(٤٢ - باب من مات وعليه صوم)
قال العلَّامة العيني (١): أي: هذا باب في بيان حكم الشخص الذي مات، والحال أن عليه صومًا ولم يعين الحكم لاختلاف العلماء فيه، انتهى.
قال الحافظ (٢): وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلَّق الشافعي في القديم القول به على صحة الحديث كما نقله البيهقي، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية، وقال الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميت، وقال أحمد وإسحاق: لا يصام عنه إلا النذر، إلى آخر ما قال، انتهى.
قلت: وفي "الموطأ" لمالك عن ابن عمر: "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد" قال الزرقاني (٣): هو إجماع في الصلاة، ولو تطوعًا عن حي وميت، وفي الصوم عن الحي خلاف، حكاه ابن عبد البر وغيره، وأما الصيام عن الميت فكذلك عند الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد، وذهب طائفة من السلف، وأحمد في رواية، والشافعي إلى أنه يستحب لوارثه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت، ورجحه النووي لحديث الصحيحين عن عائشة مرفوعًا، ثم ذكر حديث الباب، وبسط العلامة العيني (٤) بيان المذاهب في ذلك، فذكر ستة مذاهب للفقهاء كما بسط في "الأوجز" (٥).
(٤٣ - باب متى يحل فطر الصائم. . .) إلخ
قال الحافظ (٦): غرض هذه الترجمة الإشارة إلى أنه هل يجب إمساك جزء من الليل لتحقق مضي النهار أم لا؟ وظاهر صنيعه يقتضي ترجيح الثاني
стр. 1454
لذكره لأثر أبي سعيد في الترجمة، لكن محله إذا ما حصل تحقق غروب الشمس، انتهى.
(٤٤ - باب يفطر بما تيسر بالماء وغيره)
قال الحافظ (١): أي: سواء كان وحده أو مخلوطًا، ولعله أشار إلى أن الأمر في قوله: "من وجد تمرًا فليفطر عليه، ومن لا فليفطر على الماء" ليس على الوجوب، وهو حديث أخرجه الحاكم عن أنس مرفوعًا، والترمذي وابن حبان من حديث سلمان بن عامر، وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر وإلّا فعلى الماء، انتهى.
قال القسطلاني (٢): وروى الترمذي: "أنه ﷺ كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء"، انتهى.
(٤٥ - باب تعجيل الإفطار)
قال ابن عبد البر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: وتأخير الفطر من صنيع اليهود والنصارى كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود (٤)، والظاهر عندي أن الغرض من الترجمة الرد على ما روي عن بعض الصحابة كأبي موسى الأشعري من تأخير الإفطار كما في "سنن أبي داود".
(٤٦ - باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس)
قال الحافظ (٥): أي: هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أو لا؟ وهي
стр. 1455
مسألة خلافية، واختلف قول عمر فيها، واختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب الجمهور إلى إيجاب القضاء، وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إسحاق وأحمد في رواية، وقال ابن التين: لم يوجب مالك القضاء إذا كان في صوم نذر، انتهى مختصرًا من "الفتح".
قلت: وفيما إذا أفطر بظن أن الشمس قد غربت ثلاث مسائل كما ذكر الباجي، وهي كلها خلافية، الإمساك، والقضاء، والكفارة، بسط الخلاف في "الأوجز" (١).
وفيه أيضًا: وأما وجوب الكفارة فعند الحنفية فيه تفصيل واختلاف بسطه أهل الفروع، ففي "الدر المختار": تسحر أو أفطر بظن اليوم ليلًا، والحال أن الفجر طالع، والشمس لم تغرب، ويكفي الشك في الأول دون الثاني عملًا بالأصل فيهما، ولو لم يتبين الحال لم يقض في ظاهر الرواية، والمسألة تتفرع إلى ستة وثلاثين، محلها المطولات، انتهى.
(٤٧ - باب صوم الصبيان)
أي: هل يشرع أم لا؟ والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين وغيره، وقال به الشافعي: إنهم يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحدّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحدّه إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن حمل على الصوم، والأول قول الجمهور، والمشهور عن المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان، ولقد تلطف المصنف في التعقب عليهم بإيراد أثر عمر في صدر الترجمة؛ لأن أقصى ما يعتمدونه في معارضة الأحاديث دعوى عمل أهل المدينة على خلافها، ولا عمل يستند إليه أقوى من العمل في عهد عمر مع شدة تحريه ووفور الصحابة في زمانه، وأغرب
стр. 1456
ابن الماجشون من المالكية فقال: إذا أطاق الصبيان الصيام ألزموه، فإن أفطروا لغير عذر فعليهم القضاء، انتهى من "الفتح" (١).
(٤٨ - باب الوصال. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقًا، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، ولم يجزم المصنف بحكمه لشهرة الاختلاف فيه، انتهى.
وفي "الأوجز" (٣): قال الزرقاني: والنهي للكراهة عند مالك والجمهور لمن قوي عليه وغيره ولو إلى السحر لعموم النهي، وقيل: للتحريم، وهو الأصح عند الشافعية، انتهى.
وفي "حاشية شرح الإقناع" (٤): فالنهي للتحريم عند الشافعية، والتنزيه عند مالك والحنابلة، انتهى.
والوصال إلى السحر مباح عند أحمد واسحاق كما قال الموفق (٥)، والوصال مكروه تنزيهًا عند الحنفية كما في "الدر المختار (٦)، والبسط في "الأوجز".
(٤٩ - باب التنكيل لمن أكثر الوصال)
قال الحافظ (٧): التقييد بأكثر قد يفهم منه أن من قلل منه لا نكال عليه؛ لأن التقليل منه مظنة لعدم المشقة، لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز، انتهى.
стр. 1457
(٥٠ - باب الوصال إلى السحر)
أي: جوازه، وقد تقدم أنه قول أحمد وطائفة من أصحاب الحديث، وتقدم توجيهه، وأن من الشافعية من قال: إنه ليس بوصال حقيقة، انتهى [من "الفتح"] (١).
قلت: فالظاهر أن ميل المصنف إلى مسلك الحنابلة.
(٥١ - باب من أقسم على أخيه ليفطر. . .) إلخ
قال الحافظ (٢): هذه الترجمة أول أبواب التطوع، بدأ المصنف منها بحكم صوم التطوع هل يلزم تمامه بالدخول فيه أم لا؟ ثم أورد بقية أبوابه على ما اختاره من الترتيب، انتهى.
وقال العلامة العيني (٣) في الباب الآتي - أي: باب صوم شعبان -: وهذا الباب أول شروعه في التطوعات من الصيام، انتهى.
وقال القسطلاني (٤): قوله: "باب من أقسم على أخيه. . ." إلخ أي: والحال أنه كان في صوم التطوع ولم ير عليه، أي: على هذا المفطر قضاء عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه، وقوله: "إذا كان أوفق له" أي: إذا كان المقسم عليه معذورًا بفطره، ومفهومه عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمد بغير سبب، انتهى من القسطلاني ملخصًا.
وقال الحافظ (٥): ذكر فيه حديث ابن أبي جحيفة في قصة أبي الدرداء وسلمان، فأما ذكر القسم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأُبيِّنه، وأما القضاء فلم أقف عليه في شيء من طرقه إلا أن الأصل عدمه، وقد أقره الشارع، ولو كان القضاء واجبًا لبيَّنه له مع حاجته إلى البيان، وكأنه يشير
стр. 1458
إلى حديث أبي سعيد قال: "صنعت للنبي ﷺ طعامًا، فلما وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر وصم مكانه إن شئت" أخرجه البيهقي، وهو دال على عدم الإيجاب، انتهى.
