(٤٢ - باب فضل مكة وبنيانها. . .) إلخ
قال السندي (١): ما ذكر في فضلها وفضل بنيانها إلا ما يتعلق ببناء الكعبة من الأحاديث، وفيه إشعار بأن بناء الكعبة فيه شرف وفضل لها ولبانيها وأهلها أيُّ فضلٍ، وفخر أيُّ فخر، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: (ذهب النبي ﷺ والعباس. . .) إلخ، يمكن منه استنباط فضل مكة أيضًا حيث حمل أحجارَه النبيُّ ﷺ على عاتقه الشريف، انتهى.
وقال العيني (٣): مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "لما بنيت الكعبة. . ." إلخ، فإن قلت: الترجمة بنيان مكة، وفي الحديث بنيان الكعبة.
قلت: بنيان الكعبة كان سببًا لبنيان مكة، وبين السبب والمسبب ملائمة، فيستأنس بهذا وجه المطابقة، وبسط ابن القيم في مبدإ "الهدي" الكلام على فضل مكة، وذكرت الشرَّاح ها هنا بيان بعض أبنية الكعبة، وبسط الكلام عليها في "الأوجز" وبسط فيها أبنيتها العشرة المعروفة مفصلًا، ولخصتها في هامش "اللامع".
(٤٣ - باب فضل الحرم. . .) إلخ
أي: الحرم المكي، وهو ما أحاط بمكة، وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسمي حرمًا لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع، وحده من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل: أربعة، ومن طريق اليمن طرف أضاة لبِن بفتح الهمزة والضاد المعجمة، واللبن بكسر اللام وسكون الموحدة على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، ومن طريق
стр. 1279
الجعرانة على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعه أميال، وقيل: ثمانية، ومن طريق جدة عشرة أميال، وقال الرافعي: ومن العراق على سبعة. وقال ابن سراقة: ومسافة الحرم ستة عشر ميلًا في مثلها. والسبب في بُعد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل: إن الله تعالى لما أهبط على آدم بيتًا من ياقوتة أضاء له ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة فحفوا بمكة، فوقفوا مكان الحرم. وذكر بعض أهل الكشف والمشاهدات أنهم يشاهدون تلك الأنوار واصلة إلى حدود الحرم فحدود الحرم موضع وقوف الملائكة. وقيل: إن الخليل لما وضع الحجر الأسود في الركن أضاء له نور وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام فبناها الخليل ﵇ حاجزًا، رواه مجاهد عن ابن عباس، مختصرًا من "القسطلاني" (١).
(٤٤ - باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها. . .) إلخ
وبه قال الجمهور والطحاوي، وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يحل بيعها ولا إجارتها، وخالفه أبو يوسف واختلف على محمد، كذا في "الفتح" (٢).
قلت: وذكر المغني عن أحمد روايتين وكذا في "الشرح الكبير" وذكرا مذهب مالك موافقًا للحنفية، وما زعموا أن الغرض من الترجمة الرد على الحنفية فليس بصحيح عندي لأنهم لم يقولوا: بمنع بيع بيوت مكة بل أرضها كما في "الهداية"، وبسط الكلام عليه في "اللامع" وهامشه أشد البسط.
وقوله: (سواء خاصة. . .) إلخ، قيد للمسجد الحرام، أي: المساواة إنما هي في نفس المسجد لا في سائر المواضع من مكة كما قال به أبو حنيفة.
стр. 1280
قال الشيخ في "اللامع" (١): ظاهر استدلاله بالآية أن المذكور في معرض المساواة هو المسجد الحرام لا غير، فيكون غير المسجد من أراضي مكة أولى بالمالك وأحق بتصرفه، ودلالة الرواية عليه من حيث إطلاق دارك بالإضافة وهو علامة الملك، وكذلك قول الراوي: "ورث أبا طالب" يدل على جريان الإرث فيها، والجواب أن تخصيص ذكر المسجد باستواء حقوقهم لا ينفي الاستواء في غير المسجد مع أن علة الحكم وهو التضييق على الحاج مشتركة، وأما الإرث والإضافة المذكورتان في الرواية فباعتبار البناء أو سبق اليد كمن جلس في مسجد فوضع ثمة ثوبه، أو ألقى خيمته في وادي منى وغيره، فإنه أحق به من غيره لسبق يده ولا تملك هنا، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام عليه وفيه: قال الجصاص في "أحكام القرآن" (٢): قال الله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤاجر بيوتها"، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يرون الحرم كله مسجدًا سواء العاكف فيه والبادي، وفيه أيضًا: بسط الشيخ ابن القيم في "الهدي" في ذلك فقال: المراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فهذا المراد به الحرم كله، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، وليس المرد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا. . . إلى آخر ما فيه.
(٤٥ - باب نزول النبي ﷺ مكة. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): أي: موضع نزوله، ووقع هنا في نسخة الصغاني "قال أبو عبد الله: نسبت الدور إلى عقيل، وتورث الدور وتباع وتشترى"
стр. 1281
قال الحافظ: والمحل اللائق بهذه الزيادة الباب الذي قبله لما تقدم تقريره، انتهى.
(٤٦ - باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ﴾. . .) إلخ
لم يذكر في هذه الترجمة حديثًا، وكأنه أشار إلى حديث ابن عباس في قصة إسكان إبراهيم لهاجر وابنها في مكان مكة، وسيأتي مبسوطًا في "أحاديث الأنبياء" فوقع في شرح ابن بطال ضم هذا الباب إلى الذي بعده فقال بعد قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾: وقول الله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ. . .﴾ إلخ [المائدة: ٩٧]، ثم قال: فيه أبو هريرة، فذكر أحاديث الباب الثاني، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: ويمكن أن يقال: إن الترجمة ثبتت بالحديث الآتي كما شرح به الحافظ الترجمة الآتية، أي: ما دامت قائمة فالأمن قائم، فعلى هذا تكون الترجمة من الأصل السابع والعشرين من أصول التراجم.
(٤٧ - باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): كأنه يشير إلى أن المراد بقوله: "قيامًا" أي: قوامًا، وأنها ما دامت موجودةً فالدين قائم، ولهذه النكتة أورد في الباب قصة هدم الكعبة في آخر الزمان، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية فقال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة، وعن عطاء قال: قيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا، انتهى.
стр. 1282
قال العيني (١) في حديث عائشة في صوم عاشوراء: وجه المناسبة أن غرض الترجمة تعظيم الكعبة وهو يحصل بسترها، انتهى.
قوله: (والأول أكثر) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أي: أقوى إسنادًا لكثرة رواته، وأنت تعلم أنه لا منافاة بين الروايتين فإن صدق الإثبات لا يتوقف إلا على الوجوب ولو مرة، فيمكن أن يحج البيت بعد يأجوج ومأجوج، ثم لا يحج إلى قيام الساعة، والذي أشكل على المؤلف أنه فهم من الحج بعدهما امتداده إلى نفخ الصور، فجعل بين الحديثين معارضة، وليس كذلك، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامش "اللامع"، وفيه أيضًا: بسط الكلام في زمان هدم الكعبة في "الإشاعة لأشراط الساعة" وقال: اختلفوا فيه هل هو في زمن عيسى ﵇ أو عند قيام الساعة حين لا يبقى أحد يقول: الله الله؟ انتهى.
(٤٨ - باب كسوة الكعبة)
أي: حكمها في التصرف فيها، ونحو ذلك، قال ابن المنيِّر (٣): يحتمل أن يكون مقصوده التنبيه على أن كسوة الكعبة مشروع، والحجة فيه أنها لم تزل تقصد بالمال يوضع فيها على معنى الزينة إعظامًا لها والكسوة من هذا القبيل، انتهى.
قوله: (لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء) كتب الشيخ في "اللامع" (٤): فيه الترجمة حيث ثبت أن البيت كان له مال وليس إلا لينفق عليه عند الضرورة، ومن حوائجه الكسوة، انتهى.
وبسط في هامشه الكلام في مناسبة الحديث بالترجمة وذكر فيه عن
стр. 1283
العيني ست وجوهات في المناسبة، وقال السندي (١): موافقة الحديث بالترجمة إما باعتبار أن الحديث يدل على أن تعظيم الكعبة بوضع الأموال فيها مشروع معتاد من قديم الزمان، وقد قرره الشارع ورجع عمر عما قصد من تقسيمها إلى إبقائها على حالها، فإذا كان ذلك التعظيم مشروعًا مع أنه أمر غير ظاهر فكون التعظيم بالكسوة مع أنه تعظيم ظاهر وزينة باهرة مشروعًا بالأولى، وإما باعتبار أن عمر رأى قسمة أموال الكعبة لا وضعها في كسوتها دون حاجة المسلمين، وبه يعلم أنه ينبغي قسمة الكسوة بين المحتاجين إذا نزعت، والله تعالى أعلم، انتهى.
