قال القسطلاني (١) في أول أحاديث الباب: ومناسبته للترجمة من حيث إن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوّذ من مثله، أو الحديث من الباب السابق، وأدخله هنا بعض النساخ، انتهى. ونحوه في "الفتح".
(٨٨ - باب عذاب القبر من الغيبة والبول)
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهما، لا نفي الحكم عما عداهما، فعلى هذا لا يلزم من ذكرهما حصر عذاب القبر فيهما، لكن الظاهر من الاقتصار على ذكرهما أنهما أمكن في ذلك من غيره، وقد روى أصحاب السنن من حديث أبي هريرة: "استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه"، انتهى.
قوله: (بالنميمة) هو موضع الترجمة من حيث إن الغيبة من لوازمها، وقيل: مفسدة النميمة أشد فلا يصح الإلحاق إلا أن يقال: إن المحل محل التحذير، فينبغي الاحتراز عنه، ولما وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ: "الغيبة"، ومن عادة البخاري الإشارة إلى ما ورد في بعض الطرق، انتهى من "العيني" (٣) و"الفتح"، واستظهر هذا الأخير الحافظ ابن حجر.
وقال السندي (٤): النميمة عادة لا تكون إلا بإظهار ما لا يحب صاحبه إظهاره بالغيب وهو حقيقة الغيبة، وكأن النميمة من أفراد الغيبة، ولذلك عبَّر عنها في الترجمة باسم الغيبة، انتهى.
(٨٩ - باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي)
قال القرطبي: يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن، قال: والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا
стр. 1174
فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء، ثم هو مخصوص بغير الشهداء؛ لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة، ويحتمل أن يقال: إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدرًا زائدًا على ما هي فيه الآن، انتهى من "الفتح" (١).
(٩٠ - باب كلام الميت على الجنازة)
قال الحافظ (٢): أي: بعد حملها، أورد فيه حديث أبي سعيد، وقد تقدم الكلام عليه قبل بضعة وثلاثين بابًا، وترجم له: "قول الميت - وهو على الجنازة -: قدموني"، انتهى.
قلت: تقدم الكلام على الترجمتين هناك بالبسط فارجع إليه لو شئت.
(٩١ - باب ما قيل في أولاد المسلمين)
قال الحافظ (٣): أي: غير البالغين، قال ابن المنيِّر، تقدم في أوائل "الجنائز" ترجمة: "من مات له ولد فاحتسب"، وفيها الحديث المصدّر به، إنما ترجم بهذه لمعرفة مآل الأولاد، ووجه انتزاع ذلك أن من يكون سببًا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يحجب هو؛ لأنه أصل الرحمة وسببها، وقال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم (٤) بلفظ: "توفي صبي من الأنصار فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا ولم يدركه، فقال النبي ﷺ : أو غير ذلك يا عائشة! إن الله خلق للجنة أهلًا" الحديث، والجواب عنه: أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، انتهى.
стр. 1175
وقال المازري: الخلاف في غير أولاد الأنبياء، قال الحافظ: ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث أبي هريرة فإن فيه التصريح بإدخال الأولاد الجنة مع آبائهم، وروى عبد الله بن أحمد في "زيادات المسند" عن علي مرفوعًا: "إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار" ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، وهذا أصح ما ورد في تفسير هذه الآية، وبه جزم ابن عباس، انتهى.
وفي "الفيض" (١): وانعقد الإجماع على نجاة أولاد المسلمين، وقال مولانا النانوتوي رحمه الله تعالى: إن مقتضى الأدلة التوقّف فيهم أيضًا، انتهى.
قلت: لعل المصنف أشار في الترجمة بقوله: "ما قيل" إلى اختلاف الروايات في ذلك، وهكذا صنع في الترجمة الآتية، فبعض الروايات تدل جزمًا على كونهم من أهل الجنة، ففي "المشكاة" برواية أبي داود (٢) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "قلت: يا رسول الله! ذراري المؤمنين؟ قال: من آبائهم، فقلت: يا رسول الله! بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين". وبعض الروايات يشير إلى التردد وعدم الجزم كما تقدم في كلام الحافظ من رواية مسلم، وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "إن له مرضعًا في الجنة" وهذا من خصائصه ﷺ ، انتهى.
وقال السندي (٤): كأنه من باب التشريف لا لأن الجنة يحتاج الصغير فيها إلى تربية ورضاعة، والله أعلم، انتهى.
(٩٢ - باب ما قيل في أولاد المشركين)
كتب الشيخ في "اللامع" (٥): ظاهر صنيع المؤلف من إيراد حديث الفطرة عقيب الرواية التي ظاهرها التوقف، وإن كان المراد نفي الاستحقاق
стр. 1176
المترتب على العمل لا مطلقه، ثم إيراد رواية إبراهيم ﵇ مشعر بأنه اختار ما اخترناه من أن هؤلاء يدخلون الجنة أيضًا، والله أعلم، انتهى.
وفي هامشه عن "شرح المسايرة" لابن أبي شريف: وقد ضعف أبو البركات النسفي رواية التوقف عن أبي حنيفة، وقال: الرواية الصحيحة عنه أنهم في المشيئة لظاهر الحديث الصحيح: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، انتهى.
قال الحافظ (١): هذه الترجمة تشعر أيضًا بأنه كان متوقفًا في ذلك، وقد جزم بعد هذا في تفسير سورة الروم بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، وقد رتب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدّره بالحديث الدالِّ على التوقف، ثم ثنَّى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلَّث بالحديث المصرّح بذلك؛ فإن قوله في سياقه: "وأما الصبيان حوله فأولاد الناس" قد أخرجه في "التعبير" بلفظ: "وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود يولد على الفطرة، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين"، واختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال، ثم ذكر الحافظ عشرة أقوال:
منها: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن ابن المبارك وإسحاق، ونقله البيهقي عن الشافعي، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، والحجة فيه قوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين".
ومنها: أنهم في الجنة، قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى.
ومنها: الوقف، ومنها: الإمساك، وفي الفرق بينهما دقة، انتهى.
стр. 1177
وذكر في هامش "اللامع" ههنا اثني عشر قولًا، وذكر فيه أيضًا الفرق بين التوقف والإمساك بأنه لا يبعد أن يقال: إن التوقف عدم الجزم بشيء لتعارض الأدلة، والثاني عدم الكلام في المسألة، ويستأنس ذلك من كلام ابن كثير في "تفسيره": كره جماعة من العلماء الكلام فيها، انتهى.
وفي "الفيض" (١): نقل عن أبي حنيفة التوقف، صرَّح النسفي في "الكافي" أن المراد بالتوقف في الحكم الكلي، فبعضهم ناج، وبعضهم هالك، لا بمعنى عدم العلم أو عدم الحكم بشيء، وهو مذهب مالك صرح به أبو عمرو في "التمهيد"، وإليه ذهب الشافعي كما صرح به الحافظ، وعن أحمد روايتان، واختار الحافظ ابن القيم النجاة كما في "شفاء العليل"، وهو الذي نسبه إلى ابن تيمية، إلى آخر ما بسطه، وسرد الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الأحاديث الواردة في أولاد المشركين، فارجع إليه لو شئت.
(٩٣ - باب)
بلا ترجمة، كذا ثبت لجميعهم إلا لأبي ذر، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وتعلق الحديث به ظاهر من قوله في حديث سمرة المذكور: "والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس"؛ فإن الناس في قوله عام يشمل المؤمنين وغيرهم، وقد تقدم التنبيه على أنه أورده في "التعبير" بزيادة: "قالوا: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين"، انتهى من "الفتح" (٢) والقسطلاني.
وفي "الفيض" (٣): قوله: "باب" أحال الفصل إلى الناظرين، ولم يترجم بشيء وذكر مادته فقط، انتهى.
стр. 1178
ورقم عليه في جداول شيخ الهند ﵀ رمز بتـ نقطتين فهو إشارة إلى أن الحديث الذي فيه يتعلق بالباب السابق.