قلت: والمسألة خلافية شهيرة لا قضاء عليه عند الشافعي وأحمد مطلقًا بخلاف الحنفية إذ أوجبوا القضاء مطلقًا، وعن المالكية: لا قضاء في الفطر عذرًا بخلاف الفطر عمدًا ففيه عندهم القضاء.
(٥٢ - باب صوم شعبان)
قال الحافظ (١): أي: استحبابه، وكأنه لم يصرح بذلك لما في عمومه من التخصيص وفي مطلقه من التقييد كما سيأتي بيانه، ثم ذكر الحافظ بعد ذكر الحديث اختلاف الروايات وأقوال العلماء في أن المراد من شعبان كله أو أكثره (٢).
(٥٣ - باب ما يذكر من صوم النبي ﷺ وإفطاره)
قال الحافظ (٣): المراد التطوع، قال ابن المنيِّر: لم يضف المصنف الترجمة التي قبل هذه للنبي ﷺ ، وأطلقها ليفهم الترغيب للأمة في الاقتداء به في إكثار الصوم في شعبان، وقصد بهذه الترجمة شرح حال النبي ﷺ في ذلك، انتهى.
(٥٤ - باب حق الضيف في الصوم)
قال ابن المنيِّر: لو قال: حق الضيف في الفطر لكان أوضح، لكنه كان لا يفهم منه تعيين الصوم فيحتاج أن يقول من الصوم، وكأن ما ترجم به أخصر وأوجز، انتهى من "الفتح" (٤).
стр. 1459
(٥٥ - باب حق الجسم في الصوم)
أي: على المتطوع، والمراد بالحق ههنا المطلوب أعم من أن يكون مندوبًا أو واجبًا، فأما الواجب فيختص بما إذا خاف التلف وليس مرادًا هنا، انتهى من "الفتح" (١).
(٥٦ - باب صوم الدهر)
أي: هل يشرع أو لا؟ قال ابن المنيِّر: لم ينص على الحكم لتعارض الأدلة واحتمال أن يكون عبد الله بن عمرو خص بالمنع لما اطلع النبي ﷺ عليه من مستقبل حاله، فيلتحق به من في معناه ممن يتضرر بسرد الصوم، ويبقى غيره على حكم الجواز لعموم الترغيب في مطلق الصوم كما سيأتي في "الجهاد" من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار"، انتهى من "الفتح" (٢).
ويشكل إدخال هذه الترجمة بين أبواب الحقوق، فقد تقدم "باب حق الضيف" و"باب حق الجسم"، وسيأتي بعد ذلك "باب حق الأهل"، فتأمل، وقد أجاب عنه بعض المترددين إلي وأجاد بأن الإمام البخاري أشار بذكر هذه الترجمة الأجنبية بين هذه الأبواب إلى أن النهي عن صوم الدهر لأجل حق الجسد.
واختلف العلماء في صوم الدهر، قال القسطلاني (٣): ومذهب الشافعية استحبابه لإطلاق الأدلة، ولأنه ﷺ قال: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد بيده"، وأخرجه أحمد والنسائي، فإن خاف ضررًا أو فوت حق كره صومه، وهل المراد الواجب أو المندوب؟ قال السبكي: ويتجه أن يقال: إنه إن علم أنه يفوت حقًا واجبًا حرم، وإن علم أنه يفوّت حقًا مندوبًا أولى من الصيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا، انتهى.
стр. 1460
وفي "المغني" (١): قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فسَّر مسدد قول أبي موسى: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم" فلا يدخلها، فضحك وقال: من قال هذا؟ فأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ كره ذلك، وما فيه من الأحاديث؟ قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس، وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعي، والذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وإن لم يصم هذه الأيام لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه، انتهى مختصرًا.
وفي "البذل" (٢): قال ابن الهمام: يكره صوم الدهر؛ لأنه يضعفه أو يصير طبعًا له، ومبنى العبادة على مخالفة العادة، انتهى.
قال الحافظ (٣): والى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحاق وابن العربي من المالكية وأهل الظاهر، وهي رواية عن أحمد، وشذ ابن حزم فقال: يحرم، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: "أنه بلغ عمر ﵁ أن رجلًا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يا دهري" إلى أن قال: وذهب آخرون إلى جوازه وحملوا النهي عن من صامه حقيقة، فإنه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين، وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة، وذهب آخرون إلى استحبابه لمن قوي عليه ولم يفوت فيه حقًا، وإلى ذلك ذهب الجمهور، إلى آخر ما بسط في "الفتح".
(٥٧ - باب حق الأهل في الصوم)
قال الحافظ (٤): قوله: "رواه أبو جحيفة"، يعني حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء التي تقدمت قبل خمسة أبواب، وفيها قول سلمان لأبي الدرداء: "وإن لأهلك عليك حقًا"، وأقره النبي ﷺ على ذلك، انتهى.
стр. 1461
(٥٨ - باب صوم يوم وإفطار يوم)
قال العيني (١): أي: في بيان فضله، انتهى.
وإليه ميل الحافظ كما سيأتي في الباب الآتي.
(٥٩ - باب صوم داود ﵇ -)
قال ابن المنيِّر: أفرد ترجمة صوم يوم وإفطار يوم بالذكر للتنبيه على أفضليته، وأفرد صيام داود ﵇ بالذكر للإشارة إلى الاقتداء به في ذلك، انتهى من "الفتح" (٢).
وقال الحافظ في "باب حق الأهل في الصوم": واختلف المجيزون في صوم الدهر بالشرط المتقدم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم؟ فصرَّح جماعة من العلماء بأن صوم الدهر أفضل، لأنه أكثر عملًا، فيكون أكثر أجرًا، وبذلك جزم الغزالي أولًا، وقيَّده بشرط أن لا يرغب عن السُّنَّة بأن يجعل الصوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة في الفضل.
قال الحافظ: وتعقبه ابن دقيق العيد ثم بسطه، وذهب جماعة منهم المتولي من الشافعية إلى أن صيام داود أفضل، وهو ظاهر الحديث بل صريحه، نعم إن فرض أن شخصًا لا يفوته شيء من الأعمال الصالحة بالصيام أصلًا ولا يفوت حقًا من الحقوق لم يبعد أن يكون في حقه أرجح، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة، وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، وإلى ذلك أشار الغزالي أخيرًا، والله أعلم، انتهى من "الفتح" (٣) ملخصًا.
стр. 1462
(٦٠ - باب صيام البيض. . .) إلخ
قال الحافظ (١): قال الإسماعيلي وابن بطال وغيرهما: ليس في الحديث الذي أورده البخاري ما يطابق الترجمة؛ لأن الحديث مطلق في ثلاثة أيام من كل شهر والبيض مقيدة بما ذكر، وأجيب بأن البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وفيه قوله ﷺ لأعرابي: "إن كنت صائمًا فصم الغر" أي: البيض، وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا بيَّنه الدارقطني، وفي بعض طرقه عند النسائي: "إن كنت صائمًا فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة"، فكأن البخاري أشار بالترجمة إلى أن وصية أبي هريرة بذلك لا تختص به، انتهى.
وكتب الشيخ في "اللامع" (٢): ثم إن إيراد المؤلف ما أورد فيه من الرواية دالٌّ على أنه حمل المطلق على المقيد، فكانت الترجمة تفسيرًا لمراد الرواية، انتهى.
ثم قال الحافظ (٣): قال شيخنا في "شرح الترمذي": حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوال:
أحدها: لا تتعين بل يكره تعيينها، ويستحب صوم ثلاثة أيام من الشهر غير معينة، وهو المعروف من مذهب مالك.
