبو طلحة بعدم الذنب فلعله بات مصليًّا، ومال الطحاوي في "مشكله" إلى أن فيه تصحيفًا والصواب: لم يقاول، أي: لم ينازع غيره الكلام؛ لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء، والبسط في "اللامع" (٣) وهامشه. (٣٣ - باب ما يكره من النياحة على الميت) قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: "ما" موصولة و"من" لبيان الجنس، والتقدير الذي يكره من جنس البكاء هو النياحة، والمراد كراهة التحريم. قال الحافظ: ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية و"من" تبعيضية، والتقدير كراهية بعض النياحة، أشار إلى ذلك ابن المرابط وغيره. ونقل ابن قدامة (٥) عن أحمد رواية أن بعض النياحة لا تحرم، وفيه نظر. . . إلى آخر ما قاله.

стр. 1125

وظاهر "المغني" أن النياحة مكروهة مطلقًا إلا البكاء بالصوت، وفيه أيضًا: ونقل حرب عن أحمد كلامًا يدل على إباحة النوح والندب، وظاهر الأخبار تدل على الحرمة، إلى آخر ما قال. واختار صاحب "الفيض" القول الثاني حيث قال (١): ومن ههنا تبعيضة عندي، وذلك لأنه لا بد كون بعض مراتب النياحة تحت الجواز وإن لم نقدر على تحديدها، لما قد ثبت عن النبي ﷺ الإغماض عن بعضها؛ كنياحة أم الأخ لجابر حين استشهد، ولذا صرح السرخسي أن المسألة فيه عندنا أن يفوض إلى رأي المبتلى به، ثم لا بد من الفرق بين الإغماض والرضاء، فالذي أقول: هو الإغماض في بعض الأحيان مع إظهار عدم الرضاء، وهو الذي أراده النبي ﷺ في الباب الآتي، انتهى مختصرًا. قال الموفق (٢): الندب تعداد محاسن الميت بلفظ النداء مثل قولهم: وارجلاه واجبلاه، والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، انتهى. قوله: (إنَّ كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد) يشكل بأن وجه الشبه يكون أقوى في المشبه به، أجاب عنه السندي (٣) بوجوه: الأول: أن الكاف للمماثلة بمعنى المساواة، والمطلوب من نفي المساواة إثبات الأشدية. الثاني: معناه: ليس مثله في السهولة، وما يكون أقل سهولة يكون أكثر شدة. الثالث: يمكن أن يجعل وجه الشبه خفة الإثم، أي: ليس مثله في خفة الإثم، وما يكون أقل خفة يكون أكثر شدة. . . إلى آخر ما قال.

стр. 1126

(٣٤ - باب) بلا ترجمة، قال الحافظ (١): سقط من رواية أبي ذر وكريمة، وعلى ثبوته فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله كما تقدم تقريره، وعلى التقديرين فلا بدّ له من تعلق بالذي قبله، وقد قدمت توجيهه في أول الترجمة، انتهى. قلت: ولعل الحافظ أشار بذلك إلى ما نقله عن ابن المرابط وغيره كما تقدم في الباب السابق؛ فإن مفاده أن بعض أنواع النياحة جائز، والحديث الذي أخرجه المصنف في هذا الباب يشعر بذلك، والله أعلم. وفي "الفيض" (٢): وظني أن المصنف ﵀ يريد أن يشير إلى المستثنيات إلا أنه لم يتكلم بها لكونها غير منضبطة، فدلّ على أن ترك الترجمة قد يكون بهذا المعنى أيضًا، انتهى. ورمز عليه شيخ الهند في "تراجمه" رمز بـ: "تـ" نقطتان، وهو إشارة إلى أن الحديث الذي أورده فيه يتعلق بالباب السابق. (٣٥ - باب ليس منا من شق الجيوب) قال ابن المنيِّر (٣): أفرد هذا القدر بترجمة ليشعر بأن النفي الذي حاصله التبري يقع بكل واحد من المذكورات لا بمجموعها، قال الحافظ: ويؤيده رواية لمسلم بلفظ: "أو شق الجيوب أو دعا. . ." إلى آخره، انتهى من "الفتح". (٣٦ - باب رثاء النبي ﷺ -) أشكل على الترجمة أن الرثاء لغة هو ذكر محامد الموتى، وما في الحديث ليس كذلك، بل فيه التحزن والتوجع فلا يدخل تحت الترجمة، وأجيب بأنه هو المقصود، يعني: رثاءه ﷺ لم يكن المعهود بل كان تحزنًا،

