وقال العيني (١): لما كان للحج اشتراك مع الزكاة في كونهما عبادة مالية ذكره عقيب الزكاة، فإن قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر الصوم عقيب الصلاة؛ لأن كلًّا منهما عبادة بدنية، قلت: نعم، كان القياس يقتضي ذلك ولكن ذكرت الزكاة عقيب الصلاة لأنها ثانية الصلاة، وثالثة الإيمان في الكتاب والسُّنَّة، انتهى.
قلت: وذكرت في مبدأ "كتاب الحج" في "الأوجز" (٢) كدأبنا فيه عشرة أبحاث لطيفة طويلة:
الأول: في معنى الحج لغةً.
والثاني: في تعريفه شرعًا.
والثالث: في سبب الوجوب، وهو البيت، ولذا لا يجب في العمر إلا مرة.
والرابع: اختلافهم في وجوبه على الفور كما قال به مالك وأحمد وأبو يوسف وهو أصح الروايتين عن الإمام الأعظم، أو على التراخي كما قال به الشافعي ومحمد، وفيه البحث أن زمان الحج معيار له أو ظرف.
والخامس: اختلافهم في مبدإ فرضه، ذكروا فيه أحد عشر قولًا، منها: أنه فرض قبل الهجرة وهو شاذ، والمشهور منها قولان: سنة ست، وسنة تسع، بسطت في "الأوجز".
والسادس: في سبب تأخيره ﷺ الحج إلى السنة العاشرة عند الجمهور القائلين بفرضيته قبلها.
والسابع: في أن الحج هل كان واجبًا على الأمم السابقة أم لا؟
والثامن: في حكم الحج ومصالحه.
стр. 1244
والتاسع: في فضائل البيت.
والعاشر: في تكفير الحج للخطايا، وبيان الأحاديث الواردة في تكفير السيئات.
وهذه الأبحاث لا يسعها هذا الوجيز، انتهى من هامش "اللامع".
(١ - باب وجوب الحج وفضله. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع (١): دلالة الآية على الوجوب ظاهرة، ودلالتها على الفضل من حيث إنه عبَّر فيها من تركه بلفظ الكفر، ودلالة الرواية على الوجوب في قول الخثعمية بين يديه ﷺ : "إن فريضة الله على عباده. . ." إلخ، ودلالتها على الفضل من حيث إنه وجبت فيه الاستنابة مع أنه لا حاجة إلى إثبات كل جزء من أجزاء الترجمة بكل ما ورد في الباب، بل الذي لا بد منه إثبات المجموع بالمجموع، انتهى.
قلت: وهو أصل مطرد من أصول التراجم، وهو الأصل الحادي والثلاثون.
والأوجه عندي: أن إثبات الفضل بالآية بكون الحج لله ﵎، ولذا قدّم الخبر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] إشارة إلى مزية شرافة الحج حيث نسبه إلى نفسه الكريم خاصة، وقال السندي (٢): هذه الآية وكذا الحديث لإفادة وجوب الحج أصالة، والفضيلة تبعًا إذ الوجوب مستلزم للفضيلة قطعًا، ولذلك أَخَّر المصنف في الترجمة الفضيلة عن الوجوب، انتهى.
قلت: ويستنبط الفضل من الحديث أيضًا بما قلته في الآية، فإن في نسبة الفريضة إلى الله تعالى مع أن الفرائض كلها لله تعالى دلالة على مزية شرافته، وما أجاد الشاعر الفارسي.
стр. 1245
في الجملة نسبتى بتوكافي بود مرا … بلبل همين كه قافيه كَل شود بس است
(٢ - باب قول الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ. . .﴾ [الحج: ٢٧]) إلخ
قال الحافظ (١): قيل: إن المصنِّف أراد أن الراحلة ليست شرطًا، قال ابن القصار: في الآية دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، فإن المخالف يزعم أن الحج لا يجب على الراجل وهو خلاف الآية، انتهى.
وفيه نظر، فقد روى الطبري قال مجاهد: كانوا لا يركبون فأنزل الله ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ الآية، فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر، وروي عن ابن عباس: ما فاتني شيء أشد عليّ أن لا أكون حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فبدأ بالرجال قبل الركبان.
وقال الحافظ: أيضًا تحت الحديث: وغرضه منه الرد على من زعم أن الحج ماشيًا أفضل لتقديمه في الذكر على الراكب، فبيَّن أنه لو كان أفضل لفعله النبي ﷺ ، قاله ابن المنيِّر. وقال غيره: مناسبة الحديث للآية أن ذا الحليفة فج عميق والركوب مناسب لقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، وقال الإسماعيلي: ليس في الحديثين شيء مما ترجم الباب به، ورُد بأن فيهما الإشارة إلى أن الركوب أفضل فيؤخذ منه جواز المشي، انتهى.
وقال ابن المنذر: اختلف في الركوب والمشي للحجاج أيهما أفضل؟ فقال الجمهور: الركوب أفضل لفعل النبي ﷺ ولكونه أعون على الدعاء والابتهال ولما فيه من المنفعة، وقال إسحاق بن راهويه: المشي أفضل لما
стр. 1246
فيه من التعب، ويحتمل أن يقال: يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (١).
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٢): استدل بعضهم على أولوية الذهاب ماشيًا لتقديم قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، وغرض المصنف بإيراد حديث ركوبه ﷺ الإشارة إلى ما ذهب إليه الجمهور من مساواة المشي بالركوب، انتهى.
وقال الدردير (٣): وفضِّل ركوب في الحج على المشي؛ لأنه فعله ﵊، انتهى.
(٣ - باب الحج على الرحل. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): بفتح الراء وسكون المهملة وهو للبعير كالسرج للفرس، أشار بهذا إلى أن التقشف أفضل من الترفة، انتهى.
وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٥): غرضه إثبات أولوية الركوب على الرحل كما كان عادته ﷺ ، وللركوب سوى هذا الطريق طريقان آخران، وهما معمولان اليوم وهما الشغدف والشبرى، فهما أيضًا جائزان لكن الأولى الرحل، انتهى.
وقال الدردير (٦): وفضل مقتب على ركوب المحمل والمحفة. وقال الدسوقي في شرحه قوله: "مقتب" أي: ركوب على قتب، فقد حج ﵊ على قتب عليه قطيفة، وهي كساء من شعر تساوي أربعة دراهم، والقتب رحل صغير على قدر السنام، انتهى.
قلت: ويمكن أن يقال: إن المصنف أشار به إلى ردِّ ما رواه
стр. 1247
البزار (١): "حج النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة" الحديث، فإنه منكر ضعيف الإسناد كما في "جزء حجة الوداع" وهي رسالة وجيزة لهذا العبد الضعيف في صفة حجة النبي ﷺ من أول خروجه ﷺ من المدينة المنورة إلى حين رجوعه إليها مع فوائد علمية، وأحكام فقهية، وبحوث تاريخية، وتحقيقات حديثية، طبع أولًا في سنة تسعين وثلاث مائة بعد ألف من الهجرة بالمطبعة الهندية، وثانيًا بالحروف الحديدية بمطبعة دار العلوم ندوة العلماء لكناؤ، وثالثًا بمطبعة ببيروت (٢).
(٤ - باب فضل الحج المبرور)
قال القسطلاني (٣): اسم مفعول من برّ المتعدي، يقال: "برَّ الله حجك" وهو متعد بنفسه، ويبنى للمفعول فيقال: "بُرّ حجك" فهو مبرور، انتهى.
وفي "الفتح" (٤): المبرور المقبول، وقيل: الذي لا يخالطه شيء من الإِثم، ورجحه النووي. وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله أعلم. ولأحمد والحاكم (٥) من حديث جابر: "قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام" وفي إسناده ضعف فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره، انتهى.
(٥ - باب فرض مواقيت الحج والعمرة)
أي: المواقيت المكانية وهي جمع ميقات مفعال من الوقت المحدود، واستعير هنا للمكان اتساعًا، ومعنى "فَرَض" قَدَّر أو أوجَبَ، وهو ظاهر نص
стр. 1248
المصنف وأنه لا يجيز الإحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات. ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي حيث قال: "ميقات أهل المدينة ولا يهلون قبل ذي الحليفة"، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه، وفرَّق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم، وقال مالك: يكره، انتهى من "الفتح" (١) و"القسطلاني".