(٤٩ - باب هدم الكعبة)
قال الحافظ (٢): أي: في آخر الزمان، وقال أيضًا تحت حديث الباب: قيل: هذا الحديث يخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، ولأن الله تعالى حبس عن مكة الفيل ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة ولم تكن إذ ذاك قبلة فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟ وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله، كما ثبت في "صحيح مسلم"، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشام في زمن يزيد بن معاوية وغير ذلك من الوقائع من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاث مائة فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى كثرة، وكل ذلك لا يعارض قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين، وهو مطابق لقوله ﷺ : "ولن يستحل هذا البيت إلا أهله" فوقع ما أخبر به ﷺ ، وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، والله أعلم، انتهى.
стр. 1284
(٥٠ - باب ما ذكر في الحجر الأسود)
قال الحافظ (١): أورد فيه حديث عمر في تقبيل الحجر، وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث؛ منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" أخرجه أحمد والترمذي (٢) وصححه ابن حبان، ومنها حديث ابن عباس مرفوعًا: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن" الحديث، أخرجه الترمذي (٣)، انتهى.
قلت: الظاهر عندي أن الغرض من الترجمة إثبات الفضل له، وقد ورد في فضله عدة أحاديث كما تقدم عن "الفتح" إلا أنها لما لم تكن على شرطه فأثبت الفضل في الجملة بحديث الباب بتقبيله ﷺ .
(٥١ - باب إغلاق البيت. . .) إلخ
قال الحافظ (٤): أورد فيه حديث ابن عمر عن بلال. وتُعقب بأنه يغاير الترجمة من جهة أنها تدل على التخيير، والفعل المذكور يدل على التعيين، وأجيب بأنه حمل صلاة النبي ﷺ في ذلك الموضع بعينه على سبيل الاتفاق لا على سبيل القصد بزيادة فضل في ذلك المكان على غيره، ويحتمل أن يكون مراده أن ذلك الفعل ليس حتمًا وإن كانت الصلاة في تلك البقعة التي اختارها النبي ﷺ أفضل من غيرها، وظاهر الترجمة أنه يشترط للصلاة في جميع الجوانب إغلاق الباب ليصير مستقبلًا في حال الصلاة غير الفضاء، والمحكي عن الحنفية الجواز مطلقًا، وعن الشافعية وجه مثله لكن بشرط أن يكون للباب عتبة بأي قدر كانت، ووجه يشترط أن يكون قدر قامة المصلي،
стр. 1285
ووجه أن يكون قدر مُؤَخَّر الرِّجْل وهو المصحح عندهم، وأما قول بعض الشارحين: إن قوله: "ويصلي في أي نواحي البيت شاء" يعكر على الشافعية فيما إذا كان البيت مفتوحًا ففيه نظر؛ لأنه جعله حيث يغلق الباب، وبعد الغلق لا توقف عندهم في الصحة، انتهى.
قلت: وفيه أن في الترجمة جزآن مستقلان لا أن أحدهما قيد للآخر، لكن يعكر عليه أن الجزء الأول من الترجمة قد تقدم في "كتاب الصلاة" من "باب الأبواب والغلق للكعبة"، فتأمل.
(٥٢ - باب الصلاة في الكعبة)
لعل غرض المصنف بيان جوازها، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (١)، وفيه: حكي عن ابن عباس: لا تصح الصلاة فيها مطلقًا للزوم الاستدبار، وبه جزم بعض أهل الظاهر وابن جرير وأصبغ المالكي، والجمهور على الجواز مع الاختلاف فيما بينهم هل يختص الجواز بالنوافل كما قال به مالك وأحمد، أو يعم الفرائض أيضًا كما قال به الحنفية والشافعي.
(٥٣ - باب من لم يدخل الكعبة. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم أن دخولها من مناسك الحج، واقتصر المصنف على الاحتجاج بفعل ابن عمر لأنه أشهر من روى عن النبي ﷺ دخول الكعبة، فلو كان دخولها عنده من المناسك لما أخل به مع كثرة اتباعه، انتهى.
قلت: أنكر كونه من النسك ابن القيم وغيره، والجمهور على الندب كما بسط في "الأوجز" (٣)، ويحتمل أن المصنف أراد أن دخوله ليس على
стр. 1286
الوجوب، ثم قال الحافظ: استدل المحب الطبري بحديث الباب على أنه ﷺ دخل الكعبة في حجته، وفي فتح مكة، ولا دلالة فيه على ذلك لأنه لا يلزم من نفي كونه دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره، والله أعلم، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع" (١): والجملة أنه لم يدخل النبي ﷺ الكعبة في عمرة القضاء إجماعًا ودخلها عام الفتح إجماعًا، واختلفوا في دخوله في حجة الوداع أنكره الشيخ ابن القيم وكذا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية والنووي، وذكر ابن سعد دخوله ﷺ في حجة الوداع، وكذا مال إليه البيهقي، وإليه ميل ابن حبان أيضًا، وذهب السهيلي وابن الهمام إلى أنه ﷺ دخلها في حجة الوداع مرتين: يوم النحر ولم يصل فيه، ودخلها من الغد وصلى فيه. . .، إلى آخر ما بسط فيه.
(٥٤ - باب من كبَّر في نواحي الكعبة)
أورد فيه حديث ابن عباس "أنه ﷺ كبَّر في البيت ولم يصلّ فيه" واحتج به مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثباته الصلاة فيه عليه، ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى الترجمة؛ لأن ابن عباس أثبت التكبير ولم يتعرض له بلال، وبلال أثبت الصلاة ونفاها ابن عباس فاحتج المصنف بزيادة ابن عباس، انتهى.
قلت: ولذا لم يذكر في الترجمة: ولم يصل، مع أنه موجود في الحديث، والأوجه عندي في غرض الترجمة أنهم اختلفوا في الصلاة في الكعبة فمن مثبت لها وناف لها، ومال المصنف إلى الأول، ولذا جزم به في الترجمة السابقة، وحديث الباب هذا مستدل من نفاها، ولذا ذكره بباب من كبر كما هو المعروف من دأبه هذا، وقال ابن عباس: وقد سئل كيف
стр. 1287
أصلي في البيت؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبح وتكبر ولا تركع، ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبح وكبر وتضرع واستغفر ولا تركع ولا تسجد، انتهى من "الفتح" (١)، فيحتمل أن المصنف أشار إلى هذا.
(٥٥ - باب كيف كان بدء الرمل)
وهذا الباب الثاني عشر من الأبواب المبدوءة بلفظ "كيف"، قال الحافظ (٢): أي: ابتداء مشروعيته، وهو بفتح الراء والميم هو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه، انتهى.
وفي القسطلاني (٣): هو شرعة المشي مع تقارب الخطا دون العدو والوثوب فيما قاله الشافعي، وقال المتولي: تكره المبالغة في الإسراع، وعند الحنفية: هو أن يهز كتفيه في مشيه كالمتبختر بين الصفين، وفي "جزء حجة الوداع" (٤) في الرمل سبعة أبحاث بسطت في "الأوجز".
(٥٦ - باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة. . .) إلخ
أورد فيه حديث ابن عمر في ذلك وهو مطابق للترجمة من غير مزيد، هكذا في "الفتح" و"العيني" (٥).
لكن الظاهر عند هذا العبد الضعيف أن الترجمة مشتملة على جزئين؛ أحدهما: استلام الحجر أول ما يطوف، وثانيهما: ما أشار إليه بقوله: "ويرمل ثلاثًا" ولم يتعرض الشرَّاح لذلك.
وعلى هذا أشار بالجزء الأول من الترجمة إلى مسألة خلافية كما في
стр. 1288
"الأوجز" و"حجة الوداع" (١) من أن الجمهور لم يفرقوا في الاستلام بين الطواف الواجب والتطوع، وبه قال جماعة من المالكية خلافًا لما في "المدونة" من تخصيصه بالواجب، وطواف القدوم واجب عند المالكية خلافًا للجمهور فإنهم قالوا بسُنِّيته على الراجح عنهم، فلعل المصنف مال إلى قول المالكية، والله أعلم.
