٣٠ - كتاب الصوم
قد تقدم في مبدأ "كتاب الحج" وجوه المناسبة بين الحج والصوم وغيرهما.
قال العيني (١) في وجه المناسبة: العبادات أربعة: بدنية محض، وهي: الصلاة والصوم، ومالية محض، وهي: الزكاة، ومركبة منهما وهو الحج، وكان مقتضى الحال أن يذكر الصوم عقيب الصلاة لكونهما من واد واحدٍ، لكن ذكرت الزكاة عقيبها لما ذكرنا - كما تقدم في مبدأ الحج - ثم إن غالب المصنفين ذكروا الصوم عقيب الزكاة فلا مناسبة بينهما، والذي ذكره البخاري من تأخير الصوم وذكره في الأخير هو الأوجه والأنسب؛ لأن ذكر الحج عقيب الزكاة هو المناسب من حيث اشتمال كل منهما على بذل المال، ولم يبق للصوم موضع إلا في الأخير، انتهى.
قلت: وما أورد العيني على عامة المصنفين أجاب عنه ابن عابدين (٢) في مبدأ "كتاب الصوم" إذ قال: أعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين، به قهر النفس الأمَّارة بالسوء، وأنه مركب من أعمال القلب ومن المنع عن المآكل والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبدأ في التكاليف بالأخف، وهو الصلاة تمرينًا للمكلف، ثم يثني بالوسط وهو الزكاة، ويثلث بالأشق وهو الصوم، وإليه وقعت الإشارة في مقام المدح والترتيب ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
стр. 1419
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وفي ذكر مباني الإسلام: "وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان" فاقتدت أئمة الشريعة مصنفاتهم بذلك، انتهى.
وذكر في مبدأ "كتاب الصوم" من "الأوجز" (١) عشرة أبحاث مفيدة بالبسط، وفي "هامش اللامع" مختصرًا، منها: ما قالوا: إن بدء الصوم من زمن آدم ﵇، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] قال علي ﵁: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة قديمة ما أخلى الله تعالى أمة من افتراضه عليهم، ومنها: أن فرضية رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة في شعبان، كما في "تاريخ الخميس" (٢) و"مجمع البحار" (٣) و"الدر المختار" (٤)، وفي "تفسير روح البيان" (٥): أن افتراض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين، انتهى.
وعن ابن عباس: بعث الله تعالى نبيَّه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صُدِّق زاد الصلاة، فلما صُدِّق زاد الزكاة، فلما صُدِّق زاد الصيام، فلما صُدِّق زاد الحج، انتهى. كذا في "الأوجز" (٦).
(١ - باب وجوب صوم رمضان. . .) إلخ
قال الحافظ (٧): كذا للأكثر، وللنسفي "باب وجوب رمضان وفضله"، وقد ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه "حظائر القدس" لرمضان ستين اسمًا، وذكر بعض الصوفية أن آدم ﵊ لما أكل من الشجرة ثم
стр. 1420
تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذريته صيام ثلاثين يومًا.
قال الحافظ: وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك.
قوله: (وقول الله تعالى. . .) إلخ، أشار بذلك إلى مبدأ فرضية الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه في شيء فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث: حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلا رمضان، وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن للأمر بصيام عاشوراء، وكأن المصنف أشار إلى أن الأمر في روايتهما محمول على الندب بدليل حصر الفرض في رمضان، وهو ظاهر الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثم بيَّنه [فقال:] ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقد اختلف السلف هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أو لا؟ فالجمهور - وهو المشهور عند الشافعية - أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية: أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ، إلى آخر ما فيه، انتهى من "الفتح".
قلت: وقد بسط الكلام على درجات فرضية الصوم وتفاصيل شرعيته من ابتداء الأمر إلى ما استقر عليه في "كتاب التفسير" من "لامع الدراري" (١).
قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ الآية، وفي "الأوجز" (٢): اختلفوا هل كان صوم رمضان شرع من قبلنا؟ فقال جماعة: إن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يومًا من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضًا؛ لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله ﷺ ، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل:
стр. 1421
نزيد فيه فزادوا عشرًا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعًا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمة خمسين يومًا، وهذا معنى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣١]، كذا في "التفسير الكبير" (١)، وقيل: في زيادة النصارى أقوال أخَّر ذكرها أهل التفسير.
قال البجيرمي (٢): إن كان التشبيه في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ في صوم رمضان كان من الشرائع القديمة؛ لأنه قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليها شهر رمضان إلا أنهم ضلَّوا عنه، وإن كان التشبيه في مطلق الصوم كان صوم رمضان من خصوصيات هذه الأمة، انتهى من "الأوجز".
واختار صاحب "فيض الباري" (٣): أن هذه الآيات لا تعلق لها بصوم رمضان، بل هي متعلقة بصوم أيام البيض وعاشوراء، وبسط الكلام عليه، فارجع إليه لو شئت.
(٢ - باب فضل الصوم)
غرض الترجمة واضح وثابت من الروايات.
قوله: (ولا يجهل) في "تراجم شيخ المشايخ (٤) الدهلوي": الجهل ههنا ضد الحلم كما هو في الأكثر ضد العلم، انتهى. قلت: فهو من قبيل قول الشاعر (٥):
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قوله: (فليقل: إني صائم) في هامش النسخة الهندية عن "التوشيح" (٦): قيل: يقولها بلسانه يخاطب بها من شاتمه، وقيل: بقلبه يزجر بها نفسه،
стр. 1422
وقيل: باللسان في صوم الفرض وبالقلب في النفل، قال ابن العربي: الخلاف في النفل، وأما الفرض فبلسانه قطعًا، انتهى.
قوله: (الصيام لي) ذكر الحافظ (١) في معناه عشرة أوجه، وفي "شرح الإحياء": اختلفوا في معناه على أقوال تزيد على خمسين، ثم ذكرها، انتهى.
(٣ - باب الصوم كفارة)
أطلق المصنِّف في الترجمة، والخبر مقيَّد بفتنة المال وما ذكر معه، ويؤيد الإطلاق ما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر"، ولابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من صام رمضان وعرف حدوده كفر ما قبله"، وقد حمل المصنف الحديث في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة، فقال في الزكاة: "باب الصدقة تكفر الخطيئة"، ثم أورد هذا الحديث بعينه، وأيضًا تقدم في أثناء الصلاة: "باب الصلاة كفارة"، وأورد فيه هذا الحديث بعينه من وجه آخر عن أبي وائل، انتهى ملخصًا من "الفتح" (٢).
(٤ - باب الريان للصائمين)
بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الري: اسم علم على باب من أبواب الجنة، يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الري، وهو مناسب لحال الصائمين، قال القرطبي: اكتفى بذكر الري عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه.
قلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع، قاله الحافظ (٣).
стр. 1423
قلت: وسيأتي الكلام على أبواب الجنة في "باب صفة أبواب الجنة" من "كتاب بدء الخلق"، كما بسط في هامش "اللامع" (١) هناك.
(٥ - باب هل يقال: رمضان أو شهر رمضان؟. . .) إلخ
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): فظاهر كلام المصنف الجواز حيث أورد قوله ﷺ : "من صام رمضان" وقوله: "لا تقدموا رمضان"، وإنما لم يورد حجة على جواز التكلم بشهر رمضان؛ لأن جوازه كان مجمعًا عليه، وأما على الرواية التي فيها شهر رمضان موضع قوله: "إذا دخل رمضان"، فالروايتان الموردتان في الترجمة حجة للتكلم به بدون الإضافة، والموردة بسرد الإسناد، أي: الرواية التي ذكرها بقوله: حدثنا يحيى بن بكير، فإن فيها نسخة على الحاشية بلفظ: "إذا دخل شهر رمضان" حجة لجواز التكلم به مضافًا إليه الشهر، انتهى.