وفي "الأوجز" (٢): قال الأبي (٣): إن أحرم قبلها بيسير كره، وإن أحرم قبلها بكثير، فظاهر "المدونة" الكراهة، وظاهر "المختصر" الجواز، ونقل اللخمي قولًا بعدم كراهة القريب، وفيه أيضًا الفرق بين القريب والبعيد أن من أحرم بقرب الميقات، فإنه لا يقصد إلا مخالفة التوقيت؛ لأنه لم يستدم إِحرامًا، وأما من أحرم على البعد منه، فإن له غرضًا في استدامة الإحرام، وفيه أيضًا عن العيني (٤): قال مالك وأحمد: إحرامه من المواقيت أفضل، وقال أبو حنيفة والشافعي وآخرون: الإحرام من المواقيت رخصة، واعتمدوا في ذلك على فعل الصحابة فإنهم أحرموا من قبل الميقات. . . إلى آخر ما بسط في "الأوجز".
وقال القسطلاني (٥): وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقي على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا كما تراه في الشاهد من ترجل الراكب القاصد إلى عظيم من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له، فلذا لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا، فإن الإحرام تشبُّه بالأموات، وفي ضمن جعل نفسه كالميت سلب اختياره،
стр. 1249
وإلقاء قياده متخليًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء، انتهى.
قلت: وعلى ما ذكر الحافظ في معنى الفرض الواقع في الترجمة من الاحتمالين، أي: التقدير والإيجاب، فعلى الاحتمال الأول يكون الغرض من الترجمة بيان مشروعية المواقيت، ومشروعيتها عند هذا العبد الفقير من عمرة الحديبية كما حررته في "جزء حجة الوداع" (١) وفيه: ومبدأ مشروعية المواقيت من عمرة الحديبية كما نص عليه الإمام أحمد وحكاه عنه عامة الشرَّاح واقتصروا عليه، ويشكل عليه أنهم قاطبة أوَّلوا مجاوزة أبي قتادة عام الحديبية بغير إحرام من الميقات بتأويلات، وإذا لم يكن التوقيت إلا في عام حجة الوداع فأي فاقة لهم إلى التوجيهات القريبة والبعيدة، انتهى.
(٦ - باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا. . .﴾) إلخ
قال الحافظ (٢): قال مقاتل بن حيان: لما نزلت قام رجل فقال: يا رسول الله! ما نجد زادًا، فقال: "تزود ما تكف به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى"، انتهى.
قلت: وعلى هذا الظاهر أن المراد بالتقوى معناه المعروف وإليه مال القسطلاني، إذ قال (٣): قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أي: ما يكف وجوهكم عن الناس ولما أمرهم بزاد الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، فقال: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، انتهى.
وقال الحافظ بعد حديث الباب: قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافًا فإن قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أي: تزودوا واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك، انتهى.
стр. 1250
وعلى هذا المراد من التقوى، التقوى والاحتراز عن السؤال، واختار هذا المعنى في "تفسير الجلالين".
قلت: ولا يبعد عند هذا العبد الضعيف أن في توسيط المصنف هذا الباب بين أبواب المواقيت إشارة إلى أن التقوى وإن كان مطلوبًا في سائر سفر الحج لكنه فيما بين المواقيت آكد.
(٧ - باب مهل أهل مكة للحج والعمرة)
قال الحافظ (١): المُهَلّ بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا، وقال أبو البقاء: هو مصدر بمعنى الإهلال كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج، انتهى.
قال السندي (٢): كأنه نبَّه بهذه الترجمة على أن سوق الحديث لميقات الحج والعمرة جميعًا لا لميقات الحج فقط، ولذلك قال: "ممن أراد الحج والعمرة"، ومقتضاه أن ما جعل ميقاتًا لأهل مكة يكون ميقاتًا لهم للحج والعمرة جميعًا لا للحج فقط، وإن ذهب الجمهور إلى الثاني وجعلوا ميقات العمرة لأهل مكة أدنى الحل بحديث إحرام عائشة بالعمرة من التنعيم إلى أن قال: فحديث عائشة لا يعارض هذا الحديث فكأنه بهذه الترجمة أراد الاعتراض على الجمهور، انتهى.
وفي "الفيض" (٣): إن المصنف لم يفرق بين ميقات الحج وميقات العمرة، ولا شيءَ عنده غير العمومات، انتهى.
قلت: هو مسلك الحافظ ابن القيم على خلاف مسلك الجمهور، فإنهم اتفقوا على أن ميقات المكي لإحرام العمرة الحل، حكى الإجماع
стр. 1251
على ذلك الموفق وغيره مع الاختلاف فيما بينهم في أفضل البقاع للإحرام، كما بسطت في "جزء العمرات".
(٨ - باب ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة)
بالمهملة والفاء مصغرًا، مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين، قاله ابن حزم. وقال غيره: بينهما عشر مراحل. وقال النووي: بينها وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال: بينهما ميل واحد. وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر يقال لها: بئر علي، انتهى من "الفتح" (١).
ثم قال الحافظ: قد تقدمت الإشارة إلى هذا في "باب فرض المواقيت" واستنبط المصنف من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعين ذلك، وأيضًا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي ﷺ أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرًا، انتهى.
وفي "الفيض" (٢) بحثًا على المسألة: أما المسألة في أهل المدينة خاصة، فينبغي أن تكون كذلك عند الحنفية أيضًا، وأرجو أن لا تكون خلافًا لمسائلهم، فإنَّ أهلَ المدينة لما كان ميقاتُهم أمامَهم، فلا حاجة لهم إلى تقديم الإحرام، مع أن في إحرامِهم بميقاتهم تأسّي بالنبيِّ ﷺ بخلاف غيرهم، فإنَّ لهم في التقديم عملًا بالعزيمة، وتماديًا في الإِحرام، مع أنه لا يلزمُ عليهم مخالفةً للسُّنَّة أيضًا، فافترقا، انتهى.
قلت: وقد تقدم اختلاف العلماء في هذه المسألة في "باب فرض المواقيت" وأن المصنف مال في هذه المسألة إلى مسلك الظاهرية كما تقدم عن الحافظ، وبه جزم العيني والقسطلاني، قال العيني (٣): هذه العبارة تشير إلى أن البخاري ممن لا يرى تقديم الإهلال قبل المواقيت، انتهى.
стр. 1252
وقال القسطلاني (١): الظاهر أن المصنف كان يرى المنع من ذلك، انتهى.
(٩ - ١٠ - باب مهل أهل الشام وباب مهل أهل نجد)
ترجم المصنف على كل ميقات من المواقيت بترجمة مستقلة استيفاء لجميع أجزاء الحديث، قال صاحب "الفيض" (٢): قد علمت من عادة المصنف أن الحديث إذا كان عنده بطرق عديدة يخرجه مرة بعد مرة بتراجم عديدة وفوائد جديدة، انتهى.
(١١ - باب مهل من كان دون المواقيت)
قال العيني (٣): أراد من كان وطنه بين المواقيت ومكة، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤) تحت قوله: "فمهله من أهله. . ." إلخ: أو ما في حكمه، وذلك أن يكون خارج الحرم، وإن كان أقرب إليه من بيته، انتهى.
وفي هامشه: هذا مسلك الحنفية، قال صاحب "الدر المختار" (٥): من كان داخل الميقات فميقاته الحل الذي بين المواقيت والحرم، قال ابن عابدين: فالحرم حد في حقه كالميقات للآفاقي، فلا يدخل الحرم إلا محرمًا، انتهى.
وما يظهر من كتب الفروع أن المسألة خلافية، وإن حكى الإجماع عليها غير واحد من نقلة المذاهب، قال الموفق (٦): من كان منزله دون الميقات، فميقاته من موضعه، يعني: إذا كان مسكنه أقرب إلى مكة
стр. 1253
من الميقات كان ميقاته مسكنه، هذا قول أكثر أهل العلم، وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وعن مجاهد قال: يُهلُّ من مكة، انتهى من هامش "اللامع"، وفيه بعد ما بسط عن كتب فروع الأئمة: فعلم من هذا كله أن ما أفاده الشيخ هو مسلك الحنفية، وفيه خلاف الأئمة الثلاثة إذ أوجبوا الإحرام من مسكنه، ومن حكى المسألة إجماعية فقد ذهل، ثم ذكرت فيه إشكال العلامة السندي على مسلك الحنفية والجواب عنه، فارجع إليه لو شئت.
