← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 853

الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

محمد زكريا الكاندهلوي

Полный текст (3 740 стр.). Показаны 1383–1422 · переход к 1388.

стр. 1383

[٢٨ - كتاب جزاء الصيد] (١ - باب جزاء الصيد ونحوه. . .) إلخ قال الحافظ (١): قيل: السبب في نزول هذه الآية أن أبا اليسر قتل حمار وحش وهو محرم في عمرة الحديبية فنزلت، انتهى. قال القسطلاني (٢): ولم يذكر المصنف في رواية أبي ذر حديثًا في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لم يثبت على شرطه في جزاء الصيد حديث مرفوع، وفي رواية غير أبي ذر هنا: باب - بالتنوين - إذا صاد الحلال صيدًا فأهدى للمحرم الصيد أكله المحرم. قال العيني كالحافظ ابن حجر: هذه الترجمة هكذا ثبتت في رواية أبي ذر، وسقطت في رواية غيره، وجعلوا ما ذكر في الباب من جملة الباب الذي قبله، انتهى. والذي في الفرع يقتضي أن لفظ الباب هو الساقط فقط دون الترجمة، فإنه كتب قبل إذا واوًا للعطف ورقم عليها علامة الثبوت لأبوي ذر والوقت، وكذا رأيته في بعض الأصول المعتبرة: "وإذا صاد الحلال. . ." إلى آخر قوله: "أكله"، انتهى. قلت: ويمكن أن يقال في توجيه عدم ذكر الحديث: إن هذا الباب بمنزلة الكتاب. وقال القسطلاني (٣) أيضًا تحت قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥]: والذي عليه الجمهور من السلف والخلف أن العامد والناسي سواء في

стр. 1384

وجوب الجزاء عليه، فالقرآن دلَّ على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وجاءت السُّنَّة من أحكام النبي ﷺ وأصحابه بوجوب الجزاء في الخطإ، لكن المتعمد مأثوم والمخطئ غير مأثوم، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي، والقيمة عند أبي حنيفة، انتهى. قال الحافظ (١): وخالف أهل الظاهر في الخطإ بقوله تعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، فإن مفهومه أن المخطئ بخلافه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وعكس الحسن ومجاهد فقالا: يجب الجزاء في الخطإ فقط دون العمد، فيختص الجزاء بالخطإ والنقمة بالعمد، إلى آخر ما بسط. (٢ - باب وإذا صاد الحلال فأهدى للمحرم. . .) إلخ تقدم ذكره في الباب السابق، وقال صاحب "الفيض" (٢): ذهب جماعة من السلف إلى أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقًا سواء صاده أو صيد له، أو لم يصد له، وقال الحجازيون بجوازه بشرط ما لم يصد له، ويجوز عندنا ما لم يشر أو يعن عليه، سواء صيد له أو لا، والبخاري وافقنا في المسألة ولذا لم يخرج حديث الحجازيين، وأخرج حديث أبي قتادة، وهو حجة للحنفية، وليس في طريق منه أنه سأله أنه صاده بنيَّتهم أو لا، مع أن المدار عليه عند الشافعية، والظاهر من عادات الناس أنهم ينوون في مثله لرفقائهم أيضًا، سيما إذا كان الصيد كالحمار الوحشي جسيمًا يشبع جماعةً، ومع أنه سأله عن دلالته وإشارته، فهذا وإن كان سكوتًا لكنه سكوتٌ في موضع البيان، وهو بيان حكمًا أيّ بيان، ولو بسطته علمت أنه فوق البيان، فإنه يوجب السكوت من صاحب الشرع في موضع النطق، والعياذ بالله، انتهى.

стр. 1385

قلت: ففي المسألة ثلاثة مذاهب: الأول: المنع مطلقًا، كما نقل عن بعض السلف. والثاني: المنع إن صيد لأجله، وهو مذهب الأئمة الثلاثة. والثالث: مذهب الحنفية، وهو الجواز ما لم يشر أو يعن عليه، سواء صيد له أو لا. وهذا إجمال الأقوال وإلا فقد اختلفت الأقوال عن الإمام مالك وغيره كثيرًا، كما بسطت في "الأوجز"، انتهى "جزء حجة الوداع" (١). (٣ - باب إذا رأى المحرمون صيدًا) وفيهم رجل حلال، (فضحكوا) تعجبًا من عروض الصيد مع عدم التعرض له مع قدرتهم (٢) على صيده (ففطن الحلال) بفتح الطاء وكسرها، أي: فهم، لا يكون ضحكهم إشارة منهم إلى الحلال بالصيد، حتى إذا اصطاد ذلك الحلال الصيد لا يلزم المحرمين الذين ضحكوا شيء، انتهى من "القسطلاني" (٣). قلت: الظاهر عندي أن المصنِّف أشار إلى الاختلاف في هذه المسألة، ولم أجد مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة صريحًا إلا ما في "شرح المنهاج" (٤): له أكل لحم صيد لم يصد له، ولا دلَّ ولو بطريق خفي؛ كأن ضحك فتنبه الصائد له، انتهى، والعجب من الشرَّاح أنهم لم يتعرضوا له. وفي "الفيض" (٥) تحت قوله: "فجعل بعضهم يضحك إلى بعض":

стр. 1386

وعند مسلم: "يضحك إليّ" وهو يشعر بدلالتهم، ولم يخرجه البخاري، ولا توجد مسألة الضحك في كتبنا، هل هو من الدلالة عندهم أم لا؟ انتهى. وقال النووي (١): هكذا وقع في جميع نسخ بلادنا "يضحك إليّ" بتشديد الياء، قال القاضي: هذا خطأ وتصحيف، ووقع في رواية بعض الرواة عن مسلم والصواب "يضحك إلى بعض" فأسقط لفظة "بعض" والصواب إثباتها كما هو مشهور في باقي الروايات؛ لأنهم لو ضحكوا إليه لكانت إشارة منهم، وقد قالوا: إنهم لم يشيروا إليه. قال النووي: لا يمكن رد هذه الرواية، فقد صحت هي والرواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة إلى الصيد، فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة، قال العلماء: وإنما ضحكوا تعجبًا من عروض الصيد، ولا قدرة لهم عليه لمنعهم منه، والله أعلم انتهى. قلت: ولم أجد مسألة الضحك صريحًا لا في "المغني" ولا في "الدسوقي" إلا ما تقدم عن "شرح المنهاج". (٤ - باب لا يعين المحرم الحلال. . .) إلخ أي: بفعل ولا قول، قيل: أراد بهذه الترجمة الرد على من فرق من أهل الرأي بين الإعانة التي لا يتم الصيد إلا بها فتحرم، وبين الإعانة التي يتم الصيد بدونها فلا تحرم، انتهى من "الفتح" (٢). وفي "الهداية" (٣): وإذا قتل المحرم صيدًا، أو دلَّ عليه من قتله، فعليه الجزاء، والدلالة الموجبة للجزاء أن لا يكون المدلول عالمًا بمكان الصيد، فإن كان عالمًا فلا شيء على الدال؛ لأن المدلول ما تمكن بسببه، انتهى مختصرًا بزيادة من الهامش.