(٩٤ - باب موت يوم الاثنين)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك: جواز تمني موته كما وقع لأبي بكر، وإن لم يحصل له ذلك لوقوعه في ليلة يوم الثلاثاء، نعم لم يفته الاتصال ومداناة الوقت؛ فإن فصل ما بين يوم اثنين وليلة الثلاثاء غير معتد به، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٢): ولابن سعد عن عائشة: "أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يومًا باردًا، فَحُمَّ خمسة عشر يومًا، ومات مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة"، وأشار الزين بن المنيِّر إلى أن الحكمة في تأخر وفاته من يوم الاثنين مع أنه كان يحب ذلك ويرغب فيه لكونه قام في الأمر بعد النبي ﷺ ، فناسب أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه رسول الله ﷺ ، انتهى.
قال العيني (٣): وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء الآخرة، وقيل: توفي يوم الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة، والأول أصح، انتهى مختصرًا.
وقال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر" وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس، وإسناده أضعف، انتهى.
стр. 1179
(٩٥ - باب موت الفجاءة البغتة. . .) إلخ
قال ابن رُشيد (١): هو مضبوط بالكسر على البدل، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي البغتة، ووقع في رواية الكشميهني: "بغتة". والفجاءة بضم الفاء وبعد الجيم مد ثم همز، ويروى بفتح، ثم سكون بغير مد، وهي الهجوم على من لم يشعر به، وموت الفجأة وقوعه بغير سبب من مرض وغيره.
قال ابن رُشيد: مقصود المصنف الإشارة إلى أنه ليس بمكروه؛ لأنه ﷺ لم يظهر منه كراهيته لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها، وأشار إلى ما رواه أبو داود بلفظ: "موت الفجأة أخذة أسف"، وفي إسناده مقال، فجرى على عادته في الترجمة بما لم يوافق شرطه، وإدخال ما يومئ إلى ذلك ولو من طرف خفي، انتهى.
قال ابن بطال (٢): وكأن ذلك - والله أعلم - لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن عائشة وابن مسعود: "موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر"، وقال ابن المنيِّر: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة فليستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة، كما وقع في حديث الباب. ونقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهة موت الفجأة، ونقل النووي عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، قال النووي: وهو محبوب للمراقبين. قلت: وبذلك يجتمع القولان (٣)، انتهى.
стр. 1180
(٩٦ - باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال ابن رُشيد: قال بعضهم: مراده بقوله: "قبر النبي ﷺ " المصدر من: قبرته قبرًا، والأظهر عندي أنه أراد الاسم، ومقصوده بيان صفته من كونه مسنمًا أو غير مسنم، وغير ذلك مما يتعلق بعضه ببعض.
قوله: (مسنمًا) قال الحافظ: أي: مرتفعًا، زاد أبو نعيم في "المستخرج": "وقبر أبي بكر وعمر كذلك"، واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه، وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي، وبه جزم الماوردي وآخرون، وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي: لاحتمال أن قبره ﷺ لم يكن في الأول مسنّمًا لحديث أبي داود (٢)، قال القاسم بن محمد: "دخلت على عائشة فقلت: يا أمه! اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرّفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء" وهذا كان في خلافة معاوية، فكأنها كانت في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة، وقد روى أبو بكر الآجري في "كتاب صفة قبر النبي ﷺ " عن غنيم بن بسطام المديني قال: رأيت قبر النبي ﷺ في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لا في أصل الجواز، انتهى مختصرًا.
стр. 1181
(٩٧ - باب ما ينهى من سبّ الأموات)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): المراد بالسب المنهي عنه ما لم يتضمن منفعة دينية كمن مات ولم يعلم بحاله أحد حتى يتبع، فنشر مساويه مما لا ينفعه ولا يجديه، وكذلك من كان من أهل الصلاح والتقى فذكره بمساءة يضره في آخرته ويرديه. فأما من مات ونقل منه خصال يخاف عليها اتباع الناس إياه فيها فإن ذكر شرارته وما كان من أحواله لا ضير فيه؛ لأن ذكر ذلك يردعهم من اتباعه فيما نقل عنه؛ لأن اتباعهم به لم يكن إلا لظنهم به خيرًا، وللإشارة إلى أن مطلق ذكر مساوي الموتى غير منهي عنه، أورد عقيبه " باب ذكر شرار الموتى "، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن السب مطلقًا، والجواب: أن عمومه مخصوص بحديث أنس السابق حيث قال ﷺ عند ثنائهم بالخير وبالشر: "وجبت"، ولم ينكر عليهم، ويحتمل أن اللام في الأموات عهدية، والمراد به المسلمون؛ لأن الكفار مما يتقرب إلى الله بسبِّهم، وقال القرطبي في الكلام على حديث "وجبت": يحتمل أجوبة، الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان مستظهرًا به فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقًا، وثانيها: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه، وثالثها: يكون النهي العام متأخرًا فيكون ناسخًا، وهذا ضعيف. . . إلى آخر ما بسطه.
(٩٨ - باب ذكر شرار الموتى)
تقدم في الباب قبله من شرح ذلك ما فيه كفاية، وحديث الباب أورده هنا مختصرًا، وسيأتي مطولًا في تفسير الشعراء، قاله الحافظ (٣).
стр. 1182
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: عقب باب النهي عن سب الأموات بهذا الباب إشارة إلى أن الأموات الشرار مستثنى عنه، كما هو دأبه في أكثر الأبواب، انتهى.
قال الحافظ في الباب المتقدم عن ابن رُشيد: ولما كان المتن قد يشعر بالعموم أتبعه بالترجمة التي بعده، انتهى.
وتقدم مثله من كلام الشيخ أيضًا.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وهو من التباب ومعناه الهلاك.
قلت: وكذا هذا الباب الأخير لوجود لفظ الموتى فيه صريحًا، بل كتاب الجنائز كله مذكر للموت.
* * *
стр. 1183
٢٤ - كتاب الزكاة (١)
قال الحافظ (٢): ولأكثر الرواة "باب" بدل كتاب، وسقط ذلك لأبي ذر فلم يقل باب ولا كتاب، انتهى.
قال العيني (٣): إنما ذكر كتاب الزكاة عقيب الصلاة من حيث إن الزكاة ثالثة الإيمان وثانية الصلاة في الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وأما السُّنَّة فقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس. . ." الحديث، انتهى.
وذكر في "الأوجز" (٤) في مبدأ "كتاب الزكاة" عدة أبحاث مفيدة لطيفة ينبغي الرجوع إليها:
الأول: أن الزكاة لغةً: النماء وترد بمعنى التطهير أيضًا، وشرعًا بالاعتبارين معًا، أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، وأما بالثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل.
الثاني: اختلفت نصوص الفروع للأئمة الأربعة في تعريفه شرعًا، ونكتفي ههنا على ما في فروع الحنفية اختصارًا، ففي "الدر المختار" (٥): هي شرعًا تمليك جزء مال عينه الشارع وهو ربع عشر نصاب حولي من مسلم فقير
стр. 1184
غير هاشمي ولا مولاه مع قطع المنفعة عن الملك من كل وجه لله تعالى.
الثالث: ما في "الدر المختار" أنها: لا تجب على الأنبياء إجماعًا، وبذلك صرح غير واحد من العلماء، وذكر في "الأوجز" سبب عدم وجوبها عليهم.
الرابع: في حكم الزكاة، وقد أجاد الكلام عليها الشيخ ابن القيم في "الهدي" (١)، وكذلك شيخ مشايخنا الدهلوي في "حجة الله البالغة" (٢).
الخامس: في بدء فرضيتها وسيأتي في الباب الآتي.