(١٢ - باب مهل أهل اليمن)
قال القسطلاني (١) تحت حديث الباب: هذا الحديث وإن أطلق فيه أن ميقات أهل اليمن يلملم، لكن المراد أنه ميقات تهامة خاصة، فإن نجد اليمن ميقات أهلها ميقات نجد الحجاز، بدليل أن ميقات أهل نجد قرن فأطلق اليمن وأريد بعضه وهو تهامة منه خاصة، انتهى.
(١٣ - باب ذات عرق لأهل العراق)
اختلفوا فيمن وقَّت لأهل العراق ميقاتًا، ففي "الفيض" (٢): ثم إن تلك المواقيت كلها وقَّتَها النبيُّ ﷺ أو لا؟ فقيل: نعم؛ وقيل: غير ذات عِرْق، فإنَّها وقّتها عمر، والصوابُ هو الأول، نعم، اشتهرت بعضها في زمن عمر، فنُسبت إليه، انتهى.
وفي "الأوجز" (٣): قال ابن رشد (٤) بعد ما حكى الإجماع على المواقيت الأربعة ذي الحليفة وجحفة وقرن ويلملم: اختلفوا في ميقات أهل العراق، فقال جمهور الفقهاء: ميقاتهم من ذات عرق، وقال الشافعي والثوري: إن أهلّوا من العقيق كان أحب، واختلفوا فيمن وقَّته
стр. 1254
لهم، فقالت طائفة: عمر ﵁، وقالت طائفة: بل رسول الله ﷺ ، انتهى.
قال الحافظ (١): قال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا، انتهى. لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا، وأما إعلال من أعله بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ، فقال ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي ﷺ وقَّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق، انتهى.
(١٤ - باب الصلاة بذي الحليفة)
هكذا في النسخة التي بأيدينا من الهندية، وفي نسخة "الفتح" بغير ترجمة فقال الحافظ (٢): كذا في الأصول بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الأبواب التي قبله، ومناسبته لها من جهة دلالة حديثه على استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام من الميقات، وقد ترجم عليه بعض الشارحين "نزول البطحاء والصلاة بذي الحليفة" وحكى القطب أنه في بعض النسخ، قال: وسقط في نسخة سماعنا لفظ "باب"، وفي شرح ابن بطال (٣): "الصلاة بذي الحليفة"، انتهى.
قلت: ما حكى عن ابن بطال هو الموجود في نسخنا، والظاهر عندي على النسخ التي بأيدينا أن المصنف ترجم بذلك لما أن المعروف في الروايات أنه ﵊ أحرم بعد صلاة الركعتين وهل كانت فرضًا أو نفلًا مختلف فيها، فللتنبيه على ذلك بوَّب بالصلاة مطلقًا لأنها المحقق، وبسط الكلام عليها في رسالتي "جزء حجة الوداع" (٤): وفيه قال النووي (٥): فيه استحباب صلاة الركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل
стр. 1255
الإحرام، ويكونان نافلةً، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصري أنه استحب كونه بعد صلاة فرض، انتهى.
(١٥ - باب خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة)
قال عياض: هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة، كان النبي ﷺ يخرج منه إلى ذي الحليفة فيبيت بها، وإذا رجع بات بها أيضًا، ودخل على طريق المعرس بفتح الراء المثقلة، وهو مكان معروف أيضًا، وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال من المدينة لكن المعرس أقرب.
قال ابن بطال (١): كان النبي ﷺ يفعل ذلك كما يفعل في العيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى، فقد قال بعضهم: أن نزوله هناك لم يكن [قصدًا] فإنما كان اتفاقًا، والصحيح أنه كان قصدًا لئلا يدخل المدينة ليلًا، ولمعنى فيه وهو التبرك به كما سيأتي في الباب الذي بعده، انتهى ما قاله الحافظ في "الفتح" (٢).
وفي "الفيض" (٣): اعلم أن الشجرة صارت اسمًا بالغلبة لذي الحليفة، ويقال لها الآن: بئر علي، وهذا غير علي بن أبي طالب، ولفظ الراوي يشعر بالتغاير بين الشجرة وذي الحليفة، ثم المعرّس موضع قريب منها، ولكن لا تتميزان لاندراس الرسوم والمعالم، والذي يظن أن أولها ذو الحليفة، ثم المعرس، ثم العقيق، وتلك المواضع كلها متقاربة، كما ذكره السمهودي في "الوفاء"، انتهى.
ولا يذهب عليك أن الطرق المعروفة من المدينة إلى مكة أربعة: أحدها: الطريق السلطاني، والثاني: الغائر، والثالث: الفرعي، والرابع:
стр. 1256
الشرقي، والطريق السلطاني هي طريق الشجرة، ولما هاجر ﷺ من مكة مر من طريق الغائر، انتهى مختصرًا من "جزء حجة الوداع" (١).
(١٦ - باب قول النبي ﷺ : العقيق واد مبارك)
قال الحافظ (٢): والعقيق واد بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال، وأورد فيه حديث عمر في ذلك، وليس هو من قول النبي ﷺ ، لكن روى أبو أحمد بن عدي بسنده عن عائشة مرفوعًا: "تخيموا بالعقيق فإنه مبارك" فكأنه أشار إلى هذا، وقوله: "تخيموا" أمر بالتخميم والمراد به النزول هناك، انتهى.
وقال السندي (٣): كأنه أراد قوله ولو حكاية عن غيره، وبه وافق الحديث الترجمة، وسقط أن القول المذكور في الحديث قول الآتي لا قول النبي ﷺ ، انتهى.
قلت: وعندي أنه نبَّه بذلك على متمسك قوله ﷺ "إنه واد مبارك" من أنه كان مأخوذًا من الوحي.
قوله: (قل عمرة في حجة) اختلفوا في معناه كما في الشروح، وفي "تراجم شيخ المشايخ" (٤): معناه: أهلَّ بهذين النسكين على خلاف ما اعتاد به أهل الجاهلية من عدم تجويز الاعتمار في أشهر الحج، وقيل: معناه الصلاة في هذا الوادي ثوابه ثواب حجة وعمرة، انتهى.
(١٧ - باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب)
قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب كما في الترجمة، وإنما فيه أن الرجل كان متضمخًا، وقوله له: "اغسل
стр. 1257
الطيب الذي بك" يوضح أن الطيب لم يكن في ثوبه وإنما كان على بدنه، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية، انتهى.
والجواب: أن البخاري على عادته يشير إلى ما وقع في بعض الطرق، وسيأتي في محرمات الإحرام من وجه آخر بلفظ: "عليه قميص فيه أثر صفرة"، والخلوق في العادة إنما يكون في الثوب، إلى آخر ما في هامش "اللامع".
وقال السندي (١): قوله: "اغسل الطيب الذي بك. . ." إلخ، الظاهر أن المراد الذي بجسدك، فالدلالة على الترجمة بقياس الثوب على الجسد، وليس المراد في الحديث الذي بثوبك، إذ نزع الثوب يكفي في دفع ذلك، والحاصل أن الروايات وإن وردت بوجود الطيب بثوبه أيضًا لكن المأمور بالغسل هو الذي كان ببدنه، وأما ما كان منه بالثوب فيكفي النزع فيه، والله تعالى أعلم، انتهى.
وفي هامش "اللامع": اعلم أنهم اختلفوا في مسألة الطيب للمحرم، وتحقيق مذاهب الأئمة فيه كما بسطت في "الأوجز" (٢) من كتب فروعهم: أن التطيب بما يبقى جرمه بعد الإحرام ممنوع مطلقًا عند الإمام مالك ومحمد، سواء كان على البدن أو الثياب، ومباح مطلقًا عند الإمام الشافعي وأحمد، سواء كان على البدن أو على الثوب، والتطيب بطيب ذي جرم مباح على البدن دون الثياب عند الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف، فهذا هو الصحيح من مسالك الأئمة، وإذا عرفت ذلك وقد ظهر لك أن ميل الإمام البخاري في هذه المسألة إلى مسلك الإمام الأعظم وأبي يوسف إذ ترجم أولًا بـ "باب غسل الخلوق. . ." إلخ، وذكر فيه حديث صفوان، ثم ذكر "باب الطيب عند الإحرام"، وذكر فيه حديث عائشة ﵂ قالت: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب. . ." إلخ.
