← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1208–1247 · переход к 1213.

стр. 1208

(٣٦ - باب زكاة الإبل) غرض الترجمة واضح لا يحتاج إلى بيان فإن المسألة إجماعية. قول: (من وراء البحار) في "تراجم شيخ المشايخ" (١): أي: من وراء البلاد، والبحر بمعنى البلد، انتهى. قال القسطلاني (٢): أي: من وراء القرى والمدن، وكأنه قال: إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبال أن تقيم في بيتك ولو كنت في أبعد مكان، انتهى. وفي "الفيض" (٣): قوله: "من وراء البحار" وهذا كقولنا في العرف: "سات سمندر بار"، انتهى. (٣٧ - باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض. . .) إلخ قال الحافظ (٤): وليس في الحديث ما ترجم به، وقد أورد الحكم الذي ترجم به في "باب العرض في الزكاة" وحذفه هنا، فقال ابن بطال: هذه غفلة منه. وتعقبه ابن رُشيد وقال: بل هي غفلة ممن ظن به الغفلة، وأشار الإمام البخاري إلى أن حكمه يستفاد بطريق الاستنباط وذلك أن جبر كل مرتبة بشاتين أو عشرين درهمًا، فعلى هذا من بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده إلا حقة أن يرد عليه المصدق أربعين درهمًا أو أربع شياه جبرانًا أو بالعكس. فلو ذكر اللفظ الذي ترجم به لما أفهم هذا الغرض، انتهى مختصرًا. وقال القسطلاني (٥): قيل: جرى في ذلك على عادته في تشحيذ الأذهان بخلو حديث الباب عن موضع الترجمة اكتفاء بذكر أصل الحديث في موضع آخر ليبحث الطالب عنه، وقيل غير ذلك. وقال أيضًا: والخيار

стр. 1209

في الشاتين والدراهم سواء كان مالكًا أو ساعيًا، وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح، انتهى. قلت: والمسألة خلافية كما بسط في "الأوجز" (١)، قال مالك في "الموطأ": على رب المال أن يبتاعها له، ولا أحب أن يعطيه قيمتها. وعند الشافعي وأحمد الاعتبار في النزول والصعود لرب المال، وعندنا العبرة بالقيمة ويجبر على الصعود ولا يجبر على النزول لأنه بيع. (٣٨ - باب زكاة الغنم) قال الزين بن المنيِّر: حذف وصف الغنم بالسائمة وهو ثابت في الخبر، إما لأنه لم يعتبر هذا المفهوم أو لتردده من جهة تعارض وجوه النظر فيه عنده، وهي مسألة خلافية شهيرة، والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلة بمعلولها اعتبرت وإلا فلا، ولا شك أن السوم يشعر بخفة المئونة ودرء المشقة [بخلاف] العلف فالراجح اعتباره ههنا، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: والأوجه أنه لم يذكره للشهرة، أو لأنه إذا ثبت ثبت بلوازمه؛ ولذا لم يذكر في باب زكاة الإبل والبقر، ولم يشكل الشرَّاح في هذين البابين. (٣٩ - باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة. . .) إلخ قال الحافظ (٣): اختلف في ضبطه "المصدق"، فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد: المالك، وهذا اختيار أبي عبيد، وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ التيس وهو فحل الغنم إلا برضا المالك لكونه يحتاج إليه، وفي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث.

стр. 1210

ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي في "البويطي"، ولفظه: ولا تؤخذ ذات عوار ولا تيس ولا هرمة إلا أن يرى المصدق أن ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر، انتهى. وهذا أشبه بقاعدة الشافعي في تناول الاستثناء جميع ما ذكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبة مثلًا أو تيوسًا أجزأه أن يخرج منها. وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئةً تمسكًا بظاهر هذا الحديث، وفي رواية أخرى عندهم كالأول، انتهى. وبسط الكلام على هذا الاستثناء وما يتعلق به من مذاهب الأئمة في "الأوجز" (١). (٤٠ - باب أخذ العناق في الصدقة) كأن البخاري أشار بهذه الترجمة بعد الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة من الغنم في الصدقة؛ لأن الصغيرة لا عيب فيها سوى صغر السن فهي أولى أن تؤخذ من الهرمة إذا رأى الساعي ذلك، وهذا هو السر في اختيار لفظ الأخذ في الترجمة دون الإعطاء، وخالف في ذلك المالكية فقالوا: معناه كانوا يؤدون عنها ما يلزم أداؤه، وقال أبو حنيفة ومحمد، لا يؤدي عنها إلا من غيرها (٢)، انتهى. قلت: ذكر في "هامش اللامع" (٣) ثلاثة مسائل مناسبة لهذا المقام، والثالثة منها: أنها إذا كانت كلها فصلانًا أو عجاجيل أو سخالًا، فقال العيني (٤): ليس فيها صدقة، وهذا آخر أقوال أبي حنيفة، وبه قال محمد والثوري وداود. وقال زفر ومالك: يجب فيها ما يجب في الكبار. وقال الشافعي: في الجديد: يجب واحدة منها، وبه قال أبو يوسف وأحمد.

стр. 1211

(٤١ - باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة) قال الحافظ (١): هذه الترجمة مقيدة لمطلق الحديث لأن فيه "وتوَقَّ كرائم أموال الناس" بغير تقييد بالصدقة، وأموال الناس يستوي التوقي لها بين الكرائم وغيرها، فقيدها في الترجمة بالصدقة، وهو بيِّن من سياق الحديث لأنه ورد في شأن الصدقة، انتهى. (٤٢ - باب ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة) قال ابن المنيِّر (٢): هذه الترجمة تتعلق بزكاة الإبل، وإنما اقتطعها من ثم لأن الترجمة المتقدمة مسوقة للإيجاب وهذه للنفي؛ فلذلك فصل بينهما بزكاة الغنم وتوابعه، كذا قال، ولا يخفى تكلفه، والذي يظهر لي أن لها تعلقًا بالغنم التي تعطى في الزكاة من جهة أن الواجب في الخمس شاة، وتعلقها بزكاة الإبل ظاهر فلها تعلق بهما كالتي قبلها، انتهى. (٤٣ - باب زكاة البقر. . .) إلخ قال ابن المنيِّر (٣): أَخَّر زكاة البقر لأنها أقل النعم وجودًا ونصبًا، ولم يذكر في الباب شيئًا مما يتعلق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه، فتقدير الترجمة إيجاب زكاة البقر؛ لأن جملة ما ذكره في الباب يدل على ذلك من جهة الوعيد على تركها. قال ابن رُشيد: وهذا الدليل يحتاج إلى مقدمة، وهو أنه ليس في البقر حق واجب سوى الزكاة، انتهى. قال القسطلاني (٤): وروى الترمذي وحسنه وصححه الحاكم عن معاذ: "بعثني رسول الله إلى اليمن وأمرني أن آخذ من أربعين بقرة مسنة، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعًا"، وقد حكم بعضهم بتصحيح حديث معاذ واتصاله، وفيه نظر؛ لأن مسروقًا لم يلق معاذًا وإنما حسنه الترمذي لشواهده، والتبيع ما له

стр. 1212

سنة كاملة، والمسنة هي الثنية؛ أي: ذات سنتين، انتهى مختصرًا. وفي "الفيض" (١): لم يكن عند المصنف في هذا الباب حديث على شرطه، فأراد أن لا يخلو كتابه من تلك المسألة المهمة أيضًا؛ لأنه قد بسط فيه الفقه أيضًا، فأشار إليها فقط، ومضى، ولله دره ما أدق نظره، انتهى. (٤٤ - باب الزكاة على الأقارب. . .) إلخ قال ابن المنيِّر: وجه استدلاله بأحاديث الباب أن صدقة التطوع على الأقارب لما لم ينقص أجرها بوقوعها موقع الصدقة والصلة معًا كانت صدقة الواجب كذلك، لكن لا يلزم من جواز صدقة التطوع أن تكون الواجبة كذلك، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٢). وفي "الفيض" (٣): اختار التعميم، ولم يفصل بين الأصول والفروع وغيرهم، وعندنا لا تجوز على الأصول والفروع. ولما لم يكن الحديث في الزكاة لم نحتج إلى جوابه، أما المصنف فطريقه أوسع في الاستدلال، انتهى. قلت: وهو كذلك؛ فإن الاستدلال بكل المحتمل مطرد في تراجمه، وقال الموفق (٤): أجمعوا على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا ولا إلى الأولاد وإن سفلوا، وأما سائر الأقارب، فمن لا يُورَّث منهم يجوز له، وأما وارث فعن أحمد روايتان، إحدهما: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم، والثانية: لا يجوز، انتهى. (٤٥ - باب ليس على المسلم في فرسه صدقة) اتفقوا على أنه لا زكاة فيه إن كان معدًّا للركوب، وكذا أجمعوا على وجوب الزكاة فيه إن كان للتجارة خلافًا للظاهرية، واختلفوا فيما سوى

