← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1313–1352 · переход к 1318.

стр. 1313

قال الحافظ: وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك الجمع المذكور يختص بمن يكون مسافرًا بشرطه، وعن مالك وهو وجه للشافعية أنه للنسك، فيجوز الكل، انتهى. وقلت: وكذا عند الحنفية، كما قال القاري في "شرح المناسك" خلافًا للشافعي في تخصيصه بالمسافر، انتهى ملخصًا من "البذل". قلت: وكذا عند الحنابلة، قال الموفق (١): ويجوز الجمع لكل من بعرفة، من مكي وغيره، انتهى، وعند بعض الحنابلة: لا يجمع بينهما إلا مسافر، ورد عليه الموفق بقوله: لأن النبي ﷺ جمع، فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر حين قال: "أتموا، فإنا سفر"، انتهى. فالحاصل من فروعهم أن الجمع للنسك عند الأئمة الثلاثة خلافًا للشافعي فقط، والعجب من الحافظ حيث عزا مذهبه إلى الجمهور وهذا من دأبه المعروف. ثم اختلفوا أيضًا، فقال أبو حنيفة: يختص الجمع بمن صلى مع الإمام حتى لو صلى الظهر وحده أو بجماعة بدون الإمام لا يجوز، وخالفه صاحباه فقالا: المنفرد أيضًا كالأئمة الثلاثة، كذا في "القسطلاني" (٢)، وقال ابن عابدين (٣): عند الإمام للجمع ست شرائط، وقالا: لا يشترط إلا الإحرام، وبه قالت الأئمة الثلاثة، انتهى. (٩٠ - باب قصر الخطبة بعرفة) قال الحافظ (٤): قيَّد المصنف قصر الخطبة بعرفة اتباعًا للفظ الحديث، وقد أخرج مسلم الأمر باقتصار الخطبة في أثناء حديث لعمار أخرجه في "الجمعة"، انتهى.

стр. 1314

قال الموفق (١): والسُّنَّة أن يقصر الخطبة، ثم يروح إلى الموقف، ثم ذكر حديث ابن عمر، وفيه: ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف، قال ابن عبد البر: هذا كله لا خلاف فيه بين علماء المسلمين، انتهى. واختلفوا ها هنا كما في "جزء حجة الوداع" (٢) في أن هذه الخطبة خطبتان عند الجمهور، منهم الحنفية، والشافعية، والمالكية، ولم أجد النص بذلك في فروع الحنابلة غير ما تقدم عن ابن القيم من قوله: وخطب خطبة واحدة ولم تكن خطبتين جلس بينهما، ويؤيده ما قال الموفق: ويخطب الإمام خطبة، انتهى. (باب التعجيل إلى الموقف) لم يذكر الأكثرون في هذه الترجمة حديثًا بل الترجمة سقطت من بعض الروايات، لكن قال أبو ذر: إنه رأى في بعض النسخ عقب هذه الترجمة: قال أبو عبد الله - أي: المؤلف -: حديث مالك - أي: المذكور قبل - يذكر هنا ولكني لا أريد أن أدخل في هذا الجامع مُعَادًا، فإن وقع ما يوهم التكرار فتأمله تجده لا يخلو من فوائد إسنادية أو متنية، وما وقع له مما سوى ذلك فبغير قصد وهو نادر الوقوع، انتهى من "القسطلاني" (٣). لكن يشكل عليه ما في "البخاري" من الروايات المكررة متنًا وسندًا كما تقدم البحث في ذلك في "مقدمة اللامع" (٤)، انتهى. (٩١ - باب الوقوف بعرفة) أي: دون غيرها فيما دونها أو فوقها، كذا في "الفتح" (٥).

стр. 1315

(٩٢ - باب السير إذا دفع من عرفة) أي: صفته، قال العلامة العيني (١): مطابقة الحديث للترجمة في قوله: "كان يسير العنق" فإنه صفة سيره إذا دفع من عرفة، انتهى. ثم بسط في تفسير العنق، وفي آخره: ومن أنواع سير الإبل والدواب العنق، وهو سير سهل مسبطر، تمد فيه الدابة عنقها للاستعانة، وهو دون الإسراع، انتهى. وقال الحافظ (٢): قال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليل على أن الحديث الذي رواه ابن عباس عن أسامة أنه قال: "فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا" أنه محمول على حال الزحام دون غيره، قال الحافظ: أخرجه أبو داود، وسيأتي للمصنف بعد باب، وقال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام، انتهى. (٩٣ - باب النزول بين عرفة وجمع) أي: لقضاء الحاجة ونحوها، وليس من المناسك، قاله الحافظ (٣). (٩٤ - باب أمر النبي ﷺ بالسكينة. . .) إلخ أورد فيه حديث ابن عباس، وتقدم الجمع بينه وبين حديث أسامة قبل باب في كلام الحافظ عن ابن خزيمة، فكن منه على ذكر، ويمكن عندي في غرض الترجمة أن يقال: إن الملحوظ في الترجمة قوله: وإشارته إليهم بالسوط، فكأن الإمام البخاري أشار بذلك إلى بيان جواز الإشارة بالسوط، وأما الأمر بالسكينة فكالتوطئة له، والله أعلم.

стр. 1316

(٩٥ - باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة) المسألة إجماعية، قال الحافظ (١): واستدل بالحديث على جمع التأخير وهو إجماع بمزدلفة، لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند الحنفية والمالكية بسبب النسك، انتهى. وفي "جزء حجة الوداع" (٢): وهذا الجمع نسك عند الحنفية والحنابلة والمالكية، كما بسط في "الأوجز" وأجمل في "البذل" خلافًا للشافعية إذ قالوا: الجمع للسفر، قال النووي في "شرح مسلم": الصحيح عند أصحابنا أنه جمع للسفر، فلا يجوز إلا لمسافر سفرًا يبلغ به مسافة القصر، انتهى. قلت: وبه قال بعض الحنابلة، كما في "الأوجز" (٣)، وفي قول للشافعي لمطلق السفر. قوله: (الصلاة أمامك) قال الباجي: قال مالك: لا يصلي حتى يأتي مزدلفة، واستدل على ذلك بهذا، وقال ابن حبيب: من صلى قبل المزدلفة بلا عذر يعيد، وبه قال أبو حنيفة (٤). قال الحافظ (٥): وكان جابر يقول: "لا صلاة إلا بجمع" أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، ونقل عن الكوفيين وعند ابن القاسم صاحب مالك وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلى أجزأه، وهو قول أبي يوسف والجمهور، انتهى من "جزء حجة الوداع" (٦). (٩٦ - باب من جمع بينهما ولم يتطوع) قال الحافظ (٧): أي: لم يتنفل بينهما، ثم قال بعد ذكر الحديث: ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين

стр. 1317

المغرب والعشاء مهلة صرَّح - المؤلف في الترجمة - بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سُنَّة العشائين عنهما. ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السُّنَّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، انتهى. وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (١)، وحاصله: أن التطوع بين الصلاتين يبطل الجمع في التقديم - أي: بعرفة - عند الشافعي وهو المرجح عند أحمد، ولا يبطل عندنا ومالك، لكن لا يندب، وأما في جمع التأخير فلا يبطل في المرجح عند الشافعي وأحمد، وقول لهما: يبطل، وأما عندنا ومالك فلا، ولكن لا يندب ها هنا أيضًا، وأما بعد الصلاتين فيصلي الرواتب عند الثلاثة خلافًا لمالك. (٩٧ - باب من أَذَّن وأَقام لكل واحدة منهما) قال الحافظ (٢): أي: من المغرب والعشاء بالمزدلفة، انتهى. وبه، أي: بأذانين وإقامتين قال مالك. وإليه ميل الإمام البخاري كما قال الحافظ، وللعلماء في ذلك ستة مذاهب كما في "جزء حجة الوداع" (٣): الأول: بإقامتين بلا أذان، وبه قال إسحاق، وأحمد في رواية، وهو قول الشافعي. الثاني: بإقامة واحدة للأولى فقط، وبه قال الثوري وأحمد في رواية. الثالث: بأذان واحد وإقامتين، وهو قول أحمد في أصح قوليه، وهو قول الطحاوي وزفر، قال النووي: هو الصحيح عند أصحابنا.