стр. 1258
قال الحافظ (١): قوله: " باب الطيب عند الإحرام " أراد بهذه الترجمة أن يبين أن الأمر بغسل الخلوق في الحديث الذي قبله إنما هو بالنسبة إلى الثياب؛ لأن المحرم لا يلبس شيئًا مسه الزعفران، كما سيأتي في الباب الذي بعده، وأما الطيب فلا يمنع استدامته على البدن، انتهى.
(١٨ - باب الطيب عند الإحرام)
قد تقدم ما يتعلق به من الكلام في الباب السابق.
قوله: (وما يلبس إذا أراد. . .) إلخ، الظاهر أنه عطف على الطيب، فيشكل بوجهين، الأول: أنه سيأتي قريبًا مستقلًا، والثاني: من حيث إنه لا تعلق له بالرواية، وإن كان عطفًا على الإحرام فيندفع الإشكالان، لكن يشكل عليه حينئذ ذكر الآثار الواردة من التبان وغيره، فتدبر.
وقوله: (يشم الريحان) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولا يجوز عندنا شمه لكونه طيبًا، انتهى.
وفي هامشه: اختلف فيه فقال إسحاق: يباح، وتوقف أحمد، وقال الشافعي: يحرم، وكره مالك والحنفية. ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا، انتهى.
ونقل العيني (٣) عن "شرح المهذب" فيه قولين، والأصح تحريم شمها ووجوب الفدية، وقال: وبه قال مالك وأبو حنيفة إلا أنهما يقولان يحرم ولا فدية، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
قوله: (وينظر في المرآة) وفي "الموطأ" (٤) للإمام مالك: أن عبد الله بن عمر نظر في المرآة لشكوى كان بعينيه، وهو محرم. وفي
стр. 1259
"الأوجز" (١): قال الزرقاني: ويكره عند مالك لغير ضرورة مخافة أن يرى شعثًا فيصلحه، انتهى.
وقال الموفق (٢): ولا ينظر في المرآة لإصلاح شيء، يعني: لإزالة شعث، أو تسوية شعر أو شيء من الزينة، قال أحمد: ولا بأس في النظر بدون ذلك، ولا فدية عليه بالنظر في المرآة على كل حال، وإنما ذلك أدب لا شيء على تاركه، لا نعلم أحدًا أوجب في ذلك شيئًا، وقد روي عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا ينظران في المرآة وهما محرمان، انتهى.
وعد صاحب "اللباب" في المباحات النظر في المرآة للاطلاع على الهيئة، وقال الحافظ في "الفتح" (٣): نقل كراهته عن القاسم بن محمد، انتهى.
قوله: (ويتداوى بما يأكل: الزيت. . .) إلخ، قال الحافظ (٤): وأما التداوي فقال أبو بكر بن أبي شيبة بسنده عن ابن عباس أنه كان يقول: يتداوى المحرم بما يأكل، وعنه أيضًا أنه قال: إذا شققت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت أو بالسمن.
قال الحافظ: وفي هذا الأثر رد على مجاهد في قوله: إن تداوى بالسمن أو الزيت فعليه دم، أخرجه ابن أبي شيبة، انتهى.
قوله: (ويلبس الهميان) وفي "الهداية" (٥): لا بأس بأن يشد في وسطه الهميان، وقال مالك: يكره إذا كان فيه نفقة غيره، ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط فاستوت فيه الحالتان، انتهى.
قال ابن المنذر: ورخص في الهميان والمنطقة للمحرم الشافعي
стр. 1260
وأحمد وإسحاق ومن وافقهم غير أن إسحاق قال: ليس له أن يعقد بل يدخل بسيور بعضها في بعض، انتهى.
وفي "المحلى": قيل: تفرد إسحاق بذلك، أي: بعدم العقد، انتهى مختصرًا من "الأوجز".
قوله: (وقد حزم على بطنه بثوب) قال ابن التين: هو محمول على أنه شده على بطنه فيكون كالهميان ولم يشده فوق المئزر وإلا فمالك يرى على من فعل ذلك الفدية، انتهى من "الفتح" (١).
قوله: (ولم تر عائشة بالتبان بأسًا) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): ولا يجوز التبان عندنا لأحد ولو احتاج إليه، وذلك لأن التأزر ممكن بحيث لا تنكشف العورة بعده، انتهى.
وفي هامشه: قال الكرماني (٣): التبان بضم الفوقية وشدة الموحدة وبالنون: سراويل، قصير جدًا، وهو مقدار شبر ساتر للعورة المغلظة فقط، ويكون للملاحين، انتهى.
قال الحافظ (٤): سراويل قصير بغير أكمام، ووصل أثر عائشة سعيد بن منصور عن عائشة: "أنها حجت ومعها غلمان لها وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسونها وهم محرمون"، وفي هذا رد على ابن التين في قوله: أرادت النساء لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال، وكأن هذا رأي رأته عائشة وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم، انتهى.
وهكذا في "العيني" وزاد: فإن لبس شيئًا من ذلك مختارًا عامدًا أثم وافتدى، انتهى من "هامش اللامع".
стр. 1261
قوله: (تعني للذين يرحلون هودجها) قال السندي (١): كتب في هامش بعض النسخ نقلًا عن بعض محقق مشايخنا أنه بضم الياء وتشديد الحاء، أي: ينقلون، من رحّل انتقل لا من رحل بعيره، أي: وضع عليه الرحل لأنه فاسد أن يقال: يرحلون هودجها، أي: يضعون عليها الرحل، نعم لو ثبتت به الرواية لأول بحذف المضاف، أي: يرحلون بعير هودجها، مع تكلف ظاهر في المعنى، فظهر أن قول الحافظ وغيره التشديد وهم ليس بصواب، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): يعني بذلك أن جواز التبان معلل بالضرورة، فيرخص فيه لمن افتقر إليه، وذلك لأن هؤلاء ومن في حكمهم تنكشف عورتهم في الصعود والنزول، حين يرحلون الهوادج على الجمال، ولا يجوز التبان عندنا لأحد، إلى آخر ما تقدم.
(١٩ - باب من أهل ملبدًا)
قال الحافظ (٣): أي: أحرم وقد لبّد شعر رأسه، أي: جعل فيه شيئًا نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل، انتهى.
وبسط الكلام على التلبيد وحكمه وما يتعلق به، وأيضًا في وقت تلبيده ﷺ من أنه كان بعد الإحرام أو وقت الإدهان والتطيب في "جزء حجة الوداع" (٤)، فارجع إليه لو شئت، وفيه: وظاهر سياق كلام ابن القيم في "الهدي" يشعر بأن التلبيد كان بعد الإحرام.
والظاهر عندي: أنه كان وقت الإدهان والتطيب وغيرهما قبل الإحرام، وإليه يظهر ميل الحافظين ابن حجر والعيني، إذ قالا تحت شرح
стр. 1262
الباب: أي: من أحرم حال كونه ملبدًا، وإليه يظهر ميل الإمام البخاري بسياق التراجم إذ ذكر قبله "باب الطيب عند الإحرام" وذكر بعده " باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة "، انتهى.
وأما حكم التلبيد ففي "جزء حجة الوداع": قال صاحب "المنهل": وفي الحديث دليل على استحباب تلبيد الشعر للمحرم، لما فيه من الرفق به، والبعد عن الشعث وأسباب الأذى، ولا سيما من طالت مدة إحرامه، وبه قال الشافعي وأصحابه وأحمد، وكذا الحنفية والمالكية، إذا كان يسيرًا لا يؤدي إلى ستر الرأس، أما الكثير الذي يحصل به تغطية ربع رأسه فأكثر فحرام، يلزم فيه دم باستدامته حال الإحرام يومًا فأكثر، أما لو دام أقل من يوم وليلة، ففيه صدقة كصدقة الفطر، وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فلا تمنع من تغطية رأسها في الإحرام، انتهى.
قلت: هكذا ذكر صاحب "المنهل" مذاهب الأئمة في حكم التلبيد، وأما أنا فلم أجد التصريح بذلك في كتب فروعهم.