стр. 1387

(٥ - باب لا يشير المحرم إلى الصيد. . .) إلخ قال الحافظ (١): أشار إلى تحريم ذلك، ولم يتعرّض لوجوب الجزاء في ذلك، وهي مسألة خلاف، فاتفقوا على تحريم الإشارة إلى الصيد ليصطاد، وعلى سائر وجوه الدلالات على المحرم، لكن قيَّده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها، واختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم إذا دل الحلال على الصيد بإشارة أو غيرها أو أعان عليه، وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق: يضمن المحرم ذلك، وقال مالك والشافعي: لا ضمان عليه، إلى آخر ما قال. وفي "الفيض" (٢): والإشارة في الحاضر، والدلالة في الغائب، انتهى. (٦ - باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا) كتب الشيخ في "اللامع" (٣): قصد بذلك أنه كان حيًّا، فما ورد في بعض الروايات من الألفاظ الدالَّة على أنه إنما أرسله إليه بعد ذبحه يجب تأويله وإرجاعه، فترجمته هذه كأنها تفصيل وبيان لما ينبغي أن تحمل عليه الروايات، وإن لم تكن الرواية الموردة ها هنا مفتقرة إلى تأويل، انتهى. قال الحافظ (٤): كذا قيَّده في الترجمة بكونه حيًّا، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهمة، انتهى. وفي "الفيض" (٥): زاد لفظ الحي إشارة إلى أن النبي ﷺ ردَّه لكونه حيًّا، لا لأنه علم أنه صاده له، فترك مذهب الشافعية، واختار مذهب الحنفية، ولم يفصل في النية أصلًا، إلى آخر ما فيه. وقال النووي (٦): في رواية: "حمارًا وحشيًا": وفي رواية: "من لحم

стр. 1388

حمار"، وفي رواية: "رجل حمار وحش"، وفي رواية: "عجز حمار وحش"، هذه روايات مسلم، وترجم له البخاري: "باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا"، وحكي هذا التأويل أيضًا عن مالك وغيره، وتأويل باطل، وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، انتهى مختصرًا. قلت: ما قاله النووي إنما قاله نصرة لمذهبه، وقد اعترف هو بنفسه أن هذا التأويل مروي عن مالك وغيره، وكذا هو مروي عن الإمام البيهقي، وهذا الإمام الجليل والمحدث الكبير أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري أيضًا اختار هذا التأويل، فلا يضرنا قول النووي: إنه باطل، وبسط الحافظ على روايات هذه القصة، وكذا العيني، وحكي عن الطحاوي أن الحديث مضطرب، ولخَّص كلام الشرَّاح على حديث الباب في "الأوجز" (١)، وقال ابن بطال: اختلاف الروايات يدل على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا مختلفة، انتهى. قلت: واختلفوا في الترجيح بين روايتي الحي واللحم، وكذا اختلفوا في الجمع بينهما بوجوه مختلفة، بسطت في "الأوجز". (٧ - باب ما يقتل المحرم من الدواب) أي: مما لا يجب عليه فيه الجزاء، قاله الحافظ (٢). قوله: (خمس من الدواب. . .) إلخ، مفهوم العدد ليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أولًا ثم بيَّن بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ: "أربع" وفي بعضها بلفظ: "ست"، فأما طريق أربع فأخرجها مسلم عن عائشة ﵂ فأسقط العقرب، وأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة في

стр. 1389

"المستخرج" عنها فأثبتها وزاد: الحية، ووقع في رواية أبي سعيد عند أبي داود وزاد فيه: السبع العادي، فصارت سبعًا، وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة زيادة ذكر الذئب والنمر فتصير بهذا الاعتبار تسعًا، لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور. قال الحافظ: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال، انتهى. وفي "الفيض" (١): قال الشافعية في قتل غير مأكول اللحم من الحيوانات، وهو المناط عندهم في خمس، وقال مالك: بل المناط العدو، وهو أقوى من مناط الشافعية؛ لأنه أخذ في النطق المؤذيات، فمعنى الإيذاء فيها ظاهر، بخلاف الأكل فلا شيء في قتل السبع العادي، واقتصر الحنفية على المنصوص، ويقتل غيره من السباع عند العدو، وإلا لا، انتهى. وفي هامشه: وفي تقرير آخر أن الحنفية لم ينقحوا المناط في الأشياء الثلاثة: الغراب، والحدأة، والفأرة، وفعلوا ذلك في العقرب والكلب، فألحقوا المؤذيات من الحشرات كلها بالعقرب، حتى البرغوث، فلا جناية بقتله، نعم في القمل صدقة يسيرة، وفي الكلب تفصيل، انتهى. قلت: ومذهب الشافعية ما في "شرح الإقناع" (٢)، إذ قال: ويحرم على المحرم قتل الصيد إذا كان مأكولًا بريًّا وحشيًّا كبقر وحشي ودحاجة، أو كان متوّلدًا بين المأكول البري الوحشي وبين غيره؛ كمتولد بين حمار وحشي وحمار أهلي أو بين شاة وظبي، آخر ما قال. قوله: "الكلب العقور" اختلفوا في أن العقور قيد أم لا؟ ثم قيل: هو الكلب خاصة.

стр. 1390

وقال أبو حنيفة: يلحق به الذئب، وقال الأئمة الثلاثة: المراد به كل سبع عادي، والبسط في "الأوجز" (١)، وبسط الكلام عليه صاحب "الفيض" (٢). (٨ - باب لا يعضد شجر الحرم) بضم أوله وفتح الضاد المعجمة، أي: لا يقطع، قاله الحافظ (٣). وبسط في "الأوجز" (٤) الكلام على الأبحاث الفقهية المتعلقة بأشجار الحرم أشد البسط، وفي آخره: وقد عرفت مما سبق أنهم اتفقوا في بعض مسائل الباب، واختلفوا في بعضها. وإجمال المباحث في ذلك عشرة مسائل: الأولى: اختلافهم في مصداق المنهي عنه من الشجر وغيره، فقال مالك: يحرم ما ينبت جنسه بنفسه وإن استنبته أحد نظرًا بجنسه، وقالت الحنفية: يحرم ما ينبت جنسه بنفسه، ولم يستنبته أحد، وقال أحمد: يجوز ما زرعه الآدمي من الشجر والحشيش لا ما لم ينبته أحد، وعند الشافعي يحرم شجر الحرم وحشيشه مطلقًا إلا الحشيش الذي من شأنه أن يستنبت كالبقول والخضراوات، فالعبرة عند المالكية للجنس فقط، وعند الحنابلة للإنبات وعدمه، وعندنا الحنفية للوصفين الإنبات والجنس معًا. الثانية: أجمعوا على أن ما زرعه الآدمي من الزروع والبقول والرياحين يجوز قطعه، ولا خلاف في ذلك. الثالثة: لا خلاف في الأخضر واليابس عند مالك، خلافًا للأئمة الثلاثة إذ أباحوا قطع اليابس. الرابعة: الشوك وغيره سواء في الحرمة عند مالك وأحمد، ويجوز قطعه عند الشافعي وبعض الحنابلة، ويحرم قطعه عند الحنفية بدون ضمان.

стр. 1391

الخامسة: أجمعوا على إباحة قطع الإذخر رطبًا ويابسًا. السادسة: لا يجوز القطع لإطعام الدواب عند مالك على المعتمد، وبه قال أحمد والحنفية، ويجوز في الأصح عند الشافعية. السابعة: في رعي الدواب وجهان عند أحمد، ويجوز عند الشافعي ومالك وأبي يوسف، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد. الثامنة: أجمعوا على جواز الانتفاع بالأوراق الساقطة. التاسعة: يجوز السواك من شجر الحرم عند مالك، ولا يجوز عند أحمد والحنفية، واختلفت فيه الشافعية. العاشرة: لا يجوز قطع الورق عند أحمد، ويجوز عند الشافعي والحنفية. انتهى من "الأوجز". (٩ - باب لا ينفر صيد الحرم) بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة، قيل: هو كناية عن الاصطياد، وقيل: هو على ظاهره. قال النووي (١): يحرم التنفير وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى، سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا، قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى، انتهى من "الفتح" و"العيني" (٢). (١٠ - باب لا يحل القتال بمكة. . .) إلخ قال الحافظ (٣): هكذا ترجم بلفظ القتال، وهو الواقع في حديث