وأما الجزء الثاني من الترجمة فهو قوله: "يرمل ثلاثًا" لعل فيه تأييدًا لأحد قولي الشافعي: إن الرمل في طواف القدوم سواء سعى بعده أو لا، والجمهور على قوله الثاني المشهور وهو أنه في كل طواف بعده سعي كما قال النووي في "شرح مسلم"، ويمكن أن يقال: إنه أشار بهذا الجزء الثاني إلى الرد على من أنكر بقاء مشروعية الرمل، كما روي عن ابن عباس، أو على من أنكر تعميم الرمل لجميع الشوط بل خصَّه بغير ما بين الركنين اليمانيين.
(٥٧ - باب الرمل في الحج والعمرة)
قال الحافظ (٢): والقصد إثبات بقاء مشروعيته، وهو الذي عليه الجمهور، وقال ابن عباس: ليس هو بسُنَّة، من شاء رمل ومن شاء لم يرمل، انتهى.
ويحتمل عندي أن الغرض منه بيان إثبات التعميم لكل حاج ومعتمر، وردٌّ على من قال: ليس على المكي الرمل كما قال به أحمد ومالك خلافًا للحنفية والشافعية.
(٥٨ - باب استلام الركن بالمحجن)
قال الحافظ (٣) تحت حديث الباب: وبهذا قال الجمهور أن السُّنَّة أن يستلم الركن ويقبِّل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده وقبّل ذلك الشيء، فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى بذلك، وعن مالك في رواية: لا
стр. 1289
يقبِّل يديه، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، انتهى.
(٥٩ - باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانين. . .) إلخ
الأسود الذي يليه، دون الركنين الشاميين، وذلك لأن اليمانيين على القواعد الإبراهيمية، ففي الركن الأسود فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على القواعد، وفي الثاني الثانية فقط، ومن ثم خص الأول بمزيد تقبيله دون الثاني، انتهى من "القسطلاني" (١).
وأما الركنان الباقيان فلا يقبَّلان ولا يمسان؛ لأن البيت غير متمم على قواعد إبراهيم، فهذان الركنان ليسا على ركنيتهما؛ بل هما وسط الجدار الشرقي والغربي، كذا في "البذل" (٢).
وفي هامشي على "البذل": وإلى هذا التفصيل ذهب الجمهور كما بسطه الحافظ في "الفتح" (٣)، والموفق، ورد على الخرقي إذ قال: يقبل الركن اليماني أيضًا.
وقال القسطلاني (٤): وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قبَّل الركن اليماني ووضع خده عليه، رواه جماعة منهم ابن المنذر والحاكم وصححه وضعفه بعضهم، وعلى تقدير صحته فهو محمول على الحجر الأسود، وإذا استلمه قبَّل يده على الأصح عند الشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو المنصوص في "الأم". . . إلى آخر ما بسطه. وفيه: وكذا تقبيل نفس الركن لا بأس به كما جزم به في "الأم" واستحبه بعض الشافعية ونقل عن محمد بن الحسن، انتهى من "القسطلاني".
قال القاضي عياض: اتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف في العصر الأول بين بعض الصحابة والتابعين، ثم ذهب الخلاف، انتهى.
стр. 1290
قال القاري في شرح "اللباب" (١): أما الركنان الآخران فلا استلام فيهما، ولا إشارة بهما، بل هما بدعة مكروهة باتفاق الأربعة، انتهى من "الأوجز" (٢).
قوله: (وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن) وهذا يحتمل أن يكون مذهبه أنه ليس من البيت شيئًا مهجورًا، كما روى عنه ابن أبي شيبة، ويروى نحو ذلك عن معاوية، ويحتمل أن يكون فعله بعد ما أتم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم كما حمله عليه ابن القصار وتبعه ابن التين، فزال مانع عدم استلامهما، وعلى هذا لا خلاف بينه وبين الجمهور، وأما على الأول فكان فيه خلاف في السلف، انتهى من "الأوجز" (٣) بزيادة.
(٦٠ - باب تقبيل الحجر)
قال القسطلاني (٤): أي: مشروعيته بوضع الشفة عليه من غير تصويت ولا تطنين كما قاله الشافعي.
وقال الحافظ (٥): ويستفاد من حديث ابن عمر حديث الباب استحباب الجمع بين التسليم والتقبيل، والاستلام: المسح باليد والتقبيل بالفم، وروي عن ابن عمر أنه قال: "استقبل النبي ﷺ الحجر فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلًا" الحديث، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع" (٦): اعلم أنهم اختلفوا ها هنا في عدة مسائل:
الأولى: أن الجمهور لم يفرقوا في الاستلام بين الطواف الواجب والتطوع، خلافًا لما في "المدونة" من تخصيصه بالواجب.
والثانية: في التقبيل بالصوت، أباحه غير واحد من المالكية، خلافًا للجمهور.
стр. 1291
والثالثة: السجدة عليه مكروه عند مالك، ومختلف عند الحنفية والمرجح ندب السجود، وبه قال الشافعي وأحمد.
والرابعة: تقبيل اليد أو غيره مما استلم به الحجر مندوب عند الثلاثة خلافًا لمالك.
والخامسة: إن تعذر الاستلام يكبر عند مالك بدون الإشارة إليه، وعند أحمد يشير إليه أيضًا بدون تقبيل ما أشار به، ويقبِّله أيضًا عند الشافعي والحنفية، انتهى.
(٦١ - باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه)
أي: في الطواف عند عجزه عن استلامه، والمراد بالركن الأسود، قال القسطلاني (١): وفي "الهداية" (٢): ويستلم الحجر كلما مرَّ؛ لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة، فكما يفتتح كل ركعة بالتكبير يفتتح كل شوط باستلام الحجر، وإن لم يستطع الاستلام استقبل، وكبر وهلل، انتهى.
قلت: وهل يقبل ما أشار به أو لا؟ خلافية كما تقدم في الباب السابق، وأيضًا قد تقدم أنه لا إشارة عند المالكية بل عندهم يكبر إذا حاذاه ويمضي ولا يشير بيده.
(٦٢ - باب التكبير عند الركن)
قال الحافظ (٣) في حديث الباب: فيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): واستحب الشافعية والحنابلة أن يقول في ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم الله والله أكبر اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعًا لسُنَّة نبيِّك محمد ﷺ . وصح في أبي داود
стр. 1292
والنسائي وغيرهما أنه ﵊ قال بين الركنين اليمانيين: "رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"، إلى أن قال: والصحيح عند الحنابلة أنه لا بأس بقراءة القرآن، وجزم صاحب "الهداية" في "التجنيس" بأن ذكر الله أفضل منها فيه، وكرهها المالكية، انتهى.
(٦٣ - باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة. . .) إلخ
قال ابن بطال (١): غرضه بهذه الترجمة الرد على من زعم أن المعتمر إذا طاف حلَّ قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، فأراد أن يبيِّن أن قول عروة: "فلما مسحوا الركن حلُّوا" محمول على أن المراد لما استلموا الحجر الأسود وطافوا وسعوا حلوا، بدليل حديث ابن عمر الذي أردفه به في هذا الباب.
وقال النووي: لا بد من تأويل قوله: "مسحوا الركن" لأن المراد به الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بالإجماع، فتقديره: فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا حلوا، وحذفت هذه المقدرات للعلم بهذا لظهورها، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل تمام الطواف. ثم مذهب الجمهور أنه لا بد من السعي بعده ثم الحلق. وتعقب بأن المراد بمسح الركن الكناية عن تمام الطواف، فالمعنى فلما فرغوا من الطواف حلُّوا، وأما السعي والحلق فمختلف فيهما كما قال، انتهى.
قال الكرماني (٢): قال القاضي: قال ابن عباس وإسحاق بن راهويه: المعتمر يتحلل بعد الطواف، وإن لم يسع، وبسط الحافظ في الروايات عن ابن عباس في ذلك وقال: ولمسلم من طريق قتادة: "قال رجل لابن عباس: ما هذه الفتيا إن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سُنَّة نبيكم وإن رغمتم"،
стр. 1293
ثم قال الحافظ: وعرف أن هذا مذهب لابن عباس خالف فيه الجمهور ووافقه فيه ناس منهم إسحاق بن راهويه، انتهى مختصرًا من هامش "اللامع".
قلت: وإلى هذا أشار الإمام البخاري أيضًا في أبواب العمرة في "باب متى يحل المعتمر".