(٢٠ - باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة)
لعله أراد الرد على من ذهب إلى أنه من البيداء، والأفضل عند المسجد كما في هذا الباب، ويجوز عند الركوب كما سيأتي، وفي "جزء حجة الوداع" (١): اختلفت الروايات في موضع إحرامه ﷺ ففي "التعليق الممجد" فيه ثلاث روايات، في المصلى، وحين ركب، ولما علا على شرف البيداء، وسيأتي الجمع بين هذه الروايات في رواية ابن عباس، فكلها واسع عند أحمد، والمرجح عندنا الحنفية الأول، وإليه مال ابن القيم، وعند الشافعية والمالكية الثاني، قال الحافظ (٢): قد اتفقت فقهاء الأمصار على جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل، انتهى.
стр. 1263
(٢١ - باب ما لا يلبس المحرم من الثياب)
وسيأتي باب ما يلبس. . . إلخ، قال الحافظ (١) هناك: هذه الترجمة مغايرة للسابقة التي قبلها من حيث إن تلك معقودة لما لا يلبس من أجناس الثياب وهذه لما يلبس من أنواعها، انتهى.
قلت: وقد تقدم أيضًا في قوله: "باب الطيب وما يلبس. . ." إلخ، فظاهره التكرار، ويمكن أن يقال: إن ذكره هناك كان تبعًا، وها هنا أصالة وقصدًا، أو يقال: إن هذا باعتبار الثياب، والأولى باعتبار الزوائد، أو يقال: إن هذا باعتبار ألوان الثياب.
(٢٢ - باب الركوب والارتداف في الحج)
سكت الشرَّاح عن غرضه فلا يبعد عندي لا سيما في توسيطه بين أبواب اللباس أن يقال: إن مطلق التقشف والمنع عن الترفه عن بعض أنواع الثياب ليس بمطلوب على الإطلاق، وذلك لأن في الركوب ترفهًا في مقابلة المشي كما لا يخفى لكنه ﷺ اختاره لمصالح كما هو مذكور في محله، ومع ذلك اختار النبي ﷺ الركوب على الرحل ميلًا إلى التقشف بقدر الإمكان كما تقدم شيء منه في "باب الحج على الرحل".
وقال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: الظاهر أنه ﷺ قصد بإردافه من ذكر ليحدث عنه بما يتفق له في تلك الحال من التشريع، انتهى.
(٢٣ - باب ما يلبس المحرم من الثياب. . .) إلخ
وتقدم الكلام عليه فيما سبق.
стр. 1264
(٢٤ - باب من بات بذي الحليفة)
قال الحافظ (١): والمراد من هذه الترجمة مشروعية المبيت بالقرب من البلد التي يسافر منها، ليكون أمكن من التوصل إلى مهماته التي ينساها مثلا، قال ابن بطال: ليس ذلك من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق ليلحق به من تأخر عنه، قال ابن المنيِّر: لعله أراد أن يدفع توهم من يتوهم أن الإقامة بالميقات وتأخير الإحرام شبيه بمن تعداه بغير إحرام، فبيَّن أن ذلك غير لازم حتى ينفصل عنه، انتهى.
(٢٥ - باب رفع الصوت بالإهلال)
المراد بالإهلال ها هنا رفع الصوت بالتلبية، وكل رافع صوته بشيء فهو مهل به، وأما أهل القوم الهلال فأرى أنه من هذا لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته، وفي حديث الباب حجة للجمهور في استحباب رفع الأصوات بالتلبية، واختلف عن مالك فقال ابن القاسم عنه: لا يرفع صوته بالتلبية إلا في المسجد الحرام ومسجد منى، وقال في "الموطأ": لا يرفع صوته بالتلبية في مسجد الجماعات ولم يستثن شيئًا، ووجه الاستثناء أن المسجد الحرام جعل للحاج والمعتمر وغيرهما، وكان الملبّي إنما يقصد إليه فكان ذلك وجه الخصوصية، وكذلك مسجد منى، انتهى من "الفتح" (٢).
وفي "جزء حجة الوداع" (٣): رفع الصوت واجب عند الظاهرية كما حكاه غير واحد من نقلة المذاهب، ومستحب عند أبي حنيفة والشافعي في الجديد، وقال في القديم: لا يرفع في مسجد الجماعات إلا المسجد الحرام، ومسجد منى، ومسجد عرفة. . . إلى آخر ما فيه.
стр. 1265
(٢٦ - باب التلبية)
قال العيني (١): أي: هذا باب في بيان كيفية التلبية، انتهى.
قال صاحب "الفيض" (٢): صرح علي القاري أنه يُستحب الوقوفُ في كلمات التلبية في أربعة مواضع: لبيك اللهم لبيك، لبّيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملك، لا شريكَ لك، وفيه أيضًا: اعلم أن الإِحرامَ عندنا قوليٌّ وفعليٌّ. ونعني بالقولي التلبية، فإذا لبّى ناويًا فقد أحرم، وبالفعلي أن يسوقَ الهدْي ناويًا، فعلم أن المرء لا يصير مُحرمًا بمجرد النية ما لم يقرن معها قولٌ، أو فعل مخصوص بالحج، ثم لا يُشترط ذكر النسك أو النسكين في التلبية، بل كفى له النية، انتهى.
ثم اختلف العلماء في حكم التلبية، قال ابن رُشد (٣): اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير التلبية؟ فقال مالك والشافعي: تجزئ النية من غير التلبية، وقال أبو حنيفة: التلبية بالحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عندهم، وقال ابن قدامة (٤): يستحب للإنسان النطق بما أحرم به، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرد النية كفاه في قول إمامنا ومالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية، حتى تنضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي، انتهى.
وقال الحافظ (٥): في التلبية أربعة مذاهب يمكن توصيلها إلى عشرة، الأول: أنها سُنَّة لا يجب بتركها شيء وهو قول الشافعي وأحمد، الثاني: واجبة يجب بتركها دم، حكي ذلك عن بعض الشافعية ومالك وأبي حنيفة، قلت: هو مختار أصحاب الفروع من المالكية، الثالث: واجبة لكن يقوم
стр. 1266
مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه بالطريق، وبهذا صدر ابن شاش من المالكية كلامه، وحكى صاحب "الهداية" من الحنفية مثله، الرابع: أنه ركن في الإحرام، حكي ذلك عن الثوري وأهل الظاهر وغيرهم، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
ثم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم ﵇ حين أذَّن بالناس في الحج، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: "لما فرغ إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون"، وفي رواية عنه أيضًا وفيه: "فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ"، وقال ابن المنيِّر: وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ، كذا في "الفتح" (١) مختصرًا.
(٢٧ - باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال)
الظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار به إلى أن المندوب أن يشتغل بهذه الأوراد قبل الإحرام، فإن بعده يشتغل بالتلبية غالبًا.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): فيه إشارة إلى إتيان أدعية كل الأوقات والأحوال حسب ما وردت في الآثار، فيأتي بدعوة الركوب على الدابة أولًا، ثم يلبّي، وكذلك في أدعية الصباح والمساء، انتهى مختصرًا.
وما أفاده الشيخ أوجه وأوضح وإليه ميل الحافظ، ثم قال الحافظ (٣): قيل: أراد المصنف الرد على من زعم أنه يكتفى بالتسبيح وغيره عن التلبية،
стр. 1267
ووجه ذلك أنه ﷺ أتى بالتسبيح وغيره، ثم لم يكتف به حتى لبّى، انتهى.
وأوضح العيني هذا الإيراد إذ قال (١): قال صاحب "التوضيح": فيه رد على أبي حنيفة في قوله: من سبّح أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله.
قلت: هذا كلام واه صادر من غير معرفة بمذاهب العلماء إلى آخر ما رد عليه، وأنا أقول: العجب كل العجب أن الإمام البخاري على زعمهم أراد الرد على أبي حنيفة مع أنه قائل بوجوب التلبية ولو بإقامة ذكر آخر مقامها، ولم يرد الرد على من أنكر وجوب التلبية برأسها، كما هو مذهب الشافعية والحنابلة الذي تقدم ذكره في الباب السابق، فالحق أن الإمام البخاري لم يرد الرد على أحد بل أراد كما أفاده الشيخ قدس سره أن ما ورد في الروايات من "أنه ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة العقبة" لا يدل على أنه ﷺ لم يقرأ الأدعية الأخر من أدعية الصباح والمساء والركوب، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
(٢٨ - باب من أَهلَّ حين استوت به راحلته)
قد تقدمت الإشارة إلى هذا الباب في "باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة"، والمقصود ها هنا بيان الجواز وهناك بيان الأفضلية.