стр. 1392

الباب، ووقع عند مسلم في رواية بلفظ: "القتل" بدل "القتال"، وللعلماء في كل منهما اختلاف، انتهى. قال القسطلاني (١): قال الماوردي فيما نقله عنه النووي في "شرح مسلم": من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيّق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقال الجمهور: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى. قال النووي: وهذا الأخير هو الصواب، ونص عليه الشافعي في "الأم"، وقال القفال: لا يجوز القتال بمكة حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم، وغلطه النووي. وأما القتل وإقامة الحدود فعن الشافعي ومالك: حكم الحرم كغيره فيقام فيه الحد، ويستوفي فيه القصاص سواء كانت الجناية في الحرم أو في الحل، ثم لجأ إلى الحرم، وقال أبو حنيفة: إن كانت الجناية في الحرم استوفيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم تستوف منه فيه، ويلجأ إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتص منه، واحتج بعضهم لإقامة حد القتل فيه بقتل ابن خطل، ولا حجة فيه لأن ذلك كان في الوقت الذي أحل للنبي ﷺ ، انتهى. قلت: والخلاف إنما هو إذا كانت الجناية في النفس خارج الحرم ثم لجأ، وأما إذا كانت في الحرم أو فيما دون النفس في الحرم أو خارجه فلا خلاف فيه، بل يقتص عند الأئمة الأربعة، وبسط العلامة السندي (٢) الكلام على هذه المسألة، ورد على توجيه الإمام الطحاوي، فارجع إليه.

стр. 1393

(١١ - باب الحجامة للمحرم. . .) إلخ قال الحافظ (١): أي: هل يمنع منها أو تباع له مطلقًا أو للضرورة؟ والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم. وقال النووي (٢): إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر، وإن لم تتضمن جازت عند الجمهور، وكرهها مالك، وعن الحسن فيها الفدية وإن لم يقطع شعرًا، وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية، وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس، وقال الداودي: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق، انتهى. وقال الموفق (٣): أما الحجامة إذا لم يقطع شعرًا فمباحة من غير فدية في قول الجمهور، فإن احتاج إلى قطع شعر فله قطعه، وعليه الفدية، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي. وقال صاحبا أبي حنيفة: يتصدق بشيء، ولنا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، انتهى. وفي "الهداية" (٤): عليه دم عند أبي حنيفة، وقالا: عليه صدقة، انتهى من "الأوجز" (٥). (١٢ - باب تزويج المحرم) قال الحافظ (٦): أورد فيه حديث ابن عباس في تزويج ميمونة، وظاهر صنيعه أنه لم يثبت عنده النهي عن ذلك، ولا أن ذلك من الخصائص، وقد ترجم في النكاح "باب نكاح المحرم" ولم يزد على إيراد هذا الحديث،

стр. 1394

ومراده بالنكاح التزويج للإجماع على إفساد الحج والعمرة بالجماع، وقد اختلف في تزويج ميمونة، فالمشهور عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم، وصح نحوه عن عائشة وأبي هريرة، وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالًا، وعن أبي رافع مثله وأنه كان الرسول إليها. واختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" أخرجه مسلم، وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس في معارضة السُّنَّة فلا يعتبر به، انتهى. قلت: وعدّ العلامة العيني (١) إبراهيم النخعي والثوري أيضًا مع الحنفية. (١٣ - باب ما ينهى من الطيب للمحرم. . .) إلخ قال الحافظ (٢): أي: أنهما في ذلك سواء، ولم يختلف العلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في أشياء هل تعد طيبًا أو لا؟ والحكمة في منع المحرم من الطيب أنه من دواعي الجماع ومقدماته التي تفسد الإحرام، وبأنه ينافي حال المحرم فإن المحرم أشعث أغبر، انتهى. وتقدم اختلاف الأئمة في مسألة الطيب للمحرم في "باب غسل الخلوق ثلاث مرات" (٣). قوله: (لا تلبس المحرمة ثوبًا بورس أو زعفران) أي: مصبوغًا بورس أو زعفران، والورس بفتح الواو وسكون الراء نبت أصفر تصبغ به الثياب، ومطابقته للترجمة من حيث إن المصبوغ بهما يفوح له رائحة كالطيب، قاله العيني والقسطلاني (٤).

стр. 1395

قال الشيخ في "البذل" (١): وذلك لأنهما من الطيب، ولا يختص بهما الرجل المحرم، بل يشمل الرجل والمرأة، انتهى. وفي "الأوجز" (٢): قال العيني (٣): أطلق حرمته جماعة، منهم مجاهد وهشام ومالك في رواية، فإنهم قالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران لا يجوز لبسه للمحرم، سواء كان مغسولًا أو لم يكن لإطلاق الحديث، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري، وخالفهم جماعة، منهم: الثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد والشافعي، فإنهم أجازوا اللبس إذا كان غسيلًا، انتهى. وقال الباجي (٤): "نهى رسول الله ﷺ أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس" دون سائر أنواع الصباغ، وأفضل لباس المحرم البياض، فإن كان مصبوغًا فيجتنب المصبوغ بالزعفران أو الورس يجتنبه الرجال والنساء، إلى آخر ما قال، انتهى من "الأوجز". قلت: فالنهي عن هذين الثوبين إجماعي، نعم اختلفوا في المعصفر، كما بسط في "الأوجز" وغيره، ولم يتعرض للمعصفر البخاري ههنا، وهذا كله في حق المحرم، وأما في حق غيره فسيأتي في "كتاب النكاح" و"كتاب اللباس". (١٤ - باب الاغتسال للمحرم. . .) إلخ قال الحافظ (٥): أي: ترفهًا وتنظفًا وتطهرًا من الجنابة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وكأن المصنف أشار إلى ما روي عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء، وروي في "الموطأ" عن نافع أن

стр. 1396

ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، انتهى. وفي "الأوجز" (١): قال الباجي: الغسل للتبرد جائز للمحرم، وإن كان لغير ضرورة، وهذه رواية ابن القاسم، وفي "المدونة": قال ابن القاسم: لا أرى بأسًا إن وجد المحرم حرًّا أن يصب على رأسه الماء، انتهى. وقال الأبي في "الإكمال" (٢): أجازه الجمهور كما قال عمر ﵁: لا يزيده الماء إلا شعثًا، وتؤول عن مالك مثله، وتؤولت عنه الكراهة أيضًا، انتهى مختصرًا. (١٥ - باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين) قال الحافظ (٣): أي: هل يشترط قطعهما أو لا؟ انتهى. قلت: وفي حديث الباب أبحاث عديدة بسطت في "الأوجز" (٤)، منها: أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه، وكذا عند الحنفية، ومنها: أن إجازة لبس الخفين مشروط بالقطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة. وعن الإمام أحمد في المشهور عنه: لا يلزم قطعهما بل يجوز لبسهما بلا قطع، ومنها: أن المراد بالكعبين ههنا هو المراد بهما في الوضوء عند الجمهور، وهما العظمان الناتيان في جانبي القدم، وعندنا الحنفية المراد بالكعبين ههنا معقد الشراك، وهو المفصل الذي في وسط القدم، بخلاف المراد في الوضوء، انتهى من هامش "اللامع" (٥) مختصرًا. (١٦ - باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل) من غير أن يفتقه، وهذا مذهب الشافعية وأحمد. وقال الحنفية: إن لبسه ولم يفتقه يجب عليه دم؛ لأن لبس المخيط