стр. 1127

فلا ينافي ما ورد في مسند "أحمد" (١) أنه ﵇: "نهى عن المراثي"، انتهى ملخصًا. (٣٧ - باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة) قال الحافظ (٢): تقدم الكلام في "باب ما يكره من النياحة" - أي: من كون لفظة "ما" موصولة أو مصدرية ولفظ "من" تبعيضية أو بيانية - وتقدم الكلام أيضًا على الحكمة في اقتصاره على الحلق دون ما ذكر معه في الباب الذي قبله، انتهى. (٣٨ - باب ليس منا من ضرب الخدود) تقدم في "باب ليس منا من شق الجيوب" أن المصنف أفرد هذه التراجم إشارة إلى أن التبري يتعلق بكل جزء لا بالمجموع. (٣٩ - باب ما ينهى من الويل. . .) إلخ غرض الترجمة على قياس ما عرفت، لكن ليس في الحديث ذكر الويل، فكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه عند ابن ماجه، كذا في "الفتح" (٣)، ولم يرض به العيني وقال (٤): دعوى الجاهلية لازمة للويل. (٤٠ - باب من جلس عند المصيبة) قال الحافظ (٥): لم يفصح المصنف بحكم هذه المسألة ولا التي بعدها لأن كلًّا منهما قابل للترجيح، أما الأول فلكونه من فعل النبي ﷺ ، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالبًا، وأما الثاني فلأنه فعل أبلغ في الصبر وأزجر للنفس فيرجح، ويحمل فعله ﷺ المذكور على بيان

стр. 1128

الجواز، ويكون فعله في حقه في تلك الحالة أولى، وقال ابن المنيِّر ما ملخصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة لا يفرط في الحزن حتى يقع في المحذور من اللطم والشق وغيرهما، ولا يفرط في التجلد حتى يفضي إلى القسوة والاستخفاف بقدر المصاب، فيقتدي به ﷺ في تلك الحالة بأن يجلس المصاب جلسة خفيفة بوقار وسكينة تظهر عليه مخايل الحزن، ويؤذن بأن المصيبة عظيمة، انتهى. وفي "الدر المختار" (١): ولا بأس بالجلوس لها، أي: للتعزية في غير المسجد، وقال ابن عابدين: لا بأس ههنا على حقيقته؛ لأنه خلاف الأولى كما صرح به في "شرح المنية"، وفي "الأحكام" عن "خزانة الفتاوى": الجلوس في المصيبة ثلاثة أيام للرجال جاءت الرخصة فيه، ولا تجلس النساء قطعًا، انتهى. قال ابن عابدين: وما في "البحر" - من "أنه ﷺ جلس لما قتل جعفر وزيد بن حارثة والناس يأتون ويعزونه"، انتهى - يجاب عنه بأن جلوسه ﷺ لم يكن مقصودًا للتعزية، انتهى. (٤١ - باب من [لم] يظهر حزنه عند المصيبة) تقدم الكلام عليه في الباب السابق، وقوله في الترجمة: "وقال محمد بن كعب. . ." إلخ، غرضه على الظاهر تفسير قوله عز اسمه في سورة المعارج: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)﴾ [المعارج: ٢٠]، ويؤيده ما قال الحافظ (٢): روى ابن أبي حاتم في تفسير "سورة سأل" عن القاسم بن محمد كقول محمد بن كعب هذا، انتهى.