стр. 1318

الرابع: بأذان وإقامة للأولى فقط، وهو مذهب الحنفية. الخامس: بأذانين وإقامتين، وهو قول مالك، وتقدم أنه قول البخاري. السادس: بلا أذان ولا إقامة، كما حكي عن بعض السلف. وذكر في "الأوجز" مأخذ هذه الأقوال الستة، انتهى من "جزء الحج". (٩٨ - باب من قدَّم ضعفة أهله. . .) إلخ قال الحافظ: أي: من نساء وغيرهم، وقوله: "يقدم" ضبطه الكرماني بفتح القاف وكسر الدال قال: وحذف الفاعل للعلم به ومن ذكر أولًا، وبفتح الدال على البناء للمجهول، وقوله: "إذا غاب القمر" بيان للمراد من قوله في أول الترجمة: "بليل" ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، ومن ثم قيَّده الشافعي ومن تبعه بالنصف الثاني، قال صاحب "المغني": لا نعلم خلافًا في جواز تقديم الضعفة بليل من جمع إلى منى، كذا في "الفتح" (١). وذكر في "جزء حجة الوداع" (٢) ها هنا عدة أبحاث: الأول: في تعيين من قدَّمهم رسول الله ﷺ من الضعفة، منهم سودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، ومنهم ابن عباس، وأيضًا العباس ﵃. والبحث الثاني: في وقت الذهاب، وظاهر الروايات عند غيبوبة القمر في الليلة العاشرة، قال الحافظان ابن حجر والعيني: ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، انتهى. وقال ابن القيم: والذي دلت عليه السُّنَّة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حدّه بالنصف دليل عليه، انتهى. قال الموفق: لا بأس بتقديم الضعفة والنساء، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفًا، انتهى.

стр. 1319

ثم أعلم أن ها هنا مسألتين، إحداهما: المبيت بمزدلفة ليلة النحر، والثانية: والوقوف بها عند صلاة الفجر، وطالما تشتبه إحداهما بالأخرى على نقلة المذاهب، فالظاهرية قالوا بركنية الوقوف، وأما الأئمة الأربعة، فالصحيح من مسالكهم أن المبيت إلى ما بعد النصف الأول واجب عند الشافعي على المعتمد وكذا عند أحمد، وهذا لمن أدركه قبل النصف، وإلا فالحضور ساعة في النصف الأخير كاف، وعند مالك النزول بقدر حط الرحال واجب، في أي وقت من الليل كان، وعند الحنفية المبيت سُنَّة مؤكدة، وأما الوقوف بعد الفجر فواجب عند الحنفية، وسُنَّة عند الأئمة الثلاثة، وفرض عند ابن الماجشون وابن العربي من المالكية، وركن عند الظاهرية كما تقدم، إلى آخر ما بسط فيه. قوله: (أذن للظعن. . .) إلخ، قال الحافظ (١): واستدل بهذا الحديث على جواز الرمي قبل طلوع الشمس، إلى آخر ما قال. وفي هامش "اللامع" (٢): اختلف في وقت الرمي في هذا اليوم، أي: يوم النحر بداية ونهاية، قال الموفق: ولرمي هذه الجمرة وقتان، وقت فضيلة ووقت إجزاء، أما الأول فبعد طلوع الشمس، فقد أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، أي: عند أحمد، وبذلك قال الشافعي، وعن أحمد: يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، وها هنا مذهب ثالث نقله الشيخ ابن القيم (٣) أنه لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، وهو قول جماعة من أهل العلم، انتهى.

стр. 1320

(٩٩ - باب متى يصلي الفجر بجمع) وجوابه: يصلي بغلس، والمسألة ها هنا إجماعية، قال به الحنفية أيضًا، ففي "الهداية" (١): وإذا طلع الفجر يصلي الإمام بالناس الفجر بغلس، لرواية ابن مسعود، ولأن في التغليس دفع حاجة الوقوف فيجوز كتقديم العصر بعرفة، انتهى. (١٠٠ - باب متى يدفع من جمع) قال الحافظ (٢): أي: بعد الوقوف بالمشعر الحرام، انتهى. وفي "جزء حجة الوداع" (٣): قال الموفق: لا نعلم خلافًا في أن السُّنَّة الدفع قبل طلوع الشمس، والسُّنَّة أن يقف حتى يسفر جدًا، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار، انتهى. ثم لا يذهب عليك أن ثبير اسم لخمسة جبال بمكة، وذكر شارح "القاموس" اختلافهم في مسمى ثبير، هل هو بمنى أو غيره، انتهى من "جزء حجة الوداع". (١٠١ - باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي جمرة العقبة. . .) إلخ قال الحافظ (٤): قال الكرماني: ليس في الحديث ذكر التكبير، فيحتمل أن يكون أشار إلى الذكر الذي في خلال التلبية، أو أراد أن يستدل على أن التكبير غير مشروع حينئذ لأن قوله: "لم يزل" يدل على إدامة التلبية، وإدامتها تدل على ترك ما عداها، أو هو مختصر من حديث فيه ذكر التكبير، انتهى. والمعتمد أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما جرت به عادته،

стр. 1321

فعند أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله: "خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير"، انتهى. وتقدم اختلاف الأئمة في أنه متى يقطع المحرم التلبية قبل عدة أبواب في باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى. . ." إلخ، ويشكل ها هنا التكرار بهاتين الترجمتين، ويمكن في التوجيه أن يقال: إن المقصود هناك بيان وقت الابتداء وها هنا بيان الانتهاء. (١٠٢ - باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. . .) إلخ غرض المصنف بذلك تفسير الهدي، وذلك أنه لما انتهى في صفة الحج إلى الوصول إلى منى أراد أن يذكر أحكام الهدي والنحر؛ لأن ذلك يكون غالبًا بمنى، انتهى من "الفتح" (١). (١٠٣ - باب ركوب البُدْن لقوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾. . .) إلخ قال الحافظ (٢): استدل المصنف في جواز ركوب البُدْن بعموم قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ وأشار إلى قول إبراهيم النخعي: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ من شاء ركب ومن شاء حلب، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٣): لم يصرِّح المؤلف بالحكم لمكان الاختلاف في ذلك، والمسألة خلافية شهيرة، وفيها خمس مذاهب للعلماء: الأول: وجوب الركوب بظاهر الأوامر كما نقل عن بعض الظاهرية. الثاني: الجواز مطلقًا، نسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق.

стр. 1322

الثالث: تقييده بالحاجة، قال النووي: مذهب الشافعي أنه يركبها إذا احتاج. الرابع: أنها لا تركب إلا عند الاضطرار، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وإحدى الروايتين عن أحمد، وبه جزم الدردير والدسوقي. الخامس: المنع مطلقًا، حكاه ابن العربي عن أبي حنيفة، ثم من قيده بالحاجة أو الاضطرار اختلفوا على قولين: أحدهما: أن الإباحة تنتهي إلى وقت الحاجة ثم يلزمه النزول، والثاني: أنها شرط لابتداء الجواز، فإذا أبيح له لا يلزمه النزول، انتهى. قوله: (العتيق عتقه من الجبابرة) قال القسطلاني (١) تبعًا للعيني: إنها إشارة إلى ما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، انتهى. والأوجه عند هذا العبد الضعيف أنها إشارة إلى ما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] لوجهين، الأول: أنها أقرب إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، والثاني: أنها متعلقة بمسألة الهدي بخلاف قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، والإشارة إلى آية الهدي أولى من الإشارة إلى آية الطواف لمناسبة المقام. (١٠٤ - باب من ساق البدن معه) أي: من الحل إلى الحرم، قال المهلب (٢): أراد المصنف أن يعرف أن السُّنَّة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم، فإن اشتراه من الحرم خرج به إذا حج إلى عرفة، وهو قول مالك، قال: فإن لم يفعل فعليه البدل، وهو قول الليث، وقال الجمهور: إن وقف به بعرفة فحسن وإلا فلا بدل عليه، وقال أبو حنيفة: ليس بسُنَّة لأن النبي ﷺ إنما ساق الهدي

стр. 1323

من الحل لأن مسكنه كان خارج الحرم، وهذا كله في الإبل، فأما البقر فقد يضعف عن ذلك، والغنم أضعف، انتهى. قلت: في "جزء حجة الوداع" (١) تحت قوله: "وساق الهدايا معه. . ." إلخ: وسوقه ﷺ الهدايا معروف، ففي "الهداية" أنه ﵊ ساق الهدايا مع نفسه، انتهى. وهو مصرح في الروايات الكثيرة في "البخاري" وغيره، وفي "الهداية" أيضًا: وسوق الهدي معه أفضل لأنه ﷺ ساق الهدايا مع نفسه، وإلى ذلك أشار الإمام البخاري في كتابه، إذ ترجم أولًا "باب من ساق البدن معه"، وترجم بعد ذلك، " باب من اشترى الهدي من الطريق "، انتهى. وفي "فتح المعين" (٢) من فروع الشافعية: يسنُّ لقاصد مكة، وللحاج آكد أن يهدي شيئًا من النعم يسوقه من بلده، وإلا فمن الطريق، ثم من مكة، ثم من عرفة، ثم من منى، فلا يبعد عندي أن المصنف أشار بهذه وبالآتية إلى ذلك. (١٠٥ - باب من اشترى الهدي من الطريق) أي: سواء كان في الحلِّ أو الحرم؛ إذ سوقه معه من بلده ليس بشرط، وقال ابن بطال: أراد أن يبين أن مذهب ابن عمر في الهدي أنه ما أدخل من الحلِّ إلى الحرم؛ لأن قديدًا من الحل، قلت: لا يخفى أن الترجمة أعم من فعل ابن عمر فكيف تكون بيانًا له، انتهى من "الفتح" (٣). قلت: وتقدم في الباب السابق من "فتح المعين" أن الأفضل سوقه من بلده، ثم من الطريق، إلى آخر ما تقدم، فأشار الإمام البخاري بهذين الترجمتين إلى هذا الترتيب في السوق، ويحتمل أن يكون الغرض بهذه الترجمة الإشارة إلى مسألة خلافية، ففي "الموطأ" (٤): كان ابن عمر يقول: الهدي ما قُلِّد وأُشعرَ ووُقِفَ به بعرفة.