وفي هامشه: أشار البخاري بذلك إلى مسألة شهيرة خلافية، قال الكرماني: اختلفوا فيه، فقال المالكية: لا يقال رمضان على انفراده؛ لأنه اسم من أسماء الله تعالى، وإنما يقال: شهر رمضان، وقال أكثر الشافعية: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر كما يقال: صمت رمضان فلا كراهة، وإلا فيكره، كما يقال: أحب رمضان، ومذهب البخاري أنه لا كراهة في إطلاقه بقرينة وبدونها، انتهى.
قال الحافظ (٣): قوله: "ومن رأى كله واسعًا" أشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديث ضعيف عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان" أخرجه ابن عدي في "الكامل" وضعَّفه بأبي معشر، قال البيهقي: قد روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن
стр. 1424
من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث.
وقد ترجم النسائي لذلك أيضًا فقال: "باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان"، ثم أورد فيه حديثين، وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مع احتمال أن يكون حذف لفظ "الشهر" من الأحاديث من تصرف الرواة، وكان هذا هو السر في عدم جزم المصنف بالحكم إلى آخر ما فيه.
(باب رؤية الهلال)
هذا الباب موجود في النسخ الهندية التي بأيدينا، وعليه علامة النسخة، ولا يوجد هذا الباب في نسخ الشروح من "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني"، ولا في نسخة المصرية التي عليها حاشية العلامة السندي، ولم يتعرض له أحد من الشراح، ومع ذلك سيبوب المصنف فيما سيأتي بـ "باب قول النبي ﷺ : "إذا رأيتم الهلال. . ." إلخ فالظاهر عدمه، وأما على تقدير ثبوته فيمكن عندي أن يقال: إن الغرض من الترجمتين مختلف، فالغرض من الباب الآتي بيان حكم صوم يوم الشك، كما سيأتي هناك.
والغرض ههنا الحث والترغيب على رؤية هلال رمضان، وقد صرَّح الفقهاء في كتبهم باستحبابه بل بوجوبه على الكفاية، وفي "الهداية" (١): وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإن غمَّ عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، انتهى.
وأخرج أبو داود (٢) من حديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان" الحديث، فتأمل، فإنه غاية التوجيه لدفع التكرار، والله تعالى أعلم.
стр. 1425
(٦ - باب من صام إيمانًا واحتسابًا. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال ابن المنيِّر: حذف الجواب إيجازًا واعتمادًا على ما في الحديث، وعطف قوله: "نيته" على قوله: "احتسابًا"؛ لأن الصوم إنما يكون لأجل التقرب إلى الله تعالى، والنيَّة شرط في وقوعه قربة، والمراد بالإيمان الاعتقاد بحق فرضية صومه، وبالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى، وقال الخطابي: احتسابًا، أي: عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه، انتهى.
(٧ - باب أجود ما كان النبي ﷺ . . .) إلخ
قال القسطلاني تحت الحديث (٢): لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصدقة، و"ما" مصدرية، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان، ثم قال: يحتمل أن يكون زيادة الجود بمجرد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أن يكون بمدارسته إياه القرآن، وهو يحث على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له ﷺ خلقًا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حث عليه، ويمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفصاله في هذا الشهر، وفي هذا الحديث تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن ثم معارضة ما نزل منه فيه، وأن ليله أفضل من نهاره، إلى آخر ما قال.
قال الحافظ (٣): قال ابن المنيِّر: وجه التشبيه بين أجوديته ﷺ بالخير وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي: فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، انتهى.
стр. 1426
وكتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١) في "باب بدء الوحي": قوله: "من الريح المرسلة" والفضيلة عليها في أنها لا تبقي ولا تذر شيئًا أتت عليه، فكذلك كان النبي ﷺ لا يبقي شيئًا مما هو في ملكه، انتهى.
قوله: (يعرض عليه النبي ﷺ القرآن. . .) إلخ، وتقدم في "باب بدء الوحي" من أول الكتاب بلفظ: "فيدارسه القران"، وسيأتي في "باب ذكر الملائكة" من "كتاب بدء الخلق" بلفظ: "أن جبرئيل كان يعارضه القرآن" وفي هامش الهندية (٢): المعارضة المقابلة كما في "المجمع".
وفي "المشكاة": "كان يعرض على النبي ﷺ "، قال الطيبي نقلًا عن المظهر: يعني يأتيه جبريل ﵇ ويقرأ النبي ﷺ القرآن من أوله إلى آخره لتجويد اللفظ، وليكون سُنَّة في حق الأمة، أقول: لا تساعد هذا التأويل تعدية [يعرض] بعلى؛ لأن المعروض عليه هو رسول الله ﷺ ، اللَّهم إلا أن يحمل على باب القلب، كنحو قولهم: عرضت الناقة على الحوض، انتهى كلام الطيبي.
قال الشيخ في "اللمعات": وقد ورد أنهما كانا يقرآن بطريق المدارسة، فيصح العرض من الجانبين، فلا حاجة إلى القول بالقلب كما قال الطيبي، انتهى من الهامش.
قلت: وسيأتي تبويب المصنف في "فضائل القرآن" بـ "باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ "، فثبت بهذا كله أن العرض كان من الجانبين.
وفي "شرح الإقناع" (٣): وحقيقة المدارسة أن يقرأ الثاني ما قرأه الأول، وأما القراءة المشهورة الآن فهي إدارة لا مدارسة، ثم أشكل عليه
стр. 1427
بقوله: كيف هذا مع أن الملائكة لم يعطوا فضيلة حفظ القرآن حتى جبريل النازل به، فكيف كان يدارسه؟ وأجيب بجوابين، أحدهما: أن النبي ﷺ كان يقرأ أولًا فيعيد جبريل ما سمعه من النبي ﷺ ، والثاني: كان ينظر في اللوح المحفوظ حين يقرأ على النبي ﷺ ، قال بعضهم: وهذا أولى، لأن القصد من قراءته عليه ما استقر عليه الأمر، وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو المثبت في المصحف العثماني، وحكمة العرض لأجل أن يبين له الناسخ والمنسوخ، انتهى.
(٨ - باب من لم يدع قول الزور والعمل به)
قال الزين بن المنيِّر (١): حذف الجواب؛ لأنه لو نصَّ على ما في الخبر لطالت الترجمة، أو لو عبَّر عنه بحكم معين لوقع في عهدته فكان الإيجاز ما صنع.
ثم قال الحافظ: قال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمَّارة بالنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول، فقوله: "ليس لله حاجة" مجاز عن عدم القبول، فنفى السبب وأراد المسبب، انتهى.
(٩ - باب هل يقول: إني صائم إذا شُتم)
كتب الشيخ في "اللامع" (٢): أراد بذلك دفع ما يتوهم من كراهة إظهار العبادة، والمأمور به إخفاؤها، وحاصل الدفع أن الطاعة لا ضير في إِظهارها إذا تضمن فائدة، ما لم يكن من قصده الرياء والسمعة، وتضمن الفائدة فيما نحن فيه ظاهر، فإن المتجاهل المذكور لعله ينتهي عما ركب عليه من الجهل والسب والشتم، أو يعتبر بحاله فيفعل ما فعله صاحبه ويأخذ في الصوم، انتهى.
стр. 1428
وفي هامشه (١): بقي ههنا شيء، وهو أن الوارد في الحديث لفظ: "فليقل إني صائم" بصيغة الأمر نصًّا، وترجم عليه البخاري بلفظ: "هل يقول"، ووجه ذلك ما قال الحافظ: إنه اختلف في المراد بقوله ﵇: "فليقل: إني صائم" هل يخاطب بها الذي يكلمه بذلك، أو يقولها في نفسه، وبالثاني جزم المتولي ونقله الرافعي عن الأئمة، ورجح النووي الأول في "الأذكار"، وقال في "شرح المهذب": كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعهما لكان حسنًا، ولهذا التردد أتى البخاري في الترجمة بالاستفهام، انتهى.
ثم ذكر بعد ذلك من الأقوال في معنى الحديث كما تقدم في "باب فضل الصوم".