(٦٤ - باب طواف النساء مع الرجال)
أي: هل يختلطن بهم أو يطفن معهم على حدة بغير اختلاط أو ينفردن، قاله الحافظ (١)، وأيضًا قال: وظاهر حديث الباب أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهي عن النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء قال: فرأى رجلًا معهن فضربه بالدرة، وهذا إن صح لم يعارض الأول؛ لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه عطاء واحتج بصنيع عائشة، وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر، قال الفاكهي: ويذكر عن ابن عيينة أن أول من فرَّق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القشيري، انتهى.
وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتًا ثم تركه فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة، انتهى.
(٦٥ - باب الكلام في الطواف)
أي: إباحته، وإنما لم يصرح بذلك لأن الخبر ورد في كلام يتعلق بأمر بمعروف، لا بمطلق الكلام، ولعله أشار إلى الحديث المشهور عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام، ومن نطق فلا ينطق إلا بخير" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقد استنبط منه ابن عبد السلام: أن الطواف أفضل
стр. 1294
أعمال الحج؛ لأن الصلاة أفضل من الحج فيكون ما اشتملت عليه أفضل، قال: وأما حديث "الحج عرفة" فلا يتعين، التقدير: معظم الحج عرفة، بل يجوز إدراك الحج بالوقوف بعرفة.
قال الحافظ (١): وفيه نظر، ولو سلم فما لا يتقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف والطواف سواء في ذلك فلا تفضيل، انتهى.
وقال الحافظ (٢) أيضًا تحت حديث الباب: قال ابن بطال في هذا الحديث: إنه يجوز للطائف فعل ما خف من الأفعال وتغيير ما يراه الطائف من المنكر، وفيه الكلام في الأمور الواجبة والمستحبة والمباحة، قال ابن المنذر: أولى ما شغل المرء به نفسه في الطواف ذكر الله تعالى وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح، وحكى ابن التين خلافًا في كراهة الكلام المباح، وعن مالك تقييد الكراهة بالطواف الواجب، قال ابن المنذر: واختلفوا في القراءة، فكان ابن المبارك يقول: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، واستحبه الشافعي، وقيَّده الكوفيون بالسر، وروي عن الحسن كراهته، وعن مالك أنه محدث، وعنه: أنه لا بأس إذا أخفاه ولم يكثر منه، انتهى.
وقال الموفق (٣): يستحب أن يدع الحديث، إلا ذكر الله [تعالى]، أو قراءة القرآن، أو أمرًا بالمعروف، [أو نهيًا عن منكر]، أو ما لا بد منه ولم يذكر فيه خلاف أحد، وتقدم شيء منه في "باب التكبير عند الركن".
(٦٦ - باب إذا رأى سيرًا أو شيئًا يكره في الطواف قطعه)
والسير بمهملة مفتوحة وياء ساكنة معروف، وهو ما يقد من الجلد وهو الشراك، وأورد فيه حديث ابن عباس من وجه آخر، وهذا مختصر من الحديث الذي قبله، قال ابن بطال: وإنما قطعه لأن القود بالأزمة إنما
стр. 1295
يفعل بالبهائم وهو مثلة، انتهى من "الفتح" (١).
(٦٧ - باب لا يطوف بالبيت عريان. . .) إلخ
وفي "مسلم" (٢) عن هشام عن أبيه عروة قال: كانت العرب يطوفون عراة إلا أن يعطيهم الحمس ثيابًا، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء، واحتج مالك والشافعي وأحمد في رواية بهذا فقالوا باشتراط ستر العورة، وذهب أبو حنيفة وأحمد في رواية أخرى إلى أنه لو طاف عريانًا يجبر بدم، انتهى من "العيني" (٣).
(٦٨ - باب إذا وقف في الطواف)
أي: هل ينقطع طوافه أو لا؟ وكأنه أشار بذلك إلى ما روي عن الحسن أن من أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف فقطعه أن يستأنفه ولا يبني على ما مضى، وخالفه الجمهور فقالوا: يبني، وقيَّده مالك بصلاة الفريضة وهو قول الشافعي، وفي غيرها إتمام الطواف أولى فإن خرج بنى، وقال أبو حنيفة وأشهب: يقطعه ويبني، واختار الجمهور قطعه للحاجة، وقال نافع: طول القيام في الطواف بدعة، انتهى من "الفتح" (٤).
وقال القسطلاني (٥): ومذهب الشافعية وهو الجديد أن الموالاة بين الطوفات وبين أبعاض الطوفة الواحدة سُنَّة، فلو فرق تفريقًا كثيرًا بغير عذر كره، ولم يبطل طوافه، ومذهب الحنابلة وجوب الموالاة فمن تركها عمدًا أو سهوًا لم يصح طوافه إلا أن يقطعها لصلاة حضرت أو جنازة، انتهى.
قوله: (وقال عطاء:. . .) إلخ، هو ابن أبي رباح، (فتقام الصلاة) أي: المكتوبة في أثناء طوافه يقطع طوافه، (يرجع إلى حيث قطع عليه)،
стр. 1296
ولا يستأنف الطواف. وهذا مذهب الجمهور خلافًا للحسن حيث قال: يستأنف، وقيَّده مالك بصلاة الفريضة، كذا في "القسطلاني" (١)، ونسبه العيني (٢) إلى الأئمة الأربعة.
(٦٩ - باب طاف النبي ﷺ وصلى لسبوعه ركعتين. . .) إلخ
قال القسطلاني (٣): سبوع، بالسين المهملة والموحدة المضمومتين بغير همز في لغة قليلة. أو هو جمع سبع بضم السين وسكون الموحدة كبرد وبرود، وفي حاشية "الصحاح" مضبوط بفتح أوله كضرب وضروب. وعلى الكل فالمراد به سبع مرات، انتهى.
يحتمل عندي: أن الغرض منه أن يصلِّي في كل أسبوع ركعتين ولا يجمع الأسابيع، أو المراد أن يصلِّي تطوعًا ولا تكفى الفريضة، فالأول، أي: مسألة القِران بين الأسابيع خلافية.
قال الحافظ: القِران بين الأسابيع خلاف الأولى وهو قول أكثر الشافعية وأبي يوسف، وعن أبي حنيفة ومحمد: يكره، وأجازه الجمهور بغير كراهة، وأما الاحتمال الثاني في الغرض، أي: مسألة إجزاء الفريضة عن ركعتي الطواف فهي أيضًا خلافية، فعند الشافعي وأحمد: تجزئ عنهما الفريضة، ولا تجزئ عند أبي حنيفة ومالك، وذلك لأن ركعتى الطواف سُنَّتان مؤكدتان على الأصح عند الشافعي وأحمد، وعند الحنفية والمالكية واجبتان.
قال الموفق (٤): وركعتا الطواف سُنَّة مؤكدة غير واجبة، وإذا صلى المكتوبة بعد طوافه أجزأته عن ركعتي الطواف، وعن أحمد: أنه يصلي ركعتي الطواف بعد المكتوبة؛ لأنه سُنَّة، فلم تجز عنها المكتوبة؛ كركعتي الفجر، انتهى.
стр. 1297
(٧٠ - باب من لم يقرب الكعبة. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (١): يعني بذلك أنه لا يجب له تكرار الطواف كلما بدا له، وإن كان حسنًا موجبًا لمزيد الأجر، انتهى.
وما أفاده الشيخ هو مؤدى كلام الشرَّاح، وإن كان الظاهر عند هذا العبد الضعيف بالنظر إلى ظاهر ألفاظ الترجمة أن الإمام البخاري أشار بالترجمة إلى رأي الإمام مالك.
قال الحافظ (٢): ونقل عن مالك: أن الحاج لا يتنفل بطواف حتى يتم حجه، وعنه: الطواف بالبيت أفضل من الصلاة النافلة لمن كان من أهل البلاد البعيدة وهو المعتمد، انتهى.
(٧١ - باب من صلى ركعتي الطواف خارجًا من المسجد. . .) إلخ
قال الحافظ (٣): هذه الترجمة معقودة لبيان إجزاء صلاة ركعتي الطواف في أي موضع أراد الطائف، وإن كان ذلك خلف المقام أفضل، وهو متفق عليه إلا في الكعبة أو الحجر، ولذلك عقّبها بترجمة "من صلى ركعتي الطواف خلف المقام".