стр. 1129

وقال العيني (١): مطابقته للترجمة من حيث المقابلة، وهي ذكر الشيء وما يضاده معه، وذلك أن ترك إظهار الحزن من القول الحسن والظن الحسن، وإظهاره مع الجزع قول سيئ وظن سيئ، انتهى. وتبعه القسطلاني (٢)، ولم يتعرض الحافظ بوجه المناسبة. وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): يعني بذلك - والله أعلم -: أنه لا ضير في إظهار الحزن ما لم يقل سوءًا ولا أساء الظن بالكريم تعالى، وإن كان للذي لم يظهره على الناس فضل كثير، ودلالة الرواية على الترجمة ظاهرة لحال المرأة، انتهى. وأما مناسبة الآية بالترجمة فهو ما قال ابن المنيِّر: إن قول يعقوب لما تضمن أنه لا يشكو بتصريح ولا تعريض إلا لله وافق مقصود الترجمة (٤)، انتهى. (٤٢ - باب الصبر عند الصدمة الأولى) قال الحافظ (٥): أي: هو المطلوب المبشر عليه بالصلاة والرحمة، ومن ههنا تظهر مناسبة إيراد أثر عمر في هذا الباب، انتهى. وفي "الفيض" (٦): قال الشافعي ﵀: إن المصائب مكفرات مطلقًا صبر عليها أو لا لكونها تعذيبًا، ولا فرق فيه بين الصبر وعدمه، نعم يحرم عن تضاعف الأجور، انتهى. وسيأتي بسط الكلام عليه في مبدأ "كتاب المرضى". قوله: (وقال عمر. . .) إلخ، العدلان: الصلاة والرحمة، والعلاوة: الاهتداء، قاله الحافظ (٧).

стр. 1130

(٤٣ - باب قول النبي ﷺ : "إنا بك لمحزونون ") قال الحافظ (١): سقطت هذه الترجمة والأثر في رواية الحموي وثبتت للباقين، وحديث ابن عمر كأن المراد به ما أورده المصنف في الباب الذي بعد هذا إلا أن لفظه: "إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب"، فيحتمل أن يكون ذكره بالمعنى؛ لأن ترك المؤاخذة بذلك يستلزم وجوده، إلى آخر ما قال. فائدة: قال الحافظ (٢): جزم الواقدي بأن إبراهيم ابنه ﷺ مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وقال ابن حزم: مات قبل النبي ﷺ بثلاثة أشهر، واتفقوا على أنه ولد في ذي الحجة سنة ثمان، انتهى. (٤٤ - باب البكاء عند المريض) سقط لفظ "باب" من رواية أبي ذر، قال ابن المنيِّر: ذكر المريض أعم من أن يكون أشرف على الموت أو هو في مبادئ المرض، لكن البكاء عادة إنما يقع عند ظهور العلامات المخوفة، انتهى من "الفتح" (٣). (٤٥ - باب ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك) قال الحافظ: قال ابن المنيِّر: عطف الزجر على النهي للإشارة إلى المؤاخذة الواقعة في الحديث بقوله: "فاحث في أفواههن التراب"، انتهى. قلت: وقد تقدم ترجمة البكاء والنياحة إلا أن الزجر لم يتقدم، فلا يبعد عندي أن يكون الغرض من هذه الترجمة المنع من المباح أيضًا سدًا للباب، ومقصود الأول التفريق بين أنواع النياحة جوازًا ومنعًا.

стр. 1131

(٤٦ - باب القيام للجنازة) قال الحافظ (١): أي: إذا مرت على من ليس معها، وأما قيام من كان معها إلى أن توضع بالأرض فسيأتي في ترجمة مفردة، انتهى. قلت: المراد بهذه الترجمة هي الترجمة الثالثة بقوله: "باب من تبع جنازة فلا يقعد. . ." إلخ، وأما الباب الآتي أعني قوله: "باب متى يقعد. . ." إلخ، فهو تكملة لهذا الباب. ومسألة الباب خلافية، فذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى أنه قد نسخ، وقال أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون المالكيان: وهو مخيَّر، نقله النووي عن القاضي، ثم قال النووي (٢): والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًا، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحب، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب والقعود بيانًا للجواز، انتهى مختصرًا. قلت: جزم [صاحب] "المغني" (٣): أن القيام لها لا يستحب، وحكى الاستحباب عن القاضي وغيره، وبسط القسطلاني (٤) في تحقيق مذهب الشافعية. (٤٧ - باب متى يقعد إذا قام للجنازة ؟) سقط هذا الباب والترجمة من رواية المستملي، وثبتت الترجمة دون الباب لرفيقه، قاله الحافظ (٥). قلت: وتقدم في الباب السابق أن هذا الباب تكملة له، ثم لا يخفى عليك أنه قد اختلفت النسخ في ذكر الحديث الثاني من هذا الباب، فعلى ما في النسخ الهندية - وهو الموافق لنسخة العيني (٦) - مطابقة الحديث بالترجمة ظاهرة، وأما في نسخة الحافظ والقسطلاني والنسخة المصرية التي