(١٠ - باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة)
اختلفت نسخ البخاري في هذه اللفظة، ففي نسخة الحافظ (٢): "العزبة"، فقال: بضم المهملة وسكون الزاي بعدها موحدة، وفي نسخة: "العزوبة" بزيادة واو، والمراد بالخوف منها ما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت، انتهى.
وفي نسخة العيني (٣): "العزوبة"، فقال: بضم العين والزاي، قال ابن الأثير: العزب البعيد من النكاح، ومعنى: "خاف على نفسه. . ." إلخ، يعني خاف من بعد النكاح أن يقع في العنت وهو الزنا، ومادة هذه اللفظة في الأصل تدل على البعد يقال: عزب عني فلان، أي: بعُد، ويقال: تعزّب فلان زمانًا ثم تأهل، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤): دفع لما يتوهم أن الصوم لا بدّ وأن يكون خاليًا عن منفعة أخرى دينية أو دنيوية، فإن المقصود إِرضاؤه تعالى،
стр. 1429
ولا يكون مخلصًا فيه إذا ترقب فيه حظًّا آخر، فحاصل الدفع أن الغرض المترتب عليه إذا كان دينيًّا فلا يضر قصده إياه لما أن العصمة من الزنا وغيرها مما يترتب على الصوم لما كان المقصود منها بأسرها إرضاؤه لم يكن ذلك القصد المتعلق بالصوم منافيًا لغرض الصوم الأصلي، انتهى.
قوله: (فعليه بالصوم. . .) إلخ، قال الحافظ (١): ومقتضاه أن الصوم قامع لشهوة النكاح، واستشكل بأن الصوم يزيد في تهييج الحرارة، وذلك مما يثير الشهوة، لكن ذلك إنما يقع في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، والله أعلم، انتهى من "الفتح".
قلت: وقد وقع مثل هذا الإشكال والجواب بعينه لبعض شيوخنا، ويستأنس هذا الجواب بلفظ "عليه" الواقع في الحديث، فإنه يدل على المواظبة واللزوم بخلاف ما لو قيل: فليصم.
(١١ - باب قول النبي ﷺ : إذا رأيتم الهلال فصوموا. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة لفظ مسلم من حديث أبي هريرة، وقد سبق للمصنف في أول الصيام في حديث ابن عمر بلفظ: "إذا رأيتموه"، وذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتَّبها ترتيبًا حسنًا، إلى آخر ما قال، انتهى.
وقد تقدم الفرق بين هذه الترجمة وبين ما سبق من "باب رؤية الهلال" هناك، والمقصود ههنا - كما تقدم - مسألة صوم يوم الشك، وهي خلافية شهيرة.
ففي هامش "اللامع" (٣): المراد بصوم يوم الشك هو صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلته، سواء كانت السماء مصحيّة أو مغيمة
стр. 1430
عند الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة، وللحنابلة في ذلك ثلاث روايات، والمشهور عندهم أن ذلك مقيد بحالة الصحو، قال الموفق: النهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، وفي "الروض المربع": يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم؛ لأنه يوم الشك المنهي عنه، وإن حال دونه، أي: دون هلال رمضان بأن كان في المطلع ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، أي: غبرة وكذا دخان فظاهر المذهب يجب صومه حكمًا ظنيًا احتياطًا بنية رمضان، قال في "الإنصاف": هو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه التصانيف وردوا حجج المخالف، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، انتهى مختصرًا من "الأوجز" (١) وهامش "اللامع".
قوله: (فإن غُمَّ عليكم فاقدروا) وفيه ثلاث تأويلات:
أحدها: ما قال الأئمة الثلاثة والجمهور: معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، ويرجح هذا التأويل الروايات الأخرى المصرحة بهذا المعنى، وأولى ما فسر الحديث بالحديث.
وثانيها: ما قالت طائفة: معناه: ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، وبه قال أحمد وغيره ممن يجوز صوم ليلة الغيم عن رمضان.
وثالثها: معناه: قدروه بحسب المنازل، ونقل ابن العربي عن ابن سريج: أن هذا خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم، وأن قوله: "فأكملوا العدة" خطاب للعامة، إلى آخر ما بسطه الشيخ في "البذل" (٢).
(١٢ - باب شهرا عيد لا ينقصان)
قال الحافظ (٣): هكذا ترجم ببعض لفظ الحديث، وهذا القدر لفظ
стр. 1431
طريق لحديث الباب عند الترمذي، وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فمنهم من حمله على ظاهره فقال: لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين، وهذا قول مردود معاند للموجود والمشاهد، ويكفي في رده قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، الحديث، فإنه لو كان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا، ومنهم من تأول له معنى لائقًا.
ثم ذكر الحافظ القولين المذكورين في ترجمة الباب عن أحمد وإسحاق، ثم قال: وهذان القولان مشهوران عن السلف، وقد ثبتا منقولين في أكثر الروايات في البخاري، وذكر القرطبي أن فيه خمسة أقوال، منها: أن معناه لا ينقصان في عام بعينه، وهو العام الذي قال فيه ﷺ تلك المقالة، وقيل: المعنى لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي وقبله الطحاوي فقال: معناه أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين، وقيل: لا ينقصان في نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، ولا يخفى بعده، وقيل: لا ينقصان معًا في سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك، وهذا أعدل مما تقدم؛ لأنه ربما وجد وقوعهما ووقوع كل منهما تسعة وعشرين، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
(١٣ - باب قول النبي ﷺ : لا نكتب ولا نحسب)
قال الحافظ (١): بالنون فيهما، والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه ﷺ .
ثم قال الحافظ: ولا يرد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب ويحسب؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلَّق الحكم
стр. 1432
بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، ويوضحه قوله: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير، وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، قال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين، وأيضًا لا يعرفها إلا القليل، انتهى مختصرًا.
قلت: وما قال الحافظ: نقل عن بعض الفقهاء. . . إلخ لعله أشار به إلى مذهب أبي العباس بن سريج من الشافعية كما تقدم في "باب إذا رأيتم الهلال فصوموا" تحت قوله ﷺ : "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" من المعاني الثلاثة، فلعل المصنف أراد بهذه الترجمة الرد على المعنى الثالث من تلك المعاني الذي اختاره ابن سريج، وأراد بالباب الآتي الرد على المعنى الثاني الذي اختاره الإمام أحمد، والله أعلم.
(١٤ - باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. . .) إلخ
قال الحافظ (١): بضم أوله وفتح ثانيه ويجوز فتحهما أي: المكلف، أي: لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له، فإن صومه مرتبط بالرؤية، فلا حاجة إلى التكلف، واكتفى في الترجمة عن ذلك بتصريح الخبر به، انتهى.
وتقدم في الباب السابق بيان الغرض من هذا الباب.
стр. 1433
(١٥ - باب قول الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾. . .) إلخ
والمراد بهذه الترجمة بيان ما كان الحال عليه قبل نزول هذه الآية، ولما كانت هذه الآية منزلة على أسباب تتعلق بالصيام عجل بها المصنف، وقد تعرض لها في "التفسير" أيضًا كما سيأتي، ويؤخذ من حاصل ما استقر عليه الحال من سبب نزولها ابتداء مشروعية السحور، وهو المقصود في هذا المكان؛ لأنه جعل هذه الترجمة مقدمة لأبواب السحور، انتهى من "الفتح" (١).
(١٦ - باب قول الله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية)
قال الحافظ (٢): وهذه الترجمة سيقت لبيان انتهاء الأكل وغيره الذي أبيح بعد أن كان ممنوعًا، انتهى.
فالغرض من الترجمة بيان منتهى السحور بذكر تفسير الآية، وذلك لأنه لما ذكر الآية السابقة المجملة في الباب السابق لتعلقها بأحكام الصيام ناسب ذكر تفسير الآية لكونها مجملة.