стр. 1324

وفي "الأوجز" (١): قال الباجي: يريد أن هذا الهدي الكامل الصفات والفضائل، وقال الزرقاني: فغيره ليس بهدي إن اشتراه بمكة أو منى، ولم يخرج به إلى الحل، وعليه بدله، فإن ساقه من الحل استحب وقوفه بعرفة، هذا قول مالك وأصحابه، والأصل في ذلك أن الهدي من شرطه أن يجمع فيه بين الحلِّ والحرم، ولا يجزئ من اشتراه بالحرم أن ينحره بالحرم، دون أن يخرجه إلى الحل، هذا مذهب مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن اشتراه في الحرم ونحره فيه أجزأه، انتهى. وقال الموفق: ليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، لكن يستحب ذلك، إلى آخر ما بسط في "الأوجز". (١٠٦ - باب من أشعر وقلَّد بذي الحليفة. . .) إلخ قال ابن بطال (٢): غرضه أن يبين أن المستحب أن لا يشعر المحرم ولا يقلد إلا في ميقات بلده، انتهى. قال الحافظ (٣): والذي يظهر أن غرضه الإشارة إلى رد قول مجاهد: لا يشعر حتى يحرم، أخرجه ابن أبي شيبة لقوله في الترجمة: "من أشعر ثم أحرم". وظاهر حديث الباب من قوله: "قلد وأحرم" أن البداءة بالتقليد، انتهى. والأوجه عندي في غرض الترجمة أنها رد لمن ذهب من الفقهاء إلى أن التقليد لمريد النسك يوجب الإحرام ويصير الرجل به محرمًا كما ذهب إليه الثوري وأحمد وإسحاق، وقال أصحاب الرأي: من ساق الهدي وأمَّ البيت ثم قلَّد وجب عليه الإحرام، وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا، ولا يجب عليه شيء، كما بسط في "الأوجز" و"الفتح".

стр. 1325

(١٠٧ - باب فتل القلائد للبدن والبقر) قال ابن المنيِّر: ليس في الحديثين ذكر البقر إلا أنهما مطلقان، وقد صح أنه أهداهما جميعًا، كذا قال. وكأنه أراد حديث عائشة "دخل علينا يوم النحر بلحم بقر" الحديث، وسيأتي بعد أبواب، ولا دلالة فيه على أنه كان ساق البقر، وترجمة البخاري صحيحة؛ لأنه إن كان المراد بالهدي في الحديث الإبل والبقر معًا فلا كلام، وإن كان المراد الإبل خاصة فالبقر في معناها، ومناسبة حديث حفصة للترجمة من جهة أن التقليد يستلزم تقدم الفتل عليه، كذا في "الفتح" (١). قلت: ولعل الغرض من الترجمة الرد على قول ابن حزم كما في "المحلى" (٢): أن لا إشعار في البقر ولا تقليد كانت له أسنمة أو لا، وأيضًا فيه رد على الإمام مالك فإنه قائل بتقليد البقر دون إشعارها كما في "القسطلاني" (٣)، وعند الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة يسن تقليد البقر، وفي الترجمة أيضًا إشارة إلى المغايرة بين البدن والبقر، إذ ذكر البقر بعده بحرف العطف، والمسألة خلافية، ففي "الأوجز" (٤): واختلفت الأئمة في أن البدنة تختص بالإبل أو تشمل البقر أيضًا؟ قال الشوكاني: حكي في "البحر" عن الشافعي والمؤيد بالله: أن البدنة تختص بالإبل، وعن أبي حنيفة وأصحابه والناصر: أنها تطلق على البقر، وعن بعض أصحاب الشافعي: أنها تطلق على الشاة أيضًا، قال: ولا وجه له، انتهى. (١٠٨ - باب إشعار البدن. . .) إلخ يستفاد من الشروح أن الغرض من الترجمة الرد على من كره الإشعار، ويمكن أن يكون الغرض منه التنبيه على أن الإشعار عام، سواء

стр. 1326

أراد النسك والإحرام أم لا؟ كما هو مؤدى حديث الباب، ثم في الإشعار ثلاثة مباحث، كما بسط في "الأوجز"، الأول: في تفسيره، والثاني: في حكمه، والثالث: في النعم التي تُشْعَرُ، أما البحث الثاني: ففيه خلاف مشهور، فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة إلى أنه سُنَّة، وقال أبو يوسف ومحمد: إنه حسن، وقيل: سُنَّة، كما في "البدائع"، وفي "الهداية": هو مكروه عند أبي حنيفة، وعندهما: حسن. وأما البحث الثالث ففي "الأوجز" (١): حاصل مذاهب الأئمة في ذلك، أن الإشعار في الإبل والبقر مطلق عند الشافعية والحنابلة، وأما عند المالكية ففي الإبل قولان: المرجح الإشعار مطلقًا، والثاني: التقييد بالسنام، وفي البقر ثلاثة أقوال: الإثبات والنفي المطلقان، والثالث: المرجح عندهم إشعار ذات السنام، وأما عند الحنفية فلا إشعار في البقر مطلقًا، وأما الغنم فلا إشعار فيه إجماعًا، بل يحرم عند الجمهور. وظاهر صنيع الإمام البخاري اختصاص الإشعار بالإبل دون البقر إذ خصَّه بالبدن، وذكر في الباب السابق البدن بمقابلة البقر، والله أعلم. (١٠٩ - باب من قلَّد القلائد بيده) قال الحافظ (٢): أي: الهدايا، وله حالان: إما أن يسوق الهدي ويقصد النسك فإنما يقلدها ويشعرها عند إحرامه، وإما أن يسوقه ويقيم فيقلدها من مكانه، وهو مقتضى حديث الباب، والغرض بهذه الترجمة أنه كان عالمًا بابتداء التقليد ليترتب عليه ما بعده، قال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عائشة: "ثم قلَّدها بيده" بيانًا لحفظها للأمر ومعرفتها به، ويحتمل أن تكون أرادت أنه ﷺ تناول ذلك لنفسه وعلم وقت التقليد، ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم لئلا يظن أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي، انتهى.

стр. 1327

(١١٠ - باب تقليد الغنم) قال القسطلاني (١): وقد احتج الشافعي بحديث الباب على أن الغنم تقلد، وبه قال أحمد والجمهور خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث منعاه؛ لأنها تضعف عن التقليد، قال عياض: المعروف من مقتضى الرواية أنه كان ﵊ يهدي البدن لقوله في بعض الروايات: "قلَّد وأشعر"، وفي بعضها: "فلم يحرم عليه شيء حتى نحر الهدي"؛ لأن ذلك إنما يكون في البدن، وإنما الغنم في رواية الأسود هذه ولانفراده بها نزلت على حذف مضاف، أي: من صوف الغنم كما قال في الأخرى: "من عهن"، والعهن: الصوف، لكن جاء في بعض روايات الأسود هذا: كنا نقلِّد الشاة، وهذا يرفع التأويل، انتهى. وفي "البذل" (٢): قال في "الهداية": وتقليد الشاة غير معتاد وليس بسُنَّة أيضًا، انتهى. وفيه قال العيني: وادَّعى صاحب "المبسوط" أن أثر الأسود شاذ، انتهى. وفي هامشي على "البذل" عن "الكوكب الدري": الحنفية أنكروا التقليد بالنعل وغيره، والثابت بالعهن، ولم ينكره الحنفية، انتهى. قال العيني: على أنهم ما منعوا الجواز، وإنما قالوا: إن تقليد الغنم ليس بسُنَّة، انتهى. (١١١ - باب القلائد من العهن) بكسر المهملة وسكون الهاء، أي: الصوف، وقيل: هو المصبوغ منه، وقيل: هو الأحمر خاصة. قال الحافظ (٣): فيه رد على من كره القلائد من الأوبار، واختار أن