стр. 1397

من محظورات الإحرام، والعذر لا يسقط حرمته، فيجب عليه الجزاء كما وجب في الحلق لدفع الأذى. وقال المالكية: ومن لم يجد إزارا فلبس سراويل فعليه الفدية، وكأن حديث ابن عباس هذا لم يبلغ مالكًا، كما في "الموطأ"، انتهى من "القسطلاني" (١). واعلم أن سياق الحديث في مسألتي الإزار والخفين واحد وهو قوله ﷺ : "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل"، وقد غاير الإمام البخاري في سياق الترجمتين كما ترى. قال الحافظ: أورد فيه حديث ابن عباس المذكور في الباب السابق، وجزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها لقوة دليلها، وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه فيتعين على من بلغه العمل به، انتهى. قلت: أشار الحافظ بقوله: "تصريح المخالف. . ." إلخ إلى ما في "الموطأ" (٢): قال يحيى: سئل مالك عن ما ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل"، فقال: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم السراويل؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن لبس السراويلات في ما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها، كما استثنى في الخفين، انتهى. قلت: وما أفاده الحافظ قُدِّس سِرُّه من قوة دليل المسألة الثانية لم أتحصله، فإن سياق الحديثين في المسألتين واحد، ولو سلم فدليل الأولى أقوى لاتفاق الأئمة على قبولها بخلاف الثانية، إذ قال الإمام مالك: إن الحديث لم يبلغه، بل الأوجه عند هذا العبد الضعيف أن لبس الخفين لمن لم يجد النعلين لما لم يكن واجبًا لم يجزم باللبس؛ لأن من لم يجد النعلين

стр. 1398

يباح له أن يمشي حافيًا، وأما من لم يجد الإزار فيجب عليه أن يلبس شيئًا لحرمة الكشف، فجزم بالحكم بقوله: "فليلبس السراويل"، وهذا هو السر عندي في تغاير الترجمتين، والله أعلم. (١٧ - باب لبس السلاح للمحرم) قال العيني (١): أي: جواز لبس السلاح للمحرم إذا احتاج إليه، قال ابن بطال: أجاز مالك والشافعي حمل السلاح للمحرم في الحج والعمرة، وكرهه الحسن، انتهى. ومطابقة الحديث للترجمة تظهر من قوله: "لا يدخل مكة سلاحًا. . ." إلخ؛ لأنه لو كان حمل السلاح للمحرم غير جائز مطلقًا عند الضرورة وغيرها لما قاضى أهل مكة بهذا، انتهى من "العيني". قال القسطلاني (٢): أورد المؤلف هذا الحديث هنا مختصرًا، وساقه بتمامه في "كتاب الصلح"، انتهى. (١٨ - باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام. . .) إلخ قال الحافظ (٣): من عطف الخاص على العام؛ لأن المراد بمكة هنا البلد فيكون الحرم أعم، انتهى. وقال القسطلاني (٤): أي: لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الشافعية لقوله في الحديث: "ممن أراد الحج والعمرة"، والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب، انتهى. وفي "الأوجز" (٥): لا يجوز الدخول بغير إحرام إجماعًا لمريد الحج والعمرة، ويجوز إجماعًا لمن تكرر دخوله من الحطابين ونحوهم، واختلفوا

стр. 1399

في غيرهما، والمرجح عند الشافعي الجواز، وهو رواية عن المالكية والحنابلة، ولا يجوز عندنا الحنفية، وهو المرجح عند الحنابلة والمالكية، وهو رواية عن الشافعي، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (١): وغاية احتجاجهم في ذلك بلبسه ﵊ يوم الفتح مغفرًا على رأسه، وأنت تعلم أن مكة لم تكن حرمًا يومئذ كما صرَّح به النبي ﷺ في خطبته، فلا يتم الاحتجاج به، إلى آخر ما بسط في الجواب عن استدلال المصنف. وقال السندي (٢): ولعل من لا يجوّز ذلك يحمل على أن منشأ ذلك الإحرام هو حرمة مكة، وقد أحلت له تلك الساعة، انتهى. وقال القسطلاني (٣) تبعًا للحافظ: واستدل بقصة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة. وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأول الحديث بأنه كان في الساعة التي أبيحت له، إلى آخر ما بسط في الإيراد والجواب عنه، وتقدم ذكر الاختلاف في هذه المسألة في "باب لا يحل القتال بمكة. (١٩ - باب إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص. . .) إلخ قال الحافظ (٤): أي: هل يلزمه فدية أو لا؟ وإنما لم يجزم بالحكم؛ لأن حديث الباب لا تصريح فيه بإِسقاط الفدية، ومن ثم استظهر المصنف للراجح بقول عطاء راوي الحديث كأنه يشير إلى أنه لو كانت الفدية واجبة لما خفيت عن عطاء وهو راوي الحديث؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وفرَّق مالك فيمن تطيب أو لبس ناسيًا بين من بادر فنزع

стр. 1400

وغسل وبين من تمادى، والشافعي أشد موافقةً للحديث؛ لأن السائل كان غير عارف بالحكم وقد تمادى، ومع ذلك لم يؤمر بالفدية، وقول مالك فيه الاحتياط. وأما قول الكوفيين - وهو وجوب الفدية مطلقًا - مخالف لهذا الحديث، وأجاب ابن المنيِّر بأن الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم، ولهذا انتظر النبي ﷺ الوحي قال: ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم، فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى، بخلاف من لبس الآن جاهلًا فإنه جهل حكمًا استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفًا به، انتهى. قلت: ذكر الحافظ مذاهب الأئمة الثلاثة، ولم يذكر مذهب الحنابلة، ففي المسألة عنهم روايتان مثل مذهبنا والشافعية، كما في "الأوجز" (١). (٢٠ - باب المحرم يموت بعرفة. . .) إلخ قال القسطلاني (٢): قوله: "بقية الحج" أي: كرمي الجمار والحلق وطواف الإفاضة، وإنما لم يأمر النبي ﷺ بأن يؤدى عنه بقية الحج؛ لأنه مات قبل التمكن من أداء بقيته، فهو غير مخاطب به كمن شرع في صلاة مفروضة أول وقتها فمات في أثنائها؛ فإنه لا تبعة عليه فيها إجماعًا، انتهى. وسكت الحافظان ابن حجر والعيني عن المسألة واختلاف الأئمة فيه. وكتب الشيخ في "اللامع": ولعل المؤلف أشار بالترجمة إلى ما هو الصحيح من مذهب الحنفية أن من وجب عليه الحج، فحج من عامه؛ فإنه لو مات قبل إتمامه لا يجب عليه إيصاء إتمامه، فأما لو وجبت عليه الحجة ولم يحج إلا بعد انقضاء ذلك العام الذي وجب فيه الحج، ثم مات ولم يتم حجه؛ فإنه يجب عليه الإيصاء بإتمام حجه من ماله، ولعل المسألة

стр. 1401

مقيسة على الصلاة والصوم، فإنهما تسقطان بمثل ذلك حتى أن من أدرك وقت الفجر ومات قبل طلوع الشمس أو كان مسافرًا فأفطر رمضان ثم لم يجد من الوقت ما يصوم فيه، فإنه يسقط منه الصوم ولا يجب عليه الإيصاء بقضائهما عنه، انتهى. وفي هامشه عن كتاب "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة": من لزمه الحج فلم يحج حتى مات قبل التمكن من أدائه لم يسقط عند الشافعي وأحمد، انتهى. قلت: لكن النووي قال في "شرح المهذب": ويجب الإحجاج عنه من تركته إن كان قد استقر الحج في ذمته وإن كان تطوعًا أو لم يستطع إلا في هذه السنة لم يجب، انتهى. قال الموفق (١): متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر، سواء فاته بتفريط أو بغير تفريط، وبهذا قال الحسن والشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، انتهى. كذا حكى الموفق مذهب الحنفية والشافعية، والصحيح في مذهبهما كما تقدم عن النووي و"اللامع"، التفريق بين من فرَّط ومن لم يفرط، والمراد بالتفريط أن لا يحج من عامه. (٢١ - باب سُنَّة المحرم إذا مات) قال القسطلاني (٢): أي: في كيفية الغسل والتكفين وغيره، انتهى. قلت: والمسألة خلافية شهيرة، ففي "الأوجز" (٣): قال العيني في حديث ابن عباس: احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر في أن