(١٧ - باب قول النبي ﷺ : لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال)
قال العيني (٣): ومطابقة حديث الباب للترجمة من حيث إن معناه ومعنى الترجمة واحد، وإن اختلف اللفظ، قال ابن بطال: ولم يصح عند البخاري عن النبي ﷺ لفظ الترجمة، فاستخرج معناه من حديث عائشة، وقال صاحب "التلويح": فيه نظر من حيث إن البخاري صح عنده لفظ الترجمة، وذلك أنه ذكر في "باب الأذان قبل الفجر" حديث ابن مسعود عن
стр. 1434
النبي ﷺ أنه قال: "لا يمنعن أحدكم - أو أحدًا منكم - أذان بلال من سحوره"، فلو خرَّجه أبو عبد الله في هذا الباب لكان أمثل.
(١٨ - باب تعجيل السحور)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): وفي بعض النسخ "باب تأخير السحور"، والحجة على الأولى تعجيل سهل في سحوره حيث تسحر قبله ﷺ فلم ينهه عن ذلك، ولما جاز التعجيل ساعة جاز ساعات لعدم المفرق وحصول المقصود وهو التقوي على العبادات في النهار حتى لا يضعفه الصوم، وأما على النسخة الثانية فالحجة تسحره ﷺ حيث كان تراخيا، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه من كلام الشرَّاح.
قلت: وحاصل ما أفاده الشيخ: أن الترجمة إن كان تعجيل السحور فالغرض بيان جوازه، وهو ثابت بفعل الصحابي، وإن كان الترجمة التأخير فالمقصود بيان استحبابه، وهو ثابت بفعله ﷺ ، وسلك صاحب "الفيض" (٢) ههنا مسلكًا آخر إذ قال: معنى التعجيل ههنا السرعة فيه، أي: يفرغ عن سحوره بالعجلة، ولا يطوِّل فيه، وليس مقابلًا للتأخير، فلا يرد أن التأخير مستحب، فإن التعجيل ههنا باعتبار سرعة الأكل، والتأخير هناك بحسب وقت السحور، انتهى.
(١٩ - باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر)
أي: انتهاء السحور وابتداء الصلاة؛ لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل، والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها، قاله الزين ابن المنيِّر، وقال المهلب وغيره: في الحديث تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك
стр. 1435
الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة، ولوكانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلًا: قدر درجة أو ثلاث خمس ساعة، وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود، إلى آخر ما في "الفتح" (١).
قلت: والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة الأولى جواز تعجيل السحور لتقريره ﵊، وفي هذا استحباب تأخيره وبيان منتهى التأخير، والله أعلم.
(٢٠ - باب بركة السحور من غير إيجاب. . .) إلخ
قال الزين بن المنيِّر: الاستدلال على الحكم إنما يفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعًا، لكن لما جاء الأمر به احتاج أن يبين أنه ليس على ظاهره من الإيجاب.
قال الحافظ (٢): وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور، وقال ابن بطال: في هذه الترجمة غفلة من البخاري؛ لأنه قد أخرج بعد هذا حديث أبي سعيد: "أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر"، فجعل غاية الوصال السحر، وهو وقت السحور، قال: والمفسر يقضي على المجمل.
قال الحافظ: وقد تلقاه جماعة بعده بالتسليم، وتعقبه ابن المنيِّر في الحاشية بأن البخاري لم يترجم على عدم مشروعية السحور، وإنما ترجم على عدم إيجابه، وأخذ من الوصال أن السحور ليس بواجب، وحيث نهاهم النبي ﷺ عن الوصال لم يكن على سبيل تحريم الوصال، وإنما هو نهي إرشاد لتعليله إياه بالإشفاق عليهم، وليس في ذلك إيجاب السحور، ولما ثبت أن النهي عن الوصال للكراهة، فضد نهي الكراهة الاستحباب، فثبت استحباب السحور، كذا قال.
стр. 1436
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاري أراد بقوله: "لأن النبي ﷺ . . ." إلخ الإشارة إلى حديث أبي هريرة الآتي بعد خمسة وعشرين بابًا، فيه بعد النهي عن الوصال: "أنه واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم"، فدل ذلك على أن السحور ليس بحتم إذ لو كان حتمًا ما واصل بهم؛ فإن الوصال يستلزم ترك السحور، انتهى.
قلت: لكن الوصال المذكور في حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الحافظ إنما كان منه ﷺ للزجر والتنكيل كما هو مصرح في الروايات، فتأمل.
(٢١ - باب إذا نوى بالنهار صومًا. . .) إلخ
لم يذكر المصنف الجواب، وذلك لمكان الاختلاف فيه، فعند مالك: لا يجوز مطلقًا لا فرضًا ولا نفلًا، وعند الشافعي وأحمد: يجوز النفل دون الواجب، وعندنا الحنفية: يجوز النفل، وكذا أداء رمضان والنذر المعين، ولا يجوز الواجب الغير المعين كقضاء رمضان والنذر المطلق، كما بسط في "الأوجز" (١)، وظاهر ميل المصنف إلى الجواز مطلقًا؛ لأنه لم يذكر الجواب في الترجمة، وما أورده في الباب من الآثار وغيرها كلها تدل على الجواز مطلقًا، ولا قرينة تدل على التفريق بين النفل والواجب.
(٢٢ - باب الصائم يصبح جنبًا)
قال الحافظ (٢): أي: هل يصح صومه أم لا؟ وهل يفرق بين العامد والناسي، أو بين الفرض والتطوع؟ وفي كل ذلك خلاف للسلف، والجمهور على الجواز مطلقًا، فصارت المسألة كالإجماعية بعد ما كانت كثيرة الاختلاف، وذكر العلامة العيني (٣) فيها سبعة أقوال كما ذكر في هامش "اللامع" (٤).
стр. 1437
(٢٣ - باب المباشرة للصائم)
أي: بيان حكمها، وأصل المباشرة التقاء البشرتين، ويستعمل في الجماع أولج أو لم يولج، وليس الجماع مرادًا بهذه الترجمة، وقوله: "يحرم عليه فرجها" وأخرج عبد الرزاق عن مسروق قال: سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع، قوله: "كان يقبّل ويباشر. . ." إلخ، التقبيل أخص من المباشرة، فهو من ذكر العام بعد الخاص.
(٢٤ - باب القبلة للصائم)
أي: بيان حكمها، واختلفت الروايات في مسألة القبلة للصائم، ولذا اختلف العلماء في ذلك سلفًا وخلفًا كما بسط في "الأوجز" (١)، وفيه: قال عياض: منهم من أباحها على الإطلاق، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وداود، ومنهم من كرهها على الإطلاق، وهو قول مالك، ومنهم من كرهها للشاب وأباحها للشيخ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وروي عن مالك، ومنهم من أباحها في النفل ومنعها في الفرض، وهو رواية ابن وهب عن مالك، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع" (٢).
قلت: هذا فيما إذا قبّل وسلِم، وأما إذا أنزل فيفطر عند الأئمة الأربعة، وإن أمذى يفطر عند مالك وأحمد، ولا يفطر عندنا والشافعي، كذا في "الأوجز" (٣).
(٢٥ - باب اغتسال الصائم)
كتب الشيخ في "اللامع" (٤): أي: أنه لا يضر بصومه، ودلالة الرواية عليه ظاهرة، ولما لم ينتقض الصوم بغسل الجنابة لم ينتقض بغسله سوى
стр. 1438
ذلك، ثم إن الآثار التي ذكرها ههنا تدل على الترجمة بنوع من القياس ودلالة النص، فإن إلقاء الثوب المبلول على الجسم، ودخول الحمام، وتطعم القدر والشيء، والمضمضة، والتبرد، والتدهن، وتقحم الإناء المملوء ماء، والاستياك، والكحل لما جاز للصائم وهي مظنة لنفوذ الشي إلى الباطن، فأولى أن يجوز له الغسل، فإن أمرّ الماء أخف لا سيما إذا كان لا يستقر على البدن، كما هو ظاهر في الغسل، ثم الظاهر أن الحمام المذكور في أثر الشعبي أريد به البارد، وقوله: "فليصبح دهينًا وجهه" أنه لو كان متقشفًا متقحلًا ظهر عليه صومه، والأولى فيه الإخفاء، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه (١)، وفيه: قال الحافظ تحت الباب: أي: بيان جوازه، قال الزين بن المنيِّر: أطلق الاغتسال ليشمل الأغسال المسنونة والواجبة والمباحة، وكأنه يشير إلى ضعف ما روي عن علي من النهي عن دخول الصائم الحمام، أخرجه عبد الرزاق، وفي إسناده ضعف، واعتمده الحنفية فكرهوا الاغتسال للصائم، انتهى.