стр. 1328

تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة ومالك، وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف، والله أعلم، انتهى. قال الدردير (١): ندب بحبل من نبات الأرض لا من صوف أو وبر خشية تعلقه بشيء فيؤذيه، انتهى. (١١٢ - باب تقليد النعل) قال الحافظ (٢): يحتمل أن يريد الجنس، ويحتمل أن يريد الوحدة، أي: النعل الواحدة، فيكون فيه إشارة إلى من اشترط نعلين وهو قول الثوري، وقال غيره: تجزئ الواحدة، وقال آخرون: لا تتعين النعل بل كل ما قام مقامها أجزأ حتى أذن الإداوة، ثم ذكر الحكمة في تقليد النعل، وفي آخره: والمستحب تقليد نعلين لا واحدة، انتهى. وفي "روضة المحتاجين": إن كان الهدي بدنة أو بقرة، استحب لمهديها أن يقلدها نعلين، وليكن لهما قيمة ليتصدق بهما، كما في "الأوجز" (٣). (١١٣ - باب الجلال للبُدْنِ. . .) إلخ بكسر الجيم وتخفيف اللام جمع جُل بضم الجيم وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء أو نحوه، انتهى من "الفتح" (٤). والظاهر عندي: أن الغرض بيان استحباب التجليل لا بيان ندب التصدق به، لما سيأتي من ترجمة مستقلة. قال القسطلاني (٥) بعد ذكر حديث الباب: وفيه استحباب تجليل البدن

стр. 1329

والتصدق بذلك الجل، ونقل القاضي عياض عن العلماء: أن التجليل يكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، وأن تشق الجلال عن الأسنمة إن كانت قيمتها قليلة فإن كانت نفيسة لم تشق، انتهى. وفي "الأوجز" (١): قال الدردير والدسوقي: ندب تجليل الإبل، لا البقر والغنم، انتهى. (١١٤ - باب من اشترى هديه من الطريق وقلَّدها) قال الحافظ (٢): تقدم قبل ثمانية أبواب "من اشترى الهدي من الطريق" وأورد فيه حديث ابن عمر هذا من وجه آخر، وإنما زادت هذه الترجمة التقليد، انتهى. فالفرق بين الترجمتين أن الغرض من الأولى بيان سوق الهدي، والمقصود ها هنا بيان التقليد، كما يظهر من سياق تراجمه، ويحتمل عندي أن الغرض من الترجمة الرد على قول الحنفية إذ قالوا: إن الشراء بالنية يكون هديًا، بخلاف الجمهور إذ قالوا: لا يكون ذلك حتى يقلده أو يوجبه باللسان، قال الموفق (٣): ويحصل الإيجاب بقوله: هذا هدي، أو بتقليده وإِشعاره ناويًا به الهدي، وبهذا قال الثوري وإسحاق، ولا يجب بالشراء مع النية، ولا بالنية المجردة في قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: يجب بالشراء مع النية، انتهى. ويحتمل أن يكون الغرض شرح الحديث بأن الهدي لم يكن مقلدًا من قبل، بل قلدها ابن عمر، فتأمل. (١١٥ - باب ذبح الرجل البقر عن نسائه. . .) إلخ قال الحافظ (٤): أما التعبير بالذبح مع أن حديث الباب بلفظ النحر

стр. 1330

فإشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الذبح، كما سيأتي، ونحر البقر جائز عند العلماء؛ إلا أن الذبح مستحب عندهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وخالف الحسن بن صالح فاستحب نحرها، وأما قوله: "من غير أمرهن" فأخذه من استفهام عائشة عن اللحم لما دخل به عليها، ولو كان ذبحه بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعًا للاحتمال، فيجوز أن يكون علمها بذلك تقدم بأن يكون استأذنهن في ذلك، لكن لما أدخل اللحم عليها لاحتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه وأن يكون غير ذلك؛ فاستفهمت عنه بذلك، انتهى. قلت: في الترجمة مسألتان، إحداها: ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح، والثانية: مسألة الاستئذان في التضحية عن الغير، ففي "روضة المحتاجين": يسن نحر الإبل وذبح البقر، وقالت المالكية: بوجوب النحر والذبح، انتهى. وفي "الروض المربع" (١): يسن نحر الإبل وذبح غيره، ويجوز عكسه انتهى. وأما المسألة الثانية: قال القسطلاني (٢): قال النووي: هذا محمول على أنه استأذنهن لأن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه، قال البرماوي: وكأن البخاري عمل بأن الأصل عدم الاستئذان، انتهى. وفي "الفيض" (٣): قوله: "فقلت: ما هذا؟ " إلخ، هذا هو موضع الترجمة، فإنه يدل على أن النبي ﷺ لم يكن استأمر عائشة، ولذا لم تعرف، وسألت عنها، ولا بد منه عند الفقهاء. قلت: لما ثبت عندنا ضرورة الاستئمار شرعًا وجب علينا أن نحمله على معنى لا يخالف ما ثبت عنه ضرورة، وحينئذ المعنى أنها سئلت عنه، أنها هي التي أمرت بذبحها أو غيرها، انتهى.

стр. 1331

(١١٦ - باب النحر في منحر النبي ﷺ بمنى) قال ابن التين: منحر النبي ﷺ عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد، وللنحر فيه فضيلة على غيره لقوله ﷺ : "هذا المنحر وكل منى منحر"، انتهى. وحكى ابن بطال قول مالك في النحر بمنى للحاج والنحر بمكة للمعتمر، وأطال في تقرير ذلك وترجيحه، ولا خلاف في الجواز وإن اختلف في الأفضل، انتهى من "الفتح" (١). فعلى هذا فالغرض الرد على قول مالك، ويمكن أن يكون الغرض إثبات أن منى كله منحر، إلا أن منحره ﷺ أولى وأفضل. (١١٧ - باب من نحر بيده) قال القسطلاني (٢): وهو أفضل إذا أحسن النحر من أن ينحر عنه غيره، انتهى، وهكذا في "الهداية" (٣) إذ قال: والأولى أن يتولى ذبحها بنفسه إذا كان يحسن ذلك، انتهى. وفي "الأوجز" (٤): قال ابن عبد البر: وفي الحديث من الفقه أن يتولى الرجل نحر هديه بيده، وذلك عند أهل العلم مستحب مستحسن لفعل رسول الله ﷺ ذلك بيده؛ ولأنها قربة إلى الله فمباشرتها أولى، وجائز أن ينحر الهدي غير صاحبها، ألا ترى أن عليّ بن أبي طالب ﵁ نحر بعض هدي رسول الله ﷺ وهو أمر لا خلاف بين العلماء في إجازته، فأغنى عن الكلام فيه، وقد جاءت رواية عن بعض أهل العلم أن من نحر أضحية غيره كان عليه الإعادة ولم يجزه، وهذا محمول على أنها نحرت بغير إذن صاحبها وهو موضع اختلاف، انتهى.

стр. 1332

(١١٨ - باب نحر الإبل المقيدة) قال الحافظ (١): أورد فيه حديث ابن عمر، وهو مطابق لما ترجم له، انتهى. (١١٩ - باب نحر البدن قائمة) كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أفاد هذا الباب لانضمامه بما قبله أن الواجب، أي: الأدب أن ينحرها وهي قائمة مقيدة الرجل، انتهى. وفي هامشه، ما أفاده الشيخ واضح، وقال الحافظ: في الحديث استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة وعن الحنفية يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وقال العيني: في الحديث نحره قائمة، وبه قال الشافعي: وأحمد، وقال أبو حنيفة والثوري: تنحر باركة وقائمة، واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة، وعنه: إن شاء قائمة وإن شاء باركة، وعن الحسن: باركة أهون عليها، انتهى. قلت: وعندنا الحنفية أيضًا النحر قيامًا أفضل كما في "الهداية" ولفظه: والأفضل أن ينحرها قيامًا لما روي أن رسول الله ﷺ نحر الهداية قيامًا وأصحابه كانوا ينحرونها قيامًا معقولة اليد اليسرى، انتهى، والبسط في هامش "اللامع". (١٢٠ - باب لا يعطى الجزَّار من الهدي شيئًا) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): قوله: "ولا أعطي عليها شيئًا في جزارتها"، يعني: منها، فحذف لفظة منها لظهور المراد. وفي هامشه: ونبَّه على ذلك الإمام البخاري إذ ترجم بلفظ لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا، قال الحافظ (٤): قوله: "لا أعطي عليها شيئًا. . ."