(٢٩ - باب الإهلال مستقبل القبلة. . .) إلخ
قال المهلب: استقبال القبلة بالتلبية هو المناسب؛ لأنها إجابة بدعوة إبراهيم، ولأن المجيب لا يصلح له أن يولي المجاب ظهره بل يستقبله، انتهى من "الفتح" (٢).
(٣٠ - باب التلبية إذا انحدر في الوادي)
قال العلامة العيني (٣): أي: إذا انحدر المحرم في الوادي، وقد ورد
стр. 1268
في الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود، انتهى.
قوله: (أما موسى كأني أنظر إليه. . .) إلخ، في "تراجم شيخ المشايخ الدهلوي" (١): القصة مختصرة وتمامها أنه ﷺ قال: إني رأيت موسى في المنام فكأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي، وابن عباس سمع هذا دون الأول، انتهى.
قلت: اختلفوا في شرح هذا القول على أقوال عديدة بسطت في "جزء حجة الوداع" (٢).
(٣١ - باب كيف تُهلّ الحائض. . .) إلخ
هذا الباب الحادي عشر من الأبواب المصدرة بلفظ "كيف" وتقدمت هذه الترجمة في "كتاب الحيض" وما يتعلق بها، فارجع إليه، ومسألة الباب إجماعية، وهي صحة إحرام الحائض والنفساء، قال النووي تحت حديث: "نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر" الحديث: فيه صحة إحرام النفساء والحائض، واستحباب اغتسالهما للإحرام وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب، وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب، والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه، لقوله ﷺ : "اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي"، انتهى.
(٣٢ - باب من أَهلَّ في زمن النبي ﷺ . . .) إلخ
كأنه ذهب إلى مذهب المالكية في عدم جواز الإحرام المبهم إذ قيده في الترجمة بزمنه ﷺ ، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 1269
قلت: واختلف شرَّاح البخاري في نقل المذاهب ها هنا، والعجب من العلامة العيني إذ حكى الجواز عن الشافعي فقط، بخلاف سائر العلماء، فحكى الحافظ جواز الإحرام المبهم عن الجمهور خلافًا للمالكية والكوفيين، والصواب أن الإحرام المبهم يجوز عند المالكية، صرح به الدردير، وفي الإحرام المعلق عندهم قولان، ويجوز كلا النوعين عندنا الحنفية كما في "شرح اللباب"، وقال: إن الإحرام المبهم يجوز إجماعًا، وكذا يجوز النوعان: المبهم والمعلق عند الحنابلة كما في "المغني"، وهذا هو تحقيق المذاهب فيه. والإحرام المبهم هو أن يحرم ولم يعين أحدًا من النسكين من الحج والعمرة، والمعلق أن يحرم كإحرام زيد مثلًا، وبسط الكلام عليه في "الأوجز" وهامش "اللامع" (١).
(٣٣ - باب قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. . .) إلخ
هذا الباب في الميقات الزماني، كما أن الأبواب السابقة كانت في الميقات المكاني، كذا في "الفيض" (٢). ثم الظاهر عندي: أن الترجمة مشتملة على الجزئين، الأول: في تعين أشهر الحج.
قال الحافظ (٣): أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة: أولها شوال، لكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكمالها وهو قول مالك ونقل عن "الإملاء" للشافعي، أو شهران وبعض الثالث وهو قول الباقين، ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون: عشر ليال من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا؟ قال أبو حنيفة وأحمد: نعم، وقال الشافعي في المشهور المصحح عنه: لا، وقال بعض أتباعه: تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذ، انتهى.
والجزء الثاني من الترجمة: الإحرام قبل أشهر الحج، أعني مسألة
стр. 1270
تقديم الإحرام على الميقات الزماني، أشار إليه بقوله: "وقال ابن عباس. . ." إلخ.
والمسألة خلافية فقد قال الحافظ: اختلف العلماء في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب؟ فقال ابن عمر وابن عباس وجابر وغيرهم من الصحابة والتابعين: هو شرط فلا يصح الإحرام بالحج إلا فيها، وهو قول الشافعي، وسيأتي استدلال ابن عباس لذلك في هذا الباب، واستدل بعضهم بالقياس على الوقوف وبالقياس على إحرام الصلاة وليس بواضح؛ لأن الصحيح عند الشافعية أن من أحرم بالحج في غير أشهره انقلب عمرة تجزئه عن عمرة الفرض، وأما الصلاة فلو أحرم قبل الوقت انقلب نفلًا [بشرط أن يكون ظانًا دخول الوقت لا عالمًا] فاختلفا من وجهين، انتهى.
قوله: (وكره عثمان أن يحرم من خراسان. . .) إلخ، وبينه وبين مكة أكثر من مسافة أشهر الحج، فيستلزم أن يكون أحرم في غير أشهر الحج فكره ذلك عثمان، انتهى من "الفتح" (١).
(٣٤ - باب التمتع والإقران والإفراد. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة، ويطلق التمتع في العرف على القران أيضًا، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضًا القران لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتع فسخ الحج أيضًا إلى العمرة، انتهى.
стр. 1271
وأما القِران فوقع في رواية أبي ذر "الإقران" بالألف وهو خطأ (١) من حيث اللغة، وصورته الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه وهذا مختلف فيه.
وأما الإفراد فالإهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع وفي غير أشهره أيضًا عند من يجيزه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء.
وأما فسخ الحج فالإحرام بالحج ثم يتحلل منه بعمل عمرة فيصير متمتعًا، وفي جوازه اختلاف، وظاهر تصرف المصنف إجازته، فإن تقدير الترجمة: باب مشروعية التمتع. . . إلخ، ويحتمل أن يكون التقدير: باب حكم التمتع. . . إلخ، فلا يكون فيه دلالة على أنه يجيزه، انتهى.
قلت: الظاهر الأول إذا ورد فيه حديث الفسخ لا تخصيص الفسخ بزمانه ﷺ ، كما أشار إلى التخصيص فيما سبق من "باب من أهل في زمنه ﷺ . . ." إلخ، لكن لم يرض به العيني، وأما ما أشار إليه الحافظ في صورة القِران بقوله: "أو عكسه"، وهذا مختلف فيه، فهي مسألة خلافية.
قال العيني (٢): اتفق العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة، واختلفوا في عكسه، فجوّزه أبو حنيفة والشافعي في القديم، ومنعه آخرون، وقالوا: كان خاصًا به ﷺ ، ودعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، انتهى.
стр. 1272
ومما ينبغي أن يعلم أن الأئمة الأربعة - شكر الله سعيهم - اختلفوا في أفضل أنواع النسك، وهي ثلاثة على المشهور: القران، التمتع، الإفراد، واتفقت الأئمة الأربعة على جوازها، والنوع الرابع فسخ الحج إلى العمرة، وذكر هذه الأربعة البخاري في هذه الترجمة، وهذا الأخير هو المرجح عند الحنابلة، كما بسط في حاشية "اللامع"، لكن في "الأوجز" (١) في بيان المذاهب عن الإمام أحمد في ذلك روايتان: أفضلية التمتع، ثم الإفراد، ثم القران. والثانية: إن ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسق فالتمتع أفضل. ومختار المالكية كما في فروعهم أفضلية الإفراد، ثم القران، ثم التمتع. وعن الشافعية في ذلك ثلاث روايات ذكرها النووي وقال: والصحيح تفضيل الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، وهكذا في عامة فروعهم، لكن أفضلية الإفراد عندهم مشروطة بأن يعتمر في هذه السنة، وإلا فهما أفضل منه، كما صرح به شارح "الإقناع" وغيره. ومختار الحنفية القران، ثم التمتع، ثم الإفراد. . .، إلى آخر ما بسط في "الأوجز"، انتهى من "جزء حجة الوداع" مختصرًا.
قوله: (تصير الآن حجتك مكية) قال الحافظ (٢): يعني قليلة الثواب بقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه إنك تنشئ حجك من مكة كما ينشئ أهل مكة منها فيفوتك فضل الإحرام من الميقات، انتهى، وبسط الكلام عليه الشيخ في "اللامع" (٣) فارجع إليه.
(٣٥ - باب من لبى بالحج وسماه)
ظاهر كلام العيني (٤): أن الغرض الإشارة إلى أن التعيين والتسمية بأنواع الحج أولى، ويحتمل عندي في الغرض أن من لبّى بالحج وعيّنه وسمّاه فله الفسخ أيضًا كما يدل عليه الرواية، وهو مذهب أحمد.