وتعقبه العيني إذ قال: هذا غير صحيح على إطلاقه؛ لأنه رواية عن أبي حنيفة غير معتمد، والمذهب المختار أنه لا يكره، ذكره الحسن عن أبي حنيفة، إلى آخر ما بسط في هامش "اللامع".
(٢٦ - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا)
قال الحافظ (٢): أي: هل يجب عليه القضاء أو لا؟ وهي مسألة خلافٍ مشهورة، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعن مالك: يبطل صومه وعليه القضاء، قال عياض: هذا هو المشهور عنه، وهو قول شيخه ربيع (٣) وجميع أصحاب مالك، لكن فرقوا بين الفرض والنفل، وقال الداودي: لعل مالكًا لم يبلغه الحديث، أو أوّله على رفع الإثم.
стр. 1439
قوله: (وقال عطاء. . .) إلخ، مناسبة هذين الأثرين للترجمة من جهة أن المغلوب بدخول الماء حلقه أو الذباب لا اختيار له في ذلك كالناسي، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (١): قوله: "لم يملك رده"، وهذا مبني على أنه لم يفرق بين الخطأ والنسيان، والفرق بينهما ثابت، ولو أريد بقول الحسن: لا شيء عليه، نفي القضاء والكفارة وافق المذهب، وقول مجاهد: لا شيء عليه كذلك فينفي القضاء والكفارة كما هو المذهب، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه، وفيه: وأما حكم المسألة فقد قال الموفق (٢): لا يفطر بالمضمضة بغير خلاف، وإن تمضمض أو استنشق فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شيء عليه، وبه قال الأوزاعي والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك وأبو حنيفة: يفطر، إلى آخر ما بسط في الدلائل.
قوله: (إن دخل حلقه الذباب. . .) إلخ، قال العيني والقسطلاني (٣): به قالت الأئمة الأربعة، وقال الحافظ (٤): نقل ابن المنذر الاتفاق عليه، لكن نقل غيره عن أشهب أنه قال: أحب إلي أن يقضي، حكاه ابن التين، انتهى.
قوله: (إن جامع ناسيًا) والاختلاف في هذه المسألة شهير، بسط في "الأوجز" (٥)، قال ابن رشد (٦): إذا جامع ناسيًا لصومه، فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه ولا كفارة، وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة، وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة، انتهى.
стр. 1440
(٢٧ - باب السواك الرطب واليابس للصائم)
وفي "الفيض" (١): اختار المصنف مذهب الحنفية، ولم يفرق بين ما قبل الزوال وما بعده، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): وحاصل استدلاله بالآثار والروايات أنها مطلقة فلا تتقيد بغير الصائم، انتهى.
وفي هامشه (٣): قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره للصائم الاستياك بسواك الرطب كالمالكية والشعبي، وقد تقدم قبل بباب قياس ابن سيرين السواك الرطب على الماء الذي يتمضمض به، ومنه تظهر النكتة في إيراد حديث عثمان في صفة الوضوء في هذا الباب، فإن فيه أنه تمضمض واستنشق، وقال: "ومن توضأ وضوئي هذا"، ولم يفرق بين صائم ومفطر، انتهى.
قلت: وقياس ابن سيرين الذي أشار إليه الحافظ هو ما تقدم في "باب اغتسال الصائم" قال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب، قيل: له طعم؟ قال: والماء له طعم وأنت تمضمض به، انتهى.
واختلف العلماء في مسألة السواك للصائم على ستة أقوال، ذكر في "هامش اللامع"، وحاصل مذاهب الأئمة الأربعة: أنه لا بأس به مطلقًا قبل الزوال وبعده سواء كان رطبًا أو يابسًا، وهو مذهب الحنفية.
قال القسطلاني (٤): قال النووي في "شرح المهذب": إنه المختار انتهى.
وعند الشافعي: مكروه بعد الزوال مطلقًا، ومستحب قبل الزوال مطلقًا رطبًا كان أو يابسًا، وعند مالك: يكره الرطب دون غيره مطلقًا قبل الزوال وبعده، ومذهب الحنابلة جواز اليابس فقط قبل الزوال، ويكره بعد الزوال مطلقًا.
стр. 1441
(٢٨ - باب قول النبي ﷺ : إذا توضأ فليستنشق بمنخره. . .) إلخ
بفتح الميم وكسر الخاء، وقد تكسر الميم اتباعًا للخاء، كذا في "القسطلاني" (١)، وهذا الحديث بهذا اللفظ من الأصول التي لم يصلها البخاري، وقد أخرجه مسلم عن أبي هريرة، ورويناه في "مصنف عبد الرزاق".
وقول المصنف: "ولم يميز الصائم من غيره" قاله تفقهًا، وهو كذلك في أصل الاستنشاق، لكن ورد تمييز الصائم من غيره في المبالغة في ذلك، كما رواه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره عن لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ قال له: "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا"، وكأن المصنف أشار بإيراد أثر الحسن عقبه إلى هذا التفصيل، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (وقال الحسن. . .) إلخ، أي: البصري مما وصله ابن أبي شيبة بنحوه، و"السعوط" بفتح السين وقد تضم ما يصبّ من الدواء في الأنف.
قال القسطلاني (٣): وقال الحافظ (٤): قال الكوفيون: يجب القضاء على من استعط، وقال مالك والشافعي: لا يجب إلا إن وصل الماء إلى حلقه، انتهى.
قلت: وبه قال أحمد كما يظهر من كلام الموفق، وفي "الدر المختار": احتقن أو استعط في أنفه شيئًا قضى فقط، قال ابن عابدين: وعدم وجوب الكفارة في ذلك هو الأصح بل يجب القضاء فقط، انتهى من هامش "اللامع" (٥).
وكتب الشيخ في "اللامع" (٦): وكذلك لا يسلم قول الحسن: "لا بأس
стр. 1442
بالسعوط"، وذلك لأنه وإن كان صحيحًا في نفسه إلا أنه لما تعذر التمييز بين وصوله إلى الحلق وعدمه أقيم إدخال السعوط في المنخرين مقام الوصول إلى الجوف، لكونه سببًا له ومفضيًا إليه، لا سيما ولا يتقرر مثل ذلك في الدماغ بل يتقطر إلى الجوف، انتهى مختصرًا.
قوله: (فإن ازدرد ريق العلك. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (١): لعل المراد بريقه ما نشأ منه بعد إدخاله في الفم وليس فيه شيء من أجزاء العلك، ولا يفسد به الصوم، فأما إن قصد به ما اختلطت به أجزاء العلك فغير مسلَّم أن الصوم لا يفسد، وذلك لما نقلنا قبل من "الهداية" من قوله ﵊: "الفطر مما دخل" رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، ولا شك أنه داخل، وليس مما هو معفو كالريق والمخاط، فيفسد به الصوم، انتهى.
وفي هامشه: هو كذلك، فقد حكى الحافظ عن ابن المنذر: رخص في مضغ العلك أكثر العلماء إن كان لا يتحلب منه شيء، فإن تحلب منه شيء فازدرده فالجمهور على أنه يفطر، إلى آخر ما بسطه.