стр. 1333

إلخ، وكذا قوله في الرواية التي في الباب بعده: "ولا يعطي في جزارتها"، ظاهرهما أن لا يعطي الجزار شيئًا البتة، وليس ذلك المراد، بل المراد أن لا يعطي الجزار منها شيئًا كما وقع عند مسلم، وظاهره مع ذلك غير مراد؛ بل بيَّن النسائي في روايته عن ابن جريج أن المراد منع عطية الجزار من الهدي عوضًا عن أجرته ولفظه: "ولا يعطى في جزارتها منها شيئًا"، ثم بسط الحافظ في ضبط لفظ الجزارة وشرحه إلى أن قال: قال ابن خزيمة: والنهي عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطى منها عن أجرته، وأما إذا أعطي أجرته كاملة ثم تصدق عليه، إذا كان فقيرًا فلا بأس بذلك، وقال غيره: وأما إعطاؤه صدقة أو هديةً فالقياس الجواز، لكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة لئلا تقع مسامحة في الأجرة، قال القرطبي (١): ولم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسن البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير، انتهى. قلت: إن كان مراد المصنف في الترجمة المنع مطلقًا؛ فذلك بناء على أن لا يتسامح في الأجرة، وإن كان مراده المنع من العطية في الجزارة خاصةً؛ فالغرض حينئذ إما الرد على مذهب الحسن البصري، أو شرح الحديث بأن قوله: "لا أعطي عليها شيئًا" معناه من الهدي، كما تقدم في كلام الشيخ، والله أعلم. (١٢١ - باب يُتصدق بجلود الهدي) قال الحافظ (٢): واستدل بحديث الباب على منع بيع الجلد، قال القرطبي: فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم، وقد اتفقوا على أن لحمها لا يباع وكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو وجه عند الشافعية، قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الأضحية، واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع

стр. 1334

به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه، انتهى. (١٢٢ - باب يُتصدق بجلال البدن) قال القسطلاني (١): قال الشافعي في القديم: ويتصدق بالنعال وجلال البدن، وقال المهلب: ليس التصدق بجلال البدن فرضًا، وقال المرداوي من الحنابلة في "تنقيحه": وله أن ينتفع بجلدها وجلها أو يتصدق به ويحرم بيعهما وشيء منهما، وقال المالكية: خطام الهدايا كلها وجلالها كلحمها فحيث يكون اللحم مقصورًا على المساكين يكون الجلال والخطام كذلك، وحيث يكون اللحم مباحًا للأغنياء والفقراء يكون الخطام والجلال كذلك تحقيقًا للتبعية، فليس له أن يأخذ من ذلك، وقال العيني: قال أصحابنا: يتصدق بجلال الهدي وزمامه؛ لأنه ﵊ أمر عليًا بذلك، والظاهر أن هذا الأمر أمر استحباب، انتهى. وتقدم قبل عدة أبواب "باب الجلال للبُدن" وتقدم هناك الفرق بين الترجمتين. (١٢٣ - باب ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾. . .) إلخ قال الحافظ (٢): وقع سياق الآيات كلها في رواية كريمة، والمراد منها هنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ولذلك عطف عليها بالترجمة، وما يؤكل من البدن وما يتصدق، أي: بيان المراد من الآية، انتهى. وتعقبه العيني (٣): بأن الذي في معظم النسخ باب بعد قوله تعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] وقبل قوله: "ما يؤكل من البدن"، ثم

стр. 1335

قال: وأين العطف في هذا وكل واحد من البابين ترجمة مستقلة؟ والظاهر أن المؤلف لم يجد في الترجمة الأولى حديثًا يطابقها على شرطه، انتهى. وتعقب القسطلاني (١) على كلامه فارجع إليه لو شئت. قلت: فعلى النسخة التي فيها باب مستقل الترجمة السابقة عندي بمنزلة الكتاب، للأفعال التي تعمل في منى منها أكل الهدي، والحلق المشار إليه في الآية بقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، ومنها الطواف المشار إليه بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ومنها ذكر الله في هذه الأيام بالرمي المشار إليه بقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، على ما قيل. وقال الحافظ (٢): وقوله: (عن ابن عمر لا يؤكل. . .) إلخ، وصله ابن أبي شيبة عن ابن نمير عنه بمعناه قال: إذا عطبت البدنة أو كسرت أكل منها صاحبها ولم يبدلها، إلا أن تكون نذرًا أو جزاء صيد، وهذا القول إحدى الروايتين لأحمد، وهو قول مالك وزاد: إلا فدية الأذى، والرواية الأخرى عن أحمد: ولا يؤكل إلا من هدي التطوع والتمتع والقران، وهو قول الحنفية بناء على أصلهم أن دم التمتع والقران دم نسك لا دم جبران، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٣): قلت: اختلفت نقلة المذاهب في بيان ما يؤكل من الهدايا كما بسط في "الأوجز" وذكر فيه بعد نقل الأقاويل المختلفة: وتحصل مما سلف أن المذهب عند الحنابلة أن لا تؤكل من الهدايا إلا دم التمتع والقران والتطوع، وبه قالت الحنفية، ومشهور مذهب مالك أنه يؤكل من كل هدي بلغ محله إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذر للمساكين، وأما عند الشافعية فلا يجوز أكل شيء.

стр. 1336

من الدماء الواجبة حتى دم التمتع والقران، ويجوز الأكل من التطوع مع وجوب التصدق ببعض لحمه، وهذا التفصيل في الهدي الذي بلغ محله. وأما ما عطب في الطريق ففيه أيضًا خلاف مشهور بين الأئمة، وطالما تلتبس إحدى المسألتين بالأخرى على نقلة المذاهب، ففي "الأوجز" (١) بعد نقل الأقاويل المختلفة: والحاصل أن الأكل من الهدي إذا عطب لا يجوز لصاحبه ولا لرفقته، سواء كانوا أغنياء أو فقراء عند الشافعي وأحمد، ويجوز لغيرهم إذا كانوا فقراء، وأما عند مالك فيجوز للرفقاء مطلقًا، سواء كانوا أغنياء أو فقراء فضلًا عن غير الرفقة، ولا يجوز لصاحبه ولو فقيرًا ولا لرسوله، ولا يجوز له الأمر لأحد أن يأكل، ولا أن يفرِّقه على الناس، بل يخلي بينه وبينهم، وأما عند الحنفية فيجوز للفقراء، سواء كانوا رفقة أم لا، ولا يجوز للأغنياء مطلقًا، إلى آخر ما بسط فيه من الدلائل. (١٢٥ - باب الذبح قبل الحلق) وفي الحديث عكسه، يعني: الحلق قبل الذبح، ووجه الاستدلال أن السؤال عن ذلك دالّ على أن السائل عرف أن الحكم على عكسه، قاله الحافظ (٢). وفي "جزء حجة الوداع" (٣) تحت حديث الباب عدة أبحاث، وفيه: البحث الرابع في اختلاف الأئمة في الأفعال المذكورة، فاعلم أن ما يفعل يوم النحر أربعة أمور: الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الإفاضة، وهذا الترتيب هو المسنون عند كافة العلماء، وهذا الترتيب سُنَّة عند الشافعي وأحمد وصاحبي أبي حنيفة، فمن قدَّم شيئًا من هذه أو أخَّر فلا دم عليه عندهم لكون الترتيب غير واجب، لقوله ﵊: "افعل ولا حرج".

стр. 1337

وأما عند الإمامين الهمامين أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى فالترتيب في بعضها واجب وفي بعضها سُنَّة، فمن خالف الترتيب الواجب فعليه دم، ومن خالف الترتيب المسنون فقد أساء ولا دم عليه، فمذهب مالك على ما قال الدسوقي (١): إن تقديم الرمي على الأخيرين الحلق والطواف واجب، يجبر بدم، وأما تقديمه على الثاني، أو تقديم الثاني على كل واحد من الأخيرين، أو تقديم الثالث على الرابع فمستحب، فالمراتب ستة: الوجوب في اثنين، والندب في أربعة، انتهى. ومذهب الحنفية ما قال ابن عابدين (٢): الطواف لا يجب ترتيبه على شيء من الثلاثة، وإنما يجب ترتيب الثلاثة: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق، لكن المفرد لا ذبح عليه، فيجب عليه الترتيب بين الرمي والحلق فقط، انتهى. (١٢٦ - باب من لبَّد رأسه عند الإحرام وحلق) قال الحافظ (٣): أي: بعد ذلك عند الإحلال، انتهى. وليس في الحديث ذكر الحلق، وأجاب عنه الحافظ بما سيأتي، وحاصل ما أفاده الشيخ في "اللامع" (٤): مقصود البخاري من الترجمة أن الحلق ليس بشرط لأن الوارد في الحديث ذكر الحل لا الحلق، انتهى. وقال الحافظ: قيل: أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف فيمن لبّد، هل يتعين عليه الحلق أو لا؟ فنقل ابن بطال عن الجمهور تعين ذلك حتى عن الشافعي، وقال أهل الرأي: لا يتعين بل إن شاء قصر، انتهى. وهذا قول الشافعي في الجديد، وليس للأول دليل صريح، وأعلى ما فيه ما سيأتي في "اللباس" عن عمر: "من ضفر رأسه فليحلق"، وليس في