(١ - باب وجوب الزكاة وقول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. . .﴾) إلخ
أشار بهذا الباب إلى البحث الخامس وهو بدء فرضية الزكاة. قال الحافظ (٣): ذهب الأكثر إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في الثانية قبل فرض رمضان، وجزم ابن الأثير في "التاريخ" أنه كان في التاسعة، وفيه نظر فقد ورد في حديث ضمام بن ثعلبة وفي حديث وفد عبد القيس وغير ذلك ذكر الزكاة، ولكن يمكن تأويل كل ذلك. وادعى ابن خزيمة في "صحيحه" أن فرضها كان قبل الهجرة. ووقع في "تاريخ الإسلام": في السنة الأولى فرضت الزكاة. والمعتمد أنها فرضت بمكة إجمالًا وبيّنت بالمدينة تفصيلًا. وفي "شرح الإقناع" (٤): فرضت في الثانية بعد زكاة الفطر، واختلفوا في أيِّ شهر منها، والمشهور في شوال من السنة المذكورة، انتهى من هامش "اللامع".
ولا يبعد عندي: أن يكون مختار البخاري هو ما اختاره ابن خزيمة وهو أن فرضيتها قبل الهجرة، إذ ذكر قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا
стр. 1185
الزَّكَاةَ﴾ الآية [٢٠]، وهي في سورة المزمل وهي مكيَّة على القول المشهور وذكر فيه الخلاف في هامش "اللامع" في مبدإ "كتاب التهجد"، وأيضًا ذكر المصنف فيه حديث أبي سفيان في قصة هرقل.
قال الحافظ (١) تحت قول البخاري في مبدإ "كتاب الصلاة": "حدثني أبو سفيان في حديث هرقل، فقال: يأمرنا النبي ﷺ بالصلاة. . ." إلخ: هذا طرف من حديث أبي سفيان المتقدم موصولًا في "بدء الوحي"، والقائل "يأمرنا" هو أبو سفيان، ومناسبته لهذه الترجمة أن فيه إشارة إلى أن أبا سفيان لم يلق النبي ﷺ بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون آمرًا له بطريق الحقيقة، انتهى.
(٢ - باب البيعة على إيتاء الزكاة. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: هذه الترجمة أخص من التي قبلها، لتضمنها أن بيعة الإسلام لا تتم إلا بالتزام إيتاء الزكاة، وأن مانعها ناقض لعهده مبطل لبيعته فهو أخص من الإيجاب؛ لأن كل ما تضمنته بيعة النبي ﷺ واجب وليس كل واجب تضمنته بيعته، وموضع التخصيص: الاهتمام والاعتناء بالذكر حال البيعة. قال: وأتبع المصنف الترجمة بالآية معتضدًا بحكمها؛ لأنها تضمنت أنه لا يدخل في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة، انتهى.
قلت: والأوجه عندي: أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بعض الخصال الواردة في روايات البيعة ليس بواجب، كبيعة النساء على أن لا نحدث الرجال إلا محرمًا كما في "الدر المنثور" والبيعة على ترك السؤال ولو سقط السوط ونحو ذلك.
стр. 1186
(٣ - باب إثم مانع الزكاة. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: هذه الترجمة أخص من الأولى لتضمن حديثها تعظيم إثم مانع الزكاة والتنصيص على عظيم عقوبته في الدار الآخرة وتبري نبيِّه منه بقوله: "لا أملك لك من الله شيئًا"، وذلك مؤذن بانقطاع رجائه، وإنما تتفاوت الواجبات بتفاوت المثوبات والعقوبات، فما شددت عقوبته كان إيجابه آكد مما جاء فيه مطلق العقوبة، وعبَّر المصنف بالإثم ليشمل من تركها جحدًا أو بخلًا، والله أعلم، انتهى.
والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة بيان نوع إثم المانع من حيث التعذيب، أي: بأي نوع من العذاب يعذب، وأحاديث الباب دالة عليه.
(٤ - باب ما أدي زكاته فليس بكنز. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن الرواية مصرحة بأن له إجازة في جمع ما دون خمس أواق من غير أن يؤدي زكاتها، فعلم أن كل نوع من جمع الذهب والورق غير منهي عنه، انتهى.
قال السندي (٣): قوله: "لقول النبي. . ." إلخ، تعليل للسابق، إما بالنظر إلى تضمنه دعوى أنه ليس كل مال كنزًا، أو باعتبار أن ما أدي منه الزكاة بعد وجوبها هو وما لا تجب فيه الزكاة سواء، فإذا علم بالحديث حال ما لا يجب فيه الزكاة وأنه لا صدقة فيه، بل هو كله حلال لصاحبه، فكذلك ما أدي منه الزكاة بعد وجوبها. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٤): قوله: "ما أدى زكاته. . ." إلخ، هذه المسألة كانت مختلفة فيها بين أبي ذر وسائر الصحابة، فأبو ذر كان يفهم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. . .﴾ إلخ [التوبة: ٣٤]،
стр. 1187
أن الواجب إنفاق كلها، ومن ادّخر شيئًا منها فهو داخل تحت الوعيد، بخلاف سائر الصحابة، فإن مذهبهم أنه بعد إنفاق القدر الواجب، أعني: ربع العشر في النقدين لو ادخر الباقي فليس بكنز، وهذا هو الحق الذي انعقد عليه الإجماع، وأما ما ذهب إليه أبو ذر ﵁ فشبهة نشأت من حمل قوله تعالى على إنفاق الكل.
قوله: (ليس فيما دون خمسة أواق) هذا يدل على أن من المال ما لا يجب فيه الزكاة، ومناسبته مع الترجمة ظاهر، انتهى.
وقال الحافظ: قوله: "قبل أن تنزل الزكاة" هذا مشعر بأن الوعيد على الاكتناز - وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به - كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح وقدرت نصب الزكاة، فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها لا إنزال أصلها، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (١).
(٥ - باب إنفاق المال في حقّه)
قال الحافظ في الباب السابق تحت حديث أبي ذر (٢): وإنما أورده أبو ذر للأحنف لتقوية ما ذهب إليه من ذم اكتناز المال، وهو ظاهر في ذلك إلا أنه ليس على الوجوب، ومن ثم عقبه المصنف بالترجمة التي تليه، وأورد فيه الحديث الدال على الترغيب في ذلك، وهو من أدل دليل على أن أحاديث الوعيد محمولة على من لا يؤدي الزكاة، وأما حديث "ما أحب لو أن لي أُحدًا ذهبًا" فمحمول على الأولوية؛ لأن جمع المال وإن كان مباحًا لكن الجامع مسؤول عنه وفي المحاسبة خطر. . . إلى آخر ما قال.
والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الإشارة إلى أن ما ورد من الروايات في ترغيب الإنفاق مطلقًا؛ فالمراد منه الإنفاق في حقه كما في
стр. 1188
حديث الباب لا الإنفاق مطلقًا وهذا المعنى واضح من نص الترجمة أيضًا.
(٦ - باب الرياء في الصدقة. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون مراده إبطال الرياء للصدقة فيحمل على ما تمحض منها لحب المحمدة والثناء من الخلق بحيث لولا ذلك لم يتصدق بها، ووجه الاستلال من الآية أن الله تعالى شبَّه مقارنة المن والأذى للصدقة بإنفاق الكافر المرائي ومقارنة الرياء من المسلم أقبح من مقارنة الإيذاء، انتهى.
ثم قال الحافظ بعد نقل كلام ابن رُشيد الطويل: ويتلخص أن يقال: لما كان المشبه به أقوى من المشبه، وإبطال الصدقة بالمن والأذى قد شبه بإبطالها بالرياء فيها كان أمر الرياء أشد، انتهى.
(٧ - باب لا يقبل الله صدقة من غلول. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قوله: "لقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ " قال ابن المنيِّر: جرى المصنف على عادته في إيثار الخفي على الجلي، وذلك أن في الآية أن الصدقة لما تبعتها سيئة الأذى بطلت، والغلول أذى إن قارن الصدقة أبطلها بطريق الأولى، أو لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها تبطل الطاعة فكيف إذا كانت الصدقة بعين المعصية، انتهى.
(٨ - باب الصدقة من كسب طيب. . .) إلخ
ليس هذا الباب في بعض النسخ.