стр. 1132

عليها حاشية السندي فقد ذكر فيها في هذا الباب حديث قصة مروان مع أبي سعيد، وعلى هذا فالمطابقة بالترجمة خفية، ولم يتعرض لهذا الاختلاف أحد من الشرَّاح. (٤٨ - باب من تبع جنازةً فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال. . .) إلخ قال الحافظ (١): كأنه أشار بهذا إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب: "حتى توضع بالأرض" على رواية من روى "حتى توضع في اللحد". وفيه اختلاف على سهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال أبو داود: رواه أبو معاوية عن سهيل فقال: "حتى توضع في اللحد"، وخالفه الثوري وهو أحفظ فقال: "في الأرض"، انتهى. قلت: فعلى هذا تكون الترجمة شارحة، وهو الأصل الثالث والعشرون، فإن حديث الباب ليس فيه إلا قوله: "حتى توضع"، فكأن البخاري أشار بالترجمة إلى أن الراجح عنده في معناه الوضع عن المناكب لا الوضع في اللحد. قال الحافظ (٢) أيضًا عن ابن المنيِّر: إنما نوع هذه التراجم مع إمكان جمعها في ترجمة واحدة للإشارة إلى الاعتناء بها، ولأن بعض ذلك وقع فيما ليس على شرطه فاكتفى بذكره في الترجمة لصلاحيته للاستدلال، انتهى. قال الحافظ: وفي "المحيط" للحنفية: الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب، ثم قال الحافظ في حديث الباب: هذا الحديث أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة، وهو يوضح أن المراد بالغاية المذكورة من كان معها أو مشاهدًا لها، وأما من مرت به فليس عليه من القيام إلا قدر ما تمر عليه أو توضع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلًا، انتهى.

стр. 1133

ومسألة الباب خلافية بسطت في "الأوجز" (١)، فعندنا الحنفية يكره الجلوس فقيل: قبل الوضع بالأرض، وقيل: في اللحد، قولان عندنا. وعند الحنابلة، كما في "الروض المربع" (٢) وغيره: يكره الجلوس لتابعيها حتى توضع بالأرض. وعند الشافعية قولان، ففي "حاشية شرح الإقناع" (٣): القيام لها إذا مرت، والقيام إذا تبعها منسوخان على المذهب، فلا يؤمر أحد بالقيام مطلقًا، هذا في القاعد إذا مرت به. أما مُشَيِّعها فيستحب له أن لا يقعد حتى توضع بالأرض. وأما عند المالكية: فيجوز الجلوس للمُشَيِّعين قبل وضعها من أعناق الرجال، كما في "الشرح الكبير" (٤)، انتهى. (٤٩ - باب من قام لجنازة يهودي) صنيع المؤلف حيث أثبت القيام للميت بعدة تراجم مشعر بأنه لم يصح عنده النسخ في هذه المسألة، وجمهور العلماء على ثبوت النسخ لرواية مسلم وأبي داود عن علي: "أن رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنازة ثم جلس بعد". (٥٠ - باب حمل الرجال الجنازة دون النساء) في هامش (٥) "الهندية" عن العيني والقسطلاني قوله في الحديث: "واحتملها الرجال"، هو موضع الترجمة، فإن قلت: هذا إخبار فكيف يكون حجة في منع النساء؟ قلت: كلام الشارع مهما أمكن يحمل على التشريع لا على مجرد الأخبار، انتهى. قال الحافظ (٦): وقد ورد ما هو أصرح من هذا في منعهن، ولكنه