ثم لا يذهب عليك أن المصنف لم يذكر في هذا الباب حديثًا مسندًا، ولم يتعرض له الشرَّاح ههنا، وذكره شيخ الهند في الجدول الثالث في بيان التراجم الغير المجردة، أي: التي ليس فيها حديث مسند، لكن ذكر في الترجمة آية أو حديثًا أو أثرًا، كما أشير إليه في أصل السابع والعشرين من أصول التراجم المذكورة في المقدمة، وفيه أن المصنف مرة يذكر تحت الترجمة آية أو حديثًا - غير مسند - أو قولًا من الصحابة والتابعين دالًا على الترجمة، فالترجمة مثبتة بذلك، واكتفى المصنف بذلك، إما لأن حديثًا على شرطه ليس عنده أو لقصد التمرين، إلى آخر ما تقدم، وأيضًا تقدم الكلام عليه في الفائدة الثانية، وكذا في الفائدة الرابعة من الفصل الثالث من كلام
стр. 1443
الشرَّاح وغيره في مقدمة "اللامع" (١)، ففي الفائدة الثالثة عن الشيخ محيي الدين: ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فلان عن النبي ﷺ أو نحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسناد، وقد يورده معلقًا، وإنما يفعل ذلك لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم بها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا، ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه حديث واحد، وفي بعضها ما فيه آية من كتاب الله، وبعضها لا شيء فيه ألبتة، وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، ومن ثم وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه، إلى آخر ما بسط فيه من كلام الحافظ.
(٢٩ - باب إذا جامع في رمضان. . .) إلخ
أي: عامدًا عالمًا وجبت عليه الكفارة، وفي "الأوجز" (٢): قال الزرقاني: وفيه إيجاب القضاء مع الكفارة، وهو قول الأئمة الأربعة والجمهور، وأسقط القضاء بعضهم؛ لأنه لم يرد في خبر أبي هريرة ولا خبر عائشة ولا في نقل الحفاظ لهما ذكر القضاء.
وأجيب بأنه جاء من طرق يعرف بمجموعها أن لهذه الزيادة أصلًا يصلح للاحتجاج، وعن الأوزاعي: إن كفَّر بعتق أو إطعام قضى اليوم، وإن صام شهرين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم، انتهى.
وقال ابن رشد (٣): شذ قوم فلم يوجبوا على المفطر عمدًا بالجماع إلا القضاء فقط، انتهى.
стр. 1444
قلت: وهم الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير، كذا في "المغني" (١).
قوله: (ويذكر عن أبي هريرة. . .) إلخ، وصله أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حزيمة، قال الترمذي: سألت محمدًا، يعني البخاري عن هذا الحديث، فقال: أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس لا أعرف له غير هذا الحديث، وقال البخاري: في "التاريخ" أيضًا: تفرد أبو المطوس بهذا الحديث، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا؟
قال ابن بطال: أشار بهذا الحديث إلى إيجاب الكفارة على من أفطر بأكل أو شرب قياسًا على الجماع، والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا، وقرر ذلك الزين بن المنيِّر بأنه ترجم بالجماع؛ لأنه الذي ورد فيه الحديث المسند، وإنما ذكر آثار الإفطار ليفهم أن الإفطار بالأكل والجماع بمعنى واحد.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن البخاري أشار بهذه الآثار إلى أن إيجاب القضاء مختلف فيه بين السلف، وأن الفطر بالجماع لا بدّ فيه من الكفارة، وأشار بحديث أبي هريرة إلى أنه لا يصح لكونه لم يجزم به عنه، وعلى تقدير صحته فظاهره يقوي قول من ذهب إلى عدم القضاء في الفطر بالأكل، بل يبقى ذلك في ذمته زيادة في عقوبته؛ لأن مشروعية القضاء تقتضي رفع الإثم، لكن لا يلزم من عدم القضاء عدم الكفارة فيما ورد فيه الأمر بها وهو الجماع، والفرق بين الانتهاك بالجماع والأكل ظاهر، فلا يصح القياس المذكور، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (وبه قال ابن مسعود. . .) إلخ، وصله البيهقي من طريق المغيرة بن عبد الله اليشكري قال: حدثت أن عبد الله بن مسعود قال: "من أفطر يومًا من رمضان من غير علة لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه" كذا في "القسطلاني" (٣).
стр. 1445
(٣٠ - باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قوله: "فليكفِّر" أي: به لأنه صار واجدًا، وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن الذمة، انتهى.
قلت: وهو قول الحنفية ومالك، والمشهور من قولي أحمد أنه يسقط، وهما قولان للشافعي.
(٣١ - باب المجامع في رمضان هل يطعم. . .) إلخ
يعني: أم لا؟ ولا منافاة بين هذه الترجمة والتي قبلها؛ لأن التي قبلها آذنت بأن الإعسار بالكفارة لا يسقطها عن الذمة لقوله فيها: "إذا جامع ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر"، والثانية ترددت هل المأذون له بالتصرف فيه نفس الكفارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزل لفظ الترجمة، انتهى من "الفتح" (٢).
واختلف العلماء في المسألة التي ترجم المصنف لها، أعني صرف الكفارة إلى عياله الفقراء، وفي "شرح الإقناع" (٣): ولا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله، وأما قوله ﷺ في الخبر: "أطعمه أهلك" ففي "الأم" كما قال الرافعي: يحتمل أنه لما أخبره بفقره صرفه له صدقة، وفي ذلك أجوبة أخر ذكرتها في "شرح المنهاج" وغيره، انتهى.
وكتب الشيخ في "الكوكب" (٤): قوله: "فأطعمه أهلك"، تفرقت الأقوال في تأويله، فقال بعضهم: عفا النبي ﷺ عنه فكان من خصوصياته، وقال بعض أئمتنا: إنما أمره أن يؤتيه أهله وتسقط النفقة عنه، فكان الرجل يؤتي أهله كل يوم صاعًا منه، واستدل هؤلاء بجواز إيتاء الكفارة أهله كما قالوا في الزكاة.
وقال الإمام الهمام: إن معناه أنك لما لم تجد ما يفضل عن نفقة
стр. 1446
أهلك وليس عليك أداء كفارتك على الفور فكان كفارتك على ذمتك تؤديها متى قدرت عليها، واصرف هذه في نفقة أهلك، انتهى.
وذكر اختلاف الأئمة وبقية توجيهات الحديث في هامشه.
وفي هامشي على "البذل" (١) عن "الأوجز": حمله الأئمة الثلاثة على تأخير الكفارة أو الخصوصية، وعن أحمد: أن الكفارة تسقط عن المعسر لهذا الحديث، انتهى. وبسط الكلام على معنى الحديث وفقهه في "البذل" (٢).
وقال الحافظ (٣): قد اعتنى به - أي: بحديث الباب - بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، انتهى.
ثم المصنف ترجم بلفظ: "هل" إشارة إلى الاختلاف في أن إطعامه أهله هل كان لكفارة أو بطريق تقديم الحاجة على الكفارة الواجبة في الذمة إذ لا يجب على الفور، أو لإسقاط الكفارة رأسًا كما قال بعضهم؟
(٣٢ - باب الحجامة والقيء للصائم)
قال الحافظ (٤): أي: هل يفسدان هما أو أحدهما الصوم أو لا؟
قال ابن المنيِّر: جمع بين القيء والحجامة مع تغايرهما، وعادته تفريق التراجم إذا نظمها خبر واحد فضلًا عن خبرين، وإنما صنع ذلك لاتحاد مأخذهما لأنهما إخراج، والإخراج لا يقتضي الإفطار، وقد أومأ ابن عباس إلى ذلك كما سيأتي، ولم يذكر المصنف حكم ذلك، ولكن إيراده بالآثار المذكورة يشعر بأنه يرى عدم الإفطار بهما، ولذلك عقَّب حديث: "أفطر
стр. 1447
الحاجم والمحجوم" بحديث "إنه ﷺ احتجم وهو صائم"، وقد اختلف السلف في المسألتين، أما القيء فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر وبين من تعمده فيفطر، إلى آخر ما ذكر من الاختلاف.
وجملة الخلاف فيه أن الحجامة مفطر للحاجم والمحجوم عند أحمد بخلاف الجمهور والأئمة الثلاثة، وأما القيء بغير عمد فلا يفطر عند الأربعة والجمهور حتى حكي عليه الإجماع، لكن فيه خلاف لبعض السلف كالأوزاعي وأبي ثور، وأما الاستقاء فمفطر عند الأربعة مطلقًا، وقال أبو يوسف: بشرط ملأ الفم، وهو رواية عن أحمد، انتهى ملخصًا من "الأوجز" (١).