стр. 1213

ذلك. فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أن لا زكاة في الخيل، وبه قال صاحبي أبي حنيفة وهو مختار الطحاوي من الحنفية. وقال أبو حنيفة بوجوب الزكاة في سائمة الخيل، وهو قول النخعي، ورجحه ابن الهمام وبسط الكلام على الدلائل، هذا إذا كانت مختلطة ذكورًا وإناثًا. أما إذا كانت ذكورًا أو إناثًا ففيه روايتان عن الإمام بسط الكلام عليها وعلى الدلائل في "الأوجز" (١)، منها: أن عمر ﵁ وضع عليها الزكاة بعد استشارة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. (٤٦ - باب ليس على المسلم في عبده صدقة) إلا صدقة الفطر وزكاة التجارة في قيمته إن كان للتجارة، انتهى من القسطلاني (٢). وفي "الأوجز" (٣): قال الزرقاني: لا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد صدقة إلا أن يشتروا للتجارة. قال الحافظ (٤): واستدل بحديث الباب من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا ولو كان للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث، انتهى. (٤٧ - باب الصدقة على اليتامى) قال الحافظ (٥): قال ابن المنيِّر: عبَّر بالصدقة دون الزكاة لتردد الخبر بين صدقة الفرض والتطوع، لكون ذكر اليتيم جاء متوسطًا بين المسكين وابن السبيل وهما من مصارف الزكاة، وقال ابن رُشيد: لما قال "باب ليس على المسلم في فرسه صدقة" علم أنه يريد الواجبة، إذ لا خلاف في

стр. 1214

التطوع، فلما قال: "الصدقة على اليتامى" أحال على معهود، انتهى. (٤٨ - باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. . .) إلخ قال الحافظ (١): يشير بقوله: "قاله أبو سعيد" إلى حديثه السابق موصولًا في "باب الزكاة على الأقارب"، قال ابن رُشيد: أعاد الأيتام في هذه الترجمة لعموم الأولى وخصوص الثانية، ومحمل الحديثين في وجه الاستدلال بهما على العموم؛ لأن الإعطاء أعم من كونه واجبًا أو مندوبًا، انتهى. وقال الموفق (٢): أجمعوا على أنه لا يجوز للزوج دفع زكاته إليها، وأما الزوجة فعن أحمد روايتان: أحدهما: لا يجوز وهو مذهب الحنفية، والثانية: يجوز وهو مذهب الشافعية لحديث الباب. قال الحافظ (٣): واستدل بحديث الباب على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك، وحملوا الصدقة في الحديث على الواجبة لقولها: "أتجزئ عني". وتعقبه عياض بأن قوله: "ولو من حليكن" وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوع، وبه جزم النووي، وتأولوا قوله: "أتجزئ عني" أي: في الوقاية من النار؛ كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا تُحصِّل لها المقصود. . . إلى آخر ما في "هامش اللامع". (٤٩ - باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ. . .﴾ [التوبة: ٦٠]) إلخ قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: اقتطع البخاري هذه الآية من التفسير للاحتياج إليها في بيان مصارف الزكاة، انتهى.

стр. 1215

قلت: ولا يبعد عندي أن يقال: إن المصنف اقتطع هذه المصارف عن المصارف السابقة المذكورة في الآية لدقيقة فقهية، وهي: الفرق بين الأصناف الثمانية، وهو ما قال الموفق (١): أربعة أصناف يأخذون أخذًا مستقرًا، ولا يراعى حالهم بعد الدفع، وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون، والمؤلفة، فمتى أخذوها ملكوها ملكًا دائمًا مستقرًا، لا يجب عليهم ردها بحال، وأربعة منهم، وهم: الغارمون، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فإنهم يأخذون أخذًا مراعًى، فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها، وإلا استرجع منهم، ثم ذكر وجه الفرق. . . إلى أن قال: وإن قضى هؤلاء حاجتهم بها، وفضل معهم فضل ردوا الفضل، إلا الغازي، فإن ما فضل له بعد غزوه فهو له، انتهى. ثم قال الحافظ (٢): واختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فقيل: المراد شراء الرقبة لتعتق، وهو رواية عن مالك وإليه مال البخاري، ورُوي عن مالك أنها في المكاتب وهو قول الشافعي والكوفيين وأكثر أهل العلم، انتهى. قوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ وفي "الفيض" (٣): الغارم المديون، بشرط أن لا يكون عنده نصاب، وعند الشافعي هو الذي تحمل غرامة، وإن كان له مال، ويعلم من كلام "البدائع" أن تفصيل الشافعية محتمل عندنا أيضًا، انتهى. قوله: (وفي سبيل الله) قال القسطلاني (٤): أي: وللصرف في الجهاد والإنفاق على المتطوعة به ولو كانوا أغنياء لقوله ﵇: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله"، وخصه أبو حنيفة بالمحتاج، وعن أحمد: الحج من سبيل الله، انتهى.

стр. 1216

قال العيني (١): هو منقطع الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد منقطع الحاج، وفي "المبسوط": وفي سبيل الله فقراء الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد: فقراء الحاج، انتهى. وفي "الفيض" (٢): والمراد منه عند البخاري جميع أبواب الخير، انتهى. (٥٠ - باب الاستعفاف عن المسألة) قال الحافظ (٣): أي: في شيء من غير المصالح الدينية، انتهى. وقال العيني (٤): الاستعفاف طلب العفاف، وقيل: الصبر والنزاهة عن الشيء، وقيل: التنزه عن السؤال، انتهى. (٥١ - باب من أعطاه الله شيئًا. . .) إلخ قال الحافظ (٥): ومطابقة الآية لحديث الباب من جهة دلالتها على مدح من يعطي السائل وغير السائل، وإذا كان المعطي ممدوحًا فعطيته مقبولة وآخذها غير ملوم. واختلفوا في تفسير المحروم، فقيل: هو المتعفف الذي لا يسأل، نقله الطبري عن ابن شهاب وغيره، وأخرج فيه أقوالًا أخر، وعلى التفسير المذكور تنطبق الترجمة، والإشراف بالمعجمة: التعرض للشيء والحرص عليه، من قولهم أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع شرف. وتقدير جواب الشرط: فليقبل، أي: من أعطاه الله مع انتفاء القيدين المذكورين فليقبل، وإنما حذفه للعلم به، انتهى. (٥٢ - باب من سأل الناس تكثرًا) قال القسطلاني (٦): أي: مستكثرًا المال بسؤاله لا يريد به سدّ الخلّة، وجواب الشرط محذوف، أي: فهو مذموم، انتهى.

стр. 1217

قال الحافظ (١): وحديث الباب الذي يليه عن المغيرة أصرح في المقصود من حديث الباب، لكن عادة المؤلف أن يترجم بالأخفى، أو الاحتمال أن يكون المراد في حديث المغيرة النهي عن المسائل المشكلة كالأغلوطات، أي: السؤال عما لا يعني، أو عما لم يقع مما يكره وقوعه، وأشار مع ذلك إلى حديث أخرجه الترمذي (٢)، لكن ليس على شرطه، وفيه: "ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة" الحديث، قاله ابن رُشيد، وأولى منه أنه أشار إلى ما في "مسلم" (٣) عن أبي هريرة ﵁ وهو مطابق للفظ الترجمة، ولفظه: "من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا"، انتهى. قلت: والظاهر عندي أنه أشار إلى محمل الحديث؛ فالغرض أن الاستعفاف عن المسألة وإن كان محتاجًا أفضل كما تقدم وهو مؤدى الباب السابق، والوعيد لمن سأل تكثرًا وهو مؤدى هذا الباب، وههنا مرتبة ثالثة وهو السؤال لأجل الحاجة فلا فضل فيه ولا وعيد. (٥٣ - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) أورد (٤) الآية الثانية تفسيرًا لقوله في الترجمة: "وكم الغنى" كأنه يقول: وقول النبي ﷺ : "ولا يجد غنى يغنيه" مبين لقدر الغنى؛ لأن الله تعالى جعل الصدقة للفقراء الموصوفين بهذه الصفة، أي: من كان كذلك فليس بغني ومن كان بخلافها فهو غني. وأما قوله: "وكم الغنى" فلم يذكر فيه حديثًا صريحًا فيحتمل أنه أشار إلى أنه لم يرد فيه شيء فيحتمل أن يستفاد من قوله في الحديث: "الذي لا يجد غنى يغنيه"، فإن معناه: لا يجد شيئًا يقع موقعًا من حاجته، فمن وجد ذلك كان غنيًا. وقد ورد فيه ما أخرجه