стр. 1338

حديث الباب تعرض بالحلق إلا أنه معلوم من حاله ﷺ أنه حلق رأسه في حجه، انتهى. قلت: وكذا قال النووي في "مناسكه": إنه لا يلزمه الحلق على المذهب الصحيح عند الشافعي، فما حكى ابن بطال وغيره من مذهب الجمهور ليس بصحيح، والصحيح أنه مذهب مالك فقط، وهو مخير بينهما في الجديد الصحيح من قولي الشافعي، وهو مذهب الحنابلة والحنفية، كما في هامش "اللامع"، وقد تقدم حكم التلبيد وبعض ما يتعلق به في "باب من أهل مُلبدًا"، وسيأتي التبويب بالتلبيد في "كتاب اللباس"، وذكر المصنف هناك قول عمر: "من ضفر فليحلق، ولا تشبهوا بالتلبيد" وتقدمت الإشارة إليه في كلام الحافظ، وسيأتي هناك شرح هذا الحديث من كلام الشيخ قُدِّس سِرُّه في "اللامع" (١). (١٢٧ - باب الحلق والتقصير عند الإحلال) قال الحافظ (٢): قال ابن المنيِّر: أفهم البخاري بهذه الترجمة أن الحلق نسك لقوله: "عند الإحلال" وما يصنع عند الإحلال، وليس هو نفس التحلل، وكأنه استدل على ذلك بدعائه ﷺ لفاعله، والدعاء يشعر بالثواب، والثواب لا يكون إلا على العبادة لا على المباحات، وكذلك تفضيله الحلق على التقصير يشعر بذلك؛ لأن المباحات لا تتفاضل، والقول بأن الحلق نسك قول الجمهور إلا رواية مضعّفة للشافعية أنه استباحة محظور، انتهى مختصرًا. وقال النووي في "شرح المهذب": ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعي، وهو رواية عن أحمد وحكي عن أبي يوسف، قال الموفق: الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في

стр. 1339

ظاهر مذهب أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد: أنه ليس بنسك، انتهى من "جزء حجة الوداع" (١)، فعلى هذا الغرض من الترجمة الإشارة إلى أنه من النسك. وقال العيني (٢): قد أجمع العلماء على أن التقصير مجزئ في الحج والعمرة معًا إلا ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق، وإن حج مرة أخرى إن شاء حلق وإن شاء قصَّر، والحلق أفضل، انتهى. فيمكن أن يكون الغرض من الترجمة الرد على هذا القول. (١٢٨ - باب تقصير المتمتع بعد العمرة) أي: عند الإحلال منها، كذا في "الفتح" (٣). وفيه أيضًا قوله: يحلق أو يقصر فيه التخيير بين الحلق والتقصير للمتمتع، وهو على التفصيل الذي قدمناه إن كان بحيث يطلع شعره؛ فالأولى له الحلق وإلا فالتقصير ليقع له الحلق في الحج، انتهى. وهكذا حكي عن النخعي قال العيني (٤): حكي عن إبراهيم النخعي عند ابن أبي شيبة، فذكر ما تقدم بعضه في الباب السابق وفي آخره: فإن كان متمتعًا قصَّر ثم حلق، والظاهر أن هذا الكلام من إبراهيم ليس على سبيل الوجوب، بل الفضل والاستحباب، إلى آخر ما فيه. (١٢٩ - باب الزيارة يوم النحر. . .) إلخ قال الحافظ (٥): أي: زيارة الحاج البيت للطواف به، وهو طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الصدر وطواف الركن، انتهى.

стр. 1340

قلت: وفي "مختصر الخليل": كره أن يقال: طواف الزيارة، أو زرنا قبره ﷺ ، قال الدردير: لأن الزيارة تشعر بالاستغناء، ولعل هذه بالنسبة للأزمنة السالفة، وأما الآن فإنما تستعمل في التعظيم، انتهى، وكذا في "جزء حجة الوداع" (١). قلت: وأشار الإمام البخاري بهذه الترجمة إلى أفضل أوقات طواف الزيارة، وهو يوم النحر، قال الموفق (٢): ولهذا الطواف وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي والنحر والحلق، فإن أخره إلى الليل فلا بأس، لما روي أن النبي ﷺ أخّر طواف الزيارة إلى الليل، وأما وقت الجواز فأوله من نصف الليل من ليلة النحر، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر أيام النحر، وهذا مبني على أول وقت الرمي، وأما آخر وقته فاحتج بأنه نسك يفعل في الحج، فكان آخره محدودًا؛ كالوقوف والرمي، والصحيح أن آخر وقته غير محدود، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم، فيقول: إنه طاف في ما بعد أيام النحر طوافًا صحيحًا، فلم يلزمه دم، كما لو طاف أيام النحر، فأما الوقوف والرمي فإنهما لما كانا موقتين، كان لهما وقت يفوتان بفواته وليس كذلك الطواف، فإنه متى أتى به صح، انتهى. وفي "الدر المختار" (٣): الطواف في يوم النحر الأول أفضل، وفي يوم من أيام النحر الثلاثة واجب، فإن أخّره من أيام النحر ولياليها منها كره تحريمًا ووجب دم ترك الواجب، انتهى. (١٣٠ - باب إذا رمى بعد ما أمسى. . .) إلخ قال الحافظ (٤): ولم يبيِّن الحكم في الترجمة إشارة منه إلى أن الحكم

стр. 1341

برفع الحرج مقيد بالجاهل أو الناسي، فيحتمل اختصاصهما بذلك، أو إلى أن نفي الحرج لا يستلزم رفع وجوب القضاء أو الكفارة، وكأنه أشار بلفظ النسيان والجهل إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وأما قوله: "إذا رمى بعد ما أمسى" فمنتزع من حديث ابن عباس في الباب، قال: "رميت بعد ما أمسيت" أي: بعد دخول المساء وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل، انتهى. قال العلامة العيني (١): الترجمة مشتملة على حكمين: أحدهما: رمي جمرة العقبة بالليل، والآخر: الحلق قبل الذبح؛ أما الأول فقد أجمع العلماء على من رمى جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى الزوال يوم النحر فقد أصاب سُنَّتها ووقتها المختار، وأجمعوا أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن ذلك مستحسنًا له، واختلفوا فيمن أخّر رميها حتى ضربت الشمس يوم النحر، فروي عن مالك أنه كان يقول مرة: عليه دم، ومرة: لا، وقال الثوري: من أخّرها عامدًا إلى الليل فعليه دم، وقال أبو حنيفة والشافعي: يرميها من الغد ولا شيء عليه، وقد أساء، سواء تركها عامدًا أو ناسيًا، وقال ابن قدامة: إن أخّر جمرة العقبة إلى الليل لا يرميها حتى تزول الشمس من الغد، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي ومحمد: يرمي ليلًا لقوله: "ولا حرج"، انتهى. وفي هامش "اللامع" (٢): اختلف في وقت الرمي في هذا اليوم بدايةً ونهايةً، قال الموفق: لرمي هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة ووقت إجزاء، أما وقت الفضيلة، فبعد طلوع الشمس، وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، أي: عند أحمد، وبذلك قال الشافعي، وعن أحمد: يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال الثوري والنخعي: لا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، انتهى.

стр. 1342

هذا التفصيل في وقت الرمي بدايةً، وأما نهايةً فقد تقدم في كلام العيني، وأما المسألة الثانية المشتملة عليها الترجمة، فقد تقدم في الباب السابق مفصلًا، وسيأتي اختلافهم في وقت رمي أيام التشريق في "باب رمي الجمار"، قريبًا. (١٣١ - باب الفتيا على الدابة عند الجمرة) قال الحافظ (١): هذه الترجمة تقدمت في "كتاب العلم"، لكن بلفظ "باب الفتيا وهو واقف على الدابة أو غيرها"، ثم قال بعد أبواب كثيرة: "باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار" وأورد في كل من الترجمتين حديث عبد الله بن عمرو المذكور في هذا الباب، ومثل هذا لا يقع له إلا نادرًا، وقد اعترض عليه الإسماعيلي بأنه ليس في شيء من الروايات عن مالك أنه كان على دابة، بل في رواية يحيى القطان عنه: "أنه جلس في حجة الوداع فقام رجل"، ثم قال الإسماعيلي: فإن ثبت في شيء من الطرق أنه كان على دابة فيحمل قوله: "جلس" على أنه ركبها وجلس عليها. قال الحافظ: وهذا هو المتعين، فقد أورد هو رواية صالح بن كيسان بلفظ "وقف على راحلته" وهي بمعنى جلس، والدابة تطلق على المركوب من ناقة وفرس وبغل وحمار، فإذا ثبت في الراحلة كان الحكم في البقية كذلك، إلى آخر ما بسط. قلت: ولعل الغرض من الترجمة أن وظيفة هذا الوقت وإن كان الاشتغال بالدعاء وغيره، لكنه لو اشتغل بأهم منه كالتبليغ والتعليم فلا بأس به، أو المراد أن الكلام في المناسك جائز لا ينافي العبادة، كما شرح به الحافظ ترجمة "كتاب العلم"، فهو مناسب لهذا المقام، واستدل الشافعي بلفظ "خطب" الوارد في بعض طرق هذا الحديث على الخطبة المشروعة