стр. 1402

المحرم على إحرامه بعد الموت، ولذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال؛ لأنها عبادة شرعت فبطلت بالموت كالصلاة والصيام، وقال ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، وإحرامه من عمله، ولأن الإحرام لو بقي لطيف به وكملت مناسكه، ولا قائل به، إلى آخر ما قال، وتقدمت المسألة في "باب كيف يكفن المحرم" من "كتاب الجنائز". (٢٢ - باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة) قال العلَّامة العيني (١): أي: هذا باب في بيان حكم الحج عن الميت، وفي بيان حكم النذر عن الميت، وقوله: "والرجل" بالجر عطف على المجرور فيما قبله، أي: في بيان حكم الرجل يحج عن المرأة، فالترجمة مشتملة على حكمين، انتهى. وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): تضمنت الترجمة ثلاثة أجزاء: جواز الحج عن الغير، وثبوته عن الرواية ظاهر، ويقاس عليه سائر النذور؛ لأنه كان نذرًا عليها، فلما جاز قضاء نذر الحج عنها جاز غير الحج من النذور، وأما حج الرجل عن المرأة فجوازه ثابت بالطريق الأولى؛ لأن حجة الرجل أفضل من حجة المرأة؛ لأن في الأولى زيادة المناسك بنسبة الثانية، فلما أجزت حجة المرأة عنه كما ذكر في الرواية يكون حجه أولى بالجواز، انتهى. قال القسطلاني (٣): وكان ينبغي أن يقول: والمرأة تحج عن المرأة ليطابق حديث الباب، وأجاب الزركشي بأنه استنبط ذلك من قوله:

стр. 1403

"اقضوا الله" فإنه خاطبها بخطاب دخل فيه الرجال والنساء، فللرجل أن يحج عن المرأة ولها أن تحج عنه، وأما قول الحافظ ابن حجر في قوله: "والرجل يحج عن المرأة": نظر؛ لأن لفظ الحديث أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها فكان حق الترجمة أن يقول: والمرأة تحج عن الرجل، ثم قال: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى رواية شعبة عن أبي بشر في هذا الحديث؛ فإنه قال فيه: "أتى رجل النبي ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحج" الحديث، وفيه: "فاقضي الله فهو أحق بالقضاء" فلا يخفى ما فيه، فإن حديث الباب إنما هو أن امرأة من جهنية قالت: "إن أمي" وكيف يقال بالمطابقة بين ترجمة وحديث مذكور في باب آخر، والأصل أن المطابقة إنما تكون بين الترجمة وحديث الباب، فليتأمل، انتهى. قلت: إيراد القسطلاني صحيح لا شك فيه، ولكن قوله: إن المطابقة إنما تكون إلخ تبع في ذلك العلامة العينى وهو غير مسلم، بل هو أصل مطَّرد من أصول التراجم، والعلامة العينى تارة يأخذ بهذا الأصل ومرة يرده أشد الرد، كما بسط ذلك في أصل الحادي عشر من أصول التراجم. ثم الظاهر عندي: أن الترجمة مشتملة على جزئين: الأول: الحج المنذور عن الميت، قال العيني: ومطابقة الحديث للترجمة في قولها: "إن أمي نذرت" إلخ، وفيه: حج عن نذر الميت، وهو مطابق للجزء الأول من الترجمة، انتهى. قلت: والمسألة خلافية، قال الموفق (١): متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به ويعتمر، سواء مات عن تفريط أو بلا تفريط، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن وصَّى بها فهو من الثلث، ويستناب من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه، وبه قال الحسن وإسحاق

стр. 1404

ومالك في النذر، وقال الشافعي فيمن عليه حجة الإسلام: يستأجر من يحج عنه من الميقات؛ لأن الإحرام لا يجب من دونه، ولنا أن الحج واجب على الميت من بلده، فوجب أن ينوب عنه منه؛ لأن القضاء يكون على وفق الأداء، وكذلك الحكم في حج النذر والقضاء، انتهى. والجزء الثاني: جواز حج الرجل عن المرأة وثبوته عن الرواية بالطريق الأولى كما تقدم في كلام الشيخ مفصلًا، والمسألة إجماعية. قال الموفق (١): ويجوز أن ينوب الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، لا نعلم فيه مخالفًا إلا الحسن بن صالح، فإنه كره حج المرأة عن الرجل، انتهى. ثم لا يذهب عليك أنه ذكر في "الأوجز" (٢) في مسألة الحج عن الغير عشرة أبحاث مفيدة فقهية، فارجع إليه. (٢٣ - باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة) خلافًا لمالك في ذلك، ولمن قال: لا يحج أحد عن أحد مطلقًا كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان، انتهى من "الفتح" (٣). وقال العيني (٤) تحت حديث الباب: فيه جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميّت لم يحج حجة الإسلام. وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال: مشهورها: لا يجوز،

стр. 1405

وثانيها: يجوز من الولد، ثالثها: يجوز إن أوصى به، وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وهي رواية عن مالك، وإن أوصى به، انتهى. وفي "الفيض" (١): وهذه مسألة أخرى ويقال لها: مسألة المعضوب، انتهى. قال ابن رشد (٢): أما وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة فعند مالك وأبي حنيفة لا تلزم، وعند الشافعي تلزم، فيلزم على مذهبه الذي عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره، إذا لم يقدر هو ببدنه أن يحج عنه غيره، وهي المسألة التي يعرفونها بالمعضوب، وهو الذي لا يثبت على الراحلة، انتهى. قال ابن الهمام (٣): وفي المشهور عن أبي حنيفة أنه لا يلزمهم - الأعمى والمقعد والمعضوب أي: الضعيف، على ما في "القاموس" (٤) - الحج. قال في "البحر": وهذا عند أبي حنيفة في ظاهر الرواية، وهو رواية عنهما، وقال: في ظاهر روايتهما، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب على هؤلاء إذا ملكوا الزاد والراحلة ومؤنة من يرفعهم ويضعهم، والخلاف المذكور في من وجد الاستطاعة وهو معذور، أما إن وجدها وهو صحيح ثم طرأ عليه العذر فالاتفاق على الوجوب، انتهى مختصرًا. وقال الشيخ في "الكوكب" (٥): قوله: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير. . ." إلخ، الظاهر أن الحج لم يكن وجب عليه، وإنما كان ذلك متمناه وإن كان جائزًا أن يكون الحج فرض عليه ثم ضعف، انتهى.

стр. 1406

قلت: ولعلك قد عرفت مما سبق أن ههنا مسألتين: إحداهما: وجوب الحج على من لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وهي التي يقال لها: مسألة المعضوب. والثانية: النيابة عن المعضوب، ذكر الشرَّاح هاتين المسألتين في بيان ما يستفاد من الحديث، ولفظ الترجمة نص في أن المراد ههنا الثانية. (٢٤ - باب حج المرأة عن الرجل) قال القسطلاني (١): وفي الحديث دليل على أنه يجوز للمرأة أن تحج عن الرجل، خلافًا لمن زعم أنه لا يجوز معللًا بأن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلا رجل مثله، انتهى. وتقدم قبل باب أنه قول الحسن. (٢٥ - باب حج الصبيان) قال الحافظ (٢): أي: مشروعيته، وكأن الحديث الصريح فيه ليس على شرطه، وهو ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: "رفعت امرأة صبيًا لها فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر"، قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من مخطورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، انتهى. قلت: النقل عن الحنفية غير صحيح، ففي "الأوجز" (٣) في مباحث حج الصبي: الثاني: هل ينعقد حجه أم لا؟ ويجري عليه أحكام الحج، ويجب فيه الفدية، ودم الجبران وسائر أحكام البالغ كما قاله الجمهور أم لا؟