وقال أيضًا (٤) تحت حديث أم سلمة: وموضع الحاجة منه هنا قوله في آخره: "فلم تصل حتى خرجت" أي: من المسجد أو من مكة، فدل على جواز صلاة الطائف خارجًا من المسجد، وإنما لم يبت البخاري الحكم في هذه المسألة لاحتمال كون ذلك يختص بمن كان له عذر، لكون أم سلمة كانت شاكية، ولكون عمر إنما فعل ذلك لكونه طاف بعد الصبح وكان لا يرى التنفل بعده مطلقًا حتى تطلع الشمس، كما سيأتي واضحًا بعد باب،
стр. 1298
واستدل به على أن من نسي ركعتي الطواف قضاهما حيث ذكرهما من حل أو حرم وهو قول الجمهور، وعن الثوري يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم، وعن مالك إن لم يركعهما حتى تباعد ورجع إلى بلده فعليه دم، انتهى.
ثم اختلفوا في طواف أم سلمة هذا، هل هو طواف الإفاضة يوم النحر أو طواف الوداع، بسط الكلام عليه في "الأوجز" (١). وفي "جزء حجة الوداع" (٢): قال ابن القيم (٣): قال ابن حزم: طافت أم سلمة ذلك اليوم - النحر - على بعيرها، وهي شاكية، لرواية مسلم، ويشكل عليه أنها سمعت قراءته ﷺ بالطور، كما في رواية "الموطأ" بلفظ: "فطفت ورسول الله ﷺ حينئذ يصلي إلى جانب البيت، وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور".
قال الحافظ (٤): قال أحمد بن حنبل: وهذا عجيب، ما يفعل النبي ﷺ يوم النحر بمكة، والصواب أن طوافها ذاك كان طواف الوداع، كما بسطه الشيخ ابن القيم مدللًا، وبه صرَّح الحافظ في "الفتح"، وبه جزم في "البداية والنهاية"، وهو صرح في رواية النسائي، انتهى بزيادة من "الأوجز".
(٧٢ - باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام)
أثبت المصنف في الباب السابق جواز ركعتي الطواف في أي موضع شاء، وبهذا الباب أشار إلى ما هو الأفضل، كما تقدم أيضًا في كلام الحافظ، ثم حديث الباب ظاهر فيما ترجم له، وفي حديث جابر الطويل عند مسلم: "طاف ثم تلا ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فصلى عند المقام ركعتين".
قال ابن المنذر: احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث
стр. 1299
شاء؛ إلا شيئًا ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يعيد، انتهى من "الفتح" (١).
قال القسطلاني (٢): والمقام هو الحجر الذي فيه أثر قدمي الخليل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد صح في "البخاري" وغيره أن عمر قال: يا رسول الله! هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: "نعم" الحديث، انتهى.
وقد تقدم تبويب المصنف في "كتاب الصلاة" بقوله: "باب قول الله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ " وكذا تقدم الكلام على ما يتعلق بها.
(٧٣ - باب الطواف بعد الصبح والعصر. . .) إلخ
وما يظهر من الآثار والروايات المذكورة في الباب في غرض الترجمة أن من طاف بعد صلاة الصبح والعصر هل يصلي إذ ذاك ركعتي الطواف، أو ينتظر خروج وقت الكراهة.
قال الحافظ (٣): ذكر فيه آثارًا مختلفة، ويظهر من صنيعه أنه يختار فيه التوسعة، وكأنه أشار إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جبير بن مطعم: "أن رسول الله ﷺ قال: يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بالبيت وصلى أي ساعة شاء" الحديث، وإنما لم يخرجه لأنه ليس على شرطه، انتهى.
وها هنا مسألتان: الأولى: الطواف بعد الصبح والعصر، والثانية: تحية الطواف في ذينك الوقتين:
أما الأولى فهي إجماعية، قال الباجي (٤): جواز الطواف بعد صلاة الصبح والعصر لا نعلم فيه خلافًا، انتهى.
стр. 1300
وقال ابن عبد البر (١): وكرهه الثوري، انتهى.
والثانية خلافية، قال ابن المنذر (٢): رخص في الصلاة بعد الطواف في كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم، ومنهم من كره ذلك بعموم النهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر، وهو قول عمر والثوري وطائفة، وذهب إليه مالك وأبو حنيفة، انتهى.
(٧٤ - باب المريض يطوف راكبًا)
قال الحافظ (٣): أورد فيه حديث ابن عباس وحديث أم سلمة، والثاني ظاهر فيما ترجم له لقولها فيه: "إني أشتكي"، وأما حديث ابن عباس فالمصنف حمل طوافه ﷺ راكبًا على أنه كان عن شكوى، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ: "قدم النبي ﷺ مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته"، ووقع في حديث جابر عند مسلم: "أنه ﷺ طاف راكبًا ليراه الناس وليسألوه"، ويحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين، وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا لغير عذر، إلى آخر ما قال.
ومسألة الطواف راكبًا خلافية، ففي "جزء حجة الوداع" (٤): وهل المشي واجب أو مندوب؟ قال ابن القيم: المشي أفضل، وفي مناسك القاري: واجب.
قال الموفق: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، وأما الطواف راكبًا أو محمولًا بغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزيه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والثانية: يجزيه وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: يعيد ما دام بمكة، فإن رجع جبره بدم، والثالث: يجزيه ولا شيء عليه وهو مذهب الشافعي، ولا خلاف في أن الطواف راجلًا أفضل، انتهى.
стр. 1301
قلت: وما حكى الموفق عن مذهب أبي حنيفة هو المرجح في مذهب مالك أنه يعيد ما دام بمكة، فإن رجع فعليه دم، كما قاله الدسوقي، والبسط في "الأوجز".
(٧٥ - باب سقاية الحاج)
قال العيني (١): السقاية بكسر السين ما يبنى للماء، وأما السقاية التي في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ [التوبة: ١٩] فهو مصدر، والتي في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ الآية [يوسف: ٧٠] مشربة الملك، وقال الجوهري: هي الصواع الذي كان الملك يشرب فيه، وقال ابن الأثير: سقاية الحاج ما كانت قريش تسقيه الحاج من الزبيب المنبوذ في الماء وكان يليها عباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام، وعن عطاء: سقاية الحاج زمزم، وقال الأزرقي: كان عبد مناف يتحمل الماء في الرَّوايا والقِرَب إلى مكة ويسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحاج، ثم فعله ابنه هاشم، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم، ويسقي الناس، ثم ولي السقاية ولده العباس، فلم يزل بيده حتى قام الإسلام، وأقرها رسول الله ﷺ معه فهي اليوم إلى بني العباس، انتهى.
قلت: في غرض الترجمة عندي وجهان: إما الإشارة إلى بيان مشروعيته في الإسلام، وإن كان من أمر الجاهلية، وإما الإشارة إلى الاختلاف الذي حكاه العيني (٢) إذ قال: قال طاوس: الشرب من سقاية العباس من تمام الحج، وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهد مولاه بأن يشرب من سقاية العباس ويقول: إنه من تمام السُّنَّة، وممن شرب منها سعيد بن جبير وأمر به سويد بن غفلة، وعن ابن عمر: أنه لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، وكذا روى خالد بن أبي بكر أنه حج مع سالم ما لا يحصى، فلم يره يشرب من نبيذ السقاية، انتهى.
стр. 1302
(٧٦ - باب ما جاء في زمزم. . .) إلخ
قال الحافظ (١): كأنه لم يثبت عنده في فضلها حديث على شرطه صريحًا، وقد وقع في "مسلم" من حديث أبي ذر "أنها طعام طعم" زاد الطيالسي "وشفاء سقم"، وفي "المستدرك" من حديث ابن عباس مرفوعًا: "ماء زمزم لما شرب له" رجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، إلى أن قال الحافظ: وقد جمعت في ذلك جزءًا، والله أعلم.
وسميت زمزم لكثرتها، يقال: ماء زمزم، أي: كثير، وعن مجاهد: لأنها مشتقة من الهزمة وهي الغمز بالعقب في الأرض، وغير ذلك من الأقوال نقلها الحافظ، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): قوله: "فشرب وهو قائم" فيه الترجمة حيث يضر الماء لو شرب قائمًا، ولم يضر زمزم، إذ لا ضرر فيه فساغ شربه قيامًا، انتهى مختصرًا.
وفي هامشه: ظاهر كلام الشيخ أنه حمل الترجمة على شرب ماء زمزم قائمًا ويشعر إليه ثاني حديثي الباب، وقال الحافظ (٣): قال ابن بطال وغيره: أراد البخاري أن شرب ماء زمزم من سنن الحج، وفي "المصنف" عن طاوس قال: "شرب نبيذ السقاية من تمام الحج"، انتهى.