فقد قال الحافظ: وقع هنا للمستملي والكشميهني "باب الصدقة من كسب طيب. . ." إلخ، وعلى هذا فتخلو الترجمة التي قبل هذا من الحديث، وتكون كالتي قبلها في الاقتصار على الآية لكن تزيد عليها
стр. 1189
بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في الترجمة. ومناسبة الحديث لهذه الترجمة ظاهرة، ومناسبته للذي قبلها من جهة مفهوم المخالفة؛ لأنه دل بمنطوقه على أن الله لا يقبل إلا ما كان من كسب طيب، فمفهومه أن ما ليس بطيب لا يقبل، والغلول فرد من أفراد غير الطيب فلا يقبل، والله أعلم.
وأما قول المصنف: لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. . .﴾ إلخ [البقرة: ٢٧٦]، فقد اعترضه ابن التين وغيره بأن تكثير أجر الصدقة ليس علة لكون الصدقة من كسب طيب، بل الأمر على عكس ذلك، وكان الأبين أن يستدل بقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال الكرماني: لفظ: "الصدقات" وإن كان أعم من أن يكون من الكسب الطيب ومن غيره، لكنه مقيد بالصدقات التي من الكسب الطيب بقرينة السياق نحو: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، انتهى باختصار من "الفتح" (١).
(٩ - باب الصدقة قبل الرد)
قال ابن المنيِّر (٢): مقصوده بهذه الترجمة الحث على التحذير من التسويف بالصدقة، لما في المسارعة إليها من تحصيل النمو المذكور، قيل: لأن التسويف بها قد يكون ذريعة إلى عدم القابل لها إذ لا يتم مقصود الصدقة إلا بمصادفة المحتاج إليها، وقد أخبر الصادق أنه سيقع فقد الفقراء المحتاجين إلى الصدقة.
فإن قيل: إن من أخرج صدقته مثاب على نيَّته ولو لم يجد من يقبلها، فالجواب: أن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل، والناوي يثاب ثواب الفضل فقط، والأول أربح، انتهى.
قلت: ما أفاده الشرَّاح هو الظاهر في مفهوم الترجمة، ولا يبعد عندي أن يكون إشارة إلى مسألة فقهية خلافية وهي: أنّ من وجبت عليه صدقة
стр. 1190
الفطر وهو فقير واجد قوته وقوت عياله كما هو مذهب الأئمة الثلاثة خلافًا للحنفية كما سيأتي، فهذا الفقير تجب عليه صدقة الفطر ويجوز له أخذها عندهم، فينبغي له أن يقدم الإعطاء قبل أن يرد عليه الصدقة عن فطر غيره، فتأمل، فإنه لطيف لكن فيه أن المصنف سيبوب لصدقة الفطر أبوابًا مستقلة على أنه لا يوافق هذا التوجيه الروايات الواردة في الباب.
(١٠ - باب اتقوا النار ولو بشق تمرة)
قال ابن المنيِّر وغيره (١): جمع المصنف بين لفظ الخبر والآية لاشتمال ذلك كله على الحث على الصدقة قليلها وكثيرها، فإن قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ يشمل قليل النفقة وكثيرها، ويشهد له قوله: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس" فإنه يتناول القليل والكثير، إذ لا قائل بحل القليل دون الكثير، انتهى.
ولا يبعد عندي: أن يكون فيه أيضًا إشارة إلى مسألة فقهية وهي: أن من لم يفضل عنده إلا بعض صاع هل يجب عليه صدقة الفطر أم لا؟ فيه وجهان لأحمد، كما في "المغني" (٢) فكأن فيه تأييدًا للإيجاب فتأمل.
(١١ - باب فضل صدقة الشحيح الصحيح. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٣): يمكن أن يراد بالشحيح كونه مظنة الشح لعروض الحوائج له، وإن أريد بالشحيح من كان الشح طبعًا له فممكن أيضًا، والفضيلة في هذا الأخير جزئية لما أنه يشتد عليه لشحه وإلا فالسخي قريب من الله، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني (٤): الشح بخل مع حرص، وقيل: هو أعم من البخل، وقيل: هو الذي كالوصف اللازم، ومن قبيل الطبع، انتهى.
стр. 1191
والظاهر عندي: أن الشحيح هو الذي يعبَّر عنه في لساننا الهندية بلفظ: "كنجوس"، وقال شيخ المشايخ في "تراجمه" (١): المراد بالشحيح ههنا: المحتاج إلى المال، انتهى من هامش "اللامع".
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر ما ملخصه: مناسبة الآية للترجمة أن معنى الآية التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالًا بطول الأمل، والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية.
والمراد بالصحة في الحديث من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة، ولما كانت مجاهدة النفس على إِخراج المال مع قيام مانع الشح دالًا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره، وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية، انتهى.
(باب)
بلا ترجمة، قال الحافظ (٣): كذا للأكثر، وسقط لأبي ذر، فعلى روايته هو من ترجمة "فضل صدقة الشحيح الصحيح"، وعلى رواية غيره فهو بمنزلة الفصل منه. وأورد فيه المصنف قصة سؤال أزواج النبي ﷺ منه أيتهن أسرع لحوقًا به، ووجه تعلقه بما قبله أن هذا الحديث تضمن أن الإيثار والاستكثار من الصدقة في زمن القدرة على العمل سبب اللحاق بالنبي ﷺ ، وذلك الغاية في الفضيلة، أشار إلى هذا الزين بن المنيِّر، وقال ابن رُشيد: وجه المناسبة أنه تبين في الحديث أن المراد بطول اليد المقتضي للحاق به الطول، وذلك إنما يتأتى للصحيح؛ لأنه إنما يحصل بالمداومة في حال الصحة وبذلك يتم المراد، انتهى.
стр. 1192
قوله: (فعلمنا بعد. . .) إلخ، قال الحافظ (١): قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبِّه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابي، فإنه فسره وقال: "لحوق سودة به من أعلام النبوة"، وكل ذلك وهم، وإنما هي زينب، وتلقى مغلطاي كلام ابن الجوزي فجزم به ولم ينسبه له، انتهى.
وقال العيني (٢): قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا الحديث وهم في سودة وإنما هو [في] زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها فهي أول نسائه به لحوقًا، وتوفيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفيت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٣): فيه اختصار، أي: كنا ظننا أن المراد به ظاهره، فذرعنا فكانت سودة أطولنا يدًا، فإذا ماتت زينب قبل الكل علمنا أن المراد إنما كان الجود، فعلمنا أنها زينب، ولا حاجة إلى تغليط الرواية، ثم إن الرواية دالة على أن الحقيقة أولى ولو كان المجاز متعارفًا وإلا لما حملن الكلام على الحقيقة؛ لأن المجاز، أي: استعمال طول اليد في الكرم كان متعارفًا أيضًا، انتهى.
وبسط الكلام في هامشه من كلام الشرَّاح، وإلى وقوع الاختصار في الحديث مال شيخ مشايخنا في تراجمه.
(١٢ - باب صدقة العلانية. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين، وبه جزم الإسماعيلي، ولم يثبت فيها لمن أثبتها حديث، وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها على شرطه شيء، انتهى. وبه جزم العيني.
стр. 1193
قلت: ويحتمل عندي أن هذا والبابين بعده - الأبواب الثلاثة - ثبتت بحديث المتصدق، فالسر باعتبار فعله وقصده، والعلانية من حيث مآله لما يتحدثون فيما بينهم، فتأمل، وهو الأصل الثاني والخمسون من أصول التراجم.
(١٣ - باب صدقة السر. . .) إلخ
تقدم بعض ما يتعلق به في الباب السابق، ثم إنهم اختلفوا في أفضلية إخفاء الصدقة وإعلانها كما ذكر في هامش "اللامع" فارجع إليه لو شئت.
وقد اقتصر المصنف في هذا الباب على الحديث المعلق وعلى الآية على ما في النسخ التي بأيدينا بخلاف نسخة أبي ذر كما سيأتي في الباب الآتي.
(١٤ - باب إذا تصدق على غني. . .) إلخ
أي: فصدقته مقبولة، وسقط لفظ: "باب" في رواية أبي ذر، وقال عقب قوله في الباب السابق ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية": "وإذا تصدق" بواو العطف، كذا قال القسطلاني.
وقال الحافظ (١): وعلى ما في رواية أبي ذر فيحتاج إلى مناسبة بين ترجمة صدقة السر وحديث المتصدق، ووجهها: أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل لقوله في الحديث: "فأصبحوا يتحدثون"، بل وقع في "صحيح مسلم" التصريح بذلك لقوله فيه: "لأتصدقن الليلة" فدل على أن صدقته كانت سرًا، وقال أيضًا تحت الحديث: وفيه دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير، ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة. وفيه: أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع، واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع، وهذا في صدقة التطوع، واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض،
стр. 1194
ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع. ومن ثم أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم، انتهى بزيادة من القسطلاني.
وقال أيضًا: أمَّا الواجبة فلا تجزئ على غني وإن ظنه فقيرًا، خلافًا لأبي حنيفة ومحمد حيث قالا: تسقط، ولا تجب عليه الإعادة، انتهى.
وقال الموفق (١): عن أحمد في ذلك روايتان، وكذا عن الشافعي قولان: أحدهما: يجوز، وهو قول الحسن وأبي حنيفة، والثاني: لا يجزئه وهو قول الثوري وأبي يوسف والحسن بن صالح، انتهى.
(١٥ - باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر)
قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: لم يذكر جواب الشرط اختصارًا وتقديره: جاز؛ لأنه يصير لعدم شعوره كالأجنبي، وعبَّر في هذه الترجمة بنفي الشعور وفي التي قبلها بنفي العلم؛ لأن المتصدق في السابقة بذل وسعه في طلب إعطاء الفقير فأخطأ اجتهاده فناسب أن ينفى عنه العلم، وأما هذا فباشر التصدق غيره فناسب أن ينفى عن صاحب الصدقة الشعور، انتهى.
وقال القسطلاني (٣): قوله: "ولك ما أخذت يا معن"؛ لأنك أخذت محتاجًا إليها، وإنما أمضاها ﷺ ؛ لأنه دخل في عموم الفقراء المأذون للوكيل في الصرف إليهم وكانت صدقة تطوع، انتهى.
قال الحافظ (٤): واستدل به على جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع ولو كان ممن تلزمه نفقته، ولا حجة فيه؛ لأنها واقعة حال فاحتمل أن يكون معن كان مستقلًا لا يلزم أباه يزيد نفقته، انتهى.
والمسألة خلافية، قال العيني (٥): اتفق العلماء على أن الصدقة الواجبة لا تسقط عن الوالد إذا أخذها ولده، حاشا التطوع، قال ابن بطال:
стр. 1195
وعليه حمل حديث معن، وعند الشافعي يجوز أن يأخذها الولد بشرط أن يكون غارمًا أو غازيًا، فيحمل حديث معن على أنه كان متلبسًا بأحد هذين النوعين، انتهى.
وفي "الفيض" (١): وفي "الهداية": أن التصدق على ابنه لا يُعتبر. وراجع كلامَه للفرق بين الغني، والابن. والفرقُ عندي أنهم أداروا الفقر والغنى على العلم فقط، دون الواقع، بخلاف تحقيق الأصول والفروع، فإنهم فهموا أنه لا تعسُّر في معرفتهم، فينبغي أنْ يُدار على الواقع، وإنما يُدار على العلم فيما تعسر الاطلاع على حقيقته، أما المصنف ﵀ فذهب إلى الإطلاق، فلعله لا فرق عنده في الصورتين. أما الحديث فلا يرد على الحنفية؛ لأنه لا دليل فيه على أن الصدقة كانت فريضة أو نافلة، فإن كان الثاني فلا ننكره أيضًا، انتهى.
(١٦ - باب الصدقة باليمين)
قال الحافظ (٢): أي: حكمه، أو "باب" بالتنوين، والتقدير؛ أي: فاضلة أو يرغب فيها، انتهى.
والغرض من الترجمة على ما نقله الحافظ عن ابن رُشيد أن المقصود ههنا الإعطاء بنفسه لتقابل الترجمة الآتية، وبه جزم شيخ مشايخنا الدهلوي في "تراجمه".
قوله: (يمشي الرجل بصدقته. . .) إلخ، قال العيني (٣): يمكن أن يوجه المطابقة وإن كان بالتعسف أن اللائق لحامل الصدقة ليتصدق بها إلى من يحتاج إليها أن يدفعها بيمينه لفضل اليمين على الشمال، انتهى.
وقال السندي (٤): كأن المصنف ذكر هذا الحديث لإفادة أن الصدقة
стр. 1196
باليمين غير لازمة؛ لإطلاق هذا الحديث. نعم، هو مندوب مطلوب لحديث "ما تنفق يمينه" حيث يدل على أن الإنفاق وظيفة اليمين، والله أعلم.
(١٧ - باب من أمر خادمه بالصدقة. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: فائدة قوله: "ولم يناول بنفسه" التنبيه على أن ذلك مما يغتفر، وأن قوله في الباب قبله: "الصدقة باليمين" لا يلزم منه المنع من إِعطائها بيد الغير وإن كانت المباشرة أولى، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العيني (٢): قال صاحب "التلويح": كأن البخاري أراد بهذه معارضة ما رواه ابن أبي شيبة عن عباس بن عبد الرحمن المدني قال: "خصلتان لم يكن النبي ﷺ يليهما إلى أحد من أهله: كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه"، وفي "الترغيب" للجوزي بسند صالح عن ابن عباس "كان النبي ﷺ لا يكل طهوره ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاهما بنفسه"، انتهى.
قال العيني: الذي يظهر من كلامه أن المتصدق بنفسه والمأمور بالصدقة عنه كلاهما في الأجر سواء على ما يشير إليه ما ذكره في الباب. . .، إلى آخر ما قال.
(١٨ - باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى. . .) إلخ
قال القسطلاني (٣): لفظ الترجمة حديث رواه أحمد من طريق عطاء عن أبي هريرة ﵁، وذكره المصنف تعليقًا في "الوصايا"، انتهى.
قلت: واستدل به الحنفية على أنه لا تجب صدقة الفطر إلا على من يملك النصاب خلافًا للأئمة الثلاثة كما تقدم في "باب الصدقة قبل الرد".
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني بذلك أن الأفضل من الصدقة ما لم
стр. 1197
يشرف إليها صاحبها واستغنى عنها سواء كان ذلك لغنائه مالًا أو استغنائه قلبًا. "فمن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج" لم يقع تصدقه هذا موضعه وإن كان نافذًا عنه في صحته، وعلى هذا يحمل قوله: "فهو رد عليه" لئلا يخالف قوله أقوال العلماء، فأما إن أجري الرد على ظاهره فهو من رأي المؤلف ولا يجب اتباعه، انتهى.
قوله: (إلا أن يكون معروفًا بالصبر)، قال الحافظ (١): هو من كلام المصنف، وكلام ابن التين يوهم أنه بقية الحديث فلا يغتر به؛ وكأن المصنف أراد أن يخص به عموم الحديث الأول، والظاهر أنه يختص بالمحتاج. ويحتمل أن يكون عامًا، ويكون التقدير: إلا أن يكون كل من المحتاج أو من تلزمه النفقة أو صاحب الدين معروفًا بالصبر. ويقوي الأول التمثيل الذي مثل به من فعل أبي بكر والأنصار، انتهى.
(١٩ - باب المنّان بما أعطى. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة ثبتت في رواية الكشميهني وحده بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئًا إلا من به" الحديث (٣)، ولما لم يكن على شرطه اقتصر على الإشارة إليه، ومناسبة الآية بالترجمة واضحة، انتهى.
(٢٠ - باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها)
قال ابن المنيِّر: ترجم المصنف بالاستحباب وكان يمكن أن يقول: كراهة تبييت الصدقة؛ لأن الكراهة صريحة في الخبر، واستحباب التعجيل مستنبط من قرائن سياق الخبر؛ حيث أسرع في الدخول والقسمة، فجرى
стр. 1198
على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى، انتهى من "الفتح" (١).
قال العيني (٢): الصدقة أعم من أن تكون من الصدقات المفروضة أو من صدقات التطوع، فعلى كل حال خيار البر عاجله، انتهى.
والظاهر عندي: أنه أشار إلى مسألة فقهية خلافية، وهي أن وجوب الزكاة على الفور أو على التراخي؟
قال الموفق (٣): وتجب الزكاة على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه، إذا لم يخش ضررًا، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: له التأخير؛ لأن الأمر بأدائها مطلق، فلا يتعين الزمن الأول لأدائها دون غيره، ولنا: أن الأمر المطلق يقتضي الفور. . .، إلى آخر ما قال. وفي "الدر المختار" (٤): وافتراضها عمري على التراخي، وقيل: فوري، وعليه الفتوى فيأثم بتأخيرها بلا عذر، انتهى.
وأما مذهب مالك، فقال الدردير: وجب تفرقتها على الفور، انتهى.
فالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار إلى هذه المسألة ولم يذهب هو بنفسه إلى ذلك كما هو ظاهر قوله: "باب من أحب" كما تقدم في الأصل الثالث من أصول التراجم.
(٢١ - باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها)
قال الحافظ (٥): قال ابن المنيِّر: يجتمع التحريض والشفاعة في أن كلًّا منهما إيصال الراحة للمحتاج، ويفترقان في أن التحريض معناه: الترغيب بذكر ما في الصدقة من الأجر، والشفاعة فيها معنى السؤال والتقاضي للإجابة، انتهى.
стр. 1199
ويفترقان بأن الشفاعة لا تكون إلا في خير، بخلاف التحريض، وبأنها قد تكون بغير تحريض، انتهى.
(٢٢ - باب الصدقة فيما استطاع)
لعل المراد: ولو بغير ظهر غنًى، لا يخفى عليك أن ههنا حديثين: أحدهما: ما تقدم: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً"، والثاني: ما أخرجه أبو داود: "أفضل الصدقة جهد المقل" (١)، والحديث الأول متفق عليه، وبينهما تعارض بحسب الظاهر، ولذا جمعوا بينهما بأن الفضيلة متفاوتة بحسب الأشخاص وقوة التوكل وضعف اليقين، ولذا ترجم أبو داود على الحديث الأول: "باب الرجل يخرج من ماله"، وعلى الثاني: "باب الرخصة في ذلك"، وهكذا الإمام البخاري ترجم أولًا: "باب لا صدقة إلا عن ظهر غنًى"، ثم بعد ذلك ترجم "باب الصدقة فيما استطاع".
والظاهر عندي في معناه، أي: ولوكان بغير ظهر غنى كما سبق، وكان المناسب لهذا الباب حديث جهد المقل، لكن لما لم يكن على شرطه أشار إليه بهذا الباب، والحديث الذي أخرجه المصنف ههنا يتناول هذا المعنى فإن مراتب الاستطاعة بحسب اختلاف أحوال الأشخاص متفاوتة جدًا، فمنهم من يستطيع إنفاق الكل ومنهم دون ذلك.
(٢٣ - باب الصدقة تُكفِّر الخطيئة)
غرض الترجمة واضح ظاهر.
(٢٤ - باب من تصدق في الشرك ثم أسلم)
قال الحافظ (٢): أي: هل يعتد له بثواب ذلك أو لا؟ قال ابن المنيِّر: لم يبت الحكم من أجل قوة الاختلاف فيه.
стр. 1200
قال الحافظ: وقد تقدم البحث في ذلك مستوفى في "كتاب الإيمان" في الكلام على حديث: "إذا أسلم العبد فحسن إسلامه"، وأنه لا مانع من أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه في الكفر تفضلًا وإحسانًا، انتهى.
وتقدم الكلام عليه في "باب حسن إسلام المرء" من "كتاب الإيمان".
وقال القسطلاني (١): قوله: "أسلمت على ما سلف. . ." إلخ، هذا لا يتخرج (٢) على القواعد الأصولية؛ لأن الكافر لا يصح منه في حال كفره عبادة؛ لأن شرطها النية وهي متعذرة منه، وإنما يكتب له ذلك الخير بعد إسلامه تفضلًا من الله مستأنفًا. . . إلى آخر ما قال.
وقال العيني (٣): وذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره، انتهى.
(٢٥ - باب أجر الخادم إذا تصدق. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): قال ابن العربي: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت الزوج، فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري ولذلك قيَّد الترجمة بالأمر به، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه. ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه لا الإنفاق على الفقراء بغير إذن. ومنهم من فرق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترط الإذن، انتهى.
стр. 1201
قلت: وإلى الفرق بين الخادم والمرأة أشار الإمام البخاري بالترجمة الآتية.
(٢٦ - باب أجر المرأة إذا تصدقت. . .) إلخ
لم يقيد ههنا بالأمر كما قيد به الباب السابق، فقيل: إنه فرق بين المرأة والخادم بأن المرأة لها أن تتصرف في بيت زوجها بما ليس فيه إفساد للرضا بذلك في الغالب، بخلاف الخادم والخازن. ويدل على ذلك ما رواه المصنف في "البيوع" من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره"، انتهى من "الفتح" (١).
(٢٧ - باب قول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى. . .﴾ [الليل: ٥]) إلخ
قال ابن المنيِّر (٢): أدخل هذه الترجمة بين أبواب الترغيب في الصدقة ليفهم أن المقصود الخاص بها الترغيب في الإنفاق في وجوه البر، وأن ذلك موعود عليه بالخلف في العاجل زيادة على الثواب الآجل، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٣): إشارة إلى توجيه الآية بأن قوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]، محمول على اليسر الدنياوي أيضًا وهو أيضًا محتمل الآية، انتهى.
(٢٨ - باب مثل المتصدق والبخيل)
قال الحافظ (٤) عن ابن المنيِّر: قام التمثيل في خبر الباب مقام الدليل على تفضيل المتصدق على البخيل، فاكتفى المصنف بذلك عن أن يضمن الترجمة مقاصد الخبر على التفصيل، انتهى.
стр. 1202
(٢٩ - باب صدقة الكسب والتجارة. . .) إلخ
هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرًا على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة عن الحكم عن مجاهده في هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال: من التجارة الحلال، أخرجه الطبري وغيره، وقال ابن المنيِّر: لم يقيد الكسب في الترجمة بالطيب كما في الآية استغناءً عن ذلك بما تقدم في ترجمة "باب الصدقة من كسب طيب"، انتهى من "الفتح" (١).
وقال العيني (٢): أشار بالترجمة إلى أن الصدقة يعتد بها إذا كانت من كسب حلال، ولم يذكر الحديث اكتفاءً بالآية، انتهى.
ويحتمل عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى وجوب الزكاة في مال التجارة كما قال به الأئمة الأربعة لما روى أبو داود (٣) من حديث سمرة بن جندب "أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع".
وفي "البذل" (٤): قال الشوكاني (٥): زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ولم يخالف فيها إلا الظاهرية فقالوا: لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق، لا للتجارة ولا لغيرها، انتهى.
وحكى النووي (٦): عن داود: لا تجب الزكاة في العروض مطلقًا، انتهى.
ولم يذكر المصنف حديث أبي داود المذكور لعدم كونه على شرطه، واستدل عليه بالآية. ويستنبط على الدقة من الحديث الاتي بقوله: "يعمل بيده. . ." إلخ.
стр. 1203
(٣٠ - باب على كل مسلم صدقة. . .) إلخ
أي: على سبيل الاستحباب المتأكد، ولا حق في المال سوى الزكاة إلا على سبيل الندب ومكارم الأخلاق، كما قاله الجمهور، كذا في "القسطلاني" (١).
(٣١ - باب قدر كم يعطى من الزكاة والصدقة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): إن ما قاله بعض العلماء من أنه لا يزيد على قدر نصاب في إعطاء فقير واحد فإنما مرادهم بذلك ما هو الأولى ولا ينفون الجواز، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: عطف الصدقة على الزكاة من عطف العام على الخاص، وأشار بذلك إلى الرد على من كره أن يدفع إلى شخص واحد قدر النصاب وهو محكي عنه عن أبي حنيفة، وقال محمد: لا بأس به، انتهى.
وتعقبه العيني فقال (٤): ليت شعري كم من ليلة سهر هذا القائل حتى سطر هذا الكلام الذي تمجه الأسماع، وكيف يدل ذلك على الرد على أبي حنيفة، انتهى.
ولم أتحصل أنا أيضًا بعد أنه كيف يكون هذا ردًا على من يكره إعطاء قدر النصاب لواحد فإن العطية الواردة في الحديث هي شاة واحدة وهي ليست بنصاب.
والأوجه عندي: أن الإمام البخاري لم يشر إلى الرد أصلًا بل أشار بالسؤال - بقوله: "قدر كم يعطى" - إلى هذا الاختلاف الواقع فيما بين الأئمة، فمذهب الحنفية في ذلك ما في "الدر المختار" (٥): وكره إعطاء فقير
стр. 1204
نصابًا أو أكثر إلا إذا كان المدفوع إليه مديونًا أو كان صاحب عيال بحيث لو فرقه عليهم لا يخص كلا أو لا يفضل بعد دينه نصاب، انتهى.
وقال الموفق (١): والمذهب أنه لا يدفع إليه زيادة على ما يحصل به الغنى، وهذا قول الثوري، ومالك، والشافعي. وقال أصحاب الرأي: يعطى ألفًا أو أكثر إذا كان محتاجًا إليها، ويكره أن يزاد على المأتين، ولنا: أن الغنى لو كان سابقًا منع، فيمنع إذا قارن، كالجمع بين الأختين في النكاح، انتهى.
وقال أيضًا: المراد بالغنى المانع من أخذ الزكاة، واختلف العلماء فيه، وعن أحمد فيه روايتان أظهرهما أنه ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو تجارة أو نحوهما، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلّت له الصدقة وإن ملك نصابًا، وهو قول مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها وهو ملك النصاب، انتهى مختصرًا من عدة مواضع.
وقال السندي (٢): قوله: "باب قدر كم. . ." إلخ، كثيرًا ما يذكر المصنف في الترجمة أشياء ويستخرج لها أحاديث، فربما لا يتيسر له استخراج الأحاديث إلا لبعضها ولعل هذا الباب من هذا القبيل، فإن الحديث الذي ذكره لا يوافق إلا الجزء الأخير من الترجمة وهو: "من أعطى شاةً"، وربما يقال: إنه اكتفى في الجزء الأول بأنه ما ورد في الشرع للقدر حد، ونبَّه عليه بعدم ذكر حديث له، والأصل عدم التحديد في ذلك إلا بالشرع فإذا لم يرد في الشرع فالوجه القول بالإطلاق، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
стр. 1205
(٣٢ - باب زكاة الورق)
قال الحافظ (١): أي: الفضة، يقال: "ورق" بفتح الواو وبكسرها وبكسر الراء وسكونها، قال ابن المنيِّر: لما كانت الفضة هي المال الذي يكثر دورانه في أيدي الناس ويروج بكل مكان كان أولى بأن يقدم على ذكر تفاصيل الأموال الزكوية، انتهى.
(٣٣ - باب العرض في الزكاة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك: أن من وجب عليه زكاة شيء من النصب فله أن يؤدي قيمة ذلك المقدار الواجب من غير هذا الصنف الواجب ولا يتعين هذا الشيء عليه، انتهى.
وفي هامشه: قال الحافظ (٣): أي: جواز أخذ العرض، وهو بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة، والمراد به ما عدا النقدين.
وقال العيني (٤): قال أبو عبيد: العرض ما عد الحيوان والعقار والمكيل والموزون، وفي "الصحاح": العرض المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنها عين، انتهى.
وقال الحافظ (٥): قال ابن رُشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل، انتهى.
قلت: ما قاله من قوله: "مع كثرة مخالفة للحنفية" لا يقبله من أمعن النظر في تراجم البخاري، فإن مخالفته لغير الحنفية في تراجمه ليست بأقل من مخالفته إياهم، ومسألة الباب خلافية.
قال العيني (٦): الأصل أن دفع القيم في الزكاة جائز عندنا، وقال
стр. 1206
الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو قول البخاري وإحدى الروايتين عن أحمد، وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين، وقال مالك والشافعي: لا يجوز وهو قول داود، انتهى ملخصًا.
قوله: (وأما خالد فقد احتبس. . .) إلخ، في "تراجم شيخ المشايخ" (١): استدلال ببعض محتملاته بأن يقال معناه: أنه اشترى بمال الزكاة الأدراع والأعتد فوقفها في سبيل الله فقد سقطت زكاته، وأما لو حمل الكلام على معان أُخر فلا يدل على الترجمة، انتهى.
وفي تقرير مولانا محمد حسن المكي: قوله: احتبس، أي: وقف في سبيل الله، ولا زكاة في الوقف، وكان العامل ظن أن أدراعه وأعتده للتجارة فطلب منه زكاتها فلولا وقفها لأعطى زكاتهما لا من أجزائهما بل من قيمتهما فثبتت التبديل، انتهى.
وقال العيني (٢): مطابقته للترجمة من حيث إن أدراع خالد واعتده من العرض، ولولا أنه وقفهما لأعطاهما في وجه الزكاة أو لما صح منه صرفهما في سبيل الله لدخلا في أحد مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، انتهى.
(٣٤ - باب لا يجمع بين متفرق. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): قال الزين ابن المنيِّر: لم يقيِّد المصنف الترجمة بقوله: خشية الصدقة لاختلاف نظر العلماء في المراد بذلك، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٤): مذهب الشافعي أن الصدقة على الثلاثة (٥)
стр. 1207
ولا عبرة للملاك، وقال أبو حنيفة: العبرة للملاك، فمعنى الحديث عند الشافعي أنه لا يجمع المتصدق بين المتفرق حتى يبلغ المجموع قدر النصاب ويأخذ منه الزكاة، ولا يفرق بين مجتمع حتى تتكرر الوظيفة كما أن يكون ثمانون شاة مجتمعة يأخذ منه شاة واحدة، ولا ينصف منها حتى يأخذ من كل أربعين شاةً. وعند الحنفية أنه إذا كان لشخصين غنم لكل واحد منهما دون النصاب والمجموع من نصيبهما نصابًا فلا يجمع المصدق حتى يأخذ منه الصدقة بل يتركها، ولا يفرق المصدق بين مجتمع، يعني: إذا كان لشخص واحد مثلًا ثمانين شاة أربعين في موضع وأربعين في موضع آخر فلا يعتبرهما نصابين ولا يأخذ منهما شاتين، بل يأخذ شاة واحدة؛ لأن الملك واحد، انتهى.
قلت: ومسألة الخلطة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (١) ومختصرًا في هامش "اللامع"، وكذا بسط في هامش "فيض الباري" الكلام على هذا الباب وعلى الباب الآتي أشد البسط، فارجع إليه لو شئت.
(٣٥ - باب ما كان من خليطين. . .) إلخ
بسط الكلام عليه في "اللامع" (٢) وهامشه فارجع إليه، ثم إن خلطة الجوار في الماشية فقط عند مالك وأحمد، وفي كل شيء عند الشافعي، وأيضًا قال مالك: لا يجب الزكاة في الخلطة حتى يكون كل واحد منهما صاحب نصاب، ولا عبرة لخلطة الجوار عند الحنفية كما تقدم في كلام شيخ المشايخ.
стр. 1208
(٣٦ - باب زكاة الإبل)
غرض الترجمة واضح لا يحتاج إلى بيان فإن المسألة إجماعية.
قول: (من وراء البحار) في "تراجم شيخ المشايخ" (١): أي: من وراء البلاد، والبحر بمعنى البلد، انتهى.
قال القسطلاني (٢): أي: من وراء القرى والمدن، وكأنه قال: إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبال أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكان، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): قوله: "من وراء البحار" وهذا كقولنا في العرف: "سات سمندر بار"، انتهى.
(٣٧ - باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): وليس في الحديث ما ترجم به، وقد أورد الحكم الذي ترجم به في "باب العرض في الزكاة" وحذفه هنا، فقال ابن بطال: هذه غفلة منه. وتعقبه ابن رُشيد وقال: بل هي غفلة ممن ظن به الغفلة، وأشار الإمام البخاري إلى أن حكمه يستفاد بطريق الاستنباط وذلك أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهمًا، فعلى هذا من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده إلا حقة أن يرد عليه المصدق أربعين درهمًا أو أربع شياه جبرانًا أو بالعكس. فلو ذكر اللفظ الذي ترجم به لما أفهم هذا الغرض، انتهى مختصرًا.
وقال القسطلاني (٥): قيل: جرى في ذلك على عادته في تشحيذ الأذهان بخلو حديث الباب عن موضع الترجمة اكتفاء بذكر أصل الحديث في موضع آخر ليبحث الطالب عنه، وقيل غير ذلك. وقال أيضًا: والخيار
стр. 1209
في الشاتين والدراهم سواء كان مالكًا أو ساعيًا، وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية كما بسط في "الأوجز" (١)، قال مالك في "الموطأ": على رب المال أن يبتاعها له، ولا أحب أن يعطيه قيمتها. وعند الشافعي وأحمد الاعتبار في النزول والصعود لرب المال، وعندنا العبرة بالقيمة ويجبر على الصعود ولا يجبر على النزول لأنه بيع.
(٣٨ - باب زكاة الغنم)
قال الزين بن المنيِّر: حذف وصف الغنم بالسائمة وهو ثابت في الخبر، إما لأنه لم يعتبر هذا المفهوم أو لتردده من جهة تعارض وجوه النظر فيه عنده، وهي مسألة خلافية شهيرة، والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلة بمعلولها اعتبرت وإلا فلا، ولا شك أن السوم يشعر بخفة المئونة ودرء المشقة [بخلاف] العلف فالراجح اعتباره ههنا، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: والأوجه أنه لم يذكره للشهرة، أو لأنه إذا ثبت ثبت بلوازمه؛ ولذا لم يذكر في باب زكاة الإبل والبقر، ولم يشكل الشرَّاح في هذين البابين.
(٣٩ - باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): اختلف في ضبطه "المصدق"، فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد: المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ التيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يحتاج إليه، وفي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث.
стр. 1210
ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي في "البويطي"، ولفظه: ولا تؤخذ ذات عوار ولا تيس ولا هرمة إلا أن يرى المصدق أن ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر، انتهى. وهذا أشبه بقاعدة الشافعي في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبة مثلًا أو تيوسًا أجزأه أن يخرج منها.
وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئةً تمسكًا بظاهر هذا الحديث، وفي رواية أخرى عندهم كالأول، انتهى.
وبسط الكلام على هذا الاستثناء وما يتعلق به من مذاهب الأئمة في "الأوجز" (١).
(٤٠ - باب أخذ العناق في الصدقة)
كأن البخاري أشار بهذه الترجمة بعد الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة من الغنم في الصدقة؛ لأن الصغيرة لا عيب فيها سوى صغر السن فهي أولى أن تؤخذ من الهرمة إذا رأى الساعي ذلك، وهذا هو السر في اختيار لفظ الأخذ في الترجمة دون الإعطاء، وخالف في ذلك المالكية فقالوا: معناه كانوا يؤدون عنها ما يلزم أداؤه، وقال أبو حنيفة ومحمد، لا يؤدي عنها إلا من غيرها (٢)، انتهى.
قلت: ذكر في "هامش اللامع" (٣) ثلاثة مسائل مناسبة لهذا المقام، والثالثة منها: أنها إذا كانت كلها فصلانًا أو عجاجيل أو سخالًا، فقال العيني (٤): ليس فيها صدقة، وهذا آخر أقوال أبي حنيفة، وبه قال محمد والثوري وداود. وقال زفر ومالك: يجب فيها ما يجب في الكبار. وقال الشافعي: في الجديد: يجب واحدة منها، وبه قال أبو يوسف وأحمد.
стр. 1211
(٤١ - باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة)
قال الحافظ (١): هذه الترجمة مقيدة لمطلق الحديث لأن فيه "وتوَقَّ كرائم أموال الناس" بغير تقييد بالصدقة، وأموال الناس يستوي التوقي لها بين الكرائم وغيرها، فقيدها في الترجمة بالصدقة، وهو بيِّن من سياق الحديث لأنه ورد في شأن الصدقة، انتهى.
(٤٢ - باب ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة)
قال ابن المنيِّر (٢): هذه الترجمة تتعلق بزكاة الإبل، وإنما اقتطعها من ثم لأن الترجمة المتقدمة مسوقة للإيجاب وهذه للنفي؛ فلذلك فصل بينهما بزكاة الغنم وتوابعه، كذا قال، ولا يخفى تكلفه، والذي يظهر لي أن لها تعلقًا بالغنم التي تعطى في الزكاة من جهة أن الواجب في الخمس شاة، وتعلقها بزكاة الإبل ظاهر فلها تعلق بهما كالتي قبلها، انتهى.
(٤٣ - باب زكاة البقر. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر (٣): أَخَّر زكاة البقر لأنها أقل النعم وجودًا ونصبًا، ولم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، فتقدير الترجمة إيجاب زكاة البقر؛ لأن جملة ما ذكره في الباب يدل على ذلك من جهة الوعيد على تركها. قال ابن رُشيد: وهذا الدليل يحتاج إلى مقدمة، وهو أنه ليس في البقر حق واجب سوى الزكاة، انتهى.
قال القسطلاني (٤): وروى الترمذي وحسنه وصححه الحاكم عن معاذ: "بعثني رسول الله إلى اليمن وأمرني أن آخذ من أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعًا"، وقد حكم بعضهم بتصحيح حديث معاذ واتصاله، وفيه نظر؛ لأن مسروقًا لم يلق معاذًا وإنما حسنه الترمذي لشواهده، والتبيع ما له
стр. 1212
سنة كاملة، والمسنة هي الثنية؛ أي: ذات سنتين، انتهى مختصرًا.
وفي "الفيض" (١): لم يكن عند المصنف في هذا الباب حديث على شرطه، فأراد أن لا يخلو كتابه من تلك المسألة المهمة أيضًا؛ لأنه قد بسط فيه الفقه أيضًا، فأشار إليها فقط، ومضى، ولله دره ما أدق نظره، انتهى.
(٤٤ - باب الزكاة على الأقارب. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر: وجه استدلاله بأحاديث الباب أن صدقة التطوع على الأقارب لما لم ينقص أجرها بوقوعها موقع الصدقة والصلة معًا كانت صدقة الواجب كذلك، لكن لا يلزم من جواز صدقة التطوع أن تكون الواجبة كذلك، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٢).
وفي "الفيض" (٣): اختار التعميم، ولم يفصل بين الأصول والفروع وغيرهم، وعندنا لا تجوز على الأصول والفروع. ولما لم يكن الحديث في الزكاة لم نحتج إلى جوابه، أما المصنف فطريقه أوسع في الاستدلال، انتهى.
قلت: وهو كذلك؛ فإن الاستدلال بكل المحتمل مطرد في تراجمه، وقال الموفق (٤): أجمعوا على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا ولا إلى الأولاد وإن سفلوا، وأما سائر الأقارب، فمن لا يُورَّث منهم يجوز له، وأما وارث فعن أحمد روايتان، إحدهما: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم، والثانية: لا يجوز، انتهى.
(٤٥ - باب ليس على المسلم في فرسه صدقة)
اتفقوا على أنه لا زكاة فيه إن كان معدًّا للركوب، وكذا أجمعوا على وجوب الزكاة فيه إن كان للتجارة خلافًا للظاهرية، واختلفوا فيما سوى