стр. 1407

وخالف في ذلك أبو حنيفة إذ قال: لا يلزمه شيء من مخطورات الإحرام، وبذلك توهم من قال: إن حج الصبي لا ينعقد عندهم، كما بسط في "الأوجز" و"هامش اللامع" (١)، وفي "الفيض" (٢): واعلم أن عبادات الصبيان كلها معتبرة عندنا، نعم تقع نفلًا عنه، وعليه حجة ثانية بعد البلوغ، انتهى. (٢٦ - باب حج النساء) أي: هل يشترط فيه قدر زائد على حج الرجال أو لا؟ انتهى. قاله الحافظ وكذا العيني (٣)، ثم قال تحت أثر عمر: مطابقته للترجمة من حيث إن فيه حج النساء، ولكن فيه زيادة على حج الرجال، وهو الاحتياج إلى إذن من يتولى أمرهن في خروجهن، انتهى. قوله: (ألا نغزوا أو نجاهد؟. . .) إلخ، النسخ على إثبات "أو"، وبسط السندي (٤) الكلام عليه، وذكر الفرق بين الغزو والجهاد، والأسهل ما قال الحافظ (٥): إنه شك من الراوي. (٢٧ - باب من نذر المشي إلى الكعبة) قال الحافظ (٦): أي: وغيرها من الأماكن المعظمة هل يجب عليه الوفاء بذلك أو لا؟ وإذا وجب فتركه قادرًا أو عاجزًا ماذا يلزمه؟ وفي كل ذلك اختلاف بين أهل العلم، سيأتي في "كتاب النذر"، انتهى. قوله: (وأمره أن يركب) واحتج أهل الظاهر بالحديث وبحديث عقبة الآتي، فقالوا: من عجز عن المشي فلا هدي عليه. وسائر الفقهاء لهم في هذه المسألة أقوال:

стр. 1408

والأول: روي عن علي وابن عمر: "من نذر المشي إلى بيت الله تعالى فعجز عنه أنه يمشي ما استطاع، فإذا عجز ركب وأهدى شاة"، وهو قول عطاء والحسن، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو حنيفة: وكذا إن ركب وهو غير عاجز، ويكفِّر عن يمينه لحنثه، حكاه الطحاوي، وقال الشافعي: الهدي في هذه احتياط، وحجتهم قوله ﷺ : "فلتركب ولتهد". والقول الثاني: يعود ثم يحج مرة أخرى، ثم يمشي ما ركب، ولا هدي عليه، وهو قول ابن عمر والنخعي وغيرهما. والقول الثالث: يعود فيمشي ما ركب وعليه الهدي، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا، وروي عن النخعي، وهو قول مالك، جمع عليه الأمرين المشي والهدي احتياطًا، انتهى من "العيني" (١). وقال القسطلاني (٢) الشافعي: لو ترك المشي لعذر أو لغيره أجزأه مع لزوم الدم فيهما، والإثم في الثاني، انتهى. وفي "الأوجز" (٣) عن "شرح اللباب": لو ركب في كل الطريق أو أكثره لعذر أو بلا عذر فعليه دم، وإن ركب في الأقل وكذا في المساواة تصدق بقدره من قيمة الشاة، انتهى. وفي تقرير مولانا حسين علي البنجابي: من نذر بعبادة مثل المشي ينعقد النذر، فيمشي غير راكب، وإن كان معذورًا فيكفِّر بدم، وأما النذر حافيًا فلا يجب وليس فيه دم؛ لأنه ليس من جنسه عبادة، يعني: أن المشي من جنسه عبادة مفروضة حيث يفرض الحج على أهل مكة، وإن لم تكن لهم راحلة بخلاف المشي حافيًا، فإنه ليس بعبادة مفروضة، انتهى من هامش "اللامع" (٤). قلت: وفي هذه المسألة أبحاث كثيرة بسطت في "الأوجز" (٥).

стр. 1409

٢٩ - أبواب فضائل المدينة وتأتي روايات كثيرة من هذا الباب في "كتاب الاعتصام" في أواخر البخاري في "باب ما ذكر النبي ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم وما أجمع عليه الحرمان: مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار ومصلى النبي ﷺ والمنبر والقبر الشريف". قال الحافظ (١): المدينة علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها النبي ﷺ ودفن بها، وإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد، فإذا أريد غيرها فلا بدّ من قيد، وكان اسمها قبل ذلك يثرب، قيل: سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها، وقيل غير ذلك، ثم سمَّاها النبي ﷺ طابة وطيبة كما سيأتي في باب مفرود، وكان سكانها العماليق، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل، قيل: أرسلهم موسى ﵇، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم، انتهى من هامش "اللامع" (٢). (١ - باب حرم المدينة) كتب الشيخ في "اللامع" (٣) أي: إثبات أنها محترمة، ودلالة الرواية الثانية على هذا المعنى غير ظاهرة، إلا أن يقال: إقامة النبي ﷺ هناك، وبناء المسجد فيها، إلى غير ذلك مما يدل على حرمتها، انتهى. وفي هامشه: وبذلك جزم عامة الشرَّاح، قال العيني: باب في بيان فضل حرم المدينة، انتهى. وتبعه القسطلاني، وسكت عنه الحافظ،

стр. 1410

والأوجه عند هذا العبد الفقير أن الإمام البخاري أشار به إلى مسألة خلافية شهيرة، وهي: اختلافهم في أن حرم المدينة كحرم مكة أو حكمهما مختلف؟ ولم يجزم الإمام بالحكم في الترجمة كعادته في المسائل المختلف فيها عند الأئمة، وكذا في المسائل التي اختلفت فيها الروايات، ولم يترجح عنده إحداها، وهما أصلان معروفان مطَّردان من الأصول المتقدمة في المقدمة، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" مع بسط الدلائل. قال العيني (١) بعد حديث أنس: احتج به الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، فقالوا: المدينة لها حرم، فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء عندهم خلافًا لابن أبي ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من فعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي في القديم إذ قال: من اصطاد في المدينة صيدًا أخذ سلبه، وقال الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع أحد عن أخذ صيدها وقطع شجرها، وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه ﷺ أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها، وذلك كمنعه ﷺ من هدم آطام المدينة، وقال: "إنها زينة المدينة" على ما رواه الطحاوي بإسناد صحيح، ثم ذكر الطحاوي دليلًا على ذلك من قوله ﷺ : "يا أبا عمير ما فعل النغير" إلى آخر ما بسط العيني، انتهى من "هامش اللامع" مختصرًا. قال الحافظ (٢): ذكر المصنف هنا أربعة أحاديث، ورتَّبها ترتيبًا حسنًا، ففي حديث أنس التصريح بكون المدينة حرمًا، وفي حديثه الثاني تخصيص النهي عن قطع الشجر بما لا ينبته الآدميون، وفي حديث أبي هريرة بيان ما أجمل من حد حرمها في حديث أنس حيث قال كذا وكذا، فبيَّن في هذا أنه ما بين الحرتين، وفي حديث علي زيادة تأكيد التحريم، وبيان حد الحرم أيضًا، انتهى.