والظاهر عندي: أن غرض الإمام البخاري فضل ماء زمزم، وأثبته أيضًا بالشرب قائمًا، وما قاله الحافظ وتبعه فيه غيره أن الإمام البخاري لم يثبت عنده في فضل زمزم حديث. . . إلخ. عجيب، وأي حديث يكون أصرح من حديث الباب في فضله، فإنه استدل به على كونه أفضل من ماء
стр. 1303
الكوثر، ففي مقدمة "الهداية": وقد وردت لماء زمزم فضائل في أحاديث كثيرة، وأجمع العلماء على أن ماءها أفضل مياه الدنيا إلا ما نبع من أصابعه ﷺ ، وهل ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر أيضًا، اختلفوا فيه، فمنهم من قال: لا، وذهب أهل التحقيق إلى كونه أفضل منه أخذًا مما روي في قصة المعراج من غسل الملائكة صدر رسول الله ﷺ بمائه، فلو كان ماء الكوثر أفضل منه لجيء به كما لا يخفى، انتهى.
وبه جزم الزرقاني في "شرح المواهب" وقال: وإليه يومئ قول العارف ابن أبي جمرة، وتوقف السيوطي فيه. . .، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (١)، ويأتي في "كتاب الأشربة" "باب الشرب قائمًا"، ويأتي الكلام على المسألة هناك، إن شاء الله تعالى.
(٧٧ - باب طواف القارن)
قال الحافظ (٢): أي: هل يكتفي بطواف واحد أو لا بد من طوافين، انتهى.
قلت: الأول مذهب الأئمة الثلاثة، والثاني مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة والكوفيين فإنهم قالوا: لا بد للقارن من طوافين وسعيين.
قال السندي (٣): قوله: "فإنما طافوا طوافًا واحدًا" ظاهره أنهم إنما اقتصروا من الطوافين اللذين طافهما السابقون على أحدهما إما الأول وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين الأول والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي "صحيح مسلم" عنه: وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، إلى أن قال: وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر، وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ حين قدم
стр. 1304
مكة إلى أن قال: ونحر هديه يوم النحر، وأفاض وطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى وساق الهدي من الناس، ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك، وسيجيء هذا الحديث في الكتاب أيضًا في "باب سوق البدن"، فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين، والله تعالى أعلم.
وبسط العلامة السندي أيضًا الكلام على حديث ابن عمر حديثي الباب أشد البسط فللَّه دره، وبسط الكلام على قوله: "طافوا طوافًا واحدًا" في "الأوجز" (١)، من التأويلات العديدة، والأوجه عندي في التأويل أنه ﷺ طاف للتحلل من الإحرامين الحج والعمرة طوافًا واحدًا، بخلاف ما قيل: إنه يطوف للتحلل منهما طوافين وسعيين.
(٧٨ - باب الطواف على وضوء)
أورد فيه حديث عائشة "أن أول شيء. . ." إلخ، وليس فيه دلالة على الاشتراط إلا إذا انضم إليه قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، انتهى من "الفتح" (٢).
والمسألة خلافية، قال الموفق (٣): الطهارة من الحدث والنجاسة شرط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد، وهو قول مالك والشافعي، وعن أحمد: أن الطهارة ليست شرطًا، وبه قال أبو حنيفة واختلف أصحابه فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو سُنَّة، انتهى.
وعد صاحب "اللباب" في واجبات الطواف: الطهارة عن الحدث مطلقًا، كذا في "جزء حجة الوداع" (٤).
قوله: (وفلان وفلان. . .) إلخ، تقدم هذا الحديث أيضًا في "باب
стр. 1305
من طاف بالبيت إذا قدم مكة. . ." إلخ، وسكت عن تعيينهما الحافظان ابن حجر والعيني، وقال الحافظ (١): لم أقف على تعيينهم، لكن قال القسطلاني (٢): هما عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، انتهى، فتأمل.
(٧٩ - باب وجوب الصفا والمروة)
يحتمل عندي: أنه أشار بذلك إلى مشروعيته لتوهم عدم الجواز؛ لأنه كان من أمر الجاهلية، كما سيجيء في الباب الآتي: "قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي".
وقال الحافظ (٣): أي: وجوب السعى بينهما مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله، قاله ابن المنيِّر، انتهى.
فعلى هذا يكون الغرض بيان الوجوب، واختلف أهل العلم في هذا، فالجمهور على أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وعن أبي حنيفة: واجب يجبر بالدم، وبه قال الثوري في الناسي لا في العامد، وبه قال عطاء، وعنه: أنه سُنَّة لا يجب بتركه شيء، واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة، انتهى من "الفتح" (٤).
والأصح عند الإمام أحمد مثل الشافعي ومالك أنه ركن، كما في "الأوجز" (٥).
(٨٠ - باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. . .) إلخ
قال الحافظ (٦): أي: في كيفيته، وموضع الترجمة من الحديث قوله: "وكان يسعى بطن المسيل".
стр. 1306
(٨١ - باب تقضي الحائض المناسك كلها. . .) إلخ
قال الحافظ (١): جزم بالحكم الأول لتصريح الأخبار التي ذكرها في الباب بذلك، وأورد المسألة الثانية مورد الاستفهام للاحتمال، وكأنه أشار إلى ما روي عن مالك في حديث الباب بزيادة "ولا بين الصفا والمروة".
قال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن مالك إلا يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري.
قلت: فإن كان يحيى حفظه فلا يدل على اشتراط الوضوء للسعي لأن السعي يتوقف على تقدم طواف قبله، فإذا كان الطواف ممتنعًا امتنع لذلك لا لاشتراط الطهارة له، ولم يذكر ابن المنذر عن أحد من السلف اشتراط الطهارة للسعي إلا عن الحسن البصري، وحكي في رواية من الحنابلة أيضًا، وقال ابن بطال: كأن البخاري فهم أن قوله ﵊ لعائشة: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" أن لها أن تسعى، ولهذا قال: وإذا سعى على غير وضوء، قال الحافظ: وهو توجيه جيد لا يخالف التوجيه الذي قدمته وهو قول الجمهور.
(٨٢ - باب الإهلال)
قال القسطلاني (٢): أي: الإحرام بالحج (من البطحاء) أي: وادي مكة (وغيرها) أي: من غير بطحاء مكة من سائر أجزائها (للمكي) المقيم بها (وللحاج) الآفاقي الذي دخل مكة متمتعًا.
والحاصل أن مهلّ المكي والمتمتع نفس مكة وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وله أن يحرم من جميع بقاع مكة لا سائر الحرم لقوله ﵊: "حتى أهل مكة من مكة"، وقيس بأهلها غيرهم ممن هو بها، فإن فارق بنيانها وأحرم خارجها ولم يعد إليها قبل الوقوف أساء ولزمه دم
стр. 1307
لمجاوزته سائر المواقيت، فإن عاد إليها قبل الوقوف سقط الدم، والأفضل أن يحرم من باب داره، وسواء أراد المقيم بمكة الإحرام بالحج مفردًا أم أراد القِران فميقاته ما ذكر. وقال الحنفية: من دويرة أهله أو حيث شاء من الحرم، إلا أن إحرامه من المسجد. أفضل لفضيلة المسجد، وقال المالكية: ومكان الإحرام للحج للمقيم بمكة مكة، وسواء كان من أهلها أو مقيمًا بها وقت الإحرام، والمستحب له أن يحرم من المسجد لفعل السلف. وقال المرداوي من الحنابلة: والأفضل من المسجد نصًا، وإن أحرم من خارج الحرم جاز ولا دم عليه نصًا، انتهى.
وقال الحافظ (١) ما ملخصه: كأنه أشار إلى الخلاف في ميقات المكي، قال النووي: الصحيح أنه مكة نفسها، وقيل: مكة وسائر الحرم، وبه قالت الحنفية، واتفق الفريقان على أن الأفضل من باب المنزل، وفي قول للشافعي المسجد، وعند مالك وأحمد: يهلّ من جوف مكة، انتهى.
وفي "الأوجز" (٢) عن مالك وأحمد: لو أحرم من الحل لا دم عليه، انتهى.
(٨٣ - باب أين يصلي الظهر في يوم التروية ؟)
لعل غرض المصنف بذلك التنبيه على مسلك الجمهور من استحبابها بمنى، وبه قال الأئمة الأربعة، وقول ضعيف للشافعي: أن يصلي بمكة، كما في "الأوجز" (٣)، أو لأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمنى فأشار أنس بقوله: "انظر حيث يصلي أمراؤك. . ." إلخ، إلى أنه يجوز في غير منى وإن كان الاتباع أفضل، كما في "الفتح" (٤). فأراد المصنف التنبيه على الجواز بغير منى.