(٣٣ - باب الصوم في السفر والإفطار. . .) إلخ
أي: إباحة ذلك وتخيير المكلف فيه سواء كان رمضان أو غيره، انتهى من "الفتح" (٢).
وفي "الأوجز" (٣): اختلفت روايات الحديث في هذا الباب، ولذا اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال، ثم ذكر فيه سبعة أقوال بالتفصيل.
وقال الحافظ (٤): قالت طائفة من أهل الظاهر: لا يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، وذهب أكثر العلماء ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق عليه، وقال كثير منهم: الفطر أفضل عملًا بالرخصة، وهو قول أحمد والأوزاعي وإسحاق، وقال آخرون: هو مخيَّر مطلقًا، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما، وهو قول عمر بن عبد العزيز، انتهى مختصرًا.
стр. 1448
(٣٤ - باب إذا صام أيامًا من رمضان. . .) إلخ
أي: هل يباح له الفطر أو لا؟ وكأنه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي، وإلى ردّ ما روي عن غيره في ذلك، قال ابن المنذر: روي عن علي بإسناد ضعيف، وقال به أبو مجلز وغيره: إن من استهل عليه رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قال: وقال أكثر أهل العلم: لا فرق بينه وبين من استهل رمضان في السفر، ثم ساق ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ الآية، نسخها قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ثم احتج للجمهور بحديث ابن عباس المذكور في هذا الباب، انتهى من "الفتح" (١).
قلت: وههنا مسألتان أخريان أشار إليهما الحافظ:
أحدهما: ما قال الحافظ: استدل بالحديث على أنه لو نوى الصيام من الليل وأصبح صائمًا فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول الجمهور، وفي وجه للشافعية ليس له أن يفطر.
وثانيهما: هو ما أشار إليه بقوله: وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، وأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني محتجًا بهذا الحديث ظنًا منه أنه ﷺ أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك، فإن بين المدينة والكديد عدة أيام، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: وتوضيحه ما قال النووي في "شرح مسلم" (٣) تحت حديث الباب: وفي الحديث الآخر: "فصام حتى بلغ كراع الغميم"، وقد غلط
стр. 1449
بعض العلماء في فهم هذا الحديث وتوهم أن الكديد وكراع الغميم قريب من المدينة، وأن قوله: "فصام حتى بلغ الكديد وكراع الغميم" كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائمًا، فلما بلغ كراع الغميم في يومه أفطر من نهاره، وهذا من العجائب الغريبة؛ لأن الكدير وكراع الغميم على سبع مراحل أو أكثر من المدينة، والله أعلم، انتهى.
(٣٥ - باب)
بغير ترجمة، قال الحافظ (١): كذا الأكثر بغير ترجمة، وسقط من رواية النسفي، وعلى الحالين لا بدّ أن يكون لحديث أبي الدرداء المذكور فيه تعلق بالترجمة - أي: السابقة -، ووجهه ما وقع من إفطار أصحاب النبي ﷺ في رمضان في السفر بمحضر منه، ولم ينكر عليهم فدل على الجواز، وعلى رد قول من قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر، انتهى.
فعلى هذا هو كالفصل للباب السابق، وهو الأصل العشرون من أصول التراجم كما تقدم مبسوطًا في الجزء الأول، ورمز عليه شيخ الهند في الجدول الرابع من جداوله رمز (ىنـ) نقطة واحدة، فكأن رأي الشيخ فيه أن المصنف ترك الترجمة لقصد التمرين وتشحيذًا للأذهان، فيمكن أن يكون هو بيان أفضلية الصوم في السفر لاختياره ﷺ الصوم مع شدة الحر، والله أعلم، فعلى هذا هو الأصل الخامس والعشرون، كما تقدم.
(٣٦ - باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه. . .) إلخ
أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله ﷺ : "ليس من البر الصيام في السفر" ما ذكر من المشقة، وأن من روى الحديث مجردًا فقد اختصر القصة، وبما أشار إليه من اعتبار شدة المشقة يجمع بين حديث الباب
стр. 1450
والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم، وأن من لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر، انتهى من "الفتح" (١).
وقد تقدم الخلاف في هذه المسألة في "باب الصوم في السفر والإفطار".
(٣٧ - باب لم يعب أصحاب النبي ﷺ . . .) إلخ
قال الحافظ (٢): أشار بهذا إلى تأكيد ما اعتمده من تأويل الحديث الذي قبله، وأنه محمول على من بلغ حالة يجهد بها، وأن من لم يبلغ ذلك لا يعاب عليه الصيام ولا الفطر، انتهى.
والأوجه عندي: أن الغرض من الترجمة هو الإرشاد إلى أدب، وهو ترك العيب على من لا يأخذ ما هو الأولى، فتأمل.
(٣٨ - باب من أفطر في السفر ليراه الناس)
قال الحافظ (٣): أي: إذا كان ممن يقتدى به، وأشار بذلك إلى أن أفضلية الفطر لا تختص بمن أجهده الصوم، أو خشي العجب والرياء، أو ظن به الرغبة عن الرخصة، بل يلحق بذلك من يقتدى به ليتابعه من وقع له شيء من الأمور الثلاثة ويكون الفطر في حقه في تلك الحالة أفضل لفضيلة البيان، انتهى.
(٣٩ - باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾. . .) إلخ
قال الحافظ (٤) بعد ذكر الآثار المذكورة في الباب: واتفقت هذه الأخبار على أن قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ منسوخ، وخالف في
стр. 1451
ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه، وسيأتي بيان ذلك والبحث فيه في "كتاب التفسير" إن شاء الله تعالى، انتهى.
قوله: (فنسختها ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾) الآية [البقرة: ١٨٤].
قلت: وفيه أنه ترغيب فكيف يكون نسخًا، ويمكن الجواب عندي بأن النسخ وقع بقوله: فأمروا بالصوم، وعلى هذا فالنسخ بأمره ﵊.
(٤٠ - باب متى يقضى قضاء رمضان. . .) إلخ
قال القسطلاني (١): أي: يؤدى، والقضاء يجيء بمعنى الأداء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ﴾ [الجمعة: ١٠] أي: أديت، انتهى.
وقال الحافظ (٢): ومراد الاستفهام هل يتعين قضاؤه متتابعًا أو يجوز متفرقًا؟ وهل يتعين على الفور أو يجوز على التراخي؟ قال ابن المنيِّر: جعل المصنف الترجمة استفهامًا لتعارض الأدلة؛ لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] يقتضي التفريق لصدق ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ سواء كانت متتابعة أو متفرقة، والقياس يقتضي التتابع إلحاقًا لصفة القضاء بصفة الأداء، وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل.
قال الحافظ: ظاهر صنيع البخاري يقتضي جواز التراخي والتفريق لما أودعه في الترجمة من الآثار كعادته وهو قول الجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره عن علي وعائشة وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر، انتهى من "الفتح".
قوله: (وقال سعيد) وصله ابن أبي شيبة، والمراد بصوم العشر العشر
стр. 1452
الأول من ذي الحجة لما سئل عن صومه، والحال أن على الذي سأله قضاء من رمضان "لا يصلح حتى يبدأ برمضان" أي: بقضاء صومه، وهذا لا يدل على المنع بل على الأولوية، انتهى من "القسطلاني" (١).
وقال الحافظ (٢): وظاهر قوله جواز التطوع بالصوم لمن عليه دين من رمضان لقوله: "لا يصلح"، فإنه ظاهر في الإرشاد إلى البداءة بالأهم والآكد، وقد روى عبد الرزاق عن أبي هريرة أن رجلًا قال له: إن علي أيامًا من رمضان أفأصوم العشر تطوعًا؟ قال: لا، أبدأ بحق الله ثم تطوع ما شئت، وروي عن علي أنه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجة، وإسناده ضعيف، انتهى.