стр. 1134

على غير شرط المصنف، ولعله أشار إليه وهو ما أخرجه أبو يعلى (١) من حديث أنس قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا، قال: أتدفنه؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات"، انتهى. قلت: وأخرج ابن ماجه (٢) نحوه عن علي ﵁. قال الحافظ (٣): ونقل النووي في "شرح المهذب": أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء؛ لأن الجنازة لا بدّ أن يشيعها الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة، انتهى. وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٤): دلالة لفظ الحديث - أعني قوله: "واحتملها الرجال" - على الترجمة غير ظاهرة؛ إذ يجوز أن يكون ذكر الرجال على طريق تصوير صورة صالحة لأداء المقصود، لكن ما سبق في الأبواب السابقة من أن النساء ممنوعات عن اتباع الجنائز يدل على ذلك دلالة ظاهرة، وكأن المؤلف اعتمد عليه في هذا الباب، انتهى. قلت: وعلى هذا فينبغي أن تكون الترجمة داخلة في الأصل السابع والعشرين. (٥١ - باب السرعة بالجنازة) أي: بعد أن تحمل، قاله الحافظ (٥)، وقال أيضًا فيما سيأتي من "باب فضل اتباع الجنائز": كأن المصنف قصد فيما سبق من "باب السرعة بالجنازة" كيفية المشي وأمكنته، انتهى. قوله: (وقال أنس. . .) إلخ، قال الحافظ (٦): قال ابن المنيِّر: مطابقة

стр. 1135

هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين وعدم التزامهم جهة معينة، وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوى عليه، ومحصله أن السرعة لا تتفق غالبًا إلا مع عدم التزام المشي في جهة معينة فيتناسبا، وقال ابن رُشيد: ويمكن أن يقال: لفظ المشي والتشييع في أثر أنس أعم من الإسراع والبطء، فلعله أراد أن يفسر أثر أنس بالحديث، قال: ويمكن أن يكون أراد أن يبين بقول أنس أن المراد بالإسراع ما لا يخرج عن الوقار لمتبعها بالمقدار الذي يصدق عليه به المصاحبة. ثم قال الحافظ: دل إيراد البخاري لأثر أنس المذكور على اختيار هذا المذهب، وهو التخيير في المشي مع الجنازة، وهو قول الثوري. . . إلى آخر ما قال. قلت: هذا محتمل لكن المصنف سيبوب بقوله: "فضل اتباع الجنائز" وظاهره المشي خلفها كما سيأتي هناك، فتأمل. قوله: (أسرعوا بالجنازة) اختلفوا في معناه، فقيل: أي: بحملها إلى قبرها، وقيل: الإسراع بتجهيزها، وهو أعم من الأول، قال القرطبي: والأول أظهر، وقال النووي: الثاني باطل مردود بقوله في الحديث: "تضعونه عن رقابكم"، وتعقبه الفاكهي، ذكره الحافظ (١). قلت: وتعقبه السندي أيضًا، إذ قال (٢): ولا يخفى أنه يمكن تصحيحه على المعنى الثاني بأن يجعل الوضع عن الرقاب كناية عن التبعيد عنه وترك التلبس به، انتهى. وقال ابن قدامة (٣): الأمر في الحديث للاستحباب بلا خلاف، وشذ

стр. 1136

ابن حزم فقال بوجوبه، وقال صاحب "الهداية" (١): ويمشون بها مسرعين دون الخبب، وفي "المبسوط": ليس فيه شيء موقت، غير أن العجلة أحب، وعن الشافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد. . . إلى آخر ما بسط في "الفتح" (٢). (٥٢ - باب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني) يشكل على المصنف تكرار الترجمة بما سيأتي بعد عدّة أبواب: "باب كلام الميت على الجنازة"، وكتب الحافظ هناك: قال ابن رُشيد (٣): الحكمة في هذا التكرير أن الترجمة الأولى مناسبة للترجمة التي قبلها وهي "باب السرعة بالجنازة" لاشتمال الحديث على بيان موجب الإسراع، وكذلك هذه الترجمة مناسبة للتي قبلها - أي: باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي - كأنه أراد أن يبين أن ابتداء العرض إنما يكون عند حمل الجنازة؛ لأنها حينئذ يظهر لها ما تؤول إليه فتقول ما تقول، انتهى. والأوجه عند هذا العبد الضعيف أن هذا الباب من قبيل الأصل السادس، نبَّه بقوله "كلام الميت" على أن المراد بلفظ الجنازة في الحديث الميت، قال الحافظ (٤): قوله: "إذا وضعت الجنازة" يحتمل أن يريد بالجنازة نفس الميت وبوضعه جعله في السرير، ويحتمل أن يريد به السرير، والمراد وضعها على الكتف، والأول أولى لقوله بعد ذلك: "فإن كانت صالحة قالت" فإن المراد به الميت، ويؤيده ما روي بلفظ: "إذا وضع المؤمن على سريره يقول: قدموني" الحديث، انتهى. وأما الترجمة الثانية الآتية فالظاهر عند هذا العبد الضعيف في الغرض منه إثبات كلام الميت نصًا إشارة إلى أن ما في أبي داود (٥) من حديث

стр. 1137

ابن أبي نملة عن أبيه: "أنه بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ وعنده رجل من اليهود مرّ بجنازة فقال: يا محمد! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : الله أعلم، قال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" الحديث، فلعل الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى أن حديث أبي داود مبني على أنه ﷺ لم يوح إليه شيء في ذلك بعد، فتدبر، انتهى من هامش "اللامع" (١). (٥٣ - باب من صف صفين أو ثلاثة) كتب الشيخ "اللامع" (٢): قوله في الحديث: "في الصف الثاني أو الثالث" تردد الراوي - في أنه هل كان في الثاني أو الثالث - مشعر بجواز الأمرين كليهما؛ إذ لو لم تجز الصفوف ثلاثة أو لم يجز اثنان منها بل وجب الإفراد وتوحيد الصف، أو وجب تثليثها لا غير لم يكن له تردد في أيّ الأمرين كان، إذ لا يمكن أن يكون هناك إلا ما جاز واستحب، وهذا كاف لإثبات الترجمة، انتهى. أشكل على الترجمة بوجه آخر بأنه: لم يظهر من حديث الباب كون الصفوف وراء الإمام. وأجيب بأنه: أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا كما سيأتي في "هجرة الحبشة": "فصففنا وراءه". وفي هامش "اللامع": لا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن الإمام البخاري أراد به الرد على من قال أن يكونوا صفًا واحدًا، قال الحافظ (٣) في "باب سُنَّة الصلاة على الجنازة": قوله: "فيه صفوف. . ." إلخ، قرأت بخط مغلطاي: كأن البخاري أراد الرد على مالك، فإن ابن العربي نقل عنه أنه استحب أن يكون المصلون على الجنازة سطرًا واحدًا، قال: ولا أعلم لذلك وجهًا، انتهى.

стр. 1138

وعلى هذا فثبتت الترجمة بالشك أيضًا؛ فإنه على كل حال ثبتت الزيادة على الواحد، ولا يبعد أيضًا أنه أراد أن تثليث الصفوف ليس بحتم، كما يظهر من بعض الآثار وإن كان مستحبًا، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع". (٥٤ - باب الصفوف على الجنازة) قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر ما ملخصه: إنه أعاد الترجمة؛ لأن الأولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفين، وقال ابن بطال: أومأ المصنف إلى الرد على عطاء حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، كما رواه عبد الرزاق عن عطاء لما سئل عن تسوية الصفوف على الجنائز قال: لا، إنما يكبرون ويستغفرون. قال الحافظ: وأشار المصنف بصيغة الجمع إلى ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب"، وفي رواية: "إلا غفر له"، وتعقب بعضهم الترجمة بأن أحاديث الباب ليس فيها صلاة على الجنازة، وإنما فيه الصلاة على الغائب أو على من في القبر، وأجيب بأن الاصطفاف إذا شرع والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى. وأجاب الكرماني بأن المراد بالجنازة في الترجمة الميت سواء كان مدفونًا أو غير مدفون، فلا منافاة بين الترجمة والحديث، انتهى. وأنت خبير بأن شيئًا من هذه الوجوه لا يناسب شأن البخاري ودقة نظره، فإنه لو أراد بالترجمة تأييد تسوية الصفوف كان ينبغي له أن يشير إلى ذلك في الترجمة بنوع من الدلالة على أن لفظ الصفوف بصيغة الجمع لا يلزم الزيادة على الاثنين؛ فإن الاثنين فما فوقهما جماعة، وكذلك لا يشير إلى

стр. 1139

الرد على عطاء؛ فإن لفظ الصفوف لا يستلزم التسوية، بل الأوجه كما هو الظاهر أن الإمام البخاري أشار بلفظ: "على الجنازة" الرد على من قال بالصلاة على الغائب؛ فإن الإمام البخاري مع تخريجه حديث الصلاة على النجاشي بطرق لم يبوب بالصلاة على الغائب، بل أشار بلفظ الترجمة إلى كون الجنازة حاضرة، وهذا هو التوجيه الذي وجهت الحنفية به حديث الصلاة على النجاشي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (١)، وفيه عن الزرقاني: الصلاة على الميت الغائب قال به الشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقالت الحنفية والمالكية: لا تشرع، ونسبه ابن عبد البر إلى أكثر العلماء، فالإمام البخاري مال في هذه المسألة إلى قول الحنفية والمالكية كما سبق، انتهى من هامش "اللامع". (٥٥ - باب صفوف الصبيان مع الرجال. . .) إلخ ويشكل التكرار بما سيأتي من "باب صلاة الصبيان. . ." إلخ، بسط الكلام عليه في هامش "اللامع"، وفيه: قال الحافظ: قوله: "باب صلاة الصبيان. . ." إلخ، أورد فيه حديث ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ على القبر، قال ابن رُشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم لقوله في الحديث الذي ساقه فيها: "وأنا فيهم"، وأفاد بهذه الترجمة مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز وهو وإن كان الأول دل عليه ضمنًا، لكن أراد التنصيص عليه، وأخّر هذه الترجمة عن فضل اتباع الجنائز ليبين أن الصبيان داخلون في قوله: "من تبع جنازة"، والله أعلم، انتهى. وهكذا قال العيني (٢)، وتبعهما القسطلاني في ذلك. وما يظهر لهذا العبد الضعيف إن كان صوابًا فمن الله وفضله، وإن

стр. 1140

كان خطأ فمني ومن شيطان، والإمام البخاري منه بريء، وهو: أن مقصود الإمام البخاري بالترجمة الأولى هو الذي اختارته الشرَّاح، نبَّه الإمام بها على أن الصبيان لا يحتاجون إلى صف مستقل في الصلاة على الجنازة بخلاف الصلاة المكتوبة؛ لقلة حضورهم في الجنائز بخلاف المكتوبات، وأما الغرض من الترجمة الثانية فهو أن الثابت في الحديث صلاة الصبيان مع الرجال، فلا تكفي صلاتهم بدون الرجال لإسقاط فرض الكفاية. والمسألة خلافية كما بحثها ابن عابدين، وحكى عن المحقق ابن أمير حاج: أن سقوطها بفعل الصبي المميز هو الأصح عند الشافعية، قال: ولا يحضرني هذا منقولًا فيما وقفت عليه من كتبنا، وظاهر أصول المذهب عدم السقوط، قال ابن عابدين (١): حاصله أنها لا تسقط عن البالغين بفعله، وإن صلاته وإن صحت لنفسه لا تقع فرضًا، وعليه فلو صلى وحده لا يسقط الفرض عنهم، انتهى. وفي "الروض" من فروع الحنابلة: وتسقط بمكلف وتسن جماعة، انتهى. والظاهر عندي أن البخاري مال في هذه المسألة إلى قول أحمد، وإليه أشار بالترجمة حيث قال: صلاة الصبيان مع الرجال، وعلى هذا فالفرق بين الترجمتين واضح، انتهى من هامش "اللامع". (٥٦ - باب سُنَّة الصلاة على الجنازة) وما يظهر من الشروح أنهم اختلفوا في غرض الترجمة على قولين: الأول: ما قال الحافظ: قال ابن المنيِّر (٢): المراد بالسُّنَّة ما شرعه النبي ﷺ فيها، يعني: فهو أعم من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره

стр. 1141

هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات والشرائط والأركان، وليست مجرد دعاء، فلا تجزئ بغير طهارة مثلًا، انتهى. والثاني: ما في هامش "الهندية" عن الكرماني (١): غرض البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة وكونها مشروعة وإن لم تكن ذات الركوع والسجود، فاستدل عليه تارة بإطلاق اسم الصلاة والأمر بها وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة نحو عدم التكلم فيها وكونها مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وعدم صحتها إلا بالطهارة وعدم أدائها عند الوقت المكروه وبرفع اليد وإثبات الأحقية بالإمامة وبوجوب طلب الماء له وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ﴾ [التوبة: ٨٤]، فإنه أطلق الصلاة عليه وبكونها ذات صفوف وإمام، انتهى. قال محشيه المحدث مولانا أحمد على السهارنفوري: وبه يطابق الترجمة كل ما في هذا الباب، انتهى. (٥٧ - باب فضل اتباع الجنائز. . .) إلخ قد تقدم في مبدأ الجنائز: "باب الأمر باتباع الجنائز" ولا تكرار، لاختلاف الأغراض كما تقدم هناك. أما عند الشرَّاح فلما تقدم عن الحافظ (٢): أن الغرض من الباب الأول إثبات المشروعية وههنا إثبات الفضل. وأما عندي فهو أن الغرض من الأول الاهتمام والإسراع في تجهيز الميت والسعي لأجله، وأما ههنا فالمراد بالاتباع، هو المعنى المتبادر، أي: الاتباع إلى القبر، وهل الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسلك الحنفية من أن المشي خلفها أفضل؟ محتمل، لكن يشكل عليه ما تقدم في "باب السرعة بالجنازة" من أثر أنس كما تقدم الكلام عليه هناك، ويحتمل أن يكون المراد من ذكر أثر أنس الإسراع فقط، ويحتمل أيضًا أن يكون المراد

стр. 1142

من الاتباع ههنا المشي إلى القبر بدون الملاحظة إلى كيفية المشي من التقدم أو الخلفية. قال الحافظ (١): قال ابن رُشيد: مقصود الباب بيان القدر الذي يحصل به مسمى الاتباع الذي يجوز به القيراط، إذ في الحديث الذي أورده إجمال، ولذلك صدَّره بقول زيد بن ثابت، وآثر الحديث المذكور على الذي بعده وإن كان أوضح منه في مقصوده كعادته المألوفة في الترجمة على اللفظ المشكل ليبين مجمله. . . إلى آخر ما ذكره الحافظ من الكلام على الترجمة. ومسألة المشي خلف الجنازة أو أمامها كما أشير إليه آنفًا خلافية شهيرة، ففي "الأوجز" (٢) عن "التعليق الممجد": اختلفوا فيه بعد الاتفاق على جواز المشي أمامها وخلفها وشمالها وجنوبها اختلافًا في الأولوية على أربعة مذاهب: الأول: التخيير من دون أفضلية مشي على مشي، وهو قول الثوري، وإليه ميل البخاري، ذكره الحافظ. الثاني: أن المشي أمامها أفضل للماشي وخلفها للراكب، وهو مذهب أحمد. الثالث: مذهب الشافعي ومالك: أن المشي أمامها أفضل. الرابع: مذهب أبي حنيفة والأوزاعي: أن المشي خلفها أفضل، انتهى. قلت: التفريق بين الماشي والراكب هو المذهب لمالك كما صرَّح به في "الشرح الكبير"، والمرجح عند الشافعية التقدم مطلقًا ماشيًا كان أو راكبًا. وههنا مذهب خامس ذكره الحافظ عن النخعي: إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا خلفها.
следующие страницы →