стр. 1308
وقال الحافظ (١) أيضًا: قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير: إن من السُّنَّة أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار، قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلّف عن منى ليلة التاسع شيئًا، ثم روي عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه، انتهى.
(٨٤ - باب الصلاة بمنى)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أشار بذلك إلى أنه لا يتم المسافر إذا لم يعزم الإقامة خمس عشرة يومًا، إلى آخر ما فيه.
وفي هامشه، اعلم أن الإمام البخاري ترجم بهذه الترجمة في موضعين: الأول في كتاب الصلاة في أبواب التقصير، والثاني ها هنا، وذلك عندي للإِشارة إلى اختلاف العلماء في أن القصر بمنى هل كان للسفر كما قال به الجمهور، أو كان للنسك كما قال به بعض السلف؟ وحكي ذلك عن الإمام مالك أيضًا.
قال الحافظ: واختلف السلف في المقيم بمنى هل يقصر أو يتم؟ بناء على أن القصر بها للسفر أو للنسك، واختار الثاني مالك، انتهى.
وقال العيني: قال ابن بطال: اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى وفي سائر المشاهد؛ لأنه عندهم في سفر، واختلف العلماء في صلاة المكي بمنى فقال مالك: يتم بمكة ويقصر بمنى، وكذلك أهل منى يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات، وبه قال الأوزاعي وإسحاق وقالوا: إن القصر سُنَّة الموضع، وإنما يتم بمنى وعرفات من كان مقيمًا فيها، وقال أكثر أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: لا يقصر أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء مسافة القصر، انتهى مختصرًا.
стр. 1309
قلت: وما حكوا من أن القصر عند مالك للنسك لا يصح عندي، كما بسط في "الأوجز" بل القصر عنده أيضًا للسفر كما صرَّح به في "الموطأ" إلا أنه ﵁ عدَّ الذهاب من مكة إلى منى ومنها إلى عرفة ومنها راجعًا إلى المزدلفة ثم إلى منى ثم إلى مكة سفرًا واحدًا، ولذلك لا يقصر أهل مكة بمكه وأهل منى بمنى عنده، ولو كان القصر للنسك ليقصرون هؤلاء أيضًا، انتهى من هامش "اللامع".
قوله: (فيا ليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان) يحتمل معنيين كما يظهر من الحواشي، أما الإنكار على فعله، يعني: ليته صلى ركعتين بدل الأربع، أو خشي عدم قبول الكل لمخالفة فعله ﵊، فتمنى قبول الثنتين منها.
(٨٥ - باب صوم يوم عرفة)
يعني بعرفة، وأورد فيه حديث أم الفضل، وترجم له في "كتاب الصوم" بنظير هذه الترجمة سواء، انتهى من "الفتح" (١).
واختلفت الأئمة فيه كما بسط في "الأوجز" (٢)، قال ابن الهمام: صوم عرفة لغير الحاج مستحب، وللحاج إن كان يضعفه عن الوقوف والدعوات فالمستحب تركه، وقيل: يكره، وهي كراهة تنزيه، انتهى. وقال ابن حجر: صومه للحاج خلاف الأولى، انتهى، أي: وإن لم يضعف كما قال النووي (٣)، وهو الأصح عند الشافعية، ومكروه عند المالكية، كما قال الدردير (٤). وقال الموفق (٥): تركه أفضل، لحديث أم الفضل، ويجب الفطر عند يحيى بن سعيد الأنصاري.
стр. 1310
(٨٦ - باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة)
قال الحافظ (١): أي: مشروعيتهما.
وغرضه بهذه الترجمة الرد على من قال: يقطع المحرم التلبية إذا راح إلى عرفة، انتهى.
وهو مذهب مالك، والمسألة خلافية شهيرة بسطت في "الأوجز" (٢) وهي: متى يقطع المحرم بالحج التلبية؟ وحديث البخاري "أن الفضل وأسامة كليهما قالا: لم يزل ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" حجة للجمهور، منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنه يلبي إلى رمي جمرة العقبة، مع اختلافهم في أنه يقطع مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي، فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض الشافعية، وقالت طائفة: يقطع إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، وبه قال مالك وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، انتهى.
ولا يبعد عندي: أن المصنف أشار بزيادة التكبير في الترجمة إلى أن التلبية ليست بفرض إذ ذاك كما يوهمه ما نقل عن ابن عباس، فقد قال الحافظ (٣): روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: التلبية شعار الحج، فإن كنت حاجًا فلبِّ حتى بدْء حلِّك، وبدْء حلِّك أن ترمي جمرة العقبة، انتهى، والله أعلم.
ثم الترجمة بظاهرها مكررة لأنها سيأتي بعد عدة أبواب، وسيأتي التوجيه هناك إن شاء الله تعالى.
(٨٧ - باب التهجير بالرواح يوم عرفة)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): أي: عدم التأخير فيه بعد الزوال، انتهى.
стр. 1311
والشرَّاح سكتوا قاطبة عن غرض الإمام البخاري للترجمة، والأوجه عند هذا العبد المبتلى بالسيئات المعترف بالتقصيرات أن الإمام البخاري أشار بذلك إلى مسألة مهمة شهيرة خلافية، وهي وقت الوقوف بعرفة، وأشار بالترجمة إلى مذهب الجمهور، وهو أن مبدأه من وقت الزوال، خلافًا للإمام أحمد كما سيأتي، واختلفوا في آخر وقته كما بسط في "الأوجز" (١)، وفيه: قد عرفت من ذلك البحث أنهم اختلفوا في فرض الوقت للوقوف على ثلاثة أقوال: الأول: قول الإمام أحمد: إنه من الفجر إلى الفجر كما في "المغني" وغيره، والثاني: قول الإمام مالك: إنه ليلة النحر من الغروب إلى الفجر ولو ساعة كما قال الدردير. وأما الوقوف نهارًا فواجب ينجبر بالدم ويدخل وقته بالزوال، والثالث: قول الإمامين أبي حنيفة والشافعي: إنه من زوال عرفة إلى فجر النحر، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك.
وأما وقت الوجوب فإنهم اختلفوا فيه على قولين:
الأول: الجمع بين الليل والنهار، في أي وقت منهما يحصل، وهو قول الإمام مالك، كما صرَّح به الدردير وغيره، وهو مختار صاحب "الروض المربع" وبه جزم النووي في "مناسكه".
والثاني: قول الحنفية وعامة الحنابلة: إن الواجب امتداد الوقوف إلى بعد الغروب كما جزم به القاري والمغني وغيرهما إذا وقف بالنهار، وإن لم يتفق له الوقوف بالنهار فلا امتداد في الليل، انتهى ملخصًا.
فالظاهر عندي: أن الإمام البخاري أشار بهذه الترجمة إلى وقت الوقوف، وهذا الاختلاف يناسب ما سيأتي من "باب الوقوف بعرفة"، إلا أن الترجمة ها هنا بلفظ التهجير يناسبه، فتدبر.
قوله: (وعليه ملحفة معصفرة) لعله كان مباحًا عنده كما هو مذهب
стр. 1312
الشافعي وأحمد، ويكره عندنا الحنفية للطيب، وعند مالك لأجل اللون.
(٨٨ - باب الوقوف على الدابة بعرفة)
قال الحافظ (١): واستدل بحديث الباب على أن الوقوف على ظهر الدواب مباح، وأن النهي الوارد في ذلك محمول على ما إذا أجحف بالدابة، انتهى.
فلعل المصنف أشار به إلى الجواز، وقيل: هذا الموضع مستثنى من النهي، كما في "الأوجز" نقلًا عن "منسك ابن العجمي" يكره الوقوف على ظهر الدابة إلا في حال الوقوف بعرفة، بل هو الأفضل للإمام وغيره، انتهى.
وفي "الأوجز" (٢): اختلف أهل العلم في أيهما أفضل الركوب أو تركه بعرفة؟ فذهب الجمهور إلى أن الأفضل الركوب لكونه ﷺ وقف راكبًا، وذهب الآخرون إلى أن استحباب الركوب يختص بمن يحتاج الناس إلى التعليم منه، وعن الشافعي قول: إنهما سواء، كذا في "الفتح"، وقال النووي في "شرح مسلم": في مذهبنا ثلاثة أقوال، أصحها: أن الركوب أفضل، والثاني: تركه أفضل، والثالث: هما سواء، وقال الموفق: الأفضل أن يقف راكبًا كما فعله ﷺ ، وقيل: الراجل أفضل؛ لأنه أخف على الراحلة، ويحتمل التسوية، وهكذا في "الشرح الكبير"، وفي "شرح اللباب": يقف راكبًا وهو الأفضل والأكمل، انتهى.