стр. 1218

الترمذي (١) وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وفي آخره "قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا" الحديث، انتهى مختصرًا. قلت: أورد المصنف الروايات العديدة بلفظ "غنى يغنيه" لعله أشار إلى أن لا تحديد فيه وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال فالمانع في الواقع وجود شيء يستغني به عن السؤال بلا قيد خمسين درهمًا والنصاب وغيرهما كما في "البذل" (٢) وغيره، وفي "الأوجز" (٣): الغنى على ثلاثة أنواع، أحدها: الموجب للزكاة، والثاني: المانع من أخذها، والثالث: المانع عن السؤال. أما الأولان فهما ملك نصاب موجب للزكاة؛ إلا أن الأول: يكون بعد تمام الحول، والثاني: يكون بمجرد الملك بدون شرط حولان الحول، والثالث: أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته وهذا عندنا الحنفية، وأما بقية الأئمة فقد اختلط كلامهم في الغنى المانع عن أخذ الصدقة والمانع عن السؤال كما تقدم بعض ذلك عن الموفق في "باب قدر كم يعطى من الزكاة". (٥٤ - باب خرص التمر) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): أراد بذلك إثبات جوازه باعتباره في نفسه حتى يجوز في العشر والعرية وغيرهما من الصدقات، ولا ينافيه عروض حرمة البيع بالخرص بعارض شبهة الربا حيث تلزم، والله أعلم، انتهى. وفي هامشه: بسط الكلام على هذا الباب في "الأوجز" (٥) وجملته: أن الخرص بفتح المعجمة وقد تكسر وسكون الراء وهو: حزر ما على النخل وغيره من الثمرة، قال ابن رشد في "البداية" (٦): أما تقدير النصاب بالخرص واعتباره به فجمهور العلماء على إجازته في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها لضرورة أن يخلي بينها وبين أهلها يأكلونها رطبًا. وقال داود:

стр. 1219

لا خرص إلا في النخيل فقط. وقال أبو حنيفة وصاحباه: الخرص باطل، وعلى رب المال أن يؤدي عشر ما تحت يده زاد على الخرص أو نقص. والسبب في اختلافهم معارضة الأصول للأثر الوارد في ذلك، وهو ما روي أن رسول الله ﷺ كان يرسل عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فيخرص عليهم النخل، وأما الأصول التي تعارضه، فلأنه من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالثمر كيلًا، ولأنه أيضًا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل ومن النسيئة، وكلاهما من أصول الربا، فلما رأى الكوفيون هذا مع أن الخرص الذي كان يخرص على أهل خيبر لم يكن للزكاة، قالوا: يحتمل أن يكون تخمينًا ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار. . . إلى آخر ما بسط الكلام على ذلك في "الأوجز" مع بيان الاختلاف في فروع هذا الباب، مثلًا: يختص بالنخل أو يلحق به العنب أيضًا؟ أو يعم كل ما ينتفع به رطبًا وجافًا؟ وبالأول قالت الظاهرية، وبالثاني قال الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاري. . .، إلى آخر ما في هامش "اللامع". وقال شيخ مشايخنا الدهلوي في "المسوى" (١): قالت الحنفية: الخرص ليس بشيء. وأولوا ما روي من ذلك أنه كان تخويفًا على الأكلة لئلا يخونوا، انتهى. هذا هو المعروف من مذهب الحنفية، ومال الشيخ الكَنكَوهي إلى جوازه في العشر والعرية، فارجع إلى "الكوكب الدري" (٢) وهامشه. وقال الحافظ (٣): باب خرص التمر، أي: مشروعيته، انتهى. قلت: وفي ذكره في "كتاب الزكاة" إشارة منه إلى جوازه فيها، وقال الحافظ: اختلف القائلون بالخرص هل هو واجب أو مستحب؟ الأول وجه للشافعية، والثاني قول الجمهور إلا إن تعلق به حق لمحجور مثلًا أو كان شركاؤه غير مؤتمنين فيجب لحفظ مال الغير، انتهى.

стр. 1220

(٥٥ - باب العشر فيما يسقى. . .) إلخ قال ابن المنيِّر: عدل عن لفظ العيون الواقع في الخبر إلى الماء الجاري ليجريه مجرى التفسير للمقصود من ماء العيون، وأنه الماء الذي يجري بنفسه من غير نضح، وليبين أن الذي يجري بنفسه من نهر أو غدير حكمه حكم ما يجري من العيون، انتهى. وكأنه أشار إلى ما في بعض طرقه، فعند أبي داود (١): "فيما سقت السماء والأنهار والعيون" الحديث، انتهى من "الفتح" (٢). قلت: ولا يبعد عندي أن يكون المصنف أشار بذلك إلى مسألة خلافية، وهي أن العشر والزكاة واجبان في الذمة أو في المال، وهما قولان للشافعي وأحمد، ومن قال بالثاني استدل بهذا السياق، كما في "المغني" (٣). قوله: (ولم ير عمر. . .) إلخ، وصله مالك في "الموطأ". وجاء عن عمر بن عبد العزيز ما يخالفه، أخرجه (٤) عبد الرزاق، وفيه: "فخذ منه العشر"، وإسناده ضعيف. وكأن البخاري أشار إلى تضعيف ما روي "أن في العسل العشر" أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي هريرة قال: "كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر" وفي سنده عبد الله بن محرر، قال البخاري في "تاريخه": هو متروك، ولا يصح، قال ابن رُشيد: وجه إدخاله العسل للتنبيه على الخلاف فيه، وأنه لا يرى فيه زكاة وإن كانت النحل تتغذى بما يسقى من السماء لكن المتولد بالمباشرة كالزرع ليس كالمتولد بواسطة حيوان كاللبن فإنه متولد عن الرعي ولا زكاة فيه، انتهى مختصرًا من "الفتح" (٥). والمسألة خلافية؛ ففي هامش "الكوكب" (٦): اختلفت الأئمة في

стр. 1221

وجوب العشر في العسل فقال بوجوبه أبو حنيفة وصاحباه والشافعي في القديم وأحمد وغيرهم، ونفاه مالك والشافعي في الجديد وغيرهما، كذا في "الأوجز" (١) مع البسط في الدلائل. ثم وجوب العشر في العسل مطلقًا من غير شرط نصاب عند أبي حنيفة، واختلفت الروايات عن صاحبيه؛ ففي "الهداية" (٢) عن أبي يوسف أنه يعتبر فيه خمسة أوسق، وعنه أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب، وعنه خمسة أمناء، وعن محمد خمسة أفراق، انتهى. قلت: والرواية الثانية عن محمد خمس قرب، والثالثة خمسة أمناء، انتهى من هامش "الكوكب". وعند أحمد عشرة أفراق كما في "المنهل"، ولا عشر فيه عند مالك والشافعي كما تقدم. قوله: (قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول. . .) إلخ، هذا في غير محله، وقع التقديم من النساخ، ومحله الباب الآتي؛ وهو إشارة إلى حديث أبي سعيد الآتي في الباب، لكن وجهه العلامة السندي (٣) بتوجيه، إذ قال: وكذا ورد في الباب الآتي مثله، وكأنه أتى به في البابين لزيادة التأكيد، والمقصود في الموضعين واحد، والمراد بقوله: "هذا" هو ما سيجيء من حديث أبي سعيد في الباب الآتي، وبقوله: "الأول" ما سبق من حديث ابن عمر، وهذا وإن كان غير ظاهر لكن مقابلة هذا بالأول قرينة على أن المراد بهذا هو المتأخر المقابل للأول، ولم يسبق حديث يعرف بالأولية إلا حديث ابن عمر، فمقابلة المتأخر هو حديث أبي سعيد، ثم قد فسَّر الأول بحديث ابن عمر توضيحًا للمطلوب، قال: لم يوقّت في الأول، يعني: حديث ابن عمر، وفسر عدم توقيته بقوله: "وفيما سقت السماء العشر" ومراده الرد على أبي حنيفة، انتهى.

стр. 1222

(٥٦ - باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وفي "تراجم شيخ المشايخ" (١): فيه رد على الحنفية، انتهى مختصرًا. واعلم أن نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق عند مالك والشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة وداود الظاهري، إلا أنهم اختلفوا في ذلك فيما لا يكال ولا يوسق، فقال داود: إن كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة. قال الحافظ: وهو نوع من الجمع بين الحديثين، واختلف غير داود فيما لا يوسق ولا يكال كما بسط في "الأوجز" (٢)، وقال أبو حنيفة ومن معه: إن حديث أبي سعيد محمول على زكاة التجارة، واستدلوا بما روي من أحاديث العموم من "العشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقي بالنضح" بسطها العيني (٣)، ثم قال: وهذه الأحاديث كلها مطلقة، وليس فيها فصل، قال ابن رشد (٤): سبب الخلاف في ذلك معارضة العموم على الخصوص، والحديثان ثابتان، فمن رأى أن الخصوص يبني على العموم قال: لا بد من النصاب، ومن قال: هما متعارضان إذا جهل المتقدم، ومن رجح العموم قال: لا نصاب، انتهى. قال ابن العربي (٥): أقوى المذاهب مذهب أبي حنيفة دليلًا، وأحوطها للمساكين، وأولاها قيامًا شكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث، انتهى. قلت: وأجابت الحنفية عن حديث أبي سعيد بعشرة أجوبة بسطت في "الأوجز" (٦) ولخص منها في هامش "اللامع".