стр. 1273
(٣٦ - باب التمتع على عهد النبي ﷺ -)
في الترجمة إشارة إلى الخلاف في ذلك وإن كان الأمر استقر بعد ذلك على الجواز.
وقوله: (قال رجل برأيه. . .) إلخ، قال ابن التين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان، وأغرب الكرماني فقال (١): ظاهر سياق كتاب البخاري أن المراد به عثمان، وكأنه لقرب عهده بقصة عثمان مع علي، وذلك غير لازم فقد سبقت قصة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في "صحيح مسلم" قصة في ذلك، والأولى أن يفسر بعمر فإنه أول من نهى عنها وكأن من بعده كان تابعًا له في ذلك. وفي "مسلم" أيضًا: أن ابن الزبير كان ينهى عنها وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر. ثم في حديث عمران هذا ما يعكر على عياض وغيره في جزمهم أن المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة لا العمرة التي يحج بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحج، وفي رواية له أيضًا: "أن رسول الله ﷺ أعمر بعض أهله في العشر" وفي رواية له "جمع بين حج وعمرة" ومراده التمتع المذكور وهو الجمع بينهما في عام واحد كما سيأتي صريحًا في الباب وحده في حديث ابن عباس، من "الفتح" (٢).
(٣٧ - باب قول الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾)
أي: تفسير قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ في الآية إشارة إلى التمتع لأنه سبق ذكره، واختلف السلف في المراد بـ ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ﴾ فقيل: هم أهل مكة بعينها، وهو قول مالك واختاره الطحاوي، وقال طاوس وطائفة: هم أهل الحرم
стр. 1274
وهو الظاهر، وقال مكحول: من كان منزله دون المواقيت، وهو قول الشافعي في القديم، وقال في الجديد: من كان من مكة على دون مسافة القصر، ووافقه أحمد، انتهى.
قلت: ومذهب الحنفية كقول الشافعي في القديم كما في حاشية الهندية، وقال السندي (١) تحت الباب: يحتمل وجهين: أحدهما: أن اسم الإشارة إشارة إلى التمتع، والمعنى التمتع مباح أو مشروع لغير المكي، وبه قال الحنفية، وإليه يشير كلام ابن عباس، فإِيراد المصنف يدل على أنه اختار هذا التفسير، والثاني: أنه إشارة إلى وجوب الدم أو الصوم، والمعنى وجوب أحد الأمرين على غير المكي، وأما المكي فإذا تمتع فلا يجب عليه شيء، وبه قال الجمهور، ويؤيده قرب المشار إليه، ويؤيد الأول اللام في قوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ فإن المناسب بالمعنى الثاني كلمة "على"، وهذا التأييد أقوى من تأييد قرب المشار إليه، وكأنه لهذا مال المصنف إلى ترجيحه، والله أعلم، انتهى.
ويحتمل عندي في غرض المصنف بالترجمة أنه أراد تفسير الأهل وحاضري المسجد بأن المراد به التوطن لا مطلق الحضور كما يتوهم بلفظ حاضري المسجد، فإن الأزواج المطهرات ونساء الصحابة ﵃ كن معهم في السفر وجمع ذلك تمتعوا.
قوله: (وصوم ثلاثة أيام) اعلم أن المتمتع إذا لم يجد الهدي فعليه صيام عشرة أيام، وكذا حكم القارن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، واختلف أهل العلم في المراد بالحج، وفي المراد بالرجوع كما بسط في محله، ثم لكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان: وقت الجواز، ووقت الاستحباب، أما في الثلاثة فوقت الاستحباب عندنا الحنفية وأحمد ومالك: آخره يوم عرفة وقبله بيوم عند الشافعي، وأما وقت الجواز فبعد إحرام العمرة عندنا وأحمد، وعنه بعد الحل من العمرة، وبعد إحرام الحج
стр. 1275
عند مالك والشافعي، وأما وقت السبعة فبعد أيام التشريق عندنا ومالك، وبعد الرجوع إلى الأهل عند الشافعي حتى لا تجوز في الطريق، وأما عند أحمد فالأول وقت الجواز، والثاني وقت الاستحباب، كذا في هامشي على "البذل" (١) والبسط في "الأوجز".
وفي هامش النسخة الهندية: قال العيني (٢): والمستحب في السبعة أن يكون صومها بعد رجوعه إلى أهله، إذ جواز ذلك مجمع عليه، ويجوز إذا رجع إلى مكة بعد أيام التشريق في مكة، وفي الطريق وهو قول مالك، وللشافعي أربعة أقوال أصحها عند رجوعه إلى أهله، انتهى. وقال أبو حنيفة: الرجوع هو الفراغ من أفعال الحج، كذا في "الكرماني"، انتهى من الهامش.
(٣٨ - باب الاغتسال عند دخول مكة)
وفي "الأوجز" (٣) تحت حديث الباب: وهذا الغسل للطواف عند المالكية، ولذا لا تفعله الحائض، ولدخول مكة عند الأئمة الثلاثة، كما بسط في "الأوجز" عن كتب فروعهم، قال ابن المنذر: والاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ منه الوضوء، وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمم، وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة، وإنما ذكره للطواف، والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف، انتهى.
(٣٩ - باب دخول مكة نهارًا وليلًا)
قال الحافظ (٤): وأما الدخول ليلًا فلم يقع منه ﷺ إلا في عمرة
стр. 1276
الجعرانة، كما رواه أصحاب السنن من حديث محرش الكعبي، وترجم عليه النسائي "دخول مكة ليلًا"، انتهى.
وقال الكرماني (١): كلمة ثم للتراخي فهو أعم [من] أن يدخله نهار تلك الليلة أو ليلة التي بعدها، أو علم منه الدخول نهارًا، ودخوله ليلًا ثابت في عمرة الجعرانة ذكرهما في الترجمة، وذكر حديث الدخول نهارًا لكونه على شرطه، وسكت عن حديث الدخول ليلًا لعدم كونه على شرطه ونبَّه بذكره ليلًا على ذلك، انتهى من هامش الهندية.
قلت: ويحتمل أن يكون غرضه أن دخول النهار اتفاقي، أي: هما سواء فهو إشارة إلى أحد المذاهب الآتية.
ثم المسألة خلافية ففي "جزء حجة الوداع" (٢): الأولى عند الجمهور أن يدخلها نهارًا، وفيه أربعة مذاهب كما في "الأوجز"، وفيه: يندب دخول مكة نهارًا عند مالك والحنفية، وهو أصح الوجهين للشافعية، والثاني هما سواء، وإليه مال الموفق، وحكى النووي عن عائشة وعمر بن عبد العزيز وغيرهما أفضلية الليل، ومنهم من فرق بين الإمام وغيره، بأن من كان إمامًا يقتدى به يستحب له أن يدخل نهارًا ليراه الناس، انتهى.
(٤٠ - باب من أين يدخل مكة ؟)
وثبت بحديث الباب أنه ﷺ يدخل من الثنية العليا هي التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكة يقال لها: كداء بالفتح والمد، ثم الدخول منها مندوب عند الجمهور مطلقًا، وعند المالكية: يندب لمن أتى من طريق المدينة سواء كان من أهلها أو لا، وأما من أتى من غير طريقها فلا يندب له الدخول منها، وإن كان مدنيًّا، كذا في "الأوجز" (٣).
стр. 1277
وقال ابن القيم في "الهدي": وكان في العمرة يدخل من أسفلها، ولعل مستدله في ذلك ما في أبي داود (١) من حديث عائشة: "دخل النبي ﷺ في العمرة من كدى"، لكن الشيخ قُدِّس سِرُّه بسط الكلام في "البذل" (٢) على أن هذه الرواية مضطربة، انتهى، كذا في "جزء حجة الوداع".
(٤١ - باب من أين يخرج من مكة ؟)
وظهر من الحديث أن النبيَّ ﷺ يخرج من الثنية السفلى، وهي التي أسفل مكة عند باب شبيكة، يقال لها: كُدىً، بضم الكاف مقصورًا بقرب شعب الشاميين، وشعب ابن الزبير عند قعيقعان، كذا في "العيني" (٣). قال الحافظ (٤): قال النووي: واختلف في المعنى الذي لأجله خالف ﷺ بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من في طريقيه، وذكر شيئًا مما تقدم في العيد، وقد استوعبت ما قيل فيه هناك، وبعضه لا يتأتى اعتباره هنا، انتهى مختصرًا.