стр. 1343

عندهم في هذا اليوم، وحمله على التعليم، قال الأبي (١): ترجم البخاري بالفتيا، وهذا يدل على أنها لم تكن خطبة، قاله الزرقاني (٢)، واختلافهم في خطب الحج شهير، كما سيأتي في الباب الآتي. (١٣٢ - باب الخطبة أيام منى) [قال الحافظ] (٣): أي: مشروعيتها خلافًا لمن قال: إنها لا تشرع، وأحاديث الباب صريحة فيه، إلا ثاني أحاديث الباب فإن فيه التقييد بالخطبة بعرفات، وقد أجاب عنه ابن المنيِّر كما سيأتي، وأيام منى أربعة: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وليس في شيء من أحاديث الباب التصريح بغير يوم النحر، وهو الموجود في أكثر الأحاديث؛ كحديث الهرماس بن زياد وأبي أمامة كلاهما عند أبي داود، وحديث جابر عند أحمد: "خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر" الحديث، وأما قوله في حديث ابن عمر: "أنه قال ذلك بمنى" فهو مطلق فيحمل على المقيد فيتعين يوم النحر، فلعل المصنف أشار إلى ما ورد في بعض طرق حديث الباب، كما عند أحمد من طريق أبي حرة الرقاشي عن عمه قال: "كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق" فذكر نحو حديث أبي بكرة، فقوله: "في أوسط أيام التشريق" يدل أيضًا على وقوع ذلك أيضًا في اليوم الثاني أو الثالث. وفي حديث سراء بنت نبهان عند أبي داود: "خطبنا النبي ﷺ يوم الرؤوس" (٤) الحديث، قال ابن المنيِّر: أراد البخاري الرد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحجاج، وأن المذكور في هذا الحديث من قبيل وصايا العامة لا على أنه من شعار الحج، فأراد أن يبيِّن أن الراوي قد

стр. 1344

سماها خطبة كما سمى التي وقعت في عرفات خطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات؛ فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه، انتهى. وفي "جزء حجة الوداع" (١): اعلم أنهم اختلفوا في تفصيل خطب الحج، فالأولى منها اليوم السابع من ذي الحجة عند الجمهور خلافًا لزفر إذ لم يقل بذلك، بل الخطب عنده ثلاث متواليات، أولاهن يوم التروية، وكذلك الخطب عند الحنفية والمالكية أيضًا ثلاثة لكنها ليست بمتوالية، أولاهن في اليوم السابع بعد صلاة الظهر، والثانية في اليوم التاسع بعرفة قبل صلاة الظهر، والثالثة في اليوم الحادي عشر بمنى بعد صلاة الظهر، وأما عند الشافعية فالخطب أربعة: الاثنتان الأوليتان هما اللتان قال بهما الحنفية المالكية، والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم الثاني عشر، وأما الحنابلة فلم أجد التصريح في فروعهم بخطبة اليوم السابع، لكن الشرَّاح ذكروا موافقتهم للشافعية في الخطب الأربعة، انتهى. قوله: (بعرفات) لا يناسب الترجمة، والجواب ما تقدم في كلام الحافظ، وأجاب عنه السندي (٢) بجوابين آخرين، أحدهما: بأن يقال أيام منى يشمله أيضًا تغليبًا، أو باعتبار أن ابتداء يوم عرفة يكون بمنى، انتهى. (١٣٣ - باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة. . .) إلخ اعلم أن المبيت بمنى واجب كما هو مذهب الجمهور، وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد وهو مذهب الحنفية أنه سُنَّة، ووجوب الدم بتركه وعدم وجوبه مبني على هذا الخلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، انتهى من "جزء الحج" (٣).

стр. 1345

وقال الحافظ (١): مقصوده بالغير من كان له عذر من مرض أو شغل كالحطابين والرعاء، انتهى. قلت: والأوجه عندي تعميم الغير لأنه ليس في الحديث ذكر الأعذار الأخر، ولعل غرض المصنف بزيادة لفظ "هل" وبلفظ "أو غيرهم" الإشارة إلى اختلاف قوي في هذه المسألة وهي أن الإذن يختص بالعباس، أو بأهل السقاية مطلقًا، أو يعم غير أهل السقاية أيضًا؟ بسط الخلاف فيه في "الأوجز" (٢)، وتلخيص المذاهب فيه كما في "جزء الحج" (٣): أنه يجوز تركه للرعاة والسقاة عند الشافعية والحنابلة والمالكية، ثم قالت جماعة من المالكية كالدردير بتخصيص الرخصة برعاة الإبل، وهو ظاهر كلام جماعة من الشافعية؛ كأبي إسحاق الشيرازي في "المهذب" والغزالي في "الوجيز"، وقالت جماعة من المالكية بالتعميم لرعاة الإبل وغيره؛ كابن شاش، وابن الحاجب، وابن عرفة، واختاره الزرقاني، وهل يلحق بهم أهل الأعذار؛ كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم؟ وجهان للشافعية أصحهما: نعم، وهو قول الحنابلة، والثاني: لا، وهو قول المالكية، وهل يختص الحكم بسقاية العباس؟ قال الرافعي: رخصة أهل السقاية لا تختص بالعباسية؛ لأن المعنى يعمهم وغيرهم، وعن مالك وأبي حنيفة أنها تختص بأولاد العباس، وهو وجه لأصحابنا ومنهم من ينقل الاختصاص ببني هاشم، كذا في "الأوجز" مع زيادة عن غيره، انتهى. (١٣٤ - باب رمي الجمار. . .) إلخ غرض الترجمة بيان حكم الرمي أو وقته، أما حكمه فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سُنَّة مؤكدة فيجبر، كذا في "الفتح"، وعندهم رواية: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه،

стр. 1346

ومقابله قول بعضهم: إنها إنما تشرع حفظًا للتكبير، وإن تركه وكبَّر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها، انتهى من "الفتح" (١). وأما إن كان غرض الترجمة بيان وقت الرمي فقد تقدم اختلاف الأئمة في وقت رمي يوم النحر بدايةً ونهايةً في "باب إذا رمى بعد ما أمسى"، وأما وقت رمي أيام التشريق فهو بعد زوال الشمس، اتفق عليه الأئمة، وخالف أبو حنيفة في اليوم الثالث منها فقال: يجوز فيه الرمي قبل الزوال استحسانًا، وبه قال إسحاق، ورواية لأحمد، وأما آخر وقت الرمي فهو آخر أيام التشريق مع اختلافهم في وقت الاستحباب والكراهة والجواز، ووجوب الدم بالتأخير، كما بسط في "الأوجز" (٢). وتلخيص المذاهب فيه مذكور في "جزء حجة الوداع" (٣) - فارجع إليه لو شئت. (١٣٥ - باب رمي الجمار من بطن الوادي) قال الحافظ (٤): كأنه أشار بذلك إلى رد ما رواه ابن أبي شيبة وغيره عن عطاء: "أن النبي ﷺ كان يعلو إذا رمى الجمرة" لكن يمكن الجمع بينهما بأن التي ترمى من بطن الوادي هي جمرة العقبة لكونها عند الوادي بخلاف الجمرتين الأخريين، فيوضح ذلك قوله في حديث ابن مسعود بعد باب بلفظ: "حين رمى جمرة العقبة"، انتهى. (١٣٦ - باب رمي الجمار بسبع حصيات. . .) إلخ أشار في الترجمة إلى رد ما رواه قتادة عن ابن عمر قال: "ما أبالي رميت الجمار بست أو سبع" وأن ابن عباس أنكر ذلك، وقتادة لم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة، وروى من طريق مجاهد: من رمى بست فلا شيء عليه، ومن طريق طاووس: يتصدق بشيء،

стр. 1347

وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم، وعن الشافعية: في ترك حصاة مدٌ، وفي ترك حصاتين مدان، وفي ثلاثة فأكثر دم، وعن الحنفية: إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا فدم، انتهى من "الفتح" (١). وفي "القسطلاني" (٢): ولا يجزئ بست، وهذا قول الجمهور خلافًا لعطاء في الإجزاء بالخمس ومجاهد بالست، وبه قال أحمد، انتهى. وبسط القسطلاني الكلام على مسائل الرمي. (١٣٧ - باب من رمى جمرة العقبة وجعل البيت عن يساره) وهذا إنما يندب في رمي يوم النحر، أما رمي أيام التشريق فمن فوقها، وقد امتازت جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابًا، وقد اتفقوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها، والاختلاف في الأفضل، انتهى [من "الفتح"] (٣). وفي "جزء الحج" (٤): حتى أتى جمرة العقبة في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، كذا في "الهدي" (٥)، وهو المستحب عند الأئمة الثلاثة، كما بسط في "الأوجز" (٦)، عن كتب فروعهم، وأما عند الحنابلة فالأفضل أن يستقبل القبلة، انتهى.

стр. 1348

(١٣٨ - باب يكبر مع كل حصاة. . .) إلخ قال الحافظ (١): في الحديث مشروعية التكبير عند رمي كل حصاة، وقد أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء، إلا الثوري فقالى: يطعم، وإن جبره بدم أحب إليَّ، وعلى الرمي بسبع وقد تقدم ما فيه، انتهى، وقال أيضًا: واستدل به على اشتراط رمي الجمرات واحدةً واحدةً لقوله: "يكبر مع كل حصاة" وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعةً واحدةً أجزأه، انتهى. قلت: وما حكاه الحافظ من موافقة الحنفية لقول عطاء فليس بصواب، ففي "الهداية" (٢): ولو رمى بسبع حصيات جملة فهذه واحدة؛ لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال، انتهى. قلت: وتقدم ما قال بعضهم: إن الرمي إنما شرع حفظًا للتكبير، وإن تركه وكبَّر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها، فيكون المقصود من الترجمة الرد عليه بأن التكبير مع الرمي لا بدونه. قوله: (قاله ابن عمر) فيه أن الوارد في أكثر روايات ابن عمر الآتية لفظ "إثر كل حصاة" لا المعية، إلا أن يقال: إنما سيأتي بعد بابين "يكبر كلما رمى بحصاة" كالنص على المعية، ولعله هو الغرض من الترجمة من أن المعية هو المرجح، وهو مختار الأئمة الأربعة. (١٣٩ - باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف. . .) إلخ قال الحافظ: ولا نعرف فيه خلافًا، انتهى. قلت: ويشكل على حكاية الإجماع ما في "الحصن" برواية ابن أبي شيبة موقوفًا على الحسن البصري: ويدعو عند الجمرات كلها ولا يوقتُ شيئًا، اللهم إلا أن يقال: إنهم لم يلتفتوا إلى خلافه لشذوذه، أو يقال: إن المراد

стр. 1349

ما قاله القاري في "شرح اللباب": ولا يقف عندها في جميع أيام الرمي للدعاء بل يدعو بلا وقوف. وفي "المحلى": السر في الوقوف والدعاء بعد الأوليين دون العقبة أن يقع الدعاء في وسط العبادة، وقيل: إنها وقعت في ممر الناس فكان في الوقوف هناك قطعًا للسبيل على الناس، وعامة أهل العلم على الثاني، وأخذ الأول يعني: وقوع الدعاء في وسط العبادة الحافظ ابن القيم، وصاحب "الهداية"، وقال ابن حجر المكي: وما قالوا من ضيق المحل، هذا باعتبار ما كان، ولو علل بالتفاؤل بالقبول مقارنًا للفراغ منها لم يبعد، انتهى من "جزء الحج" (١). فيمكن أن يقال: إن المصنف أراد بقوله: "ولم يقف" الرد على ما نقل عن الحسن. قوله: (قاله ابن عمر. . .) إلخ، سيأتي موصولًا في الباب الذي بعده، وعند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه، انتهى من "الفتح" (٢). (١٤٠ - باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل) قال الحافظ (٣): المراد بالجمرتين ما سوى العقبة، وهي التي يبدأ بها في الرمي في أول يوم ثم تصير أخيرة في كل يوم بعد ذلك، وقوله: "يسهل" بضم أوله وسكون المهملة، أي: يقصد السهل من الأرض وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): يعني بذلك أنه يستقبل القبلة للدعاء بعد رمي الجمرتين، فلا يخالف ذلك ما تقدم من أنه يجعل الكعبة على يساره وقت الرمي، انتهى.

стр. 1350

قلت: وما أفاده الشيخ واضح، ولم يتعرض له الشرَّاح، فللَّه دره، واختلفت الآثار في مقدار القيام عند الجمرتين، فكان ابن مسعود يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعن ابن عمر قدر قراءة سورة البقرة عند الجمرتين، وعنه قدر قراءة سورة يوسف، وكان ابن عباس يقف بقدر قراءة سورة من المئين، ولا توقيف في ذلك عند العلماء، وإنما هو ذكر ودعاء، وإن لم يقف ولم يدع فلا حرج عليه عند أكثر العلماء إلا الثوري فإنه يستحب أن يطعم شيئًا أو يهريق دمًا، انتهى من هامش "اللامع" عن "العيني" (١). وفي "جزء الحج" (٢) عن الزرقاني: يطيل القيام فيهما إلا أنه في الأولى أكثر، انتهى. (١٤١ - باب رفع اليدين عند الجمرة الدنيا والوسطى) قال ابن المنذر (٣): لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة إلا ما حكي عن مالك، انتهى. ورده ابن المنيِّر بأن الرفع لو كان هنا سُنَّة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة، وغفل ﵀ عن أن الذي رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة ثم الشام في زمانه، فمَنْ علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ والله المستعان، انتهى. وفي "الهداية" (٤): ويرفع يديه، لقوله ﵊: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن" وذكر من جملتها عند الجمرتين، والمراد رفع الأيدي بالدعاء، انتهى.

стр. 1351

(١٤٢ - باب الدعاء عند الجمرتين) أي: وبيان مقداره، كما في "الفتح" (١). والأوجه عندي: أنه أشار إلى أن المندوب مجرد الطول لا تحديده بسورة البقرة أو المئين أو يوسف ونحوها، كما تقدم قريبًا، انتهى. قوله: (قال الزهري. . .) إلخ، قال الحافظ: هو بالإسناد المصدر به الباب، ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما اختلفوا في جواز ذلك، وأغرب الكرماني فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهري، قال الحافظ بعد ما بسط الكلام عليه: وإذا تكلم الرجل في غير فنه أتى بهذه العجائب، انتهى. وتعقبه العلامة العيني، كما بسطه القسطلاني (٢). (١٤٣ - باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة) قال الحافظ (٣): مطابقة الحديث بالترجمة من جهة أنه ﷺ لما أفاض من مزدلفة لم تكن عائشة مسايرته، وقد ثبت أنه استمر راكبًا إلى أن رمى جمرة العقبة، فدل ذلك على أن تطييبها له وقع بعد الرمي، وأما الحلق قبل الإفاضة فلأنه ﷺ حلق رأسه بمنى لما رجع من الرمي، وأخذه من حديث الباب من جهة التطيب فإنه لا يقع إلا بعد التحلل، والتحلل الأول يقع بأمرين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف، فلولا أنه حلق بعد أن رمى لم يتطيب، انتهى. قلت: هكذا قال الحافظ، وتبعه العلامة القسطلاني (٤)، وهو مبني على أنه جعل قوله: "والحلق قبل الإفاضة" جزءًا مستقلًا، والمعنى أن

стр. 1352

الحلق يكون قبل طواف الإفاضة، فعلى هذا تكون الترجمة مشتملة على جزئين: كون الطيب بعد الرمي، والثاني: كون الحلق قبل طواف الإفاضة، ولما لم يكن الحديث الذي أخرجه المصنف في الباب مطابقًا للجزء الثاني من الترجمة احتاج الحافظ قُدِّس سِرُّه لإثباته إلى التوجيه كما ترى، والظاهر أن قوله: "والحلق" معطوف على الرمي، والغرض من الترجمة بيان أن التطيب يكون بعد الرمي والحلق كليهما، وقبل طواف الإفاضة، وثبوته بحديث الباب ظاهر، كما لا يخفى، هكذا أفاده العزيز مولانا الحاج إنعام الحسن رئيس التبليغ والدعوة، ثم رأيت العلامة العيني (١) اختار هذا المعنى، فعلى هذا مسألة الباب أعني حل الطيب بعد الرمي والحلق موافقٌ لمذهب الجمهور خلافًا لمالك، وأما على رأي الحافظ؛ أعني: حل الطيب بعد الرمي فقط فلا يوافق أحدًا من الأئمة الأربعة على الراجح عندهم، وذلك لأنهم اختلفوا في التحلل الأصغر بماذا يحصل، فعند مالك التحلل الأصغر يحصل بالرمي فقط، وبالحلق بعد الرمي عند الحنفية، وهما قولان للشافعي وأحمد، ومختار فروعهما، كما في "الروض المربع" (٢) و"المناسك" (٣) للنووي أنه يحصل بالاثنين من الرمي والحلق والإفاضة، فأيّ اثنين منها أتى بهما حصل التحلل الأصغر، ويحصل التحلل الثاني بالعمل الباقي من الثلاثة، وقد تقدم أن الطيب داخل في التحلل الأصغر عند الأئمة الثلاثة دون المالكية، وكذا الصيد غير داخل فيه عند المالكية، فهذا هو تحقيق المذاهب إن شاء الله، كما بسط في "الأوجز" (٤) في عدة مواضع من كتب فروعهم. (١٤٤ - باب طواف الوداع) قال الحافظ (٥): قال النووي: طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على
следующие страницы →