стр. 1223

(٥٧ - باب أخذ صدقة التمر. . .) إلخ قال الحافظ (١): الصرام بكسر المهملة: الجداد والقطاف وزنًا ومعنًى، وقد اشتمل هذا الباب على ترجمتين: أما الأولى فلها تعلق بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، واختلفوا في المراد بالحق فيها فقال ابن عباس: هي الواجبة، وقال ابن عمر: هو شيء سوى الزكاة. وأما الترجمة الثانية فربطها بالترك إشارة منه إلى أن الصبا وإن كان مانعًا من توجيه الخطاب إلى الصبي فليس مانعًا من توجيه الخطاب إلى الولي بتأديبه وتعليمه، وأوردها بلفظ الاستفهام لاحتمال أن يكون النهي خاصًا بمن لا يحل له تناول الصدقة، انتهى. وفي "الفيض" (٢): نُقِلَ عن أبي حنيفة أنَّ حق الفقراء يتعلقُ عند بُدُو الصلاح، وعن أبي يوسف: أوان الحصاد، وعن محمد: بعد الحصاد، وهو ظاهر القرآن. ولعل المصنف مال إلى مذهب الإِمام، حيث جعل الاستيفاء عند الحصاد وصِرَام النخل، وذكر الوجوب في تراجم أخرى، وليس مراده أن الوجوبَ أيضًا حين صِرَام النخل، بل الوجوبُ قَبْله، نعم، الاستيفاء عند الحصاد، انتهى. (٥٨ - باب من باع ثماره أو نخله. . .) إلخ قال العيني (٣): قوله: "ولم تجب فيه الصدقة" هو تعميم بعد تخصيص، والمراد من النخل التي عليها الثمار، ومن الأرض التي عليها الزرع؛ لأن الصدقة لا تجب في نفس النخل والأرض، وهذا يحتمل ثلاثة أنواع: الأول: بيع الثمرة فقط، والثاني: بيع النخل فقط، والثالث: بيع

стр. 1224

الثمر مع النخل، وكذا بيع الزرع مع الأرض أو بدونها أو بالعكس. وجواب "من" محذوف تقديره: "من باع ثماره. . ." إلخ، جاز بيعه فيها، فدلت هذه الترجمة على أن البخاري يرى جواز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، سواء وجب عليه الزكاة أم لا، وقال ابن بطال: غرض البخاري الرد على الشافعي حيث قال بمنع البيع بعد الصلاح حتى يؤدي الزكاة منها، انتهى. وزاد الحافظ (١) بعد نقل كلام ابن بطال: وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار ويؤخذ العشر منه ويرجع هو على البائع، وعن مالك: على البائع، إلا أن يشترطه على المشتري وهو قول الليث، وعن أحمد: الصدقة على البائع مطلقًا، انتهى. (٥٩ - باب هل يشتري صدقته. . .) إلخ اعلم أن هذه الترجمة مشتملة على الجزئين: الأول: قوله: "هل يشتري. . ." إلخ، والثاني: قوله: "لا بأس أن يشتري صدقة غيره. . ." إلخ، وهذا الجزء الثاني لا خلاف في جوازه؛ لقوله ﵊ في الحديث المشهور: "لا تحل الصدقة لغني إلّا لخمسة" وفيه: "أو لرجل اشتراها بماله"، وقال العيني في حديث بريرة: "لها صدقة ولنا هدية": فإذا كان هذا جائزًا بغير عوض فبالعوض أجوز، انتهى. وأما الجزء الأول من الترجمة فالأوجه عندي: أن الإمام البخاري أشار بلفظ الاستفهام إلى اختلاف مشهور في هذه المسألة، قال ابن الملك: ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر هذا الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره، وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح للمتصدق في الثمن فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح فيه، قال النووي: الكراهة في الشراء، أما إذا ورثه أو انتقل إلى ثالث ثم اشتراه منه المتصدق فلا كراهة فيه، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، انتهى من هامش "اللامع" (٢).

стр. 1225

وفي "الأوجز" (١): لا يجوز شراؤه عند أحمد وأهل الظاهر وهو وجه للمالكية، والجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة على الجواز، انتهى. (٦٠ - باب ما يذكر في الصدقة للنبي ﷺ وآله) قال الحافظ (٢): لم يعيِّن الحكم لشهرة الاختلاف فيه، انتهى. قلت: وفي الترجمة مسألتان: الأولى: حكم الصدقة على النبي ﷺ ، قال الحافظ: كان يحرم على النبي ﷺ صدقة الفرض والتطوع كما نقل فيه غير واحد منهم الخطابي الإجماع، لكن حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، واختلف هل كان تحريم الصدقة من خصائصه ﷺ دون الأنبياء أو كلهم سواء في ذلك، انتهى. قال الموفق (٣): الظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه ﷺ فرضها ونفلها، انتهى. والمسألة الثانية: ما أشار إليه البخاري بقوله "وآله" وفيه بحثان: الأول: في حكم الصدقة على الآل، والثاني: في المراد بالآل. أما الأول ففي "البذل" (٤) عن الشوكاني: قال أكثر الحنفية، وهو المصحح عن الشافعية والحنابلة: إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع، وقال في "الدر المختار" (٥): وجازت التطوعات من الصدقات وغلة الأوقاف لهم، أي: لبني هاشم، انتهى. وعن المالكية أربعة أقوال: الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، وعكسه. وأما البحث الثاني فقد قال النووي (٦): مذهب الشافعي وموافقيه أن

стр. 1226

آله ﷺ بنو هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية، ومذهب أبي حنيفة ومالك أنهم بنو هاشم خاصة. وقال بعض العلماء: هم قريش كلهم، وقال بعضهم: هم بنو قصيٍّ، انتهى. وقال الباجي (١): هم بنو هاشم خاصة. وبه قال أبو حنيفة إلا أنه يستثني منهم بني أبي لهب، انتهى. وعن أحمد روايتان كالمذهبين كما في "الروض المربع" (٢). (٦١ - باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ -) قال الحافظ (٣): لم يترجم لأزواج النبي ﷺ ولا لموالي النبي ﷺ لأنه لم يثبت عنده فيه شيء. وقد نقل ابن بطال أنهن - أي: الأزواج - لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء. وأما مواليه ﷺ فروى أصحاب السنن عن أبي رافع مرفوعًا: "إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم من أنفسهم"، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وبعض المالكية وهو الصحيح عند الشافعية، وقال الجمهور: يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولذلك لم يعوضوا بخمس الخمس. وقال الحافظ: قال ابن المنيِّر: إنما أورد البخاري هذه الترجمة ليحقق أن الأزواج لا يدخل مواليهن في الخلاف ولا يحرم عليهن الصدقة قولًا واحدًا لئلا يظن الظان أنه لما قال بعض الناس بدخول الأزواج في الآل أنه يطَّرد في مواليهن، فبين أنه لا يطَّرد، انتهى. (٦٢ - باب إذا تحولت الصدقة) قال القسطلاني (٤): أي: عن كونها صدقة بأن دخلت في ملك المتصدق عليه جاز للهاشمي تناولها، انتهى.

стр. 1227

(٦٣ - باب أخذ الصدقة من الأغنياء) اعلم أولًا أنهم اختلفوا في مسألة جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجز عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها، ولا يبعد أنه اختيار البخاري؛ لأن قوله: "حيث كانوا" يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه ممن هو متصف بصفة الاستحقاق، انتهى. إذا عرفت هذا فاعلم أنهم اختلفوا في مراد المصنف بقوله: "حيث كانوا" وتقدم ما قال الحافظ آنفًا، وقال الكرماني (١): قوله: "حيث كانوا" الظاهر أن غرض البخاري بيان الامتناع، أي: ترد على فقراء أولئك الأغنياء في موضع وجد لهم الفقراء وإلا جاز النقل، ويحتمل أن يكون غرضه عكسه، انتهى. وتعقبه العيني، إذ قال (٢): قوله: "حيث كانوا" يشعر بأنه اختار جواز النقل فإنه قال: ترد حيث كانوا، أي: الفقراء، وهو أعم من أن يكونوا في موضع كان فيه الأغنياء أوفي غيره، فالعجب من الكرماني حيث جعل الامتناع ظاهرًا وهو محتمل، وجعل الظاهر عكسًا، انتهى. قلت: أصل الخلاف في أن الشرَّاح الشافعية مالوا إلى أن مرجع ضمير "حيث كانوا" الأغنياء، والشرَّاح الحنفية مالوا إلى أن المرجع الفقراء إلى آخر ما في هامش "اللامع". قلت: ويمكن أن يكون غرض المؤلف الإشارة إلى خلافية أخرى شهيرة وهي إعطاء الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية كما هو مذهب الحنفية والحنابلة، وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى

стр. 1228

فالأولى، وعند الشافعي يجب أن يقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجود من الأصناف الستة الذين سُهْمَانُهم ثابتةٌ، قسمةً على السواء، ثم حصة كل صنف منهم لا تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم كما في "المغني" (١)، وفيه: ولنا قوله ﷺ لمعاذ: "تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم" الحديث، فأخبر أنه مأمور برد جملتها في الفقراء، وهم صنف واحد، ولم يذكر سواهم، انتهى. فيمكن أن يكون المصنف أشار إلى هذه المسألة، والله تعالى أعلم. (٦٤ - باب صلاة الإمام ودعائه. . .) إلخ قال الزين بن المنيِّر: عطف الدعاء على الصلاة في الترجمة ليبين أن لفظ الصلاة ليس محتمًا بل غيره من الدعاء ينزل منزلته، انتهى. ويؤيده ما في حديث عند النسائي من أنه ﷺ قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة: "اللهم بارك فيه وفي إبله"، وقال ابن المنيِّر في الحاشية: عبَّر المصنف في الترجمة بالإمام ليبطل شبهة أهل الردة في قولهم للصدِّيق: إنما قال الله لرسوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهذا خاص بالرسول فأراد أن يبين أن كل إمام داخل في الخطاب، انتهى من "الفتح" (٢). وفي حديث الباب مسألة خلافية، قال العيني (٣): احتج به من جوَّز الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا وهو قول أحمد أيضًا. وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأكثرون: إنه لا يصلَّى على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استقلالًا ولكن يصلى عليهم تبعًا. والجواب عن هذا: أن هذا حقه ﵊ له أن يعطيه لمن شاء، وليس لغيره ذلك، انتهى. وبسط الكلام عليه في "الأوجز" (٤).

стр. 1229

(٦٥ - باب ما يستخرج من البحر. . .) إلخ أي: هل تجب فيه الزكاة أو لا؟ وإطلاق الاستخراج أعم من أن يكون بسهولة كما يوجد في الساحل، أو بصعوبة كما يوجد بعد الغوص ونحوه. وقال الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث شيء يناسب الترجمة، رجل اقترض قرضًا فارتجع قرضه. وكذا قال الداودي. وأجاب [أبو] عبد الملك بأنه أشار به إلى أن كل ما ألقاه البحر جاز أخذه ولا خمس فيه، وقال ابن المنيِّر: موضع الاستشهاد منه أخذ الرجل الخشبة على أنها حطب، فإذا قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا فيستفاد منه إباحة ما يلفظه البحر من مثل ذلك مما نشأ في البحر أو عطب فانقطع ملك صاحبه، وكذلك ما لم يتقدم عليه ملك لأحد من باب الأولى، وكذلك ما يحتاج إلى معاناة وتعب في استخراجه أيضًا. وقد فرَّق الأوزاعي بين ما يوجد في الساحل فيخمس أوفي البحر بالغوص ونحوه فلا شيء فيه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب فيه شيء إلا ما روي عن الحسن - كما تقدم - وغيره، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أحمد، انتهى من "الفتح" (١). وفي "الشرح الكبير" (٢): لا زكاة فيما يخرج من البحر واللؤلؤ والمرجان ونحوه في أحد الوجهين، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومحمد. والوجه الآخر: إن فيه زكاة؛ لأنه يشبه معدن الأرض، وهو قول الحسن والزهري، انتهى. (٦٦ - باب في الركاز الخمس. . .) إلخ والركاز: المال المدفون، مأخوذ من الركز - بفتح الراء - وهو الدفن، وهذا متفق عليه، واختلف في المعدن كما سيأتي، كذا في "الفتح" (٣).

стр. 1230

واعلم أن الركاز عندنا الحنفية عام يطلق على الدفن وعلى المخلوق في الأرض. نعم، المعدن والكنز متقابلان، فالمعدن ما خلق في الأرض، والكنز ما دفن فيها، والخمس عندنا في كليهما، إلا في دفائن أهل الإسلام، فإن حكمها حكم اللقطة. وقال الشافعي: الركاز هو الدفين، ولا خمس عنده في المعدن، واحتج بقوله ﷺ : "المعدن جبار، وفي الركاز الخمس" فإنه صريح في كون المعدن غير الركاز، فهما شيئان، والوجه عندنا: أنه إذا حكم على المعدن بكونه جبارًا توهم منه كون المال الخارج منه أيضًا جبارًا، لا شيء فيه، فقال: "وفي الركاز الخمس" ففي الأول بيان لحكم المحل، أي: إن حفره أحد فمات فيه لا شيء له، وفي الثاني بيان للحال، أي: ما خرج منه، وإنما لم يكتف بالضمير تعميمًا للمسألة، فإن الركاز عام كما علمته، كذا في "الفيض" (١)، ففي المعدن عنده، أي: الشافعي وكذا عند مالك وأحمد الزكاة دون الخمس، وعندنا الحنفية في كليهما الخمس، كما بسط في "هامش اللامع". وقال القسطلاني (٢): قوله: "وقال مالك" هو ابن أنس إمام دار الهجرة، "وابن إدريس" هو الشافعي الإمام الأعظم صاحب المذهب كما جزم به أبو زيد المروزي أحد الرواة عن الفربري، وتابعه البيهقي، وقيل: المراد بابن إدريس عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي. (في قليله وكثيره الخمس) وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، وبه قال إمامنا الشافعي في القديم، وشرط في الجديد النصاب ولا تجب الزكاة فيما دونه إلا إذا كان في ملكه من جنس النقد الموجود، انتهى من القسطلاني. قوله: (وقال الحسن. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): وذلك لأنه

стр. 1231

في حكم الغنيمة، ولا يكون له حكم الغنيمة عندنا إلا إذا لم يكن دخوله في دار الحرب بأمان، بل دخل فيها متلصصًا أو متغلبًا، فأما إذا دخلها بأمان فإن أخذه شيئًا من أموالهم يكون غدرًا، وهذا التفصيل مرعي أيضًا على مذهب الحنفية في قوله: وإن وجدت لقطة في أرض العدو، انتهى. وفي هامشه: قال الحافظ (١): وصله ابن أبي شيبة بلفظ: "إذا وجد الكنز في أرض العدو ففيه الخمس، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة"، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا فرق هذه التفرقة غير الحسن، انتهى. وفي "الفيض" (٢) تحت قوله: "وقال الحسن": وهذا أقرب إلى الحنفية؛ لأنه أوجب الخمس في الركاز مطلقًا، وما فرق به يوجب الخمس في معدن دار الإسلام أيضًا، فإن الأراضي لتقادم العهد بالكفر كانت للكافرين، ثم تحولت إلى ملك المسلمين، فحكمها يكون كحكم الغنيمة، وإن وجد فيها المعدن في دار الإسلام، انتهى. قوله: (قال بعض الناس. . .) إلخ، وهذا أول المواضع التي أورد فيها الإمام البخاري على بعض العلماء بقوله: "وقال بعض الناس" وهي أربع وعشرون موضعًا في سائر كتابه، وهذا أولها، وآخرها في "كتاب الأحكام"، والمعروف عند العلماء أن هذه كلها إيرادات على الحنفية لا سيما على الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وهذا صحيح باعتبار أكثر المواضع، وإلا فقد يقول: "قال بعض الناس" مع أن المسألة إجماعية كما سيأتي في "كتاب الهبة"، وقد يشير به إلى الشافعي أيضًا كما سيأتي في "كتاب الأحكام" إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع". وفي "الفيض": ولم يرد به أبا حنيفة في جميع المواضع، كما زُعِمَ، وإن كان المراد ههنا هو الإمام الهمام، بل المراد في بعضها عيسى بن أبان،

стр. 1232

وفي بعض آخر الشافعي نفسه، وفي آخر محمد، ثم لا يستعمله المصنف للرد دائمًا، بل رأيته قد يقول: بعض الناس، ثم يختاره، وقد يتردد فيه، إلى آخر ما بسطه. وقوله: (ثم ناقضه وقال: لا بأس. . .) إلخ، ليس بمناقضة كما حققه المحشي، ولم ينفرد الإمام بذلك بل يجوز أن يتولى الإنسان تفرقته بنفسه عند أحمد وابن المنذر لما روي عن علي ﵁ أنه أمر واجد الكنز بتفرقته على المساكين، كما في "المغني" (١). قال الحافظ (٢): قال ابن بطال: ليس كما قال، إنما أجاز أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجًا، بمعنى أن له حقًا في بيت المال ونصيبًا، ونقل الطحاوي المسألة كما قال ابن بطال، ونقل أيضًا: لو وجد في داره معدنًا فليس عليه شيء، وبهذا يتجه اعتراض البخاري، انتهى من "الفتح". قلت: وما قاله الحافظ بعيد من مثله؛ لأن العلماء اختلفوا في الموضع الذي يجب فيه الخمس، وقد بسط الكلام على ذلك الموفق. . .، إلى آخر ما ذكر في "هامش اللامع". (٦٧ - باب قول الله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. . . [التوبة: ٦٠]) إلخ قال الحافظ (٣): قال ابن بطال: اتفق العلماء أن العاملين عليها: السعاة المتولون لقبض الصدقة، قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون العامل المذكور صرف شيئًا من الزكاة في مصارفه فحوسب عليه. قال الحافظ: والذي يظهر من مجموع الطرق أن سبب المحاسبة ما وجد معه من جنس مال الصدقة وادعى أنه أهدي إليه، واسم العامل المذكور عبد الله بن اللتبية، انتهى.

стр. 1233

ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف في غرض الترجمة هو أن ما ورد في بعض الروايات "أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم" فليس المراد به أنهم في فسحة من الظلم بل قوله ﷺ هذا بالنسبة إلى المزكين فينبغي لهم أن يرضوهم، وأما الإمام فله المحاسبة في موضع التهمة، والله تعالى أعلم. (٦٨ - باب استعمال إبل الصدقة وألبانها. . .) إلخ قال ابن بطال (١): غرض المصنف إثبات وضع الصدقة في صنف واحد خلافًا لمن قال: يجب استيعاب الأصناف الثمانية. قال الحافظ (٢): وفيما قال نظر، لاحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلا بما هو قدر حصتهم، على أنه ليس في الخبر أيضًا أنه ملكهم رقابها، وإنما فيه أنه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتداوي، فاستنبط منه البخاري جواز استعمالها في بقية المنافع إذ لا فرق، وتقدير الترجمة: استعمال إبل الصدقة وشرب ألبانها، فاكتفى عن التصريح بالشرب لوضوحه، فغاية ما يفهم من حديث الباب أن للإمام أن يخص بمنفعة مال الزكاة - دون الرقبة - صنفًا دون صنف بحسب الاحتياج، على أنه ليس في الخبر أيضًا تصريح بأنه لم يصرف من ذلك شيئًا لغير العرنيين، انتهى. وتعقب العلامة العيني (٣) كلام الحافظ ومال إلى رأي ابن بطال في الغرض من الترجمة. والأوجه عندي: أن الغرض الذي أشار إليه ابن بطال تقدم في "باب أخذ الصدقة من الأغنياء. . ." إلخ. (٦٩ - باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده) قال الحافظ (٤): في حديث الباب حجة على من كره الوسم من الحنفية بالميسم لدخوله في عموم النهي عن المثلة، وقد ثبت ذلك من فعل

стр. 1234

النبي ﷺ ، فدل على أنه مخصوص من العموم المذكور للحاجة كالختان للآدمي، انتهى. وتعقبه العلامة العيني، إذ قال (١): قلت: ذكر أصحابنا في كتبهم: لا بأس بكي البهائم للعلامة؛ لأن فيه منفعة، وكذلك لا بأس بكي الصبيان إذا كان لداء أصابهم؛ لأن ذلك مداواة، انتهى. وفي "البذل" (٢) تحت حديث جابر: أن النبي ﷺ مُرَّ عليه بحمار قد وسم في وجهه فقال: "أما بلغكم أني لعنت من وسم البهيمة [في] وجهها" الحديث: كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه: الوسم لا ضير فيه إذا اشتمل على فائدة بعد أن لا يكون في الوجه؛ لأنه في الوجه يقبح الوجه، ويعود على بعض الحواس بالإبطال أو بالإفساد كالباصرة، انتهى. وقد ترجم المصنف أيضًا في "كتاب الذبائح والصيد": "باب العلم والوسم في الصورة". (٧٠ - باب فرض صدقة الفطر) قال الحافظ (٣): أضيفت الصدقة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان، وقال ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذة من الفطرة التي هي أصل الخلقة، والأول أظهر، ويؤيده قوله - في بعض طرق الحديث كما سيأتي -: "زكاة الفطر من رمضان"، انتهى. اعلم أن ههنا ثمانية أبحاث ذكرت في "الأوجز" (٤)، الأول: في حكمها، والثاني: في معناها لغةً، والثالث: أن وجوبها لم ينسخ، والرابع: بيان من تجب عليه، والخامس: متى نزلت صدقة الفطر؟ والسادس: ما في "حجة الله البالغة": إنما وقّت بعيد الفطر لمعان، والسابع: ما قال العيني:

стр. 1235

إن هذا الباب يحتاج إلى خمسة عشر معرفة بسطت في "الأوجز"، والثامن: اختلافهم في وقت وجوب صدقة الفطر هل هو غروب الشمس ليلة الفطر، أو طلوع الفجر من يوم العيد؟. قوله: (ورأى أبو العالية. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١): ولا يفرق هؤلاء بين الفرض والواجب، فكان مذهبهم كمذهبنا، انتهى. كما هو معروف، ولذا ترى أن الإمام البخاري ترجم ههنا "باب فرض صدقة الفطر"، وسيأتي قريبًا "باب وجوب الحج"، والفرق عند الحنفية بين الفرض والواجب معروف. قال الحافظ (٢): قوله: "رأى أبو العالية. . ." إلخ، إنما اقتصر البخاري على ذكر هؤلاء الثلاثة لكونهم صرحوا بفرضيتها، وإلا فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، لكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرض على قاعدتهم في التفرقة، وفي نقل الإجماع مع ذلك نظر؛ لأن إبراهيم ابن علية وأبا بكر الأصم قالا: إن وجوبها نسخ، ونقل المالكية عن أشهب أنها سُنَّة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر، وابن اللبان من الشافعية وأولوا قوله: "فرض" في الحديث بمعنى قدر، قال ابن دقيق العيد: هو أصله في اللغة، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب والحمل عليه أولى، قال الحافظ: ويؤيده تسميتها زكاة، انتهى. قلت: وهذا أحد الأبحاث الثمانية المشار إليها قبل، ونذكر بعضها تتميمًا للفائدة، فالبحث الخامس منها ما قال القاري: فرضت هي وصوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، أما رمضان ففي شعبان، وأما هي فقد قال بعض الحفاظ: قبل العيد بيومين، وقيل: وجبت بموجب زكاة الأموال من نصوص الكتاب والسنة بعمومها فيها، وقيل: وجوبها سابق على وجوب زكاة الأموال. وفي "تاريخ الخميس": فرضت في السنة الثانية قبل

стр. 1236

العيد بيومين، وخطب الناس قبل الفطر بيومين يعلمهم زكاة الفطر، وفي "الدر المختار" (١): أمر بها في السنة التي فرض فيها رمضان قبل الزكاة، قال ابن عابدين: هذا هو الصحيح، انتهى. والبحث الثامن: اختلافهم في وقت الوجوب، فعند أحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك أن وقت وجوبها هو غروب الشمس ليلة الفطر، وعند أبي حنيفة والشافعي في القديم ومالك في رواية أن وقتها هو طلوع الفجر من يوم العيد، وبسط الكلام على الدلائل في "الأوجز" (٢)، انتهى من هامش "اللامع". (٧١ - باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين) قال الحافظ (٣): ظاهره أنه يرى أنها تجب على العبد وإن كان سيده يتحملها عنه، ويؤيده عطف الصغير عليه فإنها تجب عليه وإن كان الذي يخرجها غيره، انتهى. قال القسطلاني (٤): اختلف هل تجب على العبد ابتداءً ثم يتحملها السيد عنه أو تجب على السيد ابتداءً؟ وجهان للشافعية، وإلى الأول نحا البخاري. وقال ابن بطال: إن البخاري يقول بمذهب أهل الظاهر أنها تلزم العبد في نفسه وعلى سيده تمكينه من اكتساب ذلك وإخراجه عن نفسه، وتعقبه في "المصابيح" بأن البخاري لم يرد هذا، وإنما أراد التنبيه على اشتراط الإسلام فيمن تؤدى عنه زكاة الفطر لا غير، ولذا لم يترجم ترجمة أخرى على اشتراط الإسلام، وعبَّر بـ "على" دون "عن" ليطابق لفظ الحديث، انتهى.

стр. 1237

(٧٢ - باب صدقة الفطر صاع من شعير) المسألة إجماعية في الشعير وخلافية في الحنطة كما سيأتي. (٧٣ - باب صدقة الفطر صاع من طعام) قال الشيخ في "البذل" (١): قال علماؤنا: المراد بالطعام - أي: في الحديث - المعنى الأعم، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام، وقال الشافعية: المراد بالطعام البر، انتهى. وفي "الأوجز" (٢): حكى الخطابي أن المراد بالطعام ههنا الحنطة، وهو اسم خاص له، قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات، والحنطة أعلاها، فلولا أنه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل، كغيرها من الأقوات، ورد ذلك ابن المنذر وقال: هذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثم فسره فقال: "كنا نخرج صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر"، كما في "البخاري"، قال: وفي قوله: "فلما جاء معاوية وجاءت السمراء" دليل على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتًا، فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟ قاله الحافظ في "الفتح" (٣)، ثم ذكر اختلاف روايات أبي سعيد ثم قال: وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام فيه غير الحنطة. . . إلى آخر ما بسط في "الأوجز". وفيه: قال الموفق (٤): والجملة أن الواجب في صدقة الفطر صاع من جميع أجناس المخرج، وبه قال مالك والشافعي، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري والحسن وأبي العالية، وروي عن معاوية: أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة، وهو مذهب سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي وغيرهم ممن ذكر أسماءهم في "الأوجز" والبسط فيه.

стр. 1238

(٧٤ - باب صدقة الفطر صاع من تمر) والمسألة إجماعية. (٧٥ - باب صاع من زبيب) وفي "الأوجز" (١): قال الباجي: أما الزبيب فلا خلاف في جواز إِخراجه بين فقهاء الأمصار، وحكي عن بعض المتأخرين المنع من ذلك، وهو محجوج بالإجماع قبله، انتهى. وقال العيني في "البناية" (٢): فيه خلاف الظاهرية، إذ لا يجوز عندهم إلا من التمر والشعير. قلت: ويخرج منه الصاع الكامل عند الأئمة الثلاثة؛ لأن المقدار صاع من كل شيء عندهم، وكذا صاع كامل في الزبيب عند صاحبي الإمام أبي حنيفة، وهي رواية عن الإمام، وعليه الفتوى، وفي رواية أخرى له: نصف صاع منه، انتهى. ثم قال الحافظ (٣): كأن البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، انتهى. قلت: توضيحه ما في "الأوجز" (٤) أنهم اختلفوا في أن لفظة "أو" في هذه الأحاديث للتخيير، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، قال ابن رشد (٥): ذهب قوم إلى أنها تجب من هذه الأشياء على التخيير، وقوم ذهبوا إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلّف إذا لم يقدر على قوت البلد، والثاني مذهب الشافعي ومالك، والأول مذهب الحنفية والحنابلة وإليه يظهر ميل البخاري على رأي الحافظ، لكن الأوجه

стр. 1239

عندي في غرض البخاري أنه أشار بذلك إلى الترتيب بين هذه الأشياء، وهو أن الأولى في الترتيب من بين الأطعمة الشعير، ثم باقي الأطعمة، ثم التمر، ثم الزبيب على ترتيب التراجم على خلاف الترتيب المذكور في كتب الشافعية، ففي "شرح الإقناع" (١): فعلم أن الأعلى: البر، فالشعير، فالأرز، فالتمر، فالزبيب، ويتردد النظر في بقية الحبوب كالذرة والحمص وغيرهما، انتهى. ولعله ﵁ قدم الشعير على بقية الأطعمة لكونه منصوصًا بخلاف غيره من الأطعمة، فتأمل فإنه دقيق، وخاطري أبو عذره. ثم اعلم أن المصنف ﵀ ترجم على جميع الأنواع الواردة في الأحاديث بترجمة مستقلة، ولم يترجم للأقط مع تخريجه حديث الأقط، وهو دليل على أن كون الحديث عند البخاري ليس بدليل على أنه معمول به عنده. قال الحافظ: كأنه لا يراه مجزئًا في حال وجدان غيره كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أو لم يقدر على غيره، وظاهر الحديث يخالفه، وعند الشافعية فيه خلاف، انتهى مختصرًا. قلت: والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز"، جملتها: أنه يجزئ عند المالكية صاع من أقط إذا كان من أغلب القوت، صرح به الدردير وغيره. والمشهور عن الشافعي في ذلك قولان: أحدهما مثل قول مالك، والثاني: أنه لا يجزئ. والمشهور في شروح الحديث عن الإمام أحمد عدم جوازه لكن يظهر من كلام الموفق عن أحمد روايتان: الإجزاء مطلقًا، والثاني: الإجزاء بشرط كونه غالب القوت أو عدم وجدان الغير. وعندنا الحنفية: يجزئ إخراجه باعتبار القيمة، انتهى مختصرًا.

стр. 1240

(٧٦ - باب الصدقة قبل العيد) قال ابن التين: أي: قبل خروح الناس إلى صلاة العيد، وبعد صلاة الفجر، وقال ابن عيينة في تفسيره: عن عكرمة قال: يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، ولابن خزيمة بسنده "أن رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في زكاة الفطر"، انتهى من "الفتح" (١). (٧٧ - باب صدقة الفطر على الحُرِّ والمملوك. . .) إلخ قال الحافظ (٢): قيل: فيه تكرار بما تقدم من "باب صدقة الفطر على العبد وغيره. . ." إلخ، وأجاب ابن رُشيد باحتمالين: أحدهما: أن يكون أراد تقوية معارضة العموم في قوله: "والمملوك" لمفهوم قوله: "من المسلمين"، أو أراد أن زكاة العبد من حيث هو مال لا من حيث هو نفس، وعلى كل تقدير فيستوي في ذلك مسلمهم وكافرهم، وقال ابن المنيِّر: غرضه من الأولى أن الصدقة لا تخرج عن كافر، ولهذا قيدها بقوله: "من المسلمين" وغرضه من هذه تمييز من تجب عليه أو عنه بعد وجود الشرط المذكور ولذلك استغنى عن ذكره فيها، انتهى. قلت: ويحتمل أن يكون أراد بالأولى قيد المسلمين، وبهذه إيجاب الصدقة على الحر والمملوك معًا على كليهما بأنفسهما، ثم تحمل السيد عن المملوك، أو يقال: إن المراد بالأولى عدم الإيجاب على الكافر، وبهذه تعميم المملوك سواء كان للخدمة أو للتجارة كما يظهر من الأثر الذي ذكره بعده، واستدل بهذه الترجمة صاحب "العرف الشذي" موافقة البخاري للحنفية في إيجابها على الكافر. قوله: (يزكى في التجارة. . .) إلخ، قال القسطلاني (٣): هذا قول

стр. 1241

الجمهور، وقال الحنفية: لا يلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، إذ لا يلزم في مال واحد زكاتان، انتهى. قوله: (قبل الفطر بيوم أو يومين) هو مذهب أحمد ورواية لمالك، والأخرى له لا يجوز التقديم أصلًا وهو مذهب ابن حزم، والمشهور عن الشافعي جوازه من بدء رمضان، وعند الحنفية يجوز مطلقًا بعد وجود سبب الوجوب وهو النصاب، كما في "الأوجز" (١). (٧٨ - باب صدقة الفطر على الصغير. . .) إلخ المسألة خلافية، فعند الجمهور من مال الصغير إن كان موسرًا وإلا فعلى من عليه نفقته، وقال ابن حزم: في ماله إن كان موسرًا وإلا سقطت، وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، وقال ابن المسيب: لا يجب على الصغير مطلقًا كما في "الأوجز" (٢). ثم براعة الاختتام عند الحافظ ما تقدم في مقدمة "اللامع" في بيان خصائص الكتاب، إذ قال: وفي آخر الزكاة صدقة الفطر ولها دخول في الآخرية من جهة كونها تقع في آخر رمضان مكفرة لما مضى، انتهى. وعند هذا الفقير في قوله: "يزكى مال اليتيم" فإن اليتيم من مات أبوه. * * *

стр. 1242

٢٥ - كتاب المناسك المناسك: جمع منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سُميت أمور الحج كلها مناسك. والمنسك: المذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نسك. والنسك أيضًا الطاعة والعبادة، وكل ما تقرب به إلى الله . والنسك ما أمرت به الشريعة، والورع ما نهت عنه، والناسك: العابد، انتهى. قال الحافظ في "المقدمة" (١): واختلفت النسخ في الصوم والحج أيهما قبل الآخر، وكذا اختلفت الرواية في الأحاديث، وترجم عن الحج بكتاب المناسك ليعم الحج والعمرة وما يتعلق بهما، وكالت في الغالب من يحج يجتاز بالمدينة الشريفة فذكر ما يتعلق بزيارة النبي ﷺ ، وما يتعلق بحرم المدينة. وظهر لي أن يقال في تعقيبه الزكاة بالحج: إن الأعمال لما كانت بدنية محضة ومالية محضة وبدنية مالية معًا رتبها كذلك، فذكر الصلاة ثم الزكاة ثم الحج، ولما كان الصيام هو الركن الخامس المذكور في حديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس" عقَّب بذكره وإنما أخَّره؛ لأنه من التروك، والترك وإن كان عملًا أيضًا لكنه عمل النفس لا عمل الجسد فلهذا أخره، وإلا لو كان اعتمد على الترتيب الذي في حديث ابن عمر لقدم الصيام على الحج؛ لأن ابن عمر أنكر على من روى عنه الحديث بتقديم الحج على الصيام، وهو وإن كان ورد عن ابن عمر من طريق أخرى كذلك فذاك محمول على أن الراوي روى عنه بالمعنى، ولم يبلغه نهيه عن ذلك، والله أعلم، انتهى.

стр. 1243

وقال العيني (١): لما كان للحج اشتراك مع الزكاة في كونهما عبادة مالية ذكره عقيب الزكاة، فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر الصوم عقيب الصلاة؛ لأن كلًّا منهما عبادة بدنية، قلت: نعم، كان القياس يقتضي ذلك ولكن ذكرت الزكاة عقيب الصلاة لأنها ثانية الصلاة، وثالثة الإيمان في الكتاب والسُّنَّة، انتهى. قلت: وذكرت في مبدأ "كتاب الحج" في "الأوجز" (٢) كدأبنا فيه عشرة أبحاث لطيفة طويلة: الأول: في معنى الحج لغةً. والثاني: في تعريفه شرعًا. والثالث: في سبب الوجوب، وهو البيت، ولذا لا يجب في العمر إلا مرة. والرابع: اختلافهم في وجوبه على الفور كما قال به مالك وأحمد وأبو يوسف وهو أصح الروايتين عن الإمام الأعظم، أو على التراخي كما قال به الشافعي ومحمد، وفيه البحث أن زمان الحج معيار له أو ظرف. والخامس: اختلافهم في مبدإ فرضه، ذكروا فيه أحد عشر قولًا، منها: أنه فرض قبل الهجرة وهو شاذ، والمشهور منها قولان: سنة ست، وسنة تسع، بسطت في "الأوجز". والسادس: في سبب تأخيره ﷺ الحج إلى السنة العاشرة عند الجمهور القائلين بفرضيته قبلها. والسابع: في أن الحج هل كان واجبًا على الأمم السابقة أم لا؟ والثامن: في حكم الحج ومصالحه.

стр. 1244

والتاسع: في فضائل البيت. والعاشر: في تكفير الحج للخطايا، وبيان الأحاديث الواردة في تكفير السيئات. وهذه الأبحاث لا يسعها هذا الوجيز، انتهى من هامش "اللامع". (١ - باب وجوب الحج وفضله. . .) إلخ كتب الشيخ في "اللامع (١): دلالة الآية على الوجوب ظاهرة، ودلالتها على الفضل من حيث إنه عبَّر فيها من تركه بلفظ الكفر، ودلالة الرواية على الوجوب في قول الخثعمية بين يديه ﷺ : "إن فريضة الله على عباده. . ." إلخ، ودلالتها على الفضل من حيث إنه وجبت فيه الاستنابة مع أنه لا حاجة إلى إثبات كل جزء من أجزاء الترجمة بكل ما ورد في الباب، بل الذي لا بد منه إثبات المجموع بالمجموع، انتهى. قلت: وهو أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الحادي والثلاثون. والأوجه عندي: أن إثبات الفضل بالآية بكون الحج لله ﵎، ولذا قدّم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] إشارة إلى مزية شرافة الحج حيث نسبه إلى نفسه الكريم خاصة، وقال السندي (٢): هذه الآية وكذا الحديث لإفادة وجوب الحج أصالة، والفضيلة تبعًا إذ الوجوب مستلزم للفضيلة قطعًا، ولذلك أَخَّر المصنف في الترجمة الفضيلة عن الوجوب، انتهى. قلت: ويستنبط الفضل من الحديث أيضًا بما قلته في الآية، فإن في نسبة الفريضة إلى الله تعالى مع أن الفرائض كلها لله تعالى دلالة على مزية شرافته، وما أجاد الشاعر الفارسي.

стр. 1245

في الجملة نسبتى بتوكافي بود مرا … بلبل همين كه قافيه كَل شود بس است (٢ - باب قول الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ. . .﴾ [الحج: ٢٧]) إلخ قال الحافظ (١): قيل: إن المصنِّف أراد أن الراحلة ليست شرطًا، قال ابن القصار: في الآية دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، فإن المخالف يزعم أن الحج لا يجب على الراجل وهو خلاف الآية، انتهى. وفيه نظر، فقد روى الطبري قال مجاهد: كانوا لا يركبون فأنزل الله ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ الآية، فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر، وروي عن ابن عباس: ما فاتني شيء أشد عليّ أن لا أكون حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فبدأ بالرجال قبل الركبان. وقال الحافظ: أيضًا تحت الحديث: وغرضه منه الرد على من زعم أن الحج ماشيًا أفضل لتقديمه في الذكر على الراكب، فبيَّن أنه لو كان أفضل لفعله النبي ﷺ ، قاله ابن المنيِّر. وقال غيره: مناسبة الحديث للآية أن ذا الحليفة فج عميق والركوب مناسب لقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، وقال الإسماعيلي: ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به، ورُد بأن فيهما الإشارة إلى أن الركوب أفضل فيؤخذ منه جواز المشي، انتهى. وقال ابن المنذر: اختلف في الركوب والمشي للحجاج أيهما أفضل؟ فقال الجمهور: الركوب أفضل لفعل النبي ﷺ ولكونه أعون على الدعاء والابتهال ولما فيه من المنفعة، وقال إسحاق بن راهويه: المشي أفضل لما

стр. 1246

فيه من التعب، ويحتمل أن يقال: يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (١). وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): استدل بعضهم على أولوية الذهاب ماشيًا لتقديم قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، وغرض المصنف بإيراد حديث ركوبه ﷺ الإشارة إلى ما ذهب إليه الجمهور من مساواة المشي بالركوب، انتهى. وقال الدردير (٣): وفضِّل ركوب في الحج على المشي؛ لأنه فعله ﵊، انتهى. (٣ - باب الحج على الرحل. . .) إلخ قال الحافظ (٤): بفتح الراء وسكون المهملة وهو للبعير كالسرج للفرس، أشار بهذا إلى أن التقشف أفضل من الترفة، انتهى. وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٥): غرضه إثبات أولوية الركوب على الرحل كما كان عادته ﷺ ، وللركوب سوى هذا الطريق طريقان آخران، وهما معمولان اليوم وهما الشغدف والشبرى، فهما أيضًا جائزان لكن الأولى الرحل، انتهى. وقال الدردير (٦): وفضل مقتب على ركوب المحمل والمحفة. وقال الدسوقي في شرحه قوله: "مقتب" أي: ركوب على قتب، فقد حج ﵊ على قتب عليه قطيفة، وهي كساء من شعر تساوي أربعة دراهم، والقتب رحل صغير على قدر السنام، انتهى. قلت: ويمكن أن يقال: إن المصنف أشار به إلى ردِّ ما رواه

стр. 1247

البزار (١): "حج النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة" الحديث، فإنه منكر ضعيف الإسناد كما في "جزء حجة الوداع" وهي رسالة وجيزة لهذا العبد الضعيف في صفة حجة النبي ﷺ من أول خروجه ﷺ من المدينة المنورة إلى حين رجوعه إليها مع فوائد علمية، وأحكام فقهية، وبحوث تاريخية، وتحقيقات حديثية، طبع أولًا في سنة تسعين وثلاث مائة بعد ألف من الهجرة بالمطبعة الهندية، وثانيًا بالحروف الحديدية بمطبعة دار العلوم ندوة العلماء لكناؤ، وثالثًا بمطبعة ببيروت (٢). (٤ - باب فضل الحج المبرور) قال القسطلاني (٣): اسم مفعول من برّ المتعدي، يقال: "برَّ الله حجك" وهو متعد بنفسه، ويبنى للمفعول فيقال: "بُرّ حجك" فهو مبرور، انتهى. وفي "الفتح" (٤): المبرور المقبول، وقيل: الذي لا يخالطه شيء من الإِثم، ورجحه النووي. وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله أعلم. ولأحمد والحاكم (٥) من حديث جابر: "قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام" وفي إسناده ضعف فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره، انتهى. (٥ - باب فرض مواقيت الحج والعمرة) أي: المواقيت المكانية وهي جمع ميقات مفعال من الوقت المحدود، واستعير هنا للمكان اتساعًا، ومعنى "فَرَض" قَدَّر أو أوجَبَ، وهو ظاهر نص
следующие страницы →