وقال في "باب من خالف في الطريق" من "كتاب العيدين": اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولًا قد لخصتها وبيّنت الواهي منها، انتهى من هامش "اللامع" مختصرًا.
قوله: (من كدى من أعلى مكة) قال الحافظ (٥): والصواب ما رواه غيره: دخل من كداء من أعلى مكة، انتهى، ووجهه الشيخ قُدِّس سِرُّه في "اللامع" (٦) بتوجيه وبسط الكلام عليه في هامشه.
стр. 1278
(٤٢ - باب فضل مكة وبنيانها. . .) إلخ
قال السندي (١): ما ذكر في فضلها وفضل بنيانها إلا ما يتعلق ببناء الكعبة من الأحاديث، وفيه إشعار بأن بناء الكعبة فيه شرف وفضل لها ولبانيها وأهلها أيُّ فضلٍ، وفخر أيُّ فخر، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: (ذهب النبي ﷺ والعباس. . .) إلخ، يمكن منه استنباط فضل مكة أيضًا حيث حمل أحجارَه النبيُّ ﷺ على عاتقه الشريف، انتهى.
وقال العيني (٣): مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "لما بنيت الكعبة. . ." إلخ، فإن قلت: الترجمة بنيان مكة، وفي الحديث بنيان الكعبة.
قلت: بنيان الكعبة كان سببًا لبنيان مكة، وبين السبب والمسبب ملائمة، فيستأنس بهذا وجه المطابقة، وبسط ابن القيم في مبدإ "الهدي" الكلام على فضل مكة، وذكرت الشرَّاح ها هنا بيان بعض أبنية الكعبة، وبسط الكلام عليها في "الأوجز" وبسط فيها أبنيتها العشرة المعروفة مفصلًا، ولخصتها في هامش "اللامع".
(٤٣ - باب فضل الحرم. . .) إلخ
أي: الحرم المكي، وهو ما أحاط بمكة، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسمي حرمًا لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع، وحده من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل: أربعة، ومن طريق اليمن طرف أضاة لبِن بفتح الهمزة والضاد المعجمة، واللبن بكسر اللام وسكون الموحدة على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، ومن طريق
стр. 1279
الجعرانة على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعه أميال، وقيل: ثمانية، ومن طريق جدة عشرة أميال، وقال الرافعي: ومن العراق على سبعة. وقال ابن سراقة: ومسافة الحرم ستة عشر ميلًا في مثلها. والسبب في بُعد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل: إن الله تعالى لما أهبط على آدم بيتًا من ياقوتة أضاء له ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة فحفوا بمكة، فوقفوا مكان الحرم. وذكر بعض أهل الكشف والمشاهدات أنهم يشاهدون تلك الأنوار واصلة إلى حدود الحرم فحدود الحرم موضع وقوف الملائكة. وقيل: إن الخليل لما وضع الحجر الأسود في الركن أضاء له نور وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام فبناها الخليل ﵇ حاجزًا، رواه مجاهد عن ابن عباس، مختصرًا من "القسطلاني" (١).
(٤٤ - باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها. . .) إلخ
وبه قال الجمهور والطحاوي، وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يحل بيعها ولا إجارتها، وخالفه أبو يوسف واختلف على محمد، كذا في "الفتح" (٢).
قلت: وذكر المغني عن أحمد روايتين وكذا في "الشرح الكبير" وذكرا مذهب مالك موافقًا للحنفية، وما زعموا أن الغرض من الترجمة الرد على الحنفية فليس بصحيح عندي لأنهم لم يقولوا: بمنع بيع بيوت مكة بل أرضها كما في "الهداية"، وبسط الكلام عليه في "اللامع" وهامشه أشد البسط.
وقوله: (سواء خاصة. . .) إلخ، قيد للمسجد الحرام، أي: المساواة إنما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكة كما قال به أبو حنيفة.
стр. 1280
قال الشيخ في "اللامع" (١): ظاهر استدلاله بالآية أن المذكور في معرض المساواة هو المسجد الحرام لا غير، فيكون غير المسجد من أراضي مكة أولى بالمالك وأحق بتصرفه، ودلالة الرواية عليه من حيث إطلاق دارك بالإضافة وهو علامة الملك، وكذلك قول الراوي: "ورث أبا طالب" يدل على جريان الإرث فيها، والجواب أن تخصيص ذكر المسجد باستواء حقوقهم لا ينفي الاستواء في غير المسجد مع أن علة الحكم وهو التضييق على الحاج مشتركة، وأما الإرث والإضافة المذكورتان في الرواية فباعتبار البناء أو سبق اليد كمن جلس في مسجد فوضع ثمة ثوبه، أو ألقى خيمته في وادي منى وغيره، فإنه أحق به من غيره لسبق يده ولا تملك هنا، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام عليه وفيه: قال الجصاص في "أحكام القرآن" (٢): قال الله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤاجر بيوتها"، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يرون الحرم كله مسجدًا سواء العاكف فيه والبادي، وفيه أيضًا: بسط الشيخ ابن القيم في "الهدي" في ذلك فقال: المراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فهذا المراد به الحرم كله، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، وليس المرد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا. . . إلى آخر ما فيه.
(٤٥ - باب نزول النبي ﷺ مكة. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي: موضع نزوله، ووقع هنا في نسخة الصغاني "قال أبو عبد الله: نسبت الدور إلى عقيل، وتورث الدور وتباع وتشترى"
стр. 1281
قال الحافظ: والمحل اللائق بهذه الزيادة الباب الذي قبله لما تقدم تقريره، انتهى.
(٤٦ - باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ﴾. . .) إلخ
لم يذكر في هذه الترجمة حديثًا، وكأنه أشار إلى حديث ابن عباس في قصة إسكان إبراهيم لهاجر وابنها في مكان مكة، وسيأتي مبسوطًا في "أحاديث الأنبياء" فوقع في شرح ابن بطال ضم هذا الباب إلى الذي بعده فقال بعد قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾: وقول الله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ. . .﴾ إلخ [المائدة: ٩٧]، ثم قال: فيه أبو هريرة، فذكر أحاديث الباب الثاني، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: ويمكن أن يقال: إن الترجمة ثبتت بالحديث الآتي كما شرح به الحافظ الترجمة الآتية، أي: ما دامت قائمة فالأمن قائم، فعلى هذا تكون الترجمة من الأصل السابع والعشرين من أصول التراجم.
(٤٧ - باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): كأنه يشير إلى أن المراد بقوله: "قيامًا" أي: قوامًا، وأنها ما دامت موجودةً فالدين قائم، ولهذه النكتة أورد في الباب قصة هدم الكعبة في آخر الزمان، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية فقال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة، وعن عطاء قال: قيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا، انتهى.
стр. 1282
قال العيني (١) في حديث عائشة في صوم عاشوراء: وجه المناسبة أن غرض الترجمة تعظيم الكعبة وهو يحصل بسترها، انتهى.
قوله: (والأول أكثر) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: أقوى إسنادًا لكثرة رواته، وأنت تعلم أنه لا منافاة بين الروايتين فإن صدق الإثبات لا يتوقف إلا على الوجوب ولو مرة، فيمكن أن يحج البيت بعد يأجوج ومأجوج، ثم لا يحج إلى قيام الساعة، والذي أشكل على المؤلف أنه فهم من الحج بعدهما امتداده إلى نفخ الصور، فجعل بين الحديثين معارضة، وليس كذلك، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: بسط الكلام في زمان هدم الكعبة في "الإشاعة لأشراط الساعة" وقال: اختلفوا فيه هل هو في زمن عيسى ﵇ أو عند قيام الساعة حين لا يبقى أحد يقول: الله الله؟ انتهى.
(٤٨ - باب كسوة الكعبة)
أي: حكمها في التصرف فيها، ونحو ذلك، قال ابن المنيِّر (٣): يحتمل أن يكون مقصوده التنبيه على أن كسوة الكعبة مشروع، والحجة فيه أنها لم تزل تقصد بالمال يوضع فيها على معنى الزينة إعظامًا لها والكسوة من هذا القبيل، انتهى.
قوله: (لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): فيه الترجمة حيث ثبت أن البيت كان له مال وليس إلا لينفق عليه عند الضرورة، ومن حوائجه الكسوة، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في مناسبة الحديث بالترجمة وذكر فيه عن