قوله: (ويذكر عن أبي هريرة. .) إلخ، وهو قول الجمهور، وإليه مال الطحاوي، والأول، أي: ما روي عن النخعي هو مذهب الحنفية، وإليه جنح المصنف كما ترى.
(٤١ - باب الحائض تترك الصوم. . .) إلخ
قال ابن المنيِّر (٣): إن الترجمة لم تتضمن حكم القضاء لتطابق حديث الباب، فإنه ليس فيه تعرض لذلك.
قوله: "تقضي الصيام" قال القسطلاني (٤): ومقتضى الرأي أن يكونا متساويين في الحكم؛ لأن كلًا منهما عبادة تركت لعذر، لكن الأمور الشرعية الآتية على خلاف القياس لا يطلب فيها وجه الحكمة، بل يوكّل أمرها إليه تعالى؛ لأن أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة، ولكن غالبها يخفى على الناس ولا تدركها العقول، لكن فرق الفقهاء بعدم تكرر الصوم فلا حرج في قضائه بخلاف الصلاة، وقيل غير ذلك، وقال إمام الحرمين: كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف، انتهى. والبسط في "الفتح" (٥).
стр. 1453
(٤٢ - باب من مات وعليه صوم)
قال العلَّامة العيني (١): أي: هذا باب في بيان حكم الشخص الذي مات، والحال أن عليه صومًا ولم يعين الحكم لاختلاف العلماء فيه، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية، وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت، وقال أحمد وإسحاق: لا يصام عنه إلا النذر، إلى آخر ما قال، انتهى.
قلت: وفي "الموطأ" لمالك عن ابن عمر: "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد" قال الزرقاني (٣): هو إجماع في الصلاة، ولو تطوعًا عن حي وميت، وفي الصوم عن الحي خلاف، حكاه ابن عبد البر وغيره، وأما الصيام عن الميت فكذلك عند الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد، وذهب طائفة من السلف، وأحمد في رواية، والشافعي إلى أنه يستحب لوارثه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت، ورجحه النووي لحديث الصحيحين عن عائشة مرفوعًا، ثم ذكر حديث الباب، وبسط العلامة العيني (٤) بيان المذاهب في ذلك، فذكر ستة مذاهب للفقهاء كما بسط في "الأوجز" (٥).
(٤٣ - باب متى يحل فطر الصائم. . .) إلخ
قال الحافظ (٦): غرض هذه الترجمة الإشارة إلى أنه هل يجب إمساك جزء من الليل لتحقق مضي النهار أم لا؟ وظاهر صنيعه يقتضي ترجيح الثاني
стр. 1454
لذكره لأثر أبي سعيد في الترجمة، لكن محله إذا ما حصل تحقق غروب الشمس، انتهى.
(٤٤ - باب يفطر بما تيسر بالماء وغيره)
قال الحافظ (١): أي: سواء كان وحده أو مخلوطًا، ولعله أشار إلى أن الأمر في قوله: "من وجد تمرًا فليفطر عليه، ومن لا فليفطر على الماء" ليس على الوجوب، وهو حديث أخرجه الحاكم عن أنس مرفوعًا، والترمذي وابن حبان من حديث سلمان بن عامر، وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلّا فعلى الماء، انتهى.
قال القسطلاني (٢): وروى الترمذي: "أنه ﷺ كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء"، انتهى.
(٤٥ - باب تعجيل الإفطار)
قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: وتأخير الفطر من صنيع اليهود والنصارى كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود (٤)، والظاهر عندي أن الغرض من الترجمة الرد على ما روي عن بعض الصحابة كأبي موسى الأشعري من تأخير الإفطار كما في "سنن أبي داود".
(٤٦ - باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس)
قال الحافظ (٥): أي: هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أو لا؟ وهي
стр. 1455
مسألة خلافية، واختلف قول عمر فيها، واختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء، وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إسحاق وأحمد في رواية، وقال ابن التين: لم يوجب مالك القضاء إذا كان في صوم نذر، انتهى مختصرًا من "الفتح".
قلت: وفيما إذا أفطر بظن أن الشمس قد غربت ثلاث مسائل كما ذكر الباجي، وهي كلها خلافية، الإمساك، والقضاء، والكفارة، بسط الخلاف في "الأوجز" (١).
وفيه أيضًا: وأما وجوب الكفارة فعند الحنفية فيه تفصيل واختلاف بسطه أهل الفروع، ففي "الدر المختار": تسحر أو أفطر بظن اليوم ليلًا، والحال أن الفجر طالع، والشمس لم تغرب، ويكفي الشك في الأول دون الثاني عملًا بالأصل فيهما، ولو لم يتبين الحال لم يقض في ظاهر الرواية، والمسألة تتفرع إلى ستة وثلاثين، محلها المطولات، انتهى.
(٤٧ - باب صوم الصبيان)
أي: هل يشرع أم لا؟ والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين وغيره، وقال به الشافعي: إنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحدّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحدّه إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن حمل على الصوم، والأول قول الجمهور، والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان، ولقد تلطف المصنف في التعقب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة؛ لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها، ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه، وأغرب
стр. 1456
ابن الماجشون من المالكية فقال: إذا أطاق الصبيان الصيام ألزموه، فإن أفطروا لغير عذر فعليهم القضاء، انتهى من "الفتح" (١).
(٤٨ - باب الوصال. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقًا، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، ولم يجزم المصنف بحكمه لشهرة الاختلاف فيه، انتهى.
وفي "الأوجز" (٣): قال الزرقاني: والنهي للكراهة عند مالك والجمهور لمن قوي عليه وغيره ولو إلى السحر لعموم النهي، وقيل: للتحريم، وهو الأصح عند الشافعية، انتهى.
وفي "حاشية شرح الإقناع" (٤): فالنهي للتحريم عند الشافعية، والتنزيه عند مالك والحنابلة، انتهى.
والوصال إلى السحر مباح عند أحمد واسحاق كما قال الموفق (٥)، والوصال مكروه تنزيهًا عند الحنفية كما في "الدر المختار (٦)، والبسط في "الأوجز".
(٤٩ - باب التنكيل لمن أكثر الوصال)
قال الحافظ (٧): التقييد بأكثر قد يفهم منه أن من قلل منه لا نكال عليه؛ لأن التقليل منه مظنة لعدم المشقة، لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز، انتهى.
стр. 1457
(٥٠ - باب الوصال إلى السحر)
أي: جوازه، وقد تقدم أنه قول أحمد وطائفة من أصحاب الحديث، وتقدم توجيهه، وأن من الشافعية من قال: إنه ليس بوصال حقيقة، انتهى [من "الفتح"] (١).
قلت: فالظاهر أن ميل المصنف إلى مسلك الحنابلة.
(٥١ - باب من أقسم على أخيه ليفطر. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة أول أبواب التطوع، بدأ المصنف منها بحكم صوم التطوع هل يلزم تمامه بالدخول فيه أم لا؟ ثم أورد بقية أبوابه على ما اختاره من الترتيب، انتهى.
وقال العلامة العيني (٣) في الباب الآتي - أي: باب صوم شعبان -: وهذا الباب أول شروعه في التطوعات من الصيام، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): قوله: "باب من أقسم على أخيه. . ." إلخ أي: والحال أنه كان في صوم التطوع ولم ير عليه، أي: على هذا المفطر قضاء عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه، وقوله: "إذا كان أوفق له" أي: إذا كان المقسم عليه معذورًا بفطره، ومفهومه عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمد بغير سبب، انتهى من القسطلاني ملخصًا.
وقال الحافظ (٥): ذكر فيه حديث ابن أبي جحيفة في قصة أبي الدرداء وسلمان، فأما ذكر القسم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأُبيِّنه، وأما القضاء فلم أقف عليه في شيء من طرقه إلا أن الأصل عدمه، وقد أقره الشارع، ولو كان القضاء واجبًا لبيَّنه له مع حاجته إلى البيان، وكأنه يشير