الثاني: أول ثلاثة من الشهر، قاله الحسن البصري.
الثالث: أولها الثاني عشر، حكي ذلك عن قوم.
الرابع: أولها الثالث عشر، وهو قول الجمهور - وهو الذي اختاره البخاري في الترجمة -.
الخامس: أولها أول سبت من أول الشهر، ثم من أول الثلاثاء
стр. 1463
من الشهر الذي يليه وهكذا، وهو اختيار عائشة ﵂ في آخرين.
السادس: أول خميس ثم اثنين ثم خميس.
السابع: أول اثنين ثم خميس ثم اثنين.
الثامن: أول يوم والعاشر والعشرون، روي ذلك عن أبي الدرداء.
التاسع: أول كل عشر عن ابن شعبان المالكي.
قال الحافظ: بقي قول آخر، وهو آخر ثلاثة من الشهر، وهو قول إبراهيم النخعي، فتمت عشرة.
انتهى كلام الحافظ مع زيادة من العيني (١).
قال العيني (٢): روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن صيام أيام الغر فقال: ما هذا ببلدنا، وكره تعمد صومها، وقال: الأيام كلها لله تعالى، واستحب ابن حبيب صومها وقال: أراها صيام الدهر، انتهى.
قلت: والجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة الأخرى على استحبابها كما قال العلامة العيني، وقال الحافظ (٣) بحثًا على صوم ثلاثة أيام: قال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب، وفي كلام غير واحد من العلماء أيضًا أن استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وقال القسطلاني (٤): قال السبكي: والحاصل أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن تكون أيام البيض، فإن صامها أتى بالسنتين، انتهى.
(٦١ - باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم)
هذه الترجمة تقابل الترجمة الماضية وهي "من أقسم على أخيه ليفطر" وموقعها أن لا يظن أن فطر المرء من صيام التطوع لتطييب خاطر أخيه حتم
стр. 1464
عليه، بل المرجع في ذلك إلى من علم من حاله من كل منهما أنه يشق عليه الصيام، فمتى عرف أن ذلك لا يشق عليه كان الأولى أن يستمر على صومه، انتهى من "الفتح" (١).
(٦٢ - باب الصوم من آخر الشهر)
قال ابن المنيِّر: أطلق الشهر، وإن كان الذي يتحرر من الحديث أن المراد به شهر مقيد وهو شعبان إشارة منه إلى أن ذلك لا يختص بشعبان، بل يؤخذ من الحديث الندب إلى صيام أواخر كل شهر ليكون عادة للمكلف، فلا يعارض النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لقوله فيه: "إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه"، انتهى من "الفتح" (٢).
قوله: (أظنه قال: يعني رمضان. . .) إلخ، تكلم عليه الحافظ وغيره من الشرَّاح، فارجع إليه.
(٦٣ - باب صوم الجمعة. . .) إلخ
قوله في الترجمة: (يعني إذا لم يصم قبله ولا يريد. . .) إلخ، ليس هذا في نسخة الحافظ فقال (٣): كذا في أكثر الروايات، ووقع في رواية أبي ذر وأبي الوقت زيادة هنا وهي "يعني إذا لم يصم قبله. . ." إلخ، وهذه الزيادة تشبه أن تكون من الفربري أو من دونه، ويبعد أن يعبر البخاري عما يقوله بلفظ: "يعني" ولو كان ذلك من كلامه لقال: أعني بل كان يستغني عنها أصلًا ورأسًا، وهذا التفصيل لا بدّ من حمل إطلاق الترجمة عليه؛ لأنه مستفاد من حديث جويرية آخر أحاديث الباب، انتهى.
قلت: وفي صوم يوم الجمعة اختلاف للعلماء، ذكر في هامش النسخة الهندية (٤) خمسة أقوال فيه، وفي "الأوجز" (٥) ثمانية مذاهب، وأما حاصل
стр. 1465
مذاهب الأئمة الأربعة، فالكراهة عند أحمد، وهو المرجح عند الشافعية، وعن مالك الندب، وعليه أكثر فروع الحنفية، وفي "نور الإيضاح" (١) من كتب فروع الحنفية: الكراهة، واختلف العلماء أيضًا في وجه النهي على ثمانية أقوال، بسطت في "الأوجز" (٢) وهامش "اللامع" (٣).
(٦٤ - باب هل يخص شيئًا من الأيام ؟)
قال ابن المنيِّر وغيره: لم يجزم بالحكم؛ لأن ظاهر الحديث إدامته ﷺ العبادة ومواظبته على وظائفها، ويعارضه ما صح عن عائشة نفسها مما يقتضي نفي المداومة، وهو ما أخرجه مسلم عنها: "أنها سئلت عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر"، وتقدم نحوه قريبًا في البخاري من حديث ابن عباس وغيره، فأبقى الترجمة على الاستفهام لترجح أحد الخبرين أو يتبين الجمع بينهما، ويمكن الجمع بينهما بأن قولها: "كان عمله ديمةً"، معناه أن اختلاف حاله في الإكثار من الصوم ثم من الفطر كان مستدامًا مستمرًا، وبأنه ﷺ كان يوظف على نفسه العبادة، فربما شغله عن بعضها شاغل فيقضيها على التوالي، فيشتبه الحال على من يرى ذلك، فقول عائشة: "كان عمله ديمة" منزل على التوظيف، وقولها: "كان لا تشاء أن تراه صائمًا إلا رأيته" منزل على الحال الثاني، وقيل: معناه أنه كان لا يقصد نفلًا ابتداءً في يوم بعينه فيصومه، بل إذا صام يومًا بعينه كالخميس مثلًا داوم على صومه، انتهى من "الفتح" (٤).
(٦٥ - باب صوم يوم عرفة)
أي: ما حكمه؟ وكأنه لم تثبت الأحاديث الواردة في الترغيب في صومه على شرطه، وأصحها حديث أبي قتادة: "أنه يكفِّر سنة آتية وسنة
стр. 1466
ماضية" أخرجه مسلم وغيره، والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يحمل على غير الحاج أو على من لم يضعفه صيامه عن الذكر والدعاء المطلوب للحاج، قاله الحافظ في "الفتح" (١).
وتقدم نظير هذه الترجمة سواء في "كتاب الحج"، ولكل من الترجمتين وجهة، فذكرها في "كتاب الحج" لمناسبة الحاج، وههنا لمناسبته بـ "كتاب الصوم"، وتقدم اختلاف الأئمة الأربعة في صوم عرفة للحاج، وأما لغير الحاج فاتفقت الأئمة الأربعة على ندبه، بل قال الإمام الشافعي بتأكده، كما في "الأوجز" (٢).
(٦٦ - باب صوم يوم الفطر)
أي: ما حكمه؟ قال ابن المنيِّر: لعله أشار إلى الخلاف فيمن نذر صوم يوم فوافق يوم العيد هل ينعقد نذره أم لا؟ انتهى.
ثم قال الحافظ تحت حديث الباب: وفيه تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع، وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر على أنه لا ينعقد النذر، وعن الحنفية: ينعقد ويلزمه القضاء، انتهى من "الفتح" (٣).
قلت: بسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٤) من كتب فروع الأئمة، والجملة أنه ينعقد النذر ويجب القضاء عندنا الحنفية، وهو الأصح من مذهب أحمد كما في "نيل المآرب"، وهو أحد قولي الشافعي، والمرجح عنده لا ينعقد، وأما عند مالك، فإن نذر يومًا فوافق يوم العيد ينعقد ويجب القضاء، وإن نذر صوم يومي العيد بعينه لا ينعقد ولا يجب القضاء كما قال الأبي.
стр. 1467
(٦٧ - باب صوم يوم النحر)
قال الحافظ (١): والقول فيه كالقول في الذي قبله، انتهى.
(٦٨ - باب صيام أيام التشريق)
أي: الأيام التي بعد يوم النحر، قال العلَّامة العيني (٢): وأيام التشريق يقال لها: الأيام المعدودات وأيام منى، انتهى.
وفي "التفسير" (٣) لابن كثير: الأيام المعدودات، قال ابن عباس: هي أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر، انتهى.
وقد اختلف في كونها يومين أو ثلاثة، قاله الحافظ (٤)، وقال الشيخ في "البذل" (٥): وهي عند الحنفية ثلاثة أيام: حادي عشر وثاني عشر وثالث عشر، انتهى.
قلت: وهي كذلك عند الجمهور منهم الأئمة الأربعة كما في "الأوجز" (٦) عن كتب فروعهم من كلام الباجي والقسطلاني وشارح "المنهاج" وغيرهم.
وقال القسطلاني (٧): روي عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة بعده، انتهى. وما حكى الحافظ من أنها يومان بعد يوم النحر روى ذلك عن علي كما في "التفسير" لابن كثير، وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي: تنشر في الشمس، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس، وقيل: التشريق التكبير دبر كل صلاة، وهل تلتحق بيوم النحر في
стр. 1468
ترك الصيام كما تلتحق به في النحر وغيره من أعمال الحج، أو يجوز صيامها مطلقًا، أو للمتمتع خاصة أو له ولمن هو في معناه؟ وفي كل ذلك اختلاف للعلماء، والراجح عند البخاري جوازها للمتمتع، انتهى ملخصًا من "الفتح" (١).
وبسط في "الأوجز" (٢) في صيام أيام التشريق تسعة مذاهب، والمشهور منها قولان، الأول: الجواز للمتمتع والقارن، وهو قول مالك وأحمد، وهو القول القديم للشافعي، والثاني - وهو الجديد للشافعي وبه قالت الحنفية -: المنع مطلقًا.
(٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء)
قال الحافظ (٣): أي: ما حكمه؟ وبدأ المصنف بالأخبار الدالة على أنه ليس بواجب، ثم بالأخبار الدالة على الترغيب في صيامه، ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم ثم انقرض القول بذلك.
ثم قال الحافظ بحثًا على روايات صوم عاشوراء: فعلى هذا صيام عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر معه، والله أعلم، انتهى من "الفتح" من مواضع عديدة.
وبسط الكلام على حديث عاشوراء في "الأوجز" (٤)، وذكر فيه عدة أبحاث لطيفة:
стр. 1469
الأول: في لغته هل هو بالمد أو القصر؟ وأيضًا في مصداقه هل هو اليوم العاشر كما قال به الجمهور، أو اليوم التاسع أو الحادي عشر؟
والثاني: في وجه التسمية.
والثالث: في أعمال ذلك اليوم غير الصوم.
والرابع: هل كان صومه واجبًا في أول الإسلام أم لا؟
والخامس: في حكم صومه الآن.
ثم براعة الاختتام عند الحافظ في قوله: "من لم يكن أكل فليصم".
والأوجه عندي: أنها في يوم عاشوراء؛ فإنه يوم نجا الله موسى وأغرق فرعون، أو يقال: إنه يوم مذكر لشهادة الحسين رضي الله تعالى عنه.
* * *
стр. 1470
٣١ - كتاب صلاة التراويح
كذا في نسخ الشروح الثلاثة: "الفتح" و"العيني" و"القسطلاني"، وليس في النسخ الهندية التي بأيدينا، بل فيها بعد البسملة "باب فضل من قام. . ." إلخ.
قال الحافظ (١): التراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة كتسليمة من السلام، سميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، انتهى.
وفي "الأوجز" (٢): قال المجد في "القاموس": ترويحة شهر رمضان سميت بها لاستراحة بعد كل أربع ركعات، وقال ابن نجيم في "البحر": وهي في الأصل مصدر بمعنى الاستراحة، سميت به الأربع ركعات المخصوصة لاستلزامها استراحة بعدها كما هو السُّنَّة فيها، وبسط فيه من كتب الفروع إجماع أهل السُّنَّة على مشروعيتها خلافًا للروافض، وأيضًا الاختلاف في أنها سُنَّة مؤكدة أو تطوع، وأيضًا في أنها عشرون ركعة على الراجح عند الأئمة الأربعة، فارجع إليه.
(١ - باب فضل من قام رمضان)
أي: قام لياليه مصليًا، والمراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام كما قدمناه في التهجد، وذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني: أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 1471
وفي "الأوجز" (١): قوله: "ما جاء في قيام رمضان" قال الباجي: يجب أن يكون صلاة تختص به، ولو كان شائعًا في جميع السنة لما اختص به ولا انتسب إليه، وفي "الإقناع": اتفقوا على أن التراويح هي المراد من قوله ﷺ : "من قام رمضان" الحديث، انتهى.
* * *
стр. 1472
[٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر]
(١ - باب فضل ليلة القدر، وقول الله تعالى. . . الآية)
وقال الحافظ (١): مناسبة الآية بالترجمة من جهة أن نزول القرآن في زمان بعينه يقتضي فضل ذلك الزمان، واختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة فقيل: المراد به التعظيم كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١، والزمر: ٦٧]، وقيل: القدر هنا التضييق كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة، وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحاكم تلك السنة لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] انتهى، مختصرًا من "الفتح".
وذكر في "الأوجز" (٢) في مبدأ ليلة القدر سبعة أبحاث لطيفة، منها: اختلافهم في وجه التسمية بليلة القدر، وقد تقدم عن "الفتح"، ومنها: اختصاصها هذه الليلة بهذه الأمة عند الجمهور، ومنها: اختلافهم في سبب هذه العطية الجليلة، ومنها: اختلافهم في تعيين هذه الليلة على أقوال كثيرة تبلغ إلى قريب من خمسين قولًا، ومختار أئمة الفقه والسلوك في تعيينها، ومنها: اختلافهم هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن أحياها و [إن] لم يظهر له شيء؟ وغير ذلك، فارجع إليه.
стр. 1473
(٢ - باب التمسوا ليلة القدر في السبع الأواخر)
وقال الحافظ (١): هذه الترجمة والتي بعدها معقودتان لبيان ليلة القدر، وقد اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة، وتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولًا كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة، وقد اشركتا في إخفاء كل منهما ليقع الجد في طلبهما.
ثم ذكر الحافظ ستة وأربعين قولًا مع ذكر مستند لكل قول منها.
ثم قال: وهذا آخر ما وقفت عليه من الأقوال، وبعضها يمكن ردها إلى بعض وإن كان ظاهرها التغاير، انتهى.
واختلف العلماء في مصداق قوله ﷺ : "السبع الأواخر" على خمسة أقوال بسطت في "الأوجز" (٢).
الأول: مبدؤه من ليلة أربع وعشرين على كون الشهر ثلاثين، وهو الأصل، وقيل: من ليلة ثلاث وعشرين على كون المحقق في الشهر تسعًا وعشرين، وقيل: المراد السبع الرابع فمبدؤه من ليلة الثانية وعشرين، وقيل: أراد السبع بعد العشرين فمبدؤه من الليلة الحادية والعشرين، وقيل: إن السبع إنما يذكر في ليالي الشهر ثلاث مرات في أول العدد، ثم في سبع عشرة، ثم في سبع وعشرين، فالمراد هذا الثالث، وجمع الأواخر باعتبار الجنس، انتهى ملخصًا.
ثم لا مناسبة على الظاهر لثاني حديث الباب بالترجمة، ولم يتعرض له الشرَّاح إلا ما قال القسطلاني (٣): قوله: "فالتمسوها في العشر الأواخر" أي: في أوتار تلك الليالي لا ليلة أشفاعها، وهذا لا ينافي قوله: "التمسوها في السبع الأواخر"؛ لأنه ﷺ لم يحدث بميقاتها جازمًا به، انتهى، فتأمل.
стр. 1474
(٣ - باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر)
قال الحافظ (١): في هذه الترجمة إشارة إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأخير، ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها، وقال في موضع آخر (٢): وهو أرجح الأقوال، وصار إليه أبو ثور والمزني وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب، انتهى.
قلت: وهو أرجح الأقوال عند الشافعي وأحمد، ففي "الأوجز" (٣)، قال ابن قدامة: قال أحمد: هي في العشر الأواخر في وتر من الليالي لا تخطئ إن شاء الله، وفي "شرح الإحياء": قال المحاملي في "التجريد": مذهب الشافعي أنها تلتمس في جميع شهر رمضان وآكده العشر الأواخر، وآكده ليالي الوتر من العشر الأواخر، والمشهور من مذهب الشافعي اختصاصها بالعشر الأواخر، انتهى من "الأوجز" (٤).
قوله: (في تاسعة تبقى. . .) إلخ، اختلفوا في معناه أيضًا على خمسة أقوال، بسطت في "الأوجز" (٥):
أحدها: أن المراد بالتاسعة ليلة تسع وعشرين، وبالسابعة سبع وعشرين، فيكون المعنى: التمسوها في تاسعة تمضي من بعد العشرين، قال القاري: هذا هو الظاهر، ورجحه الحافظ أيضًا.
والثاني: أن "تاسعة تبقى" هي الليلة الثانية والعشرون، فإنها تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون سابعة منها، وعلى هذا يكون معنى الحديث تاسعة من الليالي الباقية، والعداد يكون من الآخر على كون الشهر من الثلاثين، وتكون الليالي كلها أشفاعًا.
стр. 1475
والثالث: هو القول الثاني إلا أن العداد من تسع وعشرين لكونه متيقنًا، فعلى هذا تكون "تاسعة تبقى" هي ليلة إحدى وعشرين، وعلى هذا المعنى تكون الليالي كلها أوتارًا.
والرابع: ما اختاره ابن عبد البر أن المراد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وكذلك البواقي كالقول الثالث، إلا أن المعنى عنده تاسعة تبقى بعد الليلة التي تلتمس فيها، فعلى هذا يكون العداد من ثلاثين، وتكون الليالي كلها أوتارًا، وباعتبار المصداق هذا والذي قبله سواء، والاختلاف بينهما باعتبار معنى الحديث.
والخامس: ما يظهر من كلام العيني أن المراد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين على نقصان الشهر، والثانية والعشرين على تمامه، يعني عمومه يتناول الصورتين معًا، قال: وهذا دال على الانتقال من وتر إلى شفع، انتهى من هامش "اللامع" (١).
(٤ - باب رفع معرفة ليلة القدر. . .) إلخ
وقيَّد الرفع بمعرفة إشارة إلى أنها لم ترفع أصلًا ورأسًا، قال ابن المنيِّر: يستفاد هذا التقييد من قوله: "التمسوها" بعد إخبارهم بأنها رفعت، انتهى من "الفتح" (٢) مختصرًا.
قلت: وذكر الحافظ أقوالًا أخر في معنى الرفع سوى ما أشار إليه البخاري، والغرض من الباب الرد على من قال: إنها رفعت أصلًا ورأسًا كما حكي عن الروافض، وحكاه الفاكهاني في "شرح العمدة" عن الحنفية، قال الحافظ: وكأنه خطأ منه، والذي حكاه السروجي أنه قول الشيعة، وفي "مصنف عبد الرزاق": ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنه أنكرها فأراد زر بن حبيش أن يحصبه فمنعه قومه، انتهى من "الفتح" (٣).
стр. 1476
(٥ - باب العمل في العشر الأواخر من رمضان)
قال الحافظ (١): قوله: "شد مئزره" أي: اعتزل النساء، وقال الخطابي: يحتمل أن يريد به الجد في العبادة كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي: تشمرت له، ويحتمل أن يراد به التشمير والاعتزال معًا، قال القرطبي: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف، وفيه نظر، لقوله فيه: "وأيقظ أهله" فإنه يشعر بأنه كان معهم في البيت، فلو كان معتكفًا لكان في المسجد ولم يكن معه أحد، وفيه نظر، فقد تقدم حديث "اعتكفت مع النبي ﷺ امرأة من أزواجه"، وعلى تقدير أنه لم يعتكف أحد منهن، فيحتمل أن يوقظهن من موضعه، وأن يوقظهن عند ما يدخل البيت لحاجته، انتهى من "الفتح" مختصرًا.
ثم براعة الاختتام أشار إليها الحافظ (٢): بقوله: وفي الحديث الحرص على مداومة القيام في العشر الأخير إشارة إلى الحث على تجويد الخاتمة، ختم الله لنا بالخير آمين.
قلت: وعندي البراعة في قوله: شد المئزر، فإن الإزار أحد أجزاء الكفن، أو في قوله: أيقظ أهله.
* * *
стр. 1477
٣٣ - أبواب الاعتكاف
قال القسطلاني (١): ولابن عساكر كتاب الاعتكاف بدل أبواب الاعتكاف.
وقال الحافظ (٢): الاعتكاف لغةً: لزوم الشيء وحبس النفس عليه، وشرعًا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعًا إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدًا عند قوم، واختلف في اشتراط الصوم له كما سيأتي في باب مفرد، وانفرد سويد بن غفلة باشتراط الطهارة له، انتهى.
قلت: وهو عندنا على ثلاثة أنواع، ففي "الدر المختار" (٣): الاعتكاف واجب بالنذر، سُنَّة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان، مستحب في غيره من الأزمنة، انتهى.
(١ - باب الاعتكاف في العشر الأواخر. . .) إلخ
الترجمة مشتملة على جزئين كما هو ظاهر، الأول: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، والثاني: كونه في المساجد، والجزء الأول: أعني تخصيص الزمان ثابت بأحاديث الباب، والجزء الثاني: أعني تخصيصه بالمكان ثابت بالآية الشريفة.
قال الحافظ (٤): وجه الدلالة من الآية أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به؛ لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها، انتهى.
стр. 1478
ولا يلزم أن يثبت مجموع الترجمة بكل ما في الباب بل لو دل البعض بحيث يعلم كل الترجمة من كل ما في الباب لكفاه، وهو الأصل الحادي والثلاثون، أي: الاستدلال بالمجموع على المجموع، وله نظائر في الكتاب كما بسط في الجزء الأول في بيان الأصول.
وأما الكلام على الترجمة من حيث الفقه فإنهم متفقون على سُنِّية الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
قال الحافظ: قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون.
قال الحافظ: وأما قول ابن نافع عن مالك: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى. فكأنه أراد صفة مخصوصة. وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي، وقال: إنه سُنَّة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال: في مواظبة النبي ﷺ ما يدل على تأكده، انتهى.
وأما الجزء الثاني من الترجمة فقد قال الحافظ: اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول للشافعي قديم، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك؛ لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا، وخصه حذيفة بن اليمان
стр. 1479
بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة، واتفقوا على أنه لا حدّ لأكثره، واختلفوا في أقله، انتهى مختصرًا.
(٢ - باب الحائض ترجل المعتكف)
وقال الحافظ (١): أي تمشطه وتدهنه، ثم قال: وفي الحديث استخدام الرجل امرأته برضاها، وفي إخراجه رأسه دلالة على اشتراط المسجد للاعتكاف، وعلى أن من أخرج بعض بدنه من مكان حلف أن لا يخرج منه لم يحنث حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما، انتهى.
(٣ - باب المعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة)
كأن المصنف أطلق على وفق الحديث، ثم قال بعد ذكر الحديث: زاد مسلم "إلا لحاجة الإنسان" وفسَّرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، وفي رواية عند أبي داود عن عائشة قالت: "السُّنَّة على المعتكف أن لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة" الحديث، وروي عن النخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة، وقال الشافعي وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله، انتهى من "الفتح" (٢).
قلت: وبجواز الاشتراط عند ابتداء الاعتكاف قال أحمد، وأنكره الإمام مالك صرح به في "موطئه"، ولم أجده في عامة فروع الحنفية، بل فيها ما يومئ إلى خلافه إلا ما حكى صاحب "الدر المختار" وغيره: لو شرط وقت النذر أن يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة [وحضور مجلس علم] جاز ذلك، إلى آخر ما بسط في "الأوجز" (٣).
стр. 1480
(٤ - باب غسل المعتكف)
قال القسطلاني (١): أي: جوازه، قال البرماوي كالكرماني: غسل بفتح الغين لا بضمها، انتهى. نعم ثبت الرفع في رواية أبي ذر كما في اليونينية وغيرها، انتهى.
قال العلامة العيني (٢): يعني يجوز، ولم يذكر الحكم اكتفاء بما في الحديث، انتهى.
(٥ - باب الاعتكاف ليلًا)
غرض الترجمة يحتمل عندي وجوهًا، منها: أن يقال: إنه رد على من قال: أقل الاعتكاف عشر كما حكاه ابن القاسم عن مالك، ومنها: ما اختلف فيه أهل الأصول أن من نذر اعتكاف ليلة هل يدخل فيه النهار أيضًا أم لا؟ ومنها - وهو الأوجه عندي -: أن الغرض الإشارة إلى أنه هل يجوز الاعتكاف من غير صيام أم لا؟ لأن الليل ليس ظرفًا للصوم، والمسألة خلافية يجوز عند الشافعية والحنابلة، ولا يجوز عند الحنفية والمالكية، وسيأتي قريبًا بعد أبواب "باب من لم ير على المعتكف صومًا"، وذكر فيه حديث الباب، ولا يشكل عليه بالتكرار لما أشار إليه الحافظ (٣) بقوله: وترجمة هذا الباب مستلزمة للثانية؛ لأن الاعتكاف إذا ساغ ليلًا بغير نهار استلزم صحته بغير صيام من غير عكس، انتهى.
(٦ - باب اعتكاف النساء)
قال الحافظ (٤): أي: ما حكمه؟ وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب، وقال ابن عبد البر: لولا أن ابن عيينة زاد في الحديث أنهن استأذنّ النبي ﷺ في الاعتكاف
стр. 1481
لقطعت بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز، وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي رواية لهم أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وبه قال أحمد، انتهى.
قوله: (فيصلي الصبح ثم يدخله) قال الحافظ (١): واستدل بهذا على أن مبدأ الاعتكاف من أول النهار، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، انتهى.
قلت: وهذا التوجيه ذكره النووي (٢) وغيره أيضًا، لكن ردَّه العلامة السندي (٣) مبسوطًا، وأوله بأن المراد صبيحة عشرين اهتمامًا للاعتكاف، انتهى.
وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٤) وفيه: استدل به من قال: يدخل بعد الصبح وهو أحد قولي أحمد، انتهى.
وكذا بسط الكلام على الحديث شيخنا ومولانا خليل أحمد المهاجر المدني في "بذل المجهود" (٥).
(٧ - باب الأخبية في المسجد)
قال الحافظ (٦): ذكر فيه الحديث الماضي في الباب قبله مختصرًا، وتقدم مباحثه في الباب الذي قبله، انتهى.
وقال هناك: وفي الحديث جواز ضرب الأخبية في المسجد، وأن الأفضل للنساء أن لا يعتكفن في المسجد، انتهى.
стр. 1482
وهل يجوز اعتكاف المرأة في المسجد؟ فقد تقدم في الباب الذي قبله.
(٨ - باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد ؟)
أورد هذه الترجمة على الاستفهام لاحتمال القضية ما ترجم له، لكن تقييده ذلك بباب المسجد مما لا يتأتى فيه الخلاف حتى يتوقف عن بت الحكم فيه، وإنما الخلاف في الاشتغال في المسجد بغير العبادة، انتهى من "الفتح" (١).
قال العيني (٢): ولم يذكر جواب الاستفهام اكتفاءً بما في الحديث، انتهى.
(٩ - باب الاعتكاف وخروج النبي ﷺ صبيحة عشرين)
كأنه أراد بالترجمة تأويل ما وقع في حديث مالك من قوله: "فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من اعتكافه صبيحتها" وقد تقدم توجيه ذلك، وأن المراد بقوله: "صبيحتها" الصبيحة التي قبلها، قال ابن بطال: هو مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، فأضاف الضحى إلى العشية وهو قبلها، وكل شيء متصل بشيء فهو مضاف إليه سواء كان قبله أو بعده، انتهى (٣).
قلت: وحديث مالك الذي أشار إليه الحافظ تقدم في "باب الاعتكاف في العشر الأواخر".
وكتب الشيخ في "اللامع" (٤) هناك: قوله: "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها. . ." إلخ، لعله أراد بذلك أنه كان يكون خارجًا في تلك الصبيحة لا أنه ينشئ الخروج فيها؛ لأن الخروج إنما هو ليلة إحدى
стр. 1483
وعشرين لا بعد انقضائها والدخول في يوم أحد وعشرين، وكذلك يجب التأويل في قوله: "حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين" بأنه أراد بها قربها ودنوها لا دخولها، إذ لو كانت الليل قد دخلت قبل الخطبة وكانت الخطبة والأمر بالرجوع في الليلة لزم أن لا يتم اعتكاف العشر الأواخر بابتدائه من ليلة إحدى وعشرين، فيدخل المعتكف معتكفه قبل دخول الليلة لا بعده، انتهى.
وبسط الكلام عليه في هامشه من كلام الشرَّاح.
ولا يخفى عليك أن ههنا إشكالين:
الأول: تعارض الروايات في وقت خطبته ﷺ هل كانت في ليلة إحدى وعشرين كما في رواية مالك أو في صبيحة عشرين كما في رواية الباب؟ ويمكن أن يجاب عنه بأن في هذه الرواية إجمالًا، وليس المراد من قوله: "فخطبنا" البعدية المتصلة، بل هي للتراخي كما يوضحه الرواية الأخرى، أخرجها في "باب تحري ليلة القدر" فإن الحديث واحد والقصة واحدة.
والإشكال الثاني: في خروجه ﷺ صبيحة عشرين؛ لأن الظاهر أنه ﷺ اعتكف الليالي مع الأيام، فحينئذ لا بد له من الخروج بعد الغروب، والجواب عنه بوجهين:
أحدهما: أنه محمول على أنه أراد اعتكاف الليالي دون الأيام.
وثانيهما: أنه محمول على نقل أثقالهم، كذا يستفاد من الشروح، وهذا غاية الإيضاح لهذا المقام، فتشكر.
(١٠ - باب اعتكاف المستحاضة)
كتب الشيخ قُدِّس سرُّه في "اللامع" (١): إنما احتيج إلى ضبط هذا
стр. 1484
الباب لما أن ظاهره عدم الجواز، لما في اعتكافها من احتمال تلويث المسجد، ولذلك نهى عن اللحم يدخل به في المسجد، وقيل: "جنبوا مساجدكم الصبيان والمجانين"، وحاصل الدفع: أنه لا بأس في اعتكافها فيه إذا لم يخف عليها فتنة، وحصل الأمن من التلويث بنوع معالجة، انتهى.
وفي هامشه: تقدم هذا الباب في "كتاب الحيض"، وتقدم هناك شيء من الكلام عليه، انتهى.
(١١ - باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): دفع بذلك ما يظن من عدم جواز زيارتها إياه كعكسه، لما أن المعتكف قد منع عن الجماع ودواعيه، وهذا مما يفضي إليه في الجملة، وحاصل الدفع: أن الحرمة متعلقة بالجماع وما يفضي إليه، وليس من لوازم الزيارة الإفضاء إلى الجماع، نعم إذا غلب على الظن أنها تفضي إليه تحرم، انتهى.
(١٢ - باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه ؟)
قال الحافظ (٢): أي يدفع، وقوله: (عن نفسه) أي: بالقول والفعل، وقد دلَّ الحديث على الدفع بالقول فيلحق به الفعل، وليس المعتكف بأشد في ذلك من المصلي، انتهى.
قلت: الظاهر أن الغرض إثبات الدفع وإن لم يحتج إلى ذلك؛ لأن حالة الاعتكاف وكون الجماع ممنوعًا وإن كان كافيًا للدفع، لكن الأحسن أن يدفع كما فعل ﵊، وفي "القسطلاني" (٣): قال الإمام الشافعي: إن قوله ﵊ ذلك تعليم لنا إذا حدّثنا محارمنا أو نساءنا على الطريق أن نقول: هي محرمي، حتى لا نتهم، انتهى.
стр. 1485
(١٣ - باب من خرج من اعتكافه عند الصبح)
كتب الشيخ في "اللامع" (١): ظاهره أنه لم يشترك تمام اليوم إلى ليلة الخروج كما هو عند الجمهور، بل جوّز الخروج في الصبح نظرًا إلى ظاهر ما ورد في الحديث، وقد عرفت المراد به فيما تقدم في مبدأ أبواب الاعتكاف، انتهى.
قلت: ويحتمل أن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى أن المعتكف لو خرج من معتكفه المخصوص وأرسل حوائجه وأثقاله إلى البيت قبل تمام الاعتكاف؛ فلا بأس به.
وقال الحافظ (٢): هو محمول على أنه أراد اعتكاف الليالي فقط دون الأيام، وسبيل من أراد ذلك أن يدخل قبيل غروب الشمس ويخرج بعد طلوع الفجر، فإن أراد اعتكاف الأيام خاصةً فيدخل مع طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس، فإن أراد اعتكاف الأيام والليالي معًا فيدخل قبل غروب الشمس ويخرج بعد غروب الشمس أيضًا، وقد وقع في حديث الباب "فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا" وهو مشعر بأنهم اعتكفوا الليالي دون الأيام، وحمله المهلب على نقل أثقالهم وما يحتاجون إليه من آلة الأكل والشرب والنوم، إذ لا حاجة لهم بها في ذلك اليوم، فإذا كان المساء خرجوا خفافًا، انتهى.
قلت: وما أفاده الحافظ من أنه أراد اعتكاف الليالي دون الأيام ليس بوجيه عندي؛ لأن هذا المعنى تقدم قريبًا في ترجمة مستقلة، وهي "باب الاعتكاف ليلًا" اللَّهم إلا أن يقال: إن الغرض مما سبق صحة اعتكاف الليل فقط دون النهار، وهو جائز عند الشافعي وأحمد، ولا يجوز عند المالكية والحنفية، والمقصود ههنا بيان وقت الخروج لمن اعتكف ليلًا، انتهى من هامش "اللامع" (٣).
стр. 1486
(١٤ - باب الاعتكاف في شوّال)
قال الحافظ (١): ذكر فيه حديث عمرة عن عائشة، وقد تقدم في "باب اعتكاف النساء"، وقال الحافظ هناك (٢): قيل: في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى استحبابًا، واستدل به المالكية على وجوب قضاء العمل لمن شرع فيه ثم أبطله، ولا دلالة فيه لما سيأتي، إلى آخر ما بسط فيه الحافظ من استنباط المسائل، انتهى.
قلت: وترجم الإمام مالك في "موطئه" بقضاء الاعتكاف، وذكر فيه حديث الباب، وبسط الكلام على المسألة في "الأوجز" (٣) وفيه: قال الموفق: إن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها، وله الخروج منها متى شاء، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: تلزمه بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه لزمه قضاؤه، وقال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك الفقهاء، ويلزمه القضاء عند جميع العلماء، قال: وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب، ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بما روي عن عائشة، فذكر حديث الأخبية، ثم تعقَّب الموفق على قول ابن عبد البر وحكاية الإجماع بخلاف الشافعي وغيره، انتهى.
وفي "الهداية" (٤) بعد نقل اختلاف الروايات في اشتراط الصوم للاعتكاف وعدمه: ولو شرع فيه ثم قطعه لا يلزمه القضاء في رواية الأصل؛ لأنه غير مقدر، فلم يكن القطع إبطالًا، وفي رواية الحسن - أي: رواية اشتراط الصوم - يلزمه؛ لأنه مقدر باليوم كالصوم، انتهى.
وبسط الكلام عليه في "الدر المختار" (٥) كما في "الأوجز" (٦) وفيه: ولما كان مقدرًا بالعشر، فينبغي أن يجب القضاء إذا أفسد، ثم على أصل
стр. 1487
أبي يوسف ينبغي قضاء ما بقي من العشر كما لو نذر العشر يلزمه كله متتابعةً، ولو أفسد بعضه قضى باقيه، وعلى أصلهما يقضي قضاء يوم أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه، انتهى مختصرًا.
(١٥ - باب من لم ير على المعتكف صومًا)
قال الحافظ (١): وباشتراط الصيام قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما، وبه قال مالك والحنفية، واختلف عن أحمد وإسحاق، واحتج عياض بأنه ﷺ لم يعتكف إلا بصوم، وفيه نظر، لاعتكافه ﷺ في شوال، إلى آخر ما في "الفتح".
قلت: وتحقيق المذاهب ما بسط في "الأوجز" من أن الصوم شرط للاعتكاف مطلقًا عند الإمام مالك، النفل والواجب فيه سواء، حتى أن من لا يصوم بعذر لا يصح اعتكافه، ولا يشترط مطلقًا في المشهور عند أحمد، وعنه رواية الاشتراط، والقول القديم للشافعي أنه شرط للمنذور، ومختار فروعه أنه ليس بشرط، وعندنا الحنفية شرط للمنذور روايةً واحدةً، ولا يشترط في النفل في ظاهر الرواية، ويشترط في رواية الحسن، وأما اعتكاف السُّنَّة فرجح ابن عابدين الاشتراط، وابن نجيم عدمه، والمتون ساكتة عنه، انتهى ملخصًا من "الأوجز" (٢).
(١٦ - باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم)
أي: هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا؟ والمسألة خلافية، فعند الحنابلة نذر الجاهلية صحيح خلافًا للأئمة الثلاثة، فالأمر بالإيفاء محمول على الاستحباب عند الجمهور، وعلى الوجوب عند أحمد، كذا يستفاد من الشروح (٣).
стр. 1488
(١٧ - باب الاعتكاف في العشر الأوسط. . .) إلخ
قال الحافظان ابن حجر والعيني (١): كأنه أشار بذلك إلى أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير وإن كان الاعتكاف فيه أفضل، انتهى.
(١٨ - باب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج)
قال الحافظ (٢): أورد فيه حديث عائشة وقد تقدمت مباحثه، وفيه إشارة إلى الجزم بأنه لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه، بل تركه قبل الدخول فيه، وهو ظاهر السياق خلافًا لمن خالف فيه، انتهى.
كذا قال الحافظ ههنا، وقال في "باب اعتكاف النساء" تحت حديث الباب (٣): وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه، وأنه لا يلزمه بالنية ولا بالشروع فيه، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافًا لمن قال باللزوم، وفيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي وغيره، وقال الأئمة الأربعة: يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدخول فيها، وأجاب عن هذا الحديث بأنه ﷺ لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف، وإنما همّ به ثم عرض له المانع المذكور فتركه، فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين: إما أن يكون شرع في الاعتكاف فيدل على جواز الخروج منه، وإما أن لا يكون شرع فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح، انتهى.
قلت: وترجمة المصنف هذه صريحة في أنه ﵊ لم يشرع في الاعتكاف إلى الصبح، فلعل الإمام البخاري اختار في هذه المسألة مذهب الأوزاعي.
стр. 1489
(١٩ - باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل)
أورد فيه حديث عائشة، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الاعتكاف، قاله الحافظ (١).
قلت: وغرض المصنف من الترجمة أن الخروج لا يتحقق بإخراج بعض البدن حتى يخرج رجليه ويعتمد عليهما، ثم الظاهر عندي أن الإمام البخاري لم يذكر هذا الباب إلا للتنبيه على براعة الاختتام، وهي عند الحافظ في قوله: "ما أنا بمعتكف فرجع"، وعند هذا العبد الضعيف بلفظ "البيت" كما تقدم في المقدمة، فإن البيت يطلق على القبر كما في حديث أبي ذر مرفوعًا: "كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف؟ " وترجم عليه أبو داود (٢) "باب في قطع النباش"، وإدخال المعتكف رأسه بالبيت أشبه بإدخال الميت في القبر مع أن المعتكف منقطع عن الدنيا مجاور في بيت الله كالميت لا يستطيع الخروج عن القبر.
* * *
стр. 1490
٣٤ - كتاب البيوع
ولما فرغ البخاري عن بيان العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي، شرع في بيان المعاملات المقصود منها التحصيل الدنيوي، فقدّم العبادات لاهتمامها، ثم ثنى بالمعاملات لأنها ضرورية، وأخَّر النكاح لأن شهوته متأخرة عن الأكل والشرب، وأخَّر الجنايات والمخاصمات؛ لأن وقوع ذلك في الغالب إنما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج، وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد، وأخَّر البيع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور، قال صاحب "التوضيح" (١): ولا أدري لم فعل ذلك؟.
قلت: لعله نظر إلى أن الجهاد أيضًا من العبادات المقصود منها التحصيل الأخروي؛ لأن جلّ المقصود ذلك لأن فيه إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار الدين ونشر الإسلام، وبعض أصحابنا قدَّم النكاح على البيوع في مصنفاتهم نظرًا إلى أنه مشتمل على المصالح الدينية والدنياوية، ألا ترى أنه أفضل من التخلي بالنوافل؟ وبعضهم قدم البيوع على النكاح نظرًا إلى أن احتياج الناس إلى البيع أكثر من احتياجهم إلى النكاح، فكان أهم بالتقديم انتهى من "العيني" (٢).
قلت: وعامة الأحناف من الفقهاء والمحدثين يقدمون النكاح على البيع وغيره من المعاملات كما فعل الإمام الطحاوي في "شرح معاني الآثار" والإمام محمد في "الموطأ" وكذا صاحب "البدائع" والإمام السرخسي في "المبسوط" وصاحب "الهداية" و"شرح الوقاية" و"الدر المختار" وغيرهم، والظاهر أن هذا اختلافهم في حكم النكاح، فعند
стр. 1491
الجمهور من المندوبات أي في حال الاعتدال، وعند الشافعي كما في "البدائع" (١) أنه مباح كالبيع والشراء وبسط الكلام على حكمه الموفق (٢)، فقال: الناس في النكاح على ثلاثة أضرب، إلى أن قال: الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال به أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول أصحاب الرأي، وقال الشافعي: التخلي لعبادة الله أفضل؛ لأن الله تعالى مدح يحيى ﵇ بقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] فكان الاشتغال بالعبادة أفضل منه كالبيع، ثم بسط الموفق في دلائل الجمهور.
وفي "الأوجز" (٣): البيوع جمع بيع، وجمع لاختلاف أنواعه، فهو المطلق إن كان بيع العين بالثمن، والمقايضة إن كان عينًا بعين، والسلم إن كان بيع الدين بالعين، والصرف إن كان بيع الثمن بالثمن، والمرابحة إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية إن لم يكن مع زيادة، والوضيعة إن كان بالنقصان، واللازم إن كان تامًا، وغير لازم إن كان بالخيار، وأيضًا الصحيح، والباطل، والفاسد، والمكروه، قاله العلَّامة العيني (٤).
وقوله: (﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]) قال الحافظ (٥): كذا للأكثر ولم يذكر النسفي ولا أبو ذر الآيتين، والآية الأولى أصل في جواز البيع، وللعلماء فيها أقوال: أصحها أنه عام مخصوص، فإن اللفظ لفظ عموم يتنادل كل بيع فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشارع بيوعًا أخرى وحرمها فهو عام في الإباحة، مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه، ثم ذكر الحافظ أقوالًا أخر، وقال: والآية الأخرى تدل على إباحة التجارة في البيوع الحالة وأولها في البيوع المؤجلة، انتهى.
стр. 1492
(١ - باب ما جاء في قول الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية [الجمعة: ١٠])
قال الحافظ (١): والآية الأولى يؤخذ منها مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل لأنه يشمل التجارة وأنواع التكسب، ثم قال: والذي يظهر أن مراد البخاري بهذه الترجمة قوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وأما ذكر التجارة فيها فقد أفرده بترجمة تأتي بعد ثمانية أبواب، انتهى.
قلت: ويحتمل عندي أن غرض الترجمة إثبات جواز البيع.
قوله: (فما نسيت من مقالته تلك) ظاهره عدم النسيان من هذه المقالة، وما تقدم في "كتاب العلم" من قوله: "فما نسيت شيئًا بعد" يفيد عدم النسيان مطلقًا لكل شيء من الحديث وغيره، بسط الكلام عليه في "اللامع" وهامشه فارجع إليه لو شئت (٢).
(٢ - باب الحلال بيِّن، والحرام بيِّن. . .) إلخ
وقال الحافظ (٣): ذكر فيه حديث النعمان بن بشير بلفظ الترجمة وزيادة، ثم قال بعد الكلام على شرح الحديث: وقد توارد أكثر الأئمة المخرجين له على إيراده في "كتاب البيوع" لأن الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرًا، وله تعلق أيضًا بالنكاح وبالصيد والذبائح والأطعمة والأشربة وغير ذلك مما لا يخفى، انتهى.
ويشكل على حديث الباب ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس وفيه: "فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو" فإن المرتبة الثالثة وهي التي بين الحلال والحرام مما يستبرأ عنه في رواية البخاري ومعفوٌ عنه في رواية أبي داود، ويمكن الجمع بينهما بوجهين: