وعلى هذا فثبتت الترجمة بالشك أيضًا؛ فإنه على كل حال ثبتت الزيادة على الواحد، ولا يبعد أيضًا أنه أراد أن تثليث الصفوف ليس بحتم، كما يظهر من بعض الآثار وإن كان مستحبًا، إلى آخر ما ذكر في هامش "اللامع".
(٥٤ - باب الصفوف على الجنازة)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر ما ملخصه: إنه أعاد الترجمة؛ لأن الأولى لم يجزم فيها بالزيادة على الصفين، وقال ابن بطال: أومأ المصنف إلى الرد على عطاء حيث ذهب إلى أنه لا يشرع فيها تسوية الصفوف، كما رواه عبد الرزاق عن عطاء لما سئل عن تسوية الصفوف على الجنائز قال: لا، إنما يكبرون ويستغفرون.
قال الحافظ: وأشار المصنف بصيغة الجمع إلى ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب"، وفي رواية: "إلا غفر له"، وتعقب بعضهم الترجمة بأن أحاديث الباب ليس فيها صلاة على الجنازة، وإنما فيه الصلاة على الغائب أو على من في القبر، وأجيب بأن الاصطفاف إذا شرع والجنازة غائبة ففي الحاضرة أولى.
وأجاب الكرماني بأن المراد بالجنازة في الترجمة الميت سواء كان مدفونًا أو غير مدفون، فلا منافاة بين الترجمة والحديث، انتهى.
وأنت خبير بأن شيئًا من هذه الوجوه لا يناسب شأن البخاري ودقة نظره، فإنه لو أراد بالترجمة تأييد تسوية الصفوف كان ينبغي له أن يشير إلى ذلك في الترجمة بنوع من الدلالة على أن لفظ الصفوف بصيغة الجمع لا يلزم الزيادة على الاثنين؛ فإن الاثنين فما فوقهما جماعة، وكذلك لا يشير إلى
стр. 1139
الرد على عطاء؛ فإن لفظ الصفوف لا يستلزم التسوية، بل الأوجه كما هو الظاهر أن الإمام البخاري أشار بلفظ: "على الجنازة" الرد على من قال بالصلاة على الغائب؛ فإن الإمام البخاري مع تخريجه حديث الصلاة على النجاشي بطرق لم يبوب بالصلاة على الغائب، بل أشار بلفظ الترجمة إلى كون الجنازة حاضرة، وهذا هو التوجيه الذي وجهت الحنفية به حديث الصلاة على النجاشي، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (١)، وفيه عن الزرقاني: الصلاة على الميت الغائب قال به الشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقالت الحنفية والمالكية: لا تشرع، ونسبه ابن عبد البر إلى أكثر العلماء، فالإمام البخاري مال في هذه المسألة إلى قول الحنفية والمالكية كما سبق، انتهى من هامش "اللامع".
(٥٥ - باب صفوف الصبيان مع الرجال. . .) إلخ
ويشكل التكرار بما سيأتي من "باب صلاة الصبيان. . ." إلخ، بسط الكلام عليه في هامش "اللامع"، وفيه: قال الحافظ: قوله: "باب صلاة الصبيان. . ." إلخ، أورد فيه حديث ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ على القبر، قال ابن رُشيد: أفاد بالترجمة الأولى بيان كيفية وقوف الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم لقوله في الحديث الذي ساقه فيها: "وأنا فيهم"، وأفاد بهذه الترجمة مشروعية صلاة الصبيان على الجنائز وهو وإن كان الأول دل عليه ضمنًا، لكن أراد التنصيص عليه، وأخّر هذه الترجمة عن فضل اتباع الجنائز ليبين أن الصبيان داخلون في قوله: "من تبع جنازة"، والله أعلم، انتهى. وهكذا قال العيني (٢)، وتبعهما القسطلاني في ذلك.
وما يظهر لهذا العبد الضعيف إن كان صوابًا فمن الله وفضله، وإن
стр. 1140
كان خطأ فمني ومن شيطان، والإمام البخاري منه بريء، وهو: أن مقصود الإمام البخاري بالترجمة الأولى هو الذي اختارته الشرَّاح، نبَّه الإمام بها على أن الصبيان لا يحتاجون إلى صف مستقل في الصلاة على الجنازة بخلاف الصلاة المكتوبة؛ لقلة حضورهم في الجنائز بخلاف المكتوبات، وأما الغرض من الترجمة الثانية فهو أن الثابت في الحديث صلاة الصبيان مع الرجال، فلا تكفي صلاتهم بدون الرجال لإسقاط فرض الكفاية.
والمسألة خلافية كما بحثها ابن عابدين، وحكى عن المحقق ابن أمير حاج: أن سقوطها بفعل الصبي المميز هو الأصح عند الشافعية، قال: ولا يحضرني هذا منقولًا فيما وقفت عليه من كتبنا، وظاهر أصول المذهب عدم السقوط، قال ابن عابدين (١): حاصله أنها لا تسقط عن البالغين بفعله، وإن صلاته وإن صحت لنفسه لا تقع فرضًا، وعليه فلو صلى وحده لا يسقط الفرض عنهم، انتهى.
وفي "الروض" من فروع الحنابلة: وتسقط بمكلف وتسن جماعة، انتهى.
والظاهر عندي أن البخاري مال في هذه المسألة إلى قول أحمد، وإليه أشار بالترجمة حيث قال: صلاة الصبيان مع الرجال، وعلى هذا فالفرق بين الترجمتين واضح، انتهى من هامش "اللامع".
(٥٦ - باب سُنَّة الصلاة على الجنازة)
وما يظهر من الشروح أنهم اختلفوا في غرض الترجمة على قولين:
الأول: ما قال الحافظ: قال ابن المنيِّر (٢): المراد بالسُّنَّة ما شرعه النبي ﷺ فيها، يعني: فهو أعم من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره
стр. 1141
هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات والشرائط والأركان، وليست مجرد دعاء، فلا تجزئ بغير طهارة مثلًا، انتهى.
والثاني: ما في هامش "الهندية" عن الكرماني (١): غرض البخاري بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة وكونها مشروعة وإن لم تكن ذات الركوع والسجود، فاستدل عليه تارة بإطلاق اسم الصلاة والأمر بها وتارة بإثبات ما هو من خصائص الصلاة نحو عدم التكلم فيها وكونها مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وعدم صحتها إلا بالطهارة وعدم أدائها عند الوقت المكروه وبرفع اليد وإثبات الأحقية بالإمامة وبوجوب طلب الماء له وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ﴾ [التوبة: ٨٤]، فإنه أطلق الصلاة عليه وبكونها ذات صفوف وإمام، انتهى.
قال محشيه المحدث مولانا أحمد على السهارنفوري: وبه يطابق الترجمة كل ما في هذا الباب، انتهى.
(٥٧ - باب فضل اتباع الجنائز. . .) إلخ
قد تقدم في مبدأ الجنائز: "باب الأمر باتباع الجنائز" ولا تكرار، لاختلاف الأغراض كما تقدم هناك. أما عند الشرَّاح فلما تقدم عن الحافظ (٢): أن الغرض من الباب الأول إثبات المشروعية وههنا إثبات الفضل.
وأما عندي فهو أن الغرض من الأول الاهتمام والإسراع في تجهيز الميت والسعي لأجله، وأما ههنا فالمراد بالاتباع، هو المعنى المتبادر، أي: الاتباع إلى القبر، وهل الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسلك الحنفية من أن المشي خلفها أفضل؟ محتمل، لكن يشكل عليه ما تقدم في "باب السرعة بالجنازة" من أثر أنس كما تقدم الكلام عليه هناك، ويحتمل أن يكون المراد من ذكر أثر أنس الإسراع فقط، ويحتمل أيضًا أن يكون المراد
стр. 1142
من الاتباع ههنا المشي إلى القبر بدون الملاحظة إلى كيفية المشي من التقدم أو الخلفية.
قال الحافظ (١): قال ابن رُشيد: مقصود الباب بيان القدر الذي يحصل به مسمى الاتباع الذي يجوز به القيراط، إذ في الحديث الذي أورده إجمال، ولذلك صدَّره بقول زيد بن ثابت، وآثر الحديث المذكور على الذي بعده وإن كان أوضح منه في مقصوده كعادته المألوفة في الترجمة على اللفظ المشكل ليبين مجمله. . . إلى آخر ما ذكره الحافظ من الكلام على الترجمة.
ومسألة المشي خلف الجنازة أو أمامها كما أشير إليه آنفًا خلافية شهيرة، ففي "الأوجز" (٢) عن "التعليق الممجد": اختلفوا فيه بعد الاتفاق على جواز المشي أمامها وخلفها وشمالها وجنوبها اختلافًا في الأولوية على أربعة مذاهب:
الأول: التخيير من دون أفضلية مشي على مشي، وهو قول الثوري، وإليه ميل البخاري، ذكره الحافظ.
الثاني: أن المشي أمامها أفضل للماشي وخلفها للراكب، وهو مذهب أحمد.
الثالث: مذهب الشافعي ومالك: أن المشي أمامها أفضل.
الرابع: مذهب أبي حنيفة والأوزاعي: أن المشي خلفها أفضل، انتهى.
قلت: التفريق بين الماشي والراكب هو المذهب لمالك كما صرَّح به في "الشرح الكبير"، والمرجح عند الشافعية التقدم مطلقًا ماشيًا كان أو راكبًا.
وههنا مذهب خامس ذكره الحافظ عن النخعي: إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا خلفها.
стр. 1143
والسادس: مذهب ابن حزم: الراكب: خلف الجنازة، والماشي حيث شاء.
قوله: (وقال حميد بن هلال. . .) إلخ، يعني: ما تعارف من أنهم لا يرجعون إلا بعد الاستئذان من بعض أهل الميت لا أصل له، وإنما الثابت: أن من صلى. . . إلخ، كذا في "تراجم شيخ المشايخ"، وبسط العلامة العيني (١) في تعيين القائلين به كما في هامش "اللامع".
قال الحافظ (٢): والذي عليه معظم أئمة الفتوى قول حميد بن هلال، وحكي عن مالك أنه لا ينصرف حتى يستأذن، انتهى.
(٥٨ - باب من انتظر حتى يدفن)
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: لم يذكر المصنف جواب "من"، إما استغناء بما ذكر في الخبر أو توقفًا على إثبات الاستحقاق بمجرد الانتظار إن خلا عن اتباع، قال: وعدل عن لفظ الشهود كما هو في الخبر إلى لفظ الانتظار لينبه على أن المقصود من الشهود إنما هو معاضدة أهل الميت والتصدي لمعونتهم، انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه اختار لفظ الانتظار لكونه أعم من المشاهدة، فهو أكثر فائدة، وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الانتظار ليفسر اللفظ الوارد بالمشاهدة، ولفظ الانتظار وقع في رواية معمر عند مسلم.
وقوله في الحديث: "حتى تدفن" ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو الأصح عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكل ذلك، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 1144
(٥٩ - باب صلاة الصبيان مع الناس. . .) إلخ
تقدم الكلام عليه في "باب صفوف الصبيان".
(٦٠ - باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد)
قال الحافظ (١): قال ابن رُشيد: لم يتعرض المصنف لكون الميت بالمصلى أو لا؛ لأن المصلَّى عليه كان غائبًا، وألحق حكم المصلَّى بالمسجد بدليل ما تقدم في "العيدين" وفي "الحيض" بلفظ: "يعتزل الحيض المصلَّى"، فدل على أن للمصلَّى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه. ثم قال الحافظ تحت حديث ابن عمر المذكور في الباب: حكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلَّى الجنائز بالمدينة كان لاصقًا بمسجد النبي ﷺ من ناحية جهة المشرق، انتهى.
فإن ثبت ما قال وإلا فيحتمل أن يكودن المراد بالمسجد هنا المصلَّى المتخذ للعيدين والاستسقاء؛ لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم، وسيأتي في قصة ماعز: "فرجمناه بالمصلَّى"، ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكالن معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض أو لبيالن الجواز، والله أعلم، انتهى.
وقال العيني (٢): مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يتأتى إلا إذا قلنا: إن "عند" في قوله: "عند المسجد" بمعنى: في، أو نقول: إن ترجمة الباب يحتمل وجهين: أحدهما: الإثبات، والآخر: النفي، ولعل غرض البخاري النفي بأن لا يصلَّى عليها في المسجد بدليل تعيين رسول الله موضع الجنازة عند المسجد، ولو جاز فيه لما عيَّنه في خارجه، وبهذا يدفع كلام ابن بطال، ليس في حديث ابن عمر دليل على الصلاة في المسجد، إنما الدليل في
стр. 1145
حديث عائشة: "صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد"، قلت: لو كان إسناده على شرطه لأخرجه في "صحيحه"، انتهى.
وفي حاشية السندي ما حاصله (١): موافقة الحديثين بالترجمة من حيث إن المطلوب في الترجمة بيان حكم الصلاة في المصلى والمسجد، وقد علم بالحديثين أن الحكم هو الأولوية خارج المسجد، ففي المسجد إذا ثبت فهو خلاف الأولى، انتهى.
قلت: ومسألة صلاة الجنازة بالمسجد خلافية؛ لا تجوز عند الحنفية والمالكية، وتجوز عند الشافعية والحنابلة، قال القسطلاني (٢): لو كان الميت خارج المسجد والمصلون فيه جاز بالإجماع، انتهى.
(٦١ - باب ما يكره من اتخاذ المسجد على القبور)
قال الحافظ (٣): ترجم بعد ثمانية أبواب: "باب بناء المسجد على القبر" قال ابن رُشيد: الاتخاذ أعم من البناء فلذلك أفرده بالترجمة، ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أم لا. وقال ابن المنيِّر (٤): كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور بحيث لولا تجدد القبر ما اتخذ المسجد، وبالترجمة الثانية بناء المسجد في المقبرة على حدته لئلا يحتاج إلى الصلاة فيُوجد مكانٌ يصلى فيه سوى المقبرة، فلذلك نحا به منحى الجواز، قال الحافظ: والمنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا، وأما إذا أمن ذلك فلا امتناع، وقد يقول بالمنع مطلقًا من يرى سدّ الذريعة، وهو هنا متجه قوي، انتهى.
وتعقب العيني على ما قال ابن رُشيد، إذ قال (٥): لا نسلم أن لفظها
стр. 1146
يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، ودعوى العموم بين الاتخاذ والبناء غير صحيحة، انتهى.
قوله: (القبة) قال الحافظ (١): أي: الخيمة، ومناسبة هذا الأثر أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة، انتهى.
قال القسطلاني (٢): وإذا أنكر الصائح بناء زائلًا، وهو الخيمة، فالبناء الثابت أجدر، لكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم؛ لأن مسالك الأحكام الكتاب والسُّنَّة والقياس والإجماع، ولا وحي بعده ﵊، وإنما هذا وأمثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها، واستنباطها من مظانها، انتهى.
قال الحافظ عن ابن المنيِّر (٣): وكأن الصائحين من الملائكة أو من مؤمني الجن، وإنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية [لا] لأنه دليل برأسه، انتهى.
(٦٢ - باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها)
قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر وغيره: المقصود بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة، انتهى.
قلت: هذا هو الظاهر، فلا يرد حينئذ تكرار الترجمة بما تقدم في "كتاب الحيض" من "باب الصلاة على النفساء أو سُنَّتها"؛ فإن الغرض هناك إثبات الصلاة عليها دفعًا لما يتوهم من نجاستها الحكمية فافترقا.
стр. 1147
(٦٣ - باب أين يقوم من المرأة والرجل ؟)
تقدم هذه المسألة أيضًا في "كتاب الحيض"، إذ ترجم "باب الصلاة على النفساء وسُنَّتها"، فإن قوله: "وسنتها" إشارة إلى هذه المسألة، أي: محل قيام الإمام، وكتبت هناك بأنه يمكن التفصي عن هذا التكرار بأن يقال: إن الإمام البخاري أراد ههنا التنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين النفساء وغيرها، وأما الآتي في "كتاب الجنائز" فهو في محله لبيان مسألة محل قيام الإمام على جنائز الرجال والنساء، وتقدم اختلاف الأئمة في مسألة الباب هناك.
قال الحافظ (١): أورد فيه حديث سمرة، وفيه مشروعية الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر، وأما كونها امرأة فيحتمل أن يكون معتبرًا، فإن القيام عليها عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها بخلاف الرجل، ويحتمل أن لا يكون معتبرًا وأن ذلك كان قبل اتخاذ النعش للنساء، فأما بعد اتخاذها فقد حصل الستر المطلوب، ولهذا أورد المصنف الترجمة مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك: أنه صلَّى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها، فقيل له: أهكذا كان رسول الله ﷺ يفعل؟ قال: نعم، انتهى.
قال العلامة العيني (٢): فإن قلت: ليس في حديث الباب بيان موضع قيام الرجل، قلت: قال الكرماني: للإشعار بأنه لم يجد حديثًا بشرطه في ذلك، وإما لقياس الرجل على المرأة، إذ لم يقل أحد بالفرق بينهما، وتعقب عليه العيني، إذ قال: من أين علم بأنه لم يقل بالفرق بينهما أحد، وكذا تعقب العيني كلام الحافظ، وبسطه بما لا طائل تحته.
стр. 1148
(٦٤ - باب التكبير على الجنازة أربعًا)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: أشار بهذه الترجمة إلى أن التكبير لا يزيد على أربع، ولذلك لم يذكر ترجمة أخرى ولا خبرًا في الباب، قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أُخر ثم ذكرها، انتهى.
قلت: كان فيه الخلاف سلفًا، والجمهور منهم الأئمة الأربعة على الأربع، كما جزم به البخاري.
(٦٥ - باب قراءة فاتحة الكتاب. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أي: مشروعيتها، وهي من المسائل المختلف فيها، روي مشروعيتها عن بعض الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد، ونقل عن أبي هريرة وابن عمر ليس فيها قراءة وهو قول مالك والكوفيين.
وقوله: (يقرأ على الطفل)، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): كان بيانًا للجواز أو منسوخًا فلا يلزم استحبابها، ومعنى قوله: "سُنَّة" أنها ثابتة بفعل النبي ﷺ ، انتهى. وبسط في هامشه: الكلام على المسألة، فارجع إليه لو شئت.
وقال السندي (٤): يتبادر منه أنها من سنن صلاة الجنازة لا من واجباتها ولو سلّم فلا دلالة له على وجوبها في صلاة الجنازة كما لا يخفى، وقولهم: إن قول الصحابي: "من السُّنَّة كذا" في حكم الرفع، لا يدل على أن قوله "الفعل الفلاني سُنَّة" كذلك، ولو سلّم فغايته أنه رفع للفعل إلى النبي ﷺ بمعنى أنه فعله، ولا يلزم من مجرد فعله الوجوب، فهذا الحديث لا يفيد الوجوب، نعم هو يرد قول من يقول بكراهة فاتحة الكتاب في صلاة
стр. 1149
الجنازة، ولعل من يقول بالوجوب يأخذه من عموم "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب". والله تعالى أعلم.
قلت: قراءة الفاتحة من الأركان عند الشافعية والحنابلة، وأركان صلاة الجنازة عندهما سبعة كما في "الأوجز" (١) عن "نيل المآرب" في فقه الحنابلة و"شرح الإقناع" في فقه الشافعية.
(٦٦ - باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن)
قال الحافظ (٢): وهذا أيضًا من المسائل المختلف فيها، قال ابن المنذر: وبمشروعيته قال الجمهور، ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة، وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة، ودلائل الفريقين في "الأوجز" (٣)، وفيه: قال الأبي في "الإكمال": مشهور قول مالك المنع، والشاذ جوازها فيمن دفن بغير صلاة، انتهى.
قال الزرقاني (٤): وأجابوا عن الحديث بأن ذلك من خصائصه ﷺ ، والدليل على الخصوصية ما زاده مسلم وابن حبان في حديث أبي هريرة: "فصلى على القبر ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم"، إلى آخر ما فيه.
(٦٧ - باب الميت يسمع خفق النعال)
قال الحافظ (٥): قال ابن المنيِّر: جرد المصنف ما ضمنه هذه الترجمة ليجعله أول آداب الدفن من إلزام الوقار واجتناب اللغط وقرع الأرض بشدة الوطء عليها كما يلزم ذلك مع الحي النائم، وترجم بالخفق ولفظ المتن
стр. 1150
بالقرع إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه عند أحمد وأبي داود في حديث طويل فيه: "وإنه ليسمع خفق نعالهم"، انتهى.
قلت: وسيأتي في "اللباس" في "باب النعال السبتية" استدلال الطحاوي بهذا الحديث على جواز لبس النعال في المقابر.
وقال الحافظ: قال أحمد: يكره لبس النعال السبتية في المقابر لحديث بشير بن الخصاصية كما سيأتي في "كتاب اللباس" فارجع إليه، ثم مسألة سماع الموتى خلافية شهيرة بين الصحابة ومن بعدهم، فأثبته ابن عمر وغيره من الصحابة ومن تبعهم، ونفته عائشة وغيرها ومن تبعهم.
قال ابن عابدين (١): وما ورد في الصحيح من قوله ﷺ لأهل قليب بدر: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فقال عمر: أَتُكَلِّمُ الميت يا رسول الله؟! فقال ﵊: ما أنتم بأسمع منهم"، فأجاب عنه المشايخ بأنه غير ثابت، يعني: من جهة المعنى، وذلك لأن عائشة رَدَّتْهُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وأنه إنما قاله على وجه الموعظة للأحياء، وبأنه مخصوص بأولئك تضعيفًا للحسرة عليهم، وبأنه خصوصية له ﵇ معجزة، لكن يشكل عليه ما في "مسلم" (٢) "إن الميت يسمع قرع نعالهم" إلا أن يخصوا ذلك بأول الوضع في القبر ومقدمة للسؤال جمعًا بينه وبين الآيتين، انتهى.
ومال شيخ مشايخنا الشاه عبد العزيز في "فتاواه" إلى ثبوت سماع الميت وشعوره وإدراكه، وبسط الكلام على ذلك في عدة أسئلة وأجوبة، انتهى من هامش "اللامع".
وفي "الفيض" (٣): اعلم أن مسألة كلام الميت وسماعه واحدة، وأنكرها حنفية العصر، وفي رسالة غير مطبوعة لعلي القاري: إن أحدًا من أئمتنا لم يذهب إلى إنكارها، وإنما استنبطوها من مسألة في "باب الأيمان"
стр. 1151
وهي حلف رجل أن لا يكلم فلانًا فكلمه بعد ما دفن لا يحنث، قال القاري: ولا دليل فيها على ما قالوا؛ فإن مبنى الأيمان على العرف، وهم لا يسمونه كلامًا، وأنكره الشيخ ابن الهمام ﵀ أيضًا في "الفتح" (١)، ثم أورد على نفسه أن السماع إذا لم يثبت فما معنى السلام على القبر؟ وأجاب عنه أنهم يسمعون في هذا الوقت فقط، ولا دليل فيه على العموم، ثم عاد قائلًا: إنه ثبت منهم سماع قرع النعال أيضًا، فأجاب عنه بمثله، أقول: والأحاديث في سمع الأموات قد بلغت مبلغ التواتر. . . إلى آخر ما بسط فيه.
(٦٨ - باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها)
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: المراد بقوله: "أو نحوها" بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين وكذلك ما يمكن من مدافن الأنبياء وقبور الشهداء والأولياء تيمنًا بالجوار وتعرضًا للرحمة النازلة عليهم اقتداء بموسى ﵇، وهذا بناءً على أن المطلوب القرب من الأنبياء الذين دفنوا ببيت المقدس، وهو الذي رجحه عياض، وقال المهلب: إنما طلب ذلك ليقرب عليه المشي إلى المحشر وتسقط عنه المشقة الحاصلة لمن بعد عنه، انتهى.
وبنحو ذلك قال العيني (٣)، وتبعهما القسطلاني.
وفي "تراجم شيخ مشايخنا" (٤): غرضه أن نقل الميت من موضع إلى موضع لا يجوز مطلقًا إلا إذا قصد الدفن في أرض من الأراضي المقدسة، وعند الحنفية يجوز مطلقًا.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى دفع ما يتوهم من قول سلمان ﵁: إن الأرض لا تقدس أحدًا، أخرجه مالك (٥) في
стр. 1152
"الموطأ" أن لا فرق بين الدفن في الأرض المقدسة وغيرها، فدفعه المصنف بهذه الترجمة، انتهى.
قوله: "فلما جاءه صكه. . ." إلخ، هذا مشكل جدًا، والمشهور في الجواب أنه ﵇ لم يعرفه.
والأوجه عندي: أن ذلك لانتظار فتح بيت المقدس وما كان ذلك منه كراهة لموته، انتهى من "تراجم شيخ المشايخ" الدهلوي.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١) ما حاصله: يحتمل أنه لم يعرفه، ويمكن أنه عرفه، لكنه لما دخل بدون الاستئذان وقد جرت سُنَّة الله تعالى بأنبيائه أنهم لا يقبضون إلا بعد إذن منهم، فلما لم يستأذن الملك عد ذلك مخالفةً للقاعدة وإساءة للأدب، انتهى.
وبسط الكلام على ذلك في هامش "اللامع" من كلام الشرَّاح.
(٦٩ - باب الدفن بالليل. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من منع ذلك محتجًا بحديث جابر: "أن النبي ﷺ زجر أن يقبر الرجل ليلًا إلا أن يضطر إلى ذلك"، أخرجه ابن حبان، لكن بيَّن مسلم في روايته السبب في ذلك، ولفظه: "أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض وكُفن في كفن غير طائل وقبر ليلًا، فزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، فدل على أن النهي بسبب تحصيل الكفن، وقوله: "حتى يصلي عليه" مضبوط بكسر اللام، أي: النبي ﷺ ، فهذا سبب آخر يقتضي أنه إن رجا بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره وإلا فلا، وبه جزم الطحاوي، واستدل المصنف بالجواز بما ذكره من حديث ابن عباس:
стр. 1153
"ولم ينكر النبي ﷺ دفنهم إياه بالليل"، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وأيَّد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز، إلى آخر ما قال الحافظ، وقال أيضًا: وصح أن عليًّا دفن فاطمة ليلًا - كما سيأتي - في مكانه، انتهى.
(٧٠ - باب بناء المسجد على القبر)
تقدم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب في "باب ما يكره من اتخاذ المسجد".
(٧١ - باب من يدخل قبر المرأة)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): أثبت بذلك جواز دخول الأجنبي الغير المحرم إذا كان صالحًا، انتهى.
قال القسطلاني (٢) تحت حديث الباب: فيه أنه لا ينزل الميت في قبره إلا الرجال متى وجدوا، وإن كان الميت امرأة، بخلاف النساء بضعفهن عن ذلك غالبًا، ولأنه معلوم أنه كان لبنت النبي ﷺ محارم من النساء كفاطمة وغيرها، نعم يندب لهن كما في "شرح المهذب" أن يلين حمل المرأة من مغتسلها إلى النعش، وتسليمها إلى من في القبر وحل ثيابها فيه، وقد كان عثمان أولى بذلك من أبي طلحة؛ لأن الزوج أحق من غيره بمواراة زوجته، وإن خالط غيرها من أهله تلك الليلة، وإن لم يكن له حق في الصلاة؛ لأن منظوره أكثر، لكن عثمان ﵁ قارف تلك الليلة، فباشر جارية له، وبنت رسول الله ﷺ محتضرة، فلم يعجبه ﷺ كونه شغل عن المحتضرة بذلك لصيانة جلالة محل ابنته ﷺ ورضي عنها، قال ابن المنيِّر: ففيه خصوصية، انتهى.
وفي هامش "اللامع": قال صاحب "المراقي" (٣): وذو الرحم المحرم
стр. 1154
أولى بإدخال المرأة، ثم ذو الرحم غير المحرم، ثم المحرم ثم الصالح من مشايخ جيرانها، ثم الشبان الصلحاء، ولا يدخل أحد من النساء القبر ولا يخرجهن إلا الرجال ولو كانوا أجانب؛ لأن مس الأجنبي لها بحائل عند الضرورة جائز في حياتها فكذا بعد موتها، انتهى.
قال الخرقي (١): ويدخلها محرمها، فإن لم يكن فالنساء، فإن لم يكن فالمشايخ، قال ابن قدامة: وروي عن أحمد: أن النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر ولا يدفن، وهذا أصح وأحسن، ثم ذكر في مستدله حديث الباب.
(٧٢ - باب الصلاة على الشهيد)
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: أراد باب حكم الصلاة على الشهيد، ولذلك أورد فيه الحديث جابر الدال على نفيها، وحديث عقبة الدال على إثباتها، قال: ويحتمل أن يكون المراد باب مشروعية الصلاة على الشهيد في قبره لا قبل دفنه عملًا بظاهر الحديثين، قال: والمراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار، انتهى.
ثم قال الحافظ: والخلاف في الصلاة على قتيل المعركة مشهور، قال الترمذي: قال بعضهم: يصلى على الشهيد، وهو قول الكوفيين وإسحاق، وقال بعضهم: لا يصلى عليه، وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد، وفي "الأوجز" (٣): وعن أحمد في ذلك روايتان، قال الموفق: الصحيح أنه لا يصلى عليه، وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: يصلى عليه، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، انتهى.
قال الحافظ (٤): قال الماوردي عن أحمد: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ، انتهى.
стр. 1155
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): إنما عقد المؤلف الباب للإشارة إلى أن الدلائل في حديث الباب متعارضة، فمن مثبت، ومن ناف، ومن دأبه الإشارة إلى تعارض أدلة المسألة أيضًا، وعقد الباب لمجرد ذلك، انتهى.
قلت: هذا أصل مطرد من أصول التراجم وهو الأصل الخامس والثلاثون.
قوله: (في ثوب واحد) لم يتعرض الحافظ ولا غيره من الشرَّاح، وبسط السندي (٢) في توجهيه ونقل عن "شرح المصابيح": أن المراد بثوب واحد في قبر واحد، إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتهما، ثم تعقب عليه السندي بأنه يرده ما رواه الترمذي عن أنس وفيه: "فكثر القتلى وقلّت الثياب فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد"، بل يرده نفس هذا الحديث فإن ما ذكره لا يناسبه قوله، ثم يقول: "أيهم أكثر قرآنًا. . ." إلخ، بقي أنه ما معنى ذلك، والشهيد يدفن في ثيابه التي عليه، فكأن هذا فيمن قطع ثوبه ولم يبق على بدنه، أو بقي منه قليل لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شيء من الثوب السابق لا إشكال لكونه فاصلًا عن ملاقاة بشرتيهما، واعتذر بعضهم عنه بالضرورة، وقيل: جمعهما في ثوب واحد، هو أن يقطع الثوب الواحد بينهما، انتهى.
(٧٣ - باب دفن الرجلين أو الثلاثة في قبر واحد. . .) إلخ
ليس في حديث الباب لفظ: الثلاثة، وإنما ذكره على عادته بالإشارة إلى ما ورد من لفظ الثلاثة عند الترمذي وغيره، ولكنه لما لم يكن على شرطه لم يورده، قاله العيني (٣).
وزاد الحافظ عن ابن رُشيد: وإما بالاكتفاء بالقياس، قال الحافظ (٤):
стр. 1156
والظاهر أن المصنف أشار إلى رواية الترمذي وغيره بلفظ الثلاثة، وأما القياس ففيه نظر؛ لأنه لو أراده لم يقتصر على الثلاثة بل كان يقول مثلًا: دفن الرجلين فأكثر، ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر، وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه، وكأنه كان يجعل بينهما حائلًا من تراب، ولا سيما إن كانا أجنبيين، والله أعلم، انتهى.
(٧٤ - باب من لم ير غسل الشهداء)
قال القسطلاني (١): أي: ولو كان الشهيد جنبًا، أو حائضًا أو نفساء، واستدل المصنف بعموم حديث الباب على أن الشهيد لا يغسل، حتى ولا الجنب، والحائض، وهو الأصح عند الشافعية، زاد الحافظ: وقيل (٢): يغسل للجنابة لا بنيَّة غسل الميت لقصة حنظلة المشهورة رواها ابن إسحاق وغيره، وأجيب بأنه لو كان واجبًا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة، وقال الحسن البصري وسعيد بن المسيب في ما رواه ابن أبي شيبة: يغسل الشهيد، انتهى.
قلت: فالترجمة رد على قولهما، وفي "الأوجز" (٣): قال الموفق: الشهيد إذا مات في المعترك لا يغسل رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الحسن وابن المسيب إلى أن قال الموفق: فإن كان الشهيد جنبًا غسل، وحكمه في الصلاة حكم غيره من الشهداء، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا يغسل لعموم الخبر، وعن الشافعي كالمذهبين، ولنا ما روي من قصة حنظلة، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"، وفيه عن "الهداية": وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة،
стр. 1157
وقالا: لا يغسل (١)، انتهى.
(٧٥ - باب من يقدم في اللحد. . .) إلخ
أي: إذا كانوا أكثر من واحد، وقد دل حديث الباب على تقديم من كان أكثر قرآنًا من صاحبه، وهذا نظير تقديمه في الإمامة، انتهى من "الفتح" (٢).
(٧٦ - باب الإذخر والحشيش في القبر)
والإذخر بكسر الهمزة وكسر الخاء المعجمة، وفي آخره راء، وهو نبت معلوم طيب الرائحة، انتهى من العيني (٣) والقسطلاني، وهكذا ضبطه صاحب "مجمع البحار" وفيه: هو نبت عريض الأوراق يحرقه الحداد بدل الحطب والفحم، انتهى.
قال الحافظ (٤): وترجم ابن المنذر على هذا الحديث طرح الإذخر في القبر وبسطه فيه، انتهى.
وفي هامش "اللامع": لا يذهب عليك أن الإمام البخاري ترجم على الحديث باب الإذخر والحشيش، ولم يذكر في الحديث إلا الإذخر فقط.
قال الحافظ: أراد المصنف بذكر الحشيش التنبيه على إلحاقه بالإذخر، وأن المراد باستعمال الإذخر البسط ونحوه، لا التطيب، وقال القسطلاني (٥): قوله: "والحشيش" إلحاقًا له بالإذخر في الفرج التي تتخلل بين اللبنات في القبر واستعماله فيه بالبسط ونحوه لا التطيب، انتهى.
ولا يبعد عندي: أن المؤلف نبّه بذكر الحشيش في الترجمة على أن
стр. 1158
إلقاء الإذخر في القبور ليس بخصوصية الإذخر، بل المقصود إلقاء الحشيش أيما كان، وخصص الإذخر بالذكر - أي: في الحديث - لكثرة وجوده في الحجاز، قال ابن عابدين في بحث الكفن (١): لا يكفي عند الضرورة أيضًا، بل يجب ستر باقيه بنحو حشيش كالإذخر، انتهى.
(٧٧ - باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة ؟)
قال القسطلاني (٢): قوله: "لعلة" كأن دفن بلا غسل، أو في كفن مغصوب، أو لحقه بعد الدفن سيل، انتهى.
وقال الحافظ (٣): قوله: "لعلة" أي: لسبب، أشار بذلك إلى الرد على من منع الإخراج مطلقًا أو لسبب دون سبب، كمن خص الجواز بما لو دفن بغير غسل أو بغير صلاة، فإن في حديث جابر الأول دلالة على الجواز إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق به من زيادة البركة له، وعليه يتنزل قوله في الترجمة "القبر"، وفي حديث جابر الثاني دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي؛ لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد بيَّن ذلك جابر بقوله: "فلم تطب نفسي"، وعليه يتنزل قوله: "واللحد"؛ لأن والد جابر كان في لحد، وإنما أورد المصنف بلفظ الاستفهام؛ لأن قصة عبد الله بن أُبي قابلة للتخصيص، وقصة والد جابر ليس فيها تصريح بالرفع، قاله ابن المنيِّر، انتهى.
(٧٨ - باب اللحد والشق في القبر)
قال العيني (٤): أي: هذا باب في بيان اللحد والشق الكائنين في القبر، فإن قلت: ليس للشق ذكر في حديث الباب، قلت: قوله: "قدمه في
стр. 1159
اللحد" يدل على الشق، لأن في تقديم أحد الميتين تأخير الآخر غالبًا في الشق لمشقة تسوية اللحد لمكان اثنين، وتقديم ذكر اللحد يدل على مزية فضله، دل عليه قوله ﵊: "اللحد لنا والشق لغيرنا" رواه أبو داود (١)، انتهى.
قال الحافظ (٢): وليس في الحديث للشق ذكر، ثم ذكر الحافظ في توجيهه عن ابن رُشيد ما تقدم من كلام العيني وزاد: ويحتمل أن يكون ذكر الشق في الترجمة لينبه على أن اللحد أفضل منه؛ لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة، فلولا مزيد فضيلة فيه ما عانوه، انتهى.
(٧٩ - باب إذا أسلم الصبي فمات. . .) إلخ
قال السندي: يريد أن إسلام الصبي صحيح أم لا؟ وذكر من الأحاديث ما يدل على أنه اختار أنه صحيح، انتهى.
وقال العيني (٣): أي: هذا باب يذكر فيه إذا أسلم الصبي فمات قبل البلوغ، هل يصلى عليه أم لا؟ هذه ترجمة، وقوله: "وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ " ترجمة الأخرى، أما الترجمة الأولى ففيها خلاف، ولذلك لم يذكر جواب الاستفهام، ولا خلاف أنه يصلى على الصغير المولود في الإسلام؛ لأنه كان على دين أبويه، قال ابن القاسم: إذا أسلم الصغير وقد عقل الإسلام فله حكم المسلمين في الصلاة عليه.
واختلفوا في حكم الصبي إذا أسلم أحد أبويه على ثلاثة أقوال:
أحدها: يتبع أيهما أسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن وهب، ويصلى عليه إن مات على هذا.
стр. 1160
والثاني: يتبع أباه ولا يعد بإسلام أمه مسلمًا، وهذا قول مالك في "المدونة".
والثالث: تبع لأمه وإن أسلم أبوه، وهذه مقالة شاذة ليست في مذهب مالك.
وفي "شرح الهداية" (١): إذا سُبِي صبي معه أحد أبويه فمات لم يصل عليه حتى يقر بالإسلام وهو يعقل، أو يسلم أحد أبويه خلافًا لمالك في إسلام الأم، والشافعي في إسلامه، والولد يتبع خير الأبوين دينًا، وللتبعية مراتب أقواها تبعية الأبوين، ثم الدار ثم اليد.
وفي "المغني": لا يصلى على أولاد المشركين إلا أن يسلم أحد أبويهم. . . إلى آخر ما في "المغني".
وأما الترجمة الثانية فإنه ذكرها ههنا بلفظ الاستفهام، وترجم في "كتاب الجهاد" بصيغة تدل على الجزم بذلك، فقال: كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ وذكر فيه قصة ابن صياد، وفيه: وقد قارب ابن صياد يحتلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ ظهره بيده، ثم قال النبي ﷺ : "أتشهد أني رسول الله؟ " الحديث، وفيه عرض الإسلام على الصغير، واحتج به قوم على صحة إسلام الصبي إن قارب الاحتلام، وهو مقصود البخاري عن تبويبه بقوله: "وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ " وجوابه: يعرض، وبه قال أبو حنيفة ومالك، خلافًا للشافعي، انتهى ما قاله العيني (٢).
وقال الحافظ (٣) في الجزء الأول من الترجمة: واختلف في الصلاة على الصبي فقال سعيد بن جبير: لا يصلى عليه حتى يبلغ، وقيل: حتى يصلي، وقال الجمهور: يصلى عليه، حتى السقط إذا استهل، انتهى.
وفي "الدر المختار" (٤): لو أسلم الصبي وهو عاقل، أي: ابن سبع
стр. 1161
سنين صلي عليه لصيرورته مسلمًا، قال ابن عابدين: قوله: أي: ابن سبع سنين تفسير للعاقل الذي يصح إسلامه بنفسه، وقيل بأن يعقل المنافع والمضار، وأن الإسلام هُدىً، واتباعه خير له، وقيل بأن يعقل صفة الإسلام وهو ما في الحديث: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الَاخر والقدر خيره وشره". . . إلى آخر ما ذكره.
وقال الحافظ في الجزء الثاني من الترجمة: قوله: "هل يعرض الإسلام. . ." إلخ، بلفظ الاستفهام، وفي "كتاب الجهاد" بصيغة الجزم، وكأنه لما قامت الأدلة ههنا على صحته استغنى بذلك، وأفاد هناك ذكر الكيفية، انتهى.
وفي "الفيض" (١): يعتبر عندنا بإسلام الصبي المميز، ولا يعتبر بارتداده، وعند الشافعية: لا يعتبر بإسلامه أيضًا، وكنت أتحير أنهم ماذا يقولون في إسلام علي ﵁؛ فإنه أسلم صبيًا، ثم رأيت في "السنن الصغرى" للبيهقي وفيه: أن الأحكام قبل الخندق كانت منوطة بالتمييز وبعده نيطت بالبلوغ، وعلي ﵁ فيمن دخل في الإسلام قبل الخندق، فظهر الجواب عنه، ثم إن المسألة فيمن كان أبواه كافرين، أما إذا كان أبواه مسلمين فلا اختلاف فيه، انتهى.
قوله: (ولم يكن مع أبيه. . .) إلخ، قال الحافظ (٢): هذا قاله المصنف تفقهًا، وهو مبني على أن إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، وقد اختلف في ذلك فقيل: أسلم قبل الهجرة، وأقام بأمر النبي ﷺ له في ذلك لمصلحة المسلمين، روى ذلك ابن سعد من حديث ابن عباس، وفي إسناده الكلبي وهو متروك، ويرده أن العباس أسر ببدر، وقد فدى نفسه كما سيأتي في المغازي واضحًا، ويرده أيضًا أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف، فالمشهور أنه أسلم قبل فتح خيبر، ويدل عليه حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط كما أخرجه أحمد والنسائي. وروى ابن سعد من
стр. 1162
حديث ابن عباس أنه هاجر إلى النبي ﷺ بخيبر، ورده بقصة الحجاج المذكور، والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة، وقدم مع النبي ﷺ فشهد الفتح، والله أعلم، انتهى.
وقوله: (وقال: الإسلام يعلو. . .) إلخ، كذا في جميع نسخ البخاري، قال العيني (١): لم يعين من القائل، وربما يظن أنه هو ابن عباس، وليس كذلك، فإن الدارقطني أخرجه في "سننه" بسند صحيح على شرط الحاكم من حديث عائذ بن عمرو المزني أن النبي ﷺ قال: "الإسلام يعلو ولا يعلى".
وقال الحافظ (٢): ولم يعين القائل، وكنت أظن أنه معطوف على قول ابن عباس فيكون من كلامه، ثم لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير، ورأيته موصولًا مرفوعًا، ثم ذكر ما تقدم من حديث الدارقطني، ثم قال: وبعد التتبع الكثير وجدته كما كنت أظن، ذكره ابن حزم في "المحلى" قال: ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا أسلمت النصرانية أو اليهودية تحت النصراني أو اليهودي يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى" انتهى مختصرًا.
وكتب العلامة السندي (٣) على حديث أبي هريرة: "ما من مولود إلا يولد. . ." إلخ: لا يخفى أن هذا الحديث لا يدل على صحة إيمان الصبي إن آمن ولا على أنه مؤمن من حين ولد، وإلا لما احتيج إلى عرض الإيمان عليه حال صباه، فمطابقته للترجمة لا تخلو عن خفاء فتأمل.
وقال العيني (٤): مطابقته للترجمة من حيث إن المولود بين الأبوين المسلمين أو أحدهما مسلم إذا مات وقد استهل صارخًا يصلى عليه، فالصلاة عليه تدل على أنه محل عرض الإسلام عند تعقله، انتهى.
قلت: لكن فيه ما تقدم عن العلامة السندي.
стр. 1163
(٨٠ - باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله)
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: لم يأت بجواب "إذا" لأنه ﷺ لما قال لعمه: "قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها" كان محتملًا بأن يكون ذلك خاصًا به؛ لأن غيره إذا قالها وقد أيقن بالوفاة لم ينفعه، ويحتمل أن يكون ترك الجواب ليفهم الواقف عليه أنه موضع تفسير وفكر، وهذا هو المعتمد، انتهى.
وفي "الفيض" (٢): ويعتبر إذا قالها قبل النزع، فإن دخل في الغرغرة فهو إيمان اليأس، وهو غير معتبر عند الجمهور، ونسب إلى الشيخ الأكبر أنه اعتبر إيمان فرعون، قال الشعراني: وهذا مدسوس، والشيخ رحمه الله تعالى منه بريء.
قلت: بل هو مختار الشيخ ﵀ وليس بمدسوس، وقد نقل بحر العلوم في "شرح المثنوي" عبارات عديدة للشيخ ﵀ تدل على هذا المعنى، ومراد الشيخ عندي أن قوله بتلك الكلمة اعتبر من حيث كونه إيمانًا لا من حيث كونه توبة، وكتب السيوطي ﵀ رسالة في تأييد الشيخ الأكبر، ورد عليه القاري وسماها: "فر العون من مدعي إيمان فرعون"، وقد شدد في اسمه جدًا، انتهى.
وقال العيني (٣): ولم يذكر جواب "إذا"، لمكان التفصيل فيه، وهو أنه لا يخلو إما أن يكون من أهل الكتاب أو لا يكون، وعلى التقديرين لا يخلو إما أن يقول: لا إله إلا الله في حياته قبل معاينة الموت، أو قالها عند موته، وعلى كلا التقديرين لا ينفعه ذلك عند الموت لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، وينفعه ذلك إذا كان في حياته، ولم يكن من أهل الكتاب حتى يحكم بإسلامه بقوله ﷺ : "أمرت
стр. 1164
أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" الحديث، وإن كان من أهل الكتاب فلا ينفعه حتى يتلفظ بكلمتي الشهادة، واشترط أيضًا أن يتبرأ عن كل دين سوى دين الإسلام، ثم ذكر العيني ما تقدم من احتمال التخصيص، انتهى.
(٨١ - باب الجريد على القبر. . .) إلخ
قال الحافظ (١): أي: وضعها أو غرزها.
قوله: (وأوصى بريدة) وقع في رواية الأكثر "في قبره"، وللمستملي "على قبره"، وقد وصله ابن سعد من طريق مورق العجلي قال: أوصى بريدة أن يوضع في قبره جريدتان، ومات بأدنى خراسان، قال ابن المرابط وغيره: يحتمل أن يكون بريدة أمر أن يغرزا في ظاهر القبر اقتداء بالنبي ﷺ في وضعه الجريدتين في القبرين، ويحتمل أن يكون أمر أن يجعلا في داخل القبر لما في النخلة من البركة لقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، والأول أظهر، ويؤيد إيراد المصنف حديث القبرين في آخر الباب، وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًا بذينك الرجلين، قال ابن رُشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر: "إنما يظله عمله".
قلت: ولعل بريدة أوصى بجريدتين عملًا بما ورد في قصة القبرين من حديث أبي هريرة، فإن القصة رويت من حديث ابن عباس كما في حديث الباب، ومن حديث جابر كما أخرجه مسلم في الحديث الطويل في آخر الكتاب، وبسط الحافظ في تغاير سياق الحديثين بوجوه، ثم قال: فبان تغاير حديث ابن عباس وحديث جابر وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك، وقد روى ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة: أنه ﷺ مر بقبر فوقف عليه، فقال: "ائتوني بجريدتين" فجعل
стр. 1165
إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث أبي رافع عند النسائي فسمع شيئًا في قبر، وفيه: فكسرها اثنين ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه، انتهى مختصرًا.
وبسط العيني (١): أيضًا الكلام على الوجوه الدالة على تعدد هذه القصص، ثم قال: فسقط بهذا كلام من ادعى أن القضية واحدة، كما مال إليه النووي والقرطبي، انتهى.
قلت: والخلاف في أن وضع الجريدة خاص بذينك الرجلين أو مطرد شهير بين العلماء سلفًا وخلفًا كما تقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ من قول ابن رُشيد وغيره، وذكر هذا الاختلاف الشيخ قُدِّس سرُّه في "البذل" (٢)، وذكره في هامش "اللامع" وفيه أيضًا: قال الطحطاوي على المراقي (٣) بعد ذكر كراهة قطع الحشيش والاستدلال عليها بحديث الجريدة: وفي معنى الجريد ما فيه رطوبة من أيّ شجر كان، واستفيد منه أنه ليس لليابس تسبيح، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: شيء حي، وحياة كل شيء بحسبه، إلى آخر ما بسطه، ثم قال في "شرح المشكاة": وقد أفتى الأئمة من متأخري أصحابنا من أن ما اعتيد من وضع الريحان والجريد سُنَّة لهذا الحديث، وإذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أعظم بركة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "وأوصى بريدة. . ." إلخ، ظاهر صنيع المؤلف أنه فرق بين الجريد وغيره، فجوز الأول لورود النص فيه ولم يجعله من الخصوصيات، ولم يجوز غيره من الأشياء، وتأيد ذلك بعمل الصحابي أيضًا، والظاهر عند علمائنا [عدم] الفرق، وفعله ﷺ كان لعلمه بالتخفيف وحيًا، ثم إن بريدة ﵁ فهم أنهما لما كانا سببي التخفيف
стр. 1166
فقربهما بالميت أولى، وبهذا يحمل نسخة "في قبره"، ولعله قصد أن يوضع تحت التراب فوق الأحجار المسطحة على القبر، فعبر عنه البعض بلفظة: "في"، والبعض الآخر بـ "على"، انتهى. وبسط ابن الحاج في "المدخل" الكلام على وضع الجريدة، فارجع إليه لو شئت.
قوله: (ورأى ابن عمر. . .) إلخ، تقدم ما قال ابن رُشيد يظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، ولذلك عقبه بقول ابن عمر: "إنما يظله عمله".
وقوله: (وقال خارجة بن زيد. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١): أورده لمناسبة أن القبر لا تعظيم له، كما هو ظاهر من عدم تظليل الفسطاط عليه، ثم إن هذه العبارة دالة على كثرة ارتفاع قبره مع أنه منهي عنه، والجواب: أن قبره كان على جرف السيل أو كان على مستوى من الأرض فشقه السيل، حتى صار القبر على حافة السيل، فكان يثقل على الواثب أن يثبه لا لارتفاعه في نفسه، بل لما يلزم من الوثوب إلى فوق، فتدبر، انتهى.
وبسط الكلام في هامشه وفيه: قال ابن المنيِّر: أراد البخاري أن الذي ينفع أصحاب القبور هي الأعمال الصالحة، وأن علو البناء والجلوس عليه لا يضر بصورته، وإنما يضر بمعناه إذا تكلم القاعدون عليه بما يضر مثلًا، وقوله: "أخذ بيدي خارجة. . ." إلخ، وصله مسدد في "مسنده الكبير" وبيّن فيه سبب إخبار خارجة لحكيم (٢) بذلك ولفظه: عن عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول: لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي، أحب إليّ من أن أجلس على قبر، قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر فذكرت له ذلك فأخذ بيدي، الحديث، قال ابن رُشيد: الظاهر أن هذا الأثر والذي
стр. 1167
بعده من الباب الذي بعد هذا، وهو "باب موعظة المحدث عند القبر"، وكان بعض الرواة كتبه في غير موضعه، قال: وقد يتكلف له طريق يكون به من الباب، وهي الإشارة إلى أن ضرب الفسطاط إن كان لغرض صحيح كالتستر من الشمس مثلًا للحي لا لإظلال الميت فقط [جاز]، وكأنه يقول: إذا كان على القبر لغرض صحيح لا لقصد المباهاة جاز، كما يجوز القعود عليه لغرض صحيح لا لمن أحدث عليه، قال: والظاهر أن المراد بالحديث ههنا التغوط، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك من إحداث ما لا يليق من الفحش قولًا وفعلًا لتأذي الميت بذلك، انتهى.
قال الحافظ (١): ويمكن أن يقال: هذه الآثار المذكورة في هذا الباب يحتاج إلى بيان مناسبتها للترجمة، وإلى مناسبة بعضها لبعض، وذلك أنه لم يذكر حكم وضع الجريدة، وذكر أثر بريدة وهو يؤذن بمشروعيتها، ثم أثر ابن عمر المشعر بأنه لا تأتير لما يوضع على القبر، بل التأثير للعمل الصالح، وظاهرهما التعارض، فلذلك أبهم حكم وضع الجريدة، قاله ابن المنيِّر. والذي يظهر من تصرفه ترجيح الوضع. ويجاب عن أثر ابن عمر بأن ضرب الفسطاط على القبر لم يرد فيه ما ينتفع به الميت بخلاف وضع الجريدة؛ لأن مشروعيتها ثبتت بفعله ﷺ ، وإن كان بعض العلماء قال: إنها واقعة عين تحتمل الخصوصية، وأما الآثار الواردة في الجلوس على القبر فإن عموم قول ابن عمر: "إنما يظله عمله" يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بتظليله ولو كان تعظيمًا له لا يتضرر بالجلوس عليه ولو كان تحقيرًا له، والله تعالى أعلم، انتهى.
قال النووي: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث، وهو تأويل ضعيف أو باطل، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢).
стр. 1168
(٨٢ - باب موعظة المحدث عند القبر. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كأنه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود، فإن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لم يكره، ويحمل النهي الوارد عن ذلك على ما يخالف ذلك، انتهى.
قوله: (فقال الرجل يا رسول الله أفلا نتكل. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٢): حاصل السؤال أن المقدور يجعلنا مضطرين إلى ما هو مقدر فنؤول إليه بالآخرة فلا فائدة فيه إذًا. وأجيب بأنهم لا يتيسر لهم عدم العمل إذا كان المقدور هو العمل فلا يمكن تركه، انتهى. وبسط في هامشه الكلام عليه.
(٨٣ - باب ما جاء في قاتل النفس)
قال الحافظ (٣): قال ابن رُشيد: مقصود الترجمة حكم قاتل النفس، والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه، فهو أخص من الترجمة، ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأولى؛ لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فأولى من ظلم غيره بإفاتة نفسه، قال ابن المنيِّر: عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة كأنه ينبِّه على طريق الاجتهاد، وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أن لا يصلى عليه، وهو نفس قول البخاري.
قال الحافظ: لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن سمرة: "أن النبي ﷺ أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه"، وفي رواية للنسائي: "أما أنا فلا أصلي عليه"، لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة، وأورد فيها ما يشبه من قصة قاتل نفسه، انتهى.
стр. 1169
قلت: والعجب من الحافظ أنه عزا حديث جابر بن سمرة المذكور إلى أصحاب السنن وهو موجود في آخر "كتاب الجنائز" من "صحيح مسلم"، قال العيني (١): قال ابن بطال في قوله: "من قتل نفسه بحديدة" أجمع الفقهاء وأهل السُّنَّة على أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك من الإسلام، وأنه يصلى عليه وإثمه عليه، كما قال مالك، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، قال العيني: قال أبو يوسف: لا يصلى على قاتل نفسه، وعند أبي حنيفة ومحمد: يصلى عليه، انتهى.
قال النووي (٢): وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن النبي ﷺ لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلَّت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبي ﷺ الصلاة في أول الأمر على من عليه دينٌ زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال: "صلوا على صاحبكم"، انتهى.
قلت: ويؤيد مذهب الجمهور ما تقدم من رواية النسائي: "أما أنا فلا أصلي".
(٨٤ - باب ما يكره من الصلاة على المنافقين. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع (٣): فمن علم منه الشرك والكفر لم يجز له الاستغفار، ومن لم يعلم منه جاز ذلك، والنبي ﷺ استغفر له مع العلم بنفاقه لعدم نزول النهي الصريح بعد، انتهى.
قال الحافظ (٤): قال الزين ابن المنيِّر: عدل عن قوله: كراهة الصلاة على المنافقين لينبه على [أن] الامتناع من طلب المغفرة لمن لا يستحقها، لا من جهة العبادة الواقعة من صورة الصلاة، فقد تكون العبادة طاعة من وجه معصية من وجه، والله أعلم.
стр. 1170
وقوله: (رواه ابن عمر) كأنه يشير إلى حديثه في قصة الصلاة على عبد الله بن أُبي أيضًا، وقد تقدم في "باب القميص الذي يكف"، انتهى. وسيأتي حديث الباب أيضًا في التفسير.
وقال العيني (١): ليس في حديث الباب ما يدل على النهي عن الاستغفار للمشركين.
قلت: في قوله: "حتى نزلت الآيات" ما يدل على ذلك؛ لأن من جملة الآيات قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وقوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ يدل على منع الاستغفار لهم، انتهى.
قلت: وقول العيني: قوله: "حتى نزلت الآيات" هكذا في نسخته، وأما في نسخة الفتح والقسطلاني وكذا الهندية الآيتان بلفظ التثنية، وقال القسطلاني (٢) تحت حديث الباب: فنهى عن الصلاة لأن المراد منها الدعاء للميت والاستغفار له، وهو ممنوع في حق الكافر، انتهى. وهذا هو الأوجه عندي.
(٨٥ - باب ثناء الناس على الميت)
قال الحافظ (٣): أي: مشروعيته وجوازه مطلقًا بخلاف الحي؛ فإنه منهي عنه إذا أفضى إلى الإطراء خشية عليه من الزهو، أشار إلى ذلك ابن المنيِّر، انتهى.
قلت: ويمكن أن يكون إشارة إلى مندوبيته، وحديث الباب مشعر بجواز كلا الأمرين المدح والذم مع أن لفظ الترجمة يشير إلى ترجيح الثناء، فلعله أشار إلى ما ورد من قوله ﷺ : "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم" أخرجه (٤) أبو داود والترمذي وغيرهما، ولما لم يكن على شرطه أشار إليه.
стр. 1171
(٨٦ - باب ما جاء في عذاب القبر)
قال الحافظ (١): لم يتعرض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلمين، وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين فلم يتقلد الحكم في ذلك، واكتفى بإثبات وجوده، خلافًا لمن نفاه مطلقًا من الخوارج وبعض المعتزلة، وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السُّنَّة وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وذهب بعض المعتزلة كالجبائي إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم.
وقال الحافظ أيضًا: وكأن المصنف قدم ذكر هذه الآية لينبِّه على ثبوت ذكره في القرآن، خلافًا لمن رده، وزعم أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الأحاد.
وقال الحافظ أيضًا: وهل يختص عذاب القبر بهذه الأمة أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأول، وبه جزم الحكم الترمذي وقال: كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبو اعتزلوهم وعجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدًا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب، وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسرَّ الكفر أو لا، فلما ماتوا قيَّض الله لهم فتَّاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال وليميز الخبيث من الطيب، ويثبت الله الذي آمنوا ويضل الله الظالمين، انتهى.
قال الحافظ: ويؤيده حديث زيد بن ثابت مرفوعًا "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" الحديث أخرجه مسلم.
وقال القسطلاني (٢): قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وأجمع عليه أهل السُّنَّة، ولا مانع في العقل أن يعيد الله الحياة في
стр. 1172
جزء من الجسد، أو في جميعه على الخلاف المعروف، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه أو أكلت السباع أو الطيور وحيتان البحر، كما أن الله تعالى يعيده للحشر، وهو قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلق روح الشخص الواحد في آن واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه ليس على سبيل الحلول حتى يمنعه الحلول في جزء من الحلول في غيره. . . إلى آخر ما قال.
ثم قال الحافظ (١): وجه إدخال حديث ابن عمر وما عارضه من حديث عائشة في ترجمة عذاب القبر أنه لما ثبت من سماع أهل القليب كلامه وتوبيخه لهم دل إدراكهم الكلام بحاسة السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس، بل بالذات، إذ الجامع بينهما وبين بقية الأحاديث أن المصنف أشار إلى طريق من طرق الجمع بين حديثي ابن عمر وعائشة بحمل حديث ابن عمر على أن مخاطبة أهل القليب وقعت وقت المسألة، وحينئذ كانت الروح قد أعيدت إلى الجسد، وأما إنكار عائشة فمحمول على غير وقت المسألة فيتفق الخبران، انتهى.
فائدة: وفي "الحاوي" للسيوطي رسالة في أن فتنة القبر سبعة أيام، وله رسالة أخرى في أن سؤال الملكين في القبر عام أو خاص.
(٨٧ - باب التعوُّذ من عذاب القبر)
قال ابن المنيِّر: أحاديث هذا الباب تدخل في الباب الذي قبله، وإنما أفردها عنها؛ لأن الباب الأول معقود لثبوته ردًا على من أنكره، والثاني لبيان ما ينبغي اعتماده في مدة الحياة من التوسل إلى الله بالنجاة منه والابتهال إليه في الصرف عنه، انتهى من "الفتح" (٢).
стр. 1173
قال القسطلاني (١) في أول أحاديث الباب: ومناسبته للترجمة من حيث إن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوّذ من مثله، أو الحديث من الباب السابق، وأدخله هنا بعض النساخ، انتهى. ونحوه في "الفتح".
(٨٨ - باب عذاب القبر من الغيبة والبول)
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهما، لا نفي الحكم عما عداهما، فعلى هذا لا يلزم من ذكرهما حصر عذاب القبر فيهما، لكن الظاهر من الاقتصار على ذكرهما أنهما أمكن في ذلك من غيره، وقد روى أصحاب السنن من حديث أبي هريرة: "استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه"، انتهى.
قوله: (بالنميمة) هو موضع الترجمة من حيث إن الغيبة من لوازمها، وقيل: مفسدة النميمة أشد فلا يصح الإلحاق إلا أن يقال: إن المحل محل التحذير، فينبغي الاحتراز عنه، ولما وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ: "الغيبة"، ومن عادة البخاري الإشارة إلى ما ورد في بعض الطرق، انتهى من "العيني" (٣) و"الفتح"، واستظهر هذا الأخير الحافظ ابن حجر.
وقال السندي (٤): النميمة عادة لا تكون إلا بإظهار ما لا يحب صاحبه إظهاره بالغيب وهو حقيقة الغيبة، وكأن النميمة من أفراد الغيبة، ولذلك عبَّر عنها في الترجمة باسم الغيبة، انتهى.
(٨٩ - باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي)
قال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، قال: والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا
стр. 1174
فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء، ثم هو مخصوص بغير الشهداء؛ لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة، ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدرًا زائدًا على ما هي فيه الآن، انتهى من "الفتح" (١).
(٩٠ - باب كلام الميت على الجنازة)
قال الحافظ (٢): أي: بعد حملها، أورد فيه حديث أبي سعيد، وقد تقدم الكلام عليه قبل بضعة وثلاثين بابًا، وترجم له: "قول الميت - وهو على الجنازة -: قدموني"، انتهى.
قلت: تقدم الكلام على الترجمتين هناك بالبسط فارجع إليه لو شئت.
(٩١ - باب ما قيل في أولاد المسلمين)
قال الحافظ (٣): أي: غير البالغين، قال ابن المنيِّر، تقدم في أوائل "الجنائز" ترجمة: "من مات له ولد فاحتسب"، وفيها الحديث المصدّر به، إنما ترجم بهذه لمعرفة مآل الأولاد، ووجه انتزاع ذلك أن من يكون سببًا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يحجب هو؛ لأنه أصل الرحمة وسببها، وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم (٤) بلفظ: "توفي صبي من الأنصار فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا ولم يدركه، فقال النبي ﷺ : أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلًا" الحديث، والجواب عنه: أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، انتهى.
стр. 1175
وقال المازري: الخلاف في غير أولاد الأنبياء، قال الحافظ: ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي هريرة فإن فيه التصريح بإدخال الأولاد الجنة مع آبائهم، وروى عبد الله بن أحمد في "زيادات المسند" عن علي مرفوعًا: "إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار" ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس، انتهى.
وفي "الفيض" (١): وانعقد الإجماع على نجاة أولاد المسلمين، وقال مولانا النانوتوي رحمه الله تعالى: إن مقتضى الأدلة التوقّف فيهم أيضًا، انتهى.
قلت: لعل المصنف أشار في الترجمة بقوله: "ما قيل" إلى اختلاف الروايات في ذلك، وهكذا صنع في الترجمة الآتية، فبعض الروايات تدل جزمًا على كونهم من أهل الجنة، ففي "المشكاة" برواية أبي داود (٢) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "قلت: يا رسول الله! ذراري المؤمنين؟ قال: من آبائهم، فقلت: يا رسول الله! بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين". وبعض الروايات يشير إلى التردد وعدم الجزم كما تقدم في كلام الحافظ من رواية مسلم، وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "إن له مرضعًا في الجنة" وهذا من خصائصه ﷺ ، انتهى.
وقال السندي (٤): كأنه من باب التشريف لا لأن الجنة يحتاج الصغير فيها إلى تربية ورضاعة، والله أعلم، انتهى.
(٩٢ - باب ما قيل في أولاد المشركين)
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): ظاهر صنيع المؤلف من إيراد حديث الفطرة عقيب الرواية التي ظاهرها التوقف، وإن كان المراد نفي الاستحقاق
стр. 1176
المترتب على العمل لا مطلقه، ثم إيراد رواية إبراهيم ﵇ مشعر بأنه اختار ما اخترناه من أن هؤلاء يدخلون الجنة أيضًا، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه عن "شرح المسايرة" لابن أبي شريف: وقد ضعف أبو البركات النسفي رواية التوقف عن أبي حنيفة، وقال: الرواية الصحيحة عنه أنهم في المشيئة لظاهر الحديث الصحيح: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، انتهى.
قال الحافظ (١): هذه الترجمة تشعر أيضًا بأنه كان متوقفًا في ذلك، وقد جزم بعد هذا في تفسير سورة الروم بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، وقد رتب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدّره بالحديث الدالِّ على التوقف، ثم ثنَّى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلَّث بالحديث المصرّح بذلك؛ فإن قوله في سياقه: "وأما الصبيان حوله فأولاد الناس" قد أخرجه في "التعبير" بلفظ: "وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين"، واختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال، ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال:
منها: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن ابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقي عن الشافعي، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، والحجة فيه قوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين".
ومنها: أنهم في الجنة، قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى.
ومنها: الوقف، ومنها: الإمساك، وفي الفرق بينهما دقة، انتهى.
стр. 1177
وذكر في هامش "اللامع" ههنا اثني عشر قولًا، وذكر فيه أيضًا الفرق بين التوقف والإمساك بأنه لا يبعد أن يقال: إن التوقف عدم الجزم بشيء لتعارض الأدلة، والثاني عدم الكلام في المسألة، ويستأنس ذلك من كلام ابن كثير في "تفسيره": كره جماعة من العلماء الكلام فيها، انتهى.
وفي "الفيض" (١): نقل عن أبي حنيفة التوقف، صرَّح النسفي في "الكافي" أن المراد بالتوقف في الحكم الكلي، فبعضهم ناج، وبعضهم هالك، لا بمعنى عدم العلم أو عدم الحكم بشيء، وهو مذهب مالك صرح به أبو عمرو في "التمهيد"، وإليه ذهب الشافعي كما صرح به الحافظ، وعن أحمد روايتان، واختار الحافظ ابن القيم النجاة كما في "شفاء العليل"، وهو الذي نسبه إلى ابن تيمية، إلى آخر ما بسطه، وسرد الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الأحاديث الواردة في أولاد المشركين، فارجع إليه لو شئت.
(٩٣ - باب)
بلا ترجمة، كذا ثبت لجميعهم إلا لأبي ذر، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلق الحديث به ظاهر من قوله في حديث سمرة المذكور: "والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس"؛ فإن الناس في قوله عام يشمل المؤمنين وغيرهم، وقد تقدم التنبيه على أنه أورده في "التعبير" بزيادة: "قالوا: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين"، انتهى من "الفتح" (٢) والقسطلاني.
وفي "الفيض" (٣): قوله: "باب" أحال الفصل إلى الناظرين، ولم يترجم بشيء وذكر مادته فقط، انتهى.