стр. 1411

(٢ - باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس) أي: الشرار منهم، وراعى في الترجمة لفظ الحديث، وقرينة إرادة الشرار من الناس ظاهرة من التشبيه الواقع في الحديث، والمراد بالنفي الإخراج، ولو كانت الراوية "تنقي" بالقاف لحمل لفظ "الناس" على عمومه، وقد ترجم المصنف بعد أبواب: "المدينة تنفي الخبث"، انتهى من "الفتح" (١). وقال العيني (٢): قلت: جعلوا لفظ: "تنفي" من النفي، فلذلك قدروا هذا التقدير، والأحسن عندي أن يكون هذا اللفظ من التنقية بالقاف، والمعنى: أن المدينة تنقي الناس تبقي خيارهم وتطرد شرارهم، ويناسب هذا المعنى قوله ﷺ : "إن المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها"، وإنما قلنا: يناسب هذا المعنى قوله ﷺ من حيث إن حاصل المعنى يؤول إلى ما ذكرنا، وإن كان لفظ الحديث من النفي بالفاء، انتهى. قلت: والأوجه عندي ما قال العيني، لئلا يوهم تكرار الترجمة بما يأتي من "باب المدينة تنفي الخبث"، لكن كلام الحافظ يشير إلى أن الرواية في الترجمة أيضًا بلفظ: "الفاء"، وعلى هذا فللتأويل للترجمة مساغ بأن يقال: إن الخبث غير الخبيث، انتهى من هامش "اللامع" (٣). وأوجه منه أن يقال في دفع التكرار: إن الغرض من الترجمة ههنا هو إثبات فضل المدينة، وهو ثابت بالجزء الأول من الحديث بقوله: "أمرت بقرية تأكل القرى" كما هو ظاهر، وأما قوله في الترجمة: "وأنها تنفي الناس" ذكره استطرادًا لوجوده في حديث الباب، وأما الترجمة الثانية الآتية فالمقصود منه النفي خاصة. وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): قوله: "وأنها تنفي الناس" ولا يستلزم

стр. 1412

نفيها الناس أن لا يبقى فيها أحد ممن هو خليق بالنفي، بل هي تدوم تنفيهم عنها وتبقي مع ذلك بقية منهم فيها، نعم يتحقق كمال هذا النفي في وقت المهدي وعيسى ﵉، انتهى. (٣ - باب المدينة طابة) أي: من أسمائها، إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك، وروى مسلم حديث جابر بن سمرة مرفوعًا: "أن الله سمى المدينة طابة"، والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل لطهارة ترتبها، وقيل لطيبها لساكنها، وقيل من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية؛ لأن من أقام بها يجد من ترتبها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها. وللمدينة أسماء غير ما ذكر، منها: ما رواه عمر بن شبة في "أخبار المدينة" من رواية زيد بن أسلم قال: قال النبي ﷺ : "للمدينة عشرة أسماء هي: المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمسكينة، والدار، وجابرة، ومجبورة، ومنيرة، ويثرب"، انتهى مختصرًا من "الفتح" (١). قال القسطلاني (٢): ولها أسماء كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وذكر عدة أسماء سوى ما تقدم عن الحافظ، وقال أيضًا: ولله در الأشبيلي حيث قال: لتربة المدينة نفحة ليس كما عهد من الطيب، بل هو عجب من الأعاجيب، انتهى. وكتب مولانا عبد الحي اللكنوي في مقدمة "الهداية" (٣): للمدينة أربع وتسعون اسمًا مبسوطة في "وفاء الوفاء"، وكثرة الاسم تدل على شرف المسمى، ويكفيه كونه مسكنًا لسيد الخلق ﷺ ومدفنًا له، انتهى.

стр. 1413

قلت: ولا يبعد عندي أن المقصود من ذكر هذه التراجم إظهار حب المدينة، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره. (٤ - باب لابتي المدينة) تثنية لابة، وهي الحرة الأرض ذات الحجارة السود، والمدينة ما بين حرتين عظيمتين، إحداهما: شرقية، والأخرى: غربية، انتهى من "القسطلاني" (١). قلت: قد تقدم في "باب حرم المدينة" أن الغرض منه عندي الإشارة إلى مسألة خلافية، وهي هل للمدينة حرم كما لمكة أم لا؟ وتقدم الخلاف فيه هناك، ولعل الغرض بالترجمة ههنا بيان حد الحرم على حسب ما وقع في الأحاديث، فقد تقدم في الباب المذكور حديث أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قال: حرم ما بين لابتي المدينة على لساني". قال الحافظ (٢): وفي رواية لمسلم: "وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى"، وفي رواية لأبي داود: "حمى رسول الله كل ناحية من المدينة بريدًا بريدًا"، الحديث، ووقع في حديث جابر عند أحمد: "وأنا أحرم المدينة ما بين حرتيها"، انتهى من "الفتح". (٥ - باب من رغب عن المدينة) أي: فهو مذموم، أو باب حكم من رغب عنها، انتهى من "الفتح" (٣). (٦ - باب الإيمان يأرز إلى المدينة) بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء وقد تضم بعدها زاي، وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء، وقال: إن الكسر هو الصواب، ومعناه

стр. 1414

ينضم ويجتمع، انتهى من "الفتح" (١). قلت: لعل الغرض أن فضل المدينة لا يختص بزمانه ﷺ بل هو في جميع الأزمنة. قال الحافظ (٢): قوله: "كما تأرز الحية. . ." إلخ، أي: أنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها، كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي ﷺ ، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبي ﷺ للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره ﷺ والصلاة في مسجده والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه، انتهى. ثم لا يخفى عليك ما أفاده الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): قوله: "ليأرز إلى المدينة" ظاهر التشبيه أنه لا يبقى في المدينة شيء منه حين خروجه إلى البلاد، وهو غير مراد، بل المعنى أنه ينتشر منها إلى البلاد، ثم يأتي زمان لا يبقى مؤمن إلا وهو في المدينة، وذلك لما علم أن المدينة آخر البلاد خرابًا، وليس ذلك إلا لبقاء الإيمان فيها، انتهى. قلت: ما أفاده الشيخ فهو جيد لطيف جدًا. (٧ - باب إثم من كاد أهل المدينة) قال الحافظ (٤) أي: أراد بأهلها سوء، والكيد المكر والحيلة في المساءة، انتهى. وبسط الشرَّاح في شرح حديث الباب.

стр. 1415

(٨ - باب آطام المدينة) قال الحافظ (١): بالمد، جمع أطم بضمتين، وهي الحصون التي تبنى بالحجارة، وقيل: هو كل بيت مربع مسطح، وقد ذكر الزبير بن بكار في "أخبار المدينة" مع ما كان بها من الآطام قبل حلول الأوس والخزرج بها، ثم ما كان بها بعد حلولهم، وأطال في ذلك، انتهى. (٩ - باب لا يدخل الدجال المدينة) أورد فيه أربعة أحاديث، وحاصل ما في هذه الأحاديث إعلامه ﷺ أن الدجال لا يدخل المدينة ولا الرعب منه، انتهى من "الفتح" (٢). وقال القسطلاني (٣): قوله: "لا يدخلها الطاعون" أي: الموت الذريع الفاشي، أي: لا يكون بها مثل الذي يكون بغيرها كالذي وقع في طاعون عمواس والجارف، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله، فلم ينقل قط أنه دخلها الطاعون، وذلك ببركة دعائه ﷺ : "اللهم صححها لنا"، انتهى. (١٠ - باب المدينة تنفي الخبث) أي: تطرده وتخرجه، وقد تقدم ما يتعلق بهذا الباب في "باب فضل المدينة"، وبسط الكلام على حديث الباب في "الأوجز" (٤)، وكذا في "الكوكب الدري" (٥)، وفي "جذب القلوب": قوله: "تنفي خبثها" يشمل الأحياء والأموات، فتنقل من البقيع، انتهى. أعاذنا الله منه. (باب) بغير ترجمة، هو كالفصل من الباب السابق، كذا هو للأكثرين، وسقط من رواية أبي ذر، وفي الباب حديثان، مناسبة الأول للباب السابق من جهة