(٨٩ - باب الجمع بين الصلاتين بعرفة. . .) إلخ
قال الشيخ في "البذل" (٣): اختلف في هذا الجمع هل هو للسفر أو للنسك؟.
стр. 1313
قال الحافظ: وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك الجمع المذكور يختص بمن يكون مسافرًا بشرطه، وعن مالك وهو وجه للشافعية أنه للنسك، فيجوز الكل، انتهى.
وقلت: وكذا عند الحنفية، كما قال القاري في "شرح المناسك" خلافًا للشافعي في تخصيصه بالمسافر، انتهى ملخصًا من "البذل".
قلت: وكذا عند الحنابلة، قال الموفق (١): ويجوز الجمع لكل من بعرفة، من مكي وغيره، انتهى، وعند بعض الحنابلة: لا يجمع بينهما إلا مسافر، ورد عليه الموفق بقوله: لأن النبي ﷺ جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر حين قال: "أتموا، فإنا سفر"، انتهى.
فالحاصل من فروعهم أن الجمع للنسك عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي فقط، والعجب من الحافظ حيث عزا مذهبه إلى الجمهور وهذا من دأبه المعروف.
ثم اختلفوا أيضًا، فقال أبو حنيفة: يختص الجمع بمن صلى مع الإمام حتى لو صلى الظهر وحده أو بجماعة بدون الإمام لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا: المنفرد أيضًا كالأئمة الثلاثة، كذا في "القسطلاني" (٢)، وقال ابن عابدين (٣): عند الإمام للجمع ست شرائط، وقالا: لا يشترط إلا الإحرام، وبه قالت الأئمة الثلاثة، انتهى.
(٩٠ - باب قصر الخطبة بعرفة)
قال الحافظ (٤): قيَّد المصنف قصر الخطبة بعرفة اتباعًا للفظ الحديث، وقد أخرج مسلم الأمر باقتصار الخطبة في أثناء حديث لعمار أخرجه في "الجمعة"، انتهى.
стр. 1314
قال الموفق (١): والسُّنَّة أن يقصر الخطبة، ثم يروح إلى الموقف، ثم ذكر حديث ابن عمر، وفيه: ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف، قال ابن عبد البر: هذا كله لا خلاف فيه بين علماء المسلمين، انتهى.
واختلفوا ها هنا كما في "جزء حجة الوداع" (٢) في أن هذه الخطبة خطبتان عند الجمهور، منهم الحنفية، والشافعية، والمالكية، ولم أجد النص بذلك في فروع الحنابلة غير ما تقدم عن ابن القيم من قوله: وخطب خطبة واحدة ولم تكن خطبتين جلس بينهما، ويؤيده ما قال الموفق: ويخطب الإمام خطبة، انتهى.
(باب التعجيل إلى الموقف)
لم يذكر الأكثرون في هذه الترجمة حديثًا بل الترجمة سقطت من بعض الروايات، لكن قال أبو ذر: إنه رأى في بعض النسخ عقب هذه الترجمة: قال أبو عبد الله - أي: المؤلف -: حديث مالك - أي: المذكور قبل - يذكر هنا ولكني لا أريد أن أدخل في هذا الجامع مُعَادًا، فإن وقع ما يوهم التكرار فتأمله تجده لا يخلو من فوائد إسنادية أو متنية، وما وقع له مما سوى ذلك فبغير قصد وهو نادر الوقوع، انتهى من "القسطلاني" (٣).
لكن يشكل عليه ما في "البخاري" من الروايات المكررة متنًا وسندًا كما تقدم البحث في ذلك في "مقدمة اللامع" (٤)، انتهى.
(٩١ - باب الوقوف بعرفة)
أي: دون غيرها فيما دونها أو فوقها، كذا في "الفتح" (٥).
стр. 1315
(٩٢ - باب السير إذا دفع من عرفة)
أي: صفته، قال العلامة العيني (١): مطابقة الحديث للترجمة في قوله: "كان يسير العنق" فإنه صفة سيره إذا دفع من عرفة، انتهى.
ثم بسط في تفسير العنق، وفي آخره: ومن أنواع سير الإبل والدواب العنق، وهو سير سهل مسبطر، تمد فيه الدابة عنقها للاستعانة، وهو دون الإسراع، انتهى.
وقال الحافظ (٢): قال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليل على أن الحديث الذي رواه ابن عباس عن أسامة أنه قال: "فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا" أنه محمول على حال الزحام دون غيره، قال الحافظ: أخرجه أبو داود، وسيأتي للمصنف بعد باب، وقال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام، انتهى.
(٩٣ - باب النزول بين عرفة وجمع)
أي: لقضاء الحاجة ونحوها، وليس من المناسك، قاله الحافظ (٣).
(٩٤ - باب أمر النبي ﷺ بالسكينة. . .) إلخ
أورد فيه حديث ابن عباس، وتقدم الجمع بينه وبين حديث أسامة قبل باب في كلام الحافظ عن ابن خزيمة، فكن منه على ذكر، ويمكن عندي في غرض الترجمة أن يقال: إن الملحوظ في الترجمة قوله: وإشارته إليهم بالسوط، فكأن الإمام البخاري أشار بذلك إلى بيان جواز الإشارة بالسوط، وأما الأمر بالسكينة فكالتوطئة له، والله أعلم.
стр. 1316
(٩٥ - باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة)
المسألة إجماعية، قال الحافظ (١): واستدل بالحديث على جمع التأخير وهو إجماع بمزدلفة، لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية والمالكية بسبب النسك، انتهى.
وفي "جزء حجة الوداع" (٢): وهذا الجمع نسك عند الحنفية والحنابلة والمالكية، كما بسط في "الأوجز" وأجمل في "البذل" خلافًا للشافعية إذ قالوا: الجمع للسفر، قال النووي في "شرح مسلم": الصحيح عند أصحابنا أنه جمع للسفر، فلا يجوز إلا لمسافر سفرًا يبلغ به مسافة القصر، انتهى.
قلت: وبه قال بعض الحنابلة، كما في "الأوجز" (٣)، وفي قول للشافعي لمطلق السفر.
قوله: (الصلاة أمامك) قال الباجي: قال مالك: لا يصلي حتى يأتي مزدلفة، واستدل على ذلك بهذا، وقال ابن حبيب: من صلى قبل المزدلفة بلا عذر يعيد، وبه قال أبو حنيفة (٤).
قال الحافظ (٥): وكان جابر يقول: "لا صلاة إلا بجمع" أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، ونقل عن الكوفيين وعند ابن القاسم صاحب مالك وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلى أجزأه، وهو قول أبي يوسف والجمهور، انتهى من "جزء حجة الوداع" (٦).
(٩٦ - باب من جمع بينهما ولم يتطوع)
قال الحافظ (٧): أي: لم يتنفل بينهما، ثم قال بعد ذكر الحديث: ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين
стр. 1317
المغرب والعشاء مهلة صرَّح - المؤلف في الترجمة - بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سُنَّة العشائين عنهما. ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السُّنَّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (١)، وحاصله: أن التطوع بين الصلاتين يبطل الجمع في التقديم - أي: بعرفة - عند الشافعي وهو المرجح عند أحمد، ولا يبطل عندنا ومالك، لكن لا يندب، وأما في جمع التأخير فلا يبطل في المرجح عند الشافعي وأحمد، وقول لهما: يبطل، وأما عندنا ومالك فلا، ولكن لا يندب ها هنا أيضًا، وأما بعد الصلاتين فيصلي الرواتب عند الثلاثة خلافًا لمالك.
(٩٧ - باب من أَذَّن وأَقام لكل واحدة منهما)
قال الحافظ (٢): أي: من المغرب والعشاء بالمزدلفة، انتهى.
وبه، أي: بأذانين وإقامتين قال مالك. وإليه ميل الإمام البخاري كما قال الحافظ، وللعلماء في ذلك ستة مذاهب كما في "جزء حجة الوداع" (٣):
الأول: بإقامتين بلا أذان، وبه قال إسحاق، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي.
الثاني: بإقامة واحدة للأولى فقط، وبه قال الثوري وأحمد في رواية.
الثالث: بأذان واحد وإقامتين، وهو قول أحمد في أصح قوليه، وهو قول الطحاوي وزفر، قال النووي: هو الصحيح عند أصحابنا.