стр. 1416

أن تضعيف البركة وتكثيرها يقتضي تقليل ما يضادها، فناسب نفي الخبث، ومناسبة الثاني من جهة أن حب رسول الله ﷺ للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، انتهى، كذا في هامش "الهندية" (١) من الشروح، وقد رمز عليها شيخ الهند في "تراجمه" رمز (نـ) نقطة واحدة، وهو إشارة إلى أن الترجمة تركت لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان. (١١ - باب كراهية النبي ﷺ أن تعرى المدينة) بضم التاء، أي: تخلو، وأعريت المكان جعلته خاليًا، ولأبي ذر: أن تعرى بفتحها، أي: تخلو وتصير عراء، وهو الفضاء من الأرض الذي لا سترة به، انتهى من "القسطلاني" (٢). قال الحافظ (٣): ترجم البخاري بالتعليلين، فترجم في الصلاة باحتساب الآثار لقوله ﷺ : "مكانكم تكتب لكم آثاركم"، وترجم هنا بما ترى لقول الراوي: "فكره النبي ﷺ أن تعرى المدينة"، وكأنه ﷺ اقتصر في مخاطبتهم على التعليل المتعلق بهم لكونه أدعى لهم إلى الموافقة، انتهى. (١٢ - باب) بغير ترجمة، وهذا أيضًا كالفصل مما قبله، وهو الأصل العشرون من أصول التراجم المتقدمة. قال الحافظ (٤): والباب مشتمل على حديثين وأثر، ولكل منهما تعلق بالترجمة التي قبله، فحديث "ما بين بيتي ومنبري. . ." إلخ فيه إشارة إلى الترغيب في سكنى المدينة، وحديث عائشة في قصة وعك أبي بكر وبلال فيه دعاؤه ﷺ للمدينة بقوله: "اللهم صححها"، وفي ذلك إشارة إلى

стр. 1417

الترغيب في سكناها أيضًا، وأثر عمر في دعائه بأن تكون وفاته بها ظاهر في ذلك، وفي ذلك مناسبة لكراهته ﷺ أن تعرى المدينة، انتهى. وبراعة اختتام في قول عمر رضي الله تعالى عنه: "واجعل موتي في بلد رسولك" ظاهرة، وبه جزم الحافظ (١)، اللهم نحن أيضًا ندعوك بها، فاستجب لنا بحرمة سيد المرسلين ﷺ . * * *

стр. 1418

٣٠ - كتاب الصوم قد تقدم في مبدأ "كتاب الحج" وجوه المناسبة بين الحج والصوم وغيرهما. قال العيني (١) في وجه المناسبة: العبادات أربعة: بدنية محض، وهي: الصلاة والصوم، ومالية محض، وهي: الزكاة، ومركبة منهما وهو الحج، وكان مقتضى الحال أن يذكر الصوم عقيب الصلاة لكونهما من واد واحدٍ، لكن ذكرت الزكاة عقيبها لما ذكرنا - كما تقدم في مبدأ الحج - ثم إن غالب المصنفين ذكروا الصوم عقيب الزكاة فلا مناسبة بينهما، والذي ذكره البخاري من تأخير الصوم وذكره في الأخير هو الأوجه والأنسب؛ لأن ذكر الحج عقيب الزكاة هو المناسب من حيث اشتمال كل منهما على بذل المال، ولم يبق للصوم موضع إلا في الأخير، انتهى. قلت: وما أورد العيني على عامة المصنفين أجاب عنه ابن عابدين (٢) في مبدأ "كتاب الصوم" إذ قال: أعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين، به قهر النفس الأمَّارة بالسوء، وأنه مركب من أعمال القلب ومن المنع عن المآكل والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبدأ في التكاليف بالأخف، وهو الصلاة تمرينًا للمكلف، ثم يثني بالوسط وهو الزكاة، ويثلث بالأشق وهو الصوم، وإليه وقعت الإشارة في مقام المدح والترتيب ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ

стр. 1419

وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وفي ذكر مباني الإسلام: "وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان" فاقتدت أئمة الشريعة مصنفاتهم بذلك، انتهى. وذكر في مبدأ "كتاب الصوم" من "الأوجز" (١) عشرة أبحاث مفيدة بالبسط، وفي "هامش اللامع" مختصرًا، منها: ما قالوا: إن بدء الصوم من زمن آدم ﵇، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] قال علي ﵁: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة قديمة ما أخلى الله تعالى أمة من افتراضه عليهم، ومنها: أن فرضية رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، كما في "تاريخ الخميس" (٢) و"مجمع البحار" (٣) و"الدر المختار" (٤)، وفي "تفسير روح البيان" (٥): أن افتراض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين، انتهى. وعن ابن عباس: بعث الله تعالى نبيَّه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صُدِّق زاد الصلاة، فلما صُدِّق زاد الزكاة، فلما صُدِّق زاد الصيام، فلما صُدِّق زاد الحج، انتهى. كذا في "الأوجز" (٦). (١ - باب وجوب صوم رمضان. . .) إلخ قال الحافظ (٧): كذا للأكثر، وللنسفي "باب وجوب رمضان وفضله"، وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه "حظائر القدس" لرمضان ستين اسمًا، وذكر بعض الصوفية أن آدم ﵊ لما أكل من الشجرة ثم

стр. 1420

تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذريته صيام ثلاثين يومًا. قال الحافظ: وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك. قوله: (وقول الله تعالى. . .) إلخ، أشار بذلك إلى مبدأ فرضية الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه في شيء فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث: حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلا رمضان، وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن للأمر بصيام عاشوراء، وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان، وهو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثم بيَّنه [فقال:] ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية: أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ، إلى آخر ما فيه، انتهى من "الفتح". قلت: وقد بسط الكلام على درجات فرضية الصوم وتفاصيل شرعيته من ابتداء الأمر إلى ما استقر عليه في "كتاب التفسير" من "لامع الدراري" (١). قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ الآية، وفي "الأوجز" (٢): اختلفوا هل كان صوم رمضان شرع من قبلنا؟ فقال جماعة: إن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يومًا من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضًا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله ﷺ ، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل:

стр. 1421

نزيد فيه فزادوا عشرًا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعًا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمة خمسين يومًا، وهذا معنى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣١]، كذا في "التفسير الكبير" (١)، وقيل: في زيادة النصارى أقوال أخَّر ذكرها أهل التفسير. قال البجيرمي (٢): إن كان التشبيه في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ في صوم رمضان كان من الشرائع القديمة؛ لأنه قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليها شهر رمضان إلا أنهم ضلَّوا عنه، وإن كان التشبيه في مطلق الصوم كان صوم رمضان من خصوصيات هذه الأمة، انتهى من "الأوجز". واختار صاحب "فيض الباري" (٣): أن هذه الآيات لا تعلق لها بصوم رمضان، بل هي متعلقة بصوم أيام البيض وعاشوراء، وبسط الكلام عليه، فارجع إليه لو شئت. (٢ - باب فضل الصوم) غرض الترجمة واضح وثابت من الروايات. قوله: (ولا يجهل) في "تراجم شيخ المشايخ (٤) الدهلوي": الجهل ههنا ضد الحلم كما هو في الأكثر ضد العلم، انتهى. قلت: فهو من قبيل قول الشاعر (٥): ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا قوله: (فليقل: إني صائم) في هامش النسخة الهندية عن "التوشيح" (٦): قيل: يقولها بلسانه يخاطب بها من شاتمه، وقيل: بقلبه يزجر بها نفسه،

стр. 1422

وقيل: باللسان في صوم الفرض وبالقلب في النفل، قال ابن العربي: الخلاف في النفل، وأما الفرض فبلسانه قطعًا، انتهى. قوله: (الصيام لي) ذكر الحافظ (١) في معناه عشرة أوجه، وفي "شرح الإحياء": اختلفوا في معناه على أقوال تزيد على خمسين، ثم ذكرها، انتهى. (٣ - باب الصوم كفارة) أطلق المصنِّف في الترجمة، والخبر مقيَّد بفتنة المال وما ذكر معه، ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"، ولابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله"، وقد حمل المصنف الحديث في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة، فقال في الزكاة: "باب الصدقة تكفر الخطيئة"، ثم أورد هذا الحديث بعينه، وأيضًا تقدم في أثناء الصلاة: "باب الصلاة كفارة"، وأورد فيه هذا الحديث بعينه من وجه آخر عن أبي وائل، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٢). (٤ - باب الريان للصائمين) بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري: اسم علم على باب من أبواب الجنة، يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الري، وهو مناسب لحال الصائمين، قال القرطبي: اكتفى بذكر الري عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه. قلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع، قاله الحافظ (٣).